لِنَنظُر في كُتُبِنا المُقدَّسةِ إلى رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الثَّاني. لقد نَسَيْتُ سَاعَتي اللَّيلة! ولكِنْ لا تُغادِروا المَكان. فَهُناكَ سَاعة هُنا على المِنْبَر. ولكنِّي أشعُرُ بأنِّي أنسَى نَفسي عندما أنسَى سَاعَتي. كانَ أبي يَحكي قِصَّةَ شَخصٍ يُلاقي صُعوبةً في الالتزامِ بالوقت. لِذا فقد كانَ يَضَعُ في فَمِهِ قِطعةً مِن السَّكاكِر بِنكهةِ النَّعناع. وعندما تَذوبُ قِطعةُ السَّكاكِر، كانَ يَعلمُ أنَّ وَقتَهُ قدِ انتَهى. وفي أحدِ الأيَّامِ صَارَ يَضَعُ في فَمِهِ زِرًّا عِوَضًا عن قِطعةِ السَّكاكِر. لِذا، سأُحاولُ أن أنتبِهِ إلى الوقت. ولكنَّ الشَّيءَ الأكثرَ أهميَّةً هُوَ ليسَ الوقت، بَلِ الرِّسالة. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ لَدى اللهِ رِسالة خاصَّة لنا فيما نَتأمَّلُ مَرَّةً أخرى في المَقطعِ الافتتاحِيِّ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالةِ بولُس إلى أهلِ رُومية.
وهذهِ في الحقيقة نَظرة إلى الأعدادِ السِّتَّةَ عشر الأولى بِمُجملِها لأنَّ هذهِ الآياتِ تُبَيِّنُ لنا المبادئَ الَّتي سيَستخدِمُها اللهُ لإدانةِ البَشر؛ أي مَبادئَ الدَّينونة. ويُمكنكم أن تُعَنْوِنُوا دَرسَ هذا المَساء: "إساءةُ استخدامِ لُطْفِ الله" - إساءةُ استخدامِ لُطْفِ الله. فالكِتابُ المُقدَّسُ يُخبرُنا أنَّ اللهَ سيَدينُ جَميعَ البَشرِ، وأنَّهُ سَيَدينُ جَميعَ البَشرِ بِيَسوعَ المسيح. فَتِلكَ هي الخُطَّةُ الإلهيَّة. وهو يَقولُ إنَّهُ "أَقامَ يَومًا..." [في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 17: 31] "...هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ". أعمال الرُّسُل 17: 31. ففي يَومٍ مَا، سَوفَ يَدينُ اللهُ جَميعَ النَّاسِ بيسوعَ المسيح. فالمَسيحُ هُوَ الَّذي سيُنَفِّذُ الدَّينونَة.
وواحدٌ مِن أهَمِّ المقاطِعِ الكِتابيَّةِ الَّتي تُعَلِّمُ عن هذا الموضوعِ هو الأصحاحُ الخامسُ مِن إنجيل يوحنَّا إذْ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني والعشرين: "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْن". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 27: " وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَان". ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 12: 48: "مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير". وهناكَ العَديدُ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ الأخرى الَّتي تُخبرنا أنَّ اللهَ سيَدينُ البشرَ ذاتَ يومٍ بِواسطةِ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح. وهذه حَقيقةٌ مَعروفةٌ تمامًا في الكتابِ المقدَّس. والحقيقةُ هي أنَّ حتَّى الوثنيِّينَ يَعرِفونَ أنَّهُم سيُدانون. ففي نهايةِ العدد 32، أو بالحَرِيِّ في نهايةِ الأصحاحِ الأوَّلِ والعدد 32، نَقرأُ أنَّهُم يَعرِفونَ دَينونَة الله. فالنَّاسُ يُدركونَ [لا فقط مِن خلالِ الكتابِ المقدَّسِ، بَل أيضًا مِن خلالِ ضَميرهم ومِن خلالِ ما يُمكنُهم أن يُلاحِظوهُ مِن حَولِهم] أنَّ اللهَ يَدينُ الشَّرّ.
وَالسُّؤالُ الَّذي نَجِدُ إجابَتَهُ في الأصحاحِ الثَّاني هو: مَا هُوَ مِعيارُ هذه الدَّينونة، أو على أيِّ أساسٍ سيَدينُ اللهُ البَشَر؟ ما هوَ مِعيارُ الدَّينونة؟ أو ما هي مَعاييرُ الدَّينونَة [بصيغةِ الجَمْع]؟ أعتقدُ أنَّ بولسَ يُخبرُنا في الأعدادِ السِتَّة عشر الأولى مِن هذا الأصحاحِ أنَّهُ تُوجدُ سِتَّة عَناصِر مُختلفة، أو سِتَّة أوجُه مُختلفة، مُرتبطة بالدَّينونةِ الإلهيَّة. والآن، قَبلَ أن نُتابِعَ حَديثَنا عن هذه المَعاييرِ السِّتَّة، يجبُ عليكم أن تَتذكَّروا شيئًا واحدًا: أنَّ التَّركيزَ الرَّئيسيَّ في رِسالة رُومية 2: 1-16 يَنْصَبُّ على الشَّخصِ الَّذي يَفتَخِرُ بأخلاقِه. وكانَتِ الأخلاقُ تُقاسُ، في زَمَنِ بولُس تَحديدًا، بِالبِرِّ الذَّاتي، أو باليهودِ المُتديِّنين. فعندما نَظرنا إلى ما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّل والأعداد مِن 18 إلى 32، ورأينا أنَّ تِلكَ دَينونةً ناجِمةً عن غَضبِ اللهِ على الشَّرّ، لا شَكَّ في أنَّنا كُنَّا نَنظُرُ إلى دَينونةِ اللهِ للوثنيِّينَ، أو عبدةِ الأصنامِ، أوِ العالَمِ الفاسِق. والإنسانُ ذُو الأخلاقِ، أوِ الإنسانُ المُتَدَيِّنُ سَيُقِرُّ بتلكَ الدَّينونةِ ويقول: "أجل، يَنبغي أن يُدانَ هَؤلاء". ولكنَّ الشَّخصَ ذَا الأخلاقِ، أوِ الشَّخصَ المُتديِّنَ؛ ولا سِيَّما اليَهودِيَّ البَارَّ في عَينِ نَفسِهِ، أو عُضوَ الكَنيسةِ في وَقتِنا الحاضِرِ قد يَقول: "أنا أُوافِق! يَنبغي أن يُدانَ هؤلاء"؛ ولكنَّهُ سيَشعُرُ في الوقتِ نَفسِهِ بأنَّهُ بِمَنأى عن تِلكَ الدَّينونة. لِذا، عندما نَنتقلُ إلى الأصحاحِ الثَّاني، نَرى أنَّ بولسَ يَضُمُّ في تلكَ الدَّينونةِ الإنسانَ الَّذي يَفتَخِرُ بأخلاقِهِ أوِ البارَّ في عَيْنِ نَفسِه.
والآن، في الأصحاحِ الأوَّل والأعداد مِن 18-32، رأينا أنَّ غَضبَ اللهِ كانَ مُعلَنًا أصلاً على الوَثنيِّينَ الفاسِقينَ والخُطاةَ الَّذينَ يَعبُدونَ الأصنامَ، وعلى مَن يَنشرونَ الرَّذيلَة. فغضبُ اللهِ مُعلنٌ عليهم بِسَببِ عَملِ الخطيَّةِ في حياتِهم. أمَّا الآن، عندما نَنظُرُ إلى الأصحاحِ الثَّاني، نَرى أنَّ غَضبَ اللهِ يَتصاعَدُ أو يَنتظِرُ اليومَ الَّذي سيُستَعلَنُ فيه حتَّى على أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يَفتخِرونَ بأخلاقِهم أوِ المُتديِّنينَ ظَاهِريًّا دُونَ أن يَكونوا أبرارًا داخليًّا. فأغلبيَّةُ مَنْ يَفتخِرونَ بأخلاقِهم يُظهرونَ حَماسَةً كَبيرةً لإدانةِ الخُطاةِ والأَثَمَةِ في المُجتمع؛ ولكنَّهم لا يُظهرونَ نَفسَ الحَماسَةِ في النَّظرِ إلى حَياتِهم لمعرفةِ إن كانوا أفضلَ حَالاً مِن هؤلاء. فالأشخاصُ المُتديِّنونَ، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ يُؤمِنونَ باللهِ، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ يَذهبونَ إلى الكنيسةِ، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ يَنخرطونَ في أيِّ شَيءٍ مُماثِل يَشعرونَ عادةً أنَّهُ بِسَببِ مُراعاتِهم لمعاييرَ دينيَّةٍ مُعيَّنةٍ، أو بِسَببِ مُمارَستِهم لطُقوسٍ مُعيَّنةٍ، أو بِسَببِ قِيامِهم بِشيءٍ مُشابِهٍ، فإنَّهُم بِمَنأى عن دَينونةِ الله. ولكنَّ الأمرَ، في الحقيقةِ، ليسَ كذلك. فهناكَ أشخاصٌ يُفَكِّرونَ قائِلين: "لَن يَفعلُ اللهُ ذلكَ بِنا. فَنحنُ أُناسٌ صَالِحون. ونَحنُ نَتَحَلَّى بأخلاقٍ رَفيعَة. ونحنُ نُؤمِنُ بالله". ولكنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَفتخرونَ بأخلاقِهم، أوِ الأبرارَ في أعيُنِ أنفسِهم، أو أولئكَ الَّذينَ يُظهرونَ أخلاقًا حَميدةً في الظَّاهرِ فقط ويَشعرونَ بأمانٍ زائِف، أو أولئكَ الَّذينَ يَنتمونَ ظاهريًّا فقط إلى الدِّيانةِ الصَّحيحةِ ولكنَّهم لا يَعرفونَ الحقَّ في قُلوبهم، هُم أشخاصٌ يَنبغي أن يَعلموا أيضًا أنَّهم سيَختبرونَ غَضبَ اللهِ على غِرارِ الوَثنيِّينَ، بَل وأكثر.
لِذا فإنَّ بولسَ يَذكُرُ الأُسُسَ الصَّحيحةَ للدَّينونة. وهي تَسري على كُلِّ شَخصٍ. وَهُوَ يُرَكِّزُ حَديثَهُ تَحديدًا على الشَّخصِ الَّذي يَفتَخِرُ بأخلاقِه؛ أي على الشَّخصِ الَّذي يَتظاهَرُ بالأخلاق، وَعلى الشَّخصِ الَّذي يَتظاهَرُ بالتَّديُّنِ ولا يُريدُ أن يَجِدَ نَفسَهُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مَعَ أولئكَ الخُطاةِ الَّذينَ يَقترفونَ الآثامَ الوَثنيَّة. والآن، فيما يَستعرِضُ بولسُ هذهِ المَبادئَ، هناكَ سِتَّةُ عَناصِرَ للدَّينونةِ الإلهيَّةِ يُشيرُ إليها. فاللهُ يَدينُ على أساسِ سِتَّةِ سِمات: أولاً، إنَّهُ يَدينُ حَسَبَ المَعرفة. ثانيًا، حَسَبَ الحَقّ. ثالثًا، حَسَبَ الذَّنْبِ الحَقيقيّ. رابعًا، حَسَبَ الأفعالِ [أوِ الأعمال]. خامسًا، حَسَبَ عَدَمِ المُحاباة. سادسًا، حَسَبَ الدَّافِع. ونحنُ نَتأمَّلُ في هذهِ العَناصِرِ المُهمَّةِ جدًّا المُختصَّةِ بِدَينونةِ الله.
والآن أوَّلاً، اللهُ يَدينُ على أساسِ المَعرفة. لِنرجِع إلى العددِ الأوَّل ونُراجِع تلكَ النُّقطة: "لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا!" وهذا يَعني بِبَساطةٍ أنَّ اللهَ يَدينُ على أساسِ مَعرفةِ الإنسان. وما يَقولُهُ في تلكَ الآيةِ هُوَ التَّالي: إن كُنتَ تَعرِفُ مَا يَكفي للحُكمِ على شخصٍ آخر فإنَّكَ تُبرهِنُ على أنَّكَ تَعرفُ ما يَكفي لِتَحَمُّلِ المسؤوليَّةِ على أفعالِك. لِذا، إن كانَ بمقدورِكَ أن تَجلِسَ في كُرسِيِّ الحُكمِ وتَدينَ الوَثنيِّينَ على ما يَفعلونَهُ، فإنَّكَ سَتَدينُ نَفسَكَ بكلماتِكَ تِلكَ إنْ فَعلتَ الشَّيءَ نَفسَه.
قَد لا تَفعلُ ذلكَ بشكلٍ صَارِخ، وقد لا تَفعلُ ذلكَ خارجيًّا، وقد لا تَفعلُ ذلكَ مُتَبَجِّحًا، وقد لا تَتَباهَى بذلكَ مِثلَ هؤلاء؛ ولكنْ عندما تَفعلُ ذلكَ في قلبِكَ، أو تُفَكِّرُ في ذلكَ في قَلبِكَ، أو تَفعلُ ذلكَ في السِّرِّ، أو تَفعلُ ذلكَ بأكبرِ قَدْرٍ مِنَ التَّكَتُّم فَلا يَعلَمُ عنها الأشخاصُ المَوجودونَ في النِّطاقِ الرُّوحِيِّ، فإنَّكَ تَكْشِفُ عَنْ خَطيَّتِكَ وتَجِدُ أنَّكَ مُدانٌ على أساسِ مَعرفتِك. بعبارةٍ أخرى، إن كانَ بمقدورِكَ أن تَدينَ الآخرينَ لأنَّكَ تَعرِفُ نَاموسَ اللهِ، فإنَّكَ تَدينُ نَفسَكَ بنفسِكَ بِسَببِ تِلكَ المَعرفةِ أيضًا. لِذا فإنَّ اللهَ سيَدينُ الأشخاصَ الَّذينَ يَفتخِرونَ بأخلاقِهم على أساسِ مَعرفتِهم.
ثانيًا، لَقد تَعَلَّمنا أيضًا أنَّ اللهَ يَدينُ على أساسِ الحَقّ. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقّ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّها تَنسَجِمُ مَعَ الحقائقَ المُختصَّةِ بهؤلاءِ الَّذينَ يَفعلونَ تلكَ الأمور. فَدينونةُ اللهِ تَنسَجِمُ تَمامًا معَ الحَقائق. أو كما جاءَ في نهايةِ العدد 27 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل، فإنَّهم سَيَنالونَ على ضَلالِهِم جَزاءً عادِلاً أو مُلائِمًا. فاللهُ يَجعلُ العِقابَ دائمًا مُنسجمًا معَ الحَقائق. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّثنية 32: 4: "صِدِّيقٌ وَعَادِلٌ هُوَ". فَطبيعةُ اللهِ المُقدَّسة لا تَترُك مَجالاً لأن يَفعلَ أيَّ شيءٍ غير عَادِل. وكما أخبرتُكم في دَرسِنا السَّابق: إنَّ ما يَرجوهُ المُرائي، أو مَا يَرجوهُ الإنسانُ الَّذي يَتظاهَرُ بالتَّديُّن هو أَلاَّ يَدينَهُ اللهُ بالحَقّ، بَل أن يَحكُمَ عليهِ حَسَبَ اعترافِهِ السَّطحِيّ. ومِنَ السُّخْفِ حقًّا أن تَظُنَّ أنَّكَ يُمكِنُ أن تَنجو مِن خِلالِ التَّخَفِّي أمامَ الله. فاللهُ لا يَدينُ بتلكَ الطَّريقة، بَل يَدينُ حَسَبَ الحَقائق.
لِذا فإنَّ العَددَ الثَّالِثَ يُضيفُ ما يَلي: "أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ الله؟" فأنتَ تُريدُ أن تَدينَ كُلَّ شخصٍ آخر. ولكنَّ هذا يُبرهِنُ على أنَّكَ تَعرِفُ النَّاموس. لِذا فإنَّكَ ستُدانُ حَسَبَ تِلكَ المَعرفة. وحيثُ إنَّ اللهَ يَدينُ حَسبَ الحَقِّ، هل تَظُنُّ أنَّكَ ستَنجو في حين أنَّ الآخرينَ سيَهلكون؟ هذا مُستحيل. فاللهُ سيَدينُ دَينونَةً صَحيحة، وَسَيَدينُ دَينونَةً عَادلةً، وَسَيَدينُ حَسبَ الحَقّ.
وأعتقدُ أنَّ هَذا صَحيحٌ حيثُ إنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ السَّابعِ مِن إنجيلِ مَتَّى عَن أُناسٍ سيأتونَ ويَقولون: " يَارَبُّ، يَارَبُّ! لَقد فَعلنا كَذا باسمِكَ، وفَعلنا كَذا باسمِكَ، وفَعلنا كَذا باسمِكَ". وَهُم يَرْتَدونَ قِناعَ التَّديُّنِ ظَاهريًّا. وَهُم يَذكُرونَ كُلَّ الأنشطةِ الدِّينيَّةِ السَّطحيَّة. ولكنَّهُ يَقولُ لهم: "اذْهَبُوا عَنِّي، إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" وأعتقدُ أنَّ بولسَ يُفَكِّرُ في الفِكرةِ نَفسِها في رِسالتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 5: 3 حينَ يَقول: "لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً". وَهُوَ يُشيرُ هُناكَ إلى حَدَثٍ مُستقبليّ؛ ولكنَّ الفِكرةَ هي نَفسُها. فالبشرُ يَظُنُّونَ أنَّهُم في مَأمَنٍ وأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام؛ ولكنَّ دَينونةَ اللهِ تَأتي كالرَّعد. ولن يكونَ هناكَ مَهرَب. فاللهُ لديهِ سِجِلاَّتٌ. وهذهِ السِّجلاَّتُ تَحوي سِجلاًّ دَقيقًا لأفكارِ كُلِّ إنسانٍ، وكلماتِهِ، وأفعالِه. وهذا هو مَصدرُ المَعلوماتِ الَّتي سيَستخدمُها اللهُ لإصدارِ حُكمِهِ الإلهِيِّ النِّهائيّ. لِذا فإنَّ اللهَ سيَدينُ البَشرَ على أساسِ مَعرفتِهم، وعلى أساسِ الحَقّ.
والآن...ثالثًا، وهي النُّقطةُ الَّتي سَنتحدَّثُ عنها في هذا المَساء. وهي نُقطةٌ مُدهشةٌ جدًّا. فَهُوَ يَدينُ البَشرَ على أساسِ الذَّنْب؛ أيِ الذَّنبِ الحَقيقيِّ (في العَدَدَيْنِ الرَّابِع والخَامِس). فَفي هَذينِ العَددَيْن، يُؤكِّدُ اللهُ أنَّ الإنسانَ ذا الأخلاقِ، أوِ الإنسانَ المُتَدَيِّنَ [وتَحديدًا اليَهوديَّ في زَمنِ بولُس] مُذنبٌ بِسَبَبِ خَطاياه ولا يَستطيعُ أن يَنجو مِنَ الدَّينونة. وهُناكَ آيتانِ تُظهِرانِ عُمْقَ ذَنْبِ الإنسانِ حَقًّا. انظروا إلى العَددَيْنِ الرَّابع والخامِس: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ [أيْ لُطْفِ اللهِ] وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَة". والآن، سوفَ نَتوقَّفُ هنا إذْ أريدُ أن أتحدَّثَ عن هَتَيْنِ الآيتَيْن. وهذا أكثرُ مِن قُدرَتِكُم على الاحتمال في مَرَّةٍ واحدة بِسَببِ عُمْقِهِما.
فالعَددُ الرَّابعُ يَقولُ إنَّ اللهَ لَطيفٌ تُجاهَكُم؛ أيْ تُجاهَ جَميعِ النَّاسِ على وَجهِ الأرض. فاللهُ لَطيفٌ تُجاهَكُم. والهَدَفُ مِن لُطْفِ اللهِ وإمهالِهِ وطُولِ أناتِهِ هُوَ أن يَقتادَكَ إلى ماذا؟ التَّوبة. وعندما لا يَقتادُكَ ذلكَ إلى التَّوبةِ بِسَببِ قَساوَتِكَ وقَلبِكَ غيرِ التَّائبِ فإنَّكَ تَذْخَرُ لنفسِكَ غَضَبًا سَيَنفَجِرُ في الدَّينونةِ الأخيرة. هِذا هُوَ فَحوى ما يَقولُهُ هذانِ العَدَدان. فاللهُ يَقتادُ النَّاسَ إلى التَّوبة؛ ولكنَّ النَّاسَ يَذهبونَ إلى الدَّينونةِ عِوَضًا عن ذلك. فَالنَّاسُ يَذْخَرونَ لأنفسهم ذَنْبًا، أو مُستودَعًا مِنَ الذُّنوبِ الَّتي ستَرتَدُّ عليهم في الدَّينونة.
والآن، هناكَ ذَنْبٌ، أيْ ذَنْبٌ مُقتَرِنٌ بِجميعِ الخَطايا؛ ولكنْ يُوجد ذَنْبٌ مُقتَرِنٌ بأسوأِ خَطيَّةٍ أو أسوأِ جَريمةٍ مُريعةٍ يُمكِنُ أن يَقترِفَها الإنسانُ ضِدَّ اللهِ وهي أن يَرفُضَ ما فَعلَهُ الله. والإنسانُ مُذنِبٌ في هذا الأمر. فالإنسانُ مُذنِبٌ في أنَّهُ يَرفُضُ صَلاحَ اللهِ، ويَستَغِلُّ رَحمَتَه، ويَتجاهَلُ نِعمتَه، ويَزدري بِمَحبَّتِه، ويَهزَأُ بِلُطفِه.
وقد قالَ "مَاثيو هنري" (Matthew Henry)، المُفَسِّرُ القديمُ الَّذي كَتَبَ أفكارًا كثيرةً رائعةً في تَفسيرِهِ للكِتابِ المُقدَّس: "كُلُّ خَطيئةٍ مُتَعَمَّدَةٍ تَنطوي على ازدراءٍ بِلُطْفِ الله". وهذا صَحيح. فعندما تُخطئُ، أو عندما أُخطئُ أنا، فإنَّنا نُظهِرُ ازدراءَنا بِلُطفِ الله.
واسمَحوا لي أن أقرأَ لكم بِضعَ آيات. ولا حاجةَ إلى أن تَفتحوا عليهما. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر هُوشَع... ولا شَكَّ في أنَّ هُوشَعَ كَتَبَ عن مَحبَّةِ اللهِ لبني إسرائيلَ الضَّالِّين... نَقرأُ في الأصحاحِ الحادي عشر والعددِ الأوَّل أنَّ اللهَ يَقول: "لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ". وهذا يُبَيِّن لنا نَبْرَةَ الكَلامِ الكامِنَةِ وراءَ الأفكارِ الواردةِ في الأصحاح. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الرَّابع: "كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ، بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ النِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَمَدَدْتُ إِلَيْهِ مُطْعِمًا إِيَّاهُ". بِعبارةٍ أخرى، لَقد كُنتُ أَضَعُ الطَّعامَ في فَمِهم، وكنتُ أُطعِمُهم وأقودُهم بِرِفْقٍ، وأجذِبُهم بالمحبَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "وَشَعْبِي جَانِحُونَ إِلَى الارْتِدَادِ عَنِّي". وما أعنيهِ هُوَ أنَّ اللهَ يُظهِرُ كُلَّ مَحبَّةٍ ورِقَّةٍ ونِعمةٍ ولُطفٍ ورَحمة، ويَمُدُّ يَدَهُ لِرَدِّ بَني إسرائيل؛ ولكنَّهم كانوا يَحيدونَ عنهُ وحَسْب.
والآن، لِنَرجِع إلى العَددَيْنِ الرَّابعِ والخامِسِ ونَتأمَّل في الأجزاءِ العديدةِ الَّتي تُشَكِّلُ هذهِ الأفكار. فالكلمة "تَستَهين" [في التَّرجمةِ المُعتمدَة] هي كلمة قويَّة جدًّا. وهي تَعني تَحديدًا أنْ تَستَخِفَّ كثيرًا بقيمةِ شَيءٍ مَا، أو أن تُخفقَ جدًّا في تَقديرِ قِيمةِ شَيءٍ مَا، أو أن تَعجَزَ عن تَقييمِ قيمَتِهِ الحَقيقيَّة. وهي تَعني أن تَستَخِفَّ بِغِنى لُطفِ الله. وهذهِ، بالمُناسَبة، أشنَعُ الخَطايا. فأسوأُ خَطيَّةٍ هي ليست ألاَّ تَفعلَ الصَّوابَ، بَل إنَّ أسوأَ خَطيَّةٍ هي أن تَزدَري بالرَّحمة.
لِننظُر إلى ما حَدَث. فقد أخفَقُوا حقًّا في التَّقدير، وأخفَقُوا حقًّا في رُؤيةِ قيمةِ غِنى لُطفِ الله. فَهُم لم يَعرِفوا قيمَتَهُ. وما زَالَ النَّاسُ لا يَعرفونَ ذلك. وما أعنيهِ هُوَ أنَّ كُلَّ إنسانٍ حَيٍّ اليومَ اختَبَرَ لُطفَ الله. سوفَ أَقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: كُلُّ إنسانٍ حَيٍّ اليومَ اختَبَرَ شَخصيًّا لُطفَ الله. فالنَّاسُ يَختبرونَ صَلاحَهُ مَعَ كُلِّ شَهيقٍ، ويَختبرونَهُ بِطَرائِقَ كثيرةٍ جدًّا نَذكُرُ مِنها على سَبيلِ المِثالِ لا الحَصْر أنَّ الرَّبَّ يُمْطِرُ على الأبرارِ والأشرار، وأنَّ الرَّبَّ يُعطِيَهُم طَعامًا للأكل، وأنَّ الرَّبَّ يُعطيهم نَارًا يَستدفِئونَ بها، وأنَّ الرَّبَّ يُعطيهم ماءً يُطفِئُ عَطَشَهم، وأنَّ الرَّبَّ يُعطيهم طَعامًا يَملأُ مَعِدَتَهُم الجَائعة، وأنَّ الرَّبَّ يُعطيهم سَماءَ زَرقاء وشَمسًا دافئةً، وأنَّ الرَّبَّ يُعطيهم عُشبًا أخضرَ وجِبالاً بَديعةً وكُلَّ شيءٍ آخر، وأنَّ الرَّبَّ يُعطيهم أُناسًا يُحِبُّونَهُم. فأينما نَظرتُم تَرَوْنَ أنَّ اللهَ يُظهِرُ لُطفَهُ.
وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "لُطف" هي كلمة مُهمَّة جدًّا. فهي تَرجمة للكلمة "كريستوتيس" (chrestotes). والفِكرةُ مِنها هِيَ اللُّطفُ الحَقيقيّ. وهي تُتَرجَمُ "لُطفًا" في الأصحاحِ الخامسِ مِنَ الرِّسالة إلى أهلِ غَلاطيَّة في لائحةِ ثَمَرِ الرُّوح. وهي تُشيرُ إلى المَزايا الَّتي يُوفِّرُها اللهُ، وإلى لُطفِهِ تُجاهَ البَشَر. أمَّا الكلمة "أنوكيه" (anoche) الَّتي تُتَرجَمُ "إمهال" فمَعناها: "هُدنَة". وهي كلمة تُشيرُ إلى التَّوقُّفِ عَنِ العَداوة، وإلى حَجْبِ الدَّينونة. لِذا فإنَّ اللهَ يَسكُبُ بَرَكتَهُ ويَحجِبُ دَينونَتَه. فهو يُمْهِل؛ أيْ أنَّهُ يَقولُ: "حسنًا! لِنَعقِد هُدنةً! ولنتوقَّف عنِ العَداوة! سوفَ أكونُ لَطيفًا معكم وأحجُبُ دَينونَتي". والكلمة "ماكروثومِيَا" (makrothumia) تَعني: "صَبْر". وهي كلمة تُشيرُ إلى شخصٍ يَستطيعُ أن يَنتقم؛ ولكنَّهُ لا يَفعلُ ذلك. وهي صِفَةٌ عَظيمةٌ مِن صِفاتِ الله. فهو طَويلُ الأناةِ جدًّا. ونَقرأُ مِرارًا وتَكرارًا في الكتابِ المقدَّسِ عن طُولِ أناةِ اللهِ، وعن صَبرِ الله. فاللهُ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ إنَّهُ طَويلُ الأناةِ في تَعامُلِهِ معَنا لأنَّهُ لا يَرغَبُ في أن نَهلَك.
لِذا، هُناكَ اللُّطْفُ [الَّذي يُشيرُ إلى واحدةٍ مِنَ المَزايا الَّتي يَمنَحُها اللهُ لنا]. وهُناكَ الإمهالُ [الَّذي يُشيرُ إلى الدَّينونَةِ الَّتي لا يُطَبِّقُها]، وهُناكَ طُولُ الأناةِ [الَّتي تُشيرُ إلى طُولِ مُدَّةِ لُطفِهِ وإمهالِه]. لِذا فإنَّهُ مُنذُ فَتراتٍ طَويلةٍ جدًّا يُظهِرُ لُطْفَهُ، ومُنذُ فَتراتٍ طَويلةٍ جدًّا يَحجِبُ دَينونَتَهُ. والطَّريقةُ العِبْريَّةُ في التَّعبيرِ تقولُ إنَّهُ بَطيءُ الغَضَبِ وكَثيرُ [ماذا؟] الرَّحمة. وهذا هو الغِنَى. فالأمرُ لا يَقتَصِرُ على اللُّطفِ والإمهالِ وطُولِ الأناةِ، بَل إنَّهُ يُظهِرُ لُطفًا وإمهالاً وطُولَ أناةٍ في أعلى دَرجاتِها. فَهُوَ غَنِيٌّ في هذهِ الأمور. فهو لا يُظهِرُها بِضحالةٍ، بَل بِكُلِّ مِلئِها. وكانَ اللاَّهُوتيُّونَ القُدماء يُسَمُّونَ ذلكَ "النِّعمَة العامَّة". وهي يُمكِنُ أن تُسَمَّى لاهُوتيًّا أيضًا: "العِناية الإلهيَّة". بعبارةٍ أخرى، اللهُ صَالِحٌ وحَسْب. وَهُوَ يَسكُبُ لُطفَهُ، ويَحجُبُ دَينونَتَهُ، ويَفعلُ ذلكَ وقتًا طَويلاً.
فالمَزمور 52: 1 يَقول: "رَحْمَةُ اللهِ هِيَ كُلَّ يَوْمٍ". والمَزمور 119: 68 يَقول: "صَالِحٌ أَنْتَ وَمُحْسِنٌ". والمَزمور 33: 5 يَقول: "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ". والمَزمور 145: 9 يَقول: "وَمَرَاحِمُهُ عَلَى كُلِّ أَعْمَالِهِ". والمَزمور 107: 8 يَقول: "فَلْيَحْمَدُوا الرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ".
والآن، يَجب أن تَعلموا أنَّ الشَّيءَ المُرَوِّعَ بهذا الخُصوصِ هو أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ لا يَرَوْنَ أنَّ اللهَ إلَهٌ صَالِح. فأغلبيَّةُ النَّاسِ يَتعجَّبونَ مِن سَببِ كَوْنِ اللهِ سَيِّئًا إلى هذا الحَدِّ حتَّى إنَّهُ يَسمَحُ بِحُدوثِ أمورٍ مُرَوِّعَة! أليسَ كذلك؟ "كيفَ يَسمَحُ اللهُ بِحُدوثِ هذا الأمر؟" أو: "كيفَ يَسمَحُ اللهُ بحدوثِ ذلكَ الأمر؟" اسمَحوا لي أن أُجيبَكُم عن هذا السُّؤال. لا يَظهَرُ لُطفُ اللهِ بوضوحٍ أكبر مِمَّا يَظهَرُ فيهِ عندما يُخطئُ الإنسانُ لأنَّهُ لا يَسقُطُ مَيْتًا حالاً. فقد كانَ اللهُ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ عندَ السُّقوطِ في أنْ يُهلِكَ الجِنسَ البَشريَّ كُلَّهُ. لقد كانَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في فِعلِ ذلك. وهو ما زَالَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في فِعلِ الشَّيءِ نَفسِهِ في كُلِّ مَرَّةٍ نُخطِئُ فيها أنا وأنتُم خَطيَّةً واحدة. ولكنَّ لُطفَهُ وإمهالَهُ وطُولَ أناتِهِ هي الَّتي تُتيحُ لنا أن نأخُذَ شَهيقًا آخر. فالرَّحمةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ (كما يَقولُ الكتابُ المقدَّس).
لقد كانَ اللهُ مُحْسِنًا بِصورةٍ خاصَّةٍ لِبَني إسرائيل. فهو، أوَّلاً وأخيرًا، إلَهٌ طَويلُ الأناة. وقد كانَ مُحسِنًا أيضًا للوثنيِّين. أليسَ كذلك؟ ففي زَمنِ نُوح، أَمْهَلَهُم اللهُ مِئةً وعِشرينَ سَنةً كي يَتوبوا. فقد كانَ طَويلَ الأناةِ تُجاهَ الأُمم. وَكانَ يَتغاضَى عَن أزمنةِ الجَهل. وَكانَ طَويلَ الأناةِ جدًّا معَ إسرائيل ويَهوذا. فقد انتظرَ قُرونًا وقُرونًا. فقدِ انتظرَ 700 أو 800 سنة قبلَ أن يَسمَحَ بِسَبْيِهم إلى بَابِل. واللهُ يَتأنَّى علينا جدًّا اليوم. انظروا إلى العالمِ اليوم، وإلى النَّاسِ الَّذينَ يُخطِئونَ بوَتيرةٍ عالية. فَناموسُ إلَهِنا المُبارَكِ يُداسُ تَحتَ الأقدام. والنَّاسُ يَزْدَرونَ عَلَنًا باللهِ نَفسِهِ، ويُجَدِّفونَ على اسمِه. ومِنَ المُدهِشِ أنَّهُ لا يَقتلُ النَّاسَ الَّذينَ يَفعلونَ ذلك. لِذا، عندما تَسمعونَ شخصًا يُجَدِّفُ على اسمِ اللهِ ويَأخُذُ نَفَسًا آخرَ، اعلَموا أنَّهُ مَا زالَ حَيًّا بسببِ لُطْفِ الله.
ولكِنْ لماذا لا يَقطَعُ اللهُ هؤلاءِ النَّاس؟ ولماذا لا يَقطَعُني ويَقطعُكم عندما نُخطئ (كَما فَعَلَ بحَنانِيَّا وسَفِّيرة)؟ وَلماذا لا يَدَع الأرضَ تَفْتَح فَاهَا وتَبتَلِعنا (كما فَعلَ بِداثان وأبيرام)؟ وماذا عنِ المَسيحيِّينَ المُرتدِّين؟ وماذا عن جَميعِ المُتحرِّرينَ والمُرتَدِّين؟ وماذا عنِ احتِمالِهم لكُلِّ شَكلٍ مِن أشكالِ الشَّرّ؟ كيفَ يَسمَحُ لِذلكَ بالاستمرار؟ ولماذا لا يُهلِكهم بغضبِ السَّماءِ العادِل؟
الجوابُ الوحيدُ [بحسب ما جاءَ في الأصحاحِ التَّاسعِ مِن رسالة رُومية] هو أنَّ اللهَ احْتَمَلَ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ بِأَنَاةٍ كَثِيرَة. اسمَعوني: ضَعُوا الفِكرةَ التَّاليةَ في أذهانِكُم لأنَّنا سَنُجيبُ عن هذا السُّؤال. إنْ ظَنَنْتَ لَحظةً أنَّ اللهَ ظَالمٌ تَكونُ قد أَظهرتَ ببساطةٍ مَدى سُهولةِ أن نُسيءَ الحُكْمَ على لُطفِ الله. وسوفَ أُبَيِّنُ لكُم السَّبب. فَلُطفُ اللهِ [بحسبِ العددِ الرَّابع] يَهدِفُ إلى اقتيادِ البَشرِ إلى التَّوبة. وَهُوَ يَهدِفُ إلى حَفْزِهِم على تَرْكِ خَطاياهُم والرُّجوعِ إليه. وَهُوَ يَهدِفُ إلى جَعلِ النَّاسِ المَملوئينَ بالشَّرِّ يَتوقونَ إلى اللهِ ولُطفِه. وَهُوَ يَهدِفُ إلى جَعلِهم شَكورينَ لأنَّهُ لم يَقتُلهم، وإلى إظهارِ امتِنانِهم. فإن أدركتَ حقًّا ما تَستحقُّهُ في كُلِّ يَومٍ تَعيشُ فيه، وفي كُلِّ لَحظةٍ تَتَنَفَّسُ فيها، سَتَشكُرُ اللهَ لأنَّهُ لم يَقتُلك. وكما تَرَوْنَ فإنَّ لُطفَ اللهِ وطُولَ أناتِهِ إنَّما يَرْمِيانِ إلى اقتيادِنا إلى التَّوبة، وإلى جَعلِ قُلوبِنا مُفعَمَةً بالشُّكرِ والامتِنان. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا نُخفِقُ غالبًا في فِعلِ ذلك.
والآن، ما مَعنى التَّوبة؟ إنَّها تَعني ببساطة أن نَترُكَ الخطيَّة ونَتَّجِهَ إلى الله؛ أيْ أن نَترُك ما نَفعلُهُ بِهِ، وأن نَفعلَ ذلكَ لأنَّنا نَرى خَطايانا، ونَرى مَا نَستَحِقُّهُ، ونَعرفُ أنَّنا نَستَحِقُّ المَوت. وعندما لا يُزهِقُ أنفُسَنا بَل يَسمَحُ لنا بأن نَعيش، يجب علينا أن نَتَّجِهَ إليهِ ونُظهِرَ امتِنانَنا لَه. ولكنَّ النَّاسَ لا يَفعلونَ ذلك، بَل يَزدَرونَ بِلُطفِ الله. ولكِنْ قبلَ أن نَبتدِئَ في لَومِ الآخرين، قَد نكونُ مُذنِبينَ بنفسِ الشَّيءِ الَّذي يُذنِبُ فيهِ الشَّخصُ الَّذي لم يُولَد ثانيةً حتَّى وإن كانَ مُتديِّنًا في الظَّاهِر. وقد قالَ أَحَدُ مُفَسِّري الكتابِ المقدَّسِ إنَّ كُلَّ شخصٍ تقريبًا لَديهِ "رَجاءٌ غامِضٌ وغيرُ مُحَدَّدٍ بأنَّهُ مُحَصَّنٌ، وشُعورٌ مُعَيَّنٌ بأنَّ الدَّينونَةَ لن تَقَعُ عليه". فنحنُ نَشعُرُ وحَسْب بأنَّ كُلَّ شيءٍ سيكونُ على ما يُرام. وكانَ اليهودُ يُؤمِنونَ بأنَّهُم بِمَنأى عنِ الدَّينونةِ الإلهيَّة. وهناكَ أُناسٌ كثيرونَ، بَل إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يُؤمِنونَ بذلك.
اسمعوني: إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ في عالَمِنا لا يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ سيَدينُهم. إنَّهُم لا يُؤمِنونَ بذلكَ ولو قَليلاً. وَهُم يَتَمَتَّعونَ بلُطفِ اللهِ، وعِنايتِهِ الإلهيَّةِ، وكُلِّ مَباهِجِ الحَياةِ، ويَتمتَّعونَ بكُلِّ الحُبِّ، ويَستمتعونَ بأبنائِهم وأهلِهم وأصدقائِهم وشَريكِ حَياتِهم في الحياةِ، ويَستَمتعونَ بِالجَمالِ والمَرَحِ والبَهجةِ وكُلِّ الأشياءِ الرَّائعةِ الَّتي وَفَّرَها اللهُ لَهُم في الحَياة. فَهُم يَستمتعونَ بكُلِّ تلكَ الأشياء: بالجَمالِ، والدِّفءِ، والمَشاعِر. ولكنَّ الرَّحمةَ هي الَّتي تَحُولُ دُونَ مَوتِهِم بَعدَ كُلِّ شَهيق!
ولكنَّهُم لا يُفَكِّرونَ البَتَّة في ذلك. لِذا فإنَّها خَطيَّةٌ مُريعةٌ أن تَكونَ جَاحِدًا. لهذا السَّبب، عندما نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّل عن إدانةِ الشَّخصِ الوَثنيِّ فإنَّ سَببَ تِلكَ الإدانةِ هو أنَّهُ لم يُمَجِّدِ اللهَ ولم يَفعل ماذا؟ لم يَشكُره. يُحكَى أنَّ الفيلسوف "هاين" (Heine) قالَ عندما واجَهَهُ شَخصٌ بخطيئته: "اللهُ سوفَ يَغفر. فهذا هو عَملُه في نِهايةِ المَطاف". وأَخشى أنَّ أُناسًا كثيرينَ وَقعُوا في نَفسِ هذا الخطأ. فَنحنُ نَقترِفُ الخطيَّةَ دُونَ تَردُّدٍ لأنَّنا اعتَدنا كثيرًا على الرَّحمةِ حتَّى إنَّنا صِرْنا نَعلمُ أنَّنا سنَحصُلُ عليها مَرَّةً أخرى. لِذا فَقد ظَنَّ اليهودُ، عَلى غِرارِ الآخرينَ، أنَّهم سَيُرحَمونَ فاستمرُّوا في الخطيَّة. فقد افتَرَضُوا أنَّهم سيَتمتَّعونَ بنِعمةِ اللهِ فَاستمرُّوا في اقترافِ الخطيَّة. وقدِ افتَرَضوا أنَّهُم سيتمتَّعونَ بلُطفِ اللهِ وصَلاحِهِ وصَبرِهِ وَطُولِ أناتِهِ فَاستمرُّوا في الخطيَّة. وقد استَهانوا جدًّا بلُطفِ الله.
ولكنَّ الاستهانَةَ باللُّطفِ تُؤدِّي إلى حَجْبِ ذلكَ اللُّطفِ وإنزالِ الدَّينونة في النِّهاية [بحسبِ العَددِ الخامِس]. وهو يَتحدَّثُ عن أنَّ القلبَ القَاسي وغيرَ التَّائبِ يُؤدِّي إلى تَراكُمِ الغضبِ فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَة. والنَّاسُ الَّذينَ يَنتمونَ إلى هذهِ الفِئةِ هُم أُناسٌ لا يَرَوْنَ أنَّ اللهَ بِطبيعَتِهِ مُحِبٌّ وصَالِحٌ ولَطيف، بَل إنَّ كُلَّ مَا يَرَونَهُ هوَ أنَّهُم صَالِحونَ ويَستحقُّونَ الرَّحمة: "أنا لَستُ سَيِّئًا جدًّا". فَهُم لا يَقولون: "يا رَبّ، شُكرًا لَك... شُكرًا لَكَ على هذا اليومِ الجديدِ الَّذي وَهبتَني إيَّاه. شُكرًا لكَ على شَريكِ حَياتي الَّذي أُحِبُّه. شُكرًا لكَ على كُلِّ ما تَفعَلُهُ لأجلي. شُكرًا لكَ لأنَّكَ لم تَقتُلني ولم تُهلِكني بسببِ خَطيَّتي". بَل إنَّهُم يَنظرونَ إلى رَحمَتِهِ كشيءٍ مُسَلَّمٍ بِهِ ويَظُنُّونَ أنَّهم يَحصُلونَ على ما يَستَحِقُّونَهُ. فَهُم ليسُوا سَيِّئينَ جدًّا في نَظَرِ أنفسِهم.
وهُناكَ بِدعةٌ مُريعَةٌ ظَهرَت في المسيحيَّةِ الإنجيليَّةِ المُعاصرةِ تُعَلِّي مِن شَأنِ النَّفسِ، ويَتحدَّثُ أصحابُها عن صُورةِ المَرءِ عن نَفسِه، وعَن تَقديرِ الذَّات، وعن قِيمةِ الذَّات، وعن رَوعةِ الذَّات. ولكنَّها مُجرَّد نَظرة بَشريَّة دُنيويَّة. فأنتَ لَستَ قَيِّمًا أو ثَمينًا في ذاتِك، أيْ بِصِفَتِكَ إنسانًا خاطئًا. والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ مِن ذلكَ المَفهومِ هُوَ أنَّها أخذتِ الأفكارَ الإنجيليَّةَ وغَيَّرتها مِن أفكارٍ تُمَجِّدُ اللهَ إلى أفكارٍ تُمَجِّدُ الإنسان. وَهُم يَنظرونَ إلى الخَلاصِ في المَسيحيَّةِ مِن وُجهةِ نَظرِ مَا تَستطيعُ المَسيحيَّةُ أن تَفعلَهُ لي. وهُم يَنظرونَ إلى الخطيَّةِ دائمًا مِن جِهَةِ تأثيرِها على الإنسانِ، لا مِن جِهَةِ تَعَدِّيها على الله. فنحنُ أنانِيُّونَ، ونَستمتِعُ بالانغماسِ في رَحمةِ الله. وهذا خَطأٌ مُريع. فالسَّببُ الحَقيقيُّ في أنَّكَ تَتَنَفَّسُ نَفَسًا واحِدًا أو في أنِّي أَتَنَفَّسُ نَفَسًا واحدًا هو أنَّ اللهَ رَحيم. أمَّا إنْ نَسَيْتُ ذلكَ واستَهَنْتُ بِرحمتِه فإنَّ هَذا الجُحودَ شَيءٌ خَطيرٌ جدًّا.
والآن، أريدُ أن أتحدَّثَ عن هذهِ المَسألةِ لأنَّها تُوَضِّحُ حَقيقةً مِنَ الحَقائقِ العَظيمةِ في الكتابِ المقدَّس. وأريدُ أن أُقَدِّمَ لَكُم دَرسًا كِتابيًّا صَغيرًا سيُساعِدُكم في تَرسيخِ عَقيدَتِكُم في هذه النُّقطة. فَكِّروا مَعي! فهذه نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا: إنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لَيسَ عَادِلاً. فكما تَعلَمونَ، إنْ حَدَثَ شَيءٌ في حَياتِك؛ أيْ إنْ ماتَ زَوجُكِ، أو مَاتَتْ زَوجَتُك، أو إن أُصيبَ ابنُكَ إصابَةً بَليغَة، أو إن مَرِضَ شَخصٌ مُقَرَّبٌ إليك، فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ تُفَكِّرُ فيهِ هُوَ: "هذا ليسَ عَدلاً يا رَبّ!" أليسَ كذلك؟ "كَيفَ تَفعلُ ذلكَ يا رَبّ؟" فَلا شَكَّ في أنَّكَ تُفَكِّرَ في هذهِ الأفكار. ولكِنْ هل تَعلمُ ما هذا؟ إنَّها طَبيعَتُكَ الفاسِدَةُ العامِلَة. "كيفَ تَفعلُ هذا يا رَبّ؟" أو: "كَيفَ أبقَى عَاطِلاً عنِ العَمل؟" أو "كيفَ أُواجِهُ كُلَّ هذهِ المَشاكِل؟" أو: "لماذا أنا؟ هذا ليسَ إنصافًا!" لِذا فإنَّكَ تَميلُ إلى الشَّكِّ في مَحبَّةِ اللهِ، وتَميلُ إلى الشَّكِّ في أفعالِ الله. وهذا زَوَغانٌ مُريعٌ عَنِ الحَقِّ لأنَّ اللهَ رَحيمٌ جدًّا ولَطيفٌ جدًّا. ولكنَّ النَّاسَ يَستَهينُونَ بِهذا اللُّطف. وعندما يَحدُثُ خَطْبٌ مَا في حَياتِهِم فإنَّهُم يَبتَدِئونَ في اتِّهامِ اللهِ بأنَّهُ غيرُ مُنصِفٍ أو غَيرُ عَادِل. يا لِفَظاعَةِ ذلك!
لَقد كَتَبَ "وليام غورنال" (William Gurnall) في سنة 1660 الكلماتِ التَّالية: "عندما أُفَكِّرُ في مَدى الاستِهانَةِ بِصَلاحٍ اللهِ مِن قِبَلِ الأغلبيَّةِ العُظمَى مِنَ البَشر، لا يَسَعُني إلاَّ أن أقولَ إنَّ أعظمَ مُعجِزةٍ في العالَمِ هِيَ صَبْرُ اللهِ وطُولُ أناتِهِ على هذا العالَمِ الجَحُود. فإنْ كانَ هُناكَ أميرٌ وَدَخَلَ أعداؤُهُ مَدينةً مِن مُدُنِه فإنَّهُ لا يُرسِلُ إليهم طَعامًا، بَل إنَّهُ يَضْرِبُ حِصارًا شَديدًا حَولَ المَدينةِ ويَفعلُ كُلَّ ما في استِطاعَتِهِ لِتَجويعِهم. ولكنَّ اللهَ العَظيمَ الَّذي يَستطيعُ أن يُهلِكَ جَميعَ أعدائِهِ يَحتَمِلُهم ويَحرِصُ على تَوفيرِ القُوتِ اليَوميِّ لَهُم. وَهُوَ يُوصينا بأن نُبارِكَ لاعِنينا لأنَّهُ هُوَ نَفسُهُ يَصنَعُ الخَيرَ للأشرارِ والجَحودين. ولكِن لا تَظُنُّوا، أيُّها الخُطاةُ، أنَّكُم سَتَنْجون. فَاللهُ يُمْهِلُ وَلا يُهْمِل. وكُلَّما زَادَ صَبرُهُ ولُطفُهُ الآنَ، زَادَ حَجْمُ وَهَوْلُ ذلكَ الغَضَبِ الَّذي سَيُظهِرُهُ إنْ استَخَفَّيْنا بِصلاحِه. فَلا يُوجَدُ مَا هُوَ أهدأُ مِنَ البَحر. ولكِنْ عندما يَهيجُ فإنَّهُ لا مَثيلَ لِهَياجِه. ولا يُوجَدُ مَا هُوَ أَحلى مِن صَبْرِ اللهِ وَصَلاحِهِ. وَلا يُوجَدُ مَا هُوَ أكثرُ مَرارةٍ مِن غَضَبِهِ عندما يَحتَدِم".
والآن، اسمَحوا لي أن أطرَحَ سُؤالاً وَأُجيبَ عَنه: كيفَ يَشُكُّ اللهُ في لُطفِ الله؟ كيفَ يُمكنُهم أن يَفعلوا ذلك؟ الجَواب: لأنَّهم يَنظرونَ... لاحِظوا ذلك... لأنَّهم يَنظرونَ إلى التَّاريخِ نَظرةً مَغلوطَة. واسمَحُوا لي أن أُوَضِّحَ ذلكَ لكم. نَحنُ في العهدِ الجديد. ونحنُ نَختَبِرُ لُطفَ الله، ونَختبِرُ نِعمةَ الله، ورَحمةَ الله. ثُمَّ إنَّنا نَرجِعُ إلى العهدِ القديم. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَبتدئُ في قِراءةِ العهدِ القديمِ ونَقرأُ عن كُلِّ تلكَ الأشياءِ المُدهشةِ الَّتي صَنَعها الله. فقد جَعَلَ امرأةَ لُوط عَمودَ مِلحٍ لأنَّها نَظَرت إلى الوراء. وقد تقول: "يا لها مِن امرأةٍ مِسكينة! فقد كانَ المَكانُ كُلُّهُ يَحترِق. وكانَ مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تُقاوِمَ النَّظرَ إلى الوراء! إنَّها ليسَت خَطيئةً تَستوجِبُ المَوت! ولكنَّها تَلاشَت وَزَالَتْ عَنِ الوُجودِ في لَحظة! أنا أرى أنَّ هذا العَملَ كانَ طَائِشًا. لماذا فَعلَ اللهُ ذلك؟" ونحنُ نَقول: "مَنْ هُوَ هَذا الإلهُ الَّذي يُنْزِلُ عِقابًا مُريعًا وطَائِشًا كَهذا؟"
ثُمَّ إنَّهُ يُخبِرُ رَجُلَهُ الخَاصَّ "إبراهيم" بأن يَصعَدَ ويُقَدِّمَ ابنَهُ مُحرَقَةً! وَهُوَ يُرسِلُ حَيَّاتٍ لِتَلدَغَ بَني إسرائيل! ثُمَّ إنَّهُ يَجعَلُ الأرضَ تَفْتَحَ فَاهَا وتَبتَلِعَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْن! ثُمَّ إنَّهُ يُرسِلُ نَارًا عندما صَلَّى نَبِيُّهُ إيليَّا فأحرَقَتْ مِئَةَ رَجُل! فَهُم مُجَرَّدُ أشخاصٍ وَثنيِّينَ يَقومونَ بِعملِهم ولكنَّهُ أَهلَكَهُم وَمَسَحَهُم عنِ الوُجود. وهُناكَ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ سَخِروا مِن أليشَع، وَهُم مَجموعةٌ مِنَ الأطفال. فَقد سَخِروا مِنهُ. وفجأةً، ظَهرتْ دُبَّةٌ ومَزَّقت أربَعينَ مِنهُم. وقد تَقول: "ما هذا الإلَه؟ وما هذا الحُكْمُ الاعتِباطِيّ. لِماذا قَتَلَ كُلَّ هؤلاءِ الأطفال الصِّغار؟ فَالأطفالُ الصِّغارُ يَسخرَونَ مِنَ الآخرينَ بينَ الحينِ والآخر. وهُناكَ أشخاصٌ آخرونَ، مِثلَ دَاود، كانت حَياتُهم فَوضَى عَارِمَة، أو مِثلَ سُليمان الَّذي تَزَوَّجَ مِن نِساءٍ يَصعُبُ إحصاءُهُنَّ وَعاشَ حَياةً مُتَنَعِّمَة! ولكنَّهُ قَتَلَ امرأةَ لُوط وَلاشَاهَا لِمُجَرَّدِ أنَّها نَظَرَت إلى الوراء! ما نَوعُ هذا الإلَه؟"
كَما أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ اللهَ قَسَّى قَلبَ فِرْعَون ثُمَّ قَتَلَ ابنَهُ البِكْرَ بسببِ قَسوةِ قَلبِه! وماذا عن تلكَ الحادثةِ الَّتي أَمَرَ اللهُ فيها بإهلاكِ كُلِّ كَنعانِيٍّ، وبِقَتلِ كُلِّ رَجُلٍ وكُلِّ امرأة؟ هذا أمرٌ لا يُعْقَل! وحَتَّى إنَّهُ قال: "طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ أَطْفَالَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ". وهذا يَعني أن يُمسِكوا الأطفالَ ويَضرِبوا بِهم الصَّخرة! ما نَوعُ هذا الإلَه؟
وكما تَرَوْنَ فإنَّ هذهِ الأمورَ تُحَيِّرُ أُناسًا وتَجعلُهم يَقولون: "إنَّهُ ليسَ الإلَهَ نَفسَهُ. لا يُمكِنُ أن يَكونَ هذا الإلَهُ هُوَ نَفس الإلَه! هَذا مُستحيل!" وقد كَتَبَ "لورد بلات" (Lord Platt) في صَحيفة "لُندن تايمز" (London Times): "حيثُ إنَّ العهدَ القديمَ قَد كُتِبَ الآنَ بلُغةٍ يَستطيعُ الجميعُ أن يَفهمَها، يُمكِنُنا أن نَراهُ على حقيقتِه إذ إنَّهُ قِصَّةٌ مُرَوِّعَةٌ عن وَحشيَّةِ الإنسانِ ضِدَّ الإنسانِ، أو رُبَّما الأسوأ مِن ذلك هو أنَّهُ يَحكي عن وَحشيَّتِهِ ضِدَّ النِّساءِ، ويَحكي عن أنانيَّةِ الإنسانِ وجَشَعِهِ النَّابِعِ مِن رَغبَتِهِ في إرضاءِ إلَهِهِ. إنَّهُ أكثرُ قِصَّةٍ مُرَعِبَةٍ كُتِبَتْ يَومًا. وما نَرجوهُ هو أن يُصَنَّفَ العهدُ القديمُ ذاتَ يَومٍ بأنَّهُ غيرُ مُلائِمٍ البَتَّة للتَّعليمِ الأخلاقِيِّ لطلبةِ المدارس" [نهايةُ الاقتباس]. لا يُمكِنُنا أن نَحتَمِلَ ذلكَ الكِتاب. فهو مُرَوِّعٌ جدًّا.
انظروا معي إلى سِفْرِ صَموئيل الثَّاني والأصحاحِ السَّادس. وسوفَ أذكُرُ لَكُم بِضعةَ أمثلةٍ إيضاحيَّةٍ أخرى. فقد تَمَّت إعادةُ تَابوتِ العهدِ إلى بَني إسرائيل. وكانَ ذلكَ اليومُ يَومًا عَظيمًا. فقد استَولى عليهِ الفِلسطينيُّونَ وبقيَ في دِيارِهم بِضعةَ أشهُر. والآن، سَوفَ يَسترِدُّونَ تَابوتَ العهد. فَيا لَها مِن مُناسبةٍ رائعة! فقد ذهبوا لاستعادةِ ذلكَ التَّابوتِ الَّذي يَرمِزُ إلى حُضورِ اللهِ في وسطهم. وكما تَعلمونَ، عندما كانوا يَنقِلونَ تابوتَ العهدِ، كانَ بَنو قَهَات هُم مَن يَفعلونَ ذلك. وكانَ بَنو قَهَات جُزءًا مِن سِبْطِ لاوي. وكانَ بَنو قَهات قد تَدرَّبوا مُنذُ حَداثَتِهم على نَقلِ تَابوتِ العهد. لِذا فقد كانوا يَعرِفونَ كيفَ يَفعلونَ ذلك. فقد تَدرَّبوا على القيامِ بذلك. وكانَ اللهُ قَد أوصاهُم بأنَّهُ لا يَجوزُ لأيٍّ منهم أن يَلمَسَ التَّابوت. وكانَت هُناكَ حَلَقاتُ كَبيرةٌ على جَانِبَيِّ تَابوتِ العَهد. وكانت هُناكَ عَصَوانِ خَشبيَّتانِ يَتِمُّ إدخالُهما في الحَلَقاتِ كي يَحْمِلُوا التَّابوتُ مِنهُما دُونَ أن يَمَسّوا التَّابوت. لِذا فقد تَدرَّبوا طُولَ حَياتِهم على القيامِ بذلك.
ونَقرأُ في العددِ الثَّالثِ عَمَّا حدثَ عندما ذهبوا لِنقلِ تَابوتِ العهد: "فَأَرْكَبُوا تَابُوتَ اللهِ عَلَى عَجَلَةٍ جَدِيدَةٍ". ولكنَّ اللهَ لم يُرِد أن يُنقَلَ تابوتُ العهدِ على عَرَبَة، ولا حَتَّى على عَرَبَة جَديدة. لِذا فقد كانت تِلكَ وَقاحَة. وكانَ ذلكَ التَّصَرُّفُ بَشريًّا. وكانَ ذلكَ الأمرُ عِصيانًا للأوامرِ الإلهيَّة. لِذا فقد قَفَزوا على العَرَبَة وكانُوا فَرِحينَ وَيَلْعَبُونَ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الآلاَتِ المُوسيقيَّةِ [بحسبِ العددِ الخامِس] إذْ راحُوا يَعزِفونَ على العِيدَانِ وَالرَّبَابِ وَالدُّفُوفِ وَالصُّنُوج. وعندما وَصَلُوا إلى بَيْدَرِ نَاخُون [وهي نُقطةُ جُغرافيَّةٌ في رِحلتِهم القصيرة]، يَبدو أنَّ العَرَبَةَ نَزَلَت في حُفرةٍ طِينيَّةٍ صَغيرة أوِ ارتَطَمَت بشيءٍ صَغير فاهتزَّتِ العَربةُ وَتحرَّكَ تَابوتُ العَهد. وكانَ عُزَّة مِن بَني قَهات. فقد كانَ واحدًا مِنَ المَسؤولينَ عن نَقلِ التَّابوت. فما كانَ مِنهُ ألاَّ أن مَدَّ يَدَهُ وأمسَكَ بِتابوتِ العهدِ لِتَثبيتِه في مَكانِه. فقد خَشِيَ أن يَتَدَنَّسَ التَّابوتُ إن سَقَطَ وَلَمَسَ الأرض. ولكنَّهُ لم يَكُن يَعلَمُ أنَّ الأرضَ ليسَت دَنِسَة، بَل إنَّ الجنسَ البَشريَّ هُوَ النَّجِس. فالتُّرابُ لم يَسقُط يَومًا، بَل إنَّ الإنسانَ هُوَ الَّذي سَقَط.
لِذا، عندما لَمَسَ تَابوتَ العَهدِ مَاتَ حالاً. وقد تقول: "يا لَهُ مِن رَجُلٍ مِسكين! فهو لم يَذهب ويَقترِف خَطيَّةَ الزِّنا. وَهُوَ لم يَتزوَّج مِن ثمانمئةِ امرأة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فقد مَاتَ، وزَالَ عنِ الوُجودِ بِسُرعةِ البَرق!" ولكنَّ خَطيئتَهُ كانت تَتَمَثَّلُ في الإهمالِ والعَجرفة. وقد مَاتَ لأنَّهُ لم يُطِعْ كلمةَ الله.
انظروا إلى سِفْر اللاَّويِّين والأصحاحِ العاشِر. فقد كانَ لِهارون ابنان. وكانَ فَخورًا جدًّا بهَذَيْنِ الابْنَيْن: ناداب وأبيهو. ولا شَكَّ في أنَّ أيَّ أبٍ يَفتَخِرُ بأبنائِه. وهَل تَعلَمونَ شيئًا؟ لقد كانا سيُصبِحانِ كَاهِنَيْن. يا لَهُ مِن أمرٍ رائع! فقد كانا سيُصبِحانِ كاهِنَيْن. وهل تَعلمانِ ماذا كانَ سيَحدُثُ في ذلكَ اليوم [في سِفْر اللاَّويِّين والأصحاح العاشر]؟ رَكِّزوا مَعي: لقد كانَ ذلكَ اليومُ يَومَ رِسَامَتِهما. وما زِلتُ أَذكُرُ يَومَ رِسامَتي. فهو يَومٌ لا يُنسَى. وقد كُنتُ في الكَنيسةِ الَّتي يَرعاها أبي. وأنا أَعلمُ أنَّهُ كانَ يَومًا رائِعًا لأبي. وأنا أعلَمُ أنَّهُ كانَ يَومًا رائعًا أيضًا لأُمِّي. وهي [بالمُناسبة] هُنا في هذا المساء. ويا لَهُ مِن شيءٍ رائعٍ أن تَكونَ هُنا لأنَّها كانت تُصَلِّي أن يُعطيها اللهُ ابنًا خادِمًا أو واعِظًا. لِذا فقد كانَ يومًا رائعًا عندما تَمَّتْ رِسامَتي. وأنا أَعلمُ أنَّهُ كانَ يَومًا رائعًا لهما تَحديدًا.
وقد كانَ ذلكَ اليومُ مُشابِهًا لهارون. فقد تَمَّتْ رِسامَةُ ابنَيْهِ ليكونا كاهِنَيْن. إنَّهُ أوَّلُ يَومٍ لَهُما. وقد أَخَذَ "كُلٌّ مِنْهُمَا مِجْمَرَتَهُ [كَما يَفعلُ الكَهَنة] وَجَعَلاَ فِيهِمَا نَارًا وَوَضَعَا عَلَيْهَا بَخُورًا، وَقَرَّبَا أَمَامَ الرَّبِّ نَارًا غَرِيبَةً لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِهَا". فقد تَصَرَّفا بِطَيْش. فقد كانا مُتَحَمِّسَيْنِ جدًّا لأنَّهُما صَارا كَاهِنَيْنِ فَتَصَرَّفَا بِحُريَّة. فقد دَخَلا إلى هُناكَ وفَعلاَ شيئًا لم يَجدُر بهما أن يَفعلاه. "فَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلَتْهُمَا، فَمَاتَا أَمَامَ الرَّبِّ". هَل يُمكِنُكم أن تَتَخَيَّلوا رَدَّةَ فِعلِ هَارون؟ يا رَبُّ! إنَّهُما مُجَرَّدُ شَابَّيْن! وَهُما مُتَحَمِّسانِ وَحَسْب لما سيَفعلانِه! وهذا هُوَ يَومُ رِسامَتِهما! وأنتَ تُميتُهُما حَرْقًا! وَحَتَّى دُونَ إنذار! أَلَم يَكُن بِمقدورِكَ أن تَقولَ لَهُا: "اسمَعا ما سأقول! أنا أعلمُ أنَّكُما التَحقتُما حديثًا بالخِدمة! يجب عليكما أن تَتَخَلَّيا عن هذه التَّصرُّفاتِ الطَّائشةٍ وأن تَتصرَّفا حَسَبَ الأُصول". ولكنَّهما مَاتا وَحَسْب! وكانَ هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ أشرار في إسرائيل على قَيْدِ الحَياة!
هل تَساءلتَ يومًا عنِ الطُّوفان؟ فَكيفَ يُعقَلُ أن يُغْرِقَ اللهُ العالَمَ كُلَّه؟ هل يَبدو ذلكَ عَملاً قَاسيًا وعِقابًا غيرَ مُلائمٍ في نَظَرِك؟ وإذا دَرستُم العهدَ القديمَ أكثر، ستَجِدونَ أنَّهُ كانت توجدُ نَحوَ خَمسٍ وثلاثينَ خطيَّة قالَ اللهُ إنَّها تَستوجِبُ الموتَ (كأن تَضرِبَ أَحَدَ الوالِدَيْن. أجل. أو حَتَّى أن تَشتُمَهُما؛ أي أنْ تَسُبَّ أُمَّكَ أو أباك. فهذهِ خَطيَّةٌ تَستوجِبُ الموت). وهُناكَ أيضًا خَطيَّةُ القَتلِ، وَالخَطفِ، والجِنسيَّةِ المِثليَّة، والسِّحْر، وكَسْرِ السَّبْت، والتَّجديف، والتَّدنيس، وتَقديمِ الأطفالِ قَرابين، والاتِّصالِ بالأرواح، والطَّلاقِ غيرِ المَشروع، ونَشْرِ نُبوءاتٍ كاذبة، واغتصابِ امرأةٍ مَخطوبة، وَهَلُمَّ جَرَّا. فهناكَ نَحوُ ثلاثينَ أو خمسٍ وثلاثينَ خطيَّة تَستوجِبُ عُقوبةَ الإعدام. ويُمكنكم أن تُلَخِّصُوا هذا كُلَّهُ في ما سأقولُهُ لَكُم في آخرِ عَشْرِ دقائق. فالنَّاسُ يَقولونَ إنَّ اللهَ قَاسٍ جدًّا. فقد تَكونُ الأمورُ على ما يُرام ثُمَّ فجأةً يَموتُ شَخصٌ مَا! وقد يَبدو أنَّ الأمورَ تَحدُثُ بطريقةٍ اعتِباطِيَّةٍ جدًّا، وعشوائيَّةٍ جدًّا، ومُتقَلِّبةٍ جدًّا. فهو يَقتُلُ شَخصًا ويَترُكُ شخصًا آخرَ يَعيش! وهو لا يَفرِضُ عُقوبةَ الموتِ دائمًا أو في كُلِّ الحالاتِ، ولكنَّهُ يَفرِضُها في حالاتٍ أخرى!
ففي حالةِ هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ الصَّغيرَيْنِ، أوْ بالحَرِيِّ في حَالَةِ هَذَيْنِ الشَّابَّيْنِ اليافِعَيْنِ، كُلُّ ما نَعرِفُهُ هو أنَّهُما تَحَمَّسَا كثيرًا وفَعلاَ شَيئًا غَبِيًّا. نَحنُ لا نَعرِفُ تَمامًا ماذا فَعلا، ولكنَّهُما أَقْدَمَا على فِعْلٍ أحمَق هُناكَ فَماتا. مِن جِهةٍ أخرى فإنَّ داودَ يَعبَثُ مَعَ النِّساءِ ويَزني ويَعيش! والآن اسمَعوني: إذا نَظرتُم... لاحِظُوا ما يَلي... إلى العهدِ القديم بِعَدسةِ العهدِ الجديد قَد تَتَشَوَّشونَ لأنَّنا نَعيشُ في هَالةٍ مِنْ صَلاحِ اللهِ ورَحمتِهِ ونِعمتِه. لِذا، إن رَجعتُم ونَظرتُم مِن تِلكَ الزَّاوية سَتَتَشَوَّشونَ تَمامًا بخصوصِ العهدِ القديم. والمُشكلةُ هي أنَّنا نَشعُرُ أنَّ اللهَ غَيرُ عَادلٍ لأنَّنا نُقارِنُ عَدْلَهُ بِرحمَتِهِ ولا نُقارِنُ رَحمَتَهُ بِناموسِه. اسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم ما أعنيه. يجبُ علينا أن نَرجِعَ إلى قِصَّةِ الخَلْق. فَلا يُمكنكم أن تَنظروا إلى العهدِ القديمِ مِن زاويةِ العهدِ الجديد، بَل ينبغي أن تَنظروا إلى العهدِ القديمِ مِن زاويةِ قِصَّةِ الخَلْق.
فقد قالَ اللهُ: "لأَنَّكَ يَوْمَ تَأكُلُ مِنْهَا مَوْتًا [ماذا؟] تَمُوتُ". فعندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ قالَ لَهُ: "إن أخطأتَ تَموت". والعَهدُ الجَديدُ يَقولُ إنَّ أُجرةَ الخطيَّةِ هي ماذا؟ مَوت. والنَّفسُ الَّتي تُخطئُ [كما يَقولُ حِزْقيال] هِيَ تَموت. فإن أكلتَ مِنَ الشَّجرةِ تَموت. فعندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ كانَ عِقابُ أيَّةِ خَطيَّة هو الموت. أيَّة خطيَّة. فَمِن حَقِّ اللهِ أن يُميتَ الإنسان. والآن، فَكِّروا في الأمرِ بالطَّريقةِ التَّالية: لقد خَلَقَ اللهُ الإنسانَ بمشيئتِه. فقد خَلَقَهُ بإرادَتِه. وقد خَلَقَ الإنسانَ لكي يُمَجِّدَهُ. وقد خَلَقَ الإنسانَ لكي يَعكِسَ صُورَتَهُ. وَقد خَلَقَ الإنسانَ لكي يُظْهِرَ صِفاتِه. ولكنَّ الإنسانَ تَمَرَّد. وكما يَقولُ "آر. سي. سبرول" (R.C. Sproul) فإنَّ الإنسانَ اقتَرَفَ خِيانَةً كَوْنِيَّة. والآن، حيثُ إنَّ اللهَ خَلَقَ الإنسانَ بإرادتِه، وَشاءَ أن يُعطي الإنسانَ حَياةً، وشَاءَ أن يُعطي الإنسانَ شُروطًا مُعيَّنةً تَضمَنُ استمرارَهُ في تِلكَ الحَياةِ؛ ولكنَّ الإنسانَ اختارَ أن يَتَمَرَّد، لا شَكَّ في أنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أن يَستَرِدَّ تِلكَ الحياة. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ، في نِهايةِ المطافِ، مَنْ شاءَ أن يَهَبَهُ تلكَ الحَياة.
وعندما نُخطِئ فإنَّنا نُوَجِّهُ صَفعةً إلى شَخصِ اللهِ وسيادتِه، ونُسيءُ تَمثيلَ صُورتِه وقَصدِهِ مِن خَلْقِنا، ونُهينُ اللهَ. لِذا، أليسَ مِن حَقِّ اللهِ الَّذي وَهَبَنا الحياةَ أن يَسترِدَّها لا سِيَّما أنَّهُ أعطانا شُروطًا ولكنَّنا لم نَلتَزِم بها؟ فهل هذا ظُلم؟ لا، لا! فقد أعطانا شُروطًا؛ وهذا عَدل. وَهُوَ يَملِكُ كُلَّ الحَقِّ في استردادِ تِلكَ الحياةِ الَّتي وَهَبَها عندما لا نَنصاعُ لِتلكَ الشُّروط. حسنًا؟ فقد أكلَ آدمُ وحَوَّاءُ مِنَ الشَّجرة. واسمَحوا لي أن أطرحَ عليكُم سُؤالاً: هل مَاتا؟ لا، لا! فَهُما لم يَموتَا! وهل حَصَلا على العَدل؟ لا، بَل ما الَّذي حَصَلا عليه؟ الرَّحمة. ففي اللَّحظةِ الَّتي أخطأَ فيها آدمُ وحَوَّاء، عَمِلَتْ رَحمةُ اللهِ عَمَلَها. وهل تَعلمونَ ما الَّذي عَمِلَ أيضًا؟ خُطَّة الصَّليب. لأنَّهُ في اللَّحظةِ الَّتي صَارَ فيها اللهُ رَحيمًا تُجاهَ الخُطاةِ، كانَ لا بُدَّ أنْ يَحتَمِلَ شَخصٌ مَا عِقابَهُ العادِل. أليسَ كذلك؟ وحينئذٍ، صَارَ الصَّليبُ حَقيقةً راسِخَة.
لِذا، في الأصل كانت كُلُّ خَطيَّةٍ... والآن رَكِّزوا معي... كانت كُلُّ خَطيَّةٍ تَستوجِبُ المَوت. فهلْ سيكونُ اللهُ ظالِمًا إن شاءَ أن يأخُذَ حَياةَ إنسانٍ مُتمرِّدٍ لم يُعامِلْهُ اللهُ إلاَّ بِكُلِّ صَلاح؟ لا! ولكنَّ اللهَ لم يُمارِس عَدالَتَهُ، بَل كانَ رَحيمًا تُجاهَ آدم وحَوَّاء. والآن، اسمَعوني: عندما تَقرأونَ نَاموسَ مُوسَى، ستَجدونَ نحوَ ثلاثينَ أو خمسٍ وثلاثينَ خَطيَّةٍ فقط تَستوجِبُ الإعدام. وهذه ليست عُقوبةً قاسيةً أو غير عاديَّة، بل هذا تَخفيفٌ مُدهشٌ لدينونةِ الله. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ في الأصل، كانت كُلُّ خَطيَّةٍ تَستوجِبُ الموت. أمَّا الآنَ فتوجد ثلاثونَ أو خمسٌ وثلاثونَ خطيَّة فقط تَستوجِبُ الموت. وَمَن يَدري كم مِن ألفِ خَطيَّةٍ كانت تَستوجِبُ الموتَ قبلَ ذلك! فاللهُ رَحيمٌ جدًّا. وفي الوقتِ الَّذي وَصَلَ فيهِ إلى إعطاءِ النَّاموسِ مِن خلالِ مُوسَى، كانَ قد خَفَّضَ ذلكَ العَدَدَ إلى ثلاثين أو خمسٍ وثلاثينَ خطيَّة. وهل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا آخر؟ حتَّى عندما وَصَلَ عددُ تلكَ الخطايا إلى ثَلاثين أو خمسٍ وثلاثين، جاءت أوقاتٌ لم يُنَفِّذ فيها اللهُ عُقوبَتَهُ العادِلَة. فقد جاءت أوقاتٌ فَعَلَ فيها بَنو إسرائيلَ كُلَّ تلكَ الأشياءِ وَأبقَى اللهُ على حَياتِهم. فَقد كانَ رَحيمًا.
فعندما كَانَ يَحدُثُ زِنَى في إطارِ الزَّواجِ، كَانَ يَنبغي أن يَحدُثَ مَوت؛ ولكِنْ لأنَّهم كانُوا يَزْنونَ طُولَ الوقت، سَمَحَ اللهُ لهم بالطَّلاقِ كبَديلٍ نَابعٍ مِن نِعمتِهِ ورحمتِه. كذلك، كانَ ينبغي لهم أن يَموتوا بسببِ عِبادتِهم للأصنام. ولكِنْ كَم مَرَّةً غَفَرَ اللهُ لَهُم تلكَ الوَثنيَّة؟ وكم مَرَّة كانَ رَحيمًا؟ فقد كانَ يَنبغي أن يَموتوا عندما كانوا يَزنون؛ ولكِنْ كم مَرَّةً أظهَرَ اللهُ طُولَ أناتِه؟ وكانَ يَنبغي أن يَموتوا عندما كانوا يَقتُلون؛ ولكِنْ كم مَرَّةً تَغاضَى اللهُ فيها عن ذلك؟ فقد كانَ طَويلَ الأناةِ جدًّا... طَويلَ الأناةِ جدًّا.
والآن، كما تَرَوْنَ يا أحبَّائي، هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. فإذا قارنتُم العهدَ القديمَ بالمِعيارِ الأصليِّ للخَلْق ستَجدونَ أنَّ العهدَ القديمَ يَزخُرُ بالرَّحمة. والآن، اسمَعوني: لأنَّنا اعتَدْنا كثيرًا على الرَّحمة، ولأنَّنا اعتدنا كثيرًا على النِّعمة، ولأنَّنا اعتدنا كثيرًا على النَّجاةِ على الرَّغمِ مِن خطايانا، ولأنَّنا اعتدنا كثيرًا على عَدمِ الحُصولِ على العِقاب، ولأنَّنا اعتدنا كثيرًا على النِّعمةِ صِرْنا نُسيءُ استعمالَها. وعندما يَفعلُ اللهُ شيئًا عادِلاً نَظُنُّ أنَّهُ غيرُ عَادِل! فقد صِرْنا مُشَوَّشينَ إلى هذا الحَدّ. لِذا فإنَّنا نَستهينُ جدًّا بِلُطفِ الله. فعندما نَقرأُ أنَّ اللهَ أَماتَ حَنانِيَّا وسَفِّيرة، قَد نقول: "كيفَ يَكونُ اللهُ قاسِيًا إلى هذا الحَدّ؟" في حين أنَّ السُّؤالَ الَّذي ينبغي أن نَطرَحَهُ في الحقيقةِ هو: "كيفَ أَبْقى اللهُ على حَياةِ أيِّ شَخصٍ في تلكَ الرَّعيَّة؟ فَقد كانوا جَميعًا خُطاة". وكما تَرَوْنَ، نَحنُ نَستهينُ كثيرًا برَحمةِ الله، ونحنُ مُعتادونَ كثيرًا على الاستخفافِ بِنعمتِهِ حَتَّى إنَّنا نَغضبُ إن لم يَكُنِ اللهُ رَحيمًا. ولكِنَّ هذهِ هي الحقيقة. فَهُوَ يَختارُ أحيانًا ألاَّ يَكونَ رَحيمًا.
وقد تَقول: "حسنًا! ولكنِّي لا أفهَمُ بَعد سَببَ قِيامِهِ بذلك!" اسمَعوني، سَأقولُ لكم السَّبب: لأنَّ الأحوالَ رَديئةٌ جدًّا الآنَ، ولأنَّنا اعتدنا كثيرًا على الاستهانةِ برحمتهِ والاستخفافِ بنِعمتِه إلى أبعدِ الحُدودِ حتَّى إنَّهُ إن لم يُظهر لنا تلكَ النَّماذجَ مِن عَدالَتِهِ، تَخَيَّلوا كَم سَنَستهينُ برحمتِهِ دُونَ أيِّ خَوفٍ مِنَ العِقاب! لِذا فإنَّ السَّببَ في أنَّ اللهَ يَعملُ بينَ الحينِ والآخر على إماتَةِ شَخصٍ أو مُعاقبتِهِ بِصرامةٍ شَديدةٍ هو أنَّهُ لا بُدَّ لهُ على مَدى تاريخِ الفِداءِ أن يُعطينا نَماذجَ عَمليَّة على ما يَنبغي أن يَحدُثَ مِن أجلِ رَدِّنا إليهِ لأنَّنا اعتدنا كثيرًا على رَحمتِه. فإن لم نُشاهِد هذهِ النَّماذِجَ مِنْ عَواقبِ الخطيَّة، قد نَعيشُ حَياتَنا كَما يَحلو لَنا مُستهينينَ برَحمتِه.
انظروا معي إلى رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ العاشِر. وأعتقدُ أنَّهُ يُمكنُني أن أُوَضِّحَ هذا الحَقَّ لكم. فالآية 1كورنثوس 10: 8 تَتحدَّثُ عن أُناسٍ زَنَوْا. وعندما زَنَوْا أماتَ اللهُ ثلاثةً وعشرينَ ألفًا مِنهُم. لماذا؟ لماذا قَتَلَ اللهُ ثلاثةً وعشرينَ ألفَ زَانِيًا وزانيةً؟ لماذا؟ نَقرأُ في العَددِ الحادي عَشَر: "فَهذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ [ماذا؟] مِثَالاً، وَكُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ. إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ [ماذا؟] يَسْقُط". إذًا، لماذا توجدُ في كُلِّ العهدِ القديمِ [وحتَّى في العهدِ الجديدِ] هذه الأمثلةُ على غَضَبِ اللهِ المُباشِر؟ لأنَّها أمثلةٌ إيضاحيَّةٌ. فاللهُ يَفعلُ ذلكَ لكي يُرينا ما يَنبغي أن يَحدُثَ لنا جَميعًا، ولكي يَبنيَ في قُلوبِنا مَواقِفَ الشُّكْر.
ففي كُلِّ يَومٍ أعيشُ فيه ينبغي أن أقول: "شُكرًا لَكَ يا رَبّ! شُكرًا لكَ لأنَّكَ رَحيمٌ جدًّا، ولأنَّكَ تَتغاضَى عنِ الخطايا الَّتي أقتَرِفُها اليومَ ويُمكِنُ أن تُؤدِّي إلى مَوتي وإلى الدَّينونةِ الأبديَّة". ولا بُدَّ أن أقولَ لكُم إنَّنا نَحنُ البَشَر لا نستطيعُ أن نَحتَمِلَ التَّمَرُّدَ الَّذي يَحتَمِلُهُ الله. وَنَحنُ نَستهينُ بِرَحَمِتِه على الرَّغمِ مِن كُلِّ هذهِ النَّماذِج. فهل يُمكنكم أن تَتخيَّلوا ما سيَحدُثُ مِن دُونِ هذهِ النَّماذِج؟
انظروا إلى إنجيل لُوقا والأصحاحِ الثَّالث عشر. أعتقدُ أنَّ هذا المقطعَ تَصويريٌّ جدًّا. إنجيل لُوقا 13: 1. إنَّها آيةٌ قَويَّةٌ جدًّا: "وَكَانَ حَاضِرًا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَوْمٌ يُخْبِرُونَهُ..." – فقد جاءَ قَومٌ إلى يَسوعَ وأخبروهُ شَيئًا. فقد أخبروهُ "عَنِ الْجَلِيلِيِّينَ الَّذِينَ خَلَطَ بِيلاَطُسُ دَمَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ". فيبدو أنَّ أُناسًا مِنَ الجليلِ جَاءوا إلى الهيكلِ؛ وَهُم يَهود. فقد جاءوا إلى الهيكلِ لكي يُقدِّموا ذَبائِحَهُم. وبينما كانوا هُناكَ يُمارِسونَ شَعائِرَهُم الدِّينيَّة، جاءَ بيلاطُس إلى الهيكلِ وذَبَحَهُم حَتَّى إنَّ الدِّماءَ الَّتي سَالَتْ مِن أجسادِهم اختلطَتْ بدِماءِ ذَبائِحِهم. ففي الوقتِ الَّذي كانُوا فيهِ يَعبدونَ إلَهَهُم، ذَبَحَهُم هُناكَ عندَ المَذبَح.
لِذا فقدِ اجتمعَ النَّاسُ حَولَ يَسوع وراحُوا يَسألونَهُ لا عن وَحشيَّةِ بيلاطُس، بَل رَاحُوا يَسألونَهُ عن عَدالةِ اللهِ، ويَقولون: "ماذا عَن تلكَ الحادثة؟"؛ أي ماذا عن أولئكَ الجَليليِّينَ، وماذا عن بيلاطُسَ الوَثنيِّ الدَّنِسَ الَّذي جاءَ وَذَبَحَ هؤلاءِ في الوقتِ الَّذي كانُوا فيهِ يُقَدِّمونَ ذَبائِحَهُم؟ كيفَ يَسمَحُ اللهُ بذلك؟ وأعتقدُ أنَّ ما كانوا يَقصِدونَهُ هُوَ: "هَل كانوا أشرارًا جدًّا؟ هل كانُوا خُطاةً جدًّا؟ هل كانُوا أَشَرَّ مِنَ الآخرين؟ لماذا مَاتُوا بتلكَ الطَّريقة؟ أينَ كانَ الله؟ هَل كَانَ مَا حَدَثَ سَهْوًا مِنَ اللهِ حَتَّى إنَّهُ قال: "لقد غَفَلْتُ عن هؤلاءِ الجَليليِّينَ فجاءَ بيلاطُسُ وَقَتَلَهُم قبلَ أن أُلاحِظَ ما يَجري‘؟ أم أنَّ اللهَ قال: ’أنتُم أَشَرُّ مِنَ الآخرين. لِذا، سَأُعالِجُ الأمرَ بطريقتي وأُعاقِبُكم على شَعائِرِكُم الدِّينيَّةِ الزَّائفة؟‘"
"فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَتَظُنُّونَ [أو تَعتقدونَ] أَنَّ هؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هذَا؟" بِعبارةٍ أخرى، أَتَظُنُّونَ أنَّ السَّببَ في حُدوثِ ذلكَ لَهُم هُوَ أنَّهم كانوا يَستَحِقُّونَ ذلكَ أكثرَ مِنَ البَقيَّة؟ "كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُون". أَتُلاحِظونَ مَا قالَهُ؟ لقد قال: "إنَّهُم ليسوا أَشَرَّ مِنكُم. لِذا، إن لم تَتوبوا ستُلاقونَ المَصيرَ نَفسَهُ". فقد كانَ هؤلاء أمثلةً وَحَسْب. فقد نَالوا جَزاءَهُم العادِلَ ليكونوا مِثالاً على ما ستَحصُلونَ عليهِ جميعًا إن لم تَتوبوا. فَهُم لم يَكونوا أَشَرَّ مِنَ البَقيَّة، بَلْ إنَّ اللهَ اختارَهُم ليكونوا أمثلةً لَنا.
أو قَالوا: "ماذا عن أُولئِكَ الثَّمَانِيَة عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ؟" هل يُمكنكم أن تَتَخَيَّلوا ذلك؟ فهذا خَبَرٌ يَصلُحُ أن يَتَصَدَّرَ وسائلَ الإعلام! فبينما كانَ ثمانيةُ عشَرَ شخصًا يَمشونَ في الطَّريقِ بالقُربِ مِن بُرجٍ ضَخمٍ، رَاحَ البُرجُ يَنهار فسقطَ على هؤلاءِ الثَّمانية عَشَر. ورُبَّما كانَ هؤلاءِ الأشخاصِ الثَّمانيةَ عَشَرَ يَضُمُّونَ زَوجاتٍ وأزواجًا وأبناء. وقدِ انتهتْ حَياتُهم جميعًا. فقد سَقَطَ البُرجُ عليهم فَقتلَهُم. وَهُم لم يَكونوا يُخطِئون، بَل كانُوا يَمشونَ وَحَسْب في الطَّريق. فَهُم لم يَكونوا يَفعلونَ فِعلاً شِرِّيرًا فماتوا. "أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاس؟" "أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ كَانُوا أسوأَ مِنْ جَمِيعِ النَّاس؟" كَلاَّ! "كَلاَّ!... بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُون".
هل تَرَوْنَ النُّقطةَ الَّتي يُحاولُ أن يُوَضِّحَها؟ فَهؤلاءِ لم يكونوا أسوأَ مِنَ الآخرين، بَل هُم مُجرَّدُ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على العِقابِ الَّذي كانَ يَنبغي لَكُم جَميعًا أن تَحصُلوا عليه. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. هَل تَفهَمونَ ذلك؟ وكما تَرَوْنَ فإنَّنا صِرنا مُعتادينَ كثيرًا على الرَّحمة، ومُعتادينَ كثيرًا على النِّعمة حتَّى إنَّنا نَظُنُّ أنَّ العَدْلَ ليسَ عَدْلاً. ولكنَّ التَّاريخَ يُؤكِّدُ صَلاحَ الله. واللهُ يَستخدِمُ أُناسًا مُعيَّنينَ مِثالاً إيضاحيًّا لِكَي يُحَذِّرَ مِن عَواقبِ الخطيَّةِ العادِلَةِ ويَجعلَ جَميعَ النَّاسِ يُعبِّرونَ عن شُكرِهم وتَوبتِهم لأنَّ ذلكَ لم يَحدُث لَهُم.
ولكِن اسمَحُوا لي أن أقولَ في الخِتامِ شَيئًا جَاءَ في العَددِ الخامِسِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالةِ رُومية: إن رَفضتَ لُطفَ اللهِ، وإن رَفضتَ أن يَقتادَكَ إلى التَّوبةِ مِن خلالِ لُطفِهِ، وإن لم تَشكُرهُ ولم تَأتِ إلى المسيحِ فإنَّ قَلبَكَ القاسي وغيرَ التَّائبِ يُراكِمُ الغَضَبَ عليك. ومعَ أنَّكَ قَد تَنجو الآنَ فَإنَّ يَومَ الغَضبِ آتٍ. وفيهِ سوفَ تُستَعلَنُ دَيْنُونَةُ اللهِ العَادِلَة عندَ العَرشِ العَظيمِ الأبيَض. وحينئذٍ سَوفَ يَصُبُّ ذلكَ الغَضَبَ عليك. فالأشخاصُ الَّذينَ لا يَتوبونَ يَذخَرونَ لأنفسهم مَخزونًا مِنَ الخطيَّةِ والدَّينونة. فَهُم يَذخَرونَ ذلكَ شَيئًا فَشيئًا. يا لَهُ مِن وَهْم! فلأنَّ اللهَ رَحيمٌ فإنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ أنَّ كُلَّ شيءٍ سيكونُ على ما يُرام. أتَرَوْن! وَعِوَضًا عن أن يَقودَهُم لُطفُ اللهِ إلى التَّوبةِ لأنَّ اللهَ لَطيفٌ جدًّا مَعَهُم على الرَّغمِ مِن أنَّهُم خُطاة، فإنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّهُ حيثُ إنَّ الأمورَ تَسيرُ سَيْرًا حَسَنًا فإنَّهُم على ما يُرام، وإنَّهم بحالةٍ جَيِّدة، وإنَّ كُلَّ شيءٍ رائع. ولكِنْ يا لَهُ مِن وَهْم! لِذا فإنَّهُم يَستَهينونَ بلُطفِهِ فَيَحصُلونَ ذاتَ يَومٍ على غَضَبِهِ الكامِل.
وأعتقدُ أنَّ العِبارة "قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ" هي عِبارةٌ مُدهشة. فالكلمة "قساوة" هُنا هي "سكليروتيس" (sklerotes) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "تَصَلُّب" مِثلَ "تَصَلُّب الشَّرايين" أو "تَشَمُّع الكَبِد" أيضًا. وَمَعَ أنَّ تَصَلُّبَ الشَّرايينِ يَأخُذُكَ إلى القَبرِ فإنَّ تَصَلُّبَ القلبِ يأخُذُكَ إلى جَهنَّم. كَما أنَّهُ يَستخدِمُ العِبارةَ "غير التَّائِب"؛ أيِ القَلب الَّذي لا يَتوب، ولا يَتجدَّد، ولا يَتغيَّر. وقد تَحدَّثَ حِزْقيال عن حقيقةِ أنَّ النَّاسَ يَملكونَ قَلبًا حَجَرِيًّا (في سِفْر حِزْقيال 36: 26). وفي سِفْر حِزقيال 3: 7، يَتحدَّثُ حِزْقيال عن أنَّ بَني إسرائيلَ قُساةَ القُلوب. وقد تَحدَّثَ يَسوعُ عَنِ القُلوبِ القاسِيَة (في إنجيل مَتَّى 19: 8، وإنجيل مَرقُس 3: 5، وإنجيل مَرقُس 6: 52، وإنجيل مَرقُس 8: 17، وإنجيل يوحنَّا 12: 40).
ويَقولُ كاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين في الأصحاحِ الثَّالثِ والأصحاحِ الرَّابعِ [ثَلاثَ مَرَّاتٍ]: "لاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ". "لاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ". لا تَصيروا بَارِدينَ ولا مُبالينَ لأنَّ كُلَّ ما تَفعلونَهُ هُوَ أنَّكُم تَذخَرونَ لأنفسِكُم غَضَبًا. بعبارةٍ أخرى: أنتُم مَسؤولون! وأنتُم تَفعلونَ هذا بأنفسِكُم. فأنتُم تَذخَرونَ غَضَبًا إلهيًّا سيَنفجِرُ في يومِ الغَضَب؛ وَهُوَ يَومٌ يُعَرَّفُ بأنَّهُ اليومُ الَّذي ستُستَعلَنُ فيهِ الدَّينونَةُ العادِلَةُ تَمامًا. وأعتقدُ أنَّ ذلكَ سيكونُ العَرشَ العَظيمَ الأبيَض. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْر الرُّؤيا أنَّ الرَّبَّ سيَدعو جَميعَ الأشرارِ الأمواتِ مِن كُلِّ مَكانٍ إلى الوقوفِ أمامَ العَرشِ حيثُ سيُدانونَ حَسَبَ ما جاءَ في السِّفْرِ الَّذي كُتِبَتْ فيهِ أفعالُهم، ثُمَّ أنَّهُم سيُطرَحونَ إلى الأبد في بُحيرةِ النَّارِ مَعَ إبليسَ ومَلائكتِه.
لِذا، يَنبغي للنَّاسِ أن يُواجِهُوا الحَقيقة. فإمَّا أن تَستهينَ بالرَّحمةِ الآنَ وتَنالَ غَضَبًا في المُستقبَل، وَإمَّا أن تَرى الرَّحمةَ على حَقيقتِها، وتَكونَ شَاكِرًا، وتَأتي بِتوبةٍ قَلبيَّةٍ إلى اللهِ، وتَلتجِئ إلى المَسيح. فإنْ كانَ لُطفُ اللهِ نَحوَكَ لا يَقتادُكَ إلى التَّوبة، فإنَّكَ سَتَغرَقُ شَيئًا فَشيئًا لأنَّ كُلَّ خَطيَّةٍ تَقتَرِفُها تَستَنزِفُ طُولَ أناةِ الله. وهذا الغَضَبُ مَحجوبٌ الآنَ بسببِ رَحمةِ الله. ولكِنْ في يَومٍ مَا، سَيَمتلِئُ السَّدُّ تَمامًا، وَتَتَحَطَّمُ جُدرانُ السَّدِّ، وتَغرَقُ في بَحْرِ خَطاياكَ إلى أبدِ الآبِدين. ولكِنْ هُناكَ بَديل. ففي وَسطِ ذلكَ البَحر، هناكَ جَزيرةٌ آمِنَةٌ. وتِلكَ الجَزيرةُ هِيَ الجُلجُثة. وكما رَنَّمْنا سابقًا، ها هُوَ المُخَلِّصُ في انتظارِكَ إنْ أتيتَ إليه. دَعونا نَحني رُؤوسَنا كي نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُركَ مَرَّةً أخرى في هذا المساء لأنَّكَ تُعَلِّمُنا مِن كلمتِك. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ لا تُعطينا مَا نَستَحِقُّهُ. ونَشكُرُكَ على صَلاحِكَ، ولُطفِكَ، وَطُولِ أناتِكَ، ورَحمتِك. ونَشكُرُكَ على الأمثلةِ الَّتي تُعطيها لنا لكي تُبَيِّنَ لنا أنَّنا إنْ لم نَتُب فإنَّنا سَنُواجِهُ المَصيرَ نَفسَهُ. يا لَيتَنا نَرجِعُ إليكَ بِقُلوبٍ شَكورةٍ ونَأتي إلى المَسيح. وَلَيتَنا لا نَملأُ شَيئًا فَشيئًا ذلكَ السَّدَّ بخطايانا إلى أنْ يَنفَجِرَ ذاتَ يَومٍ ويُغرِقَنا. يا رَبّ، إنْ كانَ يُوجدُ أشخاصٌ في هذا المكان... وَنحنُ نَعلَمُ أنَّهُم مَوجودون... إن كانَ يُوجَدُ أشخاصٌ يَحتَقِرونَ صَلاحَكَ، لَيتَهُم يَتوقَّفونَ عن ذلك ويَأتونَ إليك. وإنْ كانَ يُوجَدُ بينَنا، حَتَّى نَحنُ المَسيحيِّينَ، أشخاصٌ وَقَعُوا ضَحِيَّةَ ذلكَ الشَّيءِ الشِّرِّيرِ المُتَمَثِّلِ في الاستخفافِ بِرَحمَتِكَ الواسِعَة، اغفِر لنا أيضًا. فنحنُ نَعلَمُ أنَّنا لَسنا بحاجةٍ إلى مُواجَهَةِ تِلكَ الدَّينونةِ لأنَّ يَسوعَ احتَمَلَ عَدالَتَكَ وَكُلَّ غَضَبِكَ نِيابةً عن أولئكَ الَّذينَ يُؤمِنون. لِذا، لَيتَنا نَقبَلُ ذلكَ بالإيمان. ويا أبانا، نُصَلِّي في خِتامِ شَرِكَتِنا في هذا المَساء أن تَجذِبَ إلى مَلكوتِكَ أولئكَ الَّذينَ سيَأتون. لأجلِ مَجدِكَ نَطلُبُ هذا باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
