Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المَساء، نُتابِعُ سِلسلتَنا مِن رِسالةِ بُولُس إلى أهلِ رُومية والأصحاحِ الثَّاني. في كُلِّ مَرَّةٍ أدرُسُ فيها كلمةَ اللهِ، أُرَكِّزُ على حقيقةِ أنَّ مَا نَدرُسُهُ هُوَ رِسالةُ اللهِ لنا، وعلى أنَّنا لا نَستمعُ إلى تَفسيرٍ مُحتَمَلٍ لما يُفَكِّرُ فيهِ الله، بَل إنَّنا نَقرأُ كَلِمَتَهُ الثَّمينة. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ "كُلَّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّة"، وَإنَّ كُلَّ الكتابِ المقدَّسِ قَد أُعْطِيَ لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً. لِذا، فيما نَدرُسُ كلمةَ اللهِ في هذا المَساءِ فإنَّنا نَستَمِعُ إلى اللهِ يَتكلَّمُ بِقَصْدِ جَعْلِنا كَامِلين. ونحنُ نَتأمَّلُ في الآياتِ مِن 1 إلى 16 مِنَ الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية، ونَدرُسُ ما جاءَ فيها على مَهْلٍ فيما نَتأمَّلُ في هذا المَقطَع. وقد اختَرْنا لهذا المَقطَعِ العُنوانَ التَّالي: "مَبادِئُ الدَّينونَة"... مَبادِئُ الدَّينونَة.

في المَزمورِ التَّاسعِ والعَددِ السَّابع، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ الرَّبَّ: "ثَبَّتَ لِلْقَضَاءِ كُرْسِيَّهُ". وفي المَزمورِ السَّادِسِ والتِّسعين والعَددِ الثَّالث عَشَر، نَقرأُ أنَّ الرَّبَّ: "جَاءَ لِيَدِينَ الأَرْضَ. يَدِينُ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ وَالشُّعُوبَ بِأَمَانَتِه". وهاتانِ مُجَرَّدُ آيتانِ مِن عَدَدٍ هَائلٍ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ الَّتي تُخبرُنا أنَّ اللهَ سَيأتي ذاتَ يَومٍ ليَدينَ العالَم. وهُناكَ تَسمياتٌ عَديدةٌ ليومِ الدَّينونةِ الأخيرةِ في الكتابِ المقدَّس. فَهُنا، في الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية، وأيضًا في الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ الرُّؤيا، يُسَمَّى هذا اليومُ "يَومَ الغَضَب". وَهُوَ يُسَمَّى هُنا أيضًا (وَتحديدًا في الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية والعَددِ الخامِس) "يَومَ اسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَة". وَهُوَ يُسَمَّى في رِسالةِ بُطرسَ الثانية 3: 7: "يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّار". وَهُوَ يُسَمَّى في العَددِ السَّادسِ مِنْ رِسالةِ يَهوذا: "اليوم العَظيم". ولكِنْ أيًّا كانَتِ التَّسمِيَةُ، سَيَأتي يَومٌ يَدينُ اللهُ فيهِ العَالَم.

ويُخبرُنا بولسُ في رِسالتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 4: 1 أنَّ هذهِ الدَّينونةَ سَتحدُثُ في المجيءِ الثَّاني للرَّبِّ يسوعَ المسيح. فقد كَتَبَ يَقول: "أَنَا أُنَاشِدُكَ إِذًا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ". فاللهُ سَوفَ يَدينُ البَشَر. وَهُوَ سيَدينُهم عندما يَعودُ يَسوعُ المَسيح. ونَقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ تسالونيكي 1: 8 أنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ سَوفَ يُستَعلَنُ "مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح".

وهذهِ الدَّينونةُ الأخيرةُ مُوصوفَةٌ بالتَّفصيلِ في الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْر الرُّؤيا إذْ يَقولُ يُوحَنَّا: "ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ! وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّار". فَنَحنُ نَجِدُ هُنا نَظرةً مُفَصَّلَةً عن يَومِ الدَّينونةِ عندما يَعودُ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيح.

وفي إنجيلِ مَتَّى 13: 41-43، نَقرأُ أيضًا: "يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ".

والآن، إنَّ هذهِ الآياتِ تُساعِدُنا وحَسْب على التَّركيزِ على الدَّينونةِ القادِمَةِ وَما يُرافِقُها مِن عَودةِ يَسوعَ المَسيحِ إلى عَرشِه. فَسوفَ يُجْمَعُ كُلُّ الأمواتِ على مَدى الدُّهورِ أمامَ ذلكَ العَرشِ كي يَدينَهُم. والآن، حيثُ إنَّ جَميعَ البَشَرِ على وَجهِ الأرضِ سيُواجِهونَ الدَّينونةَ المَحتومَة، هُناكَ شَيءٌ يَنبغي لنا أن نَفهَمَهُ تَمامًا. فحيثُ إنَّ جَميعَ البَشرِ سيَقفونَ أمامَ يَسوعَ المسيحِ في تلكَ السَّاعة، يَجِبُ علينا أن نَعرفَ ما يَلزَمُ لِتَجَنُّبِ تِلكَ الدَّينونة.

فالعهدُ الجَديدُ يَقول: "وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَة". لِذا فإنَّ كُلَّ التَّاريخِ البَشريِّ يَتحرَّكُ حَركةً دائمةٍ يَتعَذَّرُ تَجَنُّبُها نَحوَ الدَّينونةِ الأخيرة. لِذا فإنَّ كاتِبَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ يُحَذِّرُ مِن دَينونةٍ مُخيفةٍ وَنارٍ مُحرِقَةٍ سَتَلتَهِمُ أعداءَ الله. وَهُوَ يُدَوِّنُ في الأصحاحِ العاشِرِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ الكلماتِ التَّالية: "لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ». وَأَيْضًا: «الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ»". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!"

فاللهُ سَوفَ يَدينُ. وَهُوَ سَوفَ يَدينُ جَميعَ البَشر. وحيثُ إنَّ هذا صَحيح، يجبُ علينا أن نَعرفَ ذلك. لِذا فإنَّ اللهَ يَحرِصُ دائمًا في صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس على تَحذيرِنا. ولكنَّ السُّؤالَ الأَهَمَّ بالنِّسبةِ إلينا هُوَ التَّالي: حيثُ إنَّ جَميعَ البَشرِ سيُواجِهونَ دَينونةَ اللهِ، ما هو إذَنْ مِعيارُ تِلكَ الدَّينونة؟ فكيفَ سَيحكُم علينا؟ وما المِعيارُ الَّذي سيَستخدِمُه؟ وما هِيَ عَناصِرُ الدَّينونة؟ وعلى أيِّ أساسٍ سَيُدانُ أُناسٌ ويَذهبونَ إلى جَهنَّمَ إلى الأبد؟ وعلى أيِّ أساسٍ سيَذهبُ أُناسٌ إلى السَّماءِ إلى الأبد؟

أعتقدُ أنَّ أساسَ الدَّينونَةِ مَذكورٌ في الأعدادِ السِتَّةَ عَشَر مِنَ الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية. ففي هذهِ الأعدادِ السِتَّة عَشَر، يَذكُرُ لنا الرَّسولُ بولُسُ سِتَّةَ مَبادِئ للدَّينونةِ الإلهيَّة، أو سِتَّة عَناصَر يَستخدِمُها اللهُ لإدانةِ البَشر. واسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بهذه المبادئِ السِّتَّة قبلَ أن نُتابِعَ مِن حَيث تَوقَّفنا في المَرَّةِ السَّابقة. أوَّلاً، اللهُ يَدينُ بِحَسَبِ المَعرفة. ثانيًا، بِحَسَبِ الحَقّ، ثالثًا، بِحَسَبِ الذَّنْب، رابعًا، بِحَسَبِ الأعمال. خامسًا، بِحَسَبِ عَدمِ المُحاباة. سادسًا، بِحَسَبِ الدَّوافِع.

والآن، تَذكَّروا فيما نَتأمَّلُ في الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية أنَّ هذا الأصحاحَ ليسَ مُنفصِلاً عَن غَيرِهِ، بَل هُوَ جُزءٌ مِنَ صُورةٍ كَبيرةٍ جدًّا يُقَدِّمُ فيها بُولسُ إنجيلَ يَسوعَ المَسيح. ففي الأصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ السَّادس عَشَر، نَادَى بإنجيلِ يَسوعَ المَسيح. ثُمَّ إنَّهُ يَبتدِئُ في العَددِ الثامِن عَشَر في تَفسيرِ مَاهِيَّةِ ذلكَ الإنجيل. فالكلمة "إنجيل" تَعني "الخَبَر السَّارّ". ولكِنْ قبلَ أن نَتمكَّنَ مِن سَماعِ الخبرِ السَّارِّ، يَنبغي لنا أن نَسمعَ الخَبَرَ السَّيِّء. لِذا، نَجِدُ في الأصحاحَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني، وَحَتَّى في بِدايةِ الأصحاحِ الثَّالثِ أنَّ الأخبارَ كُلَّها سَيِّئة! فالإنسانُ خَاطِئٌ وَفاسِدٌ أخلاقيًّا. فَحَتَّى عندما يَكونُ في أعلى حَالاتِهِ الأخلاقيَّةِ فإنَّهُ يَبقى بَعيدًا عن مِعيارِ الله. وَهُوَ تَحتَ لَعنةِ الخطيَّةِ وَدَينونَتِها. لِذا، عندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ التَّاسع عَشَر تَقرأونَ الكلماتِ التَّالية: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّة".

بِعبارةٍ أخرى، إنَّ الغَايَةَ مِنَ الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ الأولى هِيَ أنْ تَسُدَّ كُلَّ فَمٍ حَتَّى لا يَأتي شَخصٌ ويَقول إنَّهُ بِمَنأى عَن دَينونةِ الله. فلا يُوجدُ شَخصٌ واحدٌ يَستطيعُ أن يَدَّعي أنَّهُ ليسَ بِحاجةٍ إلى التَّقييمِ وَفقًا للمِعيارِ الإلهِيّ. لِذا، مِن بِدايةِ العَدد 1: 18 إلى نهايةِ العَدد 3: 20، نُلاحِظُ أنَّ كُلَّ مَا نَقرأُهُ هُوَ أخبارٌ سَيِّئة. وهذا تَمهيدٌ وَحَسْب، يا أحبَّائي. وأنا مُتيَقِّنٌ بأنَّكُم تَعلمونَ ذلكَ إنْ كُنتُم قَد دَرَستُم رِسالةَ رُومية لأنَّ الخَبَرَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 21 هُوَ خَبَرٌ سَارّ لأنَّهُ يُخبرُنا كيفَ أنَّ المَسيحَ يُخَلِّصُ الإنسانَ مِن ضَلالِه.

والآن، عندما نَظرنا إلى الأصحاحِ الأوَّل، رأينا بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إدانَةَ الإنسانِ الوَثنيِّ والفاسِدِ أخلاقيًّا. وعندما نَنظُرُ إلى الأصحاحِ الثَّاني نَرى مَزيدًا مِنَ التَّركيزِ على الإنسانِ الَّذي يُظْهِرُ أخلاقًا خَارجيَّةً، وتَدَيُّنًا، وبِرًّا ذاتِيًّا. ولكنَّ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ يَنْتَميانِ إلى الفِئةِ نَفسِها في النِّهاية إذْ إنَّ كُلاًّ منهُما سَيُحكَمُ عليه. فإذا نَظرنا إلى نَمَطِ الحياةِ الفاسِدةِ والوثنيَّةِ والمُنحطَّةِ (كما هُوَ مُبَيَّن في الأصحاحِ الأوَّل والأعداد مِن 18 إلى 32)، أو إلى نَمَطِ الحَياةِ القائِمةِ على الأخلاقِ الخارجيَّةِ والتَّديُّنِ والبِرِّ الذَّاتِيِّ (كما هُوَ مُبَيَّنٌ في الأصحاحِ الثَّاني)، نُلاحِظُ أنَّ مَنْ يَنْتَمونَ إلى هَتَيْنِ الفِئتينِ يُواجِهونُ المَصيرَ نَفسَهُ. فالإنسانُ خاطِئٌ ولا بُدَّ أن يُدان.

والآن، لِنَرجِع ونَنظُر إلى هذهِ العَناصِرِ الَّتي تُشَكِّلُ العناصرَ السِّتَّةَ للدَّينونة. فالعَددُ الأوَّلُ يُذكِّرُنا أنَّ اللهَ يَدينُ بِحَسَبِ المَعرفة. استَمِعوا إلى ذلك: "لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا!" بِعبارةٍ أخرى، سَوفَ يَحكُمُ اللهُ عليكَ بِحسبِ مَعرفتِك. والشَّيءُ الَّذي يَدُلُّ على أنَّكَ تَعرِفُ مَا يَكفي للحُكْمِ عليكَ هُوَ أنَّكَ تَحكُمُ على الآخرين. فإن كُنتَ تَحكُمُ على الآخرينَ، لا بُدَّ أنَّكَ تَعرِفُ المِعيار. وَهُوَ يُشيرُ تَحديدًا إلى اليَهودِيِّ الَّذي كانَ يَحكُمُ على الأُمَم وَيُقِرُّ بِما جاءَ في الأعداد مِن 18 إلى 32 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل. فَهُوَ يُقِرُّ بأنَّهُ لا بُدَّ مِن إدانةِ الأُمَم؛ ولكنَّهُ يَرى نَفسَهُ بِمنأى عَن مِثلِ تلكَ الدَّينونَة. والحقيقةُ هي أنَّ بولسَ يَقولُ إنَّ هذا اليَهوديَّ مُدانٌ بالقَدْرِ نَفسِهِ لأنَّهُ إنْ كانَ يَحكُمُ على الآخرين، لا بُدَّ أنَّهُ يَعرِفُ المِعيار. وعلى الرَّغمِ مِن مَعرفتِهِ للمِعيارِ فإنَهُ يَفعلُ تلكَ الأمورَ نَفسَها. لِذا فإنَّ اللهَ سيَدينُ البَشَرَ حَسَبَ مَعرفتِهم. وقد تَحدَّثنا بالتَّفصيلِ عن ذلك.

ثَانيًا، اللهُ سَوفَ يَدينُ بِحَسَبِ الحَقّ: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ [كَما يَقولُ العَددُ الثَّاني] عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ. أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟" وكما تَرَوْنَ، فإنَّ مَا يَرجُوهُ الإنسانِ المُرائي هُوَ ألاَّ يَدينَ اللهُ البَشَرَ حَسَبَ الحَقِّ، بَلْ أنْ يَدينَ حَسَبَ المَظاهرِ الخارجيَّةِ الزَّائفة. ولكنَّ اللهَ لَن يَفعلَ ذلك، بَل سَيَدينُ حَسَبَ الحَقّ. وَهُوَ لَن يُبْرِئَ النَّاسَ على أساسِ ادِّعائِهم بالتَّقوى، أو على أساسِ تَظاهُرِهم الخارجيِّ بالتَّقوى، بَل إنَّهُ سيَدينُهم على أساسِ حَقيقتهمِ الدَّاخليَّة. ولا يَستطيعُ أيُّ إنسانٍ أن يُخفي حَقيقَتَهُ الدَّاخليَّةَ عنِ الله.

فنحنُ نَقرأُ في سِفْر أيُّوب 8: 13: "وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ يَخِيب". ونَقرأُ في سِفْر أيوب 36: 13: "أَمَّا فُجَّارُ الْقَلْبِ فَيَذْخَرُونَ غَضَبًا". لِذا فإنَّ اللهَ سَيَحكُمُ علينا حَسَبَ مَعرفتِنا لا سِيَّما عندما نُظهِرُ قُدرَتَنا على الحُكمِ على النَّاسِ بِسَببِ عَدَمِ التِزامِهم بالمِعيار. كَما أنَّهُ سيَحكُمُ علينا حَسَبَ الحَقِّ؛ أيْ حَسَبَ الحَقِّ الدَّاخِليِّ وليسَ المَظهَرِ الخارجيّ.

ثالثًا، اللهُ سيَدينُ البَشَرَ بِحَسَبِ الذَّنْب. وقد تَحدَّثنا عن ذلكَ في العَددَيْنِ الرَّابعِ والخامس: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَة". وَما يَقولُهُ هُنا هوَ: أنتَ مُذْنِبٌ بِذَنْبِ الاستخفافِ بِلُطفِ الله. فاللهُ يُظهِرُ كُلَّ رَحمةٍ ونِعمةٍ ولُطفٍ ومحبَّةٍ وطُولِ أناة. ولكِنْ عِوَضًا عن أن يَقتادَكَ ذلكَ اللُّطفُ إلى التَّوبةِ فإنَّكَ تُقَسِّي قَلبَكَ، ولا تَتوبُ، بَل تَرفُضُ لُطفَهُ فَتَذْخَرُ لِنَفسِكَ غَضَبًا سَيُسكَبُ عليكَ في يومِ الدَّينونة. وبهذا فإنَّكَ مُذنِبٌ بأسوأِ أشكالِ الاستخفافِ بنِعمةِ الله.

والآن، رابعًا [في هذا المَساء]: اللهُ يَدينُ بِحسبِ الأعمال. فَهُوَ يَدينُ بِحسبِ الأعمال. فنحنُ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العَددِ السَّادس... وأرجُو أن تُتابِعُوا النَّصَّ مَعي أثناءَ قِراءَتي لَهُ: "الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ". هَذهِ هِيَ الآيةُ الرَّئيسيَّة. فَهُوَ سيُجازي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِه. "أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ، وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ، شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ".

والآن، انظُروا إلى العَددِ السَّادس إذْ نَقرأُ أنَّ اللهَ: "سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ". ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ، وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ". ثُمَّ إنَّهُ يُكَرِّرُ تَقريبًا نَفسَ الأفكارِ ويقولُ إنَّهُ لا فَرْقَ إنْ كُنتَ يَهودِيًّا أَم يُونانِيًّا. فالنَّتيجَةُ ستَكونُ مُماثلةً "لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ". والآن، إنَّ هذا المَقطعَ سَهلٌ جدًّا عندما نَقرأُهُ أوَّلَ مَرَّة، ولكنَّهُ يَحوي أفكارًا لاهوتيَّةً مُعقَّدةً جدًّا. لِذا، أرجو أن يَقودَنا الرَّبُّ حقًّا فيما نَتأمَّلُ في هذهِ الأمور.

فقد رأينا عندما قَرأنا الأصحاحَ العِشرين مِن سِفْر الرُّؤيا أنَّ اللهَ سيَدينُ النَّاسَ بِحَسَبِ أعمالِهم. وَهُوَ يَذكُرُ ذلكَ مَرَّتَيْن: "بِحَسَبِ أعمالِهم... بِحَسَبِ أعمالِهم". ونَقرأُ هُنا الشَّيءَ نَفسَهُ. فالحَقُّ الجَوهريُّ مَذكورٌ في العَددِ السَّادس: أنَّ النَّاسَ سَيدُانونَ بِحَسَبِ أفعالِهم أو أعمالِهم. والآن، إنَّ هذهِ الفِكرةَ ليسَت فِكرة جَديدة، بَل هِيَ فِكرةٌ تَتَكَرَّرُ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 17: 10: "أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ". ونَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 3: 10 و11: "قُولُوا لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ! لأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ ثَمَرَ أَفْعَالِهِمْ. وَيْلٌ لِلشِّرِّيرِ. شَرٌّ! لأَنَّ مُجَازَاةَ يَدَيْهِ تُعْمَلُ بِهِ".

إذًا، يُخبرُنا العهدُ القديمُ أنَّ اللهَ سيَدينُ البَشَرَ بِحسبِ ثَمَرِ الإنسان، أو بِحسبِ أعمالِه، أو بِحسبِ أفعالِه، أو بِحسبِ نَمطِ حَياتِه. وقد تقول: "هذه في الحقيقةِ فِكرةٌ مِن أفكارِ العهدِ القديم. أليسَ كذلك؟ فهي ليسَت فِكرةً مِن أفكارِ العهدِ الجديد". كَلاَّ! بَل هِيَ فِكرةٌ مَذكورةٌ أيضًا في العهدِ الجديد؛ أيْ أنَّ اللهَ سيَدينُ البَشرَ بِحَسَبِ أعمالِهم.

ففي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادس عَشَر، وأريدُ أن أُرِيَكُم هُنا بِضعَ آيات. ولا حَاجةَ إلى أن تَفتَحوا عليها، ولكِنَّكُم قَد تَرغبونَ في تَدوينِها. أريدُ أن أُرِيَكُم بِضعَ آياتٍ مِنَ العهدِ الجديدِ تُرَكِّزُ على نَفسِ الحَقّ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 16: 27: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ [والحَديثُ هُنا هُوَ عَن تِلكَ الدَّينونةِ العَظيمةِ في المُستقبَل]، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ". إنَّها نَفسُ الفِكرة: "حَسَبَ عَمَلِه". وحَتَّى في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ الثَّالث، وَهُوَ مَقطَعٌ نَعرِفُهُ جَميعًا، نَجِدُ في العَددِ الثَّامنِ أنَّ "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ. إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هذَا الأَسَاسِ: ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا، فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ. إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً. إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ".

وفي الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 5: 10، نَقرأُ كلماتٍ مُشابِهة: "لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا". وحَتَّى إنَّ الرِّسالةَ إلى أهلِ غَلاطيَّة، تِلكَ الرِّسالةَ الرَّائعةَ الَّتي تَتحدَّثُ عنِ النِّعمةِ، تَقولُ ما يَلي في الأصحاحِ السَّادسِ والعَددِ السَّابع: "لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا [مَاذا؟] لاَ نَكِلُّ". ويُمكنُكم أن تَجِدُوا المبدأَ نَفسَهُ في مَواضِعَ أخرى مِنَ العهدِ الجديد. فَهُناكَ مَكانٌ لأعمالِ في الدَّينونَةِ لكُلٍّ مِن غَيرِ المُؤمِنينَ والمُؤمِنين. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى أهلِ رُومية 14: 12: "فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لله".

والآن، لِنَرجِع إلى الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية. سَواءَ نَظرتُم إلى العهدِ القديمِ أوْ إلى العهدِ الجديد فإنَّ هذهِ هِيَ مُجرَّد أمثلة كِتابيَّة إذْ يُمكنكم العُثورُ على الكَثيرِ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ الَّتي تُذكِّرُنا بأنَّ اللهَ سيَدينُ البَشرَ بِحسبِ أعمالِهم. والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ هُنا هي أنَّ اللهَ لا يَحكُمُ علينا بِحسَبِ ادِّعاءاتِنا، وَلا يَحكُمُ علينا بِحسَبِ عَلاقاتِنا، وَلا يَحكُمُ على اليَهودِيَّ بِحسَبِ انتِمائِهِ [مِن جِهَةِ النَّسَبِ] إلى إبراهيم، ولا يَحكُمُ عليكَ بِحسَبِ انتمائِكَ إلى الكنيسة، بَل يَحكُمُ بِحسبِ ثَمَرِ حَياتِك. والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هِيَ ليسَت ما إذا كانَ الإنسانُ يَهوديًّا أَم أُمَمِيًّا، أو ما إذا كانَ الإنسانُ وَثنيًّا أَم مُتديِّنًا، أو ما إذا كانَ يَذهبُ إلى الكنيسةِ أَم لا يَذهبُ إلى الكنيسة؛ بَل إنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هِيَ: هَل تُظهِرُ حَياتُهُ طَاعَةً لله؟ هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة.

فأعمالُ البَشرِ... لاحِظُوا مَا سأقول... تُعطي مُؤشِّرًا دَقيقًا لِشَخصيَّتِهم. هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ مِرارًا وتَكرارًا. "مِن ثِمارِهم [ماذا؟] تَعرِفونَهُم". فَنَمَطُ الحياةِ، أو أُسلوبُ الحَياةِ، أوِ الأعمالُ والأفعالُ في الحياةِ هِيَ مُؤشِّرٌ دَقيقٌ على الشَّخصيَّة. لِذا فإنَّ هذا المِعيارَ هُوَ واحدٌ مِنَ المَعاييرِ الثَّابتةِ الَّتي يَدينُ بها اللهُ البَشَر. والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمكنكم القولَ إنَّهُ تُوجدُ فِئَتَانِ مِنَ النَّاسِ في العالَم. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر – فِئَتَانِ فقط. وكانَ جَدِّي يَقولُ إنَّ هَتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هُما: القِدِّيسونُ والفَاسِدون. فَهُناكَ فِئتانِ فقط مِنَ النَّاسِ في العالَم: أولئكَ الَّذينَ يُطيعونَ اللهَ، وأولئكَ الَّذينَ لا يُطيعونَ الله. صَحيحٌ أنَّهُ مَا مِن أحَدٍ مِنَّا يُطيعُ اللهَ طَاعَةً تَامَّة، ولكِنْ يُوجدُ أناسٌ في العالَم لا يُطيعونَ اللهَ البَتَّة. وهُناكَ أُناسٌ آخرونَ يَسْعَوْنَ إلى إطاعَتِه. هَاتانِ هُما الفِئتانِ الوَحيدتانِ مِنَ النَّاس. لِذا فإنَّ كُلَّ إنسانٍ يُواجهُ قَاضِيًا نَزيهًا لَديهِ سِجِلٍّ شامِلٌ لأعمالِ ذلكَ الإنسان. ومِن خلالِ ذلكَ السِّجِلِّ يَتَقَرَّرُ مَصيرُهُ الأبديُّ (كَما يَقولُ بولُس).

لقد قَرأتُ في هذا الأسبوعِ عَن مُحاولةٍ جَديدةٍ للنَّشْرِ في مَجالِ قِصَصِ الأطفال. فقد صَمَّمَتْ إحدى الشَّرِكاتِ سِلسلةً مِنَ القِصَصِ الَّتي يُمكِنُ تَعديلُها بواسطةِ بَرنامَجٍ مُدهِشٍ على الحَاسوبِ، ويُمكِنُ سَرْدُها كما لو أنَّها تَحكي قِصَصًا عن أحدِ أبنائِك. وَكُلُّ ما يَتوجَّبُ عليكَ فِعلُهُ هوَ أن تُرسِلَ اسمَ ابنِكَ، وأسماءَ أصدقائِه، واسمَ مَدرسَتِه، واسمَ مُعَلِّمَتِه، ونُبذةً عن حَياتِهِ، والأشياءَ الَّتي يُحِبُّها، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَسوفَ يَستخدِمونَ الحاسوبَ لإدخالِ مَعلوماتِ طِفلِكَ في القِصَّةِ ويُرسلونَ إليكَ قِصَّةً عن طِفلِك. ولكنَّ هَذهِ القِصَّة خَياليَّة. وهذا العالَمُ هُوَ عَالَمٌ وَهمِيٌّ. أمَّا اللهُ فلديهِ سِفْرٌ دُوِّنَ فيهِ كُلُّ شَيءٍ عَن حَياةِ كُلِّ إنسان؛ وَهُوَ دَقيقٌ جدًّا. ومِن خِلالِ مَا جَاءَ في ذلكَ السِّفْرِ، سَيَحكُمُ اللهُ على البَشَر.

والآن، قَد يَشعُرُ بَعضٌ مِنكُم بالتَّوتُّر! وهذا هُوَ السَّببُ في أنَّكُم ضَحِكتُم. فَقد كانَ لا بُدَّ لَكُم مِنَ التَّنفيسِ عَن ذلكَ التَّوتُّر. وَقد تَقول: "ماك آرثر، أنتَ تَتكلَّمُ كما لو أنَّكَ تُؤمِنُ بالخلاصِ بالأعمال!" ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ مَضَى على وُجودِهم هُنا مُدَّة طَويلةً يَعلَمونَ أنِّي لا أُوْمِنُ بذلك. لِذا، اسمَحُوا لي أن أُساعِدَكُم قَليلاً. فقد يَقولُ قَائلٌ: "إنَّكَ تَتحدَّثُ عنِ الخَلاصِ بالأعمال!" وقد اتُّهِمْتُ بأنِّي أُعَلِّمُ ذلكَ مِن قَبل. فقد يَقولُ قَائلٌ: "أنتَ تَتحدَّثُ عَنِ الخَلاصِ بالأعمال". كَلاَّ! أنا لا أتحدَّثُ عن ذلكَ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُعَلِّمُ ذلك. فالكِتابُ المُقدَّسُ لا يُعَلِّمُ أنَّهُ يُمكِنُكَ أن تَخلُصَ بأعمالِك، بَل إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ العَكسَ تَمامًا: "لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". فالكِتابُ المُقدَّسُ لا يُعَلِّمُ البَتَّة عنِ الخلاصِ بالأعمال. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 115: 1: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ". بِعبارةٍ أخرى، أيًّا كُنَّا فإنَّ المَجدَ ليسَ لَنا... ليسَ لَنا. " لَيْسَ لَنَا... لكِنْ لاسْمِكَ".

وفي الأصحاحِ الثَّامنِ والأربعينَ مِن سِفْرِ النَّبيِّ إشَعْياء، نَجِدُ إشارةً أخرى إلى فِكرةٍ في ذِهْنِ أَحَدِ كُتَّابِ العهدِ القديمِ عن هذا المَوضوع. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الحادي عَشَر: "مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ نَفْسِي أَفْعَلُ. لأَنَّهُ كَيْفَ يُدَنَّسُ اسْمِي؟ وَكَرَامَتِي لاَ أُعْطِيهَا لآخَرَ". بِعبارةٍ أخرى فإنَّ اللهَ يَقول: "سوفَ أفعلُ مَا أفعَل، وأُخَلِّصُ، وَأُنَفِّذُ وَعدي مِن أجلي أنا. فأنا لن أُعطي هذا الأمر لآخرَ لِئلاَّ أُعطي مَجدي لآخر". إذًا، لكي يُحافِظَ اللهُ على مَجدِهِ في النِّعمةِ المُخَلِّصَةِ، لا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ خَلاصٌ بالأعمال.

وفي سِفْرِ إرْميا 31: 31، نَقرأُ الجُملةَ الرَّائعةَ التَّاليةَ عَنِ العَهدِ الجَديد: "هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا". بِعبارةٍ أخرى فإنَّ اللهَ يَقول: "أنا سأفعلُ ذلك". "وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ، قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ". فَجَوهَرُ ذلكَ العهدِ الجديدِ هُوَ أنَّهُ عَهْدُ رَحمةٍ ونِعمةٍ مُقَدَّمٌ لأُناسٍ لا يَستَحِقُّونَهُ.

وفي العهدِ الجديد، نَجِدُ الشَّيءَ نَفسَهُ. ومَرَّةً أخرى، لا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ خَلاصٌ بالأعمال. ففي الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 1: 15، يَقولُ بولُس: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ [مَن؟] الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا. لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ". والآيةُ أفسُس 2: 8-9 تُلَخِّصُ ذلك: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ".

والآن، اسمَعوني جيِّدًا جدًّا وافهَموا ما سأقول: نَحنُ نَتحدَّثُ عن حَقٍّ مُهمٍّ جدًّا. فسوفَ يُحكَمُ علينا بِحسبِ أعمالِنا (كما جاءَ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن رسالةِ رُومية). وسَوفَ نَتحدَّث عن ذلكَ بالتَّفصيل بعدَ قَليل. ولكِنْ لا يُمكنُنا أن نَخلَصَ بأعمالِنا. وقد تَقول: "إن كانَ الأمرُ كذلك، مَا دَوْرُ الأعمال؟" أو: "هَل للأعمالِ دَور؟" والحقيقةُ هي أنَّهُ مَعَ أنَّنا لا يُمكِنُ أن نَخلَصَ بأعمالِنا، فإنَّ الأعمالَ جُزءٌ مُهِمٌّ جدًّا مِن حَياتِنا. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي 2: 12: "إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَعمَلُوا أعمالاً. فينبغي أن تَعمَلُوا خَارجيًّا على تَفعيلِ الخَلاصِ الَّذي نِلتُموهُ داخِليًّا. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ أفسُس، بَعدَ العَددِ التَّاسِع: "لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا".

والآن، ما الَّذي تَقولُهُ هذهِ الآيات؟ وهُناكَ الكثيرُ مِنَ الآياتِ الأخرى في العهد الجديد. إنَّها تَقولُ مَا يَلي: لا يُمكِنُكَ أن تَخلَصَ بأعمالِك، ولكنَّكَ تَنالُ الخَلاصَ لكي تَعمَل. أليسَ كذلك؟ بِعبارةٍ أخرى، إذا نِلْتَ الخَلاصَ حَقًّا، سَتَكونُ عَمَلَهُ، مَخلوقًا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ تَسْلُكَ فِيهَا. لِذا، عندما يَحكُمُ اللهُ على البَشَرِ، يُمكِنُهُ أن يَنظُرَ إلى الإنسان. فإن رَأى أعمالَهُ يَعلَمُ أنَّ خَلاصَهُ قدِ تَحَقَّق. وهذا لا يَعني أنَّ الخَلاصَ هُوَ بالأعمال، بَل إنَّكُم تَنالونَ الخَلاصَ لكي تَعملوا أعمالاً صَالحة. فأفعالُ المَرءِ أو أعمالُهُ تُظهِرُ مَا إذا كانَ مُخَلَّصًا. فَهِيَ المُؤشِّرُ الدَّقيقُ الَّذي لا خَطأَ فيه. لِذا فإنَّ غَيرَ المُؤمِنِ سيُحكَمُ عليهِ بحسبِ أفعالِهِ أو أعمالِهِ لأنَّها تَكشِفُ عَدمَ إيمانِه. فَهِيَ تُظْهِرُ غِيابَ اللهِ مِن حَياتِهِ لأنَّ كُلَّ أعمالِهِ ستكونُ بَعيدةً عَنِ البِرّ. وحتَّى عندما يُحاولُ أن يَعملَ الصَّلاحَ فإنَّ أعمالَهُ تِلكَ هِيَ مُجرَّدُ خِرَقٍ بَالِيَة.

لِذا فإنَّ كُلَّ مَا يَفعلُهُ اللهُ هُوَ أنَّهُ يَنظُرُ إلى الأعمال. فإن رأى أعمالاً تَعكِسُ بِرًّا فإنَّهُ يَعلَمُ أنَّ ذلكَ الشَّخصَ اختبرَ الولادةَ الجَديدة. أمَّا إنْ لم يَرَ أعمالاً تَعكِسُ بِرًّا فإنَّهُ يَعلَمُ أنَّ ذلكَ الشَّخصَ لم يُولَد ثانيةً. لِذا فإنَّ الدَّينونَةَ ستَكونُ في النِّهايةِ بِحسبِ الأعمال. فالمُؤمِنُ أوِ الشَّخصُ الَّذي نَالَ بواسِطَةِ إيمانِهِ قُوَّةً مِنَ اللهِ للقيامِ بأعمالٍ صَالحةٍ سَيَظهَرُ بوضوحٍ مِن خلالِ أعمالِ البِرِّ تِلك. وهذا يَعني أنَّ الأعمالَ الَّتي تَعمَلَها في حَياتِكَ تُشيرُ إلى مَوقِفِكَ مِنَ الله.

والآن، فيما نَتأمَّلُ في الأعداد مِن 6 إلى 10 ونَختِمُ بِفكرةٍ مِنَ العَددِ الحادي عَشَر، أريدُ منكُم أن تَفهموا شَيئًا مُهمًّا جدًّا: أنَّ بولسَ لا يَتحدَّثُ عنِ الخَلاصِ هُنا. لِذا، اطرَحُوا هذهِ الفِكرةَ مِن أذهانِكُم لِئلاَّ تَتَشَوَّشُوا. فهو لا يَتحدَّثُ عَنِ الخَلاصِ إلاَّ عندما يَصِلُ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ الحادي والعِشرين. أمَّا هُنَا فَهُوَ يَتحدَّثُ وَحَسْب عن عُنصُرٍ مِن عَناصِرِ الدَّينونة. فَهُوَ لا يَقولُ كيفَ يَتَبَرَّرُ الأبرارُ، ولا يَقولُ كيفَ صَارَ غيرُ الأبرارِ على هذهِ الحَالِ، بَل هُوَ يَقولُ وَحَسْب إنَّهُ يُمكِنُكَ أن تَحكُمَ على الآخرينَ مِن خِلالِ أعمالِهم. فالمُؤمِنُ الحَقيقيٌّ يُعرَفُ بأعمالِهِ البَارَّة. وغَيرُ المُؤمِنِ يُعرَفُ مِن خِلالِ غِيابِ أعمالِهِ البَارَّه. والآن، ما الَّذي تَفهموهُ مِن هذا الأمر؟ فِكرةً بَسيطة. إن لم يَكُن هُناكَ شَيءٌ في حَياتِكَ يُشيرُ إلى البِرِّ فإنَّ هَذا يَعني أنَّهُ لا وُجودَ للبِرِّ فيها: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ [ماذا؟] خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". فإن لم يَكُن هُناكَ مَا يُشيرُ إلى البِرّ، لا يُمكِنُ أن يَكونَ هُناكَ خَلاص.

صَحيحٌ أنَّهُ قد تَمُرُّ فَتراتٌ مِنَ الزَّمنِ نَسلُكُ فيها في العِصيانِ والجَسد، ولكنْ لا يُمكِنُ أن تكونَ هناكَ حَياةٌ خَاليةٌ تَمامًا مِن أعمالِ البِرّ وَأن يَدَّعي صَاحِبُها أنَّهُ اختبرَ الفِداء. ولاحِظُوا أنَّهُ لا يُوجَدُ حِيادٌ أيضًا. فقد قالَ يَسوع: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ" (في إنجيل مَتَّى 12: 30).

والآن، لِنَنظُر إلى هَذَيْنِ الجانِبَيْن. أوَّلاً، هُناكَ أولئكَ الَّتي تُظهِرُ أعمالُهم أنَّهُم سيَنالونَ الحَياةَ الأبديَّة، وثانيًا، هناكَ أولئكَ الَّذينَ تُظهِرُ أعمالُهم أنَّهم أبناءُ الغَضَب. فهناكَ أوَّلاً أولئكَ الَّذينَ سيَنالونَ الحياةَ الأبديَّة في العَددِ السَّابع: "أَمَّا الَّذِينَ [وهذهِ آيةٌ مُدهشة] بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة". والآن، أريدُ منكم أن تُصغوا إلى ما سأقول: إنَّ هذهِ الآيةَ مُهمَّةٌ جدًّا. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ جدًّا يُسيئونَ فَهمَ مِعيارِ الخَلاص. فالحياةُ الأبديَّةُ هِيَ مِن نَصيبِ أولئكَ الَّذينَ "بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاء". فهذهِ هِيَ عَلامَةُ المُؤمِن. وهذهِ العَناصِرُ الثَّلاثةُ المَذكورةُ في العَددِ السَّابعِ هِيَ مُفرداتٌ رائعة. فَهِيُ [مِن جِهَة] فَريدةٌ مِن نَوعِها. وَهِيَ [مِن جِهةٍ أخرى] مُتداخلة ولا انفصالَ بينها. فالمَجدُ والكَرامةُ والبَقاءُ يُمكِنُ أن تُؤلِّفَ مَعًا شَيئًا واحدًا.

واسمَحُوا لي أن أَرى إن كانَ بمقدوري أن أُبَيِّنَ لَكُم ظِلالَ مَعاني هذهِ المُفرداتِ لِتَوضيحِ الفَرقِ بينَها. الكلمةُ الأولى هِيَ "المَجْد". فَأسمَى وَأروعُ هَدَفٍ للمُؤمِنِ هُوَ المَجد. فَهُوَ يَسعَى إلى تَمجيدِ الله. وَهُوَ يَتوقُ إلى مُعاينةِ مَجْدِ اللهِ ذَاتَ يَوم. وَهُوَ يَسعى إلى إطاعَةِ مَا جَاءَ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 10: 31؛ أيْ أن يَفعلَ كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ الله. وما مَعنى ذلك؟ المَجدُ يَعني، بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، أن نُظهِرَ جَوهَرَ اللهِ أو طَبيعتَه. والمُؤمِنُ يَسعى إلى أن يَكونَ الأداةَ الَّتي يُمكِنُ للهِ مِن خِلالِها أن يَظهَرَ، والَّتي يُمكِنُ لِمجدِ اللهِ مِن خِلالِها أن يُرَى. هذا هُوَ شَوقُ قَلبِه.

أمَّا الشَّخصُ الَّذي لا يَتوقُ إلى تَمجيدِ اللهِ فلا يُمكِنُ أن يَكونَ مَسيحيًّا حَقيقيًّا لأنَّ هذا الأمرَ وَثيقُ الصِّلَةِ جدًّا بِرغبةِ المُؤمِنِ الحَقيقيّ. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، هُناكَ أوقاتٌ كَثيرةٌ [كما تَعلمون] نَقولُ فيها: "أنا أَعلمُ أنَّهُم لا يَرغَبونَ البَتَّة في تَمجيدِ اللهِ، ولكنَّهُم في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ اتَّخَذُوا قَرارًا"، أو: "في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ كانُوا يَذهبونَ إلى الكَنيسة"، أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. ولكنَّ البُرهانَ على ذلك، كما يَقولُ بُولسُ، هُوَ أنَّهُم يُثابِرونَ على العَمَلِ الصَّالِحِ بِهَدَفِ تَمجيدِ الله. فَهُم يَطلُبونَ المَجد. وَهُم يَطلُبونَهُ بِكُلِّ مِلئِهِ بِمَعنى أنَّهُ في ذلكَ اليومِ المُستقبليِّ العَظيمِ الَّذي نَرى فيهِ يَسوعَ المَسيحَ فإنَّنا سنَتغيَّرُ إلى تِلكَ الصُّورةِ عَينِها، وسنَعكِسُ إلى الأبد وَدُونَ أيِّ تَقصيرٍ مَجدَهُ البَديع. فَهدفُ المُؤمِنِ الحَقيقيِّ، كَما تَرَوْنَ، هُوَ أن يَعكِسَ مَجدَ الله. وإن كانَ هذا صَحيحًا، لا بُدَّ أن تَعكِسَ حَياتَهُ مَا يَكفي مِن حَياةِ البِرِّ كي يَحكُمَ عليهِ اللهُ على ذلكَ الأساسِ ويقول: "هذا مُؤمِنٌ حَقيقيّ".

ثانيًا، الكَرامَة. وهذهِ كلمةٌ مُشابهةٌ جدًّا للمَجد في اعتقادي لأنَّهُ يُمكنكم أن تَقولوا إنَّها نَاجِمَةٌ عنِ المَجد. فإن كُنتَ تَعكِسُ مَجدَ اللهِ فإنَّ هَذا يَعني أنَّكَ حَصلتَ على كَرامَةٍ إلهيَّة؛ أيْ أنَّكَ قَد حَصلتَ على الكَرامةِ الَّتي يَهَبُها الله، وعلى البَرَكَةِ الَّتي يَهَبُها الله. ولا أدري كيفَ تَنظُرونَ إلى هذا الأمرِ؛ ولكنِّي أسعَى إلى الحُصولِ على الكَرامَةِ مِنَ الله. أليسَ كذلك؟ وأنا أسعى إلى أن يَكونَ اللهُ رَاضِيًا عَنِّي ويَقولَ لي: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ!" لِذا، فيما تَسْعَوْنَ إلى إظهارِ مَجدِ اللهِ، أيْ إلى إظهارِ تِلكَ الحَقيقةِ الرَّائعةِ المُختصَّةِ بِهِ مِن خلالِ حَياتِك، فإنَّكَ تَرجو أيضًا أن يُكْرِمَ اللهُ ويُكافِئَ أمانَتَكَ هذهِ لأنَّ هَذا هُوَ مَا وَعَدَ بِه. وأخيرًا فإنَّنا نَسعى إلى "البَقاءِ" عندما يَتحقَّقُ المَجدُ الكامِلُ وتَتحقَّقُ الكَرامةُ الكامِلة في القِيامَةِ عندما نَصيرُ مِثلَ يَسوعَ المَسيح. وهكذا، يُمكنُنا أن نَصرِفَ وَقتًا أطولَ في التَّحدُّثِ عَن كُلِّ كلمةٍ مِن هذهِ الكلماتِ، وأن نَتأمَّلَ في كُلِّ آياتِ الكتابِ المقدَّسِ لأنَّها ألفاظٌ مُدهشة؛ ولكنَّهُ يَقولُ إنَّ المُؤمِنَ الحَقيقيَّ يَستَمِرُّ بِصَبْرٍ في عَملِ الأعمالِ الصَّالحةِ لأنَّهُ يَسعى إلى المَجدِ والكَرامَةِ والبَقاء.

والآن، ما مَعنى ذلك؟ اسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ ذلكَ في جُملةٍ واحدة: أنَّ نَظرَتَهُ سَماويَّة. أَتَرَوْن؟ فَهِيَ سَماويَّة. فالهَدفُ الحَقيقيُّ لِكُلِّ قِدِّيسٍ هي أن يَعيشَ مِن أجلِ الأمورِ الأبديَّة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رِسالةِ كُولوسي إنَّهُ يَهْتَمُّ بِما هُوَ أين؟ فَوق؛ أيْ أنَّهُ يَهتمُّ بما هُوَ لله. فهذهِ الألفاظُ الثَّلاثُ تَصِفُ شَخصًا لَديهِ تَطَلُّعاتٌ إلهيَّة. وأعلى مُستوى في الحياةِ المسيحيَّةِ هو أن تَسعَى إلى تَمجيدِ الله، وأن تَنالَ الكَرامَةَ مِنَ الله، وأن تَدخُلَ في حَالةِ الخُلودِ الَّتي لا يَعْتَريها فَسادٌ، وأن تَتغيَّرَ وتَصيرَ على صُورةِ المَسيح. وهذا ليسَ هَدَف حَياتِنا هُنا فحسب، بَل هُوَ أيضًا هَدَفُ حَياتِنا في المُستقبَل.

والآن، عندما يَنظُرُ اللهُ إلى إنسانٍ مَا ويَرى أنَّهُ يَسعى إلى المَجدِ، ويَسعى إلى الحُصولِ على الكَرامَةِ مِنَ اللهِ لا مِنَ البَشَر، وأنَّهُ يَسعى إلى البَقاءِ غيرِ المَحصورِ بهذهِ الأرض، وأنَّهُ يَتوقُ إلى القَداسةِ وليسَ غَارقًا في الفَساد، وأنَّهُ يَسعى إلى كُلِّ ما هُوَ سَماوِيّ، فإنَّهُ يُعطي ذلكَ الإنسانَ الحَياةَ الأبديَّة. هَذا هو المِعيارُ الَّذي يَستخدِمُهُ اللهُ في الحُكمِ على البَشر. ولكنَّ بُولسَ لا يَذكُرَ أيَّ شَيءٍ عن كيفيَّةِ وُصولِ هؤلاءِ النَّاسِ إلى هذا المُستوى، بَل يَقولُ فقط إنَّهُ يُمكِنُكم أن تَنظُروا إلى هؤلاءِ الأشخاصِ مِن خِلالِ أعمالِهم وَتُدركُوا أنَّهُم نَالُوا الفِداء. فهو لا يَتحدَّثُ عن كيفيَّةِ وُصولِ هؤلاءِ الأشخاصِ إلى هذا المُستوى، بَل يَقولُ وَحسب إنَّهُ مِنَ الإنصافِ أن تَحكُموا عليهم مِن خِلالِ أنماطِ حَياتِهم البَارَّة. وَاللهُ يُعطي هؤلاءِ الحياةَ الأبديَّة. ورُبَّما يَجدُرُ بِنا في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ أن نُخَصِّصَ دِراسةً كاملةً عن مَعنى الحياةِ الأبديَّة؛ ولكنَّ الحياةَ الأبديَّةَ تُشيرُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى سُكْنَى حَياةِ اللهِ في الإنسانِ إلى الأبد.

وكَمْ أُحِبُّ ما جَاءَ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 5: 20: "هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". مَن؟ يَسوعُ المَسيح. إذًا، ما هيَ الحَياةُ الأبديَّة؟ يَسوعُ المَسيح. وما مَعنى أن تَحصُلَ على الحياةِ الأبديَّة؟ أيْ أن يَسكُنَ يَسوعُ المَسيحُ أين؟ فِيَّ. فالمَسيحُ يَحيا فِيَّ. "فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ الله". "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الحياةَ الأبديَّةَ هي حَياةُ اللهِ الَّتي تَسكُنُ في الإنسانِ مِن خِلالِ حُضورِ المَسيحِ وسُكناه. وَهِيَ تَبقى طَوالَ الأبديَّة.

فالحياةُ الأبديَّةُ، بِمفهومِها الأساسيِّ، ليسَت حَياةً تُقاسُ بِالمُدَّةِ الزَّمنيَّة، بَل هِيَ حَياةٌ تُقاسُ بِنوعيَّتِها. فهي حَياةُ اللهِ في نَفسِ الإنسان. وَلاحِظُوا مَا يَلي: إنَّ حَياةُ اللهِ في نَفسِ الإنسانِ تُنتِجُ دائمًا أعمالاً صَالحة. لِذا، إن كانت أعمالُكَ غيرَ صَالحةٍ فإنَّكَ تُحارِبُ الطَّبيعةَ الَّتي خَلَقَها اللهُ فيكَ عندما نِلتَ الخَلاص. فكأنَّكَ تَحْبُسُ نَفَسَك. فَحَبْسُ الأنفاسِ أصعَبُ بكثير مِنَ التَّنفُّسِ الطَّبيعيّ. لِذا، ما إنْ يأتي يَسوعُ ويَسكُنُ في حَياتِكَ حَتَّى تَشعُرُ بأنَّ حَياةَ اللهِ يَنبغي أن تَسود. ولكنَّنا نُحارِبُها ونُقاوِمُها بسببِ طَبيعتِنا البَشريَّةِ الخاطِئة.

إذًا، في النِّهاية، سَوفَ يَحكُمُ اللهُ على النَّاسِ إمَّا بالحياةِ الأبديَّةِ وإمَّا بالمَوتِ الأبديّ. والحَياةُ الأبديَّةُ تُشيرُ إلى الحَياةِ بِمِلئِها لأنَّ المُؤمِنَ نَالَ أصلاً الوَعدَ بالحياةِ الأبديَّة. أليسَ كذلك؟ "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ... تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". ولكِنْ مِن جِهَةِ مَا سيَحدُثُ في النِّهاية، أو في نِهايةِ الدَّهرِ، أو عندما يَتِمُّ إصدارُ الحُكمِ النِّهائيِّ، فإنَّ مَن سيَنالونَ الحَياةَ الأبديَّةَ إنَّما سَينالونَها لأنَّ اللهَ سيَنظُرُ إلى حَياتِنا مِن هذهِ الزَّاويةِ ويَرى أنَّنا وَاظَبْنا بِصَبرٍ على الأعمالِ الصَّالحةِ فيما كُنَّا نَسعَى إلى المَجدِ والكَرامةِ والبَقاء. فهُناكَ مُواظبةٌ هُنا، وهُناكَ طَاعَةٌ هُنا، وهُناكَ سَعْيٌ دَؤوبٌ إلى الله.

وقد قالَ "جون موري" (John Murray) شيئًا أعتقدُ أنَّهُ يُبَسِّطُ هذهِ النُّقطةَ بأسرِها. فقد قالَ مَا يَلي: "الأعمالُ مِن دُونِ تَوْقٍ إلى الفِداءِ هي أعمالُ مَيِّتة. والتَّوْقُ إلى الفِداءِ مِن دُونِ أعمالٍ صَالحةٍ هُوَ مُجرَّدُ كِبرياء". لِذا، هُناكَ أشخاصٌ يَهتمُّونَ بالأمورِ السَّماويَّةِ وسيُحكَمُ عليهم بِحسبِ الحياةِ الَّتي أَثْمَرَها اللهُ فيهم لأنَّهم فَعَلُوا حَسَنًا. فيُمكنكم أن تَنظُروا مِن زَمَنِ آدمَ إلى وقتِنا الحاضِرِ وَتَرَوْا أنَّ هُناكَ سَعْيًا دَؤوبًا ومُستمرًّا للقيامِ بما هُوَ صَواب في قَلبِ المُؤمِنِ الحَقيقيّ. وَهَذا يَظهَرُ جَلِيًّا مِن خِلالِ أعمالِه. فَهذا هُوَ نَمَطُ حَياتِه.

والآن، انظُروا إلى العَددِ العاشِر. وَهذهِ هِيَ الآيةُ المُكَمِّلَةُ لما جاءَ في العَددِ السَّابع. فَهُم يَسْعَوْنَ إلى المَجدِ والكَرامَةِ والبَقاء. ثُمَّ إنَّ العَددَ العاشِرَ يَقول: "وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ". فَكُلُّ ما نَطلُبُهُ نَحصُلُ عليه. فَإنْ طَلَبْنا المَجدَ فإنَّهُ يُعطينا مَجدًا. وإنْ طَلَبْنا الكَرامةِ فإنَّهُ يُعطينا كَرامة. ثُمَّ يَحدُثُ تَغييرٌ هُنا. فإنْ طَلَبْنا بَقاءً فإنَّهُ يُعطينا سَلامًا. وأعتقدُ أنَّهُ يُوجَدُ وَجْهُ تَشابُهٍ هُنا. فعندما نَدخُلُ القَداسَةِ الأبديَّةٍ، أوِ القَداسةِ الكَاملةٍ في حَضرةِ اللهِ، فإنَّ حَرْبَنا مَعَ فَسادِنا ستَنتهي. وسَوفَ تَكونُ النَّتيجَةُ هِيَ سَلامٌ أبدِيّ. فإنْ طَلَبْنا هذهِ الأشياءَ فإنَّ اللهُ يُعطينا تِلكَ الأشياء. يا لَها مِن فِكرةٍ رائعة!

وفي وَقتِ الدَّينونةِ في المُستقبَل، عندما يُرسِلُ اللهُ الأبرارَ إلى سَمائِهِ الأبديَّة، ويُرسِلُ الأشرارَ إلى جَهنَّمَ الأبديَّة، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَذهبونَ إلى السَّماءِ الأبديَّةِ هُمُ الَّذينَ طَلَبوا. هَل تَرَوْنَ هذه الكلمة هُناك؟ فقد طَلَبوا. فَقد طَلَبوا المَجدَ. فَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُم يَستَحِقُّونَ ذلك؛ ولكنَّهُم طَلبوا ذلك. فقد كانوا يَتوقونَ إلى الأمورِ السَّماويَّةِ والإلهيَّة. وَقد طَلبوا المَجدَ والكَرامةَ والبَقاء. وَهُم سيَنالونَ المَجدَ والكَرامةَ والسَّلامَ في الحياةِ الأبديَّةِ لأنَّهُم الأشخاصُ الَّذينَ فَعَلوا الصَّلاح. وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ إن لم تَكُن هُناكَ أعمالٌ صَالحةٌ ظَاهرةٌ في حياةِ الإنسانِ فإنَّهُ لم يَختبِرِ الخَلاصَ الحَقيقيّ. فإن لم يَكُن هذا المَقطَعُ يَقولُ أيَّ شيءٍ آخرَ فإنَّهُ يَقولُ ذلك. وإن لم يَكُن يَقولُ ذلكَ فإنَّهُ لا يَقولُ أيَّ شَيء. لِذا، سَوفَ نُكافَأُ على أعمالِنا لأنَّها البُرهانُ على البِرِّ الَّذي يَسكُنُ فِينا. وفي الأصحاحِ الثَّالثِ، سَوفَ يُخبرنا كيفَ نَحصُلُ على سُكْنَى بِرِّ اللهِ فينا. وَهذا يَسري على اليَهودِ أوَّلاً، ثُمَّ على الأُمَم. فاللهُ سيُسبِغُ بَرَكَةً سَماويَّةً وأبديَّةً على اليَهودِ والأُمم.

فقد كانَ اليهودُ يَظُنُّونَ أنَّ الأُمَمَ سيُطرَدونَ خارجًا؛ ولكِنْ لا! صَحيحٌ أنَّ اليهودَ هُم أصحابُ الأولويَّةِ في العَهد. فَقد كانَ اليَهودُ أوَّلَ مَن حَصَلَ على العَهد. وكانَ اليهودُ الأوائِلَ زَمنيًّا لأنَّ المَسيحَ جاءَ أوَّلاً لليهود. ولكِن أريدُ أن أُضيفَ بأنَّهُ بسببِ أولويَّتِهم في الخَلاصِ فإنَّهُم سيَكونونَ أصحابَ الأولويَّةِ أيضًا في الدَّينونة. كما أنَّ دَينونَتَهُم ستَكونُ أَقسَى مِنَ الأُممِ إنِ استَمَرُّوا على رَفضِهم للمسيح. وهذا هُوَ مَعنى الآية عاموس 3: 2 إذْ يَقولُ النَّبِيُّ: "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ". وَأغلبيَّةُ النَّاسِ يَتوقَّفونَ هُنا. والعِبارة "إيَّاكُم فَقَط" تُشيرُ إلى بَني إسرائيل؟ "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ"؛ أيْ أنتُمُ القَبيلةُ الوَحيدةُ الَّتي جَعلتُها خَاصَّتي". والكلمة "عَرَفْتُ" تُشيرُ إلى عَلاقةِ المَحبَّةِ القويَّة. بِعبارةٍ أخرى: "إِيَّاكُمْ فَقَطْ أَحْبَبْتُ لأنَكُم خَاصَّتي مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْض". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ".

فَهُناكَ دَينونةٌ أَقسَى تَنتظِرُ بَني إسرائيلَ بسببِ عَلاقتِهم الحَميمةِ تِلكَ معَ الله. لِذا، فَقد كانُوا الأوائِلَ في الحُصولِ على فُرصةِ الخَلاص، وَسوفَ يَكونونَ الأوائِلَ أيضًا في تَحَمُّلِ مَسؤوليَّةِ الدَّينونة. فَلا يُوجدُ استِثناءٌ لأيِّ يَهودِيٍّ أو أُمَمِيّ، ولا يوجدُ استثناءٌ للإنسانِ الَّذي يَتَّكِلُ على أخلاقِهِ، ولا للإنسانِ المُتدَيِّن. فَهُم لا يُسَهِّلونَ الأمرَ عليه، بَل يَجعلونَهُ أصعَب.

لِنَنظُر إلى المَجموعةِ الثَّانية. فأعمالُ هؤلاءِ الَّذينَ سيكونُ مَصيرُهُم هُوَ السَّخَط مَذكورة في العَددينِ الثَّامن والتَّاسع. وَيُمكنُنا أن نَرى أنَّ أعمالَهُم مَذكورةٌ في وسطِ هَتَيْنِ الآيتَيْن: "وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ [كَما جاءَ في التَّرجمةِ المُعتمَدة]، وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ، شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ". فأولئكَ الَّذينَ يُبَرهِنونَ مِن خلالِ أعمالِهم الصَّالحة على أنَّهُم يَطلُبونَ اللهَ هُم على النَّقيضِ مِن أولئكَ الَّذينَ يُبَرهِنونَ مِن خلالِ أعمالِهم الشِّرِّيرةِ على أنَّهُم يَطلُبونَ أنفسَهُم.

وَهُم يُوصَفونَ بهذهِ الألفاظِ أوِ العِباراتِ الثَّلاث. الأولى مَذكورةٌ في العَددِ الثَّامن. انظُروا إليها. فالكلمة "تَحَزُّب" [بحسبِ التَّرجمةِ المُعتمدةِ] هي تَرجمة للكلمة "إيريثيا" (eritheia) في اللُّغةِ اليُونانيَّة. وهُناكَ الكثيرُ مِنَ النِّقاشِ حَولَ أصْلِ هذهِ الكلمة. ويبدو أنَّ أفضلَ تَفسيرٍ هُوَ أن نَنظُرَ إلى هذهِ الكلمةِ على أنَّها تُشيرُ إلى الشَّخصِ الَّذي يَعملُ فقط لأجلِ المال. والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ مِن هذهِ الكلمة هِيَ السَّعيُ إلى المَصلحةِ الشَّخصيَّة. فأوَّلُ صِفَةٍ للإنسانِ غيرِ البَارِّ هي أنَّهُ مُنهَمِكٌ في مَا يُرضيهِ هُوَ - في مَا يُرضيهِ هُوَ. ما الَّذي يُرضيني؟ ما الَّذي يَجعلُني أشعُرُ بمشاعرَ جَيِّدة؟ ما الَّذي يَجعلُني سَعيدًا؟ ما الَّذي يُريحُني؟ ونحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 3: 2 أنَّ النَّاسَ "يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ". وهذهِ هِيَ المشكلةُ الرئيسيَّةُ عِندَ الإنسانِ الَّذي لم يَختبر الولادةَ الثَّانية. فَهُوَ مُنهَمِكٌ تمامًا في نَفسِه.

لَقد مَاتَ الرَّبُّ [كما جاءَ في الرِّسالةِ الثانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 5: 15] "كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ" لأنَّ الإنسانَ يَميلُ إلى ذلكَ بِطبيعتِه. إذًا، عندما يُوجَدُ إنسانٌ مُنهَمِكٌ تمامًا في نَفسِه، فإنَّ هَذا يُؤدِّي بِكُلِّ تأكيدٍ إلى مَوقفٍ مُشاكِسٍ مَعَ الرَّبّ. وَهذا يُؤدِّي إلى ظُهورِ رُوحِ التَّمرُّد. وهذا هُوَ مُلَخَّصُ الفِكرةِ الثَّانية. انظروا إلى العددِ الثَّامن: "وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ". فكما تَعلمونَ، إذا كنتَ تَطلُبُ فقط مَا هُوَ لِنفسِك، لا بُدَّ أن تُقاوِمَ مَا يَقولُهُ الله. فاللهُ يَقولُ الحَقَّ، ولكنَّكَ تَقول: "أنا لا أُبالي بما تُريد، بَل سأفعلُ ما أريدُهُ أنا". لِذا فإنَّهُم لا يُطيعونَ الحَقَّ. ولا نَقرأُ عن سَببِ ذلكَ في هذا المَقطَع، بَل إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب إنَّهُم لا يُطيعونَ الحَقّ. إذًا، نحنُ نَنظُرُ فقط إلى الأعمال. وَهُم لا يُطيعونَ الحَقَّ. فالإنسانُ مُتمرِّدٌ على الله، ورُدودُ أفعالِهِ مُعادية لله، وَهُوَ يَتخاصَمُ معَ الله. وهذا يَعكِسُ طبيعةَ الإنسانِ الأنانيَّةِ والخاطِئة.

وهُناكَ عِبارةٌ ثالثة. فالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّهُم لاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْم. فلا يُوجدُ إنسانٌ يَعيشُ في الفَراغ. فإمَّا أنَّكَ تَفعلُ الصَّوابَ، وَإمَّا أنَّكَ تَفعلُ الخَطأ. فلا يُمكِنُ أن تَكونَ في مَوقِعٍ مُحايِد. فالحَياةُ تَسيرُ كَما يَلي عادةً: أولاًّ، يَبدأُ الأمرُ بالتَّمرُّد. ومِن ذلكَ التَّمرُّدُ يَنبُعُ عِصيانٌ، ثُمَّ يَظهَرُ مَيلٌ مُريعٌ إلى الخطيَّةِ إذْ إنَّ الحَياةَ تَسيرُ ببساطَةٍ نَحوَ السُّلوكِ المُمْعِنِ في الإثْم.

والآن، اسمَعوني: إنَّ الطَّريقَ إلى جَهنَّمَ مُحَدَّدٌ ببساطَةٍ مُتناهِيَة. فَهُوَ رُوحُ العَداوَةِ تُجاهَ رُبوبيَّةِ يَسوعَ المَسيح. هَل فَهِمتُم ذلك؟ فالطَّريقُ إلى جَهنَّمَ هُوَ ببساطَةٍ رُوحُ العَداوةِ لرُبوبيَّةِ المَسيح. فأنتَ لا تَتجاوبُ مَعَهُ، بَل تَتمرَّدُ عليه. وأنتَ لا تُطيعُهُ، بَل تَعصيه. والآن، اسمَعوا ما سأقول بِعنايةٍ شَديدة لأنِّي أريدُ منكم أن تَفهموا هذهِ النُّقطة: إن كانَ الطَّريقُ إلى جَهنَّمَ هُوَ رُوحُ العَداوةِ لِرُبوبيَّةِ المَسيح، لا بُدَّ أن يَكونَ الطَّريقُ إلى السَّماءِ هُوَ العَكس؛ أيْ أنَّهُ يَنبغي أن يَكونَ مَوقِفَ الخُضوعِ لِرُبوبيَّةِ المَسيح. وَهذا هُوَ تَمامًا ما يَقولُهُ النَّصُّ.

فاللهُ يُريدُ منكم أن تَطلُبوا المَجدَ والكَرامةَ والبَقاء. واللهُ يُريدُ قَلبًا يَطلُبُ الأمورَ السَّماويَّةَ، والأمورَ الإلهيَّةَ، وما هُوَ فَوق. ومعَ أنَّنا لا نَصلُ دائمًا إلى هُناك، هُناكَ ذلكَ القَلبُ الَّذي يَطلُب. وعندما نُخفِق، هُناكَ ذلكَ الانكسار. وإن كانَ الإنسانُ الَّذي لم يُولَد ثانيةً هُوَ ذاكَ الَّذي يَتمرَّدُ على رُبوبيَّةِ المَسيح، يَنبغي أن يَكونَ المُؤمِنُ على النَّقيضِ مِن ذلكَ في شَخصيَّتِه. وهذهِ هِيَ الرِّسالةُ الوَاضحةُ لهذا النَّصّ. فالحياةُ الأبديَّةُ هِيَ مِن نَصيبِ أولئكَ الَّذينَ يُظهِرونَ عَملَ اللهِ في قُلوبِهم مِن خلالِ العَيشِ في طَاعةٍ لِرُبوبيَّةِ المَسيح. أمَّا أولئكَ الَّذينَ يَرفُضونَ أن يَفعلوا ذلكَ فَهُم لم يُولَدُوا ثانيةً، وَهُمُ الَّذينَ سيَكونُ نَصيبُهُم هُوَ الغَضَب.

ويُمكنكم أن تَرَوْا أنَّ الخطيَّةَ هِيَ في الأصلِ تَعَدٍّ على الله. وَهِيَ تَتطلَّبُ عِقابًا مِنَ اللهِ القُدُّوس. ارجِعوا إلى العَددِ الثَّامنِ قَليلاً. فَهُوَ يُعطي هؤلاءِ النَّاسِ سَخَطًا وَغَضَبًا. وهاتانِ كلمتانِ مُدهشتان! فالكلمة "سَخَط" هِيَ تَرجمةٌ لكلمةٍ يُونانيَّةٍ تُشيرُ إلى الاندفاعِ أو العَجَلَةِ بِطريقةٍ تَجعلُ حَرارَتَكَ تَرتفِع، أو تَجعلُكَ تَتَصَبَّبُ عَرَقًا، أو تَتنَفَّسُ بعُنف. فهي تُشيرُ إلى شَخصٍ يَتحرَّكُ بسُرعة ويَتنفَّسُ بِعُنف، ويُسرِعُ، ويَتعرَّق. وهي كلمةٌ استُخدِمَتْ مُنذُ زَمَنِ الشَّاعِرِ الإغريقيِّ "هوميروس" (Homer) في الكِتاباتِ الإغريقيَّةِ الكلاسيكيَّة وَعلى مَرِّ القُرونِ للإشارةِ إلى اضطرابِ الرُّوحِ في الجَسَدِ وإلى هَياجِ الإنسانِ الَّذي يَجعَلُهُ يَلهَثُ ويَتعرَّق.

وبالمُناسَبة، إنَّها كلمة تَصِفُ رَغبةَ فِرْعَوْن في قَتلِ مُوسَى (في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 11: 27). وهي الكلمةُ المُستخدمَةُ في الأصحاحِ الرَّابعِ مِن إنجيل لُوقا لوصفِ غَضَبِ وسَخَطِ الحَشْدِ الهَائِجِ الَّذي أرادَ أن يَطرَحَ يَسوعَ مِن أعلى الجَبل. وهي الكلمةُ المُستخدمَةُ لِوَصفِ الأفسُسِيِّينَ عندما سَمِعوا الإنجيلَ وابتدأوا شَغَبًا مَمزوجًا بالغَضب في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 19. لِذا فإنَّها كلمةٌ تُشيرُ إلى السَّخَط، وكلمةٌ تُشيرُ إلى الاحتِدام. وَهذا هُوَ مَا يَقولُهُ النَّصُّ عن أولئكَ الَّذينَ يَعمَلونَ أعمالاً ضِدَّ اللهِ ورُبوبيَّةِ المَسيح. فَسُخْطُ اللهِ سيَقَعُ عليهم. فَهُوَ سيَنفجِرُ كَنارٍ آكِلَةٍ ضِدَّ هؤلاءِ الَّذينَ يَعيشونَ في مِثلِ هذا التَّمرُّد. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ الكلمة "غَضَب"؛ وهي كلمة أخرى تُشيرُ إلى السُّخطِ ولكِن بطريقةٍ مُختلفة. فهي تَعني أن تَصِلَ إلى نُقطةِ الغَليان. وَهِيَ نِهايةُ الرَّحمة. وَهِيَ نِهايةُ النِّعمة. فَقدِ تُشيرُ إلى انتهاءِ صَبْرِ اللهِ وطُولِ أناتِهِ. فَهُوَ غَضَبٌ مُتَأجِّجٌ ومُحتَدِمٌ ونِهائِيّ.

لِذا، يُمكنكم أن تَرَوْا مِن خِلالِ هذهِ الألفاظِ أنَّ اللهَ يَتحدَّثُ عن سُخْطٍ وغَضَبٍ شَديدٍ ضِدَّ هؤلاءِ الَّذينَ تَعكِسُ أعمالُهم مَوقفًا أرضِيًّا وإنكارًا لله. ونَقرأُ في العَددِ التَّاسع: "شِدَّةٌ وَضِيقٌ". وَهُوَ يُضيفُ هَاتينِ الكَلمتَيْنِ كما لو أنَّنا لم نَقرأ كلماتٍ كَافية! والكلمة "شِدَّة" هي "ثليبسيس" (thlipsis)، ومَعناها: أن تُمارِسَ ضَغطًا على شَيءٍ مَا أو أن تَضغَطَهُ. وَهِيَ تُستخدَمُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 11: 19 لِوَصفِ الاضطِهادِ السَّاحِقِ للكنيسةِ الأولى. وهي تُستخدَمُ لوصفِ ضِيقاتِ القِدِّيسين (في رِسالةِ رُومية 12: 12). وَهِيَ تُستخدَمُ لِوصفِ الاضطهادِ الَّذي اختَبَرَهُ بُولُسُ إلى أن أوشَكَ على المَوت (في رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية 1: 8). وَهِيَ تُستخدَمُ لوصفِ آلامِ المَسيح (في رِسالةِ كولوسي 1: 24) إذْ إنَّهُ اختبرَ ضِيقةً، وضَغطًا، واضطِهادًا. فهي تَحمِلُ دائمًا فِكرةَ الألم... الألم. وهي قد تُشيرُ إلى أَلَمٍ دَاخليٍّ أو خَارجيّ؛ ولكنَّ الألمَ هُوَ المَقصودُ هُنا.

ثُمَّ هُناكَ الكلمة "ضِيْق"؛ وهي كلمةٌ مُدهشةٌ جدًّا. وهي كلمةٌ يُونانيَّةٌ شائعةٌ للإشارةِ إلى شَيءٍ ضَيِّق مِثْلَ ضِيْقِ المَكانِ؛ أيْ أنَّهُ مَكانٌ مَحصورٌ وضَيِّقٌ ومَحدود. فَكِّروا فيها بالطَّريقةِ التَّالية: سَوفَ يَغضَبُ اللهُ. وَسوفَ يَبلُغُ غَضَبُهُ نُقطةَ الغَليان (في العَددِ الثَّامن). وفي العَددِ التَّاسِع، نَرى أنَّ نَتيجةَ ذلكَ الغَضَب هُوَ أنَّهُ ستكونُ هُناكَ شِدَّةٌ في مَكانٍ ضَيِّق. وَلا يُمكنُني أن أُفَكِّرَ في تَعريفٍ أفضل لِجَهنَّمَ مِن ذلك. فَهِيَ شِدَّةٌ في مَكانٍ ضَيِّقٍ ومَحصورٍ. فَهُوَ سِجْنٌ، أو حَبْسٌ، أو زِنزانةٌ تُنشِئُ ألمًا شَديدًا ومُخيفًا. لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ يَقولُ إنَّ جَهنَّمَ هِيَ عَذابٌ أبدِيٌّ، ونَارٌ أبديَّة، وأَتُونُ نَارٍ، وبُحيرةُ نَارٍ، ونَارٌ وكِبريت، ونَارٌ لا تُطفَأ، ومَكانُ عَذابٍ حيثُ الدُّودُ لا يَموتُ والنَّارُ لا تُطفَأ، وحيثُ البُكاءُ والعَويلُ وصَريرُ الأسنان. فَهُوَ عَذابٌ في سِجْنٍ ضَيِّق. وَهُوَ عَذابٌ سوفَ تَذوقُهُ كُلُّ نَفسِ إنسانٍ يَفعلُ الشَّرَّ؛ أيْ كُلُّ إنسانٍ يَستَمِرُّ في فِعْلِ الشَّرّ، وكُلُّ إنسانٍ يَعيشُ حَياتَهُ في فَساد، والنَّاسُ المُمتلِئونَ طُموحاتٍ أنانيَّةً ويَرفُضونَ أن يُطيعوا رُبوبيَّةَ المَسيح – سَخَطٌ وغَضَبٌ.

لِذا فإنَّ اللهَ يَدينُ البَشَر. وَهُوَ يَدينُهم بِحسبِ أعمالِهم، ويَدينُهم بِحسبِ ذَنبِهم، ويَدينُهم بِحسبِ الحَقّ، ويَدينُهم بحسبِ المَعرفة. وأفعالُ الإنسانِ، كَما ذَكرنا مُنذُ وَقتٍ طَويل، هِيَ الدَّليلُ القاطِعُ والحَقيقيُّ على حَياتِهم. انظُروا إلى دَاوُد. فقدِ اقترفَ دَاودُ خَطايا مُريعة؛ ولكِنَّ حَياتَهُ كانَتْ مُوَجَّهَةً [على الرَّغمِ مِن عَدَمِ كَمالِها] نَحوَ الله. أليسَ كذلك؟ مِن جِهةٍ أخرى، انظُروا إلى يَهوذا. فقد كانَ يَهوذا في الظَّاهِرِ مُلتَصِقًا بالمَسيح؛ ولكنَّ حَياتَهُ كانَت تَتَّسِمُ بالأنانيَّةِ والعِصيانِ وعَدمِ الطَّاعَةِ في مُجملِها. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ هِيَ أنَّ البِرَّ الحَقيقيَّ يُنشِئُ أعمالاً صَالحةً حَقيقيَّة. لِذا، بإمكانِ اللهِ أنْ يَدينُ بِحسبِ تلكَ الأعمال. أمَّا الفُجورُ، بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ التَّديُّنِ الظَّاهِريِّ، فلا يُنشِئُ شَيئًا سِوى الأعمال الشرِّيرة. واللهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاة لأيِّ شَخص. فَهُوَ سيَديُنُ الجَميعَ بعَدل. فسوفَ تكونُ هُناكَ عَدالةٌ مُطلَقةٌ في الدَّينونةِ الأخيرة.

والآن، هُناكَ سُؤالٌ واحدٌ أريدُ أن أطرَحَهُ قبلَ أن أَختِمَ حَديثي. ويجبُ علينا أن نُجيبَ عن هذا السُّؤالِ على الرَّغمِ مِن أنَّنا لا نَقرأُ إجابَتَهُ إلاَّ حينَ نَصِلُ إلى الأصحاحِ الثَّالث: كيفَ يَستطيعُ الإنسانُ أن يَعملَ أعمالاً صَالحةً تَجلِبُ لَهُ المَجدَ والكَرامَةَ والسَّلامَ والحَياةَ الأبديَّة؟ هذا هو السُّؤالُ المُهِمّ. أليسَ كذلك؟ فقدِ ابتدأنا بالتَّحدُّثِ عن حَقيقةِ أنَّ اللهَ سيَدينُ البَشَر. وقد تَعلَّمنا شَيئًا عن تلكَ الدَّينونة. وقد تَعَلَّمنا الآنَ المِعيارَ الَّذي سيَستخدِمُهُ اللهُ في الدَّينونة. والسُّؤالُ هُوَ: أنا أعرِفُ الآنَ أنَّهُ يَنبغي لي أن أعملَ أعمالاً صَالحةً لكي أتجنَّبَ دَينونةَ اللهِ الأبديَّة، ولكِنْ كيف؟

لِنَسْتَبِقْ كَلامَ بولُس قَليلاً ونَنظُر إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ الحادي والعِشرين. فالبِرُّ الَّذي يُريدُهُ اللهُ، أوِ بِرُّ اللهِ بِدونِ النَّاموسِ، قَد ظَهَر. بِعبارةٍ أخرى، هَذا لَن يَحدُثَ مِن خِلالِ جُهدِكَ الشَخصيِّ أو مُحاولتِكَ للحِفاظِ على مَجموعةٍ مِنَ الوَصايا على الرَّغمِ مِن أنَّها الوَصايا الصَّحيحة. فالأمرُ يَتوقَّفُ على بِرِّ اللهِ الَّذي يَتَحَقَّقُ [بِحسبِ العَدد 22] بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ [ماذا؟] يُؤْمِنُون". ثُمَّ إنَّ العَدد 24 يَقول: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيح".

والآن، هَذا هُوَ كُلُّ ما يَلزمُكم أن تَعرِفوهُ يا أحبَّائي. فالطَّريقُ الوَحيدُ لإنتاجِ أعمالٍ صَالحةٍ هُوَ أن تَحصُلَ على بِرِّ المَسيح. والطَّريقةُ الوَحيدةُ للحُصولِ على بِرِّ المَسيحِ هِيَ مِن خِلالِ الإيمانِ بِعملِهِ الفِدائِيّ. فَهَل تُؤمِنُ بأنَّهُ مَاتَ [بِصِفَتِهِ اللهَ المُتَجَسِّدَ] عَن خَطاياك؟ وَهل تُؤمِنُ بأنَّهُ قَامَ ثانيةً مِن أجلِ تَبريرِك؟ وَهل تُؤمنُ بأنَّهُ حَيٌّ إلى الأبد لِيَتَشَفَّعَ فيك؟ وَهل تُؤمِنُ بأنَّهُ سيَأتي ثانيةً لِتَكميلِ خُطَّةِ الفِداء؟ إن آمنتَ بذلكَ وقَبِلتَ المَسيحَ فإنَّهُ سيُعطيكَ القُدرةَ مِن خِلالِ سُكنَى حَياتِهِ الأبديَّةِ على إنتاجِ أعمالٍ صَالحة. وعندما يأتي اليومُ الَّذي يَدينُ اللهُ فيهِ العالَم، سَوفَ يَرى اللهُ سِجِلَّ حَياتِكَ البَارَّةِ ويَعلَمُ أنَّ الطَّريقةَ الوَحيدةَ لإنتاجِ تِلكَ الحياةِ هِيَ مِن خِلالِ سُكنَى المَسيحِ الحَيِّ وحُضورِه. وحينئذٍ سَوفَ يُعطيكَ الحياةَ الأبديَّة. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، لَقد شارَكْنا رِسالةً رَئيسيَّةً جدًّا في هذا المَساء؛ ولكنَّها رِسالة يُهمِلُها كَثيرونَ جدًّا. فالعالَمُ مُمتلئٌ بأُناسٍ يُحاولونَ أن يَشُقُّوا طَريقَهُم بأنفسهم إلى المَلكوت، وأُناسٍ يَظُنُّونَ أنَّ الأشياءَ الَّتي يَعملونَها بَارَّة في حينِ أنَّها مُجَرَّدُ خِرَقٍ بَاليةٍ لأنَّها ليسَت نَابعةً مِن سُكْنى اللهِ في القَلب. لِذا، لَيتَنا نَعلَمُ أنَّنا سَنقفُ أمامَكَ في يَومٍ مَا! وإن كانت هُناكَ أعمالٌ صَالحةٌ، لَيتَنا نُقدِّمُ البُرهانَ على وُجودِ حَياةٍ بَارَّةٍ؛ أيْ حَياةِ المَسيحِ فينا. فَحينئذٍ سنَدخُلُ إلى الأبديَّةِ والبَرَكَةِ الَّتي أعددتَها لِخاصَّتِك. وإن كانت هناكَ فقط أعمالٌ غيرُ بَارَّةً، مِن المُحَقَّقِ أنَّنا سَنُدانُ إلى الأبد. ونحنُ نَعلَمُ، يا رَبّ، أنَّكَ دَيَّانٌ يَدينُ بالعَدلِ، وَأنَّكَ لا تُحابي أحدًا، وَأنَّكَ لا تُفَضِّلُ أحدًا على الآخر، بَل أنتَ تَدينُ بِحسبِ مَعرفةِ الإنسانِ، وبحسبِ الحَقِّ المُختصِّ به، وبحسبِ ذَنبِهِ الحَقيقيّ. وَيا أبانا، نَحنُ نُصَلِّي ألاَّ يَكونَ هُناكَ أيُّ شَخصٍ مِنَ الحاضرينَ هُنا لا يَستوفِي هذا المِعيارَ، بَل أن نَحصُلَ جَميعًا على بِرِّ يَسوعَ المَسيحِ مِن خلالِ الإيمانِ بِهِ، وأنْ نَهرُبَ مِن خلالِ ذلكَ مِنَ الغَضَبِ الآتي ونَصيرَ جُزءًا مِن خُطَّةِ النِّعمةِ والرَّحمةِ كَي نَنالَ الحَياةَ الأبديَّة.

في الخِتام، وفيما أنتُم ما تَزالونَ في رُوحِ الصَّلاة، أنا أَعلمُ أنَّ هذهِ الرِّسالةَ بسيطةٌ جدًّا، وَأنَّ كثيرينَ مِنَّا يَفهمونَ هذهِ المَبادِئ. ولكنِّي أعلَمُ أيضًا أنَّ هُناكَ أشخاصًا كثيرينَ مِنكُم لا يَفهمونَها، وَأنَّ أشخاصًا كَثيرينَ مِنكُم جاءوا إلى هُنا حَديثًا. وما أرجوهُ هُوَ أنَّكُم تَفهمونَ هذهِ المبادئَ الآن. انظر إلى حياتِك! يُمكنُنا أن نَنظُرَ إلى آياتٍ كَثيرةً جدًّا تُبَيِّنُ أنَّ البُرهانَ على الحياةِ الَّتي اختبرتِ الولادةَ الثَّانيةَ يَكْمُنُ في نَمَطِ الحَياة. فإن لم تَكُنِ هُناكَ أعمالٌ صَالحةٌ فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَنبغي أن يُطرَحَ هُوَ: هَلِ اختبرتَ الولادةَ الثَّانية؟ وأعتقدُ أنَّ هذا هو السَّببَ في أنَّ بُولسَ يَدعونا إلى فَحصِ أنفسِنا إنْ كُنَّا في الإيمان.

انظُر إلى حَياتِك! هَل تَهتَمُّ بما فَوق؟ وَهل تَطلُبُ أو تَرُومُ في قَلبِكَ إلى الأمورِ السَّماويَّة؟ وعندما تُخطِئ، هل تَشعُرُ بالانكسارِ والنَّدَمِ والرَّغبةِ في الاعتراف، وهل تَشعُرُ بِجُوعٍ إلى المَجدِ والكَرامَةِ والخُلُوِّ مِنَ الفَساد؟ هَل هذا هُوَ شَوقُ قَلبِك؟ إن كانَ الأمرُ كذلكَ تَكونُ قد قَدَّمْتَ البُرهانَ على سُكْنَى حَياةِ اللهِ فيك. أمَّا إنْ لم يَكُنِ الأمرُ كذلك، ولم تَكُن تُثابِرُ على الأعمالِ الصَّالحةِ بِصَبْرٍ وتَطلُبُ تلكَ الأمور، بَل تَتمرَّدُ على الله، وتَعصي حَقَّهُ، وتَخضَعُ للإثمِ لأنَّكَ اخترتَهُ نَهْجًا لحياتِكَ، سيَكونُ نَصيبُكَ سَخَطٌ وغَضَبٌ، شِدَّةٌ وضِيقٌ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّن تَكون لأنَّهُ ليسَ عِندَ اللهِ مُحاباة، بَل هُوَ يَحكُمُ بعَدل. ورُبَّما تَرغَبُ في أن تُغَيِّرَ ذلكَ في هذا المَساء. وكما قُلنا، يُمكِنُكَ أن تَحصُلَ على بِرِّ المَسيحِ مِن خِلالِ الإيمانِ بِه.

يا أبانا، نُصَلِّي أن تَجلِبَ إلى غُرفةِ الصَّلاةِ الأشخاصَ الَّذينَ تَشاءُ أن يَأتُوا لكي نَرى المُعجزةَ العَظيمةَ المُتَمَثِّلَةَ في تَغييرِ الحَياةِ، والولادةِ الجَديدةِ في هذا المَساء. وَلَكَ كُلُّ الحمدِ في اسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize