افتَحُوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على الإصحاحِ العاشرِ مِن إنجيل يوحنَّا. لا يَبدو أنَّنا ابتدأنا مُنذُ وقتٍ طَويلٍ في دراسةِ إنجيل يوحنَّا؛ ولكنَّهُ وَقتٌ طَويل! فالسَّنَواتُ تَمضي دُونَ حتَّى أن نَدري! ولكنَّنا نَجِدُ أنفسَنا في الإصحاحِ العاشرِ؛ وَهُوَ إصحاحٌ مُهِمٌّ حَقًّا. وإذا أجرَيْتُم عَمليَّةً حِسابيَّةً بَسيطةً ستُلاحظونَ أنَّهُ يُوجدُ واحدٌ وعِشرونَ إصحاحًا في إنجيلِ يوحنَّا، وأنَّنا نَدرُسُ الإصحاحَ العاشِر، وَأنَّنا انتَهَيْنا مِن دِراسةِ الآياتِ الواحِدةِ والعِشرينَ الأولى مِنه. لِذا فإنَّنا نَقترِبُ مِن مُنتصفِ إنجيل يوحنَّا. وَهذا يَصِحُّ على نَصِّ إنجيل يوحنَّا. أمَّا في تَاريخِ يَسوعَ فإنَّنا على بُعْدِ ثَلاثةِ أشهُرٍ مِنَ النِّهايَة لأنَّ النِّصفَ الأخيرَ مِن إنجيل يوحنَّا يُرَكِّزُ على الأحداثِ الَّتي تَحدُثُ في أغلبِها في الأسبوعِ الأخيرِ مِن حَياتِه.
والآن، يَنتهي الإصحاحُ العاشِرُ بِمُغادرةِ يَسوعَ لأورُشَليمَ مُدَّةَ ثَلاثةِ شُهور. وعندما يَعودُ إليها في الإصحاحِ الحادي عَشَرَ فإنَّهُ يَعودُ إلى بَيتِ عَنْيا، ويُقيمُ لِعازَرَ مِنَ المَوتِ، ثُمَّ إنَّهُ يَدخُلُ في الإصحاحِ الثَّاني عَشَرَ إلى أورُشَليم. ونَحنُ جَميعًا نَعلَمُ ذلك. فهذهِ هِيَ بِدايةُ أُسبوعِ الآلام. ثُمَّ إنَّ الأصحاحات 13 و14 و15 و16 جَميعَها تَصِفُ لَيلةً واحدةً في العِليَّة. ثُمَّ إنَّ الإصحاحَ السَّابعَ عَشَر يَصِفُ صَلاتَهُ إلى الآب. وفي الإصحاحِ الثَّامن عَشَر، يَتِمُّ إلقاءُ القَبضِ عليه. وفي الإصحاحَيْنِ التَّاسع عشر والعِشرين، يَموتُ ويَقومُ ثَانيةً. وفي الإصحاحِ الحادي والعِشرينَ، يُرسِلُ التَّلاميذَ ويَرُدُّ بُطرُس.
لِذا، مَعَ أنَّنا ما زِلنا في مُنتصفِ القِصَّةِ زَمَنِيًّا [كَما يَسْرُدُها يوحنَّا]، إذا نَظرنا في الحَقيقةِ إلى حَياةِ المَسيحِ فإنَّنا على بُعدِ بِضعةِ أشهُرٍ فقط مِنَ النِّهاية. وأنا أقولُ هذا وَحَسْب لكي تَعلَموا أنَّهُ ابتداءً مِنَ الإصحاحِ الحادي عَشَرَ فإنَّنا سَنَبتدِئُ في رُؤيةِ الدَّراما في ذُروتِها إذْ إنَّنا نَقترِبُ مِنَ الصَّلْبِ والقِيامَة.
لِذا فإنَّ الإصحاحَ العاشِرَ هُوَ آخِرُ صُورةٍ يُقَدِّمُها يوحنَّا عن خِدمةِ يَسوعَ العَلنيَّة. إنَّها الصُّورةُ الأخيرة. وكُنَّا قدِ ابتدأنا بالنَّظرِ إلى يوحنَّا المَعمَدانِ وَهُوَ يُقَدِّمُ يَسوعَ بِصِفَتِهِ حَمَلَ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيَّةَ العالَم. وَقدِ ابتدأنا بالنَّظرِ إلى يَسوعَ وَهُوَ يَبتدِئُ خِدمَتَهُ العَلنيَّةَ ويَدعو تَلاميذَهُ. وَقد رأينا المُعجِزاتِ الَّتي صَنَعَها وأَظْهَرَ مِن خِلالِها لاهوتَهُ، والكلماتِ الَّتي قَالَها وأعلنَ مِن خِلالِها أنَّهُ اللهُ؛ ولا سِيَّما قَولُهُ: "أنا هُوَ".
والآن، نَحنُ نَذْكُرُ أنَّ يوحنَّا لا يَقْصِدُ أن يُقَدِّمَ لنا كُلَّ التَّفاصيلِ عن حَياةِ يَسوع. فَيوحنَّا يَختِمُ إنجيلَهُ قَائِلاً: "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَة". لِذا فإنَّ ما نَراهُ هُنا هُوَ نَظرةٌ سَريعةٌ على حَياةٍ المَسيحِ لِقَصْدٍ مُحَدَّد. والَقصدُ مَذكورٌ في الإصحاحِ العِشرين والعَدد 31: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". فَهُناكَ عُنصرٌ تاريخيٌّ وَهُوَ أن تَعلَمُوا أنَّهُ ابنُ الله. وهُناكَ عُنصرٌ رُوحِيٌّ وَهُوَ أن تُؤمِنوا وتَكونَ لَكُم الحَياةُ الأبديَّة. هَذا هُوَ قَصْدُ يوحنَّا. فهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأشياءِ الَّتي تُثبِتُ أنَّ يَسوعَ هُوَ المَسِيَّا، وَأنَّهُ المَلِكُ المَمسوحُ الَّذي طَالَ انتظارُهُ والَّذي أرسَلَهُ اللهُ، وأنَّهُ الفَادي. وهُناكَ مَا يَكفي هُنا لِنَعلَمَ أنَّهُ اللهُ المُتَجَسِّدُ في جَسَدٍ بَشريّ. وهُناكَ مَا يَكفي هُنا لِنُؤمِنَ بِذلكَ، ولكي تَكونَ لَنا إذا آمَنَّا حَياةٌ أبديَّة. هذا هُوَ قَصدُ يوحنَّا.
لِذا فإنَّ الإصحاحاتِ العَشْرَ الأولى مِن هذا الإنجيلِ تُرينا بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ ادِّعاءاتِ يَسوع. فَيوحنَّا يَبتدئُ قَائلاً في الإصحاحِ الأوَّل: "...وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ... وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا". هَذهِ هيَ شَهادةُ يوحنَّا. وهُناكَ أيضًا شَهادةُ يُوحنَّا المَعمدان بخصوصِ المَسِيَّا، الفادي، حَمَلِ الله. وَهُناكَ شَهادةُ الرُّسُل الأوائِل: لَقد وَجدناهُ... لَقد وَجَدناهُ! لَقد وَجَدنا المَسِيَّا ابنَ الله! فَكُلُّ القَصْدِ مِن إنجيلِ يوحنَّا هُوَ أن يُعلِنَ لاهوتَ يَسوعَ المَسيح. لِذا فإنَّنا نَجِدُ في الإصحاحِ العاشِرِ أوضَحَ وأفْصَحَ كَلِماتٍ عَن لاهُوتِ المَسيح.
انظُروا إلى العَدد 30 مِن إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ العاشِر: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ. والوَحدةُ الَّتي يَتحدَّثُ عَنها يَسوعُ هُنا هِيَ ليسَت وَحْدَة الهَدَف، ولَيسَت وَحدة الإرساليَّة، وليسَت وَحدة الانسجامِ اللاَّهُوتِيِّ؛ بل إنَّ الوَحدةَ الَّتي يَتحدَّثُ عنها هِيَ وَحدة الطَّبيعة، ووَحدة الجَوهر، ووَحدَة الكِيان. وهذا شَيءٌ مُعلَنٌ بوضوحٍ في كُلِّ السِّفْر. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 1: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". ونَقرأُ في العَدد 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ". وَما هُوَ هذا المَجد؟ "مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ..." ["بروتوتوكُس" – "prototokos"] "...كَما لِوَحيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا". إنَّهُ إعلانٌ عَن لاهوتِهِ المُطلَق.
وفي الإصحاحِ الخامِسِ، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ ما جَاءَ في العَددِ السَّابع عَشَر إذْ قَال: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ". فأنا أعملُ ما يَعمَلُهُ الآبُ. فأنا أَمْلِكُ الصَّلاحيَّةَ والسُّلْطَةَ والحَقَّ والقُدرةَ والإمكانيَّةَ لِفِعْلِ كُلِّ ما يَفعلُهُ الآبُ. وَقَد فَهِموا ما قَالَهُ إذْ نَقرأُ في العَددِ الثَّامن عَشَر: "فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ". لِذا، لِنَدَعِ اليَهودَ يُخبرونَنا، لِكَونِهم أعداءَ يَسوعَ، ما قَصَدَهُ عندما قَالَ إنَّهُ ابنُ الله. فَقد فَهِمُوا قَصْدَهُ. فَقد كانَ يَدَّعي أنَّهُ يَمْلِكُ نَفسَ جَوهرِ اللهِ لأنَّ الابْنَ يَحمِلُ نَفسَ جَوهَرِ أبيه.
وفي نَفسِ ذلكَ الإصحاحِ الخامِسِ، هُناكَ جُمَلٌ تَدُلُّ على ذلكَ دُونَ أدنَى شَكّ. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّالثِ والعِشرين: "لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ... لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ". فَهُوَ لَهُ حَياةٌ مُساويةٌ لَهُ، ويَعملُ أعمالاً مُماثلةً لَهُ، ولَهُ سُلطانٌ مُماثِل، ويَمْلِكُ قُدرةٌ مُماثِلَةٌ لأنَّهُ مُساوٍ لَهُ. والآن، لَقد أدَّى ذلكَ إلى إثارةِ غَضَبِ اليَهود؛ أيْ هذا الادِّعاءُ بالألوهيَّةِ كَما نَعلَمُ جَميعًا. وبِسَببِ ذلكَ، حَاوَلوا أن يَقتُلوه. فَقد حَاوَلوا أن يَقتُلوهُ حَالاً. فقد وَصَلَ غَضَبُهُم نُقطةَ الذُّروةِ حَتَّى إنَّهُم صَاروا أشبَهَ بجَماعةٍ مِنَ الثُّوَّارِ الغَاضِبينَ الَّذينَ يُريدونَ أن يُزْهِقُوا حَياتَهُ. وعندما نَصِلُ إلى نِهايةِ الإصحاحِ العاشِرِ، نَرى رَابِعَ مَرَّةٍ أنَّهُم عَقَدُوا العَزمَ على قَتْلِهِ حَالاً، وَأنَّهُ اضْطُرَّ إلى الهَرَب. فالعَددُ التَّاسِعُ والثَّلاثونَ مِنَ الإصحاحِ العاشِرِ يُخبِرُنا ذلك.
وفي نِهايةِ الإصحاحِ الثَّامِنِ، نَقرأُ أنَّهُم "رَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَل". ونَقرأُ في نِهايةِ الإصحاحِ العاشِرِ والعَدد 39: "فَطَلَبُوا أَيْضًا أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ". وفي الإصحاحِ السَّابعِ نَرى نَموذجًا آخرَ على ذلكَ إذْ نَقرأُ في العَددِ الأوَّلِ أنَّ: "...الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ". فهذهِ رَغبةٌ رَاسِخَةٌ لا هَوادَةَ فيها مِن جَانِبِهم كي يَصِلُوا إلى لَحظةٍ تَتصاعَدُ فيها الأحداثُ في أعيُنِ الحُشودِ فيَجِدوا مُبَرِّرًا لإعدامِهِ حَالاً. فقد كانُوا يَعلَمونَ تَمامًا ما قَصَدَ أن يَقولَهُ عندما قالَ إنَّهُ ابنُ الله. فقد كانوا يَعلَمونَ أنَّهُ يَدَّعي أنَّهُ مِن نَفسِ جَوهرِ الله. فَهكذا كانُوا يَستخدِمونَ التَّعبيرَ "ابن فُلان". فإنْ قَالوا عَن شَخصٍ إنَّهُ "ابنُ بَليعال" فإنَّ المَقصودَ بذلكَ هُوَ أنَّهُ يُظهِرُ نَفسَ طَبيعةِ الشَّيطانِ الشِّرِّيرة. وإن قَالوا عَن أحَدٍ [كَما هِيَ حَالُ يَعقوب ويُوحَنَّا] إنَّهُما "ابْنَا الرَّعْدِ" فإنَّ ذلكَ يَعني أنَّهُما كانا حَادَّيِّ الطَّبْع. فَقد كانا حَادَّيِّ الطَّبْع. وإنْ قُلتَ إنَّكَ ابنُ اللهِ فإنَّ ذلكَ يَعني أنَّكَ تَمْلِكُ ذاتَ طَبيعةِ اللهِ نَفسِه.
فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 34 شَهادَةَ يوحنَّا المَعمدان: "وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ". وفي إنجيل يوحنَّا 1: 49 قَالَ نَثَنائيل: "يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ". فَبهذا الوُضوحِ أعلنَ يَسوعُ هُوِيَّتَهُ. فَهُوَ أمرٌ جَلِيٌّ تَمامًا. لِذا، عندما نَصِلُ إلى الإصحاحِ العاشِرِ فإنَّنا لا نَتَعَجَّبُ لأنَّ هذا الأمرَ صَارَ مَسألةً جَسيمةً جدًّا. فَفي العَدد 30، يُعلِنُ يَسوعُ أوضحَ وَأَدَقَّ إعلانٍ مُمكِن: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 31: "فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا»".
فَلم يَكُن هُناكَ أيُّ شَكٍّ لَديهم في ما يَدَّعِيه. لم يَكُن لَديهم أيُّ شَكٍّ البَتَّة. فَقد فَهِموا أنَّ يَسوعَ يَدَّعي أنَّهُ اللهُ، أو أنَّهُ "أَهْيَه" العَظيم، أو أنَّهُ الخَالِقُ نَفسُهُ، أو أنَّهُ اللهُ الأزليُّ الحَقيقيُّ الوَحيدُ في جَسَدٍ بَشريّ. وقد أكَّدَ كُتَّابُ الأناجيلِ الآخرونَ ذلك. فَمَتَّى يُقَدِّمُ في الإصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ الثَّالثِ والعِشرينَ الابْنَ بِصِفَتِهِ "عِمَّانوئيل"؛ ومَعناها: "الله مَعَنا". وفي إنجيل مَرقُس 1: 1، يَبتدِئُ مَرقُسُ تَأريخَهُ للأحداثِ قَائِلاً: "بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ الله". ولُوقا يُقَدِّمُ في الإصحاحِ الأوَّلِ وَصْفًا لولادَةِ الطِّفلِ ويقولُ عنِ الطِّفلِ إنَّهُ طِفْلٌ قُدُّوسٌ وإنَّهُ ابنُ الله. ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 1: "وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ".
اسمَعوني: إنَّ أيَّ تَعريفٍ... إنَّ أيَّ تَعريفٍ ليسوعَ مِن قِبَلِ أيِّ شَخصٍ، وفي أيِّ وَقتٍ، يَجعلُهُ أقَلَّ مِنَ اللهِ هُوَ تَجديفٌ. إنَّهُ تَجديف. وَقد قَلَبَ قَادَةُ بَني إسرائيلَ التَّجديفَ رَأسًا على عَقِب. فَقد جَعَلوا يَسوعَ مُجَدِّفًا في حينِ أنَّهُم كانُوا هُمُ الَّذينَ يُجَدِّفونَ بِسببِ إنكارِهم لِلاهُوتِه. فَقدِ اتَّهَموهُ بالتَّجديف. وَكانوا يَعلَمونَ أنَّ التَّجديفَ؛ أيِ التَّجديفَ الحَقيقيَّ، يَستوجِبُ المَوتَ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ اللاَّويِّين 24: 16: "وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْمًا".
فَفي نَظرِهم، كانَ يَسوعُ مُجَدِّفًا. أمَّا في الحَقيقةِ، فقد كانوا هُمُ مَنْ يُجَدِّفون. وكذلكَ هِيَ حَالُ أيِّ شَخصٍ يُنكِرُ طَبيعةَ المَسيحِ بِصِفَتِهِ الله. ولا شَكَّ في أنَّ يوحنَّا يُبَيِّنُ ذلكَ في إنجيلِهِ، ولكنَّهُ يُوَضِّحُ ذلكَ أيضًا في رِسالَتِهِ الأولى إذْ يَقول: "مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ. كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا". فيجبُ عَليكَ أن تَعترفَ بالابنِ والآبِ مَعًا؛ وإلاَّ فإنَّكَ مَلعون. فإنَّكَ مَلعون. وأنتَ مُجَدِّفٌ. وأنتَ ضِدُّ المَسيح. فأيُّ نَظرةٍ للمَسيحِ بأنَّهُ أقَلُّ مِنَ اللهِ هِيَ نَظرةٌ مُضادَةٌ للمَسيح. لِذا، في الحَقيقةِ، كانَ التَّجديفُ هُوَ التُّهمَةُ إلى أَلْصَقَها بِهِ قَادةُ بَني إسرائيلَ في نِهايةِ المَطافِ إلى أنْ صَلبوهُ على صَليبٍ رُومانِيّ. فَقد كانت تُهمَتُهُ هِيَ التَّجديف.
وفي نِهايةِ الإصحاحِ الثَّاني والعِشرينَ مِن إنجيلِ لُوقا، نَقرأُ أنَّ يَسوعَ كَانَ يَقِفُ أمامَ مَجْمَعِ اليَهودِ حينَ سَألوه: "أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟" وَقد أجابَهُم: "أجل، أنا هُوَ". أَجَل، أنا هُوَ. وَقد قالَ "أنا هُوَ" [أيِ اسْمَ اللهِ] مَرَّةً أخرى. فَقالوا لَهُ: "مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شَهَادَةٍ؟ لأَنَّنَا نَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ فَمِهِ. فَقَامَ كُلُّ جُمْهُورِهِمْ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِيلاَطُسَ". وَقَد كَذَبوا قَائِلينَ إنَّهُ يَتآمَرُ للإطاحَةِ بِقَيصَر لكي يُرغِمُوا بيلاطُسَ على الحُكْمِ عليه. ولكنَّ التَّجديفَ هُوَ التُّهمةُ الَّتي اتَّهَموهُ بِها لأنَّهُ قالَ إنَّهُ الله. لِذا، نَرى هُنا مَرَّةً أخرى، حينَ نَنظُرُ إلى إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ العاشِرِ، أنَّ المُشكلةَ هِيَ نَفسُها. والآيةُ يوحنَّا 19: 7 تُعَبِّرُ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "أَجَابَهُ الْيَهُودُ: لَنَا نَامُوسٌ [أيْ ما جَاءَ في سِفْرِ اللاَّوِيِّين 24: 16]، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ". فَقد طَالَبوا بإعدامِهِ بِسببِ التَّجديف.
والآن، في هذهِ النُّقطة، أيْ في إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ العاشِر، كانَتْ تُهْمَةُ التَّجديفِ قَد صَارت واضِحَةً تَمامًا. ولكنَّ يَسوعَ لم يَكُن هُوَ مَنْ يُجَدِّف، بَلْ هُم. وَهذا هُوَ مَشهَدُ يوحنَّا الأخير في خِدمةِ رَبِّنا العَلنيَّة. فَقد أَظْهَرَ لاهُوتَهُ مِن خِلالِ كلماتِهِ وأعمالِهِ يَومًا بَعدَ يَومٍ طَوالَ ثَلاثِ سَنواتٍ جَالَ فيها في أرضِ إسرائيل نَاطِقًا بكلماتٍ مِنَ الواضحِ أنَّها مِنَ السَّماءِ لأنَّهُ لم يَنطِق أحدٌ بِمِثلِها، وعَامِلاً أعمالاً مِنَ الواضِحِ أنَّها مِنَ السَّماء. وَقد لَخَّصَ نيقودِيموس ذلكَ حينَ قال: "لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ". ولكنَّ بَني إسرائيلَ، أوِ اليَهودَ الَّذينَ كانُوا يَتبَعونَ أبناءَ الشَّيطانِ المُرتَدِّينَ الَّذينَ ابتَدَعُوا واختَرعوا شَكلاً مَلعونًا مِنَ اليَهوديَّةِ كانوا يَصْنَعونَ أبناءً لجَهنَّم. وقد اتَّفقوا جَميعًا، أيِ الأُمَّةُ كُلُّها، على رَفْضِ المَسيحِ على الرَّغمِ مِن كُلِّ البَراهين.
وقد تَمَّ التَّنَبُّؤُ عن ذلكَ بالمُناسَبة. لِذا، لم يَكُنِ الأمرُ مُفاجِئًا البَتَّة. فإذا رَجعتُم إلى الإصحاحِ الثَّالثِ والخَمسينَ الرَّائعِ مِن سِفْرِ إشَعْياء سَتجدونَ أنَّهُ يَبتدِئُ بالتَّنبُّؤِ عَن مَجيءِ المَسيح: "مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟" فَهِيَ نُبوءَةٌ لَن يُصَدِّقوها. وَهذا هُوَ ما فَعلوه. ثُمَّ إنَّ إشَعْياءَ يَمْضي قَائِلاً: "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ". فَالأُمَّةُ كُلُّها كانَتْ تَتْبَعُ قادَتَها وتَنظُرُ إليهِ بِوَصْفِهِ مُجَدِّفًا. وبالمُناسَبة، إمَّا أنَّهُ كانَ اللهُ، وَإمَّا أنَّهُ كانَ مُجَدِّفًا. فَلا يُوجَدُ في الحَقيقةِ حُلٌّ وَسَط.
وَقَد تَمَّ تَوثيقُ الرَّفضِ الدَّائِمِ للقادةِ والشَّعبِ في كُلِّ إصحاحٍ مِن إنجيلِ يوحنَّا. فنحنُ نَقرأُ في الإصحاحِ الأوَّل: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ". ونَقرأُ في الإصحاحِ الثَّاني أنَّ صِدامًا عَنيفًا حَدَثَ بينَهُ وبينَ قَادَةِ بَني إسرائيلَ عندما دَخَلَ إلى الهَيكلِ وطَهَّرَهُ. ونَحنُ نَرى نَفسَ العَداوَةِ في الإصحاحِ الثَّالث. وَنَرى ذلكَ مَرَّةً أخرى في الإصحاحِ الرَّابع. ونَرى ذلكَ في الإصحاحِ الخامِس. ونَرى ذلكَ في الإصحاحِ السَّادسِ، والسَّابِعِ، والثَّامِنِ، والتَّاسِعِ، والعاشِرِ، والحادي عَشَر، والثَّاني عَشَر. والإصحاحُ الثَّاني عَشَر هُوَ الإصحاحُ الأخيرُ الَّذي نَرى فيهِ ذلكَ قَبلَ أن نَقرأَ مَا قَالَهُ يَسوعُ في العِليَّة. وَحَتَّى في نِهايةِ المُواجَهاتِ العَلنيَّةِ، وفي أسبوعِ الآلامِ، كانتِ نَفسُ الكَراهِيَةِ والعَداوةِ مَوجودَة. وَهِيَ تَتَصَاعَدُ هُنا في الإصحاحِ العاشِرِ حَتَّى إنَّنا نَرى في الأعدادِ مِن 22 إلى 42، أيْ في هذا المَقطعِ الأخير، نَرى حَقًّا أنَّ يوحنَّا يُلَخِّصُ رَفْضَ ابنِ اللهِ أوِ المَسِيَّا مِنْ قِبَلِ بَني إسرائيل.
ونَجِدُ خَمسةَ مَشاهِدٍ هُنا. ولا أريدُ أن أُعَجِّلَ في ذِكْرِها لأنَّهُ تُوجَدُ حَقائقٌ لاهُوتيَّةٌ عَميقةٌ هُنا. لِذا، يَنبغي لنا أن نَتَوَخَّى الحَيْطَةَ والحَذر. لِذا، سَوفَ نَرى إنْ كانَ بِمَقدورِنا أنْ نُنْهي مَا أنهَيْناهُ في الخِدمةِ الأولى. المَشهدُ الأوَّلُ هُوَ "المُواجَهة". فَسوفَ أُسَمِّيهِ وَحَسْب: "المُواجَهَة". والمُواجَهَةُ كانَت تَحدُثُ طُولَ الوَقت... طُولَ الوَقت. وبالمُناسَبة، نَحنُ في المَقطَعِ الَّذي يَتَحدَّثُ عَنِ الأعيادِ في إنجيل يوحنَّا. وَهذا يَبتَدِئُ مِنَ الإصحاحِ الخامِس- مِنَ الإصحاحِ الخامِسِ والعَددِ الأوَّل. فَيُوحَنَّا يُرينا هذهِ المُواجَهاتِ، أو هَذِهِ المُصادَماتِ، أو حَالاتِ الرَّفضِ هَذِهِ في الأعياد. فَنحنُ في أورُشَليم، ونَحنُ في الهَيكلِ، وهُناكَ أعيادٌ إذا كُنتُم تَذكُرونَ ابتداءً مِنَ الإصحاحِ الخامِسِ، ثُمَّ مَرَّةً أخرى في الإصحاحِ السَّابعِ، ثُمَّ نَأتي الآنَ إلى الإصحاحِ العاشِرِ والعَددِ الثَّاني والعِشرينَ فنَقرأُ عَن عِيدٍ آخر. لِذا فإنَّنا في مَوسِمِ الأعياد. ويُوحَنَّا يَستخدِمُ هذهِ الأعيادَ كَمُناسَباتٍ تِصِفُ هذا الرَّفض.
والآن، أريدُ أن أقولَ شَيئًا عَنِ المُواجَهات. فَقد كانَ قَادةُ بَني إسرائيلَ يَصْطَدِمونَ مَعَ يَسوعَ كَثيرًا. فيُمكِنُكم أن تَقرأوا عَن ذلكَ في إنجيلِ مَتَّى، ومَرقُس، ولُوقا، ويُوحَنَّا أيضًا. فَقد كانوا يُحِبُّونَ أن يُواجِهوهُ بِسُؤال. لِذا، يُمكِنُنا القَولُ إنَّ هذهِ مُواجَهَة مِن خِلالِ استِفسار. فَقد كانُوا يَأتُونَ ويَطرَحونَ سُؤالاً. والآن، قَد تَقول: "ولكنَّ هذا الأسلوبَ حَسَنٌ!" إلاَّ إنْ عَرَفْنا حَقيقةً واحدةً وَهِيَ أنَّ دَوافِعَهُم كانَت شِرِّيرة. فَهُم لم يَكونوا يَرْغَبونَ في مَعرفةِ الإجابة، ولم يَكونوا يَرغَبونَ في مَعرفةِ التَّفسير، بَل أرادوا وَحَسْب أن يَضَعوهُ في مَوقِفٍ أمامَ النَّاسِ يُرغِموهُ فيهِ على قَوْلِ شَيءٍ يُحْسَبُ تَجديفًا لكي يَجِدُوا تَبريرًا لِقَتلِه.
وهذهِ حَقيقةٌ عامَّة. فَقد كانُوا يَطرَحونَ سُؤالاً صَحيحًا. وأنا أَشْهَدُ لَهُم بذلك. فَالحاكِمُ الشَّابُّ طَرَحَ السُّؤالَ الصَّحيح. ونيقوديموسُ طَرَحَ السُّؤالَ الصَّحيح. وكَثيرونَ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ جاءوا إلى يَسوعَ مِنَ الكَتَبَةِ والقادَةِ والفَرِّيسيِّينَ والصَدُّوقِيِّينَ طَرَحُوا أسئلةً صَحيحة. فَقد طَرَحُوا السُّؤالَ الصَّحيحَ على الشَّخصِ الصَّحيح. وَكانُوا يَحصُلونَ دائِمًا على الإجابةِ الصَّحيحة؛ ولكنَّهُم كانُوا دائِمًا يَرفُضونَ رَفْضًا قاطِعًا الإجابَة. لِذا، يُمكِنُكم القَولُ إنَّ أُسلوبَهُم كانَ تَظاهُرًا وَحَسْب. فهذهِ ليسَت مُحاولةً شَريفةً لِلتَّوضيحِ أو مَعرفةِ الحَقيقة، بَل هُوَ مُجرَّدُ فَخٍّ حَاولوا دائِمًا أن يَنْصِبوهُ لَهُ كي يُمْسِكوه... كَي يُمْسِكوه. فقد كانَ قادةُ إسرائيلَ يَنظرونَ إلى يَسوعَ كما لو كانَ أَلَدَّ عَدُوٍّ عَرَفوهُ يَومًا أو يُمكِنُ حتَّى أن يَتخيَّلوه. فَلم يَسبِق لَهُم البَتَّة أنِ التَقَوْا عَدُوًّا مِثلَهُ! البَتَّة! ولَعلَّكُم تَذكُرونَ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ الثَّامنِ إذْ إنَّ يَسوعَ قَالَ لِقادةِ إسرائيلَ وكُلّ مَن يَتبَعُهم: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". فأنتُم تَفعلونَ مَا يَفعلُهُ أبوكُم. وأنتُم تُطيعونَ أباكُم. فَهُوَ كَذَّابٌ، وأنتُم كَذَّابون. وَهُوَ قَاتِلٌ، وأنتُم قَتَلَة. وَهُوَ مُخادِعٌ، وأنتُم مُخادِعون. "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". وحيثُ إنَّ يَسوعَ هُوَ اللهُ، وَإنَّهُ مُطْلَقُ الطَّهارَةِ، ومُطْلَقُ القَداسَةِ، ومُطْلَقُ الحَقِّ، فإنَّهُ أَلَدُّ عَدُوٍّ التَقَوْهُ يَومًا. وَمَعَ أنَّهُم لم يَكونوا يَرَوْنَ ذلكَ بهذا الوُضوحِ وتِلكَ الطَّريقةِ، فإنَّها الحَقيقة.
لِذا فإنَّ النَّمَطَ مَألوف. فَقد كانُوا يُواجِهونَهُ مِن خِلالِ طَرْحِ سُؤالٍ عَليه. وَكانَ هُوَ يُجيبُ عَنِ السُّؤالِ ويُؤكِّدُ ادِّعاءَهُ بأنَّهُ ابنُ اللهِ، وبأنَّهُ المَسِيَّا. وَكانُوا يُظْهِرونَ عَدَمَ إيمانِهِم، ويَثورونَ، ويَغضَبونَ، ويَسْعَوْنَ إلى الإمساكِ بِه وَقَتْلِهِ حَالاً. وكانَ هُوَ يَهرُبُ مِنهُم. وفي الإصحاحِ العاشِرِ يَتَكرَّرُ ذلكَ الأمرُ رَابِعَ مَرَّة.
وَكانَ ذلكَ يَحدُثُ في تِلكَ الأعياد. والسَّببُ في أنَّهُم كانُوا يُثيرونَ تِلكَ القَضايا في تِلكَ الأعيادِ وَفي أنَّ يوحنَّا يُرَكِّزُ على ذلكَ هُوَ أنَّ تِلكَ الأعيادَ كانَتْ مَكانًا مُناسِبًا يُمكِنُهم فيهِ أن يُثيروا فيهِ شَغَبًا وأنْ يَلعَبوا بِعُقولِ النَّاس.
لِذا، لِنَنظُر إلى السِّياقِ في العَددِ الثَّاني والعِشرين: "وَكَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ فِي أُورُشَلِيم". وكانَت جَميعُ الأعيادِ الكُبرَى تُقامُ هُناك. ولَعَلَّكُم لَم تَسمَعُوا بِعيدِ التَّجديد. ولكِنْ إذا بَحثتُم عَن عِيدِ التَّجديدِ في العهدِ القَديمِ لَن تَجِدوه. فَهُوَ ليسَ عِيدًا مِن أعيادِ العهدِ القديم. كانَ قَد مَضَى شَهرانِ الآنَ على عِيدِ المَظالِّ أوِ الأكواخ الَّذي يَحتَفِلونَ فيهِ بعِنايةِ الرَّبِّ بِهِم عندما تَاهُوا في البَريَّةِ. وَكانُوا يَحتَفِلونَ بِهِ في نِهايةِ شَهرِ أيلول/سبتمبر وبِدايةِ شَهرِ تشرينَ الأوَّل/أكتوبر بِحسبِ التَّقويمِ العِبريّ. لِذا فإنَّنا الآنَ على بُعْدِ شَهْرَيْنِ مِن ذلكَ العِيد. وَهذا العِيدُ هُوَ عِيدُ التَّجديد. وَهُوَ آخِرُ عِيدٍ سَنَوِيٍّ يَحتَفِلُ بِهِ اليَهودُ كُلَّ سَنةٍ بِحَسَبِ تَقويمِنا. وهُناكَ اسْمٌ آخرُ لهذا العِيد. فَهُوَ يُسَمَّى أيضًا "عيد الأنوار". والاسْمُ اليَهوديُّ المُعاصِرُ لَهُ هُوَ "هانوكَاه" (Hanukkah). ونَحنُ جَميعًا نَعرِفُ عَن عِيدِ الهانوكاه. فسَوفَ يَحتفِلُ اليَهودُ بِعيدِ الهَانُوكَاه بَعدَ بِضعَةِ أشهُر كَما يَفعلونَ دائِمًا. ولكِنْ لماذا سَمُّوهُ "عيد الأنوار"؟ لأنَّهم كانُوا يَحتَفِلونَ بِهِ بإنارةِ الشُّموعِ والمَصابيحِ في جَميعِ مَنازِلِهم رَمْزًا لاحتفالِهم. وكانَ ذلكَ العِيدُ يَأتي دائِمًا [بِحَسَبِ التَّقويمِ العِبريِّ] في اليَومِ الخامِسِ والعِشرينَ مِن شَهرِ كِسْلُو؛ أيْ في شَهرِ تشرينَ الثَّاني/نوفمبر أو كانون الأوَّل/ديسمبر بِحسبِ تَقويمِنا. إذًا، لقد كانُوا يَحتَفِلونَ بِهِ في اليومِ الخامِسِ والعِشرينَ مِن شَهرِ كِسْلو.
وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ ليسَ عِيدًا مِن أعيادِ العهدِ القديمِ فإنَّهُ يَأتي مَصْحوبًا بِتَقليدٍ مُدهِشٍ يَسْبِقُ العهدَ الجديد. فَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ في الفَترةِ الفاصِلَةِ بينَ العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ كانَت هُناكَ مُدَّةٌ تُقَدَّرُ بأربعمئةِ سَنَة. ونَحنُ نُسَمِّي تِلكَ الفَترةَ بفَترةِ مَا بَيْنَ العَهدَيْن. وفي هذهِ الفَترةِ، صَمَتَ آخِرُ أنبياءِ العهدِ القديم. فَلَم تَعُد هُناكَ نُبوءاتٌ، ولَم يَعُد هُناكَ إعلانٌ إلى أنْ ظَهَرَ يُوحنَّا المَعمَدان وَجاءَت كلمةُ الرَّبِّ إلى زَكَرِيَّا وأليصابات بشأنِ يُوحنَّا. ثُمَّ تَقرأونَ قِصَّةَ المَسيح. ولكِنْ في الوَسَط، كانَت هُناكَ أربعمئة سَنة. وكانَت تِلكَ السَّنواتُ الأربعمئة صَعبةً جدًّا جدًّا على اليَهود. لَقد كانَت صَعبةً جدًّا. فَقد كانُوا مُرتَدِّين. فَقد رَفَضُوا اللهَ وَتَلَقَّوْا الكَثيرَ مِنَ الدَّينوناتِ، وعَانُوا كَثيرًا. ولكِنَّ الأمورَ بَلَغَتْ ذُروَتَها قَبلَ نَحوِ مِئةٍ وسَبعينَ سَنَة مِن مَجيءِ المَسيح؛ أيْ في نَحوِ سَنَة 160 أو 170 قَبلَ الميلاد. فَقد جَاءَ رَجُلٌ أو مَلِكٌ سَلوقِيٌّ؛ وَهُوَ مَلِكٌ سَلوقِيٌّ قَوِيٌّ جدًّا. ولم تَكُن سُوريَّة عَدُوًّا جَديدًا لإسرائيل. وكانَ اسمُ هذا المَلِكِ السَّلوقِيِّ "أنطيوخُس" (Antiochus). وكانَ مَلِكًا كَبقيَّةِ المُلوك. فَقد كانَ نَرْجِسِيًّا مَجنونًا لا يُحِبُّ أحدًا إلاَّ نَفسَهُ. لِذا فقد كانَ يُسَمِّي نَفسَهُ "أنطيوخُس إبيفانيس" (Antiochus Epiphanes)؛ وَهُوَ اسمٌ مَعناهُ: "أنطيوخُس العَظيم. ولكنَّ الشَّعبَ غَيَّرَ حَرفًا واحِدًا وَأَسْماهُ "أنطيوخُس إبيمانيس" (Antiochus Epimanes)؛ أيْ: "المَجنون".
لِذا فقد كانَ هذا الحاكِمُ السَّلوقِيُّ [أنطيوخُس] مَلِكًا قَويًّا. وكانَ يُحِبُّ الثَّقافةِ اليُونانيَّة. وَقد أرادَ أن يَكونَ مُتَسَلِّطًا على إسرائيل، وَأرادَ ما أرادَهُ السَّلوقِيُّونَ المُعاصِرونَ، أو مَا أرادَهُ العالَمُ العَرَبِيُّ الشَّرْقُ أوسَطِيّ. فَقد أرادَ إسرائيل. وَهُوَ أوَّلُ مَلِكٍ وَثَنِيٍّ اضطَهَدَ اليَهودَ بِسَببِ دِيانَتِهم. إنَّهُ الأوَّل. فَقد كانَ مُكَرَّسًا للثَّقافةِ اليونانيَّةِ بِمَعنى أنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بآلِهَةٍ عَديدةٍ أو بآلِهَةٍ مُتَعَدِّدَة. وفي سَنةِ 167 قبلَ الميلاد، سَنَّ قَانونًا. وَقد فَرَضَ ذلكَ القَانونَ على الجَميع. وكانَ قَانونًا يُسَمَّى "التَّهْلِيْن" (Hellenization)؛ وَهِيَ كلمةٌ مُشتقَّةٌ مِنَ الكلمةِ اليُونانيَّة "هيلينيه" (Hellenis) ومَعناها: يُونانِيّ، أو إغريقيّ، أو أُمَمِيّ. فَقد أرادَ أن يَجعلَ الجَميعَ يُونانِيِّين، وَأرادَ أن يَجعلَ الجَميعَ يَتَشَرَّبونَ الثَّقافةَ اليُونانيَّة. ولكنَّ اليَهودَ لم يَقبَلوا أيَّةَ دِيانَةٍ وَثنيَّة. لِذا فقد دَخَلَ أورُشَليمَ بِجَيْشٍ جَرَّارٍ في سَنةِ 170 قَبلَ الميلاد، وهَاجَمَ الهَيكلَ، ودَخَلَ حَالاً إلى الهَيكلِ وإلى قُدسِ الأقداسِ، وذَبَحَ خِنزيرًا في قُدسِ الأقداس. ثُمَّ إنَّهُ أقامَ تِمثالاً لِلإلَهِ "زيوس" (Zeus) هُناك. وكانت تِلكَ أوَّلُ مُحاولةٍ جَادَّةٍ ومُنَظَّمَةٍ للقَضاءِ على اليَهوديَّة. وَقَد كانَ مُتَوَحِّشًا في قَمْعِهِ لليَهود. وبالمُناسَبَة، كما يَفعلُ اليَهودُ دائِمًا، فإنَّهُم تَمَسَّكوا بِقوَّةٍ بِديانَتِهم. لِذا فقد أَمَرَ بِقَتلِهم. فَقد فَرَضَ عَليهِم أن يُقَدِّمُوا الذَّبائِحَ للآلِهَةِ الوَثنيَّةِ وَإلاَّ فإنَّ مَصيرَهُم هُوَ المَوت؛ كَما هِيَ حَالُ مَن يَرْتَدُّ عَنِ الإسلامِ، أو كَما هِيَ الحَالُ عِندَما يَقطعونَ رَأسَ مَنْ يَرْتَدُّ في العِراقِ اليَوم. فَهذا أمرٌ ليسَ بالجَديد.
والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّ الشَّيطانَ قَتَّالٌ للنَّاس. فَلم يَكُن يُسمَحُ للنَّاسِ أن يَحمِلُوا أو يَقرأوا أو يَحُوزوا أيَّ جُزءٍ مِنْ أسفارِ العَهدِ القَديم. وعندما كانُوا يَعثُرونَ على نُسَخٍ مِنْ أسفارِ العهدِ القديمِ كانُوا يَجمَعونَها ويَحرِقونَها. وَكانَ يُحظَرُ على النَّاسِ أن يَحْفَظُوا السَّبْت. ولم يَكُن يُسمَحُ لَهُم بأن يَختِنُوا أطفالَهُم. وقد أدَّى الاضطِهادُ الشَّنيعُ إلى ثَورةِ مَجموعةٍ مِنَ اليَهودِ الأتقياءِ كَما يُمكِنُ لأيٍّ مِنكُم أن يَتوقَّع. فَقد أرادُوا أن يَرُدُّوا الهُجومَ بِهُجومٍ مُماثِل. وَكانَ قَائِدُهم في تلكَ الثَّورةِ هُوَ كَاهِنٌ يُدعَى "مَتَّاثِيَّاس" (Mattathias). وكانَ لِمَتَّاثِيَّاس أبناءٌ. وكانَ واحِدٌ مِن أبنائِهِ رَجُلٌ يُدعَى "يَهوذا المَكابِيّ". وبِقيادةِ هذا القائِدِ المُحارِبِ الفَعَّالِ والقَوِيِّ حَقًّا؛ أيْ يَهوذا المَكابِيّ، تَمَكَّنَ اليَهودُ مِنَ استَعادَةِ أورُشليم. والمُدهِشُ في الأمرِ هُوَ أنَّهُ في اليَومِ الخامِسِ والعِشرينَ مِن شَهرِ كِسْلُو، نَجَحوا في تَحريرِ الهَيكلِ، وإعادَةِ تَكريسِهِ، والاحتفالِ بِعيدِ التَّجديدِ احتفالاً بِتَحريرِ الهَيكَلِ وإعادةِ تَكريسِ الهَيكَل. وهُناكَ مَعلوماتٌ تَاريخيَّةٌ تَقولُ إنَّ أنطيوخُس فَعَلَ ما فَعَلَهُ في اليومِ الخامِسِ والعِشرينَ مِن شَهر كِسْلُو، وَأنَّ الثُّوَّارَ حَرَّروا الهَيكلَ في الخامِسِ والعِشرينَ مِن شَهرِ كِسْلُو بَعدَ سَنواتٍ مِن ذلك.
لِذا فقد صَارَ ذلكَ التَّاريخُ تَاريخًا مُهِمًّا. وهُناكَ سِفْرٌ في الأسفارِ المَنْحُولَةِ يُسَمَّى سِفْر المَكابِيِّين الثَّاني. وَهُوَ يُقَدِّمُ لَنا نَظرةً تَاريخيَّةً على ذلكَ الحَدَث. اسمَحُوا لي أن أقرأَ ذلكَ لَكُم: "
"أمَّا المَكابِيُّ والَّذينَ مَعَهُ فبإمدادِ الرَّبِّ استَرَدُّوا الهيكلَ والمدينةَ، وهَدَمُوا المَذابحَ الَّتي كان الأجانِبُ قَد بَنَوْهَا في السَّاحَةِ، وخَرَّبُوا المَعابِدَ، وطَهَّروا الهَيكلَ، وصَنَعُوا مَذبَحًا آخَرَ، واقتَدَحُوا حِجارةً اقتَبَسُوا مِنها نَارًا وقَدَّمُوا ذَبيحَةً بَعد فترةِ سَنَتَيْنِ وهيَّأوا البَخُورَ والسُّرُجَ وخُبْزَ التَّقدِمَة"؛ وَهُوَ الخُبزُ الَّذي سَيُوضَعُ في قُدْسِ الأقدَاس. "وبَعدَمَا أَتَمُّوا ذلكَ ابتَهَلُوا إلى الرَّبِّ وَقَد خَرُّوا بِصُدورِهِم أن لا يُصابُوا بِمثلِ تِلكَ الشُّرورِ لكِنْ إذا خَطِئُوا يُؤدِّبُهُم هُوَ بِرِفْقٍ ولاَ يُسَلِّمُهُم إلى أُمَمٍ كَافِرَةٍ وَحشِيَّةٍ. واتَّفَقَ أنَّهُ في مِثلِ اليَومِ الَّذي فيهِ نَجَّسَتِ الغُرَبَاءُ الهَيكَلَ في ذلكَ اليومِ عَيْنِهِ تَمَّ تَطهيرُ الهَيكَلِ؛ وَهُوَ اليَومُ الخَامِسُ وَالعِشرونَ مِن ذلكَ الشَّهرِ الَّذي هُوَ شَهرُ كِسْلُو. فَعَيَّدُوا ثَمانِيَةَ أيَّامٍ بِفَرَحٍ كَمَا في عِيدِ المَظَالِّ وَهُمْ يَذكُرونَ كَيفَ قَضَوْا عِيدَ المَظَاِّل قُبَيْلَ ذَلِكَ في الجِبالِ وَالمَغاوِرِ مِثْلَ وُحوشِ البَرِّيَّة. وَلِذلِكَ سَبَّحُوا لِمَنْ يَسَّرَ تَطْهيرَ هَيكَلِهِ وفي أَيْدِيْهِمْ غُصُونٌ ذاتُ أوراقٍ وأفْنَانٌ خُضْرٌ وَسَعَفٌ. وَرَسَمُوا رَسْمًا عَامًّا عَلى جَميعِ أُمَّةِ اليَهودِ أنْ يُعَيِّدوا هَذِهِ الأيَّامِ في كُلِّ سَنَة".
لِذا فإنَّ تِلْكَ الفِقْرَةَ التَّاريخيَّةَ مِن سِفْرِ المَكابِيِّينَ الثَّاني تُرينا تَأسيسَ عِيدِ التَّجديد. والآن، لِنَرجِع إلى إنجيل يوحنَّا. إذًا، كانَ اليَومُ هُوَ الخامِسُ والعِشرونَ مِن شَهْرِ كِسْلُو. وكانُوا يَحتَفِلونَ بِعيدِ التَّجديدِ في أورُشليم. فَقد كانُوا يَحتَفِلونَ بهذا التَّحريرِ العَظيم. إنَّهُ عِيدُ الأنوارِ أوِ الهَانوكَاه. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّالثِ والعِشرينَ ما يَلي: "وَكَانَ شِتَاءٌ". وَهذا مُدهِشٌ جدًّا. "وَكَانَ شِتَاءٌ". عِندما قَرأتُ هذهِ العِبارةَ في وَقتٍ سَابِقٍ مِن هذا الأسبوعِ، تَوقَّفتُ ورُحْتُ أُفَكِّرُ فيها. فَقد كانَ شِتاءٌ لا فَقط بِحسبِ التَّقويمِ لأنَّ ذلكَ حَدَثَ في شَهْرِ تِشرينِ الثَّاني/نوفمبر أو في شَهرِ كَانون الأوَّل/ديسمبر؛ بَلْ لأنَّ الأجواءَ كانَتْ شِتاءً رُوحِيًّا. فَشَمْسُ البِرِّ الَّتي أَشْرَقَتْ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا دَارَتْ في مَدارِها وَاخَتَفْت لِتَعُمَّ الظُّلمةُ مَرَّةً أخرى. فقد كانَ الوقتُ شِتاءً بِحَسَبِ التَّقويمِ، وكانَ شِتاءٌ أيضًا في قُلوبِ اليَهود.
ولأنَّهُ كانَ شِتاء، "كَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى فِي الْهَيْكَلِ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ". وَقد تَحَدَّثْتُ عن ذلكَ عندما دَرَسنا سِفْرَ أعمالِ الرُّسُل لأنَّ هذا الرِّواقَ مَذكورٌ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والإصْحاحَيْنِ الثَّالِثِ والخَامِس. فعندما دَمَّرَ البابِليُّونَ أورُشَليمَ في سَنة 586 قَبلَ الميلاد، دَمَّرُوا الهَيكل. ولكنَّهُم لم يُدَمِّرُوا ذلكَ السُّورَ الخَلفِيَّ المُقامَ على الجانِبِ الشَّرقِيِّ والَّذي يَبلُغُ طُولُهُ 600 قَدَم. لِذا، كانَ ذلكَ الرِّواقُ مُتَبَقِّيًا مِن هَيكلِ سُليمانَ الأصلِيّ. لِذا فإنَّهُ يُسَمَّى "رِواق سُليمان". وأمامَ ذلكَ السُّور، بَنَوْا مَمَرًّا مَسْقُوفًا عَظيمًا بأنْ أنشأوا أعمدةً بارتفاعِ أربعينَ قَدَمًا وَسَقْفًا. وكانَ هذا الرِّواقُ هُوَ المَمَرُّ الَّذي يَقْصِدُهُ النَّاسُ عندما يَأتونَ إلى الهَيكلِ إنْ كانَ شِتاءٌ. وفي فَصْلِ الشِّتاءِ في إسرائيل، قَد يَهْطُلُ المَطَر. وَقد يَصيرُ الجَوُّ بارِدًا جدًّا. وَقد يَنهَمِرُ الثَّلْجُ في أورُشَليمَ ذلكَ المَكانِ المُرتفِع. وقد صَارَ الشِّتاءُ رَمْزًا للحَالةِ الرُّوحيَّةِ للأُمَّة.
لِذا فقد كانَ يَسوعُ يَمشي في ذلكَ الجُزءِ مِنَ الهَيكلِ؛ وَهُوَ الجُزءُ الوَحيدُ الَّذي تَبَقَّى مِن هَيكلِ سُليمانَ العَظيمَ والبَديع. وكانَ هذا هُوَ آخِرُ ظُهورٍ عَلَنِيٍّ لِيَسوع. أمَّا بَقِيَّةُ ظُهوراتِهِ فكانَت خَاصَّةً. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الأربَعينَ أنَّهُ بَعدَ ذلكَ "مَضَى". فَقَد مَضَى. لَقد مَضَى مُدَّةَ ثَلاثةِ أشهُر. وعندما عَادَ، أَقامَ لِعازَرَ، ودَخَلَ المَدينة. وبَعدَ أُسبوعٍ حَدَثَ الصَّلْبُ، ثُمَّ حَدَثَتِ القِيامَة.
إنَّها لَحظةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا. وكانَ شِتاءٌ حَقًّا. إذًا، لَقد كانوا يَحتفلونَ بِمُحَرِّرِهم البَشريِّ العَظيمِ؛ ولكنَّهُم كانوا يُخَطِّطونَ لِقَتْلِ مُخَلِّصِهم! يَا لَلْعَجَب! يَا لَلْعَجَب!
وَكانتِ المُواجَهَةُ تَبتَدِئُ [كَما قُلتُ] بِسُؤال إذْ نَقرأُ في العَدد 24: "فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا»". ويَنبَغي أن تَعلَمُوا أنَّ هذا رِياء! "إلى مَتَى تُعَلِّقُ أنفُسَنا؟" مَهْلاً! لَقد حَاولوا أن يَقتُلوهُ ثَلاثَ مَرَّات! فعندما قَالَ: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ"، رَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ ويُزهِقُوا رُوْحَهُ. فَقد كانُوا يَعلَمونَ تَمامًا حَقيقةَ ادِّعائِه. ولكِنَّهُم يَتظاهَرونَ مَرَّةً أخرى لكي يَنْتَزِعُوا مِنهُ اعتِرافًا وَتَجديفًا يُبَرِّرُ عُنْفَهُم.
"إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟" وَقد قَالوا ذلكَ بِسُخرية: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا". وبالمُناسَبة، كانَ يَسوعُ قَدِ غَابَ عَنهُم مُدَّةَ شَهْرَيْن. فَما بَينَ العَددِ الحادي والعِشرينَ والعَددِ الثَّاني والعِشرينَ هُناكَ شَهْران. فَما بَيْنَ العِيدِ المَاضي وَهذا العِيدِ انتَقلنا مِن شَهرِ أيلول/سبتمبر أو تشرينَ الأوَّل/أكتوبر إلى شَهرِ تشرينَ الثَّاني/نوفمبر أو كانونَ الأوَّل/ديسمبر. وكُلُّ ما فَعَلَهُ هُوَ أنَّهُ ظَهَرَ فَتَأجَّجَتْ كَراهِيَّتُهم لَهُ مِن جَديد. وَكأنَّهُم كَانُوا يَكْبُتونَ تِلكَ الكَراهِيَةَ بِصعوبةٍ بَالِغَةٍ حَتَّى إنَّ مُجَرَّدَ رُؤيَتِهم لَهُ أَجَّجَتِ المُواجَهَة! فَقد كانُوا يَكرَهونَهُ كَراهِيَةً شَديدةً جِدًّا حَتَّى إنَّهُ بَعدَ غِيابِ شَهْرَيْنِ تَأجَّجَتْ رَغْبَتُهم في قَتلِهِ بِمُجَرَّدِ رُؤيَتِهم لَهُ! فَقد ادَّعَى أنَّهُ اللهُ وإنَّهُ ابنُ اللهِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ. وَقد قَرأنا ذلكَ في الإصحاحِ الخامِس، وَرَأينا ذلكَ في الإصحاحِ السَّادس، وَرأينا ذلكَ في الإصحاحِ الثَّامِن. فَقد قالَ ذلكَ مِرارًا. وَقد دَعا نَفسَهُ ابنَ اللهِ مِرارًا طَوالَ خِدمَتِه. لِذا، كانَ سُؤالُهُم تَحايُلاً وَحَسْب. فَلَم تَكُن هُناكَ نَزاهَة.
لِذا فإنَّ المَشهَدَ الأوَّلَ هُنا هُوَ المُواجَهَة، ثُمَّ إنَّ تِلكَ المُواجَهَةَ تَنطوي على سُؤال. أمَّا المَشهَدُ الثَّاني فَنَجِدُهُ في العَدَد 25 وَما يَليه وَهُوَ: "الادِّعاء". فَهذا هُوَ النَّمَطُ السَّائِد. فَهُم يُوَجِّهونَ سُؤالً، وَهُوَ يَدَّعِي شَيئًا. والادِّعاءُ هُوَ أنَّهُ الله. الادِّعاءُ هُوَ أنَّهُ الله. ولكِنْ قَبلَ أن يَدَّعِي ذلكَ صَراحَةً في العَددِ الثَّلاثين، دَعونَا نَنظُرُ... يا لَلْعَجَب! لَقَد اقترَبَ وَقْتُنا على الانتهاء؛ ولكِنْ لا بَأسَ في ذلك... لِنَنظُر إلى العَددِ الخامِسِ والعِشرين. سَوفَ أعود! العَدد 25. وكذلكَ أنتُم. "أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: إِنِّي قُلْتُ لَكُم"... " إِنِّي قُلْتُ لَكُم وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُون". وتِلكَ هِيَ المُشكلة! أنتُم لا تُؤمِنون. "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ". والأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنِّي قُلتُ لَكُم، بَلْ إنَّ "اَلأَعْمَالَ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي. وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُون".
تَوَقَّفُوا هُنا عِندَ تِلكَ النُّقطةِ مِنَ العَددِ السَّادسِ والعِشرين: "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ"... "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ". "وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ". "اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا... هِيَ تَشْهَدُ لِي. وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُون". وهذهِ هِيَ النُّقطةُ الرَّئيسيَّةُ يا أحبَّائي. فَهُم لا يُؤمِنون. لِماذا؟ فَقد تَقولون: ماذا عَن كُلِّ تِلكَ البَراهينِ، وماذا عَن كُلِّ تِلكَ المُعجِزاتِ، وماذا عَن نيقوديموس الَّذي قالَ [كَما تَعلمون]: "لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ... نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا". إذًا، لماذا لا يُؤمِنون؟ لِنَرجِع إلى إنجيل يوحنَّا والإصحاحِ الثَّالث. وسَوفَ نَختِمُ بِهذا المَبدأ. إنجيل يوحنَّا 3: 16: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". إذًا، لكي تُؤمِنوا. فَلهذا السَّبب كَتَبَ يوحنَّا هذا الإنجيل: "لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". حَسَنًا؟ إذًا، إذا آمَنْتَ تَكونُ لَكَ الحَياةُ الأبديَّة. وفي العَدد 17: "لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ". فَمِنَ الواضِحِ مَن هُوَ. وَمِنَ الواضِحِ مَنْ يَقولُ إنَّهُ هُوَ. فَهُوَ اللهُ الَّذي جاءَ في جَسَدٍ بَشريّ. فَهُوَ مِن نَفسِ طَبيعةِ الله. صَدِّقُوا ذَلِك. "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ...". وَهذا هُوَ سَبَبُ عَدَمِ إيمانِهم: "...وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ".
إذًا لِماذا لا يُؤمِنُ النَّاسُ؟ إنَّ السَّببَ لا يَرجِعُ إلى عَدَمِ وُجودِ بَراهين، بَل لأنَّهُم يُبغِضونَ النُّورَ لأنَّ النُّورَ يَفْضَحُ خَطاياهُم. ولماذا يَغضَبُ النَّاسُ مِنَ المَسيحيِّين؟ ولماذا يَضطَهِدُ النَّاسُ المَسيحيِّين؟ لِنَفسِ السَّبَبِ الَّذي جَعَلَهُم يَضطَهِدونَ يَسوع. فَقد قالَ يَسوعُ إنَّ العَالَمَ: "يُبْغِضُنِي أَنَا لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ" [إنجيل يوحنَّا 7: 7]. وهذهِ جُملةٌ واضِحَةٌ جدًّا. وَهل تَعلَمونَ سَبَبَ عَداوةِ العالَمِ لَنا؟ لأنَّنا نَشْهَدُ أنَّ أعمالَ العالَمِ شِرِّيرة. فَهُم لا يُريدونَ أن يَسمَعُوا ذلك. فالزُّناةُ لا يُريدونَ أن يَسمَعُوا ذلك. والمِثليُّونَ الجِنسيُّونَ لا يُريدونَ أن يَسمَعُوا ذلك. والكَذَبَةُ واللُّصوصُ لا يُريدونَ أن يَسمَعُوا ذلك. والنَّاسُ الفاسِدونَ لا يُريدونَ أن يَسمَعُوا ذلك. لِماذا؟ لأنَّهُم يُحِبُّونَ الظُّلمَة، وَلأنَّ أعمالَهُم شِرِّيرة. فَهُم يُحِبُّونَ خَطاياهُم. فَحُبُّ الخَطيَّةِ هُوَ الَّذي يُؤدِّي إلى عَدمِ الإيمان. فيُمكِنُكم أن تُقدِّمُوا الكَثيرَ مِنَ البَراهين؛ ولكِنْ مَا لم يَتغيَّر القَلبُ ويُبغِضُ الخَطيَّةَ لَنْ يَكونَ هُناكَ أيُّ إيمان.
وَقَد كانَ هؤلاءِ اليَهودُ مِثلَ بَقيَّةِ النَّاسِ إذْ إنَّهُم كانُوا يُحبُّونَ الخَطيَّة. مِن جِهةٍ أخرى، قَالَ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا 7: 17: "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي". فَما الَّذي يَصنَعُ الفَرقَ؟ إنْ كُنتَ تُحِبُّ خَطاياكَ، سَتُبغِضُ الإنجيل. وإنْ كُنتَ تَرغَبُ في عَملِ مَشيئةِ اللهِ، أيْ إنْ كُنتَ جَائِعًا إلى البِرِّ، سَتَعرِفُ الحَقَّ وتُؤمِنُ بِه.
اسمَعوني: يُمكِنُكُم أن تَستخدِمُوا الدِّفاعِيَّاتِ كَما تَشاءون، ويُمكنُكم أن تُدافِعُوا عَنِ الإيمانِ كَما يَحلُو لَكُم؛ ولكنَّ المَسألةَ مَسألةَ خَطيَّة. فالبُرهانُ مَوجود. والبُرهانُ وَاضِحٌ. وَحياةُ المَسيحِ تُعلِنُ بِوضوحٍ أنَّهُ اللهُ الَّذي جَاءَ في جَسَدٍ بَشريّ. فَلا يُوجَدُ تَفسيرٌ آخر. ولكنَّ النَّاسَ يُحِبُّونَ الخَطيَّةَ ويُبغِضونَ البِرَّ، ويُبغِضونَ أيَّ شَخصٍ يَشْهَدُ عَلى خَطاياهُم. فَما الَّذي يَجعلُ النَّاسَ في مُجتمعِنا غَاضِبينَ جدًّا مِنَ المَسيحيَّة؟ لأنَّنا نَشهَدُ أنَّ أعمالَهُم شِرِّيرة. فَلا خِيارَ أمامَنا. وَما لَم يَقبَلوا تِلكَ الشَّهادَةَ لَنْ يَركُضُوا إلى أحضانِ الله. أنتُم لا تُؤمِنون، بَلْ أنتُم تُبغِضونَني لأنِّي أقولُ لَكُم مَا يَنبغي أن تَسمَعوه، ومَا يَجِبُ أن تَسمَعوهُ على الرَّغمِ مِن أنَّكُم تُبغِضونَ سَماعَهُ.
فالشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي لا تَستطيعُ المَسيحيَّةُ أن تَفعلَهُ هُوَ أن تُغَيِّرَ رِسالَتَها، وَأنْ تَتوقَّفَ عَنْ كَونِها هُجومِيَّة. فَنَحنُ أكثرُ أُناسٍ هُجومِيِّينَ على وَجْهِ الأرضِ لأنَّنا نَحْمِلُ أكثرَ رِسَالةٍ هُجوميَّةٍ قُدِّمَتْ يَوْمًا مِنْ قِبَلِ أيِّ شَخص. فَنَحنُ نَشْهَدُ للنَّاسِ أنَّ أعمالَهُم شِرِّيرة، وَأنَّهُم يُحِبُّونَ خَطاياهُم، وَيُحِبُّونَ ظُلْمَتَهُم، وَأنَّ الدَّينونةَ سَتَقودُهُم إلى جَهنَّم. فهذهِ هِيَ رِسالَتُنا. فَحُبُّ الخَطيَّةِ وكُرْهُ البِرِّ هُوَ الَّذي يُؤدِّي إلى عَدمِ الإيمانِ على الرَّغمِ مِن وُجودِ كُلِّ البَراهين.
وبالمُناسَبة، هُناكَ شَيءٌ آخر في العَدد 26: "وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي". حَسنًا! ارجِعُوا في الأسبوعِ القادِم كي أُخبرَكُم لماذا قَالَ ذلك. دَعونا نُصَلِّي:
لَقَدْ تَأثَّرَتْ قُلوبُنا حَقًّا بِسَببِ الحَقّ. فَهُوَ يَأتي بوضوحٍ وقُوَّةٍ وإلحاح. لِذا، لا يُمْكِنُ أن نُفَكِّرَ في هذهِ الأمورِ مِن دُونِ أنْ نَنْحَني إجلالاً، ومِن دُونِ أن نَشعُرَ بِرَهْبَةٍ مُقَدَّسَةٍ بِسَببِ جِدِّيَّةِ هذهِ الأمورِ المُختصَّةِ بالنَّفس. ولا يَسَعُني إلاَّ أن أُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تُسْمَعَ هذهِ الرِّسالة، وأنْ يُسْمَعَ هَذا الحَقُّ اليومَ أو في أيِّ وَقتٍ آخرَ في المُستقبلِ، وأن يَكونَ مُفيدًا إذْ يَعمَلُ رُوحُ اللهِ على إنذارِ الخُطاةِ، وإنذارِ غَيرِ المُؤمِنينَ، وبَثِّ الرَّهْبَةِ في نُفوسِ أولئكَ الَّذينَ يَعيشونَ في الظُّلمةِ ويُحِبُّونَ الظُّلمة. فالنُّورُ جَاءَ، وَشَمْسُ البِرِّ أَشْرَقَتْ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا. وَشَمْسُ البِرِّ دَارَتْ في مَدارٍ بَهِيٍّ وَلامِعٍ ومُشرِقٍ وَاهِبٍ للحَياةِ حَولَ إسرائيل؛ ولكنَّ النَّاسَ اختارُوا الظُّلمة. وَحينئذٍ حَلَّ الشِّتاءُ. فَقَد تَلاشَى النُّور. وَحَتَّى إنَّ يَسوعَ نَفسَهُ قَالَ إنَّ النُّورَ سَيَتلاشَى.
يا رَبّ، نَحنُ نَنظُرُ إلى العَالَمِ مِن حَولِنا. وَنَحنُ نَشكُرُكَ لأنَّ نِعمَتَكَ مَا تَزالُ مُقَدَّمَةً للخُطاةِ كَما هِيَ مُقَدَّمة لَنا. نَسألُكَ أنْ يُشْرِقَ النُّورُ مَرَّةً أخرى بِقُوَّةٍ في عَالَمِنا كي يَكونَ الشَّعبُ الَّذي يَعيشُ في النُّورِ أمينًا للرِّسالةِ الصَّعبةِ، وأيضًا لِرسَالةِ النِّعمَةِ المُتعاطِفَةِ الَّتي تَأتي بَعدَها. وَنَسألُكَ أن تَتَمَجَّدَ بأنْ تَفْتَحَ قُلوبَ الخُطاةِ، وبأنْ تُبَدِّدَ الظَّلامَ، وبأنْ تُشْرِقَ بِنورِك. فَلَيْتَ نُورَ إنجيلِ يَسوعَ المَسيحِ المَجيد يُشْرِقُ في قُلوبِ كَثيرينَ، ويُبَدِّدُ الظُّلمَةَ وَحُبَّ الخَطيَّةِ، ويَضَع مَحَلَّها حُبَّ البِرِّ، ويُعطي غُفرانًا وَحَياةً أبديَّة.
يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى على وَقتِ العِبادةِ الرَّائعِ في هذا اليَوم. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ رَفَعْتَنا وَشَجَّعْتَنا أكثرَ مِمَّا نَطلُب. بارِك كُلَّ شَخصٍ هُنا، وكُلَّ نَفسٍ، وتَمِّم مَشيئَتَكَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَّا لأجلِ مَجْدِكَ أنت. نُصَلِّي هذا باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
