Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحُوا مَعي كِتابَكُم المُقدَّسَ على الأصحاحِ الأوَّلِ مِن رِسالةِ بولُس إلى أهلِ رُومية. في هَذا المَساء، سَنَتأمَّلُ في الأعداد 19-23. وَهذا مَقطعٌ رَائعٌ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ يَحوي الكثيرَ مِنَ المفاهيمِ المُهِمَّةِ والجَوهريَّةِ الَّتي نُريدُ أن نُفَكِّرَ فيها مَلِيًّا وَعَنْ كَثَبْ لِكَي نَرى ما قَصَدَهُ رُوحُ اللهِ وَهُوَ يَكتُبُ مِن خِلالِ الرَّسولِ بولُس. وأعتقدُ حَقًّا أنَّ هذا المَقطعَ يُجيبُ عن أسئلةٍ كثيرةٍ جدًّا تُطْرَحُ دَائِمًا مِن قِبَلِ النَّاسِ عَن مَعنى الإنجيل، وطَبيعةِ الله، ومَصيرِ الإنسان.

اسمَحُوا لي أن أقرأَ الآياتِ 19-23، وأرجو أن تُتابِعوني فيما أقرأُها. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَبتِدئَ مِنَ العَدد 18: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".

قَبلَ سَنواتٍ، قَالَ رَئيسُ قِسْمِ الكِرازَةِ في واحِدَةٍ مِن أكبرِ الطَّوائِفِ في أمريكا: "لا حَاجَةَ إلى أنْ نَكْرِزَ في العالَمِ للنَّاسِ الَّذينَ لم يَسمَعُوا يَومًا رِسالةَ الخَلاص، بَلْ كُلُّ مَا يَنبغي لَنا أن نَفعلَهُ هُوَ أن نُعلِنَ لَهُم أنَّهُم مُخَلَّصُون". نَحنُ نَعيشُ اليومَ في وَقْتٍ مِنَ المَسيحيَّةِ زَادَتْ فيهِ الدَّعْوَةُ إلى مَا يُعرَفُ بالخَلاصِ الشُّمولِيّ؛ أيِ الإيمان بأنَّ جَميعَ النَّاسِ سَيَخلُصونَ في النِّهاية، وَبأنَّ اللهَ لَطيفٌ جدًّا، ومُنعِمٌ جدًّا، وَصالِحٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُعْقَلُ أن يَطْرَحَ النَّاسَ في جَهنَّم الأبديَّة. لِذا فإنَّ الجَميعَ سيَذهبونَ في نِهايةِ المَطافِ إلى السَّماء.

وَهذا يَعني أنَّهُ لا يُوجَدُ سَبَبٌ يَدعونا إلى القَلقِ مِنَ الدَّينونَة، ولا يُوجَدُ سَبَبٌ يَدعونا إلى القَلقِ مِنْ جَهَنَّم. فاللهُ صَالِحٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُعْقَلُ أن يُرسِلَ النَّاسَ إلى هُناكَ إلى الأبد. والمَغزَى مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُ لا مُبَرِّرَ للقَلَقِ بِخُصوصِ الكِرازَةِ أيضًا. فَلا يَنبغي لنا أن نَقلقَ كَثيرًا بِخُصوصِ نَشْرِ الإنجيلِ إلى أقاصِي الأرض. فَهُمْ في نِهايةِ المَطافِ لا يُمكِنُ أن يَتَحَمَّلُوا مَسؤوليَّةَ شَيءٍ لا يَعرِفونَهُ. لِذا، لِنَتْرُكْهُمْ وَشَأنَهُم لأنَّهُم سَيَنْجُون.

ولكِنَّ هذهِ النَّظرةَ ليسَت نَظرةَ الرَّسولِ بولُس، وليسَت نَظرةَ رَبِّنا. فَقد قَالَ رَبُّنا: "الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ". والحَصادُ الَّذي تَحَدَّثَ عنهُ رَبُّنا هُوَ حَصادُ الدَّينونَة. فَقد رأى البَشريَّةَ مُمَثَّلَةً بِهذا العَددِ الهَائِلِ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ سيُقطَعونَ ويُدانون، وَرأى الحَاجَةَ إلى فَعَلَة يَذهبونَ إلى هؤلاءِ النَّاسِ لِتحذيرِهم.

وَقد تَحدَّثَ الرَّبُّ عن جَهنَّمَ أكثرَ مِن أيِّ شَخصٍ آخرَ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ تَحدَّثَ عن جَهنَّمَ أكثرَ مِنَ كُلِّ الآخَرينَ مُجْتَمِعينَ في العهدِ الجديد. وَرِجالُ اللهِ الَّذي عَاشُوا على مَرِّ تَاريخِ الكنيسةِ هُم رِجالٌ فَهِمُوا أنَّ اللهَ إلَهُ دَينونَة، وَأنَّ غَضَبَ اللهِ مُعلَنٌ حَقًّا على الفُجور.

فَقد قَالَ "جون نوكس" (John Knox) وَهُوَ رَاكِعٌ ويُصَلِّي لأجلِ النُّفوسِ الهَالِكَةِ في إسكُتلندا: "أعْطِني أُسكتلندا وَإلاَّ فإنِّي سَأموت". وَقد نَظَرَ "هَدسون تيلور" (Hudson Taylor) عندما كَانَ شَابًّا عَبْرَ آلافِ الأميالِ إلى حُشودِ النَّاسِ غَيرِ المُؤمِنينَ في الصِّين وَصَرَخَ إلى اللهِ قَائِلاً: "أشعُرُ أنِّي لا أستطيعُ أنْ أُكْمِلَ حَياتي مَا لم أفعَل شَيئًا بخصوصِ الهَالِكينَ في الصِّين". وَقد قَالَ "هنري مارتين" (Henry Martyn) بَعدَ أن ذَهَبَ إلى الهِند: "هَا أنا أتعرَّضُ لاضطِهادٍ وَثنيٍّ ومُظلِمٍ وَوَحْشِيٍّ. والآن، يا رَبِّي الحَبيب، دَعْني أحْتَرِقُ مِن أجلِك".

وَقَد عَاشَ "أدونيرام جدسون" (Adoniram Judson)، المُرسَلُ العَظيمُ إلى بُورما (Burma)، سَنواتٍ طَويلةً مُرهِقَةً في تَرجمةِ الكتابِ المقدَّس. وَفي أثناءِ ذلكَ، تَمَّ إبعادُهُ عَن مُهِمَّتِهِ وَسَجْنِه. وبينما كانَ في السِّجن، مَاتَت زَوجَتُهُ الحَبيبَة. وبعدَ إطلاقِ سَراحِه، أُصيبَ بِمَرَضٍ فَصَلَّى قَائِلاً: "يا رَبّ، اسْمَحْ لي أن أُنْهي عَمَلي. نَجِّني وَقتًا كَافِيًا كي أَضَعَ الكلمةَ المُخَلِّصَةَ بينَ يَديِّ هذا الشَّعب".

وَقد كَانَ " تشالمرز" (James Chalmers) قَلِقًا جدًّا على الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ دُونَ مُخَلِّص حَتَّى إنَّهُ قِيلَ عَنهُ مَا يَلي: " لَقد احْتَمَلَ مِن أجلِ خِدمةِ المَسيحِ القَسوةَ، والجُوعَ، وَخَيبةَ الأمَل، والتَّعَب؛ ولكِنَّهُ خَدَمَ دائمًا بِفرح. وَقد خَاطَرَ بِحياتِهِ ألفَ مَرَّةٍ وَحُكِمَ عليهِ في نِهايةِ المَطافِ بالمَوتِ حيثُ تَمَّ قَطْعُ رَأسِهِ وَأكْلُ جَسَدِهِ مِنْ قِبَلِ الأشخاصِ الَّذين كَانَ صَديقًا لَهُم ويُحاولُ أن يُنيرَ حَياتَهُم".

ولم يَتمكَّن "روبرت آرثينغتون" (Robert Arthington) مِنَ الذَّهابِ إلى مَا وَراءِ البِحارِ لتَبشيرِ الخُطاة، ولكِنَّهُ ضَحَّى وَأتاحَ لآخَرينَ أن يَذهَبُوا. فَقد عَاشَ في غُرفةٍ واحِدَةٍ، وَكانَ يَطْهُو طَعامَهُ القَليلَ بنفسِهِ، وأعطَى كُلَّ مَالِهِ الَّذي يُقَدَّرُ بنصفِ مَليون دُولار للخِدماتِ الإرسالِيَّة. وَقد كَتَبَ: "كَانَ مِن دَواعي سُروري أن أنامَ على الأرضِ، وأنْ أجلِسَ على صُندوقٍ، وَأنْ أجعلَ صُندوقًا آخرَ مَائِدَةً لِي على أنْ يَهْلِكَ أُناسٌ بِسَببِ عَدَمِ مَعرفَتِهم بالمَسيح".

وَكما تَرَوْنَ، لَقد كانُوا يَفهمونَ مَعنى أن يَموتَ النَّاسُ مِن دُونِ اللهِ والمَسيح. وَكانُوا يَفهَمونَ أنَّ النَّاسَ يَتَّجِهونَ إلى الدَّينونَةِ المَحتومَة. وَكانُوا يَفهمونَ أنَّ النَّاسَ تَحتَ غَضَبِ الله. وَما لم تَفهَمُوا ذلك، لَن تَفهَمُوا أعظمَ دَافِعٍ للقَلقِ والتَّعاطُف.

لِذا فإنَّ الإنجيلَ يَبتدئُ بالعَدد 18. فَهَذا هُوَ المَوضِعُ الَّذي تَبتَدِئُ مِنهُ الرِّسالةُ إلى أهلِ رُومية. وَهِيَ تَبتَدِئُ بالقولِ إنَّ غَضَبَ اللهِ مُعلَنٌ على جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِم. وَكما يَقولُ بُولسُ في رِسالةِ أفسُس 2: 3، فإنَّ النَّاسَ هُمْ "أبناءُ الغَضَب". بِعبارةٍ أخرى، لَقَدْ وُلِدُوا تَحتَ الغَضَب. فالغَضَبُ هُوَ طَبيعَتُهُم [إنْ جَازَ القَول]. والغَضَبُ هُوَ نِهايَتُهم المَحتومَة. والغَضَبُ هُوَ مَصيرُهم. فَهُم وَرَثَةُ الغَضَب. إنَّهُم وَرَثَةُ الغَضَب.

فَقد تَحَوَّلَتِ ابتِسامَةُ اللهِ إلى عُبوس. وَكما قَالَ المُرَنِّم: " مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ غَضِبِ الله؟" وَقَد كَتَبَ الطّهورِيُّ العَظيمُ "توماس واطسن" (Thomas Watson): "كَما أنَّ مَحبَّةَ اللهِ تَجعَلُ كُلَّ مُرٍّ حُلو، فإنَّ لَعنةَ اللهِ تَجعَلُ كُلَّ حُلوٍ مُرّ". لِذا فإنَّ بولُسَ يَقولُ إنَّ النَّاسَ تَحتَ الغَضَب... تَحتَ غَضَبٍ شَديد.

والسُّؤالُ الَّذي يُطْرَحُ في هذا النَّصِّ هُوَ: هَلِ الإنسانُ يَستَحِقُّ ذلك؟ ففي النِّهايَة، نَحنُ لم نَخْتَرْ بأنفُسِنا أنْ نُولَد. فَلِماذا نُولَدُ إنْ لم يَكُن بِمقدورِنا أن نَعترِضَ على ذلكَ، وَلا سِيَّما إنْ كُنَّا سنَقضي الأبديَّةَ في جَهَنَّم؟ فلم يَسألنا أَحَد إنْ كُنَّا نُريدُ أن نُولَد. ونَحنُ لم نَطلُب أنْ نُولَدَ مِن أبَوَيْنِ خَاطِئَيْن. ونَحنُ لم نَطلُب أن نُولَدَ في عَالَمٍ خَاطِئ. ونَحنُ لم نَطلُب أن نُوضَعَ تَحتَ الدَّينونَة. لِذا، كَيفَ يُعْقَلُ أنْ نُحاسَبَ على ذلك؟

وَهَذا هُوَ بالضَّبط السُّؤالُ الَّذي يُجيبُ عَنهُ بولُس في هذا النَّصّ. فَغَضَبُ اللهِ مُعلَنٌ على جَميعِ النَّاسِ بِسَببِ فُجورِهم وَإثمِهم. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ العَدد 18. والأعداد 19-23 تُطلِعُنا على الأسباب؛ أيْ عنِ الأسبابِ الَّتي تَجعلُ اللهَ مُبَرَّرًا في الغَضبِ على خَطيَّةِ الإنسان.

وَهُناكَ أُناسٌ على مَرِّ تَاريخِ العَالَمِ أَقَرُّوا بِحَقِّ اللهِ في أن يَغضَب. أجل. وَحَتَّى إنَّ بَعضًا مِنهُم كَانَ وَثَنِيًّا، ولكِنَّهُم فَهِموا أنَّ اللهَ كَانَ مُحِقًّا في أن يَكونَ غَاضِبًا مِنهُم. واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا. افتَحُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل والأصحاحِ الرَّابع... سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل والأصحاحِ الرَّابع. في هذا الوَقتِ مِن تَاريخِ بَني إسرائيل، لم يَكُن بَنو إسرائيلَ يَلتَفِتونَ إلى الله – البَتَّة. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ هُناكَ تَدَيُّنٌ ظَاهِرِيٌّ، ولكِنَّهُ لم يَكُن حَقيقيًّا. وفَجأةً، وَجَدَ بَنو إسرائيلَ أنفسَهُم أمامَ عَدُوِّهِم اللَّدودِ (أيِ الفِلِسطينيِّينَ) فَقَلِقُوا.

وَقد قَالَ أَحَدُهم: "انظُروا! لا نُريدُ أن نُقاتِلَ الفِلسطينيِّينَ بمُفردِنا. يَنبغي أن نَستَدعي الله". وَكانَ هَذا التَّفكيرُ صَائِبًا في الحَقيقة. وفي تِلكُ النُّقطةِ مِن تَاريخِهم، كَانَ يُرْمَزُ إلى اللهِ بِتابوتِ العَهدِ الَّذي كانَ في شِيلوه. وَكانَ اللهُ حَاضِرًا في تَابوتِ العَهدِ بينَ أجنِحَةِ الكَرُوبَيْن. لِذا فقد أرادُوا أن يَتَيَقَّنُوا مِن حُضورِ اللهِ مِن خِلالِ إحضارِ تَابوتِ العَهد. لِذا فقد قَالوا: "اذهَبُوا وَأحْضِرُوا الله". لِذا فقد صَارُوا مُتَدَيِّنينَ جدًّا، وَسَارَعُوا إلى استِدعاءِ اللهِ المُمَثَّل بِتَابوتِ العَهدِ الصَّغير.

وَلكِنْ فِي نَظَرِ الوَثنيِّينَ كَانَ هَذا الإلَهُ مُجَرَّدَ صَنَم... مُجَرَّدَ صَنَمٍ يَعْبُدُهُ بَنو إسرائيل. لِذا فقد جَاءُوا وَأخذوا اللهَ. فَقد أخذوا تَابوتَ العَهدِ الصَّغير. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 4: 5: "وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلَى الْمَحَلَّةِ أَنَّ جَمِيعَ إِسْرَائِيلَ هَتَفُوا هُتَافًا عَظِيمًا حَتَّى ارْتَجَّتِ الأَرْضُ". فاللهُ كَانَ حَاضِرًا. هَل تَسمَعونَ عَن وُصولِ فِرْقَةِ الفُرسانِ في المَعركةِ مَعَ الهُنود؟ إنَّهُ لا شَيء إذا مَا قُورِنَ بِهذا. فاللهُ قَد حَضَر. والنَّصْرُ مَضمون. ولا شَكَّ في أنَّ صَوتَ الهُتافِ كَانَ عَظيمًا جدًّا. ونَقرأُ في العَددِ السَّادس: "فَسَمِعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ صَوْتَ الْهُتَافِ فَقَالُوا: «مَا هُوَ صَوْتُ هذَا الْهُتَافِ الْعَظِيمِ فِي مَحَلَّةِ الْعِبْرَانِيِّينَ؟» وَعَلِمُوا أَنَّ تَابُوتَ الرَّبِّ جَاءَ إِلَى الْمَحَلَّةِ". لَقَد وَصَلَ إلَهُ بَني إسرائيل. فَقد استَدعُوا إلهَهُم.

"فَخَافَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «قَدْ جَاءَ اللهُ إِلَى الْمَحَلَّةِ». وَقَالُوا: «وَيْلٌ لَنَا لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هذَا مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ مَا قَبْلَهُ! وَيْلٌ لَنَا! مَنْ يُنْقِذُنَا مِنْ يَدِ هؤُلاَءِ الآلِهَةِ الْقَادِرِينَ؟" فَهذا التَّابوتُ الصَّغيرُ قَوِيٌّ جدًّا. ولكِنْ لِماذا قَالوا ذلك؟ لأنَّهُم تَذَكَّرُوا القَليلَ عَن تَاريخِ مِصْر، وتَذَكَّروا أنَّ كُلَّ جَيشِ المِصريِّينَ قَد غَرِق، وتَذَكَّروا قَبلَ ذلكَ كُلَّ الضَّرَبات.

ثُمَّ إنَّ واحِدًا مِنهُم وَقَفَ وَخَطَبَ بِها خِطابًا حَماسِيًّا في العَددِ التَّاسِع: "تَشَدَّدُوا وَكُونُوا رِجَالاً أَيُّهَا الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِئَلاَّ تُسْتَعْبَدُوا لِلْعِبْرَانِيِّينَ كَمَا اسْتُعْبِدُوا هُمْ لَكُمْ. فَكُونُوا رِجَالاً وَحَارِبُوا". أيْ لِنَستَجمِع قُوَّتَنا، ونُحارِب، ونَنتصِر في هذهِ المَعركة. وَهل تَعلَمونَ مَا الَّذي حَدَث؟ لَقد كانَ بَنو إسرائيلَ يَعيشونَ في نَشْوَة. فَقد ظَنُّوا أنَّهُم انتصَروا. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَددِ العَاشِر: "فَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ، وَانْكَسَرَ إِسْرَائِيلُ".

والآن، مَهلاً! لا يَنبغي أنْ يَكونَ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس! فَقد كانَ يَنبغي لِبَني إسرائيلَ أن يَنتصِروا! فَقدِ استَدعُوا الله! ولكِنَّ اللهَ ليسَ جِنِّيًّا يُلَبِّي لَهُم رَغْباتِهم وَحَسْب. فأنتَ لا تَفْرُكُ فَانوسَكَ السِّحريَّ وتَقول: "والآن يا رَبّ، اعمَل عَمَلَك. فأنا في وَرطَة. صَحيحٌ أنِّي لم ألتَفِت إليكَ مُنذُ وَقتٍ طَويل، ولكنِّي بحاجةٍ إليكَ الآن". فاللهُ لا يَعمَلُ هَكذا.

لَقَد قُتِلَ ثَلاثونَ ألفَ رَجُلٍ مِن بَني إسرائيل. وَقد سُرِقَ تَابوتُ العَهدِ، وَقُتِلَ ابْنا عَالي الكَاهِن "حُفْنِي" وَ "فِيْنحَاس". إنَّهُ دَمارٌ شَامِل. فَقد مَاتَ ابنَا رَئيسِ الكَهَنة، وَماتَ ثَلاثونَ ألفًا، وَأخذَ الأعداءُ تَابوتَ العَهد.

والآن، إذا كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّ تِلكَ كانَت مُشكلةً لليَهودِ، انتظروا حَتَّى تَرَوْا المُشكلةَ الَّتي وَقَعَ فيها الأشخاصُ الَّذينَ صَارَ اللهُ بينَ أيديهم! فالآن، أَخَذَ الفِلسطينيُّونَ اللهَ. وإذا أردتُم أن تَعرِفوا مَا حَدَثَ، انظُروا إلى الأصحاحِ الخامِسِ والعَددِ الأوَّل. فَرئيسُ الكهنةِ "عَالي" [الَّذي كَانَ ضَخْمَ الجُثَّةِ وسَمينًا ومُسِنًّا] سَمِعَ خَبَرَ مَوْتِ ابْنَيْهِ فَسَقَطَ عَنِ الكُرْسِيِّ فَانْكَسَرَتْ رَقَبَتُهُ وَمَات. لِذا فقد مَاتَ رَئيسُ الكَهَنَة. وَكانَ الدَّمارُ شَامِلاً في إسرائيل.

والآن، صَارَ اللهُ بَينَ يَديِّ الفِلسطينيِّين، وَصَاروا يَروحونَ وَيَجيئونَ في حَضْرَةِ الله. لِذا فقد عَلِمُوا أنَّ هَذا هُوَ إلَه بَني إسرائيل وَقَالُوا: سَوفَ نَضَعُهُ مَعَ إلَهِنا. لِذا فقد أخذوهُ [كَما جَاءَ في العَددِ الثَّاني] "وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ دَاجُون". وَكانَ دَاجُون هُوَ إلَه الفِلسطينيِّين. وَكانَ نِصفُهُ سَمَكَة ونِصفُهُ الآخَر إنسان. فَهُوَ الإلَهُ السَّمَكة. لِذا فقد أَخَذوا تَابوتَ العَهدِ ووَضعوهُ مَعَ دَاجُون في مَدينةِ أَشدود.

"وَبَكَّرَ الأَشْدُودِيُّونَ فِي الْغَدِ وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ". وَقد تَعَجَّبوا جدًّا مِن ذلك. ولا شَكَّ في أنَّهُم ظَنُّوا أنَّ زِلزالاً مَحَلِّيًّا قد حَدَثَ أو شَيئًا مِن هذا القَبيلِ أدَّى إلى سُقوطِه. "فَأَخَذُوا دَاجُونَ وَأَقَامُوهُ فِي مَكَانِهِ. وَبَكَّرُوا صَبَاحًا فِي الْغَدِ [في العَددِ الرَّابِعِ] وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ، وَرَأْسُ دَاجُونَ وَيَدَاهُ مَقْطُوعَةٌ عَلَى الْعَتَبَةِ. بَقِيَ بَدَنُ السَّمَكَةِ فَقَطْ". وَكانَ اللهُ يَقولُ لَهُم: "أنا لا أُطيقُ أيَّةَ مُنافَسَة".

والآن، عَلِمُوا أنَّهُم في وَرطَة. فَنَحنُ نَقرأُ في النَّصِّ فَجأةً: "لِذا فَثَقُلَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَى الأَشْدُودِيِّينَ [في العَددِ السَّادسِ]، وَأَخْرَبَهُمْ وَضَرَبَهُمْ بِالْبَوَاسِير". وَهُناكَ تَرْجَماتٌ كَثيرةٌ لهذهِ الآية. فَهُناكَ تَرجَمَةٌ تَقولُ إنَّهُ ضَرَبَهُم بالبَواسير. ورُبَّما كانت هذهِ التَّرجمةُ أسوأَ تَرجمَة. وَهُناكَ تَرجَماتُ إنجليزيَّة تَستخدِمُ الكلمة "emerods" الَّتي يُخَيَّلُ لِقارِئِها أنَّها نَوعٌ مِن أنواعِ العُطور.

ولكِنَّ الكلمةَ المُستخدَمَةَ تُشيرُ إلى الأورامِ وَلا سِيَّما الأورامِ الدَّاخِلِيَّةِ في الأعضاءِ الدَّاخليَّةِ أوِ الحَسَّاسَةِ (كَما جَاءَ في نِهايةِ العَددِ التَّاسع). فَفجأةً، أُصيبَ النَّاسُ بالأورام. ثُمَّ إنَّ النَّصَّ يَقولُ إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لم يُصَابوا بالأورامِ لم يَنْجُوا مِنَ الفِئرانِ الَّتي تَحمِلُ وَبأً مُميتًا. وَقد مَاتَ آلافٌ وآلافٌ مِنَ النَّاس. والَّذين لم يَموتوا مِن وَبأِ الفِئرانِ أُصيبوا بالأورام.

لِذا فقد قالَ النَّاسُ في أشدود: "لِنَتَخَلَّص مِن هذا الشَّيء". وَقد قَالوا: "مَاذا نَفعلُ بِهِ؟" وَقد قَالوا: "لنأخُذُهُ إلى جَتّ". ولم يَكُن ذلكَ مَعروفًا كَبيرًا لأهالي جَتّ. وَكانَت تلكَ مَدينة مُجاورة لَهُم. وَكانَ هُناكَ رَجُلٌ مَشهورٌ مِن جَتّ لَعَلَّكُم تَذكرونَهُ. إنَّهُ جُلْيات.

إذًا فقد أخذوا التَّابوتَ إلى جَتّ فَواجَهَ أهْلُ جَتّ نَفسَ المُشكلة. ثُمَّ إنَّهُم قَالوا: "لِنأخُذُهُ إلى عَقرون". ولكِنَّ أهلَ عَقرون صَرَخُوا قَائِلين: "لا تُحضِرُوا هذا الشَّيءَ إلى هُنا". لِذا فقد رَاحُوا يَنقِلونَ التَّابوتَ مِن مَكانٍ إلى آخر، وَصَارَ الجَميعُ يُعانون. فَقد كَانُوا جَميعًا إمَّا يَموتونَ مِنَ الوَبأِ وَإمَّا يُصابونَ بالأورام. وهذهِ دَينونَة.

والآن، مَاذا سيَكونُ الرَّدُّ الوَثنيُّ؟ هَل سَيَقولون: "أيُّ إلَهٍ أنتَ؟ هَذا ليسَ عَدلاً"؟ لا، لا، بَل إنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ أنَّهُم استَدْعوا الكَهَنَةَ وَالعَرَّافِينَ قَائِلِين: "مَاذَا نَعْمَل؟" فَقالوا في العَددِ الثَّالث: "إِذَا أَرْسَلْتُمْ تَابُوتَ إِلهِ إِسْرَائِيلَ، فَلاَ تُرْسِلُوهُ فَارِغًا...". والآن، استَمِعوا إلى هَذا: "...بَلْ رُدُّوا لَهُ [ماذا؟] قُرْبَانَ إِثْم". أريدُ أن أسألَكُم سُؤالاً بَسيطًا؟ بِماذا يُقِرُّ قُربانُ الإثْم؟ بالخطيَّة.

فهؤلاءِ الوَثنيُّونَ غيرُ المُثَقَّفينَ، وغَيرُ المُتَعَلِّمينَ عَلِمُوا أنَّهُم يَحصُلونَ بِشَكلٍ مَا أو بطريقةٍ مَا على ما يَستحقُّونَهُ لأنَّهُم أغضَبُوا هذا الإلَه. وَحَتَّى إنَّهُم أَقَرُّوا بأنَّهُ مِنْ حَقِّ اللهِ أن يَدينَهُم. لِذا فقد أرسَلُوا مَا فَهِمُوا أنَّهُ قُربانُ إثْم. وَهذا يُرينا أنَّ حَتَّى الوَثنيِّينَ فَهِمُوا أنَّهُ مِنْ حَقِّ اللهِ أن يَدينَهُم فَقَالُوا: "نَحنُ نُقِرُّ بالخَطيَّة. فَقد أَسَأنا إليكَ. وَنحنُ نَستحِقُّ تَمامًا مَا حَدَثَ لَنا".

وعندما سَرَقَ عَخَانُ الرِّداءَ مِن أريحا ودَفَنَهُ في خَيمتِه، وَاجَهَهُ يَشوعُ قَائِلاً: "مِنَ الأفضلِ أنْ تَعتَرِفَ بخطيئَتِك". وَقد فَعَل. فقد اعتَرَفَ بخطيئتِه. وَحِينئذٍ، حِينئذٍ فَقط، ضَرَبَهُ اللهُ وَأخذَ حَياتَهُ وَحَياةَ كُلِّ أفرادِ عَائلتِهِ الَّذينَ شَارَكوهُ في الجَريمَة. ولكِنْ قَبلَ نُزولِ الدَّينونَة، كانَ لا بُدَّ مِنَ الاعترافِ بأنَّهُم يَستحِقُّونَها.

والآن، اسمَعوني: اللهُ لا يَدينُ البَتَّة مَا لم تَكُنِ الدَّينونَةُ مُستَحَقَّة. فَهُوَ إلَهٌ عَادِلٌ تَمامًا. وَإنْ كانَ اللهُ يَقْضي وَيَسكُبُ غَضَبَهُ، هُناكَ ثِقَةٌ كَامِلَةُ في قَلبي بأنَّ هَذا هُوَ عَيْنُ الصَّوابِ وَبأنَّها الدَّينونَةُ المُناسِبَةُ في ذلكَ المَوقِف.

والآن، لِنَرجِع إلى رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل. كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَتَحَمَّلَ الإنسانُ مَسؤوليَّةَ خَطيَّتِه؟ وَكيفَ يُعْقَلُ أنْ يَتِمَّ تَحميلُ هؤلاءِ الوَثنيِّينَ المَسؤوليَّة؟ وَكيفَ يُعْقَلُ أنْ يَتِمَّ تَحميلُ هؤلاءِ الفِلسطينيِّينَ المَسؤوليَّة؟ وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُم لم يَكونوا يَعرِفونَ نَاموسَ العهدِ القديم! فَكيفَ يُعقَلُ أنْ يُصيبَهُم اللهُ بالأوبئةِ وَأنْ يُصيبَهُم بالأورام؟ وَكيفَ يُعقَلُ أنْ يُغْرِقَ اللهُ كُلَّ الجَيشِ المِصريّ؟ وَكيفَ يُعقَلُ أنْ يَقتُلَ كُلَّ هَؤلاءِ الأبكارِ في أرضِ مِصْر؟ وَكيفَ يُعقَلُ أنْ يُهْلِكَ مُدُنًا كَامِلَةً للكَنعانِيِّين؟ وَكيفَ يُعقَلُ أنْ يَدفِنَ سَدوم وعَمُورَة؟ بِعبارةٍ أخرى، كَيفَ يُعقَلُ أنْ يَدينَ اللهُ النَّاس؟ فَماذا لو لم يَكُن أحَدٌ قَد أَطْلَعَهُم على الحَقّ؟ فَكيفَ يُحَمِّلُهُم المَسؤوليَّة؟ وَكيفَ يُعقَلُ أنْ يَستَحِقُّوا كُلَّ هذا الغَضَب؟

نَجِدُ الجَوابَ ابتداءً مِنَ العَدد 19. وَهُناكَ أربعةُ أسبابٍ لِغضبِ الله... أربعةُ أسباب. وَهُناكَ نَتيجةٌ خَامِسَةٌ سنَتحدَّثُ عنها في المَقطعِ الَّذي يَليه. ولكِن تُوجَدُ أربعةُ أسباب. وأنا أُسَمِّي هذهِ الأسبابَ الأربعةَ: الإعلان، والرَّفض، والتَّسويغ، والتَّدَّيُّن. ولنبتدِئ بالإعلان في العَدَدَيْن 19 و20.

فَالسَّببُ في أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُعلِنَ غَضَبَهُ عليهم هُوَ أنَّ "مَعْرِفَةَ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ". كيف؟ "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ [مَاذا؟] عُذْر".

والآن، هَذهِ هِيَ النُّقطةُ الأولى أوِ السَّببُ الأوَّلُ في غَضبِ الله هُوَ الإعلان. فالنَّاسُ أُعْطُوا الحَقَّ الإلهِيَّ. النَّاسُ أُعْطُوا الحَقَّ الإلهِيَّ. فَقد عَرَفَ الفِلِسطينيُّونَ الحَقَّ الإلهِيَّ. وَقد عَرَفَ الكَنعانِيُّونَ الحَقَّ الإلهِيَّ. وَقد عَرَفَ المِصريُّونَ الحَقَّ الإلهِيَّ. وَقد عَرَفَ النَّاسُ في سَدوم وعَمُورَة ومُدُنِ الدَّائِرَةِ الحَقَّ الإلهِيَّ. فَقد عَرَفَ جَميعُ النَّاسِ الحَقَّ الإلهِيَّ.

وَقد قَالَ اللاَّهُوتِيُّ العَظيمُ "أغسطوس سترونغ" (Augustus Strong): "لَقَد وَضَعَ اللهُ البُرهانَ على الحَقِّ الجَوهَرِيِّ في طَبيعَةِ الإنسانِ ذاتِها حَتَّى لا يَترُكَهُ البَتَّةَ مِن دُونِ شَاهِد". وَهُناكَ آيةٌ في رِسالةِ أفسُس 2: 12 تَقولُ إنَّ الإنسانَ غَيرِ المُؤمِن هُوَ "بِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَم"؛ ولكِنَّ المَعنى المَقصودَ بِتلكَ العِبارَةِ هُوَ أنَّهُ مَتروكٌ مِنَ اللهِ؛ لا أنَّهُ يَجهَلُ الله. فَهُوَ "بِلا إلَهٍ" لا لأنَّهُ لا يَعرِفُ عَنِ اللهِ، بَل لأنَّهُ لا يُريدُ أن يَقبَلَ اللهَ. لِذا فإنَّ اللهَ يَترُكُهُ.

والآن، يُشيرُ هذا المَقطَعُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى الأُمَم لأنَّهُ يَفترِضُ فقط مَا نُسَمِّيهِ "الإعلانَ الطَّبيعيَّ". فَهُوَ لا يَتحدَّثُ عنِ الكتابِ المقدَّسِ الَّذي كانَ مُطَبَّقًا فقط على بَني إسرائيل. وَلا شَكَّ في أنَّ بَني إسرائيلَ رَفَضُوا لا فقط الإعلانَ الطَّبيعيَّ، بَل رَفضُوا أيضًا الإعلانَ الخَاصَّ. فَبني إسرائيل رَفَضُوا لا فقط الخَليقَةَ بِوصفِها الدَّليلَ على وُجودِ اللهِ، بَل رَفضُوا أيضًا الأسفارَ المُقدَّسَة.

ولكِنَّنا نَرى هُنا بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ العَالَمَ الأُمَمِيَّ. وَما يَقولُهُ هُوَ أنَّهُ كَانَ باستِطاعتِهم أن يَعرِفوا اللهَ لأنَّ اللهَ أعلَنَ نَفسَهُ لَهُم. ولكنْ لِنَرجِع إلى العَدد 18. فَكما رأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ، لَقد حَجَزُوا الحَقَّ. والكلمة "حَجَزوا" تَعني: "طَمَسُوا".

لِذا، لا يَستطيعُ الإنسانُ أنْ يَدَّعي الجَهل. فَعَدا عَنِ الإعلانِ الخَاصِّ مِن خِلالِ الكتابِ المقدَّسِ [وَهُوَ إعلانٌ لم يَسْمَعْهُ أُناسٌ كَثيرونَ جدًّا]، جَعَلَ اللهُ نَفسَهُ مَعروفًا، واستَمَرَّ في القِيامِ بذلكَ مِن خلالِ خَليقَتِه. ويُمكنُني أن أؤكِّدَ لَكُم أنَّ البَشَرَ لا يَستطيعونَ مِن تِلقاءِ أنفسِهم أن يَعرِفوا الله. ولكِنَّ العَدد 19 يَقولُ إنَّ اللهَ أَعلَنَ نَفسَهُ لَهُم. فاللهُ لَن يُرسِلَ أيَّ شَخصٍ إلى جَهَنَّمَ مَا لَمْ يُعْطِهِ فُرْصَةَ أنْ يَعرِفَهُ. فاللُهُ إلَهُ عَادِلٌ. واللهُ إلَهٌ مُنصِفٌ.

وَقد قَالَ "ترتليان" (Tertullian)، وَهُوَ واحِدٌ مِن آباءِ الكَنيسةِ الباكِرَة، قَالَ الكَثيرَ عَن هذهِ الحَقيقةِ الَّتي تَقولُ إنَّ اللهَ يُمكِنُ أن يُعلَنَ في الخَليقَة. فَقد قَال: "لم تَكُن رِيشَةُ مُوسَى هِيَ الَّتي سَطَّرَتْ مَعرفةَ الخَالِق. فَالسَّوادُ الأعظمُ مِنَ البَشَرِ الَّذينَ لَم يَسمَعُوا يَومًا بِمُوسَى وَلا بِكتابِهِ، عَرَفُوا إلَهَ مُوسَى على الرَّغمِ مِن ذلك".

وَقد قَالَ: "فَالطَّبيعَةُ هِيَ المُعَلِّمُ، والنَّفسُ هِيَ التِّلميذ. فَإنْ أخذتُم وردةً بَرِّيَّةً واحِدَةً [وأنا لا أقولُ وَردةً مِن بُستان]، وَإنْ أخذتُم صَدَفَةً مِن أيِّ بَحْرٍ [وأنا لا أقولُ لُؤلؤةً مِنَ البَحرِ الأحمَر]، وإنْ أخذتُم ريشَةً مِن أيِّ طَائِرٍ [وأنا لا أقولُ رِيشَةَ طَاوُوس] أَلاَ تُعلِنُ عَن وُجودِ خَالِق؟ فإذا أَرَيْتُكَ وَردةً هَل تَحتَقِرُ خَالِقَها؟"

بِعبارةٍ أخرى، إنَّ الخَليقَةَ تُعلِنُ عَنْ وُجودِ اللهِ حَتَّى بالنِّسبةِ إلى أولئكَ الَّذينَ يَبدو أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يُدركوا أنَّ الخَليقَةَ تُظْهِرُ وُجودَ اللهِ فيهم.

وَهُناكَ تِلكَ القِصَّةُ الرَّائعةُ عَن "هيلين كيلر" (Helen Keller)، الَّتي كانت صَمَّاءَ وبَكْماء وَعَمياء. فقد كانت عَاجِزَةً تَمامًا عَنِ التَّخاطُبِ مَعَ الآخرينَ إلى أنْ صَرَفَتْ آن سوليفان (Anne Sullivan) ساعاتٍ تلوَ الأخرى، وأيَّامًا تِلوَ الأخرى، وشُهورًا تِلو الأخرى في تَعليمِها كيفيَّةِ التَّواصُل مَعَ الآخرين. وعندما حاولت "آن" أن تُخبرَ "هيلين كيلر" عَنِ اللهِ كَانَ رَدُّها هُوَ: "أنا أعرِفُ عَنهُ، ولكنِّي لم أَكُن أعرِفُ اسمَهُ".

لِنَنظُر إلى الآيةِ مَرَّةً أخرى – إلى الآية 19: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ". والعِبارَةُ "مَعرِفَةُ اللهِ" هِيَ في الأصل "نوسوس" (gnostos) ومَعناها: "مَا يُمْكِنُ مَعرِفَتُهُ عَنِ الله".

فَمِنَ الواضِحِ أنَّنا لا نَستطيعُ أن نَعرِفَ كُلَّ شَيءٍ عَنِ اللهِ حَتَّى مِن خِلالِ الإعلانِ الخَاصّ. ولكِنَّ الأشياءَ الَّتي يُمكِنُ مَعرِفَتُها قَد أُعلِنَت. أيْ: مَا يُمكِنُ أن يُعرَفَ عَنِ اللهِ، أو مَا يُمكِنُ مَعرِفَتُهُ، وَما يُمكِنُ استيعابُهُ مِن خِلالِ حَواسِّ الإنسانِ يُمكِنُ أنْ يُعرَفَ... لاحِظُوا مَا يَلي: مِن دُونِ الكتابِ المقدَّس. فَهَذا هُوَ المَعنى المَقصود.

والعَدد 20 يُطْلِعُنا على الأمورِ الَّتي يُمكِنُ أن تُعرَف. فنحنُ نَقرأ: "قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ". وَهُوَ يَقولُ إنَّها "ظَاهِرَةٌ..." [انظروا إلى العَدد 19] "...فيهِم، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ". فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فيهم، أو في وَسْطِهم. فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فيهم، أو في أذهانِهم. وبالمُناسَبَة، يَنبغي لأيِّ إعلانٍ أن يَبلُغُ العَقلَ وَإلاَّ فإنَّنا لا نَستطيعُ أن نَستوعِبَهُ. أليسَ كذلك؟ لِذا فقد أعلَنَ اللهُ نَفسَهُ لَنا.

وَقد كَتَبَ المُفَسِّر "هودج" (Hodge): "لِذا فإنَّ اللهَ لم يَترُك نَفسَهُ البَتَّة بِلا شَاهِد. فَوجودُهُ وَكمالُهُ ظَاهِرانِ تَمامًا حَتَّى إنَّ خَلائِقَهُ العاقِلَةَ مُلْزَمَةٌ بأنْ تَعرِفَهُ وتَعبُدَهُ بِوصفِهِ الإلَهَ الحَقيقيَّ والوَحيد".

لِذا فإنَّ الأشياءَ الَّتي يُمكِنُ أن تُعرَفَ عَنِ اللهِ... لاحِظُوا مَا يَلي... أيْ قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، قَد أُظْهِرَتْ لِجَميعِ النَّاسِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْر. ولكِنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ فقط على... لاحِظُوا مَا يَلي... إنَّ الأمرَ لا يَقتصِرُ فقط على أنَّها ظَاهِرَةٌ لَهُم بِوَصْفِها حَقيقةً خَارجيَّة، بَل إنَّها ظَاهِرَةٌ فِيهِم بِوَصْفِها إدراكًا دَاخِليًّا. فَهُم يَرَوْنَها ويَعرِفونَ أنَّها تُشيرُ إليه.

افتَحُوا مَعي قَليلاً على سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 14. أعمال الرُّسُل 14: 16. فَبولُسُ يَتحدَّثُ هُنا ويَتكلَّمُ عَنِ اللهِ وكيفَ أنَّ اللهَ يُعلِنُ نَفسَهُ. وَهُوَ يَتحدَّثُ في العَدد 15 عَنِ "الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "الَّذِي فِي الأَجْيَالِ الْمَاضِيَةِ تَرَكَ جَمِيعَ الأُمَمِ يَسْلُكُونَ فِي طُرُقِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ". كَيف؟ "وَهُوَ يَفْعَلُ خَيْرًا". فَهَل خَلَقَ أرضًا صَالِحَةً؟ أجل. فَهُوَ: "يُعْطِينَا مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَارًا وَأَزْمِنَةً مُثْمِرَةً، وَيَمْلأُ قُلُوبَنَا طَعَامًا وَسُرُورًا".

بِعبارةٍ أخرى، إنَّ صَلاحَ الحَياةِ ذَاتِها يُعلِنُ صَلاحَ الله. فالطَّعامُ والمَطَرُ والفُصولُ ومَباهِجُ الحَياةِ تُخْبِرُنا كُلُّها عَن وُجودِ خَالِقٍ مُحْسِنٍ وَمُحِبٍّ وَمُنعِم.

والآن، انظُروا إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 17: 23 إذْ نَقرأُ أنَّ بولسَ يُخاطِبُ الفَلاسِفَةَ فِي وَسْطِ أَرِيُوس بَاغُوس في أثينا ويَقول: "لَديكُم هُنا مَذبَحٌ كُتِبَتْ عَليهِ العِبارَةُ ’لإِلهٍ مَجْهُول‘". وبالمُناسَبَة، كانَت هذهِ العِبارَةُ تَعكِسُ فَهمَهُم للهِ الحَقيقيّ مَعَ أنَّهُم لم يَكونوا يَعرِفونَ اسمَهُ. "أنتُم تَعبُدونَهُ عَنْ جَهْل. لِذا، سَأُخبرُكم عنه. فأنتُم تَعلَمونَ أنَّهُ مَوجود، وَقد أَقَمْتُمْ صَنَمًا لإلَهٍ مَجهول لكي تُعَبِّروا عَنْهُ، ولكِنَّكُم لا تَعرِفونَ مَن هُوَ. ولكنِّي سأُخبرُكم مَن هُوَ". إنَّهُ "الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ [في العَدد 24] وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ". فَقد كَانُوا مُعْتادينَ دَائِمًا على إحضارِ الطَّعامِ وَوَضْعِهِ عِندَ أقدامِ أصنامِهم. وَهُوَ يَقولُ لَهُم: لا حَاجَةَ إلى إطعامِ هَذا الإلَه. "وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يُهيمِنُ على الأُمَمِ وعلى حُدودِهم. وَهُوَ يَتَحَكَّمُ في الوقتِ، ويَتَحَكَّمُ في المَصيرِ، ويَتَحَكَّمُ في كُلِّ شَيء.

"لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ..." – بِعبارةٍ أخرى، إنْ بَحَثَ البَشَرُ عَنْهُ، أوْ إنْ رَأَوْهُ على حَقيقَتِهِ وَطَلبوهُ "فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ [مَاذا؟] عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ". فَهُوَ مَوجودٌ، وَقد أَعلَنَ نَفسَهُ بطريقةٍ لا يُمكِنُ إنكارُها.

استَمِعُوا إلى هذا المَقطَعِ الرَّائعِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ؛ وَتَحديدًا مِن إنجيل يوحنَّا 1: 9. استَمِعوا إلى ما يَقول. استَمِعُوا وَحَسْب. فالمَسيحُ هُوَ النُّورُ "الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَان". هَل سَمِعتُم ذلك؟ هَل هَذا يَعني أنَّ جَميعَ البشَرِ مُخَلَّصُون؟ لا. بَلْ إنَّ المَقصودَ بذلكَ هُوَ أنَّ جَميعَ النَّاسِ يَستَنيرونَ بِمَعرفةِ الله. فالمَسيحُ هُوَ النُّورُ الَّذي يُنيرُ كَلَّ البَشَر. وَلا يُوجَد عُذْرٌ لأيِّ إنسان. هَذا هُوَ مَعنى العَدد 20.

وَقَد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! هَل تَعني أنَّ كُلَّ إنسانٍ في العَالَم يَحْظَى بِفُرصَة؟" أجل. بِصُورةٍ مَا أو بِطريقةٍ مَا. استَمِعوا إلَيَّ: اللهُ هُوَ إلَهُ كُلِّ صَلاحٍ ونِعمَة. واللهُ هُوَ إلَهُ المَحبَّةِ والإنصافِ والعَدل. واللهُ لا يَسكُبُ غَضَبَهُ على أُناسٍ ليسَ لَديهم أيُّ خِيارٍ، وَلم يَحْظَوْا بأيَّةِ فُرصَة.

فَهُم جَميعًا لَديهم مَعرفةُ اللهِ مِن حَولِهم. فَهُوَ يُظْهِرُها لَهُم. وَهُمْ يَعرِفونَ في دَواخِلِهم أنَّهُ هُوَ. والمَسيحُ هُوَ النُّورُ الَّذي يُنيرُ كُلَّ البَشَر. وَقد تَقول: "حسنًا! ولكِنْ كَيفَ جَاءَ هَذا الإعلان؟" انظروا مَرَّةً أخرى إلى العَدد 20: "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ..."؛ أيْ صِفاتِه. فاللهُ غَيرُ مَنظُور. وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَنِ أمورِ اللهِ غَيرِ المَنظورَة، أو عَن جَوهَرِ طَبيعَتِهِ أو عَن حَقيقَةِ وُجودِه، أو عَن مُؤهِّلاتِهِ أو صِفاتِهِ – وَتَحديدًا: عَن قُدْرَتِهِ السَّرْمَدِيَّةِ وَلاَهُوتِه.

وَقد تَقول: "مَا مَعنى ذلك؟" إنَّ قُدرَتَهُ السَّرمديَّةَ تَعني ببساطَة: قُدرَتَهُ على كُلِّ شَيءٍ. فَقُدرَتُهُ على كُلِّ شَيءٍ [أو قُدرَتُهُ العَجيبَةُ] مُتاحَةٌ للبَشَر. وَلاهُوتُهُ يُشيرُ إلى حِكمَتِهِ، وَصَلاحِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وكُلِّ عَناصِرِ طَبيعَةِ اللهِ المَنظورة.

فيُمكنُني أن أقولَ لَكُم إنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ الجَمالِ مِن خِلالِ النَّظرِ إلى هَذا العَالَم. أليسَ كذلك؟ ويُمكِنُني أن أقولَ لَكُم إنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ كُلِّ صَلاحٍ لأنَّهُ يُوجَدُ صَلاحٌ في الحَياة. ويُمكنُني أن أقولَ لَكُم إنَّهُ إلَهٌ مُحِبٌّ لأنَّهُ تُوجَدُ مَحَبَّة. ويُمكِنُني أن أقولَ لَكُم أمورًا كَثيرةً عَن طَبيعَتِه. فَهُوَ إلَهٌ حَكيمٌ بِسَببِ دَقَّةِ تَصميمِ خَليقَتِه. فيُمكِنُكم أن تَعرِفوا طَبيعَتَهُ الإلهيَّةَ، ويُمكِنُكم أن تَعرِفوا قُدرَتَهُ السَّرمديَّة. هَذا هُوَ مَا يَقولُه.

فَمِن خِلالِ خَلْقِ العَالَمِ، فإنَّ هَذهِ الأشياءَ ليسَت مُبهَمَةً، بَل هِيَ مَاذا؟ تُرى بوضوحٍ، وَتُدركُ بِسهولةٍ مِن خِلالِ المَصنوعات. وَقد تَقول: "ولكِنْ في الوقتِ الَّذي كُتِبَ فيهِ الكتابُ المقدَّسُ لم يَكُن هُناكَ عِلْمٌ. فَهل كانوا يَرَوْنَ هذهِ الأشياء؟" رُبَّما كَانُوا يَرَوْنَ العَديدَ مِنَ الأشياءِ بوضوحٍ أكثرَ مِنَّا. فَنَحْنُ أفسَدْنا الطَّبيعَةَ بالمَباني الحَجَرِيَّة.

أمَّا في الأزمنةِ القديمةِ، قَبلَ أنْ يَتِمَّ اختراعُ المِجْهَرِ والتِّليسكوب، كَانَ بِمقدورِ النَّاسِ أن يَتأمَّلوا في اتِّساعِ الكَون. وَكانَ بِمقدورِهم أن يَفهَموا تَرتيبَ الأجرامِ السَّماويَّة. وَكانَ بِمقدورِهم أن يَلتقِطُوا زَهرةً ويَرَوْا عَظَمَةَ تَرتيبِ أوراقِها. وَكانَ بِمقدورِهم أن يَنظروا إلى كيفيَّةِ اقترانِ أوراقِ الأشجارِ بالأغصان. وَكانُوا يَرَوْنَ الدَّورةَ المَائيَّةَ فيما يَتبخَّرُ المَاءُ إلى السُّحُبِ الَّتي تَحمِلُهُ فَوقَ الأرضِ وتُسْقِطُهُ.

وَكانُوا يَفهمونَ مُعجِزَةَ الولادةِ البَشريَّة. فَقَدْ رَأَوْها. وَقَدْ رَأوْا النُّمُوَّ. وَقد عَرَفوا مَجْدَ شُروقِ الشَّمسِ وَمَجْدَ غُروبِ الشَّمس. وَقد عَرَفُوا هَديرَ البِحارِ وَثورانِها، وَتَدَفُّقَ المِياهِ في الأنهار، وجَرَيانَ المَاءِ في الجَداوِل، وتَحليقَ الطُّيور، وَتَحَوُّلَ اليَرَقَة إلى فَراشَة.

وَكانُوا يَنظُرونَ إلى أعلى ويَرَوْنَ مَا رآهُ المُرَنِّمُ في المَزمور 19 حينَ قَال: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ [بِماذا؟] بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ". وَقد عَرَفُوا مَا كَانَ يَدورُ في ذِهْنِ المُرَنِّمِ أيضًا في المَزمور 94: 9: "الْغَارِسُ الأُذُنَ أَلاَ يَسْمَعُ؟ الصَّانِعُ الْعَيْنَ أَلاَ يُبْصِرُ؟" بِعبارةٍ أخرى، لَقد قالوا: "إن كانَ بِمقدورِنا أن نَسمَع، لا بُدَّ أنَّ اللهَ الَّذي خَلَقَنا يَسمَع. وَإنْ كَانَ بِمقدورِنا أن نَرى، لا بُدَّ أنَّهُ يَرى. وَإنْ كَانَ بِمقدورِنا أن نُفَكِّر، لا بُدَّ أنَّهُ يُفَكِّر". وَهَلُمَّ جَرَّا.

مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُم فَهِموا اللهَ. فَقَد فَهِموا شَيئًا عَن طَبيعَتِهِ مِن خِلالِ مَا رَأَوْهُ في عَالَمِهم. ففي المَزمور 143: 5، يَقولُ المُرَنِّم: "تَذَكَّرْتُ أَيَّامَ الْقِدَمِ. لَهِجْتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ. بِصَنَائِعِ يَدَيْكَ أَتَأَمَّلُ". فَهُوَ يَقولُ: "أنا أجلِسُ هُنا وأتأمَّلُ في ما صَنَعْت". فَعلى الرَّغْمِ مِنَ العَالَمِ غَيرِ المُعَقَّدِ آنذاكَ مِن وُجهَةِ نَظَرِنا، كَانُوا يَتَعَجَّبونَ مِنَ الخَليقَة.

انظروا إلى سِفْرِ أيُّوب. فيُمكنكم أن تَقرأوا مَا جاءَ في سِفْر أيُّوب وتَرَوْا الجُمَلَ العَجيبةَ في ذلكَ السِّفر عن قُوَّةِ اللهِ الخَالِقَة، وعَنِ الإعلانِ عَن طَبيعَتِه. ولكِن فَكِّروا وَحَسْب في بِضعة أشياء. واسمَحُوا لي أن أُريكُم كيفَ يُمكِنُكم أن تَرَوْا اللهَ في الخَليقَة. هَل تَعلمونَ أنَّ هُناكَ طُيورًا تَعرِفُ مَساراتِها بواسِطَةِ النُّجومِ عِندما تُهاجِر؟ وَهل تَعلمونَ أنَّكُم إذا رَبَّيْتُم طُيورًا، وَجَعلتُم هذهِ الأنواعَ مِنَ الطُّيورِ تُولَد في بَيتٍ دُونَ أنْ تُغادِرَهُ يَومًا، ثُمَّ أَريتُموها سَماءً اصطِناعيَّةً (وهذهِ تَجرِبةٌ عِلميَّةٌ أُجْرِيَتْ فِعليًّا)، فإنْ أريتُموها سَماءً اصطِناعِيَّةً تُمَثِّلُ مَوطِنَ جِنْسِها الَّذي لم تَذهب إليهِ يَومًا، فإنَّها سَتُوَجِّه نَفسَها حَالاً إلى المَوضِعِ المُناسِبِ الَّذي يَنبغي أن تُهاجِرَ إليه. والآن، أخبِروني كَيفَ تَعلَمُ الطُّيورُ ذلك.

وَهُناكَ سَمَكةٌ مُمَيَّزةٌ استَمتعتُ بالقراءةِ عَنها تُسَمَّى "السَّمَكة الرَّامِيَة" (archerfish). فَهِيَ تَحصُلُ على طَعامِها كَبقيَّةِ أنواعِ الأسماكِ الأخرى في أنَّها تَسبَحُ وتَفتَحُ فَمَها وَتَأكُلُ طَعامَها. ولكِنَّها تَمْلِكُ قُدرةً مُدهشةً على قَذْفِ قَطَراتِ الماءِ بِدِقَّةٍ مُتَناهِيَةٍ وَقَتْلِ الحَشَراتِ في الهَواء.

وَهل تَعلمونَ أنَّ هُناكَ حَشَرة صَغيرة تُدعى "الخُنفُساء القَاذِفَة" (bombardier beetle) تُصَنِّعُ مادَّةً كيمياويَّةً تَمتَزِجُ تَمامًا وتَنفَجِرُ في اللَّحظةِ المُناسبةِ في وَجْهِ عَدُوِّها. ولكِنَّ الانفجارَ لا يَحدُثُ قَبلَ الأوانِ البَتَّة، ولا يُؤذيها هِيَ!

فَكِّروا أيضًا في الدَّورةِ المَائيَّة. وَهِيَ دَورةٌ تُدهِشُني جدًّا. فالماءُ يَتَبَخَّرُ ضِدَّ الجاذبيَّةِ مِنَ البِحارِ إلى عُلْوٍ يَصِلُ إلى آلافِ الأقدامِ في الهَواء، ثُمَّ يَبْقى مُعَلَّقًا فيهِ... مُعَلَّقًا وَحَسْب، ويَتَجَمَّعُ في السُّحُبِ، ثُمَّ إنَّ السُّحُبَ تَسيرُ فَوقَ الأرضِ وَتُسْقِطُ المَاءَ ثَانيةً.

وَلا يُمكِنُنا أن نَخترِعَ آلَةً تَفعلُ ذلك. لِذا فقد خَلَقَ اللهُ شَيئًا يَفعلُ ذلكَ وَهُوَ "الشَّمس". وَهِيَ تَفعلُ ذلكَ كُلَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّها تَبُعُدُ عَنِ الأرضِ بنحوِ 93 مليون ميل. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ المُرَنِّمَ قَال: "العِزَّةُ لله". وَلا عَجَبَ أنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَن عَظَمَةِ قُوَّتِه. وَلا عَجَبَ أنَّ نَاحُومَ قَالَ إنَّ اللهَ عَظيمُ القُدرة، وَأنَّ إشعياءَ قَالَ إنَّ اللهَ هُوَ صَخْرُ الدُّهور. وَلا عَجَبَ أنَّ المُرَنِّمَ قالَ في المَزمور 65: "الْمُثْبِتُ الْجِبَالَ بِقُوَّتِهِ".

وَهَل تَعلمونَ أنَّ العُلماءَ حَاولوا دَائمًا أن يَقولوا إنَّ هذا كُلَّهُ حَدَثَ بِسَببِ النُّشوءِ والارتقاء، وَإنَّ ذلكَ كُلَّهُ يُمكِنُ تَفسيرُهُ مِن خِلالِ ظُروفٍ مُعيَّنةٍ بِمَعزِلٍ عَنِ الله؛ ولكِنَّهُم صَاروا عَاجِزينَ أكثر فأكثر عَن قَولِ ذلك. فَهُمْ يَخسرونَ سَريعًا قَضِيَّتَهُم.

فَعلى سَبيلِ المِثال، يَقولُ "روبرت جاسترو" (Robert Jastrow)، وَهُوَ عَالِمُ فيزياءٍ فَلكيَّة، ويَعمَلُ حَاليًّا مُديرًا لمَعهد غودرد للدِّراساتِ الفضائيَّة التَّابع لوكالةِ الفَضاءِ الأمريكيَّة ’نَاسَا‘: "نَحنُ نَرى الآنَ كيفَ أنَّ الأدلَّةَ الفَلَكيَّةَ تُدَعِّمُ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن أصلِ العَالَم. فالعَناصِرُ الأساسيَّةُ في الدِّراساتِ الفَلكيَّةِ والقِصصِ الكِتابيَّةِ في سِفرِ التَّكوينِ هِيَ نَفسُها. فَالأمرُ لا صِلَةَ لَهُ البَتَّة بنظريَّةِ النُّشوءِ والارتقاء" [كَما يَقولُ جاسترو]. "فالأمرُ يَقتضي السُّؤال: مَا الَّذي أَحْدَثَ هَذا التَّأثير؟ فَمَنِ الَّذي أو مَا الَّذي وَضَعَ المَادَّةَ أوِ الطَّاقَةَ في الكَون؟ والعِلمُ لا يَستطيعُ الإجابة عَن هذا السُّؤال".

ويُتابِعُ جَاسترو قَائلاً: "فبالنِّسبةِ إلى العَالِمِ الَّذي يَعيشُ وَفْقًا لإيمانِهِ بقوَّةِ المَنطِق فإنَّ القصَّةَ تَنتهي بِكابوس. فَقَد تَسَلَّقَ بَشَقِّ الأنفُسِ جِبالَ الجَهْلِ وَأوشَكَ على الوُصولِ إلى أعلى ذِروةٍ فيها. وَقد زَحَفَ جَاهِدًا إلى أنْ بَلَغَ آخرَ صَخرةٍ لِيَجِدَ في استِقبالِهِ مَجموعةً مِنَ اللاَّهُوتِيِّينَ الَّذينَ سَبَقوهُ إلى هُناكَ مُنذُ قُرون".

يا لَها مِن كلماتٍ رائعة! بِعبارةٍ أخرى، عندما تَدرُسُ العِلمَ فإنَّ الخُلاصَةَ هِيَ أنَّ اللهَ خَلَقَ العَالَم. واليوم، بوجودِ ذلكَ التِّلسكوب الضَّخم الَّذي يَبلُغُ قُطرُهُ أكثر مِن خمسة أمتار على جَبَل بالومار (Palomar)، يَستطيعُ عُلماءُ الفَلَكِ أن يَنظروا إلى الفَضاءِ لِمسافةٍ تَصِلُ إلى نَحوِ أربعةِ ملياراتِ سَنةٍ ضَوئيَّة. وإن لم تَستوعِبوا ذلك، حاولوا أن تَستوعبوا مسافةَ 25 سيكستيليون ميل). هَل تَعلَمونَ المَسافةَ الَّتي يُمكِنُهم أن يَرَوْها في الفَضاء وَفقًا لقُدرتهم على الرُّؤية؟ 7 × 6710 بُوصَة مُكَعَّبة مِنَ الفَضاء (7 x 1067 cubic inches of space).

وإنْ أرادَ شَخصٌ أن يَحسِبَ هَذا الحَجْمَ الكَبيرَ بِمُعَدَّل مَليون مِليار ميل مُكَعَّب في اليوم مُنذُ ابتداءِ الكَون، سَييأس قَبلَ مُنتصفِ الطَّريق. فالكَونُ الَّذي نَراهُ في ذلكَ التليسكوب هوَ مُجَرَّدُ قِطعةٍ صَغيرةٍ مِنَ الفَضاءِ الحَقيقيّ. فَهل يُمكِنُكم أن تَتخيَّلُوا تلكَ القُوَّة؟ ثُمَّ إنَّ حَفْنَةً مِنَ الأشخاصِ الحَمْقَى يَأتونَ ويَقولون: "في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، كانَـ هُناكَ شَيءٌ وَحيدُ الخَلِيَّة قَالَ لِنَفسِهِ: ’لِنَصِر خَلِيَّتَيْن‘ فَحدثَ ذلك".

جَاءَ في نَشْرَةٍ صَدَرَتْ عن جامعةِ ألبيرتا (University of Alberta) في كندا: "قَد يُدْهَشُ النَّاسُ في المُناخِ المُعتدِل إنْ عَلِموا أنَّ هُناكَ في المُتوسِّط 1800 عاصفة تَحدُثُ في أيِّ وقت، وَأنَّ الطَّاقةَ الموجودةَ في تلكَ العواصفِ تُقَدَّرُ بنحو مليار وثلاثمئة مليون حِصَان. فالجَرَّافاتُ الكبيرةُ تُنْتِجُ قُدرةً تُقَدَّرُ بأربعمئةٍ وعشرين حصانًا وتَحتاجُ إلى نَحوِ مِئةِ غالونٍ مِنَ الوُقودِ يَوميًّا. فكم كَميَّةُ الوُقودِ الَّتي يَحتاجُ إليها الله لتشغيلِ عَواصِفَ بقوَّةٍ تَصِلُ إلى نَحوِ مِليار وثلاثمئة مليون حِصَانٍ كُلَّ يوم؟"

وَقد كَتَبَ أحدُ عُلماءِ الفيزياء في كندا: "المَطرُ المُنهَمِر بِمُعَدَّلِ أربعِ بُوصاتٍ فوقَ مِساحةٍ تُقَدَّرُ بعشرةِ آلافِ ميلٍ مُرَبَّع يَتطلَّبُ احتِراقَ 640 مليون طُنٍّ مِنَ الفَحمِ لتَبخيرِ كَميَّةٍ كافيةٍ مِنَ الماءِ لنُزولِ هذا الكَمِّ مِنَ المَطَر. ولِتَكثيفِ البُخارِ مَرَّةً أخرى وَجَمْعِهِ في السُّحُبِ فإنَّ الأمرَ يَتطلَّبُ قُدرةً على التَّبريدِ تُقَدَّرُ بنحو 800 مَليون حِصَان تَعمَلُ نَهارًا وليلاً لمُدَّةِ مِئةِ يَوم".

وَقد وَجَدَ المُختصُّونَ الزِّراعِيُّونَ، على سَبيلِ المِثالِ، أنَّ المُزارِعَ العاديَّ في مينيسوتا (Minnesota) يَحصُل مَجَّانًا على 407,510 غالون مِنَ الماء لِكُلِّ فَدَّان كُلَّ سنة. هَذا هُوَ مَا يُعطيهِ الرَّبُّ إيَّاه. فَهُوَ يُعطيهِ نَحوَ نِصف مَليون غالون مِنَ المياهِ كُلَّ سنة لمزرعته دُونَ مُقابِل.

فَمِن أينَ يَحصُلُ اللهُ على كُلِّ القُوَّةِ لفِعلِ كُلِّ هذهِ الأشياء؟ فَمِسَاحَةُ ميزوري (Missouri) تُقَدَّرُ بسبعين ألف ميلٍ مُرَبَّع، ومُعَدَّلُ هُطولُ المَطَرِ فيها هُوَ 38 بُوصَة. وَهذا الكَمُّ مِنَ المِياهِ يُعادِلُ بُحيرةٍ عُمقُها 22 قَدَمًا، وطُولُها 250 ميلاً، وعَرضُها 60 ميلاً. واللهُ يُحَرِّكُ هذهِ الكَميَّةَ الهائلةَ مِنَ المِياهِ في تلكَ الولايةِ المُنفردةِ فقط.

ويَقولُ المُتحَفُ الطَّبيعيُّ الأمريكيُّ إنَّ أجناسَ الحَشراتِ تُقَدَّرُ الآن بنحو عشرة ملايين. وأنا أعرِفُ ذلك، ولا بُدَّ أنَّكُم رَأيتُموها في نُزهَتِكُم الأخيرة. أليسَ كذلك؟ هَل تَعلمونَ أنَّ هُناكَ ألفين وخمسمئة نَوع مِنَ النَّمل؟ وَأنَّ مُستعمرةَ نَمْلٍ واحِدَة تَحوي أكثر مِن مِئة مَليون نَملة؟ وَهل تَعلمونَ أنَّ هُناكَ نَحوَ خَمسة مِليارات طَيْر في أمريكا؟ وَأنَّ بَعضا مِنها يَستطيعُ أن يَطيرَ 500 ميل فَوقَ خَليجِ المَكسيك؟ وَهل تَعلمونَ أنَّ البَطَّ البَرِّيَّ يَستطيعُ أن يَطيرَ بسُرعة 60 ميلاً في السَّاعة، وَأنَّ النُّسورَ تَستطيعُ أن تَطيرَ بسُرعة 100 ميل في السَّاعة، وَأنَّ الصَّقْرَ يَستطيعُ أن يَنقَضَّ على فَريسَتِهِ بسُرعة 180 ميل في السَّاعة؟ وأنا أعلمُ أنَّكُم لا تَعرِفونَ أنَّ سَمَكة القُدّ (codfish) تَستطيعُ أن تَضَعَ تسعة ملايين بيضة؛ ولكِنَّها تَستطيع!

وَقُطْرُ الأرضِ يَبلُغ نَحو 25000 ميل. وَهِيَ تَزِنُ نَحوَ 6 سيبتليون و 588 سيكستيليون طُنّ. وَهِيَ مُعَلَّقَة في الفَضاء وتَدورُ بسُرعة ألف ميل في السَّاعة بدِقَّةٍ مُتناهيةٍ حَتَّى إنَّ الوقتَ يَبقى دَقيقًا جدًّا حتَّى أجزاءِ الثَّانية. وفي الوقتِ نَفسِهِ فإنَّها تَدورُ في الفَضاءِ حَولَ الشَّمسِ في مَدارٍ قُطرُهُ 580 ميل وبُسرعة ألف ميل في الدَّقيقة.

وَهَل تَعلمونَ أنَّ طُولَ رَأسِ المُذَنَّبِ قد يَتراوَحُ مَا بين عشرة آلاف ميل ومَليون ميل، وَأنَّ طُولَ ذَنَبِهِ قد يَصِلُ إلى مِئةِ مَليون مِيل، وَأنَّهُ يُسافِرُ بسُرعة 350 ميل في الثَّانية؟ والآن، مِن أينَ تَأتي القُوَّةُ لهذا كُلِّه؟ وبالمُناسَبة، لقد سَافَرَ مُذَنَّب هَالي دُونَ تَوَقُّفٍ لتَعبئةِ الوُقودِ 76 سَنة.

فَكِّروا في القلبِ البَشريّ. فَحَجمُهُ قَريبٌ مِن قَبْضَةِ يَدِك، وَيَزِنُ أقلَّ مِن أوقِيَّة. وقَلبُكَ يَضُخُّ 1800 غالون مِنَ الدَّمِ يَوميًّا. وقَلبُكَ يَعمَلُ كُلَّ اثنتيّ عشرةَ ساعة عَمَلاً يَكفي لِرفعِ 65 طُنًّا بُوصةً واحِدَةً عنِ الأرض.

فَكِّروا في الشَّمس. فالشَّمسُ تَستهلِكُ أربعةَ مَلايين طُنٍّ مِنَ الوُقودِ في الثَّانية. وإنِ استطعتُم أن تُحَوِّلوا طَاقةَ الشَّمسِ إلى قُدرةٍ بالحِصان، ستَحصُلونَ على 500 مَليون مَليون مِليار حِصان. وإنْ لم تَتَمَكَّنُوا مِنَ استيعابِ هذا الرَّقْم، تَخَيَّلوا مَليون ونِصف مَليون مِليار سَيَّارة كورفيت (Corvette) مُصْطَفَّة الواحِدَة تِلوَ الأخرى.

وَفَكِّروا في بُعدِنا عَنِ الشَّمس. فالمَسافةُ مِنَ الأرضِ إلى الشَّمس هِيَ 93 مَليون مِيل (كَما قُلت). وَإذا انتقلَ نُورُ الشَّمسِ بسُرعة 186 ألف ميل في الثَّانية فإنَّهُ يَحتاجُ إلى ثَمانية دقائق ونِصف للوُصولِ إلى هُنا. وسُرعةُ الضَّوْء هي 186 ألف مِيل في الثَّانية. فإن أخذتُم تِلكَ السُّرعة وهي 186 ألف ميل في الثَّانية وضَربتُموها في سِتِّينَ ثانيةً في الدَّقيقة، وفي سِتِّينَ دَقيقةً في السَّاعَة، وفي أربعٍ وعِشرينَ ساعةً في اليوم، وفي 365 يَومًا في السَّنة، فإنَّ ذلكَ الضَّوْء يَنتقل مَسافةً تَزيدُ عن 6 تريليون ميل في السَّنةِ الواحِدَة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، إذا أردتَ أن تُسافِرَ عَبْرَ مَجَرَّتِنا، أيْ مَجَرَّةِ دَرْبِ اللَّبَّانة، حيثُ يُوجَدُ نِظامُنا الشَّمسيُّ، بسُرعةِ 186 ألف ميل في الثَّانية، وقَطعتَ مَسافةَ 6 تريليون ميل في السَّنة، ستَحتاجُ إلى 125 ألف سَنة لعُبورِ مَجَرَّتِنا. وَمَجَرَّتُنا هِيَ واحِدَة مِن مَلايينِ المَجَرَّات. والآن، إنْ صَرَخْتُم: "ارْحَمْنا"، سَأتوقَّف.

والآن، فَكِّروا في مِقدارِ صُغْرِنا. فالذَّرَّاتُ غيرُ مَرئيَّة. صَحيحٌ أنَّنا نَعلَمُ أنَّها مَوجودة، ولكِنْ حَتَّى يَومِنا هذا، لم يَتمكَّن أحدٌ مِن رُؤيةِ ذَرَّة. فَهِيَ صَغيرةٌ جدًّا حَتَّى إنَّ الأمرَ يَحتاجُ إلى ثَلاثِ ذَرَّاتٍ لِصُنْعِ جُزيءٍ واحِدٍ مِنَ المَاء. وإنْ أخذتُم كُلَّ جُزيءَ مَاءٍ يُوجَدُ في قَطرةِ مَاءٍ واحِدَة وَنَفختُموهُ بحيث يَصيرُ كُلُّ جُزيءٍ بِحَجْمِ حَبَّةِ رَمْل، ستحصُلونَ على حُبيباتِ رَمْلٍ تَكفي لِرَصْفِ طَريقٍ على ارتفاعِ قَدَمٍ واحِدٍ، وعَرْضِ نِصْفِ مِيل لمسافةٍ تَمتدُّ مِن لوس أنجليس إلى نيويورك.

ولكِنْ هل تَعلمونَ أنَّ الذَّرَّةَ في مُعظَمِها فَراغ؟ فالمادَّةُ الفِعليَّةُ – وَهَذا أمرٌ يُدهِشُني – فالمادَّةُ الفِعليَّةُ في الذَّرَّةِ تَشْغَلُ ما نِسْبَتُهُ واحِد على تريليون مِن حَجمِ الذَّرَّة. والحَجْمُ الباقي هُوَ مَداراتٌ صَغيرةٌ وَحَسْب. فَكُلُّ شَيءٍ هُوَ في الحَقيقةِ فَراغ. فمثلاً، إذا ضُغِطَ الفَراغُ المَوجودُ في الإنسانِ العَادِيِّ كَمِ المِساحَةُ الَّتي سَيَشْغَلُها في اعتقادِكُم؟ فإذا أخذتُم شَخصًا طُولُهُ 180 سنتمترًا، وَحَسَبْتُمْ كُتْلَتَهُ كُلَّها، وَضَغَطْتُم ذلكَ الحَجْمَ، يُمكِنُكم أن تَضَعوهُ على رأسِ دَبُّوسٍ لأنَّهُ سَيَشغَلُ مِساحَةَ واحِد على مِئة مَليون مِنَ البُوصةِ المُكَعَّبة. لِذا، لا تُجادِلوا شَخصًا يَقولُ لَكُم إنَّكُم لا شَيء.

ولكِن هَل تُريدونَ أن تَسمَعُوا شَيئًا مُدهشًا؟ إنَّ ذلكَ الواحِد على مِئة مَليون مِنَ البُوصَةِ المُكَعَّبة سَيَكونُ ثَقيلاً جدًّا حَتَّى إنَّ وَزْنَ البُوصةِ المُكَعَّبَةِ الكَامِلَةِ مِن ذلكَ الشَّيءِ سيَكونُ 454 مَليون كيلوغرام أو أكثر! وَهذا أمرٌ يَصعُبُ تَصديقُه!

اسمَعوني! إنْ قالَ اللهُ إنَّهُ ظَاهِرٌ في خَليقَتِه فإنَّهُ ظَاهِرٌ في خَليقَتِه. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا قُوَّتَهُ السَّرمديَّة. ويُمكنكم أن تَرَوْا الطَّبيعةَ الإلهيَّةَ لله. ويُمكنكم أن تَنظُروا إلى الخَليقةِ على غِرارِ الكَنعانِيِّينَ أوِ الفِلسطينيِّينَ أوِ المِصريِّينَ أو أيِّ شَخصٍ يَعيشُ في أيَّة فَترة مِنَ التَّاريخِ حَتَّى يَومِنا هذا، وَأنْ يَرى اللهَ على حَقيقَتِه. فَلا بُدَّ مِن وُجودِ عِلَّةٍ وَراءِ كُلِّ هذه الأشياء. وَلا بُدَّ مِن وُجودِ خَالِقٍ لكُلِّ هذا النِّظام.

فعندما يُخبرُني أَحَدُهُم أنَّ الكَونَ وُجِدَ وَحَسْب فإنَّ ذلكَ لا يَختَلِفُ في شَيء عَن تَفكيكِ سَاعَةِ يَدِكَ، وَوَضْعِ كُلِّ الأجزاءِ في جَيبِكَ، والجُلوسِ، وَهَزِّ بِنْطالِكَ بانتظارِ سَماعِ دَقَّاتِ السَّاعَة! فهذا أمرٌ سَخيفٌ جدًّا. فالنِّظامُ الكَونِيُّ يُشيرُ إلى وُجودِ خَالِق. لِذا فإنَّكُم تَعرِفونَ مَن هُوَ الله. وَإنْ كُنتَ تَعرِفُ مَن هُوَ الله فإنَّكَ تَعرِفُ أنَّهُ قَوِيٌّ، وَتَعرِفُ لاهُوتَهُ.

لِذا فإنَّ نِهايةَ العَدد 20 تَقولُ إنَّ البَشَرَ "بِلا عُذْر". فَكُلُّ إنسانٍ يَعيشُ على سَطحِ هذهِ الأرض يَختَبِرُ اللهَ، وحِكمَتَه، وقُدرَتَهُ، وسَخاءَهُ في كُلِّ لَحظةٍ مِن وُجودِهِ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ قَد لا يَعتَرِفونَ بوجودِه. ولكِنَّهُ مَوجودٌ. وَهُوَ الَّذي حَدَّدَ مُسْبَقًا حُدودَ أوطانِهم، وَهُوَ الَّذي يُعيلُهم، وَهُوَ الَّذي يُغنيهم، وَهُوَ الَّذي بَذلَ نَفسَهُ لأجلِهم. لِذا فإنَّهُم يَعرِفونَهُ مِن خِلالِ حَواسِّهم. وَهَذا يَجعلُهم بِلا عُذْر.

وَكما يَقولُ العهدُ القديم: "مَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى الْجُهَّالُ، لاَ يَضِلُّ". أجل! فالإعلانُ العامُّ هُوَ أساسُ كُلِّ دَينونَة. الإعلانُ العَامُّ هُوَ أساسُ كُلِّ دَينونَة. فالبَشَرُ لَديهم الفُرصةُ لمعرفةِ اللهِ لأنَّ اللهَ ظَاهِرٌ في كُلِّ مَكان.

هذهِ هِيَ النُّقطةُ الأولى وَحَسْب مِنَ النِّقاطِ الأربَع؛ ولكِنَّ وَقتي قَدِ انتَهى. ومَا تَزالُ هُناكَ أمورٌ كثيرةٌ رائعةٌ في انتظارِنا. دَعونا نُصَلِّي معًا:

فيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم، أريدُ أن أقولَ مُلاحَظَةً. اسمَعوني: إنْ كَانَ اللهُ يَدينُ فإنَّهُ يَدينُ بِعَدْلٍ وإنصافٍ لأنَّ الإنسانَ بِلا عُذْر. وَهَذا يَعني أنَّكَ بِلا عُذرٍ إنْ كُنتَ تَعرِفُ الإنجيلَ وَاسْمَ ابنِ اللهِ؛ أيِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ". فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّ الطَّريقَ إلى اللهِ يَمُرُّ مِن خِلالِ المَسيح. وَهُوَ يُقَدِّمُ لَكَ تِلكَ الفُرصَة.

إنْ كُنتَ مَعَنا في هذا المَساء ولا تَعرِفُ المَسيحَ، افتَح قَلبَكَ، واعتَرِف بِهِ رَبًّا، وآمِن بالإنجيلِ أوِ الخَبَرِ السَّارِّ بأنَّهُ جَاءَ إلى العَالَمِ وَعاشَ وَماتَ وَقامَ ثَانيةً مِن أجلِ خَطاياك، وادخُل إلى حَياةِ اللهِ، وابتَعِد عن غَضَبِ الله.

يا أبانا، أُصَلِّي الآنَ مِن أجلِ أيِّ شخصٍ يَجلِسُ بَينَنا ولا يَعرِفُ المَسيح. لَيتَ هَذا المَساء يَكونُ مَساءَ فِدائِهم وَخَلاصِهم. وبالنِّسبةِ إلينا نَحنُ المَسيحيِّين، نَشكُرُكَ لأنَّكَ تُؤكِّدُ مَرَّةً أخرى في قُلوبِنا أنَّ حَقيقةَ قُوَّتِكَ وطَبيعَتِكَ الإلهيَّة ظَاهِرَة تَمامًا لنا في العالَمِ المَخلوق.

يا رَبّ، لَيتَنا نَقِفُ ونُدافِعُ عَنكَ بجُرأةٍ في عَالَمِ المُشَكِّكينَ الَّذينَ يَعرِفونَ ولكِنَّهُم يَحجِزونَ مِنْ خِلالِ حُبِّهم لِخَطيَّتِهم الحَقَّ. يا أبانا، اخترِقْ قُلوبَ بَعضٍ مِنَّا في هذا المَساء. نُصَلِّي هذا باسمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize