Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على الإصحاحِ التَّاسعِ مِن إنجيل يوحنَّا. وبالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ الَّذينَ لم يَكونوا مَعَنا في دُروسِنا السَّابقةِ للإصحاح التَّاسعِ، أعتَذِرُ لأنَّكُم لم تَستَمِعوا إلى أوَّلِ عِظَتَيْنِ عَن هذا الإصحاحِ التَّاسِعِ العَظيم. لِذا، سوفَ أحاولُ أن أُلَخِّصَهُما لَكُم بإيجازٍ شَديدٍ وَحَسْب.

كانَ يَسوعُ في أورُشليم. وبينَما هُوَ خَارِجٌ مِن أَحَدِ مَخارِجِ الهَيكلِ أو مِن إحدَى بَوَّاباتِ الهَيكلِ، التَقى رَجُلاً أعمَى مُنذُ وِلادتِه. فهو لم يَرَ مِن قَبل. فقد كانَ مُصابًا بِعَمىً خِلْقِيّ. وكانَ يَستَعطي. لِذا فقد كانَ يَجلِسُ هناكَ مَعَ بَقيَّةِ المُتَسَوِّلينَ عندَ مَدخَلِ الهَيكلِ لأنَّ أغلبيَّةَ الأشخاصِ الَّذينَ يَدخُلونَ ويَخرُجونَ يُبالونَ بتَمجيدِ اللهِ، ويُبالونَ بِما يَنبغي أن يَفعلوه؛ أيْ بِفعلِ الخَيرِ والتَّصَدُّقِ على المُتَسَوِّلين. لِذا، كانت تِلكَ المَداخِلُ والمَخارِجُ تَحتَشِدُ بالمُتَسَوِّلين. وقدِ التَقى يَسوعُ هذا الرَّجُلَ الَّذي كانَ أعمَى ولا يَستطيعُ أن يَراه. لِذا فقدِ اقتربَ يَسوعُ مِنهُ ووَهَبَهُ عَيْنَيْن. فقد أعطاهُ عَينَيْنِ جَديدَتَيْن، أو خَلَقَ لَهُ عَيْنَيْنِ جَديدَتَيْن لأنَّهُ كما يَقولُ لنا يُوحَنَّا: "وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَان". فَكُلُّ شَيءٍ مَخلوقٍ إنَّما خُلِقَ مِنْ قِبَلِه. وَهُوَ مَا زَالَ الخَالِق. لِذا فقد خَلَقَ عَيْنَيْنِ لهذا الرَّجُلِ الأعمَى.

وقد صَارَ بِمقدورِ هذا الرَّجُلُ في الحَالِ أن يَرى. ثُمَّ إنَّ عِدَّةَ مُواجَهاتٍ حَدَثَت. فأوَّلاً، حاولَ جِيرانُهُ أن يَفهَمُوا كيفَ حَدثَ ذلك؛ أيْ كيفَ أنَّ هذا الرَّجُلَ الَّذي يَعلَمونَ أنَّهُ أعمَى يَرى الآن! لِذا فقد خَضَعَ للتَّحقيقِ مِن جِيرانِه. وَالحَقيقةُ هيَ أنَّهُ لم يَتمكَّن مِنَ الإجابةِ عَن سُؤالِهِم لَهُ بخصوصِ الشَّخصِ الَّذي فَعلَ ذلك لأنَّهُ لم يَرَهُ، ولأنَّهُ لا يَعرِفُ بالضَّبط كَيفَ حَدثَ ذلك! ولكنَّهُ كانَ مُقتَنِعًا بأنَّ الشَّخصَ الَّذي فَعلَ ذلكَ هُوَ مِنَ الله. ثُمَّ إنَّهُم أَتَوْا بِهِ إلى الفَرِّيسيِّينَ ظَنًّا مِنهُم أنَّ الفَرِّيسيِّينَ سيُقدِّمونَ تَفسيرًا؛ أيْ تَفسيرًا رُوحِيًّا أو تَفسيرًا دِينيًّا، أو تَفسيرًا إلهيًّا لكيفيَّةِ حُدوثِ ذلك لأنَّهُ [كما قَالَ الأعمَى]: "مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى". لِذا، كانَ هُناكَ تَحقيقٌ مِنَ الفَرِّيسيِّين.

وكانَ الفَرِّيسيُّونَ قَد أَصدَرُوا حُكمَهُم قَبلَ حَتَّى أن يَبتَدِئُوا الاستجواب. فقد كانوا يَعتقدونَ أنَّ يَسوعَ مَجنونٌ، أو مَسكونٌ بأرواحٍ شِرِّيرة أو مَسكونٌ بالشَّيطان. وبسببِ استِنتاجِهم ذاكَ، لم يَكُنِ استِجوابُهُم سيُؤدِّي إلى أيِّ مَكان. لِذا فقد رَفَضُوا شَهادةَ الرَّجُل، ورَفَضُوا شَهادةَ الجِيران، وانتَهى الأمرُ بِهِم بأنَّهُم طَرَدوا الرَّجُلَ الَّذي صَارَ يَرى الآنَ مِنَ المَبنَى. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُم طَرَدوهُ مِن حَياةِ الأُمَّةِ؛ أيْ مِن حَياةِ بَني إسرائيل. فَقد كانَ مَنبوذًا أصلاً لأنَّهُم لم يَكونوا يُؤمِنونَ بأنَّهُ يُوجدُ إنسانٌ وُلِدَ أعمَى دُونَ أن يَكونَ مَلعونًا مِنَ اللهِ بِسَببِ خَطيَّةٍ مَا؛ أيْ بِسببِ خَطيَّةٍ اقتَرَفَها وَالِداهُ أو رُبَّما خَطيَّةٍ اقتَرَفَها هُوَ. لِذا فقد كانَ في الأصلِ مَطرودًا مِنَ المَجمَعِ ولا يَستطيعُ أن يَختلطَ بالآخرينَ في المَجمَع. فَقد كانَ مَطرودًا ومَنبوذًا. لِذا فقد كانَ مُتَسَوِّلاً. وكانت عَائلتُهُ تَشْعُرُ بالحَرَجِ بِسببِه. ونَحنُ نَعلَمُ أنَّ أُمَّهُ وَأباهُ كَانا على قَيْدِ الحَياة. فَهُما يَظهَرانِ في القِصَّة. وَقَد وَضَعاهُ أمامَ فُوَّهَةِ المِدفَعِ لكي يَحْمِيا نَفسيهِما. ولكِنْ فَكِّروا في الأمر: لو كانَا يُحِبَّانِ ابنَهُما الأعمَى لَما سَمَحا بأنْ يَكونَ مُتَسَوِّلاً، بَلْ لاهْتَمَّا بِهِ كَما يَفعلُ أيُّ أبٍ وأُمٍّ عَادِّيَّيْنِ وطَبيعيَّيْن!

لِذا، كانَ هذا الرَّجُلُ إنسانًا مَرفوضًا تَمامًا مِنَ الجَميع. والآن، عندما صَارَ بِمَقدورِهِ أن يَرى، لاقَى صُعوبَةً في إقناعِ النَّاسِ بِما حَدث. فَجيرانُهُ رَأَوْا ذلكَ ولكنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يُفَسِّروه. والفَرِّيسيُّونَ رَأَوْا ذلكَ ولكنَّهُم يَرفُضونَ أن يُصَدِّقوا مَا حَدَث. وَقد عَامَلَهُ أبَواهُ بازدِراء! وأخيرًا، عندما انتَهى التَّحقيقُ [في العَدد 34]، نَقرأُ كلماتِ الفَرِّيسيِّينَ الأخيرة: "فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا! فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا". فقد رَفَضُوا يَسوعَ، ورَفَضُوا الرَّجُلَ، ورَفَضُوا المُعجِزَة.

ولم يَكُن يَسوعُ هُناكَ في ذلكَ الوقت. فقد شَفى الرَّجُلَ ثُمَّ اختَفى في القِصَّة. وقد تَمَّ جَلْبُ الرَّجُلِ إلى الفَرِّيسيِّينَ مِن قِبَلِ هؤلاءِ الجِيرانِ مِن أجلِ هذا التَّحقيقِ الَّذي انتَهى بِطَردِهِ خَارجًا، وبالاستمرارِ في مُعاملِتهِ مُعامَلَةَ المَنبوذِ مَعَ أنَّهُ صَارَ بِمقدورِهِ الآنَ أن يَرى!

ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يَدخُلُ المَشهَدَ ثَانيةً في العَددِ الخامِسِ والثَّلاثين حيثُ نَقرأُ مَا يَلي: "فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ. فَقَالَ يَسُوعُ: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ». فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ: «أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ»".

والآن، نَنتقِلُ مِنَ العَمَى الجَسَدِيِّ إلى العَمَى الرُّوحِيّ. أمَّا الشِّفاءُ فذلكَ جَسَدِيّ. وهذا المَقطعُ الَّذي يَصِلُ إلى الذُّروةَ بهذهِ القِصَّةِ المُدهشةِ هُوَ عَنِ العَمى الرُّوحِيِّ والإبصارِ الرُّوحِيّ. وفي الكتابِ المقدَّسِ... في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ، يُستَخدَمُ العَمى رَمزيًّا للإشارةِ إلى حَالَةِ فَسادِ الإنسانِ، وسُقوطِهِ، وعَدمِ قُدرتِهِ على فَهمِ اللهِ والحَقِّ الإلهِيّ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 43: 8 عَن أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ كانُوا عُميانًا على الرَّغمِ مِن أنَّ لَهُم عُيون. ونَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 5: 21 عَنِ الشَّعْبِ الجَاهِلِ وَالعَدِيمِ الفَهْمِ، الَّذِينَ لَهُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ يُبْصِرُون. ونَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 56: 10 أنَّ القادَةَ الفَاسِدينَ في أُمَّةِ إسرائيلَ يُوصَفونَ بأنَّهُم مُراقِبونَ عُمْيٌ لا يَرَوْنَ أيَّ شَيء. وَقَد قَالَ يَسوعُ عَنِ الفَرِّيسيِّينَ إنَّهُم عُميانٌ، ثُمَّ إنَّهُ قَالَ عَنهُم إنَّهُم مُرشِدونَ عُميان.

وكانَ الرَّسولُ بُولسُ [بِحسبِ مَا جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والإصحاح 26] قَد أُرسِلَ للكِرازةِ بالإنجيلِ إلى الأُمَم "لِيَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُور". وَقد حَدَثَ ذلكَ لَهُ وَهُوَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ أعمَى رُوحِيًّا. وَقد أُصيبَ بِعَمىً جَسَدِيّ. ثُمَّ إنَّهُ أُعطِيَ بَصَرًا جَسديًّا وَرُوحِيًّا في اختبارِهِ ذاكَ وَهُوَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق. وَجَميعُ الخُطاةِ [كَما يَقولُ الرَّسولُ بُولسُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ أفسُس والإصحاحِ الرَّابع] "هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْر". وفي إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ الثَّالث، قَالَ رَبُّنا إنَّ الخُطاةَ يُحِبُّونَ الظُّلمةَ أكثرَ مِنَ النُّورِ لأنَّهُم يُحِبُّونَ جِدًّا أعمالَهُم الشِّرِّيرة. ونَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 3: 17 أنَّ عَالَمَ الخُطاةِ يَتَّسِمُ بالشَّقاءِ والعُريِ والبُؤسِ والفَقْرِ والعَمَى.

لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَستخدِمُ العَمَى كاستِعارةٍ تُشيرُ إلى الجَهلِ الرُّوحيِّ، والظُّلمةِ الرُّوحيَّةِ، والفَسادِ الرُّوحيِّ، وعَدمِ القُدرةِ على مَعرفةِ اللهِ أو مَعرفةِ الحَقّ. وهذا العَمَى الطَّبيعيُّ النَّاجِمُ عنِ الخَطيَّةِ يَزدادُ سُوءًا بِسَببِ قُدرةِ الشَّيطانِ على الخِداع. وَهذا هُوَ مَا يَجعَلُ العَمَى مُضاعَفًا إذْ نَقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والإصحاحِ الرَّابعِ أنَّ "إِلهَ هذَا الدَّهْرِ [أيِ الشَّيطانَ] قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ". فَهُم عُمْيٌ بِطبيعَتِهم، وَعُمْيٌ بِسَببِ الشَّيطان.

وعندما يَصيرُ هذا العَمَى مُتَرَسِّخًا وغَيرَ مَصحوبٍ بالنَّدَم، وعندما يَستَمِرُّ هذا العَمَى باستمرار، يَظهَرُ نَوعٌ ثَالثٌ مِنَ العَمَى وَهُوَ عَمَىً نَاجِمٌ عَنِ الدَّينونةِ الإلهيَّةِ ويُؤدِّي إلى عَمَىً مُهلِك. فقد قالَ إشَعْياءُ في سِفْرِ إشَعْياء 44: 18: "لاَ يَعْرِفُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ". لماذا؟ لأَنَّ اللهَ قَدْ طَمَسَ عُيُونَهُمْ عَنِ الإِبْصَارِ، وَقُلُوبُهُمْ عَنِ التَّعَقُّل. وَهَذا هُوَ بالضَّبط مَا قَالَهُ اللهُ لإشَعْياء في الرُّؤيا المُدَوَّنَةِ في الإصحاحِ السَّادس. فَهُم يَسمَعونَ ولا يَفهَمون. وَهُم يَرَوْنَ ولا يَعرفون. وَهُم لا يُؤمِنونَ لأنَّ قُلوبَهُم قَد تَقَسَّتْ بِسَببِ دَينونةِ الله.

وفي إنجيل يوحنَّا 12: 39 و 40، نَقرأُ أنَّ أولئكَ الَّذينَ أَصَرُّوا على عَدَمِ الإيمانِ لا يَقدرونَ أن يُؤمِنُوا لأنَّهُ كما قالَ إشَعْياء: "قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ". ففي تِلكَ اللَّحظةِ أُصبوا بالعَمَى قَضائيًّا مِنَ الله. لِذا فإنَّهُم لا يَقدرونَ أن يَرَوْا، ولا يَقدِرونَ أن يَفهَموا، ولا يَقدرونَ أن يَتَجَدَّدُوا. وقد كَتَبَ بُولسُ عَن هذهِ الدَّينونةِ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية 11: 8 قَائِلاً: "أَعْطَاهُمُ اللهُ رُوحَ سُبَاتٍ، وَعُيُونًا حَتَّى لاَ يُبْصِرُوا، وَآذَانًا حَتَّى لاَ يَسْمَعُوا إِلَى هذَا الْيَوْم". وهذهِ حَقيقةٌ خَطِرَة. فالعَمَى الطَّبيعيُّ يَدينُ النَّفس. وإنِ اقتَرَنَ هذا العَمَى بالعَمى الشَّيطانِيِّ فإنَّهُ يَدينُ النَّفسَ أكثر. والعَمَى الكُلِّيُّ هُوَ دَينونةٌ مِنَ الله. وَهُوَ يَعني زَوالَ كُلِّ رَجاء.

وبحسبِ سِفْرِ الأمثالِ وسِفْرِ الجَامِعَة فإنَّ الخُطاةَ يَسلُكونَ في طُرُقِ الظُّلمة. وبحسبِ ما جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء 5: 20 فإنَّهُم يَجعَلونَ النُّورَ ظَلاَمًا وَالظَّلاَمَ نُورًا. وبِحسبِ ما جَاءَ في رِسالةِ أفسُس 5: 11 فإنَّ العَالَمَ كُلَّهُ مُمتلئٌ بأُناسٍ يُشارِكونَ في أعمالِ الظُّلمةِ غَيرِ المُثمِرَةِ لأنَّ الآيةَ كُولوسي 1: 13 تَقولُ إنَّهُم جُزءٌ مِن سُلطانِ الظُّلمَة. إذًا، هُناكَ عَمَى وظُلمَة. وَهاتانِ استِعارَتانِ لِحالةِ الخُطاة.

وفي العهدِ القديم، عندما ابتدأَ اللهُ في التَّحدُّثِ عنِ المَسِيَّا، قَالَ إنَّ المَسِيَّا سَيأتي لِيَجلِبَ نُورًا. ففي إشعياء 9، وإشعياء 29، وإشعياء 42، وإشعياء 60، في كُلِّ هذهِ المَواضِعِ، نَرى أنَّ المَسِيَّا يَجلِبُ نُورًا رُوحِيًّا إلى العالَمِ في وَسَطِ الظُّلمة. فهُناكَ نُورٌ سَيُشرِقُ عِندما يَأتي المَسِيَّا. وفي افتِتاحِيَّةِ العهدِ الجديد، مَا الَّذي نَسمَعُهُ؟ "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ... كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاس". إذًا، هَذا هُوَ التَّمهيدُ الأساسِيُّ للرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فَهُوَ [في حَقيقَتِهِ الخَارقةِ للطَّبيعةِ] نُور. وفي مَقطعٍ لاحِقٍ مِن إنجيلِ يوحنَّا والإصحاحِ الثَّامن، نَقرأُ أنَّهُ قَالَ: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاة". ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 12: 46: "أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَة".

وفي إنجيل مَتَّى، لَعَلَّكُم تَذكرونَ مَا جَاءَ في الإصحاحِ الرَّابع: "الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُور". فَهذا هُوَ المَسِيَّا الَّذي جَاءَ لكي يُنيرَ الظَّلام.

لِذا، عندما كَتَبَ بولُسُ إلى الكنيسةِ في تَسالونيكي، وهي كلِماتٌ تَصِحُّ على جَميعِ المُؤمِنين، قَال: "جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْل وَلاَ ظُلْمَةٍ". وَقد قالَ بُطرسُ في رِسالَةِ بُطرسَ الأولى 2: 9 إنَّ الرَّبَّ هُوَ "الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيب".

حسنًا! لقد قُلتُ هذا كُلَّهُ لكي تَعلَموا أنَّ اللهَ اختارَ بِمُقتَضَى مَقاصِدِهِ الإلهيَّةِ أن يَستخدِمَ العَمَى والظُّلمةَ للإشارةِ إلى الحَالةِ الرُّوحيَّة. لِذا، عندما نَصِلُ إلى هذا النَّصِّ في إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ التَّاسع، ويُمكِنُكم أن تَنظروا إليهِ الآن، فإنَّ هذا كُلَّهُ يَتَلَخَّصُ في الآياتِ الخِتاميَّةِ الَّتي قَرأتُها على مَسامِعِكُم. فالأعدادُ مِن 1 إلى 34 تَتَحَدَّثُ عَنِ النُّورِ المَادِّيّ أوِ البَصَرِ الجَسديّ. ولكِنَّنا نَجِدُ أيضًا إشاراتٍ إلى العَمَى الرُّوحيِّ والظُّلمةِ الرُّوحيَّةِ مِن خلالِ الفَرِّيسيِّين. وعندما نَصِلُ إلى الأعدادِ مِن 35 إلى 41، يَتغيَّرُ المَوضوعُ تَمامًا مِنَ الإبصارِ والنُّورِ الجسديِّ إلى الإبصارِ والنُّورِ الرُّوحِيَّيْنِ، والعَمَى والظَّلامِ الرُّوحِيَّيْن.

والآن، فيما نَتأمَّلُ في هذهِ الآياتِ القصيرةِ والمُباشِرةِ والبَسيطةِ، أريدُ أن أُجَزِّأَها إلى قِسْمَيْن: البَصَرُ الرُّوحِيُّ (في الأعداد مِن 35 إلى 38) والَّذي يَتَمَثَّلُ في الرَّجُلِ المُتَسَوِّل، والعَمَى الرُّوحِيُّ (في الأعداد مِن 39 إلى 41) والَّذي يَتَمَثَّلُ في الفَرِّيسيِّين. فيُمكنكم أن تَجِدُوا هُنا مُفارقةً قَائمةً على هذهِ المُعجِزةِ بينَ البَصَرِ الرُّوحيِّ الَّذي حَصَلَ عليهِ الرَّجُلُ المُتَسَوِّلُ، وبينَ الظَّلامِ الرُّوحِيِّ الَّذي بَقِيَ فيهِ الفَرِّيسيُّون.

والآن، لِنَنظُر إلى البَصَرِ الرُّوحِيِّ عِندَ الرَّجُلِ المُتَسَوِّل في الأعداد مِن 35 إلى 38. ولكي أُعطيكُم نَمَطًا بَسيطًا تَتبَعونَهُ، هُناكَ أربعةُ أشياء تُشيرُ إلى هَذا الإبصارِ الرُّوحِيّ. حَسَنًا؟ أربعةُ أشياء. وسوفَ يَكونُ هذا الرَّجُلُ نَموذَجًا ليسَ فقط للإنسانِ الَّذي يَرى بِعينَيْهِ أوَّلَ مَرَّة، بَل أيضًا للإنسانِ الَّذي يَرى رُوحِيًّا أوَّلَ مَرَّة. وهُناكَ أربعةُ عَناصِر: أوَّلاً، وَهي نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا. العُنصرُ الأوَّلُ هُوَ أنَّ الإبصارَ الرُّوحِيَّ يَتطلَّبُ مُبادَرةً إلهيَّة... أنَّ الإبصارَ الرُّوحِيَّ يَتطلَّبُ مُبادَرةً إلهيَّة. فهذا الرَّجُلُ لم يَكُن بمقدورِهِ أن يَجعلَ نَفسَهُ يَرى جَسديًّا، ولم يَكُن بمقدورِهِ أن يَجعلَ نَفسَهُ يَرى رُوحِيًّا. لِذا فإنَّنا نَرى هذهِ النَّقلةَ لأنَّهُ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ لَنا. فَهُوَ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ أيَّ شَيءٍ لمُساعَدَةِ نَفسِه. ولم يَكُن يُوجدُ في تِلكَ الأزمنةِ القديمةِ جَرَّاحٌ يَستطيعُ أن يُصْلِحَ شَيئًا في عَينيهِ يُمَكِّنُهُ مِنَ الإبصار. ولم تَكُن تُوجدُ طَريقةٍ يَستطيعُ مِن خِلالِها أن يُبصِرَ رُوحِيًّا مِن ذاتِه. فلم يَكُن هذا الأمرُ مُمكِنًا. فَمِن جِهةٍ بَشريَّة، لم يَكُن يُمكِنُ لهذا الأمرِ أن يَحدُثَ على الصَّعيدِ الدُّنيويِّ أوِ الجَسديِّ أوِ الطَّبيعِيّ. فإن كانَ سيَرى، لا بُدَّ أن تَنزِلَ السَّماءُ وتَعثُرَ عَليهِ، أو تُحَدِّدَ مَكانَهُ. وَهذا هُوَ بالضَّبط مَا حَدَث.

العَدد 35. كانَت هُناكَ ضَجَّةٌ حَولَ منطقةِ الهيكل وَصَخَبٌ بِسَببِ أنَّ ذلكَ التَّحقيقَ كانَ ما يَزالُ مُستمرًّا. لِذا، نَقرأُ: "فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا". وَأنا أُحِبُّ ذلك: "فَوَجَدَهُ" - فَوَجَدَهُ. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ ما حَدَثَ في الإصحاح الخَامِسِ إذْ نَقرأُ أنَّ الرَّجُلَ المَريضَ عِندَ بِركةِ بَيْتِ حِسْدا حَمَلَ سَريرَهُ وَمَشَى. وعندما رَآهُ الفَرِّيسيُّونَ استَجوبوهُ نَفسَ الاستِجواب، ولاقَى نَفسَ المُعامَلَة. ونَقرأُ في ذلكَ الإصحاح؛ أيْ في الإصحاحِ الخَامِسِ والعَدد 14 [على ما أَظُنّ]: "بَعْدَ ذلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ". فَقد وَجَدَهُ يَسوع. وَهكذا تَحصُلُ على النُّورِ الرُّوحِيّ. فَكُلُّ شَيءٍ يَبتدِئُ بِمُبادَرةٍ إلهيَّة. وكُلُّ شَيءٍ يَبتدِئُ بِقَصْدٍ إلَهِيٍّ في فِكرِ الله. وفي إنجيل لُوقا 19: 10، يَقولُ يَسوعُ إنَّ "ابنَ الإنسانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ". فالأمرُ لا يَقتَصِرُ على تَقديمِ الخَلاصِ للنَّاسِ وَحَسْب، بَل إنَّهُ يَبحَثُ عَنهُم أيضًا. وفي رِسالةِ رُومية والإصحاحِ الثالثِ نَقرأُ أنَّهُ "لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". فَنحنُ لا نَدري إلى أينَ نَذهب، ولا نَدري عَمَّن نَبحَث. لِذا فإنَّهُ هُوَ الَّذي يَجِدُنا. وَهُوَ يَقولُ لتلاميذِهِ في إنجيل يوحنَّا 15: 16: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ". وَهُوَ يَقولُ في إنجيل مَتَّى والإصحاحِ الثَّامن عَشَر: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ". فَلهذا السَّببِ قَد جَاء. وَهُوَ الَّذي يَطلُبُنا، وَهُوَ الَّذي يَجِدُنا.

فالرَّبُّ هُوَ الَّذي يُبادِرُ إلى إعطاءِ البَصَرِ الرُّوحِيِّ كما أنَّهُ هُوَ الَّذي بَادَرَ إلى إعطاءِ البَصَرِ الجَسَدِيِّ لهذا الرَّجُل. وكانَ يُوجَدُ مُتَسَوِّلونَ كَثيرون، ومَرضَى كَثيرون، وسُقَماءُ كَثيرون. وقد ذَكَرْتُ لَكُم سَابقًا أنَّهُ كانَ يُوجَدُ أُناسٌ كَثيرونَ عُمْيٌ في العالَمِ القَديم. ولكنَّهُ وَجَدَ هذا الرَّجُلَ لِغَاياتِهِ الخَاصَّةِ، ولغاياتِهِ الإلهيَّةِ الخَاصَّةِ بِمَلكوتِه. فقد وَجَدَهُ في وَقتٍ لم يَكُن بمقدورِ ذلكَ الرَّجُلِ أن يَجِدَهُ. فَقد كانَ أعمَى تَمامًا. والمَسيحُ هُوَ دَائِمًا المُبادِرُ في الخَلاص. وَهُوَ دَائِمًا المُخَلِّصُ الَّذي يَجِدُ مَن يُخَلِّصَهُم. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ الرَّجُلَ الأعمَى لم يَكُن قادِرًا البَتَّةَ على إعطاءِ نَفسِهِ بَصَرًا جَسدِيًّا. كَما أنَّ الخَاطِئَ لا يَستطيعُ البَتَّةَ أن يُعطي نَفسَهُ بَصَرًا رُوحِيًّا. لِذا، لا بُدَّ أنْ تَأتي المُبادَرَةُ مِنَ السَّماء.

لِذا فقد وَجَدَ يَسوعُ الرَّجُل. وَهُنا يَبتَدِئُ الإبصارُ الرُّوحِيُّ. وَهذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ قَوِيٌّ على ذلك، بَل هُوَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ قَوِيٌّ جدًّا لأنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ بِلا حَوْلٍ وَلا قُوَّةٍ وَعَديمَ الرَّجاء. وكذلكَ هِيَ حَالُ كُلِّ خَاطِئ... وكذلكَ هِيَ حَالُ كُلِّ خَاطِئ.

لِذا فقد وَجَدَهُ وابتدأَ في التَّكلُّمِ مَعَهُ. وَهُوَ حَديثٌ قَصيرٌ جدًّا. فَهُوَ مُوجَزٌ. فهذهِ القِصَصُ في العهدِ الجديدِ مُكَثَّفَة. ولا أعتقدُ أنَّ الحَديثَ بينَهُما اقتَصَرَ على هذهِ العِبارات؛ ولكنَّ هذهِ هِيَ الخُلاصَةُ الَّتي أعلَنَها اللهُ لَنا: "وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟»". وَهذا سُؤالٌ مُهِمٌّ حَقًّا. فَهُوَ سُؤالٌ مُهِمٌّ جدًّا. فقد كانَ هذا الرَّجُلُ يَعرِفُ جَيِّدًا العهدَ القديمَ مَعَ أنَّهُ لم يَكُن يَذهبُ إلى المَجْمَع. وقد كانَ يَفهَمُ تَمامًا العهدَ القديمَ مَعَ أنَّهُ لم يَكُن باستِطاعَتِهِ أن يَقرأ. ولا نَدري كَيفَ كانَ يَعرِفُ ذلكَ؛ ولكنَّهُ كانَ حَكيمًا جدًّا. فقد كانَ يَعرِفُ، على سَبيلِ المِثالِ، أنَّهُ لا يُوجَدُ ذِكْرٌ لأيَّةِ حَادِثَةٍ تَاريخيَّةٍ عن أنَّ أَحَدًا شُفِيَ مِنَ العَمَى. فقد كانَ يَعلَمُ ذلك. وَكانَ يَعلَمُ أيضًا مُؤهِّلاتِ النَّبِيِّ. لِذا فقد قالَ عَن يَسوع: "إنَّهُ مِنَ الله". وَقال: "إنَّهُ يَفعَلُ مَشيئةَ اللهِ. واللهُ يَسمَعُ لَهُ. إنَّهُ نَبِيٌّ". لِذا فقد كانَ رَجُلاً حَكيمًا جدًّا. وَكانَ يَعرِفُ أيضًا لَقَبَ "ابنِ الإنسان". فَقد كانَ يَعرِفُ مَا جاءَ في الإصحاحِ السَّابعِ مِن سِفْرِ دَانِيال بخصوصِ ذلكَ اللَّقَبِ المَسيحانِيّ.

استَمِعوا إلى ما جَاءَ في الإصحاح السَّابعِ مِن سِفْرِ دَانِيال. فقد رَأى دَانِيالُ رُؤيا في اللَّيل. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْر دانيال 7: 13: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ...". فَهذا لَقَبٌ مَسيحانِيّ. وَهَذا يُمَهِّدُ لِمَجيءِ المَسِيَّا لتأسيسِ مَملَكَتِه. "وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ [أيْ إلى اللهِ الآبِ]، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ". وَهذا ليسَ الله لأنَّهُم قَرَّبوهُ قُدَّامَ الله، بَل هُوَ شَخصٌ أعطاهُ اللهُ هذا المَلكوتَ الأبديَّ الَّذي لا يَنقرِض. إنَّهُ المَسِيَّا. وَهُوَ ابنُ الإنسان. لِذا فإنَّها نُبوءَةٌ عَن أنَّهُ سَيَتَجَسَّد.

ولكنَّ اليَهودَ جَميعًا كانُوا يَعرِفونَ اللَّقَبَ المَسيحانِيَّ "ابنَ الله". وبالمُناسَبة، إنَّ هَذا اللَّقَبَ يَظهَرُ ثلاثَ عَشْرَةَ مَرَّة في إنجيلِ يوحنَّا لأنَّهُ لَقَبٌ مَألوفٌ في كَلامِ اليهودِ لأنَّهم كانوا يَعرفونَ أنَّ الإصحاحَ السَّابعَ مِن سِفْرِ دَانيال يُشيرُ إلى المَسِيَّا. لِذا فقد قالَ لَهُ رَبُّنا: "أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟" أَتُؤمنُ بالمَسِيَّا؟ أَتُؤمِنُ باللاَّهُوتِ المَسيحانِيِّ؟ أَتُؤمِنُ بأنَّ المَسِيَّا سَيأتي ليُؤسِّسَ مَلكوتَهُ؟ أتُؤمِنُ بِذلك؟

إذًا، هذهِ هِيَ الخُطوةُ الأولى في إعطاءِ البَصَرِ الرُّوحِيّ. فَهذا الرَّجُلِ الأعمَى الَّذي كانَ يَعيشُ في ظَلامٍ رُوحِيٍّ تَمَّ العُثورُ عليهِ مِن قِبَلِ المَسيحِ لأجلِ مَقاصِدِ المَسيحِ الخَلاصيَّة. وَكُلُّ إبْصارٍ رُوحِيٍّ إنَّما يَحدُثُ بِمُبادَرَةٍ مِنَ السَّماءِ لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَطلُبُ الخُطاة.

أمَّا الشَّيءُ الثَّاني الَّذي أريدُ مِنكُم أن تَرَوْهُ هُنا في هذهِ الحالَةِ مِنَ الإبصارِ الرُّوحِيِّ فَهِيَ أنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ فقط على أنَّ الإبصارَ الرُّوحيَّ يَبتدِئُ بِمُبادرةٍ إلهيَّةٍ، بَل إنَّهُ يَتطلَّبُ إيمانًا. فَهُوَ يَتَطَلَّبُ إيمانًا. فنحنُ نَجِدُ في العَدد 36 سُؤالاً مُدهِشًا. "أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟»". يا لَها مِن كَلِماتٍ مُدهشة! فَنَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مُستَعِدٍّ للإيمان. وَهُوَ يُريدُ وَحَسْب أنْ يُعرِفَ بِمَنْ سَيُؤمِن. وَكَمْ كُنتُ أَتَمَنَّى أنْ يَكونَ لَدينا مُتَّسَعٌ مِنَ الوقتِ للتَّعَمُّقِ في ذلكَ اللاَّهُوتِ لأنَّ مَا تَرَوْنَهُ هُنا هُوَ لُبُّ عَقيدةِ التَّجديدِ العَمليَّة. فقد كانَ هذا الرَّجُلُ مُستَعِدًّا للإيمان، ولكنَّهُ أرادَ وَحَسْب أنْ يَعرِفَ بِمَنْ يُؤمِن. وليسَ مِنَ السَّهلِ عَلينا أن نَفهَمَ ذلك. فكَلامُنا ليسَ هُوَ مَا يَجعَلُ النَّاسَ يُؤمِنون، بَل إنَّ مَا يَفعَلُهُ اللهُ لِتَهيئتِهم للإيمانِ هُوَ الَّذي يَجعَلُهم يَتجاوبونَ مَعَ مَا نَقولُهُ لَهُم. وَهذا شَيءٌ مُدهِش. فنَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ يَقول: "أنا مُستَعِدٌّ للإيمان. بِمَنْ يَنبغي أن أُوْمِن؟ أَرِني بِمَنْ أُوْمِن". فهذا قَلبٌ مُستَعِدٌّ. وَهذهِ أرضٌ صَالِحَة.

لِذا، مَن هُوَ يا سَيِّد؟ أَتَرَوْنَ الكلمة "سَيِّد" هُنا؟ إنَّها تُتَرجَمُ "سَيِّد". فَهُوَ لا يَعلمُ مَن هُوَ. لِذا فإنَّهُ لا يَدعو يَسوعَ رَبًّا. فالكلمة "كورييه" (kyrie) يُمكِنُ أن تُتَرجَمَ "سَيِّد" كَما هِيَ الحَالُ في اللُّغَةِ الإنجليزيَّةِ القَديمةِ حيثُ يُشارُ إلى النِّساءِ والرِّجالِ بعبارةِ "سَيِّداتي وَسَادَتي". لِذا، أعتقدُ أنَّهُ هُنا ما زَالَ يَستخدِمُ هذهِ الكلمةَ بالمَعنى العَامّ: "مَن هُوَ يا سَيِّد لأُومِنَ بِهِ؟" فَقد كانَ هُناكَ شَيءٌ يَحدُثُ في قَلبِه. فهذهِ المُبادرةُ الإلهيَّةُ ليست جَسديَّةً فقط. فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على أنَّ يَسوعَ وَجَدَهُ؛ بل إنَّ اللهَ عَمِلَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ على فَتْحِ قَلبِهِ كي يُؤمِن. وهذا هُوَ كُلُّ ما كانَ بِحاجةٍ إليه. والأمرُ شَبيهٌ بِما حَدَثَ مَعَ لِيديَّة الَّتي فَتَحَ الرَّبُّ قَلبَها. أَتَذكُرونَ مَا جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل؟ فَقد فُتِحَ قَلبُ الرَّجُل. وكُلُّ ما يُريدُهُ هُوَ أن يَعرِفَ بِمَن يُؤمِن.

يا لَها مِن مُعجِزَةٍ إلهيَّةٍ مُدهشة! فَما حَدَثَ لم يَكُن تَصَرُّفًا عَقلانِيًّا إذْ إنَّكَ أقنَعْتَ هذا الشَّخصَ بأنَّهُ بِحاجةٍ إلى الإيمانِ استِنادًا إلى الحَقائق؛ بَل إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ الَّذي مَكَّنَهُ مِنَ الإيمان حَتَّى قَبلَ أن تَتَّضِحَ الحَقائق. لِذا، هُناكَ المُبادرةُ الإلهيَّةُ، وهُناكَ التَّجاوُبُ بالإيمان. "مَن هُوَ... لأُوْمِنَ بِهِ؟"

وَهُناكَ سِمَةٌ ثَالثةٌ للإبصارِ الرُّوحِيِّ. فَهُوَ يَبتَدِئُ بمُبادرةٍ إلهيَّةٍ. وَهُوَ يَتطلَّبُ إيمانًا. ثَالثًا: الإبصارُ الرُّوحِيُّ يَعتَرِفُ بِيَسوعَ رَبًّا. فعندما تَحدُثُ مُعجِزَةُ إبصارٍ رُوحِيٍّ يَكونُ هُناكَ اعترافٌ بِيَسوعَ رَبًّا.

لاحِظُوا العَدد 37: "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ [رَدًّا على سُؤالِهِ: "بِمَنْ أُوْمِن؟"]: "قَدْ رَأَيْتَهُ" – قَد رَأيتَهُ. أنتَ تَنظُرُ إليه. "وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!" يا للعَجَب! مَا يُدهشُني هو أنَّني لا أعرفُ كَم عَددِ المَرَّاتِ الَّتي استَمَعَ فيها هذا الرَّجُلُ إلى يَسوعَ وَهُوَ يُعَلِّم. مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لم يَرَ أيَّةَ مُعجِزات. فَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ رَأَوْا مُعجِزات. والشَّعبُ كُلُّهُ رَأَى مُعجِزاتٍ؛ ولكنَّ ذلكَ لم يُساعِد في تَبديدِ الظَّلامِ الرُّوحِيّ. ولكنَّ اللهَ بَدَّدَ ظَلامَهُ الرُّوحِيَّ بأنْ أعطاهُ إيمانًا. وكُلُّ ما يُريدُ أن يَعرفَهُ هُوَ: بِمَنْ يَنبغي لَهُ أن يُؤمِن. "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!»". إنَّهُ أنا! ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ ما حَدثَ في الإصحاحِ الرَّابعِ عندما قالتِ المَرأةُ عِندَ البِئرِ (أيِ المَرأةُ السَّامِريَّةُ): "أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، يَأتِي... قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ»". أنا هُوَ! وَقد آمَنَتْ. كَما أنَّ كُلَّ مَدينةِ سُوخَار آمَنَتْ.

إنَّها مُعجِزةٌ إلهيَّة. "فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!»". فَهُوَ لم يَقُل: "هَل يُمكِنُكَ أن تُقَدِّمَ لي بُرهانًا يُساعِدُني في الإيمانِ بِذلك؟" أنا لا أَعلَمُ مَا الَّذي كانَ قَد سَمِعَهُ أو عَرَفَهُ؛ ولكِنَّهُ اكْتَفَى بحقيقةِ أنَّ يَسوعَ جَعَلَهُ يُبصِر حَتَّى إنَّهُ أعلنَ عن يَسوعَ كُلَّ تِلكَ الأشياءِ الَّتي ذَكرتُها؛ أيْ أنَّهُ مِن عِندِ اللهِ، وأنَّهُ مِنَ اللهِ، وَأنَّ اللهَ يَسْمَعُ لَهُ، وَأنَّهُ نَبِيٌّ. وَهُوَ يَعلَمُ الآنَ أنَّهُ نَبِيٌّ مِنَ الله. وإنْ قالَ نَبِيٌّ مِن عِندِ اللهِ: "أنا ابنُ الإنسانِ، وأنا المَسِيَّا الَّذي طَالَ انتظارُه" فإنَّ هذا كَافٍ لهذا الرَّجُل. فقد كانَ قَلبُهُ مُهَيَّئًا. لِذا فقد قال: "أُومِنُ يَا سَيِّدُ!" والآن، إنَّ الكلمة سَيِّد هُنا تَأتي بِمَعنى "رَبّ". فَهِيَ الكلمة "كورييه" (Kyrie) ولكنَّها تَأتي هُنا بِمَعنى "رَبّ". فقدِ انتقلَ مِن كلمةِ "سَيِّدي" إلى "رَبِّ الأرباب".

فهذهِ هي كلمة "رَبّ" بِكُلِّ مَا فيها مِن مَعنىً سَامٍ وجَليل. "أُومِنُ يَا رَبّ!" وَمَعَ أنَّ الكلمةَ اليُونانيَّةَ هِيَ نَفسُها؛ فإنَّ الفَرْقَ في استِخدامِها في هَاتينِ الحَالَتَيْنِ كَبيرٌ جدًّا. فعندما قالَ "يا سَيِّد" في العَدد 36، كانَ يَسألُ سُؤالاً: بِمَن يَنبغي أن أُوْمِن؟ أمَّا الآنَ بَعدَ أن آمَنَ فإنَّهُ يَقولُ: "يا رَبّ". فالمَعنى هُنا مُختلفٌ تَمامًا لأنَّهُ فَعَلَ مَاذا حَالاً؟ سَجَدَ لَهُ.

إذًا، كيفَ تَعلَمونَ مَتى يُوْهَبُ الإبصارُ الرُّوحيُّ لشخصٍ مَا؟ لقد قُلنا إنَّهُ يُعْطَى بمُبادرةٍ إلهيَّة، وَإنَّ القَلبَ يَصيرُ مُهَيَّأً، وَإنَّ القَلبَ يَنفَتِحُ لقَبولِ الحَقِّ والاعترافِ بيسوعَ رَبًّا. إنَّها مُعجِزةٌ مُذهلةٌ ورائِعةٌ حَقًّا على غِرارِ مُعجِزةِ إعطاءِ البَصَرِ الجَسَدِيّ.

ونَحنُ نَبتدِئُ هُنا بِرؤيةِ المَزيدِ مِنَ المُؤمِنين. أليسَ كذلك؟ فعندما ابتدأنا إنجيلَ يوحنَّا، كانَ المُؤمِنونَ هُم بُطرسُ وأندراوس وفيلبُّس ونَثَنائيل. ثُمَّ إنَّ نيقوديموس ظَهَرَ مَعَ أنَّهُ رُبَّما لم يَكُن قَد آمَنَ بَعد؛ ولكنَّهُ كانَ على وَشْكِ الإيمان. وأخيرًا، صَارَ مُؤمِنًا وَظَهَرَ عِندَ دَفْنِ رَبِّنا. أمَّا الآن فينبغي لنا أن نَحصُرَ الإيمانَ في بُطرسَ وأندراوس وفيلبُّس ونَثَنائيل. ثُمَّ هُناكَ المَرأةُ السَّامريَّةُ في الإصحاح الرَّابع، ثُمَّ هُناكَ سُكَّانُ مَدينةِ سُوخار. ثُمَّ إنَّنا نَرى ذلكَ الرَّجُلَ المَشلولَ عِندَ بِركَةِ بَيْتِ حِسْدا. ثُمَّ إنَّنا نَرى مَجموعةً مِنَ التَّلاميذِ الحَقيقيِّينَ في الإصحاحِ السَّادس. والآن، يُمكِنُنا أن نُضيفَ الرَّجُلَ الأعمَى إلى لائِحَةِ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّين. وَكُلُّ واحدٍ مِن هؤلاءِ آمَنَ بِمُعجزةٍ إلهيَّةٍ خَارقةٍ للطَّبيعة.

فَعِندما قَالَ رَبُّنا لبُطرس: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ"، لم يَكُن هذا يَصِحُّ فقط على بُطرس، بَل كانَ يَصِحُّ على كُلِّ شَخصٍ آمَنَ... كُلِّ شَخصٍ.

فهذا المُتَسَوِّلُ المِسكينُ الَّذي لم يَرَ أيَّ شَيءٍ طَوالَ حَياتِهِ يَرى الآنَ بِعينيه. والأَهَمُّ مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُ يَرى ابنَ الإنسان. فَقد أُعطِيَ بَصَرًا. وَهَا هُوَ يُحَدِّقُ في مَجدِ اللهِ الظَّاهِرِ في وَجهِ يَسوع. فَقد أُعطِيَ بَصرًا. وقد بَقِيَت نُقطةٌ أخيرة. فالإبصارُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ مُبادرةً إلهيَّةً، ويَتجاوبُ بالإيمانِ، ويَعترِفُ بيسوعَ رَبًّا. رابعًا: إنَّهُ يُؤدِّي إلى السُّجود. وهكذا يَنتهي العَدد 38. فَقَد "سَجَدَ لَهُ".

فَكُلُّ الأمرِ يَتَلَخَّصُ في تِلكَ العِبارةِ الصَّغيرة: "وَسَجَدَ لَهُ". فَكُلُّ مَفهومِ الإيمانِ مُتَضَمَّنٌ هُنا. كُلُّ ذلكَ مُتَضَمَّنٌ هُنا. كُلُّ ذَرَّةٍ فيه مَوجودةٌ هُنا. وفي إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ الرَّابعِ، هَل تَذكرونَ الأعدادَ مِن 20 إلى 24؟ فالآبُ يَطلُبُ سَاجِدينَ حَقيقيِّينَ يَعبُدونَهُ بالرُّوحِ والحَقّ. إذًا، كيفَ نَعرِفُ أنَّ شَخصًا مَا مُؤمِن؟ لأنَّهُ يَصيرُ مَاذا؟ عَابِدًا. وكيفَ تَعلَمُ أنَّكَ مَسيحيٌّ؟ لا لأنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاةً، ولا لأنَّكَ طَلبتَ مِنَ الرَّبِّ أن يَفعلَ شَيئًا لَكَ، ولا لأنَّكَ تَأثَّرْتَ عَاطِفيًّا في اجتماعٍ وشَعرتَ بمشاعِرَ تُجاهَ يَسوع. كَيفَ تَعلَمُ أنَّكَ مُؤمِنٌ؟ وكيفَ تَعلَمُ أنَّكَ قَد تَغيَّرتَ؟ لأنَّكَ صِرتَ عَابِدًا... عَابِدًا. لِذا فقد قُلتُ لَكُم سَابقًا إنَّ هذا الأسلوبَ النَّرجِسِيَّ والعَاطِفِيَّ الَّذي يُرَكِّزُ على الذَّاتِ في النَّظرِ إلى الإنجيلِ يُؤدِّي إلى تَواكُلٍ لا يَنتهي حَتَّى إنَّ النِّظامَ الَّذي قَدَّمَ في الأصلِ الجَوابَ لِما يُريدُهُ الجَميعُ يَستَمِرُّ في إعطاءِ ذلكَ الشَّخصِ مَا يُريدُه. فَهُوَ لا يَعرِفُ الكَللَ أوِ المَلل. ولكِنْ كيفَ تَجعلُ ذلكَ الشَّخصَ عَابِدًا حَقيقيًّا غَيرَ أنانِيّ؟

لَقد خَرَّ هَذا الرَّجُلُ سَاجِدًا. على النَّقيضِ مِن ذلك، نَقرأُ في العَدد 59 مِنَ الإصحاحِ الثَّامنِ أنَّهُ عندما أَعلنَ يَسوعُ هُوِيَّتَهُ للفَرِّيسيِّينَ، رَفَعُوا حِجارةً لِيَرجُموه! فَهَذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَنجُمُ عَنِ العَمَى الرُّوحِيّ. وَهَذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَنجُمُ عَنِ الإبصارِ الرُّوحِيّ. لِذا، إن كُنتَ تَسألُ: كيفَ أعرفُ إنْ كُنتُ مُخَلَّصًا؟ اسأل نَفسكَ إن كُنتَ تُحِبُّ المَسيحَ، وإنْ كُنتَ تُحِبُّ اللهَ، وإنْ كُنتَ تُحِبُّ الرُّوحَ القُدُسَ، وإن كُنتَ تَرغَبُ في أن تَكونَ مُطيعًا، وإن كُنتَ تَرغَبُ في إكرامِ الرَّبِّ وإرضائِهِ، وإنْ كُنتَ عَابِدًا؟ كُنَّا نَتحدَّثُ في اجتِماعِ شُيوخِ الكَنيسةِ ذاتَ مَساءٍ عن عَددٍ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَأتونَ إلى الكنيسة. وعندما اتَّصلنا بِهم قَدَّمُوا كُلَّ أنواعِ الأعذارِ الواهِيَةِ إذْ قالَ واحِدٌ: "لَديَّ أشاغيلٌ أخرى"، وقالَ آخر: "فُلانٌ يُزعِجُني"، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّ النُقطةَ الجَوهريَّةَ هِيَ التَّالية: إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ هُمْ على الأرجَحِ غَيرُ مُؤمِنينَ لأنَّ المُؤمِنينَ يَعُبدونَ الرَّبَّ. فَهذهِ هِيَ الأولويَّةُ الأولى في حَياتِهم. وأنا لا أقولُ إنَّ المَكانَ الوَحيدَ الَّذي تَعبُدُ اللهَ فيهِ هُوَ في اجتماعِ الكَنيسةِ الجَماعِيّ. فهذا غَيرُ صَحيح. ولكِنَّ هذا الاجتماعَ هُوَ الَّذي يَرفَعُكم، ويُقوِّيكُم، ويُشَجِّعُكم في السَّاعاتِ الأخرى الَّتي تَعبُدونَ فيها الرَّبَّ بِمُفردِكُم. فالعِبادةُ شَيءٌ مُهِمٌّ جدًّا. فَهِيَ تُشبِعُ أشواقَ قُلوبِنا لإكرامِ الرَّبِّ، والاستماعِ إلى الرَّبِّ، وتَمجيدِ الرَّبِّ، وتَسبيحِ الرَّبّ. فَنحنُ عَابِدون.

لِذا فإنَّنا هُنا أمامَ رَجُلٍ لَهُ سِيْرَتَيْنِ ذَاتِيَّتَيْن. فَقد كانَ أعمَى جَسديًّا وأَعمَى رُوحِيًّا. وَقَد طَلَبَهُ الرَّبُّ جَسديًّا وَطَلَبَهُ رُوحِيًّا. وَقَد أُعطِيَ بَصرًا جَسديًّا، وأُعطِيَ بَصرًا رُوحِيًّا. وَقَد أُعطِيَ فُرصةً كي يَشهَدَ عَنِ الرَّبّ. وَقَد تَنَكَّرَتْ لَهُ عَائِلَتُهُ، وقُوبِلَ بالعَداوةِ مِنْ أعداءِ الإنجيل. وَقد طُرِدَ مِنَ النِّظامِ الدِّينيِّ في زَمانِهِ بِسَببِ ارتِباطِهِ بالمَسيح. لِذا فإنَّهُ صُورةٌ عَمَّا يَعنيهِ أن تَكونَ مَسيحيًّا. وَهُوَ يَسْجُدُ عِندَ قَدَمَيِّ المُخَلِّصِ ويَصيرُ عَابِدًا كَما يَفعلُ جَميعُ المُؤمِنين.

على النَّقيضِ مِن ذلك، نَرى [في عُجالةٍ] العَمَى الرُّوحيَّ لَدى الفَرِّيسيِّينَ في العَددِ التَّاسِعِ والثَّلاثين: "فَقَالَ يَسُوعُ: لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ..." [كَما حَدَثَ للرَّجُلِ الأعمَى، وكما يَحدُثُ للخُطاةِ الَّذينَ يَتوبونَ ويُؤمِنون] "...وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُون" [كَما حَدَثَ للفَرِّيسيِّين]. فكما قَالَ يَسوعُ: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا"؛ أيْ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّهُم أبرار. بَل "أَتَيْتُ أَنَا إلَى هَذَا العَالَمِ حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ". وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّنا نَجِدُ هُنا تَلاعُبًا بالكلماتِ حَولِ كُلِّ فِكرةِ العَمَى الَّتي هِيَ [كَما قُلتُ سَابقًا] فِكرةٌ سَائدةٌ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. فعندما رَأى يَسوعُ هَذا الرَّجُلَ يَسجُدُ لَهُ لم يَسَعْهُ إلاَّ أن يُبايِنَ بَينَ قَلبِ هذا المُتَسَوِّلِ المُتواضِعِ والواثِقِ والمُتَوَكِّلِ والمُؤمِنِ مِن جِهَة، وبينَ عُدوانيَّةِ الفَرِّيسيِّينَ وعِنادِهم وحِقدِهم مِن جِهةٍ أخرى. وَهُوَ يَقولُ: هكذا سيَكونُ الأمرُ في مَجيئي مَعَ أنَّ ابنَ الإنسانِ جَاءَ لكي يَطلُبَ ويُخَلِّصَ مَا قَد هَلَك، وَلم يَأتِ لأجلِ دَينونة، أو كما يَقولُ في إنجيل يوحنَّا والإصحاح الثَّالثِ فإنَّهُ لم يَأتِ "لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَم".

على الرَّغمِ مِن أنَّهُ جَاءَ في تَجَسُّدِهِ لكي يُخَلِّص، فإنَّ خَلاصَهُ في ذاتِهِ يَصيرُ وَاقِعًا مُفَرِّقًا. فهُناكَ عُنصُرُ دَينونَةٍ فيه. وكما قَالَ سِمْعان: "هَا إِنَّ هذَا [الطِّفْلَ] قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِين...". فَهُوَ المُفَرِّق. وهذهِ ليسَتِ الدَّينونة الأخيرة، بَل هِيَ دَينونةٌ مُباشِرَةٌ تَحدُثُ في اللَّحظةِ الَّتي يَتِمُّ فيها تَقديمُ الإنجيلِ أو تَقديمِ المَسيح. فَهُناكَ تَفريقٌ يَحدُثُ بينَ المُؤمِنِ وغيرِ المُؤمِن. صَحيحٌ أنَّهُ لم يَأتِ ليَدينَ بِمَعنى الدَّينونةِ الأخيرة، بَل جاءَ ليُخَلِّص، وجاءَ ليَتَّضِع، ويَمضي إلى الصَّليب، ويَقومَ مِنَ الأمواتِ كي يُخَلِّص؛ ولكِنَّ تِلكَ دَينونة أيضًا. والحقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَقولُ في الإصحاحِ الثَّالثِ مِن إنجيلِ يوحنَّا إنَّكَ إنْ رَفَضْتَهُ فإنَّكَ تَدينُ نَفسَك. فأنتَ تَدينُ نَفسَك. فأنتَ في الأصلِ تَحتَ الدَّينونة. فإنْ لَم يَجِدُ الإنسانُ في يَسوعَ الَّذي مَاتَ على الصَّليبِ لأجلِ خَلاصِهِ مَا يَشتَهيهِ إنسانٌ، ولا مَا يُريدُهُ إنسانٌ، فإنَّ تِلكَ دَينونة عَلى ذلكَ الشَّخص. فَهِيَ إدانَةٌ ذَاتِيَّة.

فَإنْ لم يَرَ الخَاطِئُ في يَسوعَ أيَّ شَيءٍ يَشتَهيه، وَأيَّ شَيءٍ يَتوقُ إليه، وأيَّ شَيءٍ يُريدُهُ، وَأيَّ شَيءٍ يَتَّكِلُ عليه فإنَّهُ يَدينُ نَفسَهُ بِنفسِه. وهذهِ هِيَ حَالُ الفَرِّيسيِّين. فَهُم لم يَكونوا يَشعُرونَ بأنَّهُم بِحاجةٍ إلى أيِّ شَيء، بَل كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُم يَرَوْنَ بِوضوح، وَأنَّهُم يَرَوْنَ كُلَّ شَيء، وَأنَّهُم يَعرِفونَ اللهَ، وَأنَّهُم يَعرِفونَ الحَقَّ؛ ولكنَّهُم كانُوا يَعتقدونَ أنَّ يَسوعَ خَاطِئٌ أَثيم، وَأنَّهُ مِنَ الشَّيطانِ، وَمِن إبليسَ، وأنَّهُ رَجُلٌ مَجنون لأنَّهُم كَانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم يَرَوْنَ؛ في حينِ أنَّهُم كانُوا عُميانًا تَمامًا. لِذا، هذهِ هِيَ النُّقطةُ الرَّئيسيَّةُ في العَدد 39.

إذًا، إنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَختصُّ بالعَمى الرُّوحِيِّ هُوَ أنَّ العَمَى الرُّوحِيَّ يُؤدِّي إلى الدَّينونة. فالعَمَى الرُّوحِيُّ يُؤدِّي إلى الدَّينونة. وَهذا شَيءٌ مَأسَوِيّ! الدَّينونَة! في الحَاضِرِ وفي المُستقبَل. ثَانيًا، العَمى الرُّوحِيُّ عَنيدٌ. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 40: "فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ: «أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟»". ومَرَّةً أخرى، إنَّهُم يَتكلَّمونَ هُنا مَجازِيًّا. فَهُم يَرفُضونَ أن يُقِرُّوا بأنَّهُم عُميان. نَحنُ لَسنا عُميانًا. وَهم يَقولونَ ذلكَ بِازدِراءٍ وكِبرياءٍ وسُخرية. أنتَ لا تَعني أنَّنا كذلكَ على الرَّغمِ مِن كَونِنا الأكثرَ عِلْمًا، وثَقافةً، وبِرًّا، وقَداسةً، وفَضيلةً، وعلى الرَّغمِ مِن كَوْنِنا مَندوبينَ عَنِ الله. أنتَ لا تَعني أنَّنا عُميان. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ هَذا هُوَ مَا قَصَدَهُ تَمامًا... هَذا هُوَ مَا قَصَدَهُ تَمامًا. فَقد كانَ هذا الرَّجُلُ أعمَى رُوحِيًّا؛ ولكنَّهُ الآنَ يَستطيعُ أن يَرى رُوحِيًّا. أمَّا أنتُم فتَظُنُّونَ أنَّكُم تَستطيعونَ أن تَرَوْا رُوحِيًّا؛ وَهَذا يَعني ببساطَةٍ أنَّكُ عُميانٌ رُوحِيًّا. فقد كانَ العَمَى [أي فِكرةُ العَمى الرُّوحِيِّ] في نَظرِهم هُراءً!

وهُناكَ نُقطةٌ ثَالثةٌ هُنا [في عُجالَةٍ]: فقد قُلنا إنَّ الأشخاصَ العُمْيَ رُوحِيًّا يَنالونَ دَينونةً، وَإنَّهُم يَرفُضونَ الاعترافَ بِأنَّهُم عُميانٌ. ثَالثًا، إنَّهُم يَرفُضونَ الإبصارَ عندما يُقَدَّمُ لَهُم. فنحنُ نَقرأُ في بِدايةِ العَدد 41: "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ". وَهذا استِمرارٌ في التَّلاعُبِ بالألفاظِ بخصوصِ العَمَى. ولكنَّ يَسوعَ يَستخدِمُ اللَّفظةَ استِخدامًا مُختلفًا تَمامًا. فهوَ يَقولُ في العَددِ الأربَعين: أنتُم عُميان. أنتُم عُميانٌ بِمَعنى أنَّكُم لا تَرَوْنَ خَطاياكُم. أنتُم عُميان. أنتُم عُميان. ولكِنَّهُ يَقولُ في العَدد 41: "أنتُم لَستُم عُميانًا". كَيفَ تَفعلونَ ذلك؟ أنتُم لَستُم عُميانًا! "لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ". مَا مَعنى ذلك؟ أنتُم لَستُم عُميانًا عَن رُؤيةِ الحَقِّ. فلو كُنتُم عُميانًا عَنْ رُؤيةِ الحَقِّ، ولو كُنتُم لا تَعرفونَ الحَقَّ، ولم يَكُنِ الحَقُّ قَد أُعلِنَ لَكُم، ولو لم تَكونوا تَعرِفونَ الأسفارَ المُقَدَّسَةَ، ولم يَكُن لَديكُمُ العَهدُ القَديمُ، والنَّاموسُ، وكُلُّ الأنبياءِ والأسفارِ المُقدَّسَةِ، ولم أَكُنْ قَد أتيتُ إليكُم، ولم أُظهِر لَكُم مَن أنا، لما كَانَت خَطِيَّتُكم جَسيمَةً جدًّا. فلو كانَ الأمرُ كذلكَ لكانَ شَبيهًا بما حَدَثَ عندما تَغاضَى اللهُ عَن خَطايا النَّاسِ لأنَّ الإعلانَ لم يَكُن كَامِلاً بَعد. فَهُناكَ عِقابٌ أقَلُّ ودَينونةٌ أقَلُّ على الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرِفونَ الحَقَّ. أنتُم لَستُم عُميانًا. ولكنَّكُم عُميانٌ بِمَعنى أنَّكُم لا تَرَوْنَ خَطاياكُم. ولكنَّكُم لَستُم عُميانًا لأنَّكُم عَرَفتُمُ الحَقَّ، وحَصلتُم على النَّاموسِ، والأنبياءِ، والعُهودِ، وكُلِّ شَيءٍ – كَالمَواعيدِ والعَهدِ القَديم، وأنا. فَقد سَمِعتُم كَلامي، ورأيتُم المُعجِزات. لِذا فإنَّكُم بِلا عُذر. صَحيحٌ أنَّكُم عُميانٌ عَن رُؤيةِ خَطاياكُم؛ ولكنَّكُم لَستُم عُميانًا عَنِ مَعرفةِ الحَقّ.

لِذا فإنَّ الإنسانَ الأعمَى رُوحِيًّا يَنالُ دَينونةً، ويَرفُضُ أن يَعتَرِفَ بالعَمَى، ويَرفُضُ النُّورَ والبَصَرَ عِندَما يُقَدَّمانِ لَهُ؛ كَما حَدَثَ لِهؤلاء. وأخيرًا، إنَّهُ يُؤدِّي إلى الهَلاكِ إذْ نَقرأُ في نِهايةِ العَدد 41: "وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ".

أنتُم هَالِكون! فأنتُم تَظُنُّونَ أنَّ الحَالةَ الَّتي أنتُم فيها؛ أيِ العَمى الرُّوحِيَّ، هِيَ بَصيرةٌ رُوحيَّة. لِذا، أنتُم مُدانُون. وأنتُم بِلا رَجاء. فإن كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّكُم قادِرونَ على الرُّؤيةِ فأنتُم هَالِكون. وَهذا تَلاعُبٌ مُدهشٌ بالكَلِمات! "فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ". هذهِ هيَ النِّهاية. لِذا فإنَّ النُّورَ يُشرِقُ في الظُّلمة. والظُّلمةُ لا تَستطيعُ أن تُبَدِّدَ النُّور، ولا أن تُطفِئَ النُّور. ولكنَّ الظُّلمَةَ تَرفُضُ النُّور. فقد جاءَ يَسوعُ إلى خَاصَّتِه، وخَاصَّتُهُ لم تَقْبَلْهُ. وَقد "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ".

إنَّهُمُ النُّخبَةُ الدِّينيَّة؛ ولكنَّهُم يَعيشونَ في ظَلام. أمَّا المُتَسَوِّلُ الَّذي كانَ أعمَى ومَنبوذًا تَمامًا فقد أبصَرَ جَسديًّا. والأَهَمُّ مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُ أبصَرَ رُوحِيًّا!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize