Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَنظُر معًا في هذا المَساء إلى الأصحاحِ الأوَّلِ مِن رِسالةِ رُومية. رِسالة رُومية والأصحاح الأوَّل. وسوفَ نَتأمَّل مَرَّةً أخرى في الأعداد مِن 19 إلى 23.

أنا أشعُرُ باهتمامٍ شَديدٍ بهذا المَقطَع. فَهُناكَ اهتمامٌ بَالِغُ في قَلبي في سَبْرِ كُلِّ أعماقِ الحَقِّ الَّذي أَوْدَعَهُ اللهُ في هذا النَّصِّ المُهِمِّ تَحديدًا. ويُمكنُني القولُ أيضًا مِن خِلالِ تَجاوُبِكُم أنَّكُم مُتَحَمِّسونَ مِثلي بِخُصوصِ مَا تَتَعَلَّمونَهُ.

نَحنُ نَتأمَّلُ في الأعداد مِن 18 إلى 23. فَبُولُسُ يُقَدِّمُ إنجيلَ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ بجُملةٍ مُباشِرَةٍ عن غَضبِ الله. وهذهِ هِيَ النُّقطةُ الَّتي يَنبغي أن يَبتَدِئَ مِنها الخَبَرُ السَّارّ. فَينبَغي أن يَبتَدِئَ بالخَبَرِ السَّيِّءِ أوَّلاً. فَلنُذَكِّر أنفُسَنا بهذهِ الآياتِ مِن خِلالِ مُتابَعتي فيما أَقرأُ على مَسامِعِكُم ابتداءً مِنَ العَدد 18:

"لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".

هَكَذا يَبتَدِئُ بُولسُ رِسالةَ بِشارةِ يَسوعَ المَسيح. فَغضبُ اللهِ مُعلَنٌ على كُلِّ فُجور. وأعتقدُ أنَّ بُولُسَ يَأخُذُ فِكرَةَ تَقديمِ الجَانِبِ السَّلبيِّ مِنَ الخَبَرِ السَّارِّ مِنَ الرَّبِّ نَفسِه. فَرَبُّنا قَالَ عنِ الدَّينونَةِ، وعنِ الهَلاكِ، وعنِ اللَّعنةِ، وعن جَهَنَّمَ أكثرَ مِن أيِّ شَخصٍ آخر مُدَوَّن في الكتابِ المقدَّس.

وإذا كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّهُ مِن غَيرِ المَألوفِ أن تَبتَدِئَ هذهِ الرِّسالةُ العَظيمةُ عَنِ الخَلاصِ بهذهِ الجُملةِ عَنِ الدَّينونةِ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ إلى أنَّكُم لم تُفَكِّرُوا مَلِيًّا في افتِتاحِيَّةِ كُلِّ العهدِ الجديد. فعندما تَفتَحونَ العهدَ الجديدَ، تَفتَحونَ أوَّلاً على إنجيلِ مَتَّى. وأريدُ مِنكُم أن تَفتَحُوا قَليلاً عليهِ، وأريدُ أن أُمَهِّدَ لأفكارِنا بِجَولةٍ سَريعةٍ في إنجيلِ مَتَّى. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا التَّركيزَ المُتَكَرِّر مِنْ رَبِّنا في هذا الإنجيل. وَتَذَكَّروا أنَّ هذا الإنجيلَ هُوَ التَّمهيد. فَهُوَ أوَّلُ سِفْرٍ في العهدِ الجديد.

فَسوفَ تَقرأونَ على سَبيلِ المِثالِ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ السَّابع: "فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟" وفي العَددِ الحَادي عَشَر، يَقولُ يُوحَنَّا... أيْ يُوحَنَّا المَعمَدان: "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ".

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 5: 22: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ [والرَّبُّ هُوَ المُتَكَلِّمُ الآن] عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ".

العَدد 29: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".

إنجيل مَتَّى 7: 22: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!"

إنجيل مَتَّى 8: 12: "وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". ونَقرأُ في الأصحاحِ العاشِرِ والعَدد 15: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَة". وفي العَدد 28: "وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ".

وفي إنجيل مَتَّى 12: 36 يُتابِعُ الرَّبُّ كَلامَهُ قَائِلاً: "وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّين".

وَفي العَدد 41: "رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا!" وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ الرَّبَّ يَتحدَّثُ في هذا المَقطعِ عن دَينونَةٍ مُشابِهَة.

ونَقرأُ في الأصحاح 13 والعَدد 40: "فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان".

ونَقرأُ في العَدد 49: "هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ".

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 16: 26: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟"

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 18: 34: "وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ [فالكلمةُ اليُونانيَّةُ المُستخدَمَةُ هُنا تَعني ’مُعَذِّبين‘] حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْه". وهذهِ صُورةٌ عَنِ الدَّينونَة.

وفي الأصحاحِ الثَّاني والعِشرين، نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعِشرين مَثَلَ وَليمَةِ العُرْس [في العَددِ السَّابِع]: "فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولئِكَ الْقَاتِلِينَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ". وَنَقرأُ في العَدد 13: "حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". فاللهُ يُرَى بأنَّهُ مَلِكٌ دَيَّان.

وَفي إنجيل مَتَّى 23: 33 قَالَ رَبُّنا: "أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، لِكَيْ يَأتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ!"

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 24: 50: "يَأتِي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ [وَهُوَ يَرمِزُ مَرَّةً أخرى إلى الله] فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا، فَيُقَطِّعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْمُرَائِينَ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان".

وأخيرًا، نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 25: 26 [في مَثَلٍ آخَرَ أيضًا]: "فَأَجَابَ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ وَالْكَسْلاَنُ، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ أَزْرَعْ، وَأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُرْ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ، فَعِنْدَ مَجِيئِي كُنْتُ آخُذُ الَّذِي لِي مَعَ رِبًا. فَخُذُوا مِنْهُ الْوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِلَّذِي لَهُ الْعَشْرُ وَزَنَاتٍ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ. وَالْعَبْدُ الْبَطَّالُ اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان".

وَهَذا يَكفي لِتوصيلِ الفِكرة. أليسَ كذلك؟ والآن، مَا النُّقطةُ الَّتي أحاولُ تَوضيحَها؟ اسمَعوني جَيِّدًا: أريدُ مِنكُم أن تَفهَموا أنَّهُ لا يُوَجد مَكْرٌ في قَلبِ رَبِّنا في إعطاءِ رِسالةِ العهدِ الجديد. فَمِنَ الواضِحِ مُنذُ البِدايةِ أنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ دَينونَة، وَأنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ غَضَب، وَأنَّ اللهَ إلَهٌ يُعاقِبُ الخَطيَّة. وفي أغلبِ الأحيانِ، تَمَّ النُّطْقُ بِتلكَ الرِّسالةِ مِن قِبَلِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ شَخصيًّا.

وبالمُناسَبة، هَكذا يَنتهي العهدُ الجديدُ أيضًا. فَهُوَ يَنتَهي كَما ابتَدأ: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ. أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ. طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَدْخُلُوا مِنَ الأَبْوَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ كَذِبًا".

"لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَاب".

اسمَعوني: إنَّ العهدَ الجديدَ يَبتَدِئُ بِتَحذيراتٍ مِنَ الدَّينونَة. وَهُوَ يَنْتَهي بِنَفسِ الطَّريقَة. لِذا، لا يَجوزُ لَنا أنْ نَتَعَجَّبُ في أثناءِ تَأمُّلِنا في رِسالةِ رُومية حينَ نَجِدُ أنَّ الرَّسولَ بُولُسَ يَبتَدِئُ تَقديمَهُ للإنجيل بِجُملةٍ يُحَذِّرُ فيها النَّاسَ مِن غَضَبِ الله. والتَّحذيرُ يَبتَدِئُ مِن هذهِ النُّقطَةِ في العَدد 18 حِيْنَ يَبتَدِئُ في تَفصيلِ رِسالَتِه. فَهُوَ يُمَهِّدُ لِذلكَ بِسَبْعِ عَشْرةَ آية ثُمَّ يَبتدئُ بجُملةٍ عن غَضَبِ الله.

وقدِ ابتدأنا بدراسةِ هذا المَقطعِ وطَرَحْنا على أنفُسِنا ذلكَ السُّؤالَ الَّذي يُطرَحُ غَالِبًا: هَلِ الله عَادِل؟ هَل هُوَ مُنْصِفٌ في دَينونَتِهِ تِلك؟ هَل هُوَ على صَوابٍ في سَكْبِ هَذا الغَضَب وَهَذِهِ النَّقمَة؟ وَالجَوابَ يَأتي في الأعداد مِن 19 إلى 23. لِذا فإنَّهُ مَقطَعٌ مُهِمٌّ جدًّا لأنَّ النَّاسَ يَنتَقِدونَ في أغلبِ الأوقاتِ إلَهَ الكتابِ المقدَّسِ بالقَولِ إنَّهُ ظَالِمٌ، وجَبَّارٌ، ودَيَّانٌ، وقَاسٍ! فكيفَ يُعقَلُ أن يَكونَ اللهُ إلَهَ مَحَبَّةٍ وَأنْ يُرسِلَ النَّاسَ إلى جَهنَّم؟ وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، مُنذُ البِداية، يَتحدَّثُ بُولُسُ عَن غَضَبِ اللهِ ثُمَّ يُدافِعُ عَن حَقِّهِ في التَّصرُّفِ بِتلكَ الطَّريقَة.

والآن، نَحنُ نَنظُرُ في الأعداد مِن 19 إلى 23 إلى أسبابِ غَضبِ الله. فَهُناكَ مَجموعَةٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي يَذكُرُها بُولُسُ تَنسَجِمُ أيضًا مَعَ انحِدارِ الإنسانِ وسُقوطِه. ومُنذُ البِدايَة، ذَكَرْتُ أنَّ هُناكَ أربعةَ أسبابٍ رَئيسيَّة تُرينا أنَّ غَضَبَ اللهِ مُبَرَّرٌ، وعَادِلٌ، وصَحيح. وَهِيَ تَنسَجِمُ تَمامًا مَعَ انحِدارِ الإنسان.

السَّببُ الأوَّلُ أَسْمَيْناهُ "الإعلان". وقد رأينا في العَدَدَيْن 19 و20 أنَّ اللهَ مُحِقٌّ في أنْ يَغضَبَ لأنَّ "مَعْرِفَة اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ". فَمِن خِلالِ الأشياءِ الَّتي لا تُرَى بخصوصِ طَبيعَتِهِ، والَّتي لا يُمكِنُ للبشرِ أن يَرَوْها، مَا تَزالُ هُناكَ مَسؤوليَّة لأنَّ اللهَ أعلَنَ نَفسَهُ مِن خِلالِ عَالَمِهِ المَخلوق. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ العَددُ العِشرون. فَمِن خِلالِ الأشياءِ المَخلوقَةِ، يعْلِنُ اللهُ عَن ذَاتِه. لِذا فإنَّ البَشَرَ بِلا عُذْر.

لِذا فإنَّ السَّببَ الأوَّلَ في أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُنْزِلَ دَينونَتَهُ على الإنسانِ هُوَ أنَّ البَشَرَ عَرَفُوا الحَقَّ المُختصَّ بالله. وَكما قُلنا، إنْ عَاشُوا وَفْقًا للنُّورِ الَّذي أعطاهُمُ اللهُ إيَّاه فإنَّهُ سيُعطيهم نُورًا أعظَم. فاللهُ مُعلَنٌ في خَليقَتِه. وأودُّ أن أُذَكِّرَكُم بمَقطَعَيْنِ مُقارَنَيْن: الأوَّلُ وَرَدَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 14: 15 إذْ يَقولُ بُولُس: "نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيلِ"؛ أيْ مِنَ الآلِهَةِ الزَّائِفَة. "إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، الَّذِي... لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ [كَما يَقولُ بُولُس] بِلاَ شَاهِدٍ، وَهُوَ يَفْعَلُ خَيْرًا: يُعْطِينَا مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَارًا وَأَزْمِنَةً مُثْمِرَةً، وَيَمْلأُ قُلُوبَنَا طَعَامًا وَسُرُورًا". بِعبارةٍ أخرى، إلَهُ الخَليقَةِ أَظْهَرَ طَبيعَتَهُ. وتِلكَ الطَّبيعَة يُمكِنُ أن تُرَى في عَالَمِهِ المَخلوق.

ثُمَّ نَجِدُ في الأصحاحِ السَّابع عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل مَقطعًا مُساويًا لَهُ في الأهميَّة. ففي العَدد 23، يَرى بُولُسُ نَقْشًا مُحَدَّدًا على صَنَمٍ يَقول: "لإِلهٍ مَجْهُول". وَقد قَرَّرَ أن يُخبِرَهُم مَن هُوَ ذلكَ الإلَه. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ ذلكَ الإلَهَ هُوَ اللهُ الحَقيقيُّ... اللهُ الحَقيقيّ. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 24: "رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْض". ثُمَّ يَقولُ في العَدد 27: "إنِ التَمَسْتُموهُ تَجِدونَهُ لأَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ".

لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ يُخبرُنا أنَّ اللهَ مُعلَنٌ في خَليقَتِه. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَقولُ في إنجيل يُوحَنَّا 1: 9 إنَّ المَسيحَ هُوَ "النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَان". فاللهُ أعلَنَ نَفسَهُ في نِظامِهِ المَخلوقِ لكُلِّ إنسان. لِذا فإنَّ الإنسانَ مَسؤولٌ عن إعلانِ الحَقِّ الإلهِيّ.

والآن، إنْ قَبِلَ النَّاسُ... وَأريدُ مِنكُم أن تَفهَمُوا هَذا... إنْ قَبِلَ النَّاسُ النُّورَ الَّذي أُعْطِيَ لَهُم، وَأقَرُّوا بِذلكَ النُّور، وَصَدَّقُوا ذلكَ النُّور، أنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ سيُعطيهِم مَزيدًا مِنَ النُّورِ لكي يَعرِفوا المَسيح. وَمِنَ المُهِمِّ في هذهِ النُّقطةِ أن نَقولَ مَا يَلي: لاَ يُوجَد شَخصٌ واحِدٌ نَالَ الخَلاصَ مِن دُونِ الإيمانِ بيسوعَ المَسيح. فمنذُ إكمالِ عَمَلِ المَسيحِ على الصَّليبِ والقَبرِ الفَارِغ، لم يَخلُص أيُّ شَخصٍ مِن دُونِ المَسيح. "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ [مَاذا؟] الْخَلاَص". فالخَلاصُ هُوَ فقط باسْمِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. لِذا، يَجِبُ علينا أن نَكرِزَ للنَّاسِ باسْمِ المَسيح.

وَقَد تَقول: "وَماذا عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ في مَكانٍ نَاءٍ؟" إنْ عَاشُوا بِحَسَبِ النُّورِ المُعطَى لَهُم، أنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ سَيَسمَح لَهُم بأن يَسمَعُوا الرِّسالةَ وبأنْ يَخلَصُوا. وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ، بِلا شَكٍّ، بِمُقتَضَى سِيادَتِهِ، وتَعيينِه السَّابِقِ، ونِعمَتِهِ فيما يَصِلُ إلى النَّاسِ لِتَقديمِ الفِداءِ لَهُم. فَهُوَ سَيَجذِبُ المُختارينَ إليهِ، وسَيُعطيهم امتيازَ سَماعِ الإنجيل.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ المَأموريَّةَ العُظمَة تُوصينا بأن نَذهبَ ونَكرِزَ ونُتَلمِذَ أُناسًا مِن كُلِّ أُمَّة: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا". وَهَذا يَفتَرِضُ أنَّهُم سَيَسمَعونَ إنجيلَ المَسيح. فالنَّاسُ يُدانونَ ويَذهَبونَ إلى جَهنَّمَ لا لأنَّهُم لم يَعيشوا بِحَسَبِ النُّورِ المُعطَى لَهُم، بَل لأنَّهُم رَفَضُوا المَسيح. هَذا هُوَ ما يَقولُهُ الأصحاح 16 مِن إنجيل يُوحَنَّا. فالرُّوحَ جَاءَ إلى العَالَمِ لكي يُبَكِّتَ العالَمَ لأنَّهُم لم يُؤمِنوا بِيَسوعَ المسيح. وَهذهِ هِيَ الخَطيَّةُ الرَّئيسيَّة. لِذا، يَنبغي أن يَسمَعُوا عَنِ المَسيح. ولكنِّي أُوْمِنُ بأنَّهم إنْ عَاشُوا بِحَسَبِ النُّورِ المُعطَى لَهُم بِنِعمَةِ اللهِ الرَّائِعَةِ وسِيادَتِهِ فإنَّ اللهَ سيَجعلُهم يَسمعونَ عنِ المَسيحِ مِن خِلالِ أحدِ المُرسَلينَ أو مِن خِلالِ كِتاب.

لِذا، يُمْكِنُ للنَّاسِ الَّذينَ يَتساءَلونَ دائِمًا عَنِ الوَثنيِّينَ أنْ يَجِدوا الجَوابَ عَن سُؤالِهم في شَخصِ اللهِ، وطَبيعَتِهِ، وقُوَّتِه. فَهُوَ ليسَ مَحدودًا. وَهُوَ عَادِلٌ ورَحيمٌ. وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ سُلطان. لِذا، أيًّا كَانَ الشَّخصُ الَّذي يَجذِبُهُ، وَأيًّا كَانَ الشَّخصُ الَّذي يَدعوهُ فإنَّهُ سيَسمَحُ لَهُ أنْ يَسمَعَ الرِّسالة.

ولكِنْ أَوَدُّ أن أُضيفَ مَا يَلي: لا تُفَكِّرُوا أنَّهُ إنْ لم يَخلُصُ النَّاسُ فإنَّ اللهَ غَيرُ عَادِل. فَإنْ طَبَّقَ اللهُ عَدالَتَهُ فَقَط لَن يَخلُصَ أَحَد لأنَّهُ لا يُوجَد شَخصٌ واحِدٌ مِنَّا يَستحقُّ ذلك. لِذا، لا يَجوزُ لَنا أن نَنظُرَ إلى صَلاحِ الإنسانِ كَما لو أنَّ تِلكَ هِيَ النُّقطة الجَوهريَّة، بَل يَنبغي لنا أن نَنظُرَ إلى رَحمةِ الله. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هُناكَ نُورًا كَافِيًا لكُلِّ إنسان. وإنْ عَاشَ الإنسانُ بِحَسَبِ ذلكَ النُّور فإنَّ اللهَ سيَعملُ على تَوصيلِ الرِّسالةِ إليهم بِقوَّتِهِ وسِيادَتِه. "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ..." [كَما قَالَ يَسوعُ] "...فَإِلَيَّ [ماذا؟] يُقْبِلُ... لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا".

إذًا، نَرى في العَدَدَيْن 19 و 20 أنَّ السَّببَ الأوَّلَ في أنَّ الدَّينونَةَ مُبَرَّرةٌ هُوَ أنَّ النَّاسَ حَصَلُوا على الإعلان. أمَّا السَّببُ الثَّاني فَهُوَ الرَّفْض. فَقد حَادَ النَّاسُ عن ذلكَ الإعلان. فالعَدد 21 يَقولُ ذلك: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ". فَقد حَادُوا عَنهُ.

"لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ" – وكيفَ عَرَفُوا اللهَ؟ وَفقًا للعَدَدَيْن 19 و 20، لَقَد عَرَفوا اللهَ لأنَّهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ العالَمَ وكُلَّ مَا فيه. لِذا فقد أَعلَنَ طَبيعَتَهُ في خَليقَتِه. فَقد كَانُوا بِلا عُذْرٍ. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فَقد حَادُوا عَنه. وَما هُوَ المِفتاح: "لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِلهٍ". فَقد رَفَضُوا أن يُمَجِّدُوا الله. وَقد تَحَدَّثنا عَن ذلكَ بِشيءٍ مِنَ التَّفصيلِ في المَرَّةِ السَّابقة؛ لِذا، لَن نُعيدَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. ولكِنَّ هَذا هُوَ التَّعريفَ الرَّئيسيَّ لِرفضِ الإنسان. فَهُم لم يُمَجِّدُوا الله.

وَهَذِهِ هِيَ النُّقطةُ الجَوهريَّة. فالبَشَرُ لا يَتجاوَبونَ مَعَ الله. لِذا، لا يَنبغي أنْ نُدهشَ كثيرًا حينَ نَقرأُ أنَّهُ عندما جَاءَ المَسيحُ إلى العَالَمِ بِصِفَتِهِ اللهَ الظَّاهِر في الجَسَد فإنَّهُم لم يَتجاوَبُوا مَعَهُ أيضًا، بَل رَفَضُوا أن يُمَجِّدُوا المَسيح. فالحَالُ هَكذا مَعَ الإنسانِ السَّاقِط. فَهُوَ يَرفُضُ أن يُمَجِّدَ الله. والحقيقةُ هِيَ أنَّ السَّببَ هُوَ الكِبرياء. فَهُوَ يَسعَى فَقَط إلى تَمجيدِ نَفسِه.

والآن، لَقد تَحَدَّثنا بِشيءٍ مِنَ التَّفصيلِ في المَرَّةِ السَّابقةِ عن مُحاولاتِ اللهِ لِجعلِ البَشرِ يُمَجِّدونَه. وَقد قُلتُ لِنفسي: رُبَّما كانَت هُناكَ أسئلةٌ في أذهانِ النَّاسِ بخصوصِ مَعنى تَمجيدِ اللهِ، وإجلالِه، إلخ، إلخ. ولكِن مِنَ النَّاحيةِ العَمليَّةِ، لِنَفترِض أنَّنا مُؤمِنونَ وَأنَّنا نَقول: "ولكِنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ. فَنحنُ لَسْنَا مِثلَ هؤلاءِ النَّاسِ المَذكورينَ في رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فَنحنُ على عَكسِهم. فَنحنُ عَاكِفونَ على تَمجيدِ الله". الحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَتوقُ إلى القِيامِ بذلك.

ولكِن مَا الَّذي نَفعلُهُ مِن أجلِ القِيامِ بذلك؟ إنْ كُنَّا نَعرِفُ الأشياءَ الَّتي تُمَجِّدُ اللهَ، يُمكِنُنا أن نَعرِفَ الأشياءَ الَّتي لا تُمَجِّدُهُ. أليسَ كذلك؟ مِن خِلالِ المُفارَقَةِ بينَهُما. لِذا، مَا مَعنى أنْ نُمَجِّدَ الله؟ رَكِّزُوا مَعي فيما أُوَضِّحُ هذا الأمرَ لَكُم بِسُرعَة. لَقَد تَحَدَّثْتُ عَن هذا المَوضوعِ في سِلسِلَةٍ قَبلَ سَنواتٍ مَضَتْ، ولكِنَّهُ مَوضوعٌ مُهِمٌّ جدًّا، بَل رُبَّما كانَ أَهَمَّ مَوضوعٍ وَعَظْتُ عَنهُ. وَسوفَ أتحدَّثُ عَنهُ الآنَ في عُجالَة.

كيفَ يُمَجِّدُ البَشَرُ الله؟ كَيفَ نُمَجِّدُ أنا وأنتُم الله؟ أوَّلاً، بأن نَعتَرِفَ بِيَسوعَ رَبًّا. فالأمرُ يَبتدِئُ مِن هُنا. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ فِيلبِّي 2: 9: "لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ [استَمِعُوا] أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآب".

أوَّلاً، نَحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِن خِلالِ الاعترافِ بالمَسيحِ رَبًّا. فالأمرُ يَبتَدِئُ مِن هُنا. وَهَذا هُوَ بالتَّحديد مَا لا يَفعلُهُ العَالَم. فَهُم لا يَعترِفونَ بِرُبوبيَّةِ المَسيحِ كَما أنَّهُم لم يَكونوا يَعترِفونَ بِرُبوبيَّةِ اللهِ وسِيادَتِهِ في حِقْبَةِ العهدِ القديم. فَهُم يَرفُضونَ أن يَفعَلوا ذلك؛ أيْ أن يُمَجِّدوا اللهَ في العَهدِ القديمِ أوْ أن يُمَجِّدُوا المَسيحَ في العهدِ الجديد.

وَهُناكَ طَريقةٌ ثَانيةٌ نُمَجِّدُ مِن خِلالِها الله. فَنَحنُ نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نَعيشَ وَفْقًا لِذلكَ القَصْد. بِعبارةٍ أخرى فإنَّ هَدَفَ حَياتِنا بأسرِها مُوَجَّهٌ في ذلكَ الاتِّجاه. وَهَذا هُوَ المَعنى المَقصودُ تَمامًا مِمَّا جَاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 10: 31: "فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ..." – وَهُوَ يَنْتَقي أكثرَ شَيْئَيْنِ يَفعَلُهُما النَّاسُ عَادَةً، أو يَنتقي شَيئَيْنِ أساسِيَّيْنِ وَرَئيسِيَّيْنِ في الحَياة وَهُما الأكلُ والشُّرْب؛ وَهُما شَيئانِ طَبيعيَّانِ جدًّا وَلا صِلَةَ لَهُما بالدِّيْن. وَهُوَ يَقولُ حَتَّى إذا "كُنتُم تَأكُلونَ أو تَشرَبونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ [كَيف؟] لِمَجْدِ الله".

وَهَذا يَعني بِبساطَةٍ أنَّهُ أيًّا كَانتِ الأشياءُ الَّتي نَفعلُها في الحَياةِ، يَنبغي أن نَفعلُها بِطريقةٍ تُمَجِّدُ الله. ولكِن هَل هذهِ هِيَ الطَّريقةُ الَّتي يَعيشُ بِها النَّاسُ في عَالَمِنا؟ وَهَل هَذا هُوَ مَا يُرَكِّزونَ عليه؟ قَطْعًا لاَ. فَهُم لا يُبالونَ بذلكَ البَتَّة. وَهُم لا يَهتَمُّونَ البَتَّة في الأشياءِ الَّتي تُمَجِّدُ الله. ولكِنْ يَنبغي أن يَكونَ هَذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي نُرَكِّزُ عليهِ في حَياتِنا. بِعبارةٍ أخرى، يَنبغي لَنا أن نُرَكِّزَ على القِيامِ بِذلكَ بِغَضِّ النَّظر عَنِ الثَّمَن. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الرَّبَّ قَالَ لبُطرس: "سَوفَ تَموت". ويَقولُ الكاتِبُ يُوحَنَّا: "قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا" (في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 21). لِذا فقد كَانَ تَمجيدُ اللهِ بالنِّسبةِ إلى بُطرس يَعني المَوت، ويَعني أن يَكونَ مُستعِدًّا لِدَفْعِ أغلى ثَمَنٍ بأنْ يَبْذِلَ حَياتَهُ مِن أجلِ تَمجيدِ الله.

إذًا، كَيفَ نُمَجِّدُ اللهَ؟ أولاً، بأن نَعتَرِفَ بيسوعَ رَبًّا. ثانيًا، بأن نُرَكِّزَ حَياتَنا على ذلكَ الهَدَف بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ الثَّمنِ الَّذي سَنَدفَعُه. ثَالثًا، نَحنُ نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نَعتَرِفَ بِخطايانا.

فَنحنُ نَقرأُ في سِفْر يَشوع 7: 19 أنَّ يَشوعَ استَدعى عَخَانَ الَّذي سَرَقَ أشياءً مِن أريحا على الرَّغمِ مِن مَعرِفَتِهِ بأنَّهُ لا يَجوزُ لَهُ أن يَفعلَ ذلك. فَقد قَالَ اللهُ إنَّ ذلكَ مُحَرَّمٌ، ولكِنَّهُ سَرَقَ تِلكَ الأشياء. وَقد قَالَ لَهُ يَشوعُ... اسمَعُوا هَذا: "أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ، وَاعْتَرِفْ لَهُ [بِخطيئَتِك]". فالاعترافُ بالخطيَّةِ يُمَجِّدُ الله.

وَقَد تَقول: "وَكيفَ ذلك؟" اسمَعوني جَيِّدًا: لأنَّهُ عندما تُخطِئُ فإنَّ اللهَ يَتصرَّفُ تَصَرُّفًا مُقَدَّسًا. وعندما تُخطِئُ، هُناكَ تأديبٌ. ولكِن إنِ اعترفتَ بِخَطيئتِك فإنَّكَ تُؤكِّدُ حَقيقةَ أنَّكَ تَستَحِقُّ التَّأديبَ، وَلا تَتَّهِمُ اللهَ عِندما يُؤدِّبُكَ بأنَّهُ ظَالِم. وَكما تَرَوْنَ، عندما تُنكِرُ خَطيَّتَكَ فإنَّكَ تُنكِرُ أيضًا حَقَّ اللهِ في تَأديبِك. وبِهَذا فإنَّكَ تَطعَنُ في شَخصِهِ قَائِلاً إنَّهُ ظَالِم. لِذا فقد قالَ يَشوعُ لِعَخان: "اعترِف بِخَطيئِتك لأنَّكَ على وَشْكِ أن تَموت. وعندما تَموتُ أنتَ وَكُلَّ مَنْ تَوَرَّطَ مَعَكَ، نُريدُ أن يَكونَ مَعلومًا أنَّكَ قَدْ مُتَّ بِعَدْلٍ لأنَّكَ تَعَدَّيْتَ وَأخطأتَ طَوْعًا بِحَقِّ الله".

لِذا فإنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِن خِلالِ الاعترافِ بخطايانا. وَهَذا شَيءٌ لا يَفعلُهُ العَالَم. وَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى أنَّهُ مِن صِفاتِ الإنسانِ أن يَقولَ: "نَحنُ لم نُخطِئ"، وَأنْ نَجعلَ اللهَ مَاذا؟ كَاذِبًا. فالنَّاسُ لا يَعتَرِفُونَ بيسوعَ رَبًّا، ولا يُرَكِّزُونَ حَياتَهُم على تَمجيدِ اللهِ، ولا يَعترِفونَ بِخطاياهُم. وَهَذا كُلُّهُ مُعَبَّرٌ عَنهُ في الآيةِ الَّتي تَقولُ إنَّهُم "لَمْ يُمَجِّدوهُ...كَإلَه". فَهُم لا يُبالونَ بأنْ يَعيشُوا بِحَسَبِ شُروطِ الله.

رَابِعًا، نَحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِن خِلالِ اتِّكالِنا عَليه. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 4: 20: "وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ" - وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عن إبراهيم. "وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ". فعندما قَالَ اللهُ لَهُ: "سَوفَ تُنجِبُ طِفلاً"، وَكانَ هُوَ في سِنِّ المِئَة، وزوجَتُهُ سَارَة في سِنِّ التِّسعين، كانَ مِنَ السَّهلِ عَليه أن يَشُكَّ، ولكِنَّهُ "وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا لله".

وَهل تَعلمونَ مَا الَّذي يُمَجِّدُ اللهَ؟ عِندَما تُؤمِنُونَ بِه. أجل، عِندَما تُؤمِنونَ بِهِ. أيْ عندَما تُؤمِنونَ بِكلمتِه، وعندما تُؤمِنونَ بِما يَقولُه. فَغيرُ المُؤمِنينَ لا يُؤمِنونَ بذلك. وَهُمْ لا يُبالونَ بِما يَقولُهُ الله. وَهُم لا يُصَدِّقونَ الكتابَ المقدَّس. وَهُم لا يُصَدِّقونَ أنَّ اللهَ جَديرٌ بالثِّقَة. وَهُم لا يَستودِعونَهُ حَياتَهُم. وَهُم لا يَستودِعونَهُ مَصيرَهُم. وَهُم لا يُمَجِّدونَهُ. ولكِنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتدِئُ مِن هُنا.

وَنحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِن خِلالِ تَسبيحِه. وهذهِ نُقطةٌ أخرى. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 50: 23: "ذَابحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي". فَنحنُ نُمَجِّدُ اللهَ عندما نَحْمَدُهُ. ولكِنَّ غَيرَ المُؤمِنينَ لا يَفعلونَ ذلك.

وَهُناكَ شَيءٌ آخر: فَنَحنُ نُمَجِّدُ اللهِ عندما نُصَلِّي. فَنحنُ نَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 14: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْن" (إنجيل يوحنَّا 14: 13-14). فالصَّلاةُ تُعطينا فُرصَةً لِتَمجيدِ الله. والنَّاسُ لا يُصَلُّونَ لأنَّهُم لا يَطلُبونَ مَجْدَ الله. ونَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 4: 10-11: "وَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ... لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَن مَواهِبِ الخِدمَةِ وَمواهِبِ التَّكلُّم. اخدِمُوا الجَسَدَ لِمَجدِ الله. اخدِمُوا الكَنيسةَ +

.

ولكِنَّ البَشَرَ لا يُبالونَ بذلك. فَهُم لا يُبالونَ بأن يَخدِمَ أحَدُهُم الآخر، فَما بَالُكُم بِأن يَخدِموا الكَنيسة. وفي الآية 2تسالونيكي 3: 1، يَقولُ بُولُس إنَّهُ عندما يُعلِنُ الكلمةَ فإنَّ ذلكَ يُمَجِّدُ اللهَ. ولكِنَّ غَيرَ المُؤمِنينَ لا يَفعلونَ ذلك.

وَنَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ السَّادسِ أنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أن نَقتَرِنَ بِزانيةٍ أو مُومِس، بَل يَنبغي لَنا أن نَعتَني بأجسادِنا وأن نُعامِلَها بِقداسَةٍ لأنَّ جَسَدَنا هُوَ "هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُس". "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ... أَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ لله".

وَهَذا يَعني أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِن خِلالِ الطَّهارةِ الأخلاقيَّة. وَكَما تَرَوْنَ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ وَاضحٌ جِدًّا بشأنِ كَيفيَّةِ تَمجيدِ الله. فَأنتُم تُمَجِّدونَ اللهَ مِن خِلالِ الاعترافِ بالمَسيح رَبًّا، ومِن خِلالِ تَركيزِ حَياتِكُم على ذلكَ الهَدَف. وأنتُم تُمَجِّدونَ اللهَ مِن خلالِ اعترافِكُم بخطاياكُم، ومِن خِلالِ اتِّكالِكُم عَليه، ومِن خِلالِ تَسبيحِه، ومِن خِلالِ الصَّلاةِ إليهِ، ومِن خِلالِ خِدمةِ شَعبِه، ومِن خِلالِ إعلانِ كَلمَتِه، ومِن خِلالِ الطَّهارةِ الأخلاقيَّة. وفي رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية 4: 15، يُخبرُنا بُولُسُ أيضًا أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِن خِلالِ رِبْحِ النُّفوسِ ليسوعَ المَسيح. والعَالَمُ لا يُبالي بذلك. وَحَتَّى إنَّهُم لا يَعرِفونَ كيفَ يَفعلونَ ذلك.

وَنَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا 15: 8 أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ بِأنْ نَأتي بِثَمَرٍ كَثير؛ أيْ ثَمَرِ البِرّ. وَكما تَرَوْنَ، هَذا هُوَ الجَانِبُ الإيجابِيُّ. وَهَذا هُوَ مَعنى أن نُمَجِّدَ الله. ولكِنَّ الرَّافِضينَ في هَذا العَالَمِ لا يُبالونَ بذلك. فَهُم لا يُؤمِنونَ بيسوعَ المَسيح. وَهُم لا يَعترِفونَ بِهِ رَبًّا. وَهُم لا يُرَكِّزونَ حَياتَهُم على تَمجيدِ الله. وَهُم لا يَعترِفونَ بِذنبِهم أو بِخطاياهُم. وَهُم لا يَتَّكِلونَ على الله. وَهُم لا يَأتُونَ بِثَمَرٍ رُوحِيٍّ. وَهُم لا يُسَبِّحونَ اللهَ. وَهُم لا يُصَلُّون. وَهُم لا يَخدِمونَ شَعبَ الله. وَهُم لا يُبالونَ بالهَالِكينَ وَلا بالطَّهارةِ الأخلاقيَّة.

لِذا فإنَّهُم يَعيشونَ حَياةً مُعارِضَةً وَمُناقِضَةً لِكُلِّ مَا يُمَجِّدُ الله. فَهُم لا يَفعلونَ ذلك. وَهَذِهِ هِيَ سِمَةُ كُلِّ الجِنسِ البَشريِّ باستثناءِ أولئكَ الَّذينَ وُلِدُوا ثَانيةً: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ [مَاذا؟] مَجْدُ الله". فَهُم لا يَفعلونَ ذلكَ وَحَسْب. كَما أنَّهُم لا يَشْكُرونَهُ (كَما يَقولُ بُولُسُ في الأصحاحِ الأوَّل والعَدد 21). فَهُمْ لا يَشكُرونَهُ. فَما الَّذي يَجعَلُهم شَاكِرين؟ فَهُم لا يَرَوْنَ أنَّ اللهَ هُوَ مَصدَرُ كُلِّ شَيء. وَالجُحودُ هُوَ تَدنيسٌ وتَجديفٌ مُرعِبٌ على اسمِ اللهِ الَّذي يُعطينا كُلَّ الأشياءِ الصَّالحة. ولكِنَّ البَشَرَ غَيرُ شَكورين.

وأنا أُفَكِّرُ كَثيرًا في مَا جَاءَ في إنجيل لُوقا والأصحاح 17؛ أيْ في هؤلاءِ الرِّجالِ البُرْصِ الَّذينَ جَاءوا إلى يَسوعَ فَطَهَّرَهُم يَسوعُ مِنَ البَرَصِ جَميعًا. وَكَم عَدَدُ الَّذينَ رَجَعُوا وَشَكَروه؟ لَقد كانُوا عَشَرَةَ رِجال. وَكَم عَدَدُ الَّذينَ عَادُوا لِيَشكُروه؟ واحِد. وَقد قَالَ يَسوعُ لَهُ: "إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ". لَقد صَحَّ التِّسعةُ الآخرونَ جَسديًّا فقط. وَقد قَدَّمَ واحِدٌ فقط الشُّكر. فالبَشَرُ يَرفُضونَ أن يُمَجِّدُوا الله. والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هِيَ أنَّهُم يَسْعَوْنَ إلى تَمجيدِ أنفسِهم.

واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا الآن مِن سِفْرِ دَانِيال والأصحاحِ الرَّابع. وهَذا الشَّخصُ الَّذينَ أُريدُ مِنكُم أن تَلتَقوهُ في دانيال 4 هُوَ نَبوخَذنَصَّر الَّذي كَانَ أعظمَ مَلِكٍ في تَاريخِ العَالَمِ المَعروفِ آنذاكَ بِمَعزِلٍ عَن سُلطانِ الله. نَبوخَذنَصَّر، مَلِكُ المَملكةِ الَّتي مِن ذَهَب؛ أيْ: "بابِل". فَقد كانَ نَبوخَذنَصَّر أعلى مِن أيِّ مَلِكٍ آخر.

وَقد رَفَضَ أن يُمَجِّدَ اللهَ، ولم يَكُن يُبالي بذلك. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ كَانَ مُنشَغِلاً تَمامًا في مَجدِهِ هُوَ إذْ نَقرأُ في العَدد 30: "وَأَجَابَ الْمَلِكُ فَقَالَ [في الأصحاحِ الرَّابِع]: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟»". فَهُوَ لم يُخْفِ كِبرياءَهُ البَتَّة، بَل أَطلَقَ العِنانَ لِنَفسِه. فَقد رَاحَ يَجُولُ في أرجاءِ قَصرِهِ ويَصرُخُ بأعلى صَوتِهِ: انظُروا إلى مَا صَنَعْت لِجَلالِ مَجدي!"

"وَالْكَلِمَةُ بَعْدُ بِفَمِ الْمَلِكِ، وَقَعَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «لَكَ يَقُولُونَ يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ..." وعندما تَسمعُ صَوتًا مِنَ السَّماءِ اعْلَم أنَّكَ في وَرطَةٍ شَديدة: "لَكَ يَقُولُونَ... إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ زَالَ عَنْكَ". أيْ: "كَفَى!" فَكما تَعلَمونَ، هُناكَ وَقْتٌ يَنْتَهي فيهِ صَبْرُ اللهِ ويُغْلَقُ فيهِ البَاب. فهُوَ لا يُطيقُ أكثرَ مِن ذلك. "وَيَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَأَنَّهُ يُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ»".

إلى أنْ تَعْرِفَ تَمامًا مَن هُوَ اللهُ، سَتُصابُ بِجُنونٍ مُريع. فَسوفَ تَأكُلُ العُشبَ كالثِّيران. "فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَمَّ الأَمْرُ عَلَى نَبُوخَذْنَصَّرَ". ففي الحَال، فَقَدَ أعظمُ مَلِكٍ في العَالَمِ عَقلَهُ وَصَارَ مَجنونًا جدًّا. "فَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ" لأنَّهُم لم يَعودُوا يُسيطِرونَ عليه. "وَأَكَلَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بِنَدَى السَّمَاءِ حَتَّى طَالَ شَعْرُهُ مِثْلَ النُّسُورِ، وَأَظْفَارُهُ مِثْلَ الطُّيُور". وَقَد بَقِيَ كَذلكَ سَبعةَ أعوامٍ في ذلكَ الجُنون.

"وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الأَيَّامِ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَبَارَكْتُ الْعَلِيَّ وَسَبَّحْتُ وَحَمَدْتُ الْحَيَّ إِلَى الأَبَدِ، الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ".

وأعتقدُ أنَّنا سَنَرى نَبوخَذنَصَّر في السَّماء؛ ولكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ تَعَلَّمَ بالطَّريقةِ الصَّعبة أنَّهُ يَنبغي تَمجيدُ اللهِ لأنَّ البَشَرَ لا يَفعلونَ ذلك.

والآن، مَا الَّذي يَحدُث؟ وَهَلِ الحَالُ هَكذا دَائِمًا؟ أجل، دَائِمًا. فَحَتَّى إذا فَتحتُم على نِهايةِ العهدِ الجديدِ (أيْ على سِفْرِ الرُّؤيا)، سَتَجِدونَ نَفسَ المَوقِف. فَنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 14 والعَددِ السَّادِس: "ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ". والعِبارَةُ "بِشارَة أبديَّة" هِيَ عِبارةٌ مُدهِشَةٌ جدًّا. وأعتقدُ أنَّها تُشيرُ بِبَساطَةٍ إلى الخَبَرِ الَّذي يَقولُ إنَّ اللهَ يَدينُ الخَطيَّةَ ويكافئ البِرّ. فهذهِ هِيَ الرِّسالةُ الأبديَّة. وَهذهِ البِشارَةُ تَكْرِزُ بِذلك. وَماذا يَقولُ في العَددِ السَّابِع؟ "خَافُوا اللهَ". وَماذا أيضًا؟ "وَأَعْطُوهُ مَجْدًا". لماذا؟ "لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاه".

واللهُ يَدعو النَّاسَ إلى عِبادَتِهِ وَتَمجيدِه. ولكِنْ كَما تَعلَمونَ، إذا كُنتُم تَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَن سِفْر الرُّؤيا، فإنَّهُم لا يَتجاوَبون. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِس عَشَر والعَددِ الرَّابع: "مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ". وَهَذِهِ هِيَ الرِّسالةُ الَّتي تَتَكَرَّرُ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس؛ أيْ أنَّ البَشَرَ يَرفُضونَ أن يُمَجِّدُوا الله.

والآن، ما الَّذي يَحدُث. لِنَعُد إلى العَدد 21. فَما الَّذي يَحدُث؟ "...بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ". فَقد نَجَمَ عَن رَفضِهِم حِوارٌ بَشريٌّ أجوَف وعَديمُ الفائِدَة. فَقد رَفَضُوا الحَقَّ فَغَرِقُوا في الفَراغ. وَبِسَببِ ذلكَ الفَراغ [كَما رَأينا في المَرَّةِ السَّابقة]: "أَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ". فالفَراغُ أدَّى إلى وُجودِ فَراغٍ أغرَقَهُم في الظُّلمَة.

والآن، مَا هِيَ الظُّلمَة؟ أو مَا نَوعُ هَذِهِ الظُّلمَة. وَما الَّذي نَعنيه؟ إنَّ الأفكارَ الفَارِغَةَ تُشيرُ بِبَساطَةٍ [كَما ذَكرنا في المَرَّةِ السَّابقةِ] إلى التَّخَيُّلاتِ الجَوفاء، والأفكارِ الحَمْقاء، والحِواراتِ البَشريَّةِ الَّتي لا مَعنى لَها. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الكلمة المُستخدمةَ هُنا هِيَ "ديالوغيزموس" (dialogismos)، وَتُتَرجَم "أفكار"؛ تُشيرُ إلى المُحادَثاتِ البَشريَّةِ، أو إلى الحِواراتِ البَشريَّةِ، أو إلى النِّقاشاتِ البَشريَّةِ، أو إلى المَعلوماتِ البَشريَّةِ، أو إلى الكَلامِ الفَارِغ". وبسببِ ذلكَ الفَراغِ وذلكَ الخَواءِ تَأتي الظُّلمةُ بِسُرعَة.

والظُّلمةُ في الكتابِ المقدَّسِ يُنظَرُ إليها بِطَريقَتَيْن: الأولى هِيَ ظُلمَةٌ فِكريَّة، والثَّانيةُ هِيَ ظُلمَةٌ أخلاقِيَّة. والوقتُ لا يَسمَحُ لَنا بالتَّعمُّقِ في ذلكَ في هذا المَساء. ولكِن لو كانَ لَدينا وَقتٌ لَتَعَمَّقنا فيه. ولكِنَّكُم تَجِدونَ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ أنَّ الظُّلمَةَ تُشيرُ إلى الجَهلِ الفِكريِّ، وسَتَجِدونَ أيضًا أنَّها تُشيرُ إلى الفَسادِ الأخلاقِيّ. وَيُمكِنُكم أن تَرَوْا ذلكَ في كُلِّ العهدِ القديمِ وفي كُلِّ العهدِ الجديدِ أيضًا.

فالظُّلمَةُ تُشيرُ إلى الجَهلِ الفِكريِّ، وإلى غِيابِ الحَقِّ وغِيابِ البِرِّ، وإلى الفَسادِ الأخلاقِيّ. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يَحدُث. فالإنسانُ يَقولُ "لا" لله. وَهُوَ لا يُمَجِّدُ الله. وَهُوَ يُقَرِّرُ أنَّهُ سَيُفَكِّرُ كَما يَحلُو لَهُ. وَفي ذلكَ البُطْلِ الكَبيرِ النَّابِعِ مِن عَقلِهِ فإنَّهُ يُوْجِدُ فَراغًا يَجعلُهُ يَعيشُ في ظُلمةٍ فِكريَّةٍ وفَسادٍ أخلاقِيّ.

لِذا فقد تَخَلَّى الإنسانُ عَنِ الفَهم. وَقد تَخَلَّى عَنِ الفَضيلَة. لِذا فإنَّ فَلاسِفَةَ هَذا العَالَمِ يَميلونَ إلى الفَسادِ الأخلاقِيّ. فَهُم لا يَمْلِكونَ أيَّةَ قُوَّةٍ كَابِحَةٍ، بَل يَعيشونَ في فَسادٍ أخلاقِيٍّ كَبير. وَفَلسَفاتُ العَالَمِ تَقْبَلُ الفَسادَ الأخلاقِيَّ لأنَّهُ نَابِعٌ مِن ظُلمَةِ جَهَنَّمَ نَفسِها.

لِذا فإنَّ كُلَّ أفكارِ الإنسانِ الباطِلَة تُؤدِّي إلى تُراثٍ مُظلِمٍ على الصَّعيدِ الفِكريِّ وعلى الصَّعيدِ الأخلاقِيّ. فَكُلُّ فَلسفاتِ العَالَمِ تَترُكُكُم بِلا أيِّ شَيءٍ سِوى الظُّلمَة. انظُروا مَعي بِسُرعة إلى رِسالةِ كولوسي والأصحاحِ الثَّاني. وسوفَ أُريكُم السَّبب. رِسالة كُولوسي 2: 8. وَهذا الكَلامُ نَابِعٌ مُباشرةً مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ بواسِطَةِ بُولُس: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ". والفِعْلُ "يَسبي" هُوَ فِعْلُ نَادِرُ الاستِخدامِ جدًّا، وَهُوَ يُستخدَمُ للإشارةِ إلى خَطْفِ شَخصٍ، أو إلى سَلْبِ مَنزِلٍ، أو إلى إغواءِ فَتاةٍ والاعتِداءِ عليها. لا تَسمَحُوا لأيِّ شَخصٍ أن يَخطَفَكُم، أو يُغويكُم، أو يَسلِبَكُم: "بِالْفَلْسَفَة".

والآن، هَذا تَحذيرٌ وَاضِحٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ تَحذيرٌ مِنَ الحِكمَةِ البَشريَّةِ، ومِنَ النَّظرياتِ المُختصَّةِ باللهِ والإنسان، ومِنَ النَّظريَّاتِ المُختصَّةِ بالحَقّ، ومِنَ النَّظرياتِ النَّابعةِ مِنَ الأفكارِ الباطِلَةِ والقَلبِ المُظلِم. فعندما يأتي إليَّ شَخصٌ ويَقول: "أريدُ أن أدرُسَ الفَلسفةَ" فإنَّ كُلَّ مَا يَخطُرُ ببالي هُوَ هذا المَقطَع (أيْ كُولوسي 2: 8). فَسوفَ تَتعرَّضُ للخَطفِ، أوِ السَّلْبِ والاعتِداء لأنَّكَ سَتَستَسلِمُ للأفكارِ الباطِلَةِ والقُلوبِ المُظلِمَةِ الَّتي لا تَعرِفُ الحَقَّ وَلا تَعرِفُ الأخلاق.

وَنَقرأُ هُنا: "وَبِغُرُورٍ بَاطِل". وأعتقدُ أنَّ هذهِ العِبارةَ تَصِفُ الفَلسفة. فَهِيَ وَهْمٌ بَاطِل. فَهِيَ تَزْعُمُ أنَّها شَيءٌ مَا، ولكِنَّها ليسَتْ سِوى شَيئًا يَعتدي على النُّفوس. وَهِيَ "حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاس"؛ أيْ أنَّها بَشريَّة. فَهِيَ نَابِعَةٌ مِن تَفكيرٍ بَشريٍّ نَاقِص. وَهِيَ "حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَم". وَهذهِ عِبارَةٌ تُستخدَمُ بِضْعَ مَرَّات. وَهِيَ تُشيرُ إلى العَناصِرِ الأساسيَّةِ للحِكمةِ البَشريَّة، أو إلى الآراءِ الحَمقاءِ والقَاصِرَةِ لهذا العَالَمِ الَّذي يَعِجُّ بالحَمقَى.

فالفلسفةُ لا تَقودُكُم إلى التَّقدُّم. والفَلسفةُ لا تُقَدِّمُ لَكُم شَيئًا عَميقًا أو عَظيمًا. والفلسفةُ لا تُقَدِّمُ لَكُم شَيئًا جَديدًا، بَلْ إنَّها تُعيدُكُم إلى الأفكارِ الحَمقاء النَّابِعَة مِنَ العَقلِ البَشريِّ البَعيدِ عَنِ اللهِ والغَارِقِ في ظَلامِ الخَطيَّة. وبالمُناسَبَة، يَبدو أنَّ العِبارَةَ " أَرْكَان الْعَالَم" مُرتبطةٌ أيضًا بِعبادَةِ الأرواحِ الشِّرِّيرةِ الَّتي لَها عَلاقة بالنُّجومِ والكَواكِب. وَفي مُجتَمَعِنا، نَجِدُ ذلكَ مُختَلِطًا بالتَّنجيم. لِذا فإنَّ الإنسانَ يَرفُضُ الإعلانَ ويُتْرَكُ في الظَّلام.

وَهَذا يَقودُهُ إلى الخُطوةِ الثَّالِثَة. فَقَد وَصَلنا أخيرًا إلى هُناك. الخُطوةُ الثَّالِثَة هِيَ التَّسويغ. ويُمكِنُكم أن تَستريحُوا لأنِّي سَأُنهي هذهِ النُّقطة... في اعتقادي! التَّسويغ. وَهذا أمرٌ مُدهِش. فيُمكنُكم أن تَرَوْا هُنا سُقوطَ الإنسان. فالسَّببُ الثَّالثُ الَّذي يَجعَلُ اللهَ مُحِقًّا في إدانَتِهِم هُوَ التَّسويغ إذْ نَقرأُ في العَدد 22: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَء". فَها هُمْ يَقولونَ "لا" للإعلان. وَهُم يَرفُضونَ الحَقَّ رَفْضًا قَاطِعًا. وَهُم يُتْرَكونَ للفَراغِ، وللفَلسفةِ البَشريَّةِ الَّتي لا مَعنى لَها. وَقُلوبُهُم المُظلمةُ تَمتَلِئُ بالخِداع. وَهُم يَزْعُمونَ أنَّهُم حُكَماء.

وَهذا هُوَ التَّسويغ. فَالبُطْلُ يُؤدِّي إلى فُقدانِ التَّلامُسِ مَعَ الوَاقِع. فَهُم لم يَعودوا يَعرِفونَ حَتَّى مَا هِيَ الحِكمَة. فَقد رَفَضُوا المِعيار. فالإنسانُ لا يُفَكِّرُ تَفكيرًا سَديدًا في أيِّ شَيء. فَما الَّذي سَيَجعَلُهُ يُفَكِّرُ تَفكيرًا سَديدًا في كَيفيَّةِ تَفكيرِه؟ لِذا فإنَّهُ لم يَعُد يُفَكِّرُ تَفكيرًا سَديدًا في أيِّ شَيءٍ آخر، بَل يَرفُضُ أن يَقبَلَ الحَقَّ. لِذا فإنَّهُ في الحَقيقةِ يُفْسِدُ قُدرَتَهُ على التَّمييز. هَل تَفهمونَ ذلكَ الآن؟

فأحيانًا، عندما أَستَمِعُ إلى الفَلاسِفَةِ أو أقرأُ كُلَّ تِلكَ القُمامَة، وأسمَعُ كُلَّ هؤلاءِ النَّاسِ يَتكلَّمونَ عَمَّا يُؤمِنونَ بِهِ، وَعَنِ الصَّوابِ والخَطأ، فإنَّهُ أمرٌ مُحبِطٌ جدًّا لِي. وَقد تَقولُ لِنفسِك: "كَيفَ يُعقَلُ أن يُفَكِّرُوا بِتلكَ الطَّريقة؟" ويَجِبُ عليكُم أن تَتذكَّرُوا أنَّهُم يُفَكِّرونَ تَفكيرًا بَعيدًا عَنِ المَنطِق. فَقد تَخَلَّوْا عَن أيِّ حَقٍّ في أن يُفَكِّروا تَفكيرًا سَديدًا. لِذا فإنَّ كُلَّ مَا يُفَكِّرونَ فيهِ مَغلوط. فَقد فَقَدُوا قُدرَتَهُم على التَّمييز. وَلم يَعُد بِمَقدورِهم أن يَفهَمُوا الحَقّ، ولم يَعُد بِمَقدورِهم أن يُمَيِّزوا الخَطأ.

قَبلَ سَنواتٍ، قَرَّرَ جُزءٌ مِنَ المَسيحيِّينَ أنَّهُم سيُؤمِنونَ بنظريَّةِ التَّطوُّر لأنَّهُم خَافُوا مِنَ الفَلاسِفَةِ الَّذينَ يُعَلِّمونَ عَنِ التَّطوُّر. لِذا فقد رَاحُوا يَبحثونَ حَالاً عَن مَواضِعَ في النِّظامِ المَسيحيِّ يُمكِنُهم أن يَضَعُوا فيها نَظريَّةَ التَّطوُّر قَائِلينَ: نَحنُ مَا زِلنا نُؤمِنُ بالخَلْقِ، ونُؤمِنُ بأنَّ اللهَ خَلَقَ العَالَم، ولكِنَّ التَّطوُّرَ حَدَثَ لاحِقًا". وقد خَرَجُوا بِما يُعرَفُ باسْم "التَّطوُّر الإلهِيّ" أو "الخَلْق المُتَدَرِّج". وَقد كَانَت تِلكَ مُحاولة تَوفيقيَّة لأنَّ النَّاسَ خَافُوا مِن تَسويغِ حَفْنَةٍ مِنَ الحَمْقَى الَّذينَ لا يَعرِفونَ الحَقَّ بأيَّةِ حَال.

وَماذا عَنِ اللاَّهوتِ المُتحرِّر؟ فَهُناكَ جامِعاتٌ وَكنائس أُخْرِبَتْ بِسَببِ لاهُوتِ المُتَحَرِّرينَ لأنَّ النَّاسَ خَافُوا مِن ذَكائِهم المَزعومِ في حينِ أنَّهُم لا يَعرِفونَ شَيئًا. فَهُم حَمْقَى. وَهُم يَعيشونَ في غَباوَةٍ مُطْبِقَةٍ ويَظُنُّونَ أنَّهُم حُكَماء.

وَهُناكَ اليوم أيضًا عِلْمُ النَّفس. فالنَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّ عُلماءَ النَّفسِ يَعرِفونَ كُلَّ الإجابات. ولكِنَّهُم لا يَعرِفونَ كُلَّ الإجابات. لِذا، لا تَخافُوا مِنهُم. فالنَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّهُم أذكياء؛ ولكِنَّهُم حَمْقَى جدًّا. وبالمُناسَبَة، قَد يَهُمُّكم أن تَعلَموا أنَّ الكلمةَ المُستخدمةَ هُنا بِمَعنى "جُهلاء" هِيَ "موراينو" (moraino)؛ وَهِيَ الكلمةُ الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "موران" (moron) أيْ: "أحمَق". فالبَشَرُ جُهلاء، ولكِنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّهُم حُكَماء. فَيا لَهُ مِن خِداعٍ كَبير!

وَهَل تَعلَمونَ مَاذا يَكونون؟ لِنَقُل إنَّهُم حُكماءَ حسنًا؟ ولكِنَّ حِكمَتَهُم مَحصُورةٌ في نِطاقٍ واحِد. فَهُم حُكَماءُ في أوهامِهم. وَهَل تَعلمونَ مَعنى ذلك؟ إنَّهُم حُكماءٌ فقط في أفكارِهم الَّتي يَتَخَيَّلونَها بأنفسهم. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر.

وَقد كَتَبَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones)، وَهُوَ قِدِّيسٌ عَظيمٌ مِن قِدِّيسي اللهِ، وَهُوَ مَعَ الرَّبِّ الآن: "كُلُّ هَذا الانجرافِ وَراءَ النَّزعَةِ المُعاصِرَةِ الَّتي اجتاحَتْ كَنيسةَ اللهِ وكَادَتْ أنْ تَهْدِمَ إنجيلَها الحَيَّ يُمكِنُ أنْ يُعْزَى إلى تِلكَ السَّاعَةِ الَّتي ابتدأَ فيها الإنسانُ في تَرْكِ الإعلانَ وَاللُّجوءِ إلى الفَلسفَة".

بِعبارةٍ أخرى، عندما تَوقَّفُوا عنِ الاستماعِ إلى كلمةِ اللهِ وقَرَّروا أنَّهُم يُريدونَ الاستِماعَ إلى البَشَر. لِذا، يُمكِنُكُم الآنَ أن تَقولوا عَن مُؤسَّسَةٍ مَسيحيَّةٍ إنَّها جَيِّدة. ولكِن إذا ارتَعَبَ القَائِمونَ عليها مِنَ المُجتمعِ الأكاديمِيِّ وابتدأُوا في قَبولِ أُناسٍ فيها مِنَ المُتَعَلِّمينَ والمُؤهَّلينَ في فَلسَفاتِ العَالَمِ، سُرعانَ مَا سَيَهدِمُونَ أيَّ شَيءٍ كَانَت تُدافِعُ عَنه. وَهُمْ يُرعِبونَ الأشخاصَ الَّذينَ يَحْمِلونَ شَهاداتٍ شَبيهَةٍ بِشهاداتِهم المَزعومَة. انظُروا مَعي إلى رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الأوَّل:

والآن، لاحِظُوا مَا يَلي جَيِّدًا: الفَلسفةُ تُعارِضُ دَائِمًا الإنجيل. فَهِيَ تُعارِضُ دَائِمًا الإنجيل. فَهُناكَ الحِكمَةُ البَشريَّةُ مُقابِلَ حِكمَةِ الله. لِذا فإنَّ بُولُسَ يَقولُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 1: 17: "لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ، لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ..." – بِعبارةٍ أخرى، لا بالكَلامِ الفَارِغِ لأنَّ "كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ [مَاذا؟] جَهَالَة".

والآن، يُمكِنُكم أن تَرَوْا هَذا الجُنونَ مَرَّةً أخرى. فَعلى الرَّغمِ مِن أنَّ النَّاسَ يَقولونَ إنَّ جَهالَتَهُم حِكَمة، فإنَّهُم يَقولونَ إنَّ الحِكمَةَ الحَقيقيَّةَ جَهالَة. فَهَذِهِ هِيَ حَالُهُم. وَهَذا هُوَ وَاقِعُ البَشَر في ذلكَ النِّطاق. "وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ [مَاذا؟] قُوَّةُ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ"؛ أيِ الحِكَمَةَ المَزعومَة. وَهذا [بالمُناسَبَة] اقتِباسٌ مِن سِفْرِ إشَعْياء. "وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟"

فَهِيَ حَماقَة. لا تَرتَعِبوا. فَما الَّذي فَعَلَتْهُ حِكمَةُ أهلِ العَالَمِ لِتَغييرِ حَياةِ النَّاس؟ وَهَل تَمَكَّنَتْ كُلُّ الفَلسَفاتِ البَشريَّةِ طَوالَ أجيالِها مِن تَخليصِ الإنسانِ مِنَ الانحِدارِ المُستمِرّ؟ لا. فَهِيَ عَديمَةُ القُدرة. ونَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 1: 21: "لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَة". فَالشَّيءُ الَّذي عَجِزَتْ حِكمَةُ الإنسانِ عَنِ القِيامِ بِهِ صَنَعَتْهُ جَهالَةُ الله.

ونَقرأُ في العَدد 25: "لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاس!" فَالرِّسالةُ الجَريئَةُ والواضِحَةُ الَّتي سَلَّمَها مَسيحيُّونَ غَيرُ مُتَعَلِّمينَ مِن خِلالِ حَياتِهم الَّتي تَغَيَّرَتْ تَفوقُ جِدًّا تَعقيداتِ الفَلسفةِ البَشريَّةِ المُشَوَّشَة والمُتشابِكَة. هَذا هُوَ مَا تَقولُهُ هذهِ الآية. فَهُم جُهَلاء... جُهَلاء. وأكبرُ جَاهِلٍ بالمُطلَقِ هُوَ الشَّخصُ الَّذي يَرفُضُ النُّورَ، ويَعيشُ في الظَّلام، ويُحاوِلُ الآنَ أن يُسَوِّغَ ذلكَ قَائِلاً إنَّ هَذا الظَّلامَ هُوَ النُّور، وَإنَّ النُّورَ ظَلام. فَهُوَ يَظُنُّ أنَّهُ عَقْلٌ نَابِغٌ؛ ولكِنَّهُ جَاهِل. فالأمرُ بهذهِ البَساطَة.

والآن، يُمكِنُكم أن تَرَوْا انحِدارَ الإنسانِ وسُقوطه. فَهُناكَ الإعلانُ إذْ إنَّ اللهَ أعطاهُ الحَقَّ. وَهُناكَ الرَّفضُ إذْ إنَّ الإنسانَ رَفَضَ أن يُؤمِنَ بالحَقّ. وَهُناكَ التَّسويغُ إذْ إنَّ الإنسانَ يُحاوِلُ أن يَقولَ إنَّ الضَّلالَ الَّذي اختَرَعَهُ هُوَ الحَقُّ. وَهُوَ مُضطَرٌّ إلى القِيامِ بِذلكَ لكي يُقنِعَ نَفسَهُ بأنَّهُ على حَقّ. ولكِنَّهُ جَهالَة لأنَّهُ ضَلالٌ أجوَف.

وَنَأتي الآنَ إلى الخُطوةِ الرَّابِعَةِ في انحِدارِ الإنسانِ وَسُقوطِهِ وَهِيَ: التَّدَيُّن. فَما الَّذي يَحدُث؟ انظروا إلى العَدد 23. وَسوفَ أُمَهِّدُ لهذهِ النُّقطةِ وَحَسْب. فالوَقتُ يَمضي بسُرعة. يا للعَجَب! "وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".

فَقد صَارَ الإنسانُ مُتَدَيِّنًا، وَصَنَعَ أصنامًا مِنَ البَشَر، وَصَنَعَ أصنامًا مِنَ الطُّيور، وَصَنَعَ أصنامًا مِنَ الحَيَوانات، وَصَنَعَ أصنامًا مِنَ الأفاعي، والحَشَراتِ، وَمَا شَابَهَ ذلك. والآن، اسمَعوني: الدِّيْنُ هُوَ ليسَ أعلى نُقطَةٍ في ارتِقاءِ الإنسان، بَل إنَّ الدِّيْنَ هُوَ نُقطَةُ الانحِطاط. فَهُوَ أَحَطُّ مُستوى.

ففي البِدايَة، أَعلَنَ اللهُ عَن نَفسِه. والإنسانُ يَعرِفُ اللهَ مِن خِلالِ العَالَمِ المَخلوق. ولكِنَّهُ يَرفُضُ ذلك ويَعيشُ في الفَراغِ الَّذي تَبَقَّى لَديهِ فيَغرَقُ في ظُلمةِ الجَهلِ الفِكريِّ والفَسادِ الأخلاقِيّ. وفي وَسطِ ظُلمَتِهِ فإنَّهُ يَعجَزُ عَنْ تَقَبُّلِ حَقيقَةِ أنَّهُ على خَطأ. لِذا فإنَّهُ يُسَوِّغُ ذلكَ ويَقولُ إنَّهُ على صَواب. ولكِنْ مَا زَالَ يُوجَدُ في قَلبِهِ شُعورٌ بالفَراغِ لأنَّهُ يُوجَدُ فيه شَيءٌ يَطلُبُ اللهَ. لِذا فإنَّهُ يَختَرِعُ إلَهًا.

أليسَ هَذا الأمرُ عَجيبًا؟ أليسَ عَجيبًا؟ أيْ أنْ يَتَغاضَى الإنسانُ عَنِ اللهِ الحَقيقيِّ ويَختَرِعَ إلهًا لا وُجودَ لَهُ ويُسَمِّي نَفسَهُ حَكيمًا! فَكَأنَّنا نَقولُ إنَّ هُناكَ أبًا لَهُ ابن. ثُمَّ إنَّ الأبَ يَقتُلُ ابنَهُ ويَأتي بِدُمْيَةٍ عِوَضًا عَنهُ ويُقَدِّمُ الدُّميَةَ إلى النَّاسِ قَائلاً لَهُم إنَّها ابنُه! فَقد قَالوا: "لِنَتَخَلَّصْ مِنْه". وَهَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ الإنسان. وَسَوفَ نَرى كيفَ فَعلَ ذلك في الأسبوعِ القادِم. دَعونا نُصَلِّي:

يا رَبّ، نَحنُ نَشعُرُ بأنَّنا نَتعامَلُ مَعَ حَقائِقَ غَنِيَّة، وعَميقَة، وعَظيمة، وأبديَّة. وَهَذِهِ ليسَت حِكمَة بَشريَّة، بَل هِيَ حِكمَتُكَ أنت. وَما أروعَ أن نَتمكَّنَ مِن فَهْمِ سَبَبِ كَوْنِ العَالَمِ على الصُّورَةِ الَّتي هُوَ عَليها. نَحنُ نَعلَمُ أنَّ التَّسويغَ قَد يَكونُ أحيانًا مُعَقَّدًا جدًّا على مُستوى الجَامِعَة، وَأنَّهُ قَد يَكونُ أحيانًا بَسيطًا جدًّا إذْ إنَّ كُلَّ فَردٍ (سَواءَ كَانَ رَجُلاً أوِ امرأةً) يَرفُضُكَ وَيُريدُ أن يُسَوِّغَ في عَقلِهِ أنَّهُ على صَواب على مُستواه حَتَّى لَو كَانَ غَيرَ مُعَقَّدٍ بالمَرَّة، بَل بَسيطًا جدًّا.

ولكِنَّنا نَعلَمُ أنَّ الإنسانَ الَّذي لا يَقبَلُ الإعلانَ بَلْ يُصِرُّ على الرَّفضِ لا بُدَّ أنْ يَبحَثَ عَن مُبَرِّر. فَهُوَ يُحاولُ أن يَعيشَ قَائِلاً إنَّهُ على صَواب. لِذا فإنَّ العَالَمَ يَعِجُّ بالأوهام.

لَيْتَكَ يا رَبّ تُساعِدُنا على أن نَختَرِقَ عَالَمَ الجُهَّالِ هَذا لأنَّنا كُنَّا جُهَّالاً ذَاتَ يَومٍ نَحنُ أيضًا. وَليتَنا لا نُسَارِعُ إلى إدانَتِهِم لأنَّنا نَعلَمُ أنَّ هَذِهِ جَهالةٌ أيضًا، بَل أن نَعْمَلَ بِنِعمَتِكَ في أثناءِ كِرازَتِنا لَهُم على تَقديمِ الحَقِّ لَهُم. وليتَكَ يا رَبّ تُساعِدنا على أن نُشِعَّ نُورًا صَغيرًا في وَسَطِ ظَلامِهِم لكي يَسْطَعَ نُورُ يَسوعَ المَسيحِ المَجيد عَليهِم. وَلَيتَنا لا نَعزِل أنفسَنا بِحُجَّةِ أنَّنا نَعرِفُ كُلَّ شَيء، بَل أنْ نَتواضَعَ ونَعلَمَ أنَّنا لَولا نِعمَتِكَ ورَحمَتِكَ عَلينا لَكُنَّا جُهَّالاً كالبَقِيَّة.

ونَسألُكَ بِدافِعِ امتِنانِنا العَميقِ، وَحَمْدِنا، وَشُكرِنا أنْ تَسْمَحَ لَنا أنْ نَذهبَ إلى هَذا العَالَمِ المُظلِمِ على غِرارِ يَسوعَ الَّذي جَاءَ لكي يُنيرَ العَالَم، عَسَى أنْ يَهرُبَ الظَّلامُ، وَعَسَى أنْ يَترُكُوا تَعقيداتِ تَبريراتِهم ويَقبَلُوا بَساطَةَ المَسيح، وَيَقبَلوا نُورَ الإنجيلِ المَجيد لأنَّهُ أساسِيٌّ جدًّا، وَسَهْلٌ جدًّا حتَّى إنَّ طِفلاً يَستطيعُ أن يَعرِفَهُ.

وَنُصَلِّي في هذا المَساءِ مِن أجلِ جَميعِ الأشخاصِ الأعِزَّاءِ في وَسْطِنا مِمَّنْ لا يَزالونَ في الظُّلمة حَتَّى يَرَوْا المَسيحَ بِكُلِّ مَجدِهِ وَلا يَستَمِرُّونَ في الطَّريقِ المُؤدِّي إلى غَضَبِ الله. باسْمِ يَسوعَ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize