دَرسُنا في هَذا المَساء يُعيدُنا إلى الأصحاحِ الأوَّل مِن رِسالةِ رُومية. رِسالة رُومية والأصحاح الأوَّل. في الأشهُرِ السَّابقة، ابتدأنا بدراسةِ هذهِ الرِّسالةِ الرَّائعةِ الَّتي كَتَبَها بُولسُ إلى الكَنيسةِ في رُومَا وَيَعرِضُ فيها إنجيلَ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح. وَنحنُ نَتأمَّلُ الآنَ في الأعداد مِن 19 إلى 23. وفي هَذا المَساء، سَنُلَخِّصُ كُلَّ مَا تَعَلَّمناهُ مِن هَذِهِ الآيات.
واسمَحُوا لي أن أقرأَ النَّصَّ على مَسامِعِكُم ابتداءً بالعَدد 18. وَهُنا، يَبتدِئُ بُولسُ حَقًّا في عَرْضِ الجُزءِ الرَّئيسيِّ مِن رِسالَتِه:
"لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".
والآن، لَقد عَنْوَنَّا هَذا المَقطَعَ: "أسبابُ غَضَبِ الله". فَغضبُ اللهِ مُعلَنٌ في العَدد 18. وأسبابُ ذلكَ الغَضَب مَذكورة في الأعداد مِن 19 إلى 23. وَقد ذَكَرنا لَكُم أربعَ نِقاطٍ أو أربعةَ أسبابٍ لِغضبِ الله. والسَّببُ الأخيرُ الَّذي سنَتحدَّثُ عَنهُ في هذا المَساء هُوَ التَّدَيُّن. وَسَوفَ نَتحدَّثُ عَن ذلكَ بَعدَ قَليل.
ورُبَّما يَهُمُّكُم أن تَعرِفُوا أنَّ الهِندوسَ، على سَبيلِ المِثال، يَعبُدونَ نَحوَ 330 مَليون إلَه. وَهَذا يَعني أنَّ هُناكَ ثَمانِيَة آلِهَة لِكُلِّ عَائِلَة. وَهُناكَ 450 مَليون هِندوسِيّ يَعبُدونَ خَمسةً وسبعين مَليون بَقَرة. وفي تايلند، هُناكَ نَحوُ عِشرينَ ألف مَعبَد؛ أيْ بِمُعَدَّل مَعبَد واحِد لِكُلِّ مَسيحيٍّ مُعَمَّد.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هُناكَ سِنًّا شَاحِبَة اللَّون وطُولُها خَمسة سنتمترات يَعبُدُها 400 مَليون بُوذِيّ لِكونِها أَقدَسَ شَيءٍ على الأرض. وَهُم يَزعُمونَ أنَّهُ تَمَّ إنقاذُ هذهِ السِّنّ مِنْ جَسَدِ بُوذا الَّذي تَمَّ حَرْقُهُ في سَنة 543 قَبلَ الميلاد. فَهِيَ سِنُّه. وَقد وَضَعُوا تِلكَ السِّنّ في تَابوتٍ على شَكلِ زَنْبَقَةٍ ذَهبيَّة في مَعبَدٍ يُسَمَّى "مَعبَدُ السِّنِّ المُقَدَّسَة" في كاندي (Kandy) بسريلانكا. وَقد أَحَاطُوا السِّنَّ باليَاقوت، وأحاطُوها بأعدادٍ لا تُحصَى مِنَ الأزهار. والنَّاسُ يَأتونَ مِن بِلادٍ عَديدة لِيُعبُدوا هذهِ السِّنَّ ويَجلِبونَ مَعَهُم الهَدايا الذَّهبيَّة والفِضيَّة والمُجوهرات.
وَيُؤمِنُ البُوذِيُّونَ بأنَّ الآلِهَةَ بُوذا هِيَ آلِهَةٌ حَيَّة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يُوجَدُ في "فوشاو" (Foochow) في الصِّين 15 صَنَمًا مَوضوعَةً على رَفٍّ في أحدِ المَعابِد. وَقد سَقَطَ واحِدٌ مِنها عَرَضِيًّا على رَجُلٍ فَقَتَلَهُ. وَقد رَفَعَتْ عَائِلَةُ الرَّجُلِ دَعْوَى قَضائِيَّةً واتَّهَمَتْ بُوذا بالقَتل. وَقد حَكَمَتِ المَحكمةُ بأنَّ بُوذا مُذنِب، وَبأنَّ بَقيَّةَ الأصنامِ الأربعةَ عَشَر المَوضوعَة على الرَّفِّ مُذنبةٌ أيضًا فَتَمَّ قَطْعُ رَأسِها جَميعًا. فَهُم يُؤمِنونَ حَقًّا أنَّ تلكَ الأصنامَ هِيَ بَشَرٌ حَقيقيُّون!
وَهُناكَ آثارٌ تَمَّ اكتشافُها لِبِدَعٍ مَسيحيَّةٍ لا تَختَلِفُ كَثيرًا عن ذلك. فَمثلاً، تَدَّعِي كَنيسةُ رُوما أنَّها تَحتَفِظُ بِشَعرِ مَريَم العَذراء. وَهُم يَزْعُمونَ أنَّهُم يَحتفظونَ بِخُصَلٍ مِن شَعرِها: واحِدَة في كَنيسةٍ في نابولي (Naples)، وواحِدَة في كنيسةٍ في رُوما. وَهُم يَزعُمونَ أيضًا أنَّهُم يَحتفظونَ في كاتدرائيَّةِ بيروجيا (Perugia) بَخاتَمِ زِفافِها، وَأنَّهُم يَحتفظونَ بِحِزامِها المُقَدَّسِ في الكَنيسةِ في بريتو (Prato)، وَأنَّهُم يَحتفظونَ بِحَليبِ العَذراء في الكَنيسةِ في سان غواديوسو إي باتريتسيو (San Guadioso e Patrizio) في نابولي، وفي كَنيسةِ القدِّيسة مَريم للشَّعب في رُوما.
ويُزعَمُ أنَّ المِغْسَلَ المُقَدَّسَ الَّذي استُخدِمَ في العَشاءِ الأخيرِ مَحفوظٌ في كاتِدرائيَّةِ القِدِّيس لورينزو في غينوا (Genoa). ويُزَعُمُ أنَّ الحَرْبَةَ الَّتي اختَرَقَتْ جَنْبَ يَسوع، وَحِجابَ فيرونيكا الَّذي يَحمِلُ صُورةَ يَسوع، ورَأسَ القِدِّيس أندَراوُس مَحفوظَةٌ جَميعُها في أربعِ دَعائِمَ ضَخمَة تُدَعِّمُ قُبَّةَ القِدِّيس بُطرس في رُوما.
ويُزعَمُ أنَّ كَفَنَ المَسيحِ هُوَ الكَفَنُ المَحفوظُ في مَدينة تُورينو بإيطاليا. ويَبدو أنَّ لا أَحَدَ يُبالي بأنَّهُ تَمَّ تَكفينُ يَسوعَ بِمُلاءَةٍ واحِدَةٍ، وَبأنَّ رَأسَهُ لُفَّ بِمِنديل مُنفَصِلٍ وُجِدَ بِمُفرَدِه. كَما أنَّهُم يَزعُمونَ أنَّ الحَجَرَ الرُّخامِيَّ الَّذي يَحمِلُ آثارَ أقدامِ المَسيحِ مَحفوظٌ في كَنيسةِ القِدِّيس سيباستيان في رُوما. وَهُم يَزعُمونَ أنَّهُم يَحتفظونَ بثلاثَةِ ألواحٍ كَتِفِيَّة، وأربعِ أَرْجُل، وخَمسِ أذرُع، وخَمسينَ سَبَّابة؛ وَهِيَ جَميعُها ليُوحَنَّا المَعمَدان. وَهُم يَزعُمونَ أنَّ كُلَّ أصابِعِ السَّبَّابَةِ الخَمسينَ تِلكَ هِيَ أصابِع حَقيقيَّة، وأنَّها هِيَ الَّتي أَشَارَتْ وَقالَت: "هُوَذَا حَمَلُ الله".
فَنحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ مُتَدَيِّنٍ جدًّا. فَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الدِّيانات. وَحَتَّى في مُجتَمَعِنا فإنَّ الشَّبابَ يُسارِعونَ إلى الدُّخولِ في البِدَع. وَهُم يَنْتَمونَ إلى مَجموعاتٍ دِينيَّة. وَهُناكَ ما لا يَقِلُّ عَن 2.6 مِليار شَخصٍ في العالَم يَنتَمونَ إلى دِيانَةٍ مَا. وَهَذا يَعني نِصفَ السُّكَّان. وَيُقالُ إنَّ 1.7 مِليار شَخصٍ في العَالَم يَنتَمونَ إلى دِياناتٍ غَير مَعروفة. فَالجِهاتُ الَّتي تَستَطلِعُ الآراءَ، والجِهاتُ الَّتي تُحْصِي أعدادَ النَّاسِ تَرى أنَّهُ إن لم يَعرِفُوا دِيانَتَكَ فإنَّهُم يَفتَرِضونَ أنَّكَ تَنْتَمي إلى دِيانَة. لِذا فإنَّهُم يَقولونَ إنَّ دِيانَتَكَ غَير مَعروفَة.
فالإنسانُ مُتَدَيِّنٌ. والآن، هَل يَسعَى جَميعُ هؤلاءِ النَّاسِ المُتديِّنينَ إلى مَعرفةِ الله؟ هَل هَذا هُوَ مَا يَحدُث؟ وَهَل يُجاهِدُ الإنسانُ مُحاوِلاً التَّغلُّبَ على التَّشويشِ المَبدئيِّ الَّذي يَعيشُ فيه، وعلى الفَوضَى المَوجودةِ في عَالَمِه، ويُحاولُ جاهِدًا أن يَتَخَطَّى التَّقاليدَ والأخطاءَ الَّتي وَقَعَ فيها أجدادُهُ في المَاضي؟ فَهَل يَسعَى الإنسانُ حَقًّا إلى العُثورِ على طَريقِهِ في خِضَمِّ كُلِّ هَذهِ الأشياءِ مِن أجلِ الوُصولِ إلى اللهِ الحَقيقيّ؟ وَهلْ هَذا الإنسانُ يَرتَقِي حَقًّا.
فَهل يَرْتَقي الإنسانُ مُتَخَطِّيًا تَأليهَ الحَيَواناتِ، وَعِبادَةَ الشَّياطينِ، وعِبادَةَ الآلِهَةِ المُتَعَدِّدَةِ إلى أنْ يَصِلَ في نِهايةِ المَطافِ إلى التَّوحيدِ وَعِبادَةِ إلَهٍ واحِدٍ ثُمَّ إلى عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيّ؟ فَهلِ الإنسانُ يَرتَقي حَقًّا؟ وَهل يَنبغي لَنا أن نُرَبِّتَ على ظَهْرِ الإنسانِ ونَقول: "نَوَدُّ أن نُثْنِي عليكَ بِسَببِ سَعْيِكَ إلى الله، وَنَوَدُّ أن نُعَبِّرَ عن تَقديرِنا لَكَ بِسَببِ سَعيِك"؟
وَهل يَنبغي لَنا أن نُشفِقَ على الإنسانِ لأنَّهُ يَعمَلُ جَاهِدًا دُونَ أنْ يَتمكَّنَ مِن مَعرفةِ الحَقيقةِ لأنَّها لَيسَت مُتاحَة لَهُ حَتَّى الآن لِسببٍ أو لآخَر؟ فَهَل يُحاوِلُ الإنسانُ وَحَسْب أن يُرَكِّزَ فِكرَهُ على اللهِ، وَيَفعلُ كُلَّ مَا في وُسعِهِ لِتَركيزِ كُلِّ اهتِمامِهِ عَليهِ ولكِنَّ اللهَ مَا زَالَ خَارِجَ البُؤرَة على الرَّغمِ مِن كُلِّ مَجهوداتِ الإنسان؟ يُريدُ اللاَّهُوتِيُّونَ المُتَحَرِّرونَ مِنَّا أن نُصَدِّقَ ذلك.
وإنْ أرسَلَ اللهُ ذلكَ الإنسانَ إلى جَهَنَّم على الرَّغمِ مِن مُحاولاتِهِ الجَاهِدَةِ للتَّركيزِ على الله، أَلاَ يَكونُ اللهُ ظَالِمًا؟ ففي النِّهايَة، الإنسانُ مُتَدَيِّنٌ. وَهُوَ يَبذُلُ أقصَى جُهدٍ مُمكِن!
كذلكَ، يُخبرُنا المُتَحَرِّرونَ أنَّهُ لا تُوجَد جَهَنَّم. ولكِنَّ هَذا يُناقِضُ مَا يَقولُهُ بُولُسُ لَنا في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فَبُولُسُ يُخبرُنا أنَّ الإنسانَ لا يَرتَقي إلى التَّدَيُّن، بَل إنَّهُ يَنحَدِرُ إلى التَّدَيُّن. وَهذهِ هِيَ رِسالةُ الآياتِ رُومية 1: 19-23. فالإنسانُ يَستَحِقُّ الشَّفَقَةَ لا بِسَببِ انعِدامِ الفُرَص، وَلا لأنَّهُ لا يَستطيعُ أن يُرَكِّزَ على اللهِ كَما يَنبغي، ولا لأنَّ اللهَ ظَالِمٌ، بَل إنَّ الإنسانَ يَستَحِقُّ الشَّفَقَةَ لأنَّهُ يَرفُضُ الحَقَّ.
وَلأنَّهُ يَرفُضُ الحَقَّ في أعلى مُستوياتِهِ فإنَّهُ يَنحَدِرُ إلى حُفرةِ التَّدَيُّن. فالإنسانُ لم يَصعَد مِن مُستَنقَعِ الوثنيَّةِ ويَكتشِف الله، بَل إنَّهُ تَرَكَ مَعرِفَةَ اللهِ وَانحَدَرَ إلى مُستنقَعِ الوَثنيَّة. فالتَّدَيُّنُ لا يُشيرُ إلى ارتقاءِ الإنسان، بَل إنَّ التَّدَيُّنَ يُشيرُ إلى انحِدارِ الإنسان.
وَهذا مَقطَعٌ مُهِمٌّ جدًّا لأنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَرَوْا عَدالَةَ اللهِ فيه. لِذا فإنَّهُ يَبتَدِئُ في العَدد 18 بالقَول: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْم". بِعبارةٍ أخرى، اللهُ غَاضِبٌ مِنَ البَشَر. واللهُ يُطالِبُ بأنْ يَتَحَمَّلُوا عَاقِبَةَ خَطيَّتِهم. والسَّببُ في أنَّهُ مِن حَقِّهِ أن يَغضَبَ يَنبُعُ مِمَّا يَقولُهُ بُولسُ في نِهايةِ العَدد 18. فالبَشَرُ عَرَفُوا الحَقَّ، ولكِنَّهُم تَخَلَّوْا عَنه. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 19: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ"؛ ولكِنَّهُم تَرَكُوا ذلك. ونَقرأُ في العَدد 21: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِله". ونَقرأُ في العَدد 23: "وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى [بأصنامِهم]". هَذا هُوَ انحِدارُ الإنسان.
والآن، لَقد قُلنا سَابِقًا أنَّهُ فيما يَبتَدِئُ بُولسُ في التَّحدُّثِ عَنِ الإنجيلِ فإنَّهُ يَبتَدِئُ بالخَبَرِ السَّيِّء. فَينبغي أن تُقَدِّمُوا الخَبَرَ السَّيّءَ قَبلَ الخَبَرِ السَّارّ. فأوَّلاً الخَطَر، ثُمَّ المُخَلِّص. أو أوَّلاً الدَّينونَة، ثُمَّ طَريقُ النَّجاة. أو أوَّلاً العِقابَ، ثُمَّ الغُفران. أو أوَّلاً الذَّنْبَ، ثُمَّ النِّعمَة.
فَكُلُّ رِسالةِ الغُفران، وكُلُّ رِسالةِ النِّعمةِ الفَادِيَة، وكُلُّ رِسالةِ مَحبَّةِ اللهِ، وكُلُّ رِسالةِ مَوتِ المَسيحِ على الصَّليبِ مِن أجلِكُم ومِن أجلي تَستَنِدُ إلى حَقيقةِ أنْ نَفهَمَ أنَّ الإنسانَ مُذنِبٌ حقًّا أمامَ اللهِ لأنَّهُ تَرَكَ الحَقَّ الإلهِيَّ. وَبالمُناسَبَة، هَذِهِ هِيَ رِسالَةُ بُولُس بَدْءًا مِنَ الأصحاحِ الأوَّلِ والعَدد 18 وانتِهاءً بالأصحاحِ الثَّالِثِ والعَدد 20. فَجُزءٌ لا بأسَ بِهِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل، وكُلُّ الأصحاحِ الثَّاني، وجُزءٌ لا بأسَ بِهِ مِنَ الأصحاحِ الثَّالِثِ تَتحدَّثُ كُلُّها عن حَقيقةِ أنَّ الإنسانَ مُذنِبٌ أمامَ الله. فَهُوَ خَاطِئ.
لِذا فَإنَّ كَراهِيَةَ اللهِ للخَطيَّةِ مُعلَنَةٌ باستِمرار مِنَ السَّماءِ على الأَثَمَةِ لأنَّهُم عَرَفُوا الحَقَّ وتَرَكوهُ لِيَنحَدِروا مِن هُناكَ إلى مُستنقَعِ التَّدَيُّن. وَهَذا هُوَ [بالمُناسَبَة] أكبرُ تَجديفٍ مُمكِن لأنَّهُ يَقبَلُ إلَهًا زَائِفًا عِوَضًا عَنِ اللهِ الحَقيقيّ.
وَقد قَالَ أَحَدُ الكُتَّاب: "إنَّ غَضَبَ اللهِ المُقَدَّس لا يَرتَفِعُ وَلا يَنخَفِضُ البَتَّة، بَل يَبْقَى طُوفًانًا دَائِمًا في حُضورِ الخَطيَّةِ لأنَّ قَداسَتَهُ لا تَتَغَيَّر ولا تَتَبَدَّل".
لِذا فإنَّ اللهَ يُعلِنُ غَضَبَهُ باستِمرار على الخطيَّة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في المَزمور 7: 11 الجُملةَ التَّاليةَ المُدهِشَة: "اَللهُ... إِلهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْم". فاللهُ يَسْخَطُ في كُلِّ يَومٍ وباستِمرار على الخَطيَّة.
وَقد تَقول: "وَهل مِن حَقِّ اللهِ أن يَغضَب؟" بِكُلِّ تَأكيد. فَعَدَمُ المُبالاةِ بالخَطيَّةِ عَيْبٌ أخلاقِيّ. "مَن لا يُبغِضُ الخَطيَّةَ هُوَ شَخصٌ مُصابٌ بِبَرَصٍ أخلاقِيّ" (كَما قَالَ "آرثر بينك" Arthur Pink). وَهُوَ مُحِقٌّ في ذلك. فَحيثُ إنَّ اللهَ لا يُسَرُّ إلاَّ بِكُلِّ مَا هُوَ طَاهِر وَمُقَدَّس، كَيفَ يُعقَلُ أَلاَّ يُبغِضَ كُلَّ مَا هُوَ نَجِسٌ وَدَنِس؟ وَحيثُ إنَّهُ مُطْلَقُ القُداسَةِ، كَيفَ يُعقَلُ أن يَتَغاضَى عَنِ الخَطيَّةِ الَّتي تُسيءُ إلى تِلكَ القَداسَةِ المُطلَقَة؟ وَحيثُ إنَّهُ يُحِبُّ البِرَّ، كَيفَ يُعقَلُ أَلاَّ يُبغِضَ الإثمَ وَيُعاقِبَهُ بِصَرامَة؟ وَحيثُ إنَّهُ اللهُ الكَامِلُ، كَيفَ يُعقَلُ أنْ يَنظُرَ إلى الفَضيلَةِ والرَّذيلَةِ بِذاتِ الطَّريقَة؟
لا يُمكِنُ أن يَفعلَ اللهُ ذلكَ وَهُوَ لَن يَفعلَ ذلكَ. فَلأنَّهُ قُدُّوسٌ وَعادِلٌ وَصَالِح فإنَّهُ يُبغِضُ الخطيَّة. وَهُوَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في الغَضَبِ لأنَّ الإنسانَ مُذنِبٌ. فالإنسانَ أَدارَ ظَهرَهُ لِمَعرِفَةِ اللهِ المُتاحَة. وَقد رأينا ذلكَ في أثناءِ تَأمُّلِنا في هذهِ الآيات. فَغَضَبُ اللهِ هُوَ بِبَساطَة رَدُّ الفِعْلِ المُلائِمِ الصَّادِرِ عَنِ القَداسَةِ تُجاهَ النَّجاسَة.
وَبُولُس يُريدُ مِنَّا أن نَعرِفَ ذلك. فَقَبلَ أن نَفهَمَ نِعمَةَ اللهِ، يَنبغي لَنا أن نَفهَمَ غَضَبَ الله. وَقبلَ أن نَفهَمَ مَعنى مَوتِ المَسيحِ، وقَبلَ أن نَفهَمَ مَحَبَّةَ اللهِ، وغُفرانَهُ، ونِعمَتَهُ، ورَحمَتَهُ، يَنبغي لَنا أن نَفهَمَ إثْمَنا وَعَدَمَ استِحقاقِنا.
وَبالمُناسَبَة، إنَّ غَضَبَ اللهِ لا يَقِلُّ كَمالاً عَن مَحَبَّتِهِ أو قَداسَتِه. فَهُوَ جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِن كَمالِهِ كَأيِّ شَيءٍ آخر. فَهُوَ كَمالٌ إلَهِيٌّ. فَنَحنُ نَقرأُ في المَزمور 95: 11 على سَبيلِ المِثال: "فَأَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي". فاللهُ يَقولُ أشياءً مُعَيَّنَةً في غَضَبِه. وَهُوَ يَحلِفُ بِغَضَبِهِ بأنَّهُ سَيَفعلُ أمورًا مُعَيَّنة.
وَهُناكَ مُناسَبتانِ أَقْسَمَ اللهُ فيهِما في العهدِ القديم. هُناكَ مَرَّتانِ أَقْسَمَ اللهُ فيهما على القِيامِ بِشيءٍ مُعَيَّن: الأولى هِيَ عِندَما يَعِدُ بِشَيء (كَما هِيَ الحَالُ في سِفْر التَّكوين 22: 16 أو في أيَّةِ مَرَّةٍ أخرى يُقْسِمُ اللهُ فيها وَيَعِدُ بشيءٍ مَا مُؤكِّدًا أنَّهُ سيَفعَلُه). والثَّانيةُ هِيَ عِندَما يُقسِمُ مُعلِنًا عِقابًا أو دَينونَةً (كَما هِيَ الحَالُ في سِفْر التَّثنية 1: 34). ويُمكِنُكم أن تَقرأوا هَاتينِ الآيَتَيْنِ كَنَموذَجَيْن.
وَنحنُ نَعلَمُ أنَّ اللهَ يُقسِمُ بأنَّهُ سَيَرْحَمُ أولادَهُ. وَأحيانًا، يُقْسِمُ اللهُ بأنَّهُ سَيُرعِبُ الأشرار. فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ اللهَ يَغضَبُ على الأشرارِ كَما يَرحَمُ الأبرار. وَهُوَ يُقسِمُ بالقِيامِ بِكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْن. ويَنبغي لَنا أن نَفهمَ ذلك. فاللهُ كَامِلٌ في غَضَبِهِ كَما هُوَ كَامِلٌ في مَحبَّتِهِ لأنَّ البَشَرَ خُطاة.
والآن، هُناكَ أربعةُ أسبابٍ تُبَيِّنُ أنَّ غَضَبَ اللهِ مُبَرَّر. السَّببُ الأوَّلُ... اسمَحُوا لي أن أعودَ وَأُذَكِّرَكُم بِها... السَّببُ الأوَّلُ هُوَ الإعلان. وَما أعنيه بِذلك هُوَ أنَّ البَشَرَ عَرَفُوا الحَقَّ إذْ نَقرأُ في العَدد 19: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ". وَكيفَ فَعَلَ ذلك؟ نَقرأُ في العَدد 20: "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ..." [فَهِيَ تُدْرَكُ مِن خِلالِ المَصنوعاتِ] "...قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ". فيُمكِنُكم أن تَعرِفوا عَن طَبيعَتِهِ الخَارِقَةِ للطَّبيعَةِ وعَن قُدرَتِهِ العَظيمَةِ مِن خِلالِ النَّظرِ إلى الخَليقَةِ وَحَسْب.
وَقد قَرأتُ في هذا الأسبوعِ جُملةً قَالَها عَالَمٌ إذْ قَال: "الظَّواهِرُ الطَّبيعيَّةُ تَكشِفُ أنَّ صِفَتَيِّ القُوَّةِ والذَّكاءِ تَعملانِ مَعًا في تَناغُمٍ كَامِل".
فَلا بُدَّ أن تَرَوْا القُوَّةَ، وَلا بُدَّ أنْ تَرَوْا الذَّكاءَ الخَارِق. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ بُولُس. فيُمكِنُكم أن تَرَوْا قُدرَتَهُ السَّرمديَّةَ، ويُمكِنُكم أن تَرَوْا لاهُوتَهُ [أيْ ذَكاءَهُ وَحِكمَتَهُ المُطلَقَةَ والخَارِقَةَ للطَّبيعَة] مِن خِلالِ النَّظرِ إلى العَالَمِ مِن حَولِكُم وَحَسْب.
إذًا، اللهُ مُعلَنٌ في الخَليقَة. لِذا فإنَّ الإنسانَ بِلا عُذْر. وَقد حَاولنا أن نُبَيِّنَ لَكُم أنَّهُ إنْ عَاشَ الإنسانُ وَفقًا للنُّورِ الَّذي يَراهُ في الخَليقةِ فإنَّ اللهَ سَيَكشِفُ لَهُ بَقِيَّةَ الحَقّ. ولكِنَّ الإنسانَ يُديرُ ظَهرَهُ في تِلكَ النُّقطة. ولو أنَّهُ تَبِعَ النُّورَ الَّذي يُعطيهِ اللهُ، أعتقدُ أنَّ اللهَ سيُعطيهِ نُورًا أكبَر، وَسَيُعطيهِ رِسالةَ المَسيح.
فاللهُ يُريدُ لِكُلِّ إنسانٍ أن يَعرفَ المَسيح. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 9 أنَّ المَسيحَ هُوَ النُّورُ الَّذي أَتى إلى العَالَمِ لِيُنيرَ كُلَّ إنسان. فاللهُ يُريدُ للبَشَرِ أن يَعرِفُوا المَسيح. وعندما يَجِدُ قَلبًا مُتَحَمِّسًا وَراغِبًا في ذلكَ فإنَّهُ يَجلِبُ رِسالةَ المَسيحِ بطريقةٍ مَا إلى ذلكَ القَلب. ولكِنَّ البَشَرَ لا يَعيشونَ حَتَّى بِحَسَبِ النُّورِ الَّذي أُعطِيَ لَهُم.
وَهَذا يَقودُنا إلى النُّقطةِ الثَّانيةِ وَهِيَ: الرَّفض. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 21 أنَّ البَشَرَ زَاغُوا عَنِ الحَقّ: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ". فَعندَما عَرَفُوا اللهَ، أَدارُوا ظَهرَهُم لَهُ. وَهُناكَ سَببٌ بَسيطٌ جدًّا لِذلك مَذكورٌ في إنجيل يوحنَّا 3: 20. فَهُم لا يَأتونَ إلى النُّورِ لِئَلاَّ مَاذا؟ تُوَبَّخَ أعمالُهُم.
فالبَشَرُ يَرَوْنَ اللهَ، ويَرَوْنَ الحَقَّ الإلهِيَّ؛ ولكِنَّهُم يَهرُبونَ لأنَّهُم لا يُريدونَ أن يُكشَفُوا. فَهذا هُوَ السَّببُ الرَّئيسيّ. فَهُم ليسُوا مُستعِدِّينَ للمَجيءِ إلى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أعمالُهم، وَلِئلاَّ يُكشَفُوا، وَلِئَلاَّ تُرفَعُ الصَّخرةُ الَّتي يَختَبِئونَ تَحتَها فيَعرِفُ الجَميعُ الحَقيقة. لِذا فإنَّهُم يَرفُضونَ الله.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الدَّينونَةَ المُعلَنَةَ على بَيْلْشَاصَّر في سِفْرِ دَانِيال 5: 23 تَسْري على أُناسٍ كَثيرين. فَنَحنُ نَقرأُ الجُملةَ التَّاليةَ المُدهِشَة: "أَمَّا اللهُ الَّذِي بِيَدِهِ نَسَمَتُكَ، وَلَهُ كُلُّ طُرُقِكَ فَلَمْ تُمَجِّدْهُ". "أَمَّا اللهُ الَّذِي بِيَدِهِ نَسَمَتُكَ، وَلَهُ كُلُّ طُرُقِكَ فَلَمْ تُمَجِّدْهُ". فَقد رَفَضْتَ اللهَ الَّذي هُوَ حَياتُك. وعندما يَفعلُ الإنسانُ ذلك، وعندما يَرفُضُ الإعلانَ ويُديرُ ظَهرَهُ للهِ فإنَّهُ يَتَراجَعُ أكثر فأكثر، ويَنحدِرُ أكثرَ فأكثر بَعيدًا عَنِ الله. وَهُوَ يَسقُطُ (كَما جَاءَ في العَدد 21) في تَخَيُّلاتِهِ الفَارِغَةِ أو في أفكارِهِ الجَوفاء. وَقد تَحدَّثنا عن ذلكَ في المَرَّةِ السَّابقةِ وَقُلنا إنَّهُ يُشيرُ إلى الفَلسَفةِ البَشريَّة.
والآن، أُريدُ أن أُوَضِّحَ شَيئًا: أنا لَستُ مُعارِضًا تَمامًا لِكُلِّ مَنطِقٍ بَشريٍّ، وَأنا لا أُعارِضُ تَمامًا كُلَّ تَفكيرٍ بَشريّ. فَبينَ الحِينِ والآخر، يَتقاطَعُ طَريقُ الإنسانِ مَعَ الحَقّ. وَهذا أمرٌ لا جِدالَ فيه. ولكِنْ عندما أتحدَّثُ عَنِ الفَلسفةِ فإنِّي أتحدَّثُ عَنها بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي تَحَدَّثَ عَنها بولسُ في رِسالةِ كُولوسي 2: 8، وَأتحدَّثُ عَنها مِن زَاويةِ التَّفكيرِ العَقيمِ الَّذي يُشيرُ إليهِ هُنا.
وَنَحنُ نُشيرُ بِذلكَ إلى الفَلسفةِ البَاطِلَةِ، وإلى التَّفكيرِ الباطِلِ البَعيدِ عَنِ الله. فعندما يُعلِنُ اللهُ نَفسَهُ ويَرفُضُهُ الإنسانُ فإنَّ الإنسانَ يَحيدُ عَنِ اللهِ ولا يَتَبَقَّى لَهُ سِوى فَلسفَتِهِ وتَفكيرِهِ وتَخَيُّلاتِهِ وَنَظرَتِهِ إلى العِلمِ (كَما تُسَمَّى خَطأً). وَحينئذٍ يَصيرُ فَهْمُ الإنسانِ للحَقِّ عَديمَ المَعنى، وَضَبابِيًّا، ومُشَوَّشًا، وَغَيرَ يَقينيّ. وَحينئذٍ فإنَّ قَلبَهُ يَغرَقُ (كَما جَاءَ في نِهايةِ العَدد 21) في ظَلامٍ دَامِس. فالنُّورُ قَدِ انطفأ. فَقدِ ابتدأَ بالنُّور. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا ذلك. يُمكِنُكم أن تَرَوْا ذلك. فَيُمكِنُكم أن تَرَوْا ذلكَ مِن خِلالِ مُراقَبَةِ طِفلٍ صَغير. فَهُم يَتجاوبونَ مَعَ الرِّسالة.
بَعدَ ظُهرِ اليَوم، تَناوَلنا الغَداءَ مَع زَوجٍ وزَوجَتِهِ مِن فلوريدا. وَقد قالَ الرَّجُلُ إنَّهُ عَادَ إلى البيتِ إلى عائِلَتِهِ عِندَما نَالَ الخَلاصَ وَجَمَعَ كُلَّ أفرادِ عَائلتِهِ مَعًا. وَهُوَ لَهُ سَبعةُ إخوةٍ وأخَوات. وَقد وَقَفَ وأخبرَهُم جَميعًا عَن يَسوعَ المَسيح. وَقد سَخِروا مِنهُ، وَهَزَأوا بِهِ، وضَحِكُوا عليه. وَقد أخبرَني أنَّهُم دَرَسُوا جَميعًا في جَامِعَةِ هَارفرد (Harvard) وفي مَعهدِ التِّكنولوجيا في بوسطن.
وَهُم يَفتَخِرونَ جَميعًا بأنَّهُم مُتَعَلِّمون. وَقد أخبَرَهُم جَميعًا بِما حَدَثَ لَهُ. وَقد وَقَفَتْ أُختاهُ الصَّغيرتانِ بَعدَ أن فَرَغَ مِن حَديثِهِ والدُّموعُ تَنهَمِرُ على وَجهَيهِما وَقالَتا لأفرادِ العائلةِ الآخَرين: "أَلاَ تَرَوْنَ أنَّ مَا يَقولُهُ عَن يَسوعَ صَحيح؟" فَمِن أينَ جَاءَتْ تِلكَ الفَتاتانِ الصَّغيرَتانِ بهذا الكَلام؟ فَلا يُمكِنُكم أن تَجِدوا مُلحِدًا في سِنِّ الثَّامِنَة. فَالأطفالُ لا يَجِدونَ مُشكلةً في تَصديقِ رِسالةِ الإنجيل. "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ". وَهَذا هُوَ القَلبُ المُؤمِن. لِذا فقد قَالَ يَسوعُ: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ [مَن] الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَات". ولكِن عِندَما يَكبُرونَ ويَزدادونَ تَكَلُّفًا، ويُفَكِّرونَ كَما يَحلُوا لَهُم، فإنَّهُم يُديرونَ ظَهرَهُم لله.
لِذا فإنَّهُم يَصيرونَ ظُلْمَةً. فَأوَّلاً، يَأتي الفَراغُ الباطِل، ثُمَّ إنَّ الفَراغَ البَاطِلَ يَمتَلِئُ ظَلامًا فَيَختَفي النُّور. لِذا عندما انطَلَقَ الرَّسولُ بولُسُ في الخِدمة، عَرَّفَ خِدمَتَهُ كَما يَلي: لَقد أُرسِلتُ إلى الأُمَم [في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 26: 18] لأفتَحَ "عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى [مَاذا؟] نُورٍ". لماذا؟ لأنَّهُم كَانُوا في ظُلمة. فَقد كانت قُلوبُهُم الشِّرِّيرةُ غَارقةً في الظَّلام. وَقد أَظلَمَ قَلبُهُم الغَبِيّ. وَقد قُلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ تِلكَ الظُّلمةَ هِيَ ظُلمةٌ فِكريَّةٌ وظُلمةٌ أخلاقيَّة. وَقد رأينا في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ أنَّ الظُّلمةَ قَد تُشيرُ إلى الجَانِبِ الفِكريِّ أو إلى الجَانِبِ الأخلاقِيِّ لَدى الإنسان.
لِذا فقد ابتعدَ الإنسانُ عَن مَعرفةِ الله، ورَفَضَ اللهَ، ولم يُمَجِّدِ اللهَ، ولم يَشكُرُهُ. ثُمَّ إنَّهُ تُرِكَ لأفكارِهِ البَشريِّةِ المَحْضَة. وَقد أَغْرَقَتْهُ أفكارُهُ البَشريَّةُ في ظَلامٍ دَامِسٍ حَتَّى إنَّهُ لم يَعُد قَادِرًا على تَمييزِ الصَّوابِ مِنَ الخَطأ، أو تَمييزِ الصِّدقِ مِنَ الكَذِب. فَقد ضَلَّ.
وبالمُناسَبة، لَقد ضَلَّ كَثيرًا عَنِ اللهِ بِكُلِّ تَأكيد، وَغَرِقَ في ظَلامٍ دَامِسٍ حَتَّى إنَّهُ لم يَعُد يَستطيعُ أنْ يَكْبَحَ الشَّرَّ. لِذا، كُلَّما زَادَ بُعْدُ الدُّوَلِ والأُمَمِ والنَّاسِ عَنِ اللهِ، زَادَ فَسَادُهُم وانحِدارَهُم الأخلاقيُّ لأنَّهُ لا يُوجَدُ كَابِحٌ أخلاقِيٌّ في الفَلسفَةِ البَشريَّةِ في نِهايةِ المَطاف.
وَهَذا يَقودُنا إلى النُّقطةِ الثَّالثةِ وَهِيَ: التَّسويغ. أَتَذكُرونَ ذلكَ مِنَ المَرَّةِ السَّابقة؟ فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 22: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَء". فَقَد سَمِعَ النَّاسُ الحَقَّ، ورَفَضُوا الحَقَّ. وَها هُمُ الآنَ يَزعُمونَ أنَّ ظُلمَتَهُم هِيَ الحَقّ. وهُمْ يَقِفونَ ويَقولون: "نَحنُ نَعرِفُ الحَقَّ". وَهَذا يَعني أنَّهُم فَقَدوا التَّلامُسَ مَعَ الحَقيقة. فَقَد فَقَدوا تَمامًا التَّلامُسَ مَعَ الحَقيقة، ولم يَعودُوا يَعرِفونَ مَا هِيَ الحَقيقة. وَهَذا يُشبِهُ مَا قَالَهُ بيلاطُسُ لِيَسوع: "مَا هُوَ الحَقّ؟" فَمَن يَعرِف مَا هُوَ الحَقّ؟ وَهذِهِ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الإنسانِ الضَّالّ. فَهُوَ غَيرُ قَادِرٍ البَتَّة على مَعرفةِ الحَقّ. فَهُوَ لا يَعرِفُهُ.
وفي الرِّسالة الثانية إلى تيموثاوس 3: 13، تَرَوْنَ الصُّورةَ هُنا: "وَلكِنَّ النَّاسَ الأَشْرَارَ الْمُزَوِّرِينَ..." [اسمَعُوا] "...سَيَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَرْدَأَ" [ثُمَّ استَمِعُوا إلى هَذا] "مُضِلِّينَ وَمُضَلِّينَ". هَذِهِ هِيَ سِمَةُ الفَلسفَةِ البَشريَّة. فَهُم يُضِلُّونَ آخرينَ لأنَّهُم قد ضَلُّوا أنفُسَهُم تَمامًا وكُلِّيًّا. فَهُم لا يَعرِفونَ الحَقَّ.
وَنَقرأُ في الرِّسالة إلى تِيطُس 3: 3: "لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ". فَهَذِهِ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الإنسانِ الَّذي لم يَختَبِرِ التَّجديدَ إذْ إنَّهُ ضَالٌّ، ولا يَعرِفُ الحَقَّ، وَلا يَستطيعُ أن يَعرِفَهُ. فَهُوَ يَعيشُ في ظُلمَةٍ تَامَّة. ولكِن هَل تَعلمونَ مَاذا سَيَفعَلُ لا مَحالَة؟ سَوفَ يَقِفُ هُناكَ ويُحاوِلُ أن يَتظاهَرَ بأنَّهُ يَعرِفُ الحَقَّ. وَسَوفَ يَعرِضُ كُلَّ تِلكَ الإجاباتِ المَزعومَة.
وَهُناكَ جُملةٌ مُدهشةٌ قَالَها إشَعياءُ النَّبيُّ في الأصحاح 47 والعَدد 10 إذْ نَقرأُ: "حِكْمَتُكِ وَمَعْرِفَتُكِ هُمَا أَفْتَنَاكِ، فَقُلْتِ فِي قَلْبِكِ: أَنَا وَلَيْسَ غَيْرِي". أليسَت هذهِ الجُملةُ مُدهشةً! فَقد خُدِعْتَ جدًّا بما تَظُنُّ أنَّكَ تَعرِفُهُ حَتَّى إنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُ مَا مِن أحَدٍ سِواكَ يَعرِفُ أيَّ شَيء. فأنتَ تَعرِفُ كُلَّ الإجابات. ولكِنْ يا لَهُ مِن ضَلال!
وَهذا هُوَ الضَّلالُ الَّذي وَقَعَ فيه لُوسيفَر عَرَضًا. فَمَعَ أنَّهُ كَانَ يَعرِفُ كُلَّ الإجابات، ظَنَّ أنَّ الحِكمَةَ مَوجودَةٌ فيه. وَقد نَظرَ إلى نَفسِهِ ورأى الجَلالَ وجَمالَ شَخصِهِ كَما خَلَقَهُ اللهُ فَانتَفَخَ بِسَببِ الكِبرياء. وَقد ظَنَّ أنَّهُ يَستطيعُ أن يَكونَ أعلى مِنَ الله. ولكِنْ يا لَهُ مِن وَهم!
لِذا فإنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في إدانَةِ الإنسانِ لأنَّ الإنسانَ يَرفُضُهُ في ظُلمَةِ عَقلِهِ المُنحَرِف الفاسِدِ وَيُحاولُ أن يُؤكِّدَ بِغَباوَةٍ أنَّهُ حَكيم. وَأوهامُهُ هِيَ الَّتي تَقودُهُ إلى ذلكَ الضَّلال. ولكِن هَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ حَتَّى في وَسَطِ فَلسَفَتِهِ البَشريَّةِ، وفي وَسَطِ ذِهنِهِ المُرتَبِك، وفي ظُلمَةِ قَلبِه، تَبقَى فيهِ بَقايا مَعرفةٍ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ الله.
هَل لاحَظتُم ذلكَ يَومًا؟ هَذا صَحيح. فَمَعَ أنَّهُ يُريدُ أن يَكونَ فَيلسوفًا، ويُريدُ أن يَمتَلِكَ كُلَّ الحِكمَة، فإنَّهُ في النِّهايَةِ كَائِنٌ مُتَدَيِّنٌ وَلا يَستطيعُ أن يُنكِرَ ذلك. وَهَذا يَقودُنا إلى السَّببِ الرَّابِعِ مِنَ الأسبابِ الأربعةِ الَّتي تُؤدِّي إلى غَضَبِ اللهِ، وإلى الخُطوةِ الرَّابعةِ في انحِدارِ الإنسانِ وَهِيَ: التَّدَيُّن. فَهُوَ يَنتَقِلُ مِنَ الإعلانِ إلى الرَّفضِ، ثُمَّ إلى التَّسويغِ، ثُمَّ إلى التَّدَيُّنِ في العَدد 23 لأنَّهُ يَصرُخُ بَاحِثًا عَن إلَه.
فَلا بُدَّ أنْ يَكونَ لَهُ إلَه. فَهُناكَ تَوْقٌ إلى ذلكَ في البُعدِ الخَارِقِ للطَّبيعَةِ مِن طَبيعَتِه. فلا بُدَّ أن يَتَعَبَّد، ولا بُدَّ أنْ يَجثُو في مَكانٍ مَا. فَكما أنَّهُ يَتَنَفَّسُ الهَواءَ، لا بُدَّ أن يَتَعَبَّدَ في مَكانٍ مَا. وَهُوَ يَفعلُ ذلك. فَحَتَّى في خِضَمِّ فَلسفَتِهِ، لا بُدَّ مِن وُجودِ إلَه. وإنْ لم يَكُن يَعبُدُ اللهَ الحَقيقيَّ، سَوفَ يَختَرِعُ إلَهًا يَستطيعُ أن يَتعايَشَ مَعَهُ. والعَددُ الثَّالِثُ والعِشرون يُخبرُنا ذلك: "وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى [بِصَنَمٍ]" أو: "بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".
وَقد قَالَ "فُولتير" (Voltaire) ذَاتَ مَرَّة: "اللهُ خَلَقَ الإنسانَ عَلى صُورَتِهِ، والإنسانُ رَدَّ لَهُ المَعروف". وَهَذا صَحيح. فَقد أَخفَقَ الإنسانُ إلى أَحَطِّ نُقطَة. وَهُوَ يَفعلُ أسوأَ شَيءٍ يُمكِنُ للإنسانِ أن يَفعلَهُ. فَهُوَ يَصيرُ مُتَدَيِّنًا. وَهذا هُوَ أسوأُ تَجديفٍ على الله: أنْ تَكونَ هُناكَ دِيانَةٌ بَعيدةٌ عَنِ اللهِ الحَقيقيّ.
وَهل تُريدونَ أن أُريكُم كَيفَ أَعرِفُ ذلك؟ ارجِعُوا إلى سِفْر الخُروج والأصحاحِ العِشرين... سِفْرِ الخُروج والأصحاحِ العِشرين. فاللهُ يَضَعُ هُنا القوانينَ أوِ المَعايير. وَهَذهِ هِيَ الوَصايا العَشْر... الوَصايا العَشْر. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الأوَّل: "ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً" – فَهَذِهِ هِيَ مَعاييرُ اللهِ الأكثر أهميَّةً: "«أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ". والآن، هَا هِيَ الوَصيَّةُ الأولى: "لاَ يَكُنْ لَكَ [مَاذا؟] آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ".
القاعِدُةُ الأولى: لا تَعبُد آلهةً أخرى. القاعِدَةُ الثَّانية: لا تَصنَع أصنامًا مِن أيِّ شَكلٍ أو هَيئة. هذا هُوَ أعلى مِعيار. وَهُوَ مُلَخَّصٌ في الجُملةِ الَّتي قَالَها رَبُّنا: "هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ". بِعبارةٍ أخرى، أن يَكونَ لَديكَ تَكريسٌ كَامِلٌ للهِ الحَقيقيِّ، وألاَّ يَكونَ هُناكَ مَكانٌ لأيِّ إلَهٍ آخر. فعندما يَتَدَيَّنُ النَّاسُ بِمَعزِلٍ عَنِ اللهِ الحَقيقيِّ فإنَّهُم يَنْتَهِكونَ مِعيارَ اللهِ في أوَّلِ نُقطَةٍ فيه. وَهَذا أكثرُ عَمَلٍ تَجديفِيٍّ يُمكِنُهم أن يَعمَلوه.
اشتَرى رَجُلٌ تِمثالاً للمَسيحِ وَوَضَعَهُ على مَكتبِه. وَبعدَ أيَّامٍ نَقَلَتْهُ زَوجَتُهُ إلى غُرفَةِ الجُلوس. وبَعدَ أيَّامٍ، ظَهَرَ في غُرفةِ السُّفرة. فَما كَاَنَ مِن طِفلِهم الصَّغيرِ أن قَال: "أينَ سَتَضَعونَ الله؟" ورُبَّما كَانَ هَذا هُوَ السُّؤالُ الَّذي يُريدُ اللهُ مِن كُلِ إنسانٍ أن يُجيبَ عَنه. أينَ سَتَضَعُ الله؟ وَهُوَ يُطالِبُنا بأنْ نَضَعَهُ في المَكانِ الأوَّل. وهذهِ الوَصيَّةُ تَقولُ إنَّ هُناكَ مَكانًا واحِدًا فقط يُوضَعُ فيهِ اللهُ وَهُوَ المَكانُ الأوَّل. ولا يَجوزُ أن يَكونَ هُناكَ آلِهَةٌ أُخرى. وَلا يَجوزُ أن يَكونَ هُناكَ أصنامٌ أو تَماثيلٌ مِن أيِّ نَوع. وَهَذا هُوَ بالضَّبط الشَّيءُ الَّذي خَالَفَهُ الإنسان. فَقَد تَعَدَّى على وَصايا اللهِ مُنذُ البِداية مُجَدِّفًا بذلكَ على الله.
لِذا فإنَّ الإنسانَ بِلا عُذر. وَهُناكَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ جَيِّدٌ على ذلكَ في اعتقادي في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والأصحاحِ السَّابِع عَشَر. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا أنَّ حَتَّى بَني إسرائيلَ فَعلوا ذلك. فَقد سَارَ بَنو إسرائيلَ على النَّهْجِ التَّالي في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني 17: 15. استَمِعُوا وَحَسْب. فَالنَّصُّ يَقولُ مَا يَلي عَنهُم ابتِداءً مِنَ العَدد 14: "...لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّبِّ إِلهِهِمْ". إذًا، هَذا هُوَ أوَّلُ شَيء. فَقد أَعلَنَ اللهُ نَفسَهُ لَهُم، ولكِنَّهُم رَفَضَوه. فَهُمْ "لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّبِّ إِلهِهِمْ، وَرَفَضُوا فَرَائِضَهُ وَعَهْدَهُ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَ آبَائِهِمْ وَشَهَادَاتِهِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَسَارُوا وَرَاءَ الْبَاطِل". فَقد فَعَلُوا ذلك. وَبعدَ أنْ رَفَضُوا اللهَ انحَدَرُوا إلى البُطْل. "وَصَارُوا بَاطِلاً". وَهَذا يُشبِهُ تَمامًا مَا جَاءَ في رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فَهَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ بَنو إسرائيل.
فَقد سَارُوا "وَرَاءَ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلَهُمُ، الَّذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّبُّ أَنْ لاَ يَعْمَلُوا مِثْلَهُمْ. وَتَرَكُوا جَمِيعَ وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِهِمْ وَعَمِلُوا لأَنْفُسِهِمْ [مَاذا؟] مَسْبُوكَاتٍ عِجْلَيْنِ، وَعَمِلُوا سَوَارِيَ، وَسَجَدُوا لِجَمِيعِ جُنْدِ السَّمَاءِ، وَعَبَدُوا الْبَعْلَ". وَهَذا شَيءٌ مُذهِل... مُذهِل! "فَغَضِبَ الرَّبُّ جِدًّا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَنَحَّاهُمْ مِنْ أَمَامِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ سِبْطُ يَهُوذَا وَحْدَهُ" [كَما جَاءَ في العَدد 18].
مَا الَّذي فَعلوه؟ لَم يُريدوا أن يُؤمِنوا بالله. لِذا فقدِ انحَدَروا مِن هُناكَ إلى البُطل، وَمِنَ البُطْلِ إلى عِبادَةِ الأصنام، ومِن عِبادَةِ الأصنامِ إلى الفَسادِ الأخلاقِيّ. ونَقرأُ في نِهايةِ العَدد 17: "وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِعَمَلِ الشَّرِّ" وللدَّينونَة.
انظُروا مَعي قَليلاً إلى سِفْرِ دَانِيال والأصحاحِ الخَامِس، ولننظُر إلى هَذا الحَقِّ نَفسِهِ في هَذا المَثَلِ الإيضاحِيّ. وَهَذا مُدهِشٌ جدًّا. دانِيَال 5: 17. فَقَد صَنَعَ بَيْلْشَاصَّرُ الْمَلِكُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً، كَما تَعلَمونَ، ثُمَّ ظَهَرَتِ الكِتابَةُ على كِلْسِ الجِدار. ونَقرأُ في العَدد 17: "فَأَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ قُدَّامَ الْمَلِكِ: «لِتَكُنْ عَطَايَاكَ لِنَفْسِكَ وَهَبْ هِبَاتِكَ لِغَيْرِي. لكِنِّي أَقْرَأُ الْكِتَابَةَ لِلْمَلِكِ وَأُعَرِّفُهُ بِالتَّفْسِير". أيْ أنا لا أريدُ شَيئًا مِنكَ، ولكنِّي سَأُخبِرُكَ بِما تَقولُهُ الكِتابَة بأيَّةِ حَال.
"أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَاللهُ الْعَلِيُّ أَعْطَى أَبَاكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَلَكُوتًا وَعَظَمَةً وَجَلاَلاً وَبَهَاءً. وَلِلْعَظَمَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا كَانَتْ تَرْتَعِدُ وَتَفْزَعُ قُدَّامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. فَأَيًّا شَاءَ قَتَلَ، وَأَيًّا شَاءَ اسْتَحْيَا، وَأَيًّا شَاءَ رَفَعَ، وَأَيًّا شَاءَ وَضَعَ". بِعبارةٍ أخرى، فَقد قَالَ: "كَانَ يَنبغي لَكَ أن تَنظُرَ إلى الوَراء وَأنْ تَرى نَبوخَذنَصَّر أباكَ، ومَا حَدَثَ لَهُ. فَقد أعطاهُ اللهُ كُلَّ هذهِ الأشياء: فَقد أعطاهُ سُلطانًا... سُلطانًا عَظيمًا".
ثُمَّ نَقرأ في العَدد 20: "فَلَمَّا ارْتَفَعَ قَلْبُهُ وَقَسَتْ رُوحُهُ تَجَبُّرًا، انْحَطَّ عَنْ كُرْسِيِّ مُلْكِهِ، وَنَزَعُوا عَنْهُ جَلاَلَهُ، وَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَسَاوَى قَلْبُهُ بِالْحَيَوَانِ، وَكَانَتْ سُكْنَاهُ مَعَ الْحَمِيرِ الْوَحْشِيَّةِ، فَأَطْعَمُوهُ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بِنَدَى السَّمَاءِ". بِعبارةٍ أخرى، لَقد صَارَ مَجنونًا جدًّا. "حَتَّى عَلِمَ أَنَّ اللهَ الْعَلِيَّ سُلْطَانٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهَا مَنْ يَشَاءُ. وَأَنْتَ يَا بَيْلْشَاصَّرُ ابْنَهُ لَمْ تَضَعْ قَلْبَكَ..."، والآن، استَمِعُوا إلى مَا يَلي: "مَعَ أَنَّكَ عَرَفْتَ كُلَّ هذَا".
والآن، هَذا هُوَ المَبدأُ الأوَّلُ مَرَّةً أخرى. فقد أخطأَ بَيْلْشَاصَّرُ ضِدَّ المَعرِفَة. وكُلُّ البَشَرِ يَفعلونَ ذلك. فَقد كَانَ يَنبغي أن يَكونَ الأمرُ وَاضِحًا لَهُ مِن خِلالِ مَا حَدَثَ لِنبوخَذنَصَّر. ولكِنَّهُ لم يَقتَرِف خَطيئَتَهُ بِجَهل، بَل إنَّ كِبرياءَهُ وَتَكَبُّرَهُ ورَفضَهُ للهِ كَانَ بِلا عُذرٍ لأنَّهُ كانَ يَنبغي لَهُ أن يَرى ذلك.
ونَقرأُ في نِهايةِ العَدد 22 أنَّهُ مُذنِب: "مَعَ أَنَّكَ عَرَفْتَ كُلَّ هذَا". فَقَد أخطَأَ ضِدَّ النُّور. وَفي وَسَطِ النُّورِ، جَدَّفَ على الله. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 23: "بَلْ تَعَظَّمْتَ عَلَى رَبِّ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرُوا قُدَّامَكَ آنِيَةَ بَيْتِهِ، وَأَنْتَ وَعُظَمَاؤُكَ وَزَوْجَاتُكَ وَسَرَارِيكَ شَرِبْتُمْ بِهَا الْخَمْرَ، وَسَبَّحْتَ آلِهَةَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالنِّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْخَشَبِ وَالْحَجَر"، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَما الَّذي فَعَلوه؟ لَقد ذَهَبوا إلى الهَيكلِ وأخذوا الآنيةَ المُقَدَّسَةَ وَسَكَبُوا فيها خَمْرًا وَسَكِروا، واستَخدَموها لِشُرْبِ الأنخابِ أمامَ أصنامِهم. لِذا فقد ابتدأَ باقترافِ الخَطيَّةِ ضِدَّ المَعرِفَة. وَثانيًا، لَقد جَدَّفَ على الله.
وَثالِثًا، لَقد كَانَ عَابِدَ أصنام. فَقد كَانَ يُسَبِّحُ آلِهَةَ النُّحَاسِ وَالحَدِيدِ وَالفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالخَشَبِ وَالحَجَرِ الَّتي لا تُبْصِر وَلا تَسمَع وَلا تَعرِف. "أَمَّا اللهُ..." وَهَذهِ هِيَ الآيَةُ الَّتي نُريدُ أن نَراها: "...الَّذِي بِيَدِهِ نَسَمَتُكَ، وَلَهُ كُلُّ طُرُقِكَ فَلَمْ تُمَجِّدْهُ".
ثُمَّ إنَّهُ صَارَ بِكُلِّ تَأكيدٍ إنسانًا شِرِّيرًا وَفاسِدًا. والمَعنى الضِّمنِيُّ مَوجودٌ في تِلكَ الآية. هَذا عَدا عَنِ الزَّوجاتِ والسَّراري والسُّكر. والنَّتيجَةُ مَذكورةٌ في العَدد 24: "حِينَئِذٍ أُرْسِلَ مِنْ قِبَلِهِ طَرَفُ الْيَدِ، فَكُتِبَتْ هذِهِ الْكِتَابَةُ. وَهذِهِ هِيَ الْكِتَابَةُ الَّتِي سُطِّرَتْ: مَنَا مَنَا تَقَيْلُ وَفَرْسِينُ. وَهذَا تَفْسِيرُ الْكَلاَمِ: مَنَا، أَحْصَى اللهُ مَلَكُوتَكَ وَأَنْهَاهُ. تَقَيْلُ، وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا. فَرْسِ، قُسِمَتْ مَمْلَكَتُكَ". بِعبارةٍ أخرى، لَقد انتَهى أمرُكَ يَا صَاح! ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 30: "فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قُتِلَ بَيْلْشَاصَّرُ مَلِكُ الْكَلْدَانِيِّينَ، فَأَخَذَ الْمَمْلَكَةَ دَارِيُّوسُ الْمَادِيُّ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً". فقد كانتِ النِّهايَة.
والآن، مَاذا تَجِدونَ هُناك؟ رَجُلاً عَرَفَ الحَقَّ، وَأدارَ ظَهرَهُ للحَقِّ، وَجَدَّفَ على الله. ولكِنْ لأنَّ الإنسانَ مُتَدَيِّنٌ بِطبيعَتِهِ فقد صَنَعَ ِآلِهَةً لِنفسِه، وَعَبَدَها، وانحَدَرَ إلى أنماطِ حَياةٍ فَاسِدَةٍ وشِرِّيرةٍ وفَاسِقَةٍ، ووَقَعَ تَحتَ غَضَبِ الله. وَهَذا هُوَ نَفسُ التَّسلسُلِ الَّذي تَجِدونَهُ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل. والآن، لِنَعُد إلى رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل. فَهِيَ تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ.
فَسَواءَ نَظرتُم إلى بَني إسرائيلَ وَانحِدارِهم، أو نَظرتُم إلى بَيْلْشَاصَّر وانحِدارِهِ، فإنَّ هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ الإنسان. وَسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى، وأريدُ مِنكُم أن تَتذكَّروا ذلك: الإنسانُ ليسَ مُتَدَيِّنًا لأنَّهُ يَصْعَدُ مُحاوِلاً أن يَجِدَ اللهَ، بَل هُوَ مُتَدَيِّنٌ لأنَّهُ يَنْحَدِرُ مُجَدِّفًا عَنِ اللهِ إلى مُستنقَعِ الوَثنيَّة. وَكُلُّ دِيانَةٍ بَاطِلَةٍ هِيَ عِبادَةُ أَصنام. وَقد كَانَ "تُوزَر" (A. W. Tozer) مُحِقًّا حينَ قال: "الوَثنيَّةُ تَبتَدِئُ في الذِّهنِ عندما نُحَرِّفُ أو نَستبدِلُ فِكرةَ اللهِ بِشيءٍ آخرَ يَختَلِفُ عَنهُ".
والآن، أريدُ أن أقولَ شَيئًا عَن هذا الأمر أعتقدُ أنَّهُ مُهِمٌّ في ضَوْءِ مَذهَبِ التَّحَرُّرِ واللاَّهُوتِ المُعاصِر: إنَّ انحِدارَ الإنسانِ إلى الوَثنيَّةِ هُوَ انحِدارٌ مُؤكَّدٌ. وَالتَّاريخُ يُظْهِرُ ذلك. والمُتَحَرِّرونَ وَغيرُهُم يُحاولونَ أن يُخبِرونا أنَّ الإنسانَ ابتدأَ بالوَثنيَّة، وابتدأَ بِتَأليهِ الحَيَواناتِ، أوِ الطَّوطَمِيَّةِ؛ أيْ بِعبادَةِ الحَيَواناتِ والرُّموزِ المُقَدَّسَةِ وَالأشياءِ، وَأنَّهُ يَرتَقِي تَدريجيًّا. ولكِنَّ هَذا الكَلامَ لا يُمكِنُ إثباتُهُ تَاريخيًّا. فَهُوَ لا يُمكِنُ البَتَّةَ إثباتُهُ تَاريخيًّا.
فَهُم يَقولونَ إنَّ الإنسانَ ابتدأَ بِتَأليهِ الحَيَواناتِ أوِ ابتدأَ بِعبادَةِ الحَيَواناتِ، ثُمَّ إنَّهُ ارتَقَى إلى عِبادَةِ الأرواحِ المُتَعَدِّدَة أو عِبادَةِ العَديدِ مِنَ الشَّياطينِ، ثُمَّ إنَّهُ ارتَقَى إلى عِبادَةِ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَة. فَقَد عَبَدَ آلِهَةً مُتَعَدِّدَة، ثُمَّ إنَّهُ ارتَقى إلى التَّوحيدِ أو إلى عِبادَةِ إلَهٍ وَاحِد، وَأنَّهُ وَصَلَ بهذهِ الطَّريقةِ إلى مَا وَصَلَ إليه. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ المُتَحَرِّرونَ لَنا. لِذا فإنَّهُم لا يُؤمِنونَ بأنَّ مُوسَى كَتَبَ التَّوراةَ، ولا يُؤمِنونَ بأنَّ مُوسَى كَانَ يَعرِفُ حَقًّا الوَصايا العَشْر في عَصرِه لأنَّهُم يَعتقدونَ أنَّهُ في الزَّمنِ الَّذي عَاشَ فيهِ مُوسَى كَانَ الإنسانُ مَا يَزالُ يَعبُدُ الحَيَواناتِ، ويَعبُدُ الرُّموزَ المُقدَّسَةَ، ويَعبُدُ أرواحًا عَديدةً. لِذا فإنَّ التَّوراةَ مُزَوَّرَةٌ، وَكُتِبَتْ في وَقتٍ لاحِقٍ جدًّا، وَدُسَّتْ لَنا على أنَّها قَديمَة. وَهَذا شَيءٌ مِنَ المَألوفِ أن نَسمَعَهُ مِنَ اللاَّهوتِ المُتَحَرِّر.
والمَوسوعَةُ البريطانِيَّةُ تَتَبَنَّى هَذا الرَّأي. وَقد نَظرتُ إليها في هذا الأسبوع. وَإليكُم مَا جَاءَ فيها. هَل تُريدونَ أن تَسمَعُوا فِقْرَةً مُحَيِّرَةً؟ استَمِعُوا إلى هَذا: "في عَصْرٍ اقتَصَرَتْ فيهِ دِراسَةُ الدِّينِ على اليَهوديَّةِ والمَسيحيَّةِ، كَانتِ الوَثنيَّةُ تُعَدُّ تَقهقُرًا مِن إيمانٍ أصلِيٍّ غَيرِ فَاسِدٍ". هَذا هُوَ مَا يَقولونَ إنَّ المَسيحيِّينَ واليَهودَ يُؤمِنونَ بِه. "ولكِنَّ الأبحاثَ المُقارَنَةَ والتَّاريخيَّةَ للدِّياناتِ أَظْهَرَتْ أنَّ ذلكَ كَانَ مَرحلةً في حَرَكَةٍ صَاعِدَة". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُم يَقولونَ إنَّ اليَهودَ والمَسيحيِّينَ يُؤمنونَ بأنَّ الإنسانَ ابتدأَ بإيمانٍ أصلِيٍّ ثُمَّ انحَدَرَ إلى الوَثنيَّة. ولكِنَّ التَّاريخَ يُخبرُنا أنَّهُ ابتدأَ مِن هُناكَ وَأنَّهُ يَرتَقي.
ثُمَّ نَقرأُ في الفِقْرَةِ الَّتي تَليها مَا يَلي: "وبِحَسَبِ الكاتِبِ الرُّومانيِّ فارو [Varro]، لم يَصنَعِ الرُّومانُ أصنامًا على هَيئةِ حَيوانٍ أو إنسانٍ طَوالَ مِئةٍ وسَبعينَ سَنة مِن تأسيسِ رُوما. ويَقولُ هيرودوتُس [Herodotus] إنَّ الفُرْسَ لم يُقيموا مَعابِدًا أو أصنامًا قَبلَ أَرْتَحْشَسْتَا الأوَّل؟ ويَقولُ لوسيان [Lucian] الشَّيءَ نَفسَهُ عَنِ اليُونان، وعَن آلِهَةِ مِصْرَ أيضًا. ويُلَخِّصُ يُوسابيوس (Eusebius) نَظريَّةَ الآثارِ القَديمةِ بِرُمَّتِها بِالقول: ’لم يَكُن لَدى أقدَمِ الشُّعوبِ آلِهَة البَتَّة‘".
ولكِنَّ تِلكَ الفِقْرَةَ تُناقِضُ الفِقْرَةَ الأخرى. ثُمَّ إنَّ الفِقْرَةَ الَّتي تَليها تَزيدُ الطِّيْنَ بِلَّةً إذْ نَقرأ أنَّ "تَماثيلَ الآلِهَةِ تُشيرُ حَقًّا إلى حَتمِيَّةِ وُجودِ إدراكٍ وقُدرةٍ على التَّمييزِ لَديهم لا يُمْكِنُ أنْ يُوْجَدا إلاَّ بِوجودِ تَاريخٍ وَتَأمُّل".
هَل تَعلمونَ مَا هَذا الكَلام؟ إنَّهُ مُجَرَّدُ هُراء. فَهُم يَقولونَ إنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ الإنسانَ ارتَقَى؛ ولكِنَّ جَميعَ الأشخاصِ الَّذينَ يَقتَبِسونَ أقوالَهُم يَقولونَ إنَّهُ لم تَكُن تُوجَدُ وَثنيَّةٌ في المَاضي. والدَّليلُ على ذَلِكَ مِن أقوالِهِم هُوَ أنَّ الإنسانَ انحَدَرَ مُدَّةَ مِئةٍ وسَبعينَ سَنَةً قَبلَ تَأسيسِ رُوما. فَلَم تَكُن هُناكَ أصنام، ولم تَكُن هُناكَ تَماثيل. وَكَما تَرَوْنَ، هَذِهِ هِيَ الحَال. فالإنسانُ يَبتَدِئُ بالإيمان ويَنحَدِرُ مِن هُناك.
والكِتابُ المُقَدَّسُ يُؤكِّدُ ذلك. فَهُوَ يَقولُ على سبيلِ المِثالِ إنَّهُ قَبلَ الطُّوفانِ لم تَكُن هُناكَ وَثنيَّةٌ البَتَّة. والعالَمُ لم يَهْلَك بالطُّوفان لأنَّهُ كَانَت تُوجَدُ وَثنيَّة، بَل هَلَكَ بِسَبَبِ الإثْم. فلَم تَكُن هُناكَ وَثنيَّة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين 4: 26 أنَّ النَّاسَ في ذلكَ العَصْرَ ابتَدأوا يَدْعُونَ باسْمِ الرَّبّ. فَقد كانُوا يَعبُدونَ اللهَ. فالإنسانُ لم يَرْتَقِي مِنَ الوَثنيَّةِ إلى أنْ صَارَ يَعرِفُ اللهَ الحَقيقيَّ، بَل إنَّهُ انحَدَرَ إلى الوَثنيَّة. وَهذهِ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا.
لِذا فإنَّ وَثَنِيَّةَ العَالَمِ أو دِيانَةَ العَالَمِ هِيَ انحِدارٌ وليسَت ارتِقاءً. لِذا فإنَّ بُولسَ يَقولُ إنَّ الإنسانَ مُذنِبٌ، وَإنَّ الإنسانَ يَستحِقُّ الدَّينونَة. وغَباوَةُ الإنسانِ المُطلَقَة هِيَ أنَّهُ يَرفُضُ اللهَ ثُمَّ يَختَرِعُ شَيئًا ليسَ إلَهًا، ويَصنَعُهُ على صُورَتِهِ هُوَ، وبالهَيئةِ الَّتي يُريدُها، ويَعبُدُ ذلكَ الإلَهَ الزَّائِفَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّهُ حَكيم.
وَحَتَّى إنَّ الشَّاعِرَ اللاَّتينيَّ "هوراس" (Horace) كَانَ يَسخَرُ مِن غَباوَةِ الوَثنيَّة. وَقد كَتَبَ مَا يَلي: "لَقد كُنتُ جِذْعَ شَجَرة تِيْن، جِذْعًا عَديمَ النَّفْع. وَقد تَساءَلَ الصُّنَّاعُ: ’هَل نَصنَعُ مِنهُ مِقْعَدًا أَم إلَهًا‘ وَقدِ اختارُوا أن يَصنَعُوا مِنَ الجِذْعِ إلهًا فَصار إلهًا!" يا للسُّخْف!
وَنَقرأُ في أَحَدِ الكُتُب: "يَقطَعُ الحَطَّابُ المَاهِرُ شَجرةً يَسْهُلُ تَشكيلُها. ثُمَّ إنَّهُ يَنْزِعُ بِمهارةٍ كُلَّ لِحَائِها. ثُمَّ إنَّهُ يَستخدِمُ بَراعَتَهُ لِيَصنَعَ أَداةً نَافِعَةً تَخدِمُ أغراضًا حَياتيَّة. ولكِنَّهُ يَأخُذُ قِطعةً مَنبوذَةً لا تَصلُحُ لأيِّ شَيءٍ، أو خَشَبَةً مُعْوَجَّةً ومُمتلئةً بالعُقَدِ، ويَنْحَتُها بِعنايةٍ ويَجعلُها تِمثالاً على هَيئةِ إنسان، أو يَجعلُها على هَيئةٍ حَيَوانٍ لا قِيمَةَ لَهُ، ويَطليها بِطلاءٍ أحمر فَيُغَطِّي بالطِّلاءِ كُلَّ عَيْبٍ فيها. ثُمَّ إنَّهُ يُقيمُ لَها مِحْرابًا، ويَضَعُ ذلكَ التِّمثالَ في الحَائِط، وَيُثَبِّتُهُ بِقِطَعٍ مِن حَديد. وَهُوَ يَحرِصُ على أَلاَّ يَسقُطَ التِّمثالُ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يُساعِدَ نَفسَهُ لأنَّهُ مُجَرَّدُ صَنَمٍ ويَحتاجُ إلى العَون. ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي إليهِ بخصوصِ حَياتِهِ الزَّوجِيَّةِ وأولادِه. وفيما يَختصُّ بالصِّحَّةِ فإنَّهُ يَلتَجِئُ إلى شَيءٍ ضَعيف. وفيما يَختصُّ بالحياةِ فإنَّهُ يُصَلِّي إلى شَيءٍ مَيِّت. وفيما يَختصُّ بالعَونِ فإنَّهُ يَتَضَرَّعُ إلى جَمادٍ عَديمِ الخِبرةِ تَمامًا. وَهُوَ يَطلُبُ القُوَّةَ مِن شَيءٍ تَفتَقِرُ ذِراعاهُ إلى القُوَّة".
والآن، هَذا هُوَ مَا كَتَبَهُ القُدماء. فَقد كَانُوا جَميعًا يَعلَمونَ أنَّ عِبادَةَ الأصنامِ حَماقَة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، كانُوا غَارِقينَ في رَفْضِ اللهِ على الرَّغْمِ مِن قِلَّةِ البَدائِلِ الأخرى.
وفي سِفْر إشَعْياء 44: 6، نَجِدُ بِضعةَ أفكارٍ أخرى وَحَسْب. وسوفَ أُحاوِلُ أن أختَصِرَ بِضعةَ أشياءٍ هُنا لِئلاَّ نَتَعَمَّقَ كَثيرًا فيها: "هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ، رَبُّ الْجُنُودِ: «أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَلاَ إِلهَ غَيْرِي". وَهَذا كَلامٌ وَاضِحٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ وَلا إلَهَ غَيري. "وَمَنْ مِثْلِي؟ يُنَادِي، فَلْيُخْبِرْ بِهِ وَيَعْرِضْهُ لِي مُنْذُ وَضَعْتُ الشَّعْبَ الْقَدِيمَ. وَالْمُسْتَقْبِلاَتُ وَمَا سَيَأتِي لِيُخْبِرُوهُمْ بِهَا".
بِعبارةٍ أخرى، مَن يَستطيعُ أن يَدَّعِي أنَّهُ هُوَ مَن صَنَعَ التَّاريخ؟ وَمَن يَستطيعُ أن يَقولَ إنَّهُ الخَالِقُ إلاَّ أنا؟ لاَ تَرْتَعِبُوا وَلاَ تَرْتَاعُوا. أَمَا أَعْلَمْتُكَ مُنْذُ الْقَدِيمِ وَأَخْبَرْتُكَ؟ فَأَنْتُمْ شُهُودِي. هَلْ يُوجَدُ إِلهٌ غَيْرِي؟ وَلاَ صَخْرَةَ لاَ أَعْلَمُ بِهَا؟" فاللهُ يَقولُ: "لا عِلْمَ لي بأيِّ إلَهٍ آخر".
"الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ صَنَمًا كُلُّهُمْ بَاطِلٌ، وَمُشْتَهَيَاتُهُمْ لاَ تَنْفَعُ، وَشُهُودُهُمْ هِيَ. لاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَعْرِفُ حَتَّى تَخْزَى. مَنْ صَوَّرَ إِلهًا وَسَبَكَ صَنَمًا لِغَيْرِ نَفْعٍ؟ هَا كُلُّ أَصْحَابِهِ يَخْزَوْنَ وَالصُّنَّاعُ هُمْ مِنَ النَّاسِ. يَجْتَمِعُونَ كُلُّهُمْ، يَقِفُونَ يَرْتَعِبُونَ وَيَخْزَوْنَ مَعًا".
بِعبارةٍ أخرى، إنَّها حَماقَةٌ شَديدةٌ حَتَّى إنَّهُم إنْ أحضَروا آلِهَتَهُم وَوَضَعوها بَعضُها فَوقَ بَعضٍ فإنَّهُم سيَشعُرونَ بالسُّخف. وَهُوَ يَقولُ: كَيفَ يَصنَعونَها، ويَقطعونَ الأشجارَ، ويَعمَلونَ بالنَّارِ، والمَعادِنِ، ويُشَكِّلونَها، ويَفعلونَ كُلَّ ذلك. وعندما يَنْتَهونَ مِن صُنْعِها فإنَّهُم يَحصُلونَ على أصنامٍ لا تُبصِر، وَلا تَسمَع، وَلا تَفهَمُ شَيئًا، وَلا تَقدِرُ أن تُفَكِّر! ثُمَّ إنَّهُ لِشَعبِه: "استيقِظُوا! لِماذا تَعبُدونَ تِلكَ الأشياء؟"
وَكَما تَرَوْنَ، عندما يَرفُضُ الإنسانُ اللهَ ويَعبُدُ نَفسَهُ، لا بُدَّ أنْ يَصْنَعَ إلهًا على صُورَتِه. وَأودُّ أن أقولَ شَيئًا أريدُ مِنكُم أن تُرَكِّزوا أذهانَكُم عليه: كُلُّ عِبادَةِ الأصنامِ هِيَ عِبادَةٌ للذَّات... كُلُّها... مِن جِهَة. وَمِن جِهَةٍ أخرى، إنَّها عِبادَةُ شَيْطان أو عِبادَةُ أرواحٍ شِرِّيرة. وَسوفَ نَرى ذلكَ بَعدَ قَليل. ولكِنْ مِن جِهَة، إنَّها عِبادَةٌ للذَّات لأنَّ الإنسانَ يَعْبُدُ [في نِهايَةِ المَطافِ] نَفسَهُ لأنَّهُ يَعمَلُ آلِهَةً على صُورَتِه. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إشَعْياء 2: 8: "يَسْجُدُونَ لِعَمَلِ أَيْدِيهِمْ لِمَا صَنَعَتْهُ أَصَابِعُهُمْ". فَهُم يَعبُدونَ في الحَقيقةِ مَا صَنَعَتْهُ أيديهم؛ أيْ أنَّهُم في الحَقيقةِ يَعبُدونَ أنفسَهُم.
وبالمُناسَبة، سَيَكونُ الشَّكلُ الأخيرُ لهذهِ الوَثنيَّةِ مُمَثَّلاً في ضِدِّ المَسيحِ الَّذي سيَجلِسُ في هَيكَلِ اللهِ ويَقولُ إنَّهُ مَاذا؟ إلَه (كَما جَاءَ في رِسالةِ تسالونيكي الثَّانية 2: 3-4) إذْ نَقرأُ إنَّ ضِدَّ المَسيحِ "يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ".
لِذا فإنَّ الإنسانَ عَابِدُ وَثَن. وَمَعَ أنَّهُ لا يُقِرُّ بِذلكَ فإنَّ عِبادَتَهُ للأصنامِ هِيَ عِبادَةٌ لِذاتِه. فَهُوَ يَرفُضُ اللهَ الحَقيقيَّ. وَهُوَ يُؤكِّدُ في عَقلِهِ أنَّهُ حَكيمٌ. لِذا فإنَّهُ صَاحِبُ القَرارِ، وَهُوَ مَن يُقَرِّرُ الصَّوابَ. ولأنَّهُ يَشعُرُ في داخِلِهِ بأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ إلَه فإنَّهُ يَصنَعُ إلَهًا مِنْ بَناتِ أفكارِهِ وَتَخَيُّلاتِهِ، ويَعبُدُ ذلكَ الإلَه. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَعبُدُ نَفسَهُ. وَصَدِّقوني أنَّ هَذِهِ هِيَ البِدَع المُهلِكَة الَّتي كَتَبَ بُولُسُ عَنها لِتيموثاوُس.
ولكنِ انظُروا الآنَ إلى العَدد 23. فَلُبُّ الأمرِ هُوَ أنَّ البَشَرَ غَيَّرُوا مَجْدَ اللهِ، أو بالأحْرَى "أَبْدَلُوا" إذْ إنَّها التَّرجَمَةُ الأَدَقّ – فَقد "أَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى... [بِصَنَم]". وَما أقصِدُهُ هُوَ أنَّهُ مِنَ العَجيبِ أن يُبْدِلُوا الطَّبيعَةَ الإلهِيَّةَ للهِ الَّذي لا يَفْنَى والأزَلِيّ بِخَشَبَةٍ أو بِحَجَرٍ أو بِصَنَمٍ مَصنوع. ولكِنَّ هَذا هُوَ مَا يَفعلونَهُ.
وأَوَدُّ أن أُضيفَ بأنَّهُ عندما يَفعلُ البَشَرُ ذلكَ فإنَّهُم يَنْتَهونَ في الحَقيقةِ إلى عِبادَةِ الشَّيطانِ نَفسِه. ولكي أُريكُم ذلكَ وَحَسْب، نَجِدُ في رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ العاشِرِ آيَةً رَئيسيَّة. فَنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ العاشِرِ والعَدد 20؛ أيْ في رِسالةِ كورنثوسَ الأولى 10: 20 مَا يَلي. استَمِعُوا وَحَسْب: "بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ..." اسمَعُوا ذلكَ الآن. بِعبارةٍ أخرى، إنَّ العَالَمَ المُتَدَيِّنَ يُقَدِّمُ ذَبائِحَهُ. وَهُوَ يَتحدَّثُ في العَدد 19 عنِ الأصنامِ الَّتي يَعبُدونَها. وَهُوَ يَقولُ إنَّ الوَثَنَ لا شَيء، وهَلُمَّ جَرَّا. "بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ..."؛ أيِ الشَّيءَ الَّذي يَذبَحونَهُ: "...فَإِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِين". هَل سَمِعتُم ذلك؟ لِماذا؟ لأنَّكَ إن أردتَ أن تَعبُدَ خَشَبَةً فإنَّ الشَّيطانَ سَيأخُذُ هَيئةَ اللهِ الَّذي تَظُنُّ أنَّهُ مَاثِلٌ في الخَشَبَة، وسَوفَ يَفعلُ أُمورًا مُعَيَّنَةً تَجعلُكَ تَستَمِرُّ في عِبادَةِ الخَشَبة.
وَقد سَألتُ نَفسي السُّؤالَ التَّالي مَرَّاتٍ عَديدة: كيفَ يُعقَلُ أن يَعبُدَ النَّاسُ حَجَرًا؟ كَيفَ يَفعلونَ ذلك؟ وسُرعانَ مَا سَتقولون: "ولكِنَّ ذلكَ الحَجَرَ لا يَفعلُ أيَّ شَيء". وَما أعنيه هُوَ أنِّي إنْ صَلَّيْتُ إلى حَجَرٍ لَن يَحدُثَ أيُّ شَيء. ورُبَّما يَعبُدُ الإنسانُ نَفسَ الحَجَرِ الَّذي عَبَدَهُ عِشرونَ جِيلاً قَبْلَهُ. ورُبَّما تَتَساءَلونَ كيفَ يُعقَلُ أن يَتَمَسَّكُوا جَميعًا بهذا الحَجَر! والحَقيقةُ هِيَ أنَّكَ إذا عَبَدْتَ اللهَ الَّذي تَظُنُّ أنَّهُ مَاثِلٌ في الحَجَر، أعتقدُ أنَّ الشَّيطانَ سَيَأخُذُ هَيئةَ الإلَهِ الَّذي تَظُنُّ أنَّهُ مَاثِلٌ في الحَجَر، وَأنَّهُ سيَفعلُ أمورًا خَارقةً للطَّبيعةِ وَظَواهِرَ مُعَيَّنة لإبقاءِ النَّاسِ عَالِقينَ في عِبادَةِ ذلكَ الحَجَر. وأعتقدُ أنَّهُ إنْ أرادَ النَّاسُ أن يَعبُدوا النُّجومَ مِن خِلالِ التَّنجيمِ فإنَّ الشَّيطانَ سيَعملُ كُلَّ مَا في وُسعِهِ لإبقائِهم عَالِقينَ في تلكَ العِبادَة.
لِذا، أوَّلاً، إنَّها عِبادَةٌ للذَّات. وَثانِيًا، إنَّها عِبادَةُ شَيطان. وَهَذا يَسْرِي على أيَّة دِيانَة أخرى غَيرَ الدِّيانَة الحَقيقيَّة. والدِّيانَةُ الحَقيقيَّةُ الوَحيدةُ هِيَ تِلكَ الَّتي يَعبُدُ النَّاسُ فيها اللهَ مِن خِلالِ المَسيح. والنَّاسُ يَقولونَ: "لا يَجوزُ لَكَ أن تَقولَ أيَّ شَيءٍ عَنِ الدِّياناتِ الزَّائفةِ أوِ الأخرى. لا يَجوزُ لَكَ أن تَفعلَ ذلك". اسمَعوني: هَذِهِ هِيَ الهَاوِيَة. فَهذا تَجديف.
فَهُناكَ طَريقٌ واحِدٌ فقط يُؤدِّي إلى الله وَهُوَ طَريقُ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وَهُناكَ إلَهٌ واحِدٌ فقط. وَأيُّ شَيءٍ آخر هُوَ عِبادَةٌ للذَّات وعِبادَةُ شَيطانٍ وَلا فَرْقَ بَينَهُما. وَعالَمُ الأشخاصِ المُتَدَيِّنينَ يَعبُدونَ أنفسَهُم. وَهُم يَعلَمونَ ذلكَ في اعتقادي. ولكِنَّهُم رُبَّما يَعبُدونَ إبليسَ دُونَ أن يَعلَموا.
والآن، لِنَنظُر إلى الوَثَنِ الَّذي يَصنَعونَهُ. سَنَبتَدِئُ مِنَ النِّهايَةِ ونَرجِعُ إلى الوَراء: "الزَّحَّافَات". هَل تَعلمونَ أنَّ النَّاسَ على مَرِّ العُصورِ عَبَدُوا حَشَرات؟ أجل، حَشَراتٍ وَخَنافِس! فإذا نَظرتُم إلى مِصْر وبَحثتُم في أيِّ مَكانٍ سيَقولونَ لَكُم إنَّهُم عَبدُوا تِلكَ الخَنافِسِ الصَّغيرةِ الَّتي تُسَمَّى "خَنافِسُ الرَّوْث". فَقَد كَانُوا في الحَقيقةِ يُقَدِّسونَ تِلكَ الخَنافِس. والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أحضرتُ إلى البَيتِ زَوْجًا مِن خَنافِسِ الرَّوْث كَأمثلةٍ إيضاحِيَّةٍ على عِبادَتِهم لَها. فالزَّحَّافاتُ يُمكِنُ أن تَكونَ حَشَراتٍ، أو خَنافِسَ، أو أفاعِي، أو أيَّ شَيءٍ مِن مُستوى الأفعى إلى الذُّبابَة. وَقد تَقول: "وَهل يَعبُدُ النَّاسُ الذُّباب؟" بِكُلِّ تَأكيد. فَالاسمُ "بَعْلَ زَبُوب" يَعْني "رَبُّ الذُّباب". أجل! فَقد كانُوا يَعبُدونَ الذُّباب. فَقد كانَ الفِلسطينيُّونَ يَعبُدونَ الذُّباب. وَكانَ الأشورِيُّونَ يَعبُدونَ الأفاعِي.
وفي مَعبَدِ "أكتيوم" [Actium]، كَانَ اليُونانِيُّونَ يَذبَحونَ عِجْلاً لإلَهِ الذُّباب. ويُخبرُنا "بلايني" (Pliny) أنَّهُ في رُوما، كانتِ الذَّبائِحُ تُقَدَّمُ للذُّبابِ الَّذي يَطيرُ حَولَ مَعبَدِ هِرَقْل. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ الأشورِيِّينَ كَانُوا يُقَدِّمونَ الذَّبائِحَ للذُّباب. ويُقالُ إنَّهُ لم تَجرُؤ ذُبابَةٌ يَومًا على دُخولِ هَيكلِ سُليمان. وأنا أَشُكُّ في ذلك. واليوم، لا يَقتُلُ الهِندوسُ الذُّبابَ لأنَّهُم يَخْشَوْنَ إغضابَ إلَهٍ يأخُذُ حَالِيًّا شَكلَ ذُبابَة. وتَماثيلُ الأفاعِي في دِياناتٍ كَثيرةٍ جدًّا تُمَثِّلُ آلِهَةً.
ولكِنَّ البَشَرَ لا يَعبُدونَ تِلكَ الأشياءَ فقط، بَل يَعبُدونَ أيضًا الدَّوابَّ. وَحَتَّى إنَّ اليَهودَ عَبَدُوا العِجْلَ الذَّهَبِيَّ. أليسَ كذلك؟ وَهُم لَم يَفعلوا ذلكَ فقط في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 32 في سِيْناء، بَل إنَّهُم عَمِلُوا عِجْلَيْ ذَهَب (في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل والأصحاحِ الثَّاني عَشَر) في دَان وَبَيْت إيْل، وَعَبَدوهُما مَرَّةً أخرى.
وَقد عَبَدَ المِصرِيُّونَ الثِّيران. وَلا يُمكِنُني أن أنسَى مَا حَدَثَ عندما كُنتُ في مِصْر. فَقد أَخَذُونا في رِحلة، وَرَكِبْنا أحْصِنَةً إلى الأهرامات. وَكانَ هَؤلاءِ الصِّبية العَرَب يَجُرُّونَ الأحصِنَة. وَكانُوا يَعرِفونَ شَيئَيْنِ باللُّغةِ الإنجليزيَّة: "الدُّولارات" وفيلم "الحَارِس الوَحيد" (Lone Ranger). أجل، لَقد كَانُوا يَعرِفون "جون وين" [John Wayne] أيضًا. "الحارِس الوَحيد" أو "جون وين" والدُّولارات. وكُنَّا نَركَبُ الأحصِنَةَ هُناك. وَقد رَكِبْنا الأحصِنَةَ مَرَّةً أخرى مَسافَةً قَصيرة. وَقد رَأينا تِلكَ المَقبَرَة القَديمة. وَهِيَ رَائعةٌ جدًّا. فَقد اكتَشَفوها في الرِّمالِ هُناك.
وَقد دَخَلنا إليها ورأينا تِلكَ التَّوابيتَ والقُبورَ الَّتي كانَت مَدفونَةً في الأرض. وَقد أخبرُونا أنَّهُم وَجَدُوا في تِلكَ التَّوابيتِ ثِيرانًا مُقَدَّسَةً، ثِيرانًا ضَخمة. وَقد كَانُوا يُنزِلونَ تلكَ التَّوابيت إلى أسفلِ الأرضِ ثُمَّ يَضَعونَ التُّرابَ فَوقَها. وَقد رأينا حُجُراتٍ تَحوي رُسومًا جِدارِيَّةً ونُقوشًا رَائِعَةً، وأمورًا أخرى. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُم عَثَروا على كُنوزٍ في تِلكَ الأماكِنِ الَّتي كَانُوا يَدفِنونَ فيها الثِّيرانَ المِصريَّة.
وَقَد عَبَدَ اليُونانِيُّونَ دَيانا الأفسُسِيِّين. وعندما تُفَكِّرونَ في دَيانا، رُبَّما تُفَكِّرونَ في فَتاةٍ رَشيقَةٍ تَرتَدي ثَوبًا أبيض. ولكِنَّ دَيانا الأفسُسِيِّينَ كَانَ تِمْثالاً قَبيحًا أسودَ اللَّون... فَهُوَ تِمثالٌ قَبيحٌ أسود اللَّونِ يَتَدَلَّى مِنْ بَطْنِهِ أربعةَ عَشَرَ ضَرْعًا تُشبِهُ ضُروعَ الأبقار ولكِنَّها مُجْتَمِعَة كُلُّها في ضَرْعٍ واحِدٍ لِكي تُرْضِعَ العَالَم. فَهُوَ تِمثالٌ بَشِعٌ. هذا هُوَ تِمثالُ دَيانا.
وَطَوالَ التَّاريخِ، عَبَدَ النَّاسُ الأبقارَ المُقَدَّسَةَ، والفِئرانَ، والجُرذانَ، والفِيَلَة. هَل تَعلَمونَ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ في مِصْر إلَهٌ يُدعَى "سُوبِك" (Sobek) أو الإلَه التِّمساح؟ وَكانَ هُناكَ إلَهٌ يُدعَى "أنوبيس" (Anubis)، وَهُوَ على هَيئةِ جِسمِ إنسانٍ ورأسِ حِمار. وكانَ الإلَهَان الرَّئيسيَّانِ في مِصْر هُما: "أوزوريس" و "إيزيس" (Osiris and Isis)، وَهُما الشَّمس والقَمر. فَقد عَبَدوا الشَّمسَ والقَمَر. وبالمُناسبَة، لا يَذكُرُ بُولسُ هُنا كُلَّ الآلِهَة. ولكِنَّهُم عَبَدوا النُّجومَ، والشَّمسَ، والقَمَرَ، وعَبَدُوا كُلَّ شَيءٍ آخر كالحِجارةِ والأشجارِ وكُلَّ شَيء. وَهذا نَموذَجٌ فقط.
وَقد عَبَدَ المِصريُّونَ اللَّقْلَق، وعَبَدوا القِرد، وعَبدو القِطّ، وعَبدوا الصَّقْر، وعَبَدوا أكثرَ مِن عِشرينَ ألفِ حَيَوانٍ آخر. وَقد عَبَدَ أَهالي طِيْبَة الكَبْشَ، وعَبَدَ أَهالي مَمفيس (أو مَنَف) عِجلاً يُدعَى "آبيس"، وَعَبَدَ أَهالي بوبَسطَة قِطَّةً، وعَبَدَ أَهالي كُوم الحِصْن بَقَرَة، وعَبَدَ أهالي تَلّ الرُّبع تَيْسًا، وَعَبَدَ أهالي هيرموبوليس سَمَكَةً، وعَبَدَ المِصريُّونَ في مِنطقةٍ أخرى في مِصر فَرَسَ النَّهر، وَعَبَدَ أهالي مِنطقةٍ أخرى في مِصر الذِّئب، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَقد عَبَدُوا الأفاعي. وَحَتَّى إنَّ بَعضًا مِنهُم عَبَدُوا بَيْضَ التِّمساح.
وَنَقرأُ أيضًا في العَدد 23 أنَّهُم عَبَدُوا "الطُّيور". فَقَد عَبَدَ الرُّومانُ النَّسْر. وَقد عَمِلوا صَنَمًا للنُّسور. وَقد أَمَرَ هِيرودُسُ الكَبير بِنَصْبِ نَسْرٍ ذَهبيٍّ فَوقَ بَوَّابَةِ أورُشليم فأثارَ غَضَبَ اليَهود. وَكانَ الجُنودُ الرُّومانُ يَضَعونَ نُسورًا على رَاياتِهم. وَكانَ اليَهودَ يَرَوْنَها أصنامًا تُحَرِّمُها الشَّريعةُ الإلهيَّة ويُحاولونَ أن يُسْقِطوها. وقد أدَّى ذلكَ إلى مَشاكِل عَديدة.
وَقد عَبَدَ الهُنودُ الطُّيورَ وَوَضَعوها على تَماثيلِهم رَمْزًا لِطائِرِ الرَّعْدِ الأُسطورِيّ. والأشخاصُ الَّذينَ بَنَوْا الأهرامات عَبَدوا أشياءً كَثيرةً مِن بَينِها أنواع مِنَ الطُّيور. فَقَد عَبَدوا حَشَراتٍ، وَعَبَدوا حَيَواناتٍ، وَهَكذا دَوَالَيْك. ويُمكِنُني أن أستمرَّ في الحَديثِ عَن ذلك. فالنَّاسُ المُثَقَّفونَ في رُوما على سَبيلِ المِثالِ كَانُوا يُعِدُّونَ خُطَطَهُم مِن خِلالِ دِراسةِ أحشاءِ الخِرافِ أو طَيَرانِ الطُّيورِ على غِرارِ التَّنجيم.
لِذا فَقد وَضَعَ الإنسانُ أَحَطَّ الأشياءِ مَحَلَّ الله. وَأخيرًا، نَقرأُ في العَدد 23 أنَّ أوَّلَ شَيءٍ فَعَلَهُ البَشَرُ هُوَ أنَّهُم "أَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى". وَعِبادَةُ البَشَرِ هِيَ أعلى مُستوىً مَوجود. فَهُوَ أعلى مُستوى مِنَ العِبادَة.
فَقد عَبَدُوا قَيصَر. وَقد وَضَعُوا صُورةَ وَجهِهِ على كُلِّ العُملات. وَكانَ آلِهَةُ اليُونانِ وآلِهَةُ الرُّومانِ آلِهَةً على هَيئةِ بَشَر. وبالمُناسَبَة، كَانَ آلِهَةُ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْن أكثرَ مِن ألفٍ وخمسمئة. فَقد كانُوا يَعبُدونَ آلِهَةَ الحَربِ، وآلِهَةَ الخُصوبَةِ، وآلِهَةَ العِلْمِ، وآلِهَةَ الصَّيدِ، وآلِهَةَ السَّماءِ، والأرضِ، والنَّارِ، والهَواءِ، والمَاءِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وغَالِبًا، كانَتْ تِلكَ الآلِهَةُ تَأخُذُ هَيئةَ إنسانٍ أو مَخلوقٍ يُشبِهُ الإنسان.
وفي كُلِّ العُصور، سَجَدَ النَّاسُ أمامَ بَشَرٍ آخَرين. ومَا زَالَ النَّاسُ حَتَّى يَومِنا هَذا في الكَنيسةِ الرُّومانيَّة يَسجُدونَ أمامَ أصنامِ أموات. وَقَد لا يَقولونَ إنَّ هذهِ عِبادَة، ولكِنَّها كَذلكَ بالنِّسبةِ إلى كَثيرينَ مِنهُم.
ونَقرأُ في المَزمور 115: 4: "أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا". فَهُم لا يَعرِفونَ أكثرَ مِمَّا تَعرِفُ تِلكَ الأصنامُ الغَبِيَّة. فَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ المُرَنِّم.
فَقَد كَانَتِ الآلِهَةُ الرَّئيسيَّةُ غَالِبًا جدًّا على هَيئةِ إنسان. فالإنسانُ عَابِدُ وَثَن. وَقد تَقول: "ولكِنْ يا جون، مَا صِلَةُ هَذا بِنا اليوم؟" في أمريكا، لا تُوجَدُ لَدينا عِبادَةُ أصنام". بَلى، إنَّها مَوجودةٌ بِشَكلٍ مِنَ الأشكالِ في اعتقادي. وَرُبَّما يُوجَدُ أُناسٌ غَريبو الأطوارِ في مَكانٍ مَا يَعبُدونَ كُلَّ شَيء. ولكِنْ تُوجَدُ لَدينا آلِهَةٌ أخرى أكثرَ تَكَلُّفًا (في اعتقادي) اليَوم.
فَنحنُ نَعبُدُ العِلمَ، ونَعبُدُ الشُّيوعِيَّةَ، والعِلمانِيَّةِ، والنَّزعَةَ الإنسانِيَّةَ، والنَّزعَةَ القَومِيَّةَ، والنَّزعَةَ الطَّبيعيَّةَ، وعِلْمَ البِيئَة. وَنحنُ نَعبُدُ المَالَ، والمُتعَةَ، والجِنسَ، والغَرامِيَّات، والتَّسلية، والرِّياضَة، والتَّعليم، والمقامَ المَرموقَ، والقُوَّةَ، ومُغَنِّي الرُّوك، ونُجومَ السِّينما، وأبطال الرِّياضَة. فالإنسانُ عَابِدُ وَثَن. وَهذهِ جُزءٌ فقط مِن عِبادَتِه. ففي نُقطةٍ مَا، كَانَ يُؤمِنُ باللهِ؛ ولكِنَّهُ عَمِلَ إلَهًا يُلائِمُ فِكْرَهُ.
لِذا إليكُم النَّتيجَةَ النِّهائيَّة، وأعتقدُ أنَّكُم فَهِمتُم الصُّورَة: إنَّها التَّدَيُّن. فَالإنسانُ يَنحَدِر. وأعتقدُ أنَّهُ يُمكِنُني أن أُبَيِّنَ ذلكَ مِن خِلالِ ظَاهِرَةٍ ظَهَرَتْ مُؤخَّرًا وأخبرتُكُم عَنها في الأسبوعِ المَاضي. فَقد ذَكرتُها لَكُم، وَهِيَ تُسَمَّى: "دنجنز آند دراغونز" (Dungeons and Dragons) ومَعناها: "سُجونٌ وَتَنانين". ولُعبة "دنجنز آند دراغونز" هِيَ لُعبةٌ جَديدة. وُهناكَ ثَلاثَةُ مَلايينِ أمريكيٍّ حَالِيًّا يَلعَبونَ هذهِ اللُّعبةَ الجَديدة. وَقد فَكَّرْتُ وَحَسْب في أن أقرأَ على مَسامِعِكُم بَعضًا مِمَّا جَاءَ فيها وَعَنها:
دنجنز آند دراغونز هِيَ لُعبةٌ خَياليَّة. فَعِوَضًا عَنِ الخَلفيَّةِ التَّاريخيَّةِ لألعابِ الحَربِ الَّتي كَانت شَائعةً في أواخِرِ الخَمسينيَّات فإنَّ ألعابَ دنجنز آند دراغونز تَدورُ في أذهانِ لاعِبيها حيثُ يُعلِنُ حَارِسُ السِّجْنِ مَسارَ اللُّعبَةِ في عَالَمٍ وَهمِيّ. فَقد تَمَّ تَصميمُ ألعابٍ جَديدةٍ أكثر تَعقيدًا وقَسوةً مِن لُعبةِ دنجنز آند دراغونز الأصليَّة. وَهِيَ تُدعَى ألعابُ تَقَمُّصِ الأدوارِ الوَهميَّة. ومِن بَينِ أكثرِ هذهِ الألعابِ انتشارًا لُعبةُ "رون كويست" (RuneQuest)، وَ "شيفالري آند سورسري" (Chivalry & Sorcery)، وَ "آردوين غريموار" (Arduin Grimoire)، وَ "تَانيلز آند ترولز" (Tunnels and Trolls)، إلخ، إلخ، إلخ.
وَإليكُم اللُّعبة: يَنبغي أن يَتَقَمَّصَ أحدُ اللاَّعِبينَ شَخصيَّةَ حَارِسِ السِّجن وأنْ يَقومَ بِدَورِ "الإلَهِ الأَسْمَى" في العَالَم. وَهُوَ يَخلِقُ عَالَمًا لِلاعِبيه. وأدواتُهُ هِيَ الخَرائِطُ، وَحِجارَةُ النَّرْدِ، وشَخصيَّاتُ مُصَغَّرة، وكُتُبُ تَعليمات، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَقد تَستمِرُّ اللُّعبَةُ سَنواتٍ عَديدة. وَقد يَلعَبُ اللاَّعِبونَ خِلالَ هذهِ السَّنواتِ سَاعاتٍ وَساعاتٍ وَساعات.
وَما هُوَ أكبرُ وَهْمٍ لَدى الإنسان؟ أكبَرُ وَهْمٍ لَدى الإنسانِ هُوَ أن يَصيرَ إلَهًا. وَهذهِ اللُّعبَةُ تُحاكِي ذلكَ الوَهم. فعندما تَبتدِئُ اللُّعبَة، يُعطي كُلُّ لاعِبٍ شَخصيَّةً يَدخُلُ بها اللُّعبَة. فَينبغي أن تَكونَ لَكَ شَخصيَّة. ويُمكِنُه أن يَبقى في اللُّعبَةِ طَالَما أنَّهُ لم يَتعرَّض للقَتل. ويَنبغي لَهُ أن يَقتُلَ أشخاصًا آخرينَ في اللُّعبةِ لِكي يَبقى فيها. وإنِ استَمرَّتِ اللُّعبةُ وَقتًا طَويلاً، يَتقمَّصُ أغلبيَّةُ اللاَّعِبينَ حَقًّا الشَّخصيَّةَ الَّتي يُؤدُّونَها فَتَصيرُ اللُّعبةُ الآنَ حَدَثًا حَقيقيًّا يَجِدُ فيهِ اللاعِبُ صُعوبَةً بَالِغَةً في الفَصلِ بَينِ الواقِعِ والخَيال.
وعندما يَتِمُّ تَشكيلُ الشَّخصيَّاتِ، تُحَدِّدُ حِجارَةُ النَّرْدِ مَن سَيُؤدِّي هَذا الدَّورَ أو ذَاك. وفي دَليلِ لُعبةِ دنجنز آند دراغونز، تَمتَلِكُ كُلُّ شَخصيَّةٍ سِتَّ قُدُراتٍ رَئيسيَّة: القُوَّة، والذَّكاء، والحِكمَة، والهَيئَة، والبَراعَة، والكاريزما. وَتُحَدِّدُ التَّعليماتُ في دَليلِ اللُّعبَةِ مَا إذا كانتِ الشَّخصيَّةُ صَالِحَةً أَم شِرِّيرة. ولكي تَنجُو مِن أحداثِ اللُّعبة، تُعطي كُلُّ شَخصيَّةٍ أسلحةً خَاصَّةً مِثلَ أسلِحَةٍ سِحريَّةٍ، وجُرعاتِ طَاقَة، وتَعاويذ، والمُجوهرات، والمَاء المُقَدَّس، والثَّوم، والأشياءِ المَوجودةِ في عَالَمِ السِّحْر.
وَهَدَفُ اللُّعبَةِ هُوَ اقتيادُ الشَّخصيَّاتِ في مَتاهَةٍ مُستمرَّةٍ مِنَ السُّجونِ المُمتلئةِ بالوُحوشِ، والسِّحرِ، والكَمائِنِ، والمُغامَراتِ بَحثًا عَن كُنوزٍ، وَهَلُمَّ جَرَّا. والشَّيءُ الَّذي تَفعلُونهُ في الحَقيقةِ في كُلِّ هذهِ المَتاهَةِ هُوَ أنَّكُم تَقتُلونَ بَعضُكُم بَعضًا وَمَا شَابَهَ ذلك. فَكُلُّ شَخصٍ يُحاولُ أن يَصيرَ حَارِسَ السِّجْن. وكُلُّ شَخصٍ يُريدُ أن يَصيرَ الله.
ولا يُمكِنُني أن أقرأَ لَكُم كُلَّ هذهِ الأشياء؛ ولكِنَّها صَادِمَةٌ جدًّا. وبِحَسَبِ دَليلِ استِخدامِ لُعبةِ دنجنز آند دراغونز: "الحِكْمَةُ هِيَ المَطلَبُ الرَّئيسيّ. والتَّعويذاتُ السِّحريَّةُ يُمكِنُ أن تُلقَى"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهُناكَ أيضًا أُمورٌ عَجيبةٌ تَجري حيثُ إنَّ المِثليَّةَ الجِنسيَّةَ، واللُّواطَ، والاغتِصابَ، وغَيرَها مِنَ الأفعالِ الجِنسيَّةِ الشَّاذَّةِ تُمارَسُ في اللُّعبَةِ بِكُلِّ تَأكيد. وعندما يَتَقَمَّصُ الأشخاصُ الشَّخصيَّاتِ تَقَمُّصًا قَوِيًّا جدًّا فإنَّهُم يُمارِسونَها في الحَياةِ ويَعيشونَ تَخَيُّلاتِهم.
وَقد قَالَ أحدُ الصِّبيانِ إنَّهُ: "في 90 بالمِئَة مِنَ الوقتِ، كَانَ يَعيشُ الشَّخصيَّةَ الَّتي في اللُّعبةِ، وَفي 10 بالمِئَة مِنَ الوَقتِ، كَانَ يَعيشُ شَخصيَّتَهُ الحَقيقيَّة". وَرَئيسُ السِّجْنِ يَمْتَلِكُ قُدُراتٍ لا يُمكِنُ الحُصولُ عليها البَتَّة على الأرض. وَقد صَارَ إلَهًا في عَالَمِهِ الخَيالِيِّ الخَاصِّ بِه. وبالمُناسَبَة، في سَنَة 1980، بَاعُوا نُسَخًا تُقَدَّرُ قيمَتُها بِنَحوِ عِشرينَ مَليون دُولار مِن هذهِ اللُّعبةِ، وَهُم يَتوقَّعونَ أن يَبيعوا نُسَخًا بِقيمةِ سِتِّينَ مَليون دُولار في هذهِ السَّنَة. وبالمُناسَبة، عندما تُقتَلُ في اللُّعبة، يُمكِنُكَ أن تَقومَ مِنَ المَوتِ إنْ عَثَرْتَ عَلى المَصدرِ السِّحريِّ الصَّحيح.
أمَّا المُحَصِّلَةُ النِّهائيَّةُ لِهذا كُلِّه [لكي تَعرِفُوا كَيفَ يَنبغي أن تَنظُروا إليها] فَهِيَ أنَّ اللُّعبَةَ تُعَلِّمُ السِّحْرَ، وَتُعَلِّمُ عِبادَةَ الشَّيطان. وَهِيَ تُعَلِّمُ كَيفيَّةَ إقامَةِ المَوتَى، وقَوْلِ التَّعاويذ. وَهِيَ تَستخدِمُ عِباراتٍ لا أذكُرُها جَيِّدا؛ ولكِنَّها تَضُمُّ اللَّفظَةَ "عَناصِر" فيها. وَقد قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ إنَّ المَوضِعَ الوَحيدَ الَّذي تُستخدَمُ فيهِ تِلكَ العِبارَةُ هُوَ في السِّحْر.
ولكِنَّ الفِكرةَ بأسْرِها هِيَ أنَّ هذهِ اللُّعبةَ تُدْخِلُ النَّاسَ في عَالَمِ السِّحْرِ وَتُوْهِمُهُم بأنَّهُم يَستطيعونَ أن يَصيروا آلِهَةً. وَهَذا هُوَ أقصَى مَا يَتَخَيَّلُهُ الإنسان. كَما أنَّ هذهِ اللُّعبَةَ تُشَجِّعُ على المِثليَّةِ الجِنسيَّةِ، وسِفاحِ القُرْبَى، والاغتِصاب. وَهِيَ تَحوي أشياءً شِرِّيرةً وخَبيثَةً جدًّا. وَهِيَ أسوأُ بِكَثير في الألعابِ الَّتي صَدَرَتْ بَعدَها.
والآن، لِماذا تَجتَذِبُ لُعبةٌ كَهذهِ ثَلاثَةَ مَلايينِ شَخصٍ يَلعَبونَها الآن؟ لماذا؟ لأنَّ هَذا هُوَ أقصَى مَا يَتَخَيَّلُهُ الإنسان. فَهُوَ يُريدُ أن يَصيرَ إلَهًا. وَهُوَ يُريدُ أن يَكونَ الكُلَّ في الكُلّ. وَهُوَ يُريدُ أن يُسيطِرَ على جَميعِ مَن هُم حَولَهُ. وَهُوَ يُريدُ أن يُقَرّرَ مَصيرَ النَّاس. وَهُوَ يُريدُ أن يُقَرِّرَ مَن يَموتُ وَمَن يَعيش. فَهَذا هُوَ مَا تَفعَلُهُ في هذهِ اللُّعبَة.
الإنسانُ مُتَدَيِّنٌ... أجل... بِطبيعَتِه. ولكِن عندما يُلغي اللهَ مِن حَياتِهِ لا يَتَبَقَّى لَديهِ سِوى نَفسِه. لِذا فإنَّهُ يُحاولُ أن يَصيرَ اللهَ سَواءَ بأنْ يَكونَ الإلَهَ الحَارِسَ للسِّجْن، أو بأن يَكونَ إلَهًا بِحَسَبِ عَقلِهِ المُتَدَيِّن، أو بأن يَجِدَ عُنصُرًا في العالَمِ يَعبُدُهُ؛ ولكِنَّهُ يُسَلِّمُ في كُلِّ الأحوالِ بِوجودِ إلَه، ثُمَّ يُحاولُ مِن خِلالِ تَخَيُّلاتِهِ أن يَعبُدَ ذلكَ الإلَهَ الَّذي عَمِلَهُ بنفسِه. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَعبُدُ إلَهَ هَذا الدَّهْر؛ أيِ الشَّيطانَ نَفسَهُ. لِذا فإنَّ غَضَبَ اللهِ مُعلَنٌ يا أحبَّائي. وَلِذا فإنَّ اللهَ غَاضِبٌ على الخطيَّةِ لأنَّها تَعكِسُ انحِدارَ الإنسان.
وبالمُناسَبة، هُناكَ خُطوةٌ أخرى. أجل، هُناكَ خُطوةٌ أخيرة. ويُمكنُني أن أُسَمِّيها "الإدانَة"... الإدانَة. وَنحنُ نَقرأُ عَن ذلكَ في الأعداد مِن 24-32؛ ولا سِيَّما في مُنتصفِ العَدد 28: "أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوض". فَلا يُمكِنُ لِفلسفةِ الإنسانِ وَلا تَدَيُّنِ الإنسانِ أنْ يُبْطِلَ طَبيعَتَهُ الشِّرِّيرة. لِذا فإنَّهُ يَنحَدِرُ إلى النَّجاسَةِ، وإلى شَهوةِ قَلبِه. وَهُوَ يُهينَ جَسَدَهُ. فَهذا هُوَ مَا يَفعلُهُ.
فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 26 أنَّهُ يَنغَمِسُ في الشَّهَواتِ الشِّرِّيرة: "لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ. وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا". فَهُنَّ سُحاقِيَّاتٌ، وَهُمْ لُواطِيُّون. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 29: "مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ..."؛ وَهَلُمَّ جَرَّا.
وَكَما تَرَوْنَ، عندما تَبتدِئُ بالإعلانِ، وتَنحَدِرُ مِن هُناك بِسَبَبِ الرَّفْض، وتَنحَدِرُ مِن هُناكَ بِسَببِ التَّسويغ، وتَنحَدِرُ مِن هُناكَ إلى التَّدَيُّنِ فإنَّ الخُطوةَ الَّتي تَليها هِيَ الإدانَة. فَذِهنُكَ يَصيرُ مَرفوضًا. وَهَذا يَعني أنَّ ذِهنَكَ لا يَعودُ قَادِرًا على التَّمييزِ بينَ الحَقِّ والبَاطِل. وأنتَ تَسقُطُ في نَجاسَةٍ مُريعَةٍ وَقَذِرَةٍ يَتَّسِمُ بها عَالَمُنا. وَهَذا هُوَ مَا يُغضِبُ الله. لِذا فإنَّهُ مُحِقٌّ كُلَّ الحَقِّ في أن يَغضَب.
والآن، استَمِعوا إلى مَا يَلي في الخِتام، وسوفَ أُعَلِّقُ على العَدد 24 والعَدد 32 في وَقتٍ لاحِق. ليسَ مِن طَبيعةِ اللهِ... يَنبغي أن تَسمَعُوا هَذا: ليسَ مِن طَبيعةِ اللهِ أن يُسَرَّ بالعِقاب. فَهُوَ يَقولُ: "حَيٌّ أَنَا"... "حَيٌّ أَنَا"؛ وَهُوَ إلَهٌ حَيٌّ... "حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ [مَن؟] الشِّرِّير". فَهُوَ لا يُسَرُّ بِذلك. "بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا". وَهُوَ يَقولُ: "اِرْجِعُوا، ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُون؟"
هَذا هُوَ قَلبُ الله. فَهُوَ غَاضِبٌ لأنَّ قَداسَتَهُ تُحَتِّمُ عليهِ ذلك. ولكِنَّهُ لا يُسَرُّ بِذلك، بَلْ إنَّ اللهَ يُسَرُّ بأنْ يَرْحَم. واللهُ "لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ". وَقد قَالَ يَسوعُ: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ!... كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!" وعندما اقتربَ مِنَ المَدينةِ، نَقرأُ أنَّهُ "بَكَى". فَقد بَكَى.
وَقَد قَال: "إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ". وَقد بَكَى.
فَفي قَلبِ اللهِ، هُناكَ دُموعٌ مَمزوجَةٌ بِغَضَبِهِ لأنَّهُ يَدعُو البَشَرَ إلى التَّجاوُبِ مَعَ نِعمَتِه. ولكِنَّ الإنجيلَ يَبتَدِئُ بِغضبِه. فَهُوَ غَاضِبٌ لأنَّ البَشَرَ مُذنِبون.
أرْجو أن تَحْنُوا رُؤوسَكُم مَعي وَأن تُصغُوا إلى مَا يَلي: قَبلَ سَنواتٍ، كَتَبَ رَجُلٌ اسمُهُ "جوزيف هارت كلينش" (J. H. Clinch) كلماتٍ أعتقدُ أنَّها تَلْمَسُ القَلب. فَهِيَ تُرغِمُنا على التَّفكيرِ في الخِيارَيْنِ التَّالِيَيْن: إمَّا أن نُمَجِّدَ اللهَ، وَإمَّا أن نَرفُضَ ذلكَ وَنُواصِل الانحِدار. فَقَد كَتَبَ مَا يَلي: "مَا زِلْنا نَبتَعِدُ عَنهُ وَنَملأُ قُلوبَنا بأمورٍ عَديمَةِ النَّفْع. فَنِيرانُ الجَشَعِ تُذيبُ الطِّيْنَ وَتَصْنَعُ مِنهُ صَنَمًا. وَلَهيبُ الطُّموحِ وجُموحُ الشَّغَف يُحَوِّلانِ بِكيمياءٍ عَجيبةٍ نُفاياتِ الأرضِ لِيَصْنَعا مِنهُ مَسْخًا مَطْلِيًّا بالذَّهَبِ يَحِلُّ مَحَلَّ يَهوَه".
وَهَذا صَحيح. فالنَّاسُ يَعملونَ آلِهَةً تَحِلُّ مَحَلَّ الله. لِذا فإنَّ اللهَ غَاضِبٌ. لا تَخدَعُوا أنفُسَكُم بأنَّ الإنسانَ صَالِحٌ، وبأنَّهُ يَرتَقي. فَهُوَ يَنحَدِر. فالبَشَرُ يَصيرونَ مِن رَديءٍ إلى أردأ، لا أفضَل فَأفضَل. والعَالَمُ لا يَتَحَسَّنُ، والبَشَرُ لا يَتَحَسَّنون، بَل يَنحَدِرون لأنَّ هَذهِ هِيَ الخُطُواتِ الَّتي يَسيرُ بِها: مِنَ الإعلانِ إلى الرَّفضِ، ثُمَّ إلى التَّسويغِ، ثُمَّ التَّدَيُّنِ، ثُمَّ الإدانَة.
ولكِن لا حَاجَةَ إلى أن يَحدُثَ ذلك. فالمَسيحُ جَاءَ إلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ نَهْلِك. فَإنْ دَعَوْتَ باسمِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحَ تَخلُص الآنَ وَأنتَ جَالِسٌ في مَكانِك. أمَّا إنْ لم تَكُن تَعبُدُ اللهَ الحَقيقيَّ فإنَّكَ مُذنِبٌ، وَسَتَقضي الأبديَّةَ في جَهَنَّمَ بِسببِ أُجرةِ خَطاياك. والخِيارُ لَك. ولكِنْ حَتَّى لَو كُنتَ مُتَدَيِّنًا جدًّا فإنَّ ذلكَ لا يُقَرِّبُكَ إلى الله، بَلْ إنَّ التَّدَيُّنَ يَجعَلُكَ أبعَد مَا يَكونُ عَنهُ إنْ لم تَكُن تَعبُدُ اللهَ الحَقيقيَّ مِن خِلالِ ابنِهِ المَسيح.
يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا المَساء على كَلِمَتِكَ. على الرَّغْمِ مِن أنَّنا حَاولنا أن نُغُطِّي أمورًا كَثيرةً، وَأنَّنا تَخَطَّيْنا بِضْعَ نِقاطٍ، وَعَجَّلْنا في أُمورٍ أُخرى، نُصَلِّي أن تَكونَ الرِّسالةُ وَاضِحَة. سَاعِدنا على أن نَرى أنَّكَ مُحِقٌّ في أن تَغضبَ لأنَّ البَشَرَ رَفَضُوا مَا فَعَلتَهُ. وَهُم لم يَعرِفُوا زَمانَ افتِقادِهِم. فَهُم لَم يَعرِفوا ذلكَ لأنَّهُم لم يُريدوا أن يَعرِفوا، وَلم يُريدوك. فَهُمْ لم يَكونوا ضَحايا، بَلْ إنَّهُم رَفَضوك. ومَا زَالَ الأمرُ هَكذا اليوم.
فالنَّاسُ ليسُوا ضَالِّينَ بِسببِ انعِدامِ الفُرصَة، بَل إنَّهُم ضَالُّونَ لأنَّهُم لا يُريدونَ فُرصَةً، بَل إنَّهُم رَفَضُوها سَواءَ كَانُوا في مُجتمَعِنا أو في أيِّ مُجتمعٍ آخر. ولو أنَّهُم قَبِلوكَ وقَبِلوا النُّورَ الَّذي تُعطيِه لَكُنْتَ أعطيتَهُم كُلَّ نُورِ المَسيح.
وصَلاتُنا هِيَ أن يَحدُثَ هَذا في قُلوبِ أُناسٍ في هذا المَساء. باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
