أرجو منكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّس على الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل يوحنَّا. إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13. يوحنَّا 13. سوفَ أُقدِّم لكم خَلفيَّةً صغيرةً لكي نَصِلُ إلى النُّقطةِ الَّتي نَتأمَّلُ فيها في تلك الآية. فهذا كُلُّه يَحدث... أي إنَّ ما يَرِد في بدايةِ الأصحاح 13 يَحدُث كُلُّهُ مساءَ يومِ الخميس في الأسبوعِ الأخيرِ مِن حياةِ رَبِّنا، وهو الأسبوعُ الَّذي يُدعى "أُسبوع الآلام".
ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ جاءَ يومَ الإثنين إلى المدينة، وأنَّ مِئاتِ الآلافِ مِنَ النَّاسِ هَلَّلُوا واحتَفلوا بهِ بصفتِهِ المَسيَّا. وفي يومِ الثُّلاثاء، دَخَلَ الهَيكلَ وطَهَّرَهُ إذْ طَرَدَ الصَّيارفةَ والمُشترينَ والبائعينَ، وسَيطَرَ على الهيكلِ يومَ الثُّلاثاء. وفي أيَّامِ الثُّلاثاءِ والأربعاءِ والخميس، عَقَدَ جَلْساتٍ في ذلك الهَيكل، وعَلَّمَ، وقالَ أَمثالاً، وكَلَّمَ النَّاسَ، وواجَهَ القادةَ مِن خلالِ مُناظرتهم والتَّغلُّبِ عليهم في مُجادلاتِهم الكَلامِيَّة. وكانَ ذلكَ قد حَدَثَ أيَّامَ الثُّلاثاء والأربعاء والخميس. ولكن في يومِ الخميس مساءً، كانَ الوقتُ قد حانَ كي يَحتفلَ سُكَّانُ الجليلِ بعيدِ الفِصح.
فقد كانَ سُكَّانُ الجَليلِ يَحتفلونَ بعيدِ الفِصحِ يومَ الخميس مساءً؛ في حين أنَّ سُكَّانَ اليهوديَّة كانوا يَحتفلونَ بهِ يومَ الجُمُعة. لِذا فقد ابتدأتِ الاحتفالاتُ يومَ الخميس مساءً. ونحنُ نَجِدُ أنفسَنا في الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل يوحنَّا في مساءِ يومِ الخميسِ ذاك. ويُمكنكم أن تَرَوْا كيفَ تَبتدئُ الآيةُ الأولى بالحديثِ عن عيدِ الفِصح. وقد كانوا يَحتفلونَ بذلك العيد لَيلةَ الخميس. نحنُ لا نَعلمُ تاريخَ وِلادةِ يسوع، ولا نَعرفُ تاريخَ مَعموديَّتِه، ولكنَّنا نَعرفُ اليومَ المُحَدَّدَ الَّذي صُلِبَ فيه وهو الخامِس عشر مِن شهرِ نِيسان سنة 30 ميلاديَّة في عيدِ الفِصحِ؛ أي في نفسِ الوقتِ الَّذي كانت تُذبَحُ فيهِ الحُملانُ لتقديمِها مِن قِبَلِ الشَّعبِ ذبائح. فنحنُ نَعرِفُ ذلك التَّاريخ. لِذا، عندما نَحتفلُ بالجُمعةِ العَظيمةِ وبأحَدِ الفِصْح، نحنُ في وَقتٍ مُوافِقٍ للتَّقويمِ اليهوديِّ المُختصِّ بموتِ رَبِّنا.
إذًا نحنُ في مساءِ يومِ الخميس، وهو سَيَلتقي تلاميذَهُ في تلك العِلِيَّة لتَناوُلِ العشاء. ثُمَّ إنَّهُ سيُغادِرُ تلكَ العِليَّة ويَمشي في شَوارعِ أورُشليم المُعتِمَة يَتبَعُهُ تَلاميذُه. وكانَ يهوذا قد صُرِفَ مِنَ المَكانِ في وقتٍ سابقٍ. وسوفَ يَتوقَّفونَ في الطَّريقِ للقيامِ بشيءٍ مُدهشٍ، ثُمَّ سيَمضونَ إلى بُستانِ جَثْسَيماني. وسوفَ يُصَلِّي يسوعُ بألمٍ بعدَ مُنتصفِ ليلةِ الخميس ومُسْتَهَلِّ يومِ الجُمُعة. وسوفَ يَتِمُّ اعتقالُهُ، وتَتِمُّ مُحاكمتُه في مُنتصفِ اللَّيلِ في مُحاكَماتٍ صُوَرِيَّة. وسوفَ يَنتهي الأمرُ بِصَلبِهِ يومَ الجُمُعة في نفسِ الوقتِ الَّذي كانت تُذبَحُ فيهِ حُمْلانُ الفِصح. إذًا، نحنُ في مساءِ يومِ الخميس في ذلك الأسبوع.
في أناجيل مَتَّى ومَرقُس ولُوقا، نَجِدُ أنَّ هذهِ المَشاهِدَ تَسيرُ باطِّراد. أمَّا في إنجيل يُوحنَّا فإنَّنا نَجِدُ وَقفةً تامَّةً في هذه اللَّحظةِ في يومِ الخميس مساءً. والأصحاحاتُ الخمسةُ التَّاليةُ تَسرُدُ ما يَحدُثُ معَ يسوعَ والتَّلاميذ في تلك اللَّيلة. خمسة أصحاحات كاملة. وسوفَ نَبتدئُ هذه الأصحاحاتِ الخمسة مِنَ العددِ الأوَّل. ومِن بِضعة جوانب، هذه هي ذُروةُ كُلِّ الأناجيلِ الأربعة بالنِّسبةِ إلى المُؤمِن لأنَّنا نَجِدُ هنا الحقيقةَ المُدهشةَ والصَّادمةَ الَّتي تَفوقُ استيعابَنا. وإن كانَ هُناكَ مَوضِعٌ يَنبغي أن نَتوقَّفَ فيهِ ونَرتاحُ وقتًا طويلاً في القصَّةِ المُتسارِعَةِ الأحداثِ لأسبوعِ الآلام فإنَّها هُنا في يومِ الخميس مساءً. وهذا هو تمامًا ما يُرغِمُنا يوحنَّا على القيامِ به.
والآن، هناكَ شيءٌ آخر ينبغي أن تأخذوهُ بعينِ الاعتبار. لقد كانَ قَلبُ اليهوديَّةِ النَّابضِ هُوَ الهَيكلِ الَّذي صَمَّمَهُ اللهُ في الأصل، وأعلنَ ذلكَ التَّصميمَ للإنسان، وبُنِيَ بطريقةٍ تُوافِقُ التَّعليماتِ الَّتي أعطاها اللهُ في سِفْر الخُروج. وكانَ يوجدُ في الهيكلِ مَكانٌ يُدعى "القُدس". وكانَ الشَّعبُ يَقِفُ خارجَ الهيكل في سَاحاتٍ، ولكنَّ الكَهنةَ هُمُ الأشخاصُ الوحيدونَ الَّذينَ كانَ يُسمَحُ لَهُم بالدُّخولِ إلى القُدس. وكانوا يَدخلونَ إلى القُدسِ للشَّرِكَةِ معَ اللهِ مِن خلالِ تَقدِماتِهم. وفي داخلِ القُدس، كانَ يُوجدُ "قُدْسُ الأَقداس"؛ وَهُوَ أَقدَسُ مَكانٍ على الإطلاق. وكانَ يُسمَحُ لشخصٍ واحدٍ فقط بالدُّخولِ إلى ذلك المكان وهو رَئيسُ الكَهنة. فهو الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ الدُّخولَ إليه وقتًا قصيرةً جدًّا مَرَّةً في السَّنة.
فقد كانَ الهَيكلُ مَركِزَ عِبادةِ بني إسرائيلَ وَفقًا لتصميمِ الله. ولكن بوصولِنا إلى هذه اللَّحظةِ في التَّاريخ اليهوديّ، لم يَكُنِ الهيكلُ لله، بل كانَ قد صارَ مَغارةَ لُصوصٍ مِن جِهَةِ استخدامِ النَّاسِ لَهُ؛ بل إنَّهُ صارَ مَكانًا يَستخدِمُهُ الشَّيطان. فقد كانَ مَكانًا مُمتلئًا بالكهنةِ الزَّائفينَ المُرتدِّينَ والقادةِ الفَاسِدينَ الَّذينَ أَبُوهُم [بحسبِ قَولِ يسوع] هو الشَّيطان. لِذا فقد كانَ مَكانًا يُسيطرُ عليه الشَّيطان في ذلك الوقت. ومعَ أنَّهُ كانَ ما يَزالُ يَضُمُّ مَكانًا يُدعى "القُدس" فإنَّه لم يَكُن مُقدَّسًا. ومع أنَّهُ كانَ ما يَزالُ يَضُمُّ مَكانًا يُدعى "قُدْس الأقداس" فإنَّه لم يكن مُقدَّسًا. ولكن تَذكَّروا ذلك. فقد هَاجمَ يسوعُ ذلكَ الهيكلَ بسببِ فَسادِه. وكانَ آنذاك ما يَزالُ يَضُمُّ كَهَنةً. فقد كانَ نِظامُ الكهنة الهَزيل ما يزالُ قائمًا؛ ولكنَّهم كانوا كهنةً غير مُقَدَّسين، وغير أَكْفاء، وغير أبرار.
ولكن بوصولِنا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13، سنَدخُلُ إلى القُدسِ الحَقيقيِّ؛ لا إلى الهَيكلِ في أورُشليم لأنَّهُ ليسَ مكانًا مُقدَّسًا، بل إلى مَوضِعٍ مُقَدَّسٍ حَقًّا. فسوفَ نَدخُلُ إلى مَوضِعٍ مُقدَّسٍ يَكونُ فيهِ الكهنةُ الحقيقيُّونَ في شَركةٍ معَ اللهِ الحَيّ. وهُنا في هذا المَوضِعِ المُقدَّس، نأتي إلى أكثرِ شَركةٍ رُوحيَّة، وشخصيَّة، وحَميمة، ومَجيدة بينَ الرَّبِّ وكَهنوتِهِ الحَقيقيِّ.
وهُنا في هذا القُدس، يُسمَحُ لنا بالدُّخولِ إلى قُدْسِ اللهِ العَلِيِّ؛ وهو مَكانٌ مُتاحٌ فقط للكَهنةِ الحقيقيِّين، ومُتاحٌ فقط للأشخاصِ الَّذينَ يَقولُ عنهم بُطرسُ إنَّهُم "كَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ"، وإنَّهُم أولئكَ الَّذينَ دُعُوا "لِكَيْ يُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاهُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيب". أمَّا الكَهنةُ الزَّائفونَ والمُرتدُّونَ في اليَهوديَّة فقد تَمَّ استثناؤُهم تَمامًا. فَلا يُسمَحُ لهم بالدُّخولِ إلى هذا القُدْس، بل هُم مَحرومونَ مِن كُلِّ وُعودِهِ وعُهودِهِ المُدهشة. وما يَفعلُهُ رَبُّنا في هذا القُدس هو أنَّهُ يَسْمَحُ لكَهَنَتِهِ الحَقيقيِّينَ بالتَّمتُّعِ بكُلِّ ما أعَدَّهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَهُ.
فهذا القُدسُ هو مَكانٌ يَتمتَّعونَ فيه بالشَّركةِ معَ اللهِ الحيِّ. وَهُوَ يُتيحُ لَهُم كُلَّ ما تُوَفِّرُهُ السَّماءُ مِن قوَّة، وحِماية، وسَلام، وكُلَّ الوُعودِ الأبديَّة بالنَّصر. ولم يَكُن يُمكِنُ تَحقيقُ هذا الوَعدِ الإلهيِّ للكهنةِ الحقيقيِّينَ في الهيكلِ الحَجَرِيِّ في أورُشَليم. فقد تَمَّ الاستيلاءُ عليهِ مِن قِبَلِ الشَّيطان. أمَّا هذا فهو القُدسُ الحَقيقيُّ وليسَ مَجَرَّدَ مَبنى. فهو ليس مَبنى، بل هو مكانٌ يُوجَدُ فيهِ اللهُ القُدُّوس. وَهُوَ يُقدِّسُه. فقُدُّوسُ اللهِ [أيِ الرَّبُّ يسوعُ] يَخلِقُ مِن حَولِهِ قُدْسَهُ. ومَن هُمُ الكَهنةُ الحَقيقيُّون؟ إنَّهُم رُسُلُه. إنَّهُم رُسُلُه. إنَّهُم الكَهنةُ الحَقيقيُّون. إنَّهُم الكَهنوتُ المُلوكِيُّ الَّذي هُوَ أُمَّةٌ مُقدَّسَةٌ وشَعبُ اقتِناء.
إذًا، إنَّ حُضورَ اللهِ القُدُّوسِ هو الَّذي يَجعلُ القُدْسَ مُقدَّسًا. وبالمُناسبة، إنَّهُ قُدْسٌ مُتَنَقِّل. فالقُدْسُ يَبتدئُ بالعِليَّةِ الَّتي يَجتمعُ فيها يسوعُ بتلاميذِهِ ويَحتفلونَ بعيدِ الفِصحِ ويَتحدَّثُ إليهم ويُطلِعهُم على الوعودِ والعُهودِ والأمورِ الَّتي تَفوقُ الاستيعابَ؛ ولكنَّهُ ليسَ مَحصورًا في العِليَّة. فهذا القُدسُ مُتَنَقِّل. ففي نهايةِ الأصحاح 14، نَقرأُ ما يَلي إذ يَقولُ يَسوعُ: "قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ ههُنَا". وقد نَهَضَ يسوعُ مِنَ المائدةِ الَّتي كانَ يَتَّكئُ عليها في العِليَّة معَ تلاميذهِ الأحدَ عَشَرَ الَّذينَ بَقَوْا معه بعدَ أن تَمَّ صَرْفُ يَهوذا، وأصطَحَبَ ذلكَ الكَهنوتَ المُلوكيَّ خارجَ بابِ تلك العِليَّة، وسَاروا في شَوارعِ أورُشَليم المُعتِمَةِ في ذلك الوقتِ المُتأخِّرِ مِن مساءِ يومِ الخميس. إذًا، كانَ القُدسُ يَمشي في الظَّلامِ في أورُشَليم.
وفي الطَّريق، يَتوقَّفُ القُدسُ وتَحدُثُ أروعُ الأحداثِ المذكورة في الأصحاح 17. وكانَ التَّلاميذُ جُزءًا مِن ذلك أيضًا. وأخيرًا، يَصِلُ القُدسُ إلى بُستانِ جَثْسَيماني حيثُ يَذهبُ رَبُّنا ليُصَلِّي. فهذا هو القُدْس. وفي كُلِّ ذلك القُدس المُتَحَرِّك الَّذي مَشَى مِنَ العِليَّةِ إلى البُستان، يَتحدَّثُ رَبُّنا ويُقَدِّمُ وُعودًا؛ وهي وُعودٌ مُدهشةٌ مُقدَّمةٌ إلى كَهنوتِهِ المُلوكيِّ الحَقيقيّ. وكما يُخبرُنا بُطرسُ، إنَّهُ لا يَضُمُّ فقط الرُّسُل. فبُطرسُ يَكتُبُ إلى المؤمنينَ ويقول: "[أنتُم] كَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ". ويُوحنَّا يَسمَحُ لنا جميعًا بأن نَكونَ هُناكَ في تلك العِليَّة.
فكُلُّ الوُعودِ الَّتي قَطَعَها رَبُّنا القُدُّوس لكهنتِه المُلوكِيِّينَ [أيِ الرُّسُل] تَسري على كلِّ المؤمنين؛ أي على كُلِّ مَسيحيٍّ حَقيقيّ. والحقيقة هي أنَّ كُلَّ تلك الوُعود تَتَلَخَّص في الأصحاح 17 والعدد 20 إذ يقولُ يسوع: "وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ [أي هؤلاءِ الأحدَ عَشَر]، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ". وهو يُقدِّمُ كُلَّ تلكَ الوعود إلى جميعِ المؤمنينَ إلى وَقتِنا هذا وإلى انتهاءِ الدَّهر.
ووعودِ الرَّبِّ المَجيدةِ والرَّائعةِ لكَهنتِهِ المُلوكِيِّينَ، أو شَعبِهِ المُقدَّسِ، أو الشَّعبُ الَّذي اقتَناهُ لنفسِه دُوِّنَتْ بِدقَّة مِن قِبَل يُوحنَّا بوحيٍ مِن الرُّوحِ القُدُس في الأصحاحات 13-16. فهذه أصحاحاتٌ عظيمة حَقًّا. فسوفَ تَدخلونَ إلى مَكانٍ لا يُمكنُ لأحدٍ سِوى الكَهنة المُلوكِيِّينَ الحقيقيِّينَ أن يَدخُلَهُ.
وأودُ أن أَذكُرَ مُلاحظةً وهي أنَّ هناكَ أشخاصًا يَتساءلونَ عن السَّببِ الَّذي دَفَعَ يوحنَّا إلى عدمِ تَدوينِ الكثيرِ مِن التَّفاصيل المُختصَّة بأسبوعِ الآلام؛ أي هذا الأسبوع الأخير مِن حياةِ رَبِّنا، وهو الأسبوعُ الَّذي كَتَبَ عنهُ مَتَّى ومَرقُس ولوقا وذَكروا فيهِ تفاصيلَ تاريخيَّة أكثر. فلماذا لم يُدَوِّن يوحنَّا تلك التَّفاصيل؟ أعتقدُ أنَّ الجوابَ بسيطٌ جدًّا: لأنَّ مَتَّى ذَكَرها، ومَرقُسَ ذَكرَها، ولوقا ذَكَرها. وهذا يَستوفي الشَّرطَ المَذكورَ في سِفْر التَّثنية بأنَّ الحقيقة تَتأكَّد على فَمِ شاهِدَيْنِ أو ثلاثة. فنحنُ لسنا بحاجة إلى تَكرارٍ آخر لشهادةِ شَاهِدينِ أو ثلاثة شُهود. ولا يُزعِجُني ألاَّ يَذكُرَ يوحنَّا تفاصيل مُعيَّنة، بل إنَّني مُمْتَنٌّ جدًّا لأنَّهُ ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ لأنَّ الكُتَّابَ الآخرينَ لم يَذكروها.
أنا أُحِبُّ السَّردَ التَّاريخيَّ، ولكن لا يُوجد شَيء يُوازي هذا. وأنا مُمْتَنٌّ جدًّا جدًّا [وسوفَ تَشعرونَ أنتُم أيضًا بهذا الامتِنان في أثناء تأمُّلِنا في هذا النَّصِّ] لأنَّ يوحنَّا عَمِلَ بوحيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس على تَدوينِ هذا الجُزء. فيُمكننا أن نَجِدَ المعلوماتِ التَّاريخيَّة في ثلاثةِ أناجيل. أمَّا هذا الكلامُ فموجودٌ في هذا الإنجيلِ فقط. وهو كَنزٌ أَثمَنُ مِن كُلِّ الكُنوز. فقد سُمِحَ لنا بالدُّخولِ إلى القُدْس. لِذا، فقد أُعطينا كُلَّ الوعودِ الَّتي تَخُصُّ فقط كَهَنَةَ الله. بعدَ ذلك... بعدَ ذلك، يَتِمُّ اصطِحابُنا إلى قُدسِ الأقداس. ولا يُسمَحُ لأحدٍ سِوى رئيس الكَهنة أن يَدخُلَ إلى هناك. وفي هذه الحالة فإنَّ رَئيسَ الكَهنة يَدخُل إلى قُدسِ الأقداسِ لكي يَكونَ في شَرِكَة معَ الآبِ؛ ولكنَّهُ يأخُذُنا معه. فهو يأخُذنا معه إلى قُدْسِ الأقداسِ الدَّاخليِّ الَّذي لم يَكُن يُسمَحُ لأيِّ شخصٍ أن يَدخُلَ إليه، بل يُسمحُ فقط لرئيسِ الكَهنة أن يَدخُلَ إليه. وهذا هو الأصحاح 17.
فالأصحاحات 13-16 هي القُدس. والأصحاح 17 هو قُدسُ الأقداسِ حيثُ لا يَتكلَّمُ أحدٌ سِوى رئيس الكَهنة. وهو يُصَلِّي إلى أبيه. ونحنُ جميعًا هناك. فنحنُ حَقًّا كهنوتٌ مُلوكِيٌّ. فنحنُ كَهنوتٌ مُلوكِيٌّ أُعطينا هذا الامتيازَ العَظيمَ بالدُّخولِ إلى القُدْسِ، وتَمَّ اصطِحابُنا إلى قُدسِ الأقداس، وأُعطينا إذْنًا بالدُّخولِ إلى كُلِّ هذا المَكان، بل حَتَّى إلى رُؤيةِ الشَّركةِ الشَّخصيَّةِ الحَميمةِ بينَ رَئيسِ كَهَنتِنا وأبيه. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ هذا لا يَحدُثُ في الهيكلَ في أورُشليم. فذلك الهيكل كانَ هَيكلَ الشَّيطان. بل إنَّ هذا يَحدُثُ في مِخْدَعِ الصَّلاة. ولا أدري أينَ حَدثَ ذلك في الظَّلام. ولا أدري أينَ حَدثَ ذلك في الطَّريقِ قبلَ أن يَصِلوا إلى جَثْسَيْماني؛ ولكن في مَكانٍ ما في الطَّريق، تَوقَّفَ يَسوعُ وَخَلَقَ قُدسَ أَقداسٍ يَمتازٌ بأنَّهُ مُقدَّسٌ حَقًّا، وخَلَقَ مِخدَعًا أَظْهَرَ فيهِ أنَّهُ رئيسُ الكَهنةِ العَظيمِ الَّذي يَتمتَّعُ بالشَّركةِ معَ أبيهِ نِيابةً عَنَّا.
ونحنُ موجودونَ هناكَ لأنَّ ما قالَهُ مُدَوَّنٌ في الأصحاح 17. ولا شَكَّ في أنَّ التَّلاميذَ سَمِعوا ذلك، ولم يَتمكَنوا مِن التَّمييزِ بينَ ما جاءَ في الأصحاحات 13-16 وما جاءَ في الأصحاح 17. وسوفَ أقولُ لكم لماذا. لأنَّ الصَّلاةَ المذكورة في الأصحاح 17 تَتَلَخَّصُ في أنَّ اللهَ سيَفعلُ ويُحَقِّقُ كُلَّ ما وَعَدَ بهِ يسوعُ في الأصحاحات 13-16. فهو يَقطعُ كُلَّ الوعودِ ثُمَّ يَطلُبُ مِنَ الآبِ أن يُتَمِّمَ كُلَّ تلك الوعود. هل تَفهمونَ ذلك؟ فهو يَشْفَعُ فينا عندَ الآب، ويَطلُبُ مِنَ الآبِ أن يُعطينا كلَّ شيءٍ وَعَدنا به. وإن كانَ لديكم أيُّ شَكٍّ في أهميَّةِ الصَّلاة، يجب أن يُنهي هذا النَّصُّ هذا الشَّكّ. فحتَّى في نِطاقِ التَّخاطُبِ بينَ الأقانيمِ الثَّلاثة، تَقومُ الصَّلاةُ بدورٍ مُهمٍّ في تَتميمِ مشيئةِ الله.
والآن، ما الَّذي دَفَعَ الرَّبَّ إلى القيامِ ذلك؟ إنَّ الوُعودَ الَّتي يَقطَعُها في الأصحاحات 13-16 والصَّلاة الَّتي يُصَلِّيها في الأصحاح 17 هي حقائقُ جَوهريَّة وَثيقةُ الصِّلةِ بِكونِكَ مُؤمِنًا وبأنَّكَ ستَنالُ الحياةَ الأبديَّة. فهي وعودٌ عظيمةٌ وشاملةٌ وغير مَحدودة. ولكنَّ السُّؤال هو: لماذا؟ لماذا؟ ما الحافِزُ إلى ذلك؟ وما الدَّافعُ إلى ذلك؟ في هذا الوقتِ الَّذي وَصَلنا فيه إلى الأصحاح 13، صِرنا على دِراية جيِّدة بالرُّسُل. أليسَ كذلك؟ ورُبَّما تَوقَّعتُم في هذا الوقتِ أن يقولَ الرَّبُّ للآبِ: "أَلا أعطيتَني مَجموعةً مُختلفة؟ فهؤلاءِ الأشخاصُ جُهَّال، وقُساة القُلوب، وضُعفاء، وأنانيُّون، ومَغرورون، وطَموحون، وجُبناء. وسوفَ يَنتهي بهم الأمرُ بأن يَهربوا ويُنكروني". فلم يَكُن هُناكَ شيءٌ البتَّة في هذا الوقت يُحسَبُ لَهُم. فَهُم لم يُقدِّموا عِظةً واحدةً، ولم يَتركوا تأثيرًا، بل ظَلُّوا يَتخَبَّطونَ في مُحاولةٍ مِنهُم لمعرفةِ ما يَجري. وكانوا يأخذونَ ما يقولُهُ الرَّبُّ ويُغربِلونَهُ مِن خلالِ مَفاهيمِهم المُسَبَّقة عنِ الطَّريقة الَّتي ينبغي أن تَكونَ عليها الأشياءُ؛ وهذا أمرٌ جَعَلَهُم مُشَوَّشين.
ورُبَّما حانَ الوقتُ الَّذي يقولُ فيهِ الرَّبُّ: "لنُجرِّب الخُطَّة البَديلة يا أبَتاه". ولكن لا! فإلى هؤلاءِ الرِّجالِ الأنانيِّينَ الَّذين كانوا يُفكِّرونَ في أنفسهم ويَتجادلونَ فيما بينَهُم مَن سيكونُ الأعظمُ في المَلكوت، إلى هؤلاءِ الرِّجالِ الَّذينَ يَشُكُّونَ وسيتركونَهُ ويَهربونَ عندما يَزدادُ الأمرُ صُعوبةً، يُقدِّمُ الرَّبُّ وُعودًا تَفوقُ الاستيعاب. والأمرُ بِرُمَّتِه يَتوقَّفُ على النِّعمة. فهو يَتوقَّفُ على النِّعمةِ المُقدَّمةِ لأشخاصٍ لا يَستحقُّونَها. وهذا هو جَوهرُ الخَلاص. ولكن لماذا؟ لماذا هذه النِّعمة؟ ولماذا هذه الوُعود؟
حسنًا! نأتي الآن إلى العددِ الأوَّل: "أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ... [إليكُم الدَّافِع] "...إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى". إذًا ما الَّذي دَفَعَهُ إلى القيامِ بذلك؟ ما الَّذي دَفَعَهُ إلى القيامِ بذلك؟ المَحبَّة. وهي ليست مَحبَّة نَشأت في تلك اللَّحظة، بل إذْ كانَ قد أَحبَّهُم أصلاً. فقد أحبَّهُم طَوالَ الوقت. وقد أحبَّهُم قبلَ أن يَعرفوه. المحبَّة... المحبَّة.
وهذه الكلمة تَصيرُ [بالمُناسبة] الكلمة الأكثر استخدامًا في الأصحاحاتِ الخمسة التَّالية: المحبَّة، المحبَّة، المحبَّة، المحبَّة، المحبَّة، المحبَّة المَرَّة تِلو الأخرى. فالأمرُ يَبتدئُ بالمحبَّة في الأصحاح 13 والعدد الأوَّل ويَنتهي بالمحبَّة في الأصحاح 17 والعدد 26: "لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ". فهو يَبتدئُ بالمحبَّة، ويَنتهي بالمحبَّة، ويَختصُّ كُلُّهُ بالمحبَّة. فكُلُّ هذا المَقطعِ يَختصُّ بما يَفعلُهُ الرَّبُّ لأجلِ الَّذينَ يُحبُّهم. وبِهذا تَصيرُ هذه الكلمة أكثرَ كلمة مُستخدَمة في هذه الأصحاحاتِ الخمسة، وأكثرَ فِكرة سَائِدة.
فكُلُّ النِّعمة، وكُلُّ الرَّحمة، وكُلُّ البَركاتِ الَّتي لا حُدودَ لها، وكُلُّ العَطايا السَّخيَّةِ الَّتي تُجْزَلُ لأولئكَ الَّذينَ يَنتمونَ إليهِ إنَّما تَنبُعُ مِن هذه المحبَّةِ الإلهيَّةِ غير المحدودة. فبالرَّغمِ مِن مَعرفتِهِ التَّامَّةِ بجَهلِهم، وإدراكِهِ التَّامِّ لأنانيَّتِهم، وضَعفهم، وإخفاقهم، وجُبنِهم، وشَكِّهم، وإنكارهم لَهُ، وكُلِّ الأشياءِ الَّتي يَعرفُها عنهم – لا فقط تلك الَّتي فَعلوها، بل الَّتي سيفعلونها أيضًا، بالرَّغمِ مِن كُلِّ ذلك فإنَّهُ يَقطَعُ كُلَّ تلكَ الوعود. والدَّافعُ إليها جميعًا هو المحبَّة الَّتي لا يَستحقُّونَها. فالأمرُ كُلُّهُ قائمٌ على النِّعمة.
فالآياتُ الَّتي تُشيرُ إلى مَحبَّةِ المُخلِّصِ لخاصَّتِه في هذا المَقطَعِ تَفوقُ أيِّ مكانٍ آخر في الكتابِ المقدَّس. فهناك آيات كثيرة في الكتاب المقدَّس عن محبَّةِ الله. فيُمكنكم أن تَرجِعوا إلى ما دَوَّنَهُ مُوسَى في سِفْر التَّثنية والأصحاحِ السَّادس وأن تَقرأوا عن محبَّة الله. ويُمكنكم أن تَرجِعوا إلى الأسفارِ النَّبويَّةِ مِثلَ سِفْر إرْميا والأصحاح 31 وأن تَقرأوا عن محبَّة الله. ويُمكنكم أن تقرأوا عن محبَّةِ اللهِ في العهدِ القديم، ويُمكنكم أن تَجدوا بكلِّ تأكيدٍ الكثيرَ مِن الآياتِ في العهدِ الجديد تتحدَّثُ عن محبَّةِ الله. فهو يُحبُّ العالَمَ (في يوحنَّا 3)، ويُحبُّ أعداءَهُ (في مَتَّى 5). ولكن عندما يَختصُّ الأمرُ بمحبَّتِه لخاصَّتِه، هذه هي الذُّروة. فنحنُ نَجِدُ هنا آياتٍ تَعكِسُ محبَّةَ الرَّبِّ لخاصَّتِه أكثرَ مِن أيِّ مَكانٍ آخر في الكتاب المقدَّس. وهذا هو ما أريدُ منكم أن تَرَوْهُ في أثناءِ تأمُّلِنا في هذا النَّصّ. فهذه هي عَطايا المحبَّةِ الَّتي يُقدِّمُها المُخلِّصُ لخُطاةٍ غيرِ مُستحقِّينَ على غِرارِنا نحنُ بسببِ النِّعمةِ فقط. وهذا شيءٌ مُدهشٌ جدًّا. فهي عَطايا تَزخُرُ بها كُلُّ هذه الأصحاحات الخمسة.
لِنَرجِع إلى العددِ الأوَّل. فهناك تَفاصيل كثيرة: "قَبْلَ عِيدِ الْفِصْح". وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. إنَّها نُقطة مُهمَّة جدًّا. فكُلُّ هذه الأحداثِ تَحْدُثُ قبلَ عيدِ الفِصح الَّذي ابتدأَ مِن يومِ الخميس مساءً. وكما قلتُ، كانَ اليهودُ في الجَليل يَحتفلونَ بعيدِ الفِصحِ يومَ الخميس مساءً؛ في حين أنَّ اليهودَ في اليهوديَّة كانوا يَحتفلونَ به يوم الجُمُعة. لِذا، فقد حَدَثَ ذلكَ قبلَ المساءِ الَّذي يُحتَفَلُ بهِ بعيدِ الفِصح. فالوقتُ مُهمٌّ جدًّا. وما سببُ أهميَّة ذلك؟ لأنَّ كلَّ شيء في حياة يسوع كانَ يَقودُ إلى الفِصحِ الأخير. وهذا [بالمُناسبة] هو الفِصحُ الأخيرُ المَشروعُ في تاريخِ بني إسرائيل. ولكن اسمَحوا لي أن أُقدِّمَ لكم مَزيدًا مِن التَّفاصيل.
لقد بَحثتُ في كِتابٍ بعُنوان "حياة واحدة كاملة" (One Perfect Life) وحاولتُ أن أُوَفِّقَ بينَ كُلِّ ما كُتِبَ في إنجيل مَتَّى ومَرقُس ولوقا ويوحنَّا. وهذه هي الفِقرةُ الَّتي تَقودُنا إلى هذه اللَّحظة: "وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ. فَأَرْسَلَ [اثنينِ مِن تلاميذِه]". وقد حَدَثَ ذلكَ في وقتٍ مُبكرٍ مِن يومِ الخميس. "فَأَرسَلَ [اثنينِ مِن تلاميذِه] بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلاً: «اذْهَبَا وَأَعِدَّا لَنَا الْفِصْحَ لِنَأْكُلَ». فَقَالاَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ [لنأكُلَ الفِصحَ]؟» فَقَالَ لَهُمَا: «إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَدِينَةَ يَسْتَقْبِلُكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ حَيْثُ يَدْخُلُ، وَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَذَاكَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً. هُنَاكَ أَعِدَّا». فَانْطَلَقَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، فَأَعَدَّا الْفِصْحَ".
"وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاثْنَا عَشَرَ رَسُولاً مَعَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: «شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ»". هذا هو الفِصحُ الأخير. لِذا، كانَ كُلُّ شيءٍ قد أُعِدَّ خِلالَ اليوم. فقد ذَهبَ بُطرسُ ويوحنَّا، والتقيا الرَّجُلَ، وعَثَرا على العِليَّة. وفي وقتٍ لاحقٍ جاءَ الآخرون. وكُلُّ كاتِبٍ مِن كُتَّابِ الأناجيل (أي: مَتَّى ومَرقُس ولوقا ويوحنَّا) يُرَكِّزُ على الوقتِ المُحَدَّدِ والحَدَثِ الَّذي صُلِبَ فيه رَبُّنا يسوع. فقد كانَ الوقتُ هو عيدُ الفِصح. لقد كانَ الوقتُ هو عيدُ الفِصح. وأفضلُ حِسابٍ هو أنَّهُ كانَ في سنة 30 ميلاديَّة. وكانَ الشَّهرُ هو شهر نِيسان. وقد تَمَّ الاحتفالُ بذلك العيد في الرَّابع عشر والخامِس عشر مِن ذلك الشَّهر. وقد ماتَ يَسوعُ يومَ الجُمُعة.
فقد ماتَ في عيدِ الفِصح. وماذا كانَ عيدُ الفِصح؟ لقد كانَ عِيد الذَّبْح. كانَ عيد الذَّبْح. فقد كانَ الجَميعُ يأتونَ مِن جميعِ أنحاءِ العالَمِ المَعروفِ آنذاك. كانَ اليهودُ يَأتونَ للاحتفالِ بالعيد. وكانَ أكثرَ عيدٍ يَتَجَمَّعُ اليهودُ للاحتفالِ به. وكانوا يُحضِرونَ الحُملانَ ويَشترونَ الحُملانَ ويَذبحونَها في هَذينِ اليَومَيْن. وكانَ هذا العِيدُ تَذكارًا لِذَبْحِ الحُمْلانِ في مِصْر ورَشِّ دِمائِها على الأبوابِ لكي يَنْجوا اليهودُ مِن مَلاكِ الموتِ ويَتِمَّ إنقاذُهم وإخراجُهم مِن مِصر. وقد أَوصاهُم اللهُ أن يَتذكَّروا ذلك كُلَّ سنة؛ أي أن يَتذكَّروا اللهَ بِصِفَتِهِ المُخَلِّص لكي يَنظروا دائمًا إلى الوراء ويَرَوْا أنَّ اللهَ خَلَّصَ شَعبَهُ مِن خلالِ مَوتِ حَمَلٍ بَريء.
ولكنَّ ذلكَ العيدَ لم يَكُن فقط تَذكارًا لشيءٍ مَضى، بل كانَ يُشيرُ أيضًا إلى يَومٍ مُستقبلِيٍّ سيُخلِّصُ اللهُ فيهِ شَعبَهُ لا مِن مِصر، ولا مِن أيِّ كِيانٍ سِياسيٍّ أو أُمَّةٍ أُخرى، بل إنَّ اللهَ سيُخلِّصُ شَعبَهُ مِن خَطاياهُم مِن خلالِ مَوتِ حَمَلٍ مَذبوح. فقد كانَ هذا العيدُ تَذكارًا لتخليصِ اللهِ بني إسرائيلَ مِن عُبوديَّتِهم في مِصرَ؛ وهو خَلاصٌ حَدَثَ بِموتِ خَروف. وقد صارت حُملانُ الفِصحِ في كُلِّ تاريخِ إسرائيل أوضحَ رَمْزٍ للخلاص، وأوضحَ رَمزٍ للإنقاذِ والتَّحرير. وهكذا هي أيضًا حالُ الصُّوَرِ والرُّموزِ المُختصَّةِ بحملِ اللهِ الَّذي سيَرفَعُ خَطيَّةَ العالَم (كما قالَ يوحنَّا المَعمدان).
والغايةُ مِن كُلِّ حَمَلِ فِصح ذُبِحَ يَومًا هو تَوصيلُ فِداءِ اللهِ لشَعبِه؛ لا فقط في الماضي مِن مِصر، بل أيضًا في المُستقبَل مِن خطاياهُم. لِذا، معَ أنَّ الفِصحَ كانَ تَذكارًا بشيءٍ مَضى، فإنَّهُ كانَ يُشيرُ أيضًا إلى الوقتِ المُستقبليِّ الَّذي سيأتي فيهِ الحَمَلُ الحَقيقيُّ لأنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَتبَرَّرَ بِدَمِ ثِيرانٍ وتُيوس. كذلك، كانَ الفِصْحُ يَجتذبُ أكبرَ عددٍ مِن الحُجَّاجِ اليَهودِ الَّذينَ كانوا مُشَتَّتينَ إذ كانوا يَعودون. وكانَ هذا يَعني أنَّ الحَقيقةَ المُدهشةَ لِصَلبِ يسوعَ المسيحِ وقيامَتِه ستَكونُ على فَمِ أغلبيَّةِ النَّاسِ الَّذينَ سيعودونَ إلى أماكِنِ سُكناهم ويُنادونَ بالإنجيل.
لِذا، كانَ ينبغي لذلكَ أن يَحدُثَ في عيدِ الفِصحِ لأنَّهُ تَتْميمُ الفِصح. وهو يُسَمَّى في العهدِ الجديدِ "المَسيح فِصحَنا". وكانَ حُدوثُ ذلك في هذا العيدِ يَضمنُ أيضًا أن يَتحدَّثَ أغلبيَّةُ النَّاسِ عنهُ عندما يعودونَ إلى دِيارِهم. وكانَ يسوعُ يَعلمُ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الأوَّل: "أَمَّا يَسُوعُ... وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ...". والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 18: 4: "وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأتِي عَلَيْه". فَكِّروا في ذلك. فَكِّروا في ذلك. أنا أَعلمُ أنَّ النَّاسَ يُحِبُّونَ أن يَعرفوا المُستقبل؛ ولكن اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: لم يَحدُث قَطّ أنِ اهتممتُ بمعرفةِ المستقبل. "يَكفي اليومَ شَرَّهُ". فأنا لستُ بحاجة إلى مَعرفةِ ما سيحدُث. فيَكفي أن أتعامَلَ مع ما يَحدُث اليوم. وهي نِعمة مِنَ اللهِ ألاَّ تَعرفوا المُستقبل. فعدمُ اطِّلاعِنا على آلامِ المُستقبل، وعدمُ اطِّلاعِنا على مُعاناةِ المُستقبل هي بَرَكة. لِذا، يَكفي أن تَتألَّموا حينَ تَتألَّمون.
اسمعوني: لا حاجةَ بِكُم إلى التَّرَقُّبِ. فأنتُم تَعيشونَ في عالَمٍ تُدركونَ فيهِ تَمامًا أنَّ أُمورًا سَيِّئةً ستَحدُث؛ ولكنَّكُم لا تَعلمونَ ما هي. والأسوأُ مِن ذلك هو أن تَعرفوا كلَّ شيءٍ سيحدث. وكانَتِ الحالةُ كذلكَ بالنِّسبةِ إلى المسيح. فلا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مَليون مَرَّة. ولا بُدَّ أنَّهُ صُلِبَ في عَقلِهِ مَليون مَرَّة. ولا بُدَّ أنَّهُ تَألَّمَ طَوالَ حَياتِهِ بسببِ عِلمِهِ بما سيَحدُث. فقد كانَ يَعرفُ تمامًا وبصورة مُحدَّدة ودقيقة وكاملة كُلَّ ما سيحدث لَهُ. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ جَسَدَهُ انهارَ، وأنَّ الشُّعيراتِ الدَّمويَّة لديهِ انفجَرت، وأنَّ الدَّمَ ابتدأَ يَقْطُرُ مِن مَسامِّ جِلدِهِ مِنْ فَرْطِ التَّوتُّرِ المُتراكِمِ النَّاجِمِ عنِ التَّرَقُّب. ولم يَكُن ذلك يَقتصِر على التَّرَقُّبِ في ليلةِ الخميسِ تلكَ في البُستان، بل إنَّنا نَتحدَّثُ عنِ التَّرَقُّبِ طَوالَ حياتِهِ لأنَّهُ كانَ يَعلمُ ما سيحدث. وفي وسطِ ذلك قال: "وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ". طَوعًا.
لماذا؟ لماذا يَفعلُ ذلك؟ لماذا يأتي ويَختبرُ كُلَّ ذلك الألم؟ نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 2: أنَّهُ "احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ". "مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ". وما هو ذلك السُّرور؟ إنَّهُ السُّرورُ بأن يَجلِسَ عن يَمينِ اللهِ ويَجمَعَ مِن حَولِهِ كُلَّ المَفديِّينَ كي يَعبدوهُ ويُسَبِّحوهُ إلى الأبد. فبتَتميمِهِ لمشيئةِ الآبِ على الصَّليب، ضَمِنَ الخلاصَ الأبديَّ لكُلِّ مَن يَنعُمونَ بمحبَّتِه الإلهيَّة. فقد كانَ يَعلمُ أنَّ هذا سيحدث. لقد كانَ يَعرفُ كُلَّ التَّفاصيل. وحَتَّى إنَّهُ تَكلَّمَ عنِ التَّفاصيل. فقد كانَ يَعرفُ كُلَّ شيءٍ تَمامًا. وقد تَتساءلونَ عن سَببِ وُجودِ ذلك الحُزن في حياتِهِ إن لم تَعرفوا هذه الحقيقة.
ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ في العددِ الأوَّل: "...وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآب". وفي الأصحاح 17، يَبتدئُ صلاتَهُ قَائِلاً: "مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَم". فقد كانَ يَعلمُ تمامًا إلى أينَ يَمضي. وقد كانَ يَعلمُ عن موتِهِ، وقيامَتِهِ، وصُعودِهِ، وتَمجيدِه. وبالمُناسبة، هذه هي الخُطَّة لنا؛ أي لكُلِّ مُؤمِن: الموت، والقيامة، والصُّعود، والتَّمجيد. وقد تقول: "لماذا يَفعلُ كُلَّ هذا إن كانَ سيَذهبُ إلى المكانِ الَّذي كانَ فيهِ في الأصل؟" لقد جاءَ مِن عرشِ الآب. وهو سيعودُ إلى عَرشِ الآب. لِذا، لماذا فَعلَ هذا الأمر؟ الفَرقُ هو أنَّهُ سيَرجِعُ ويَجمعُ مِن حَولِهِ كُلَّ أولئكَ الَّذينَ أحاطَهُم اللهُ بمحبَّتِهِ الأبديَّةِ الدَّائمةِ المُخَلِّصَة. فقد فَدى البَشرَ لكي يَعبدوهُ ويُسَبِّحوهُ إلى الأبد.
ولماذا يَفعلُ ذلك؟ لماذا يأتي ليُنقذنا؟ لأنَّهُ يُحبُّنا. فهو يُحبُّنا. وهذا مَذكورٌ في نهايةِ الآية: "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى". فهي مَحبَّة لا تَزول. فإنِ ابتدأَ بالمحبَّة فإنَّهُ سيُحبُّ إلى المُنتَهى. فلن يَتغيَّرَ ذلك. والكلمة "مُنْتَهى" هي "إيس تيلوس" (eis telos). وهي تَعني: مَحبَّة كاملة، أو تامَّة، أو كُليَّة، أو مُطلَقة، أو إلى الحَدِّ الأقصى، أو إلى النِّهاية مِن جِهةِ القُدرةِ والأبديَّة. فهو يُحبُّ بكُلِّ قُدرته. فبقدرِ ما يُحِبُّ اللهُ فإنَّهُ يُحِبّ. وطَالَما أنَّ اللهَ يُحِبُّ فإنَّهُ يُحِبُّ. وهذا يعني أنَّهُ يُحبُّ إلى ما لا نهاية مِن حيث القُدرة والزَّمن.
إذًا، نَجِدُ في هذا المَوضِعِ مِنَ العددِ الأوَّل هذه الفِكرة المُهيمِنَة. والفِكرةُ المُهيمِنَةُ في كُلِّ هذهِ الأصحاحات هي هذه المحبَّة المُدهشة الَّتي يُحِبُّ بها خاصَّتَهُ. فنحنُ نَقرأُ: "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ"؛ وهذا يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ يُحبُّهم أصلاً. "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ [أصلاً]". فقد كانَ يُحبُّ خاصَّتَهُ مِن قبلِ حَتَّى أن يَعرفوه. فعندما كُنَّا أعداء لهُ، كانَ يُحبُّنا. "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ". فلا يوجد شيء يستطيعُ أن يُغيِّرَ ذلك. فهو يُحبُّهم إلى الحَدِّ الأقصى، وإلى المُنتَهى مَحبَّةً مُطلقةً وتامَّةً وكاملةً.
وكيفَ تُقاسُ تلك المحبَّة؟ الحَقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَزخُرُ بالآياتِ عن محبَّةِ الله. ولكن لا حاجةَ إلى البحثِ خارجَ تلكَ الأصحاحاتِ الَّتي أمامَنا الآن. فمحبَّةُ اللهِ لخاصَّتِه تُذكَرُ هُنا في العددِ الأوَّل، ثُمَّ تُفَسَّرُ في الأصحاحاتِ الخمسةِ الَّتي تَليها. واسمحوا لي أن أُساعِدَكُم مِن خلالِ تَلخيصِ ذلكَ لكم. فهي ليست مَحبَّة عاطفيَّة، وليست مَحبَّة شاعِريَّة. فهي ليست مَحبَّة عاطفيَّة. وهي ليست مَحبَّة مُتَقَلقلة؛ بل هي محبَّة أبديَّة ثابتة تُوفِّر الخلاصَ الأبديَّ، والبَرَكةَ الأبديَّة، والمجدَ الأبديّ. وما سوفَ نَتعلَّمُهُ في هذه الأصحاحاتِ هو التَّالي: سوفَ أُقَدِّمُ لكم لائحةً. إنَّها مَحبَّة مُفعَمة بالنِّعمة. فنحنُ لا نَستحقُّها. وهي مَحبَّة مُفعمة بالسِّيادة. فهو أحبَّنا أوَّلاً: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأنَّهُ أَحبَّنا أوَّلاً". وهي مَحبَّة مُفعمَة بالفِداء. فهي مَحبَّة بَحَثَت عَنَّا، وفَتَّشَت عَنَّا، واشتَرَتنا. وهي محبَّة غير مَشروطة. فهي لا تَستَنِدُ إلى أيِّ شيءٍ فَعلناهُ، بل تُدركُ تمامًا بُؤسَنا. وهي محبَّة أمينة إلى النِّهاية. فليسَ هناك شيء يَقدِرُ أن يَفصلَنا عن هذه المحبَّة... لا شيء (رومية 8).
وهي مَحبَّة شَفاعيَّة. فهو يُحبُّنا كثيرًا جدًّا حتَّى إنَّهُ يَشفَعُ فينا كُلَّ حين. فهو حَيٌّ إلى الأبد ويَشفَعُ فينا أمامَ عَرشِ اللهِ لكي يَضمَنَ أنَّ كُلَّ شيءَ تَعَهَّدَ به ووَعدنا به سيَتحقَّق. وهي مَحبَّة مُضَحِّيَة: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: [إنجيل يوحنَّا 15: 13] أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". إنَّها مَحبَّة تَتطلَّبُ أعظمَ تَضحية. وهي مَحبَّة سَخيَّة. فقد بارَكَنا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحيَّةٍ في السَّماويَّاتِ في المسيح يَسوع. إنَّها هذه المَحبَّةُ العَظيمةُ الَّتي يَعسُرُ علينا استيعابُها.
لِذا، اسمَحوا لي أن أقولَ هذا مَرَّةً أخرى: إنَّها مَحبَّة مُفعَمة بالنِّعمة، ومَحبَّة مُفعمَة بالسِّيادة، ومَحبَّة مُفعمة بالفداء، ومَحبَة غير مَشروطة، ومَحبَّة أمينة، ومَحبَّة شَفاعيَّة، ومَحبَّة مُضَحِّية، ومَحبَّة سَخيَّة. إذًا، كم يُحبُّنا؟ انظروا إلى سَخائِه. فهذه المَحبَّة الأبديَّة والدَّائمة واللاَّمُتناهية تَقِفُ وراءَ كُلِّ ما يَعِدُ بهِ في هذا المَقطَع. والآن، لا وقتَ لديَّ لقراءةِ آياتٍ مُحَدَّدة عن ذلك، ولكن إليكُم ما سننظُرُ إليه: ما مِقدارُ مَحبَّتِهِ لنا؟ وما الَّذي يُعطينا إيَّاه؟
إنَّ أوَّلَ شيءٍ يُقدِّمُهُ لنا في بدايةِ الأصحاحِ الثَّالث عشر هو نَموذَجُ الاتِّضاع... نَموذَجُ الاتِّضاع عندما غَسَلَ أرجُلَ تلاميذِه. وما سببُ أهميَّةِ ذلك؟ لأنَّهُ يجب علينا أن نَعرفَ ما هو الاتِّضاع لأنَّ الاتِّضاعَ هو الطَّريقُ إلى النِّعمة لأنَّ اللهَ يُعطي نِعمةً للمُتَواضِعين. اللهُ يُعطي نِعمةً للمُتواضِعين. واللهُ يَرفَعُ المُتواضِعين. لِذا فإنَّ أعظمَ فَضيلةٍ رُوحيَّة هي التَّواضُع. فنحنُ نَجِدُ هنا كَنْزًا إذْ إنَّنا نَجِدُ نَموذجًا للتَّواضُعِ الَّذي هو أَنقى فَضيلة. وهو الطَّريقُ إلى الكِرازةِ الفَعَّالة. أجل، أجل! فالتَّواضُعُ هو السَّبيلُ إلى الكِرازة لأنَّ التَّواضُعَ يَقِفُ وراءَ المحبَّة. وَسوفَ يَعرِفُنا الآخرونَ مِن خلالِ مَحبَّتِنا.
وهو يُقدِّمُ لنا لا فقط نَموذجًا على التَّواضُع، بل يُعطينا أيضًا وَصيَّةً جديدةً بأن نُحِبَّ. ثُمَّ إنَّهُ يُعطينا القُدرةَ على أن نُحِبّ. فهو يُعطينا القُدرةَ على أن نُحِبَّ بطريقةٍ لم يَكُن بمقدورِنا أن نُحِبَّ بها قبلَ أن نأتي إلى المسيح. "وَصِيَّةً جَدِيدَةً: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ"، وقُدرةً جديدةً على القيامِ بذلك. ونَقرأُ في الأصحاح 14 أنَّهُ يُعطينا مَنزِلاً في السَّماء، ثُمَّ يَعِدُ بأن يأتي ويأخُذنا إلى هُناك. وفي الأصحاحَيْن 14 و15، يَقطَعُ لنا وَعدًا بأنَّهُ سيَملأُ كُلَّ احتياجاتِنا؛ أي كُلَّ ما يَعلمُ أنَّنا بحاجةٍ إليه. فهو سيَملأُ كُلَّ احتياجاتِنا ولن يَبْخَلَ علينا بشيء. وهو يَعِدُ بأنَّهُ سيُعطينا الرُّوحَ القُدُسَ ليكونَ مُعينًا لنا، ومُعَزِّيًا لنا، ولكي يُعَلِّمَنا الحقَّ (في الأصحاح 14 والأصحاح 15).
وهو يَعِدُ أن يُعطينا سَلامًا... سَلامًا تَامًّا. وهو يَعِدُ أن يُعطينا ثَمرًا رُوحيًّا، وأن يُعطينا حياةً تَفيضُ مِنَّا لكي نُعطي ثَمرًا أكثر لمَجدِه. وهو يَعِدُ أن يَجعلَنا عائلةً حَميمةً؛ لا عَبيدًا، بل أحبَّاءَ وأبناء. وهو يَعِدُ أن يُعطينا فَرحًا... فَرَحًا لا نِهايةَ لهُ وَلا حُدودَ لَهُ. وهو يَعِدُ في الأصحاحَيْن 15 و16 أن يُعطينا نُصرةً في وقتِ الاضِّطهاد. وفي الأصحاح 15، يَعِدُ أن يُعطينا قُوَّةً للمُناداةِ بالإنجيل، ثُمَّ يَعِدُ أنَّهُ سيُعطينا قُوَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ لكي نُبَكِّتَ الخُطاةَ لكي يَتجاوبوا معَ الإنجيل (في الأصحاح 16).
إذًا، ما الَّذي نَعنيه؟ أنَّهُ يُعطينا طَريقَ التَّواضُعِ الَّذي هو طَريقُ الكِرازةِ الفعَّالة والمحبَّة والنِّعمة. وهو يُعطينا القدرةَ على أن نُحِبَّ، ومَنزلاً في السَّماء، ويَعِدُنا بأنَّهُ سيأخذنا إلى هناك، ويَعِدُ بأن يَسُدَّ كُلَّ احتياجاتِنا، وأن يُعطينا المُعينَ [الرُّوح القُدُسَ] الَّذي هو أيضًا مُعَلِّمُ الحَقّ. وهو يَعِدُنا بالقيامةِ والسَّلامِ الكامِلِ، والثَّمرِ الرُّوحيّ، والفَرحِ، والنُّصرةِ على الاضطِهادِ، والقُدرةِ على المُناداةِ بالإنجيل، وبالعَونِ الإلهيِّ لتبكيتِ الخُطاة.
وإن لم يَكُن هذا كُلُّه كافيًا، سوفَ أطلبُ منكم أن تَنظروا إلى الأصحاح 16 والعدد 15: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي". "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي". فَكِّروا في ذلكَ وَحَسْب: "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي". لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ". فهو يُعطيكم كُلَّ شيء. فأيُّ شيءٍ بَاقٍ حَتَّى هذه اللَّحظة، وكُلُّ الأشياءِ الَّتي هي لله، وكُلُّ الأشياءِ الَّتي هي للمسيح، سيُعطيها لَنا. وهذا مُدهشٌ جدًّا. ونَقرأُ في العدد 23؛ أي في إنجيل يوحنَّا 16: 23: "وَفِي ذلِكَ الْيَوْمِ لاَ تَسْأَلُونَنِي شَيْئًا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ". أيَّ شَيءٍ تَطلُبونَهُ باسمي. العدد 24: "إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً".
فَكُلُّ شَيءٍ... كُلُّ الأشياءِ، وأيُّ شيءٍ، وكُلُّ ما هُوَ للهِ، وكُلُّ البَرَكاتِ الرُّوحيَّة في السَّماويَّاتِ [كما قالَ بولس] مُتاحة وستُعطَى لَنا. وهذه هي الطَّبيعةُ السَّخيَّةُ لمحبَّةِ الرَّبِّ لكَهنوتِهِ المُلوكيِّ. وبالمُناسبة... بالمُناسبة، فإنَّهُ يَستمرُّ طَوالَ الوقتِ في إسباغِ المَزيدِ والمَزيدِ والمَزيدِ مِنَ المحبَّة. ونَقرأُ في الأصحاح 14 والعدد 21: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا..." [أي: المُؤمِن] "...فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي". مَزيدٌ مِن المحبَّة.
العدد 23: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً". الأصحاح 15 والعدد 9: "كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي". العدد 10: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِه". العدد 12: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ". العدد 13: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِه". العدد 17: "بِهذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". المحبَّة، المحبَّة، المحبَّة، المحبَّة. المَزيدُ مِنَ المحبَّة مِنَ الآب، والمَزيدُ مِنَ المحبَّة مِنَ الابن، والمَزيدُ مِنَ المحبَّة مِن الأشخاصِ المُحيطينَ بنا وإلى الأشخاصِ المُحيطينَ بنا. مَحبَّة، مَحبَّة، مَحبَّة.
فلا شَكَّ في أنَّ أقوى شيءٍ يُمَيِّز الحياةَ المسيحيَّة هو ماذا؟ المحبَّة. وما الدَّاعي إلى هذا كُلِّه؟ ما الدَّاعي إلى هذا كُلِّه؟ نَقرأُ في العدد 27 مِنَ الأصحاح 16: "لأَنَّ الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ، لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي". فنحنُ جميعًا نَتمتَّع بعلاقة محبَّة مُذهلة ومُدهشة وتَستعصي على الفَهم. وبعد كُلِّ تلك الوُعودِ الَّتي تَستمرُّ حتَّى نِهاية الأصحاح 16، يَدخُلُ يسوعُ إلى قُدسِ الأقداسِ في الأصحاح 17 ويُصلِّي إلى الآبِ أن يُتَمِّمَ كُلَّ ما وَعَدَ به. وهذا هو ما يَفعلُه.
هذهِ ليست أشياء نَنتظرُها، بل أشياء حَقيقَّة نَملِكُها. وهي ليست أشياء ينبغي أن تُصَلُّوا لأجلِها، بل أشياء مَوجودة لديكم. وحتَّى إنَّنا لا نَفهمُ غِنى مَحبَّتِه مِن نَحوِنا، ولكنَّنا سَنفهمُ ذلكَ مِن خلالِ التَّأمُّلِ في هذا النَّصِّ مَقطعًا تِلو الآخر.
يا أبانا، نَحنُ مُمتَنُّونَ جدًّا على مَحبَّتِكَ لنا، ولن نَتمكَّنَ يَومًا مِن رَدِّ هذه المحبَّة السَّخيَّة لَكَ؛ ولكنَّنا نُقدِّمُ بتواضُعٍ أفضلَ ما لَدينا ونَرُدُّ مَحبَّتَكَ مِن خلالِ قُلوبِنا المُحبَّةِ والمُطيعَة.
This article is also available and sold as a booklet.
