Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المَساء، لِنَفتح كُتُبَنا المُقدَّسة مَعًا على الأصحاحِ السَّادسِ مِن رسالة رُومية. وسوفَ نَبتدئُ اليومَ واحدةً مِنَ الخِبراتِ الرائعة في دراستِنا لكلمةِ اللهِ إذْ نَنطلِقُ في رِحلةٍ في رُبوعِ رِسالة رُومية الأصحاحات 6 و 7 و 8. وبصراحة، إنَّ السَّببَ الَّذي دَفَعني إلى اتِّخاذِ قَرارٍ بتعليمِ رسالةَ رُومية وبدراسةِ الأصحاحاتِ الخمسة الأولى هو أنْ نَصِلَ إلى هذهِ الأصحاحات لأنِّي أشعرُ أنَّهُ يجب أن يكونَ هناكَ توضيحٌ وفهمٌ سليمٌ لِما تُعَلِّمُهُ كلمةُ اللهِ بهذا الخُصوص. وسوفَ نَشُقُّ طَريقَنا بِبُطء في هذه الأصحاحاتِ مِنْ جِهَة أولى.

وَمِن جِهَة ثانية، سوفَ نَتقدَّم في دراسَتِنا فِكرةً تِلْوَ الأخرى. ولكنِّي أريدُ منكم أنْ تُعطوني الفُرصة لِتَتَبُّعِ حُجَّةِ بولس مِن دونِ التَّخَلِّي عن أيِّ شيءٍ قبلَ الوُصولِ إليها. لِذا، أنا أَعلمُ أنَّ ما سَيحدُثُ في النِّهاية هو أنَّنا سَنَدرُس بِضعَ آياتٍ ثُمَّ إنَّنا سَنَطرَحُ مَليونَ سُؤالٍ؛ وهي أسئلة سنُجيبُ عنِ الكثيرِ مِنها إنِ انتظرتُم بِضعةَ أسابيع وَحَسْب. لِذا، حاولوا أنْ تَكونوا صَبورين. وإنْ كانَ لديكُم سُؤال لم أُجِبْ عنهُ، أَخبروني بذلك، أو أرسِلوا رسالة، أو اكتُبوا مُلاحظةً لي، أو أخبروا واحدًا مِنَ العامِلينَ أوِ الشُّيوخ. وسوفَ نَفعَلُ كُلَّ ما في وُسعِنا للإجابةِ عن أسئلتكم. ولكنَّنا سنتقدَّمُ تَدريجيًّا مِنْ خِلالِ تَتَبُّعِ حُجَّةِ بولس.

والآن، في هذا المساء، سوفَ نَبتدئ بالنَّظر إلى رُومية 6. وأوَّلُ جُزءٍ يَنبغي حَقًّا أن نَنظُرَ إليه كَوَحْدَة هو الأعداد مِن 1 إلى 14. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّنا لن نَتمكَّنَ مِن دراسةِ هذا المَقطع كاملاً في هذا المساء، ولكنَّنا سَنبتدئُ بدراسَتِه. والآن، مُنذُ أنِ ابتدأنا دراستَنا لرسالة رُومية، تَعَرَّفنا إلى مجموعة مِنَ الأفكارِ الرَّائعة. فبعدَ المُقدِّمة المَوجودة في الأعدادِ السَّبعةَ عَشَرَ الأولى الَّتي تُلقي نَظرةً مِجْهَرِيَّة إلى الفِداءِ الَّذي سيتمُّ الحديثُ عنهُ في رسالة رُومية، فإنَّ بولسَ يَنطلِقُ في حَديثٍ عظيمٍ عن خطيَّةِ الإنسانِ في المَقطَعِ المُمتَدِّ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل والعدد 18 إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعدد 20. وقد ساعَدَتنا تلكَ الحَقائق العديدة على فَهْمِ حَقيقةِ استفْحالِ خطيَّةِ الإنسان، والمَدى الَّذي هُوَ مُذنِبٌ فيه، ومِقدارِ بُؤسِه، ومِقدارِ عُبوديَّتِهِ للخطيَّة، وَحَتميَّةِ ذَهابِهِ إلى جَهَنَّم.

ثُمَّ ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثَّالثِ والعدد 21، يَبتدئُ بولسُ بمُناقشةٍ رائعةٍ عن عقيدةِ الخلاصِ بالنِّعمةِ مِن خلالِ الإيمان، وعنِ العملِ البَديلِ الَّذي قامَ بهِ يسوعُ المسيح. لِذا فإنَّنا نَجِدُ هُنا فِكرتَيْنِ رَئيسيَّتَيْن: فِكرة خطيئة الإنسان، وفِكرة خلاص الله. وفي هَذينِ المَقطَعَيْنِ العَظيمَيْنِ مِنَ العقيدةِ الجوهريَّة، يُؤكِّدُ بولسُ على موقِفِ الإنسانِ الَّذي لا يُحسَدُ عليه، وعلى الهَلاكِ المَحتومِ الَّذي يَنتظرُ الإنسانَ بسببِ خطيئَتِه. وهو يَصِفُ لنا تَمَرُّدَ الإنسانِ على اللهِ القُدُّوس، ومحبَّةَ الإنسانِ لخطيئَتِه، ورَفْضَ الإنسانِ الطَّوعيّ لِفهمِ اللهِ الَّذي أَعلنَ ذاتَهُ لَهُ بوضوح داخليًّا وخارجيًّا. ثُمَّ رَدًّا على ذلك، فإنَّ بولسَ يَستعرِضُ لنا رَحْمَةَ اللهِ الرَّائعة، وغُفرانَهُ، ونِعمَتَهُ الَّتي أَسْبَغَها على هذا الإنسانِ غيرِ المُستحِقِّ إذْ إنَّهُ يُقَدِّمُ لَهُ غُفرانًا كاملاً، وَصَفْحًا تَامًّا عنِ الخطيَّة مِن خلالِ العملِ التَّامِّ والكاملِ ليسوعَ المسيح.

وَعَمَلُ المسيحِ المُختصِّ بالإنسانِ هو عملٌ كاملٌ جِدًّا، وعَميقٌ جِدًّا، وتامٌّ جِدًّا، ورحيمٌ جِدًّا، ومُنعِمٌ جِدًّا، وشامِلٌ جِدًّا، وسَخِيٌّ جِدًّا، وعظيمٌ جِدًّا حَتَّى إنَّ أفضلَ تَلخيصٍ لَهُ هُوَ ما جاءَ في الأصحاحِ الخامِسِ والعَدَدَيْن 20 و 21: "وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا. حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا".

والآن، إنَّ عَظَمَةَ نِعمةِ اللهِ مُبَيَّنة هُنا في العدد 20 إذْ إنَّهُ كُلَّما كَثُرَتِ الخطيَّةُ، ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا كي تَسْتُرَ تلكَ الخطيَّة. وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي يُلَخِّصُ فيها الأصحاحاتِ الخمسةِ الأولى حَقًّا. فمَهما كَثُرَتْ خطيئةُ الإنسانِ، فإنَّ نِعمةَ اللهِ الغَفورِ تَفوقُها بِما لا يُقاس.

والآن، عندَ هذه النُّقطة، نأتي إلى خُطوةٍ أخرى في فِكْرِ بولس. فقد تحدَّثنا عن خطيئةِ الإنسان. وقد تحدَّثنا عن خلاصِ الله. والآن، نَنتقلُ إلى نِقاشٍ رئيسيٍّ ثالثٍ في الرِّسالة إلى أهلِ رُومية يَختصُّ بقداسةِ المؤمن. فبعدَ أنِ انتَقلتَ مِنَ الخطيَّة إلى الخلاص، ما هي النَّتيجةُ الحَتميَّةُ لذلك؟ سوفَ نَرى ذلكَ في الأصحاحات 6 و 7 و 8.

والآن، إنَّ الطَّريقةَ الَّتي يَتحدَّثُ بها بولس عن ذلك هي مِن خلالِ افتراض سُؤالٍ لا بُدَّ أنْ يُطْرَحَ في هذه النُّقطة إنْ كانَ يَتحدَّثُ عن هذا الموضوع أمامَ مجموعة تَضُمُّ أشخاصًا قد يَعترضون. والسُّؤالُ الحَتميُّ مَذكورٌ في العددِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ السَّادس. وقد كانَ بولسُ بارعًا جدًّا في تَوَقُّعِ الجَدَلِ الَّذي قد يُلاقيهِ مِن خُصومِه. فقد كَرَزَ بالإنجيل وقتًا كافيًا حَتَّى صارَ يَعلمُ رُدودَ الأفعالِ المُتوقَّعة. فقد قَدَّمَ الإنجيلَ لمجموعاتٍ عِدائيَّة جدًّا وقتًا طويلاً حَتَّى باتَ يَعرِفُ كيفَ ستكونُ رُدودُ أفعالِهم. وقد كانَ يَعرِفُ وُجهةَ النَّظرِ المُقابلةِ الَّتي لا مَفَرَّ مِنها. وقد كانَ يَعلمُ ما سَيُواجِهُه. وقد كانَ يَعلمُ الفَجواتِ الَّتي ينبغي لَهُ أنْ يَملأها لكي يُتابِعَ تَقديمَ حُجَّتِهِ بفعاليَّة. لِذا فإنَّهُ يتوقَّعُ هذا السُّؤالَ في العددِ الأوَّل: "فَمَاذَا نَقُولُ؟" بعبارة أخرى: إنْ كانتِ الخطيَّةُ تَكْثُر، ولكِنْ كُلَّما كَثُرَتِ الخطيَّة ازدادَتِ النِّعمة، أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟

وما أعنيه هو: إن كانَ المزيدُ مِنَ الخطيَّة يُنشِئُ نِعمةً أكثر، أَلا يَجْدُرُ بِنا أنْ نَستمرَّ في القيامِ بذلكَ بعدَ أنْ نِلْنا الفِداءَ، وأنْ نُخطئَ أكثر كي تَكثُرَ نِعمةُ اللهِ؟ فإنْ كانَ اللهُ يَفرَحُ هكذا بإسباغِ مَزيدٍ مِنَ النِّعمة، لِنَدَعْهُ يَحصُل على المَزيدِ مِنها! بعبارة أخرى، قد يَقولُ شخصٌ لبولس: "يا بولس، إنَّ عَقيدَتَكَ مُناقِضَة للنَّاموسيَّة. فعقيدتُكَ تَسْمَحُ بِقَدرٍ هائلٍ مِنَ الحُريَّة. فهذه الفِكرة في أنَّ الخلاصَ هو [ببساطة] بالنِّعمة وَحدِها مِن خلالِ الإيمانِ ومِن دونِ أعمال، وفي أنَّهُ كُلَّما كَثُرتِ الخطيَّة ازدادتِ النِّعمةُ تُؤدِّي إلى وُجهةِ نَظَرٍ لا نَاموسِيَّة؛ أيْ مُناقِضَة للنَّاموس. فهي حُريَّة هَوْجاء، وحُريَّة مَسعورَة. وهي تَجعلُ الإنسانَ يَقول: ’حسنًا! إنْ كانت كَثْرَةُ الخطيَّة تُنشئُ مَزيدًا مِنَ النِّعمة، إذًا سوفَ أُخطئ بِجُنون لكي يَتَمَجَّدَ اللهُ أكثر بسببِ إسباغِ مَزيدٍ مِنَ النِّعمة‘".

وقد كانَ اليهودُ المُعارِضونَ يَجِدونَ صُعوبةً بالِغَةً في قَبولِ كَلامِ بولس عنِ الخلاصِ بالنِّعمة بِدونِ أعمال لأنَّهم كانوا يَفترضونَ أنَّ ذلكَ يُفْضِي إلى هذه النَّتيجة. وقد عَبَّرَ كَاتِبٌ عن ذلكَ كَما يَلي: "في هذه النُّقطة، يَقتربُ الرَّسولُ على نَحْوٍ خَطِرٍ مِنْ حَافَةِ هَاوية. فَخُطوة واحدة إلى أحدِ الجَانِبَيْن قد تَجْعَلُهُ يَخْسَرُ كُلَّ ما نَجَحَ في إثباتِهِ حَتَّى الآن". وما أعنيهِ هو: إن كانَ الخلاصُ كُلُّهُ مِنَ اللهِ بِمُقتَضى نِعمَتِهِ، وإنْ كانَ اللهُ يَتمجَّد مِن خلالِ إسباغِ مَزيدٍ مِنَ النِّعمة، فإنَّ رَغبةَ الإنسانِ في الخطيَّة قد تُبَرِّرُ أنَّهُ كُلَّما كَثُرَتِ الخطيَّةُ كَثُرَتِ النِّعمة.

وهذه هي، بصورة رئيسيَّة، الطَّريقة الَّتي يَنتقِلُ بها إلى هذا المَقطَعِ الَّذي يتحدَّثُ فيهِ عنِ التَّقديسِ، أو عن قَداسةِ المُؤمِن. وبالمُناسبة، لقد تَمَّ تَعليمُ ذلك على مَرِّ السِّنين. فالمَاكِرُ الَّذي يَنتمي إلى عائلة "رومانوف" (Romanov) ويُدعَى: "راسبيوتن" (Rasputin) عَلَّمَ وَبَيَّنَ عقيدةَ الخلاصِ مِن خِلالِ الاستمرارِ في عملِ الخطيَّة والتَّوبة. فقد قال: "كُلَّما كَثُرَتْ خَطيئَتُك، أَسْبَغَ اللهُ عَليكَ مَزيدًا مِنَ النِّعمة. لِذا، كُلَّما أخطأتَ وأخطأتَ مِن دونِ قُيود فإنَّكَ تُعطي اللهَ فُرصةً أكبر لإسباغِ نِعمَتِه، وتُعطي اللهَ مَزيدًا مِنَ المجد". والحقيقة هي أنَّهُ قالَ أيضًا: "إنْ كُنتَ خاطئًا عاديًّا وَحَسْب، فإنَّكَ لا تُعطي اللهَ فُرصةً لإظهارِ مَجدِه. لِذا، كُنْ خَاطئًا استثنائيًّا".

إنَّ هذهِ لاناموسيَّة. وهذا انغِماسٌ تَامٌّ في الخطيَّة بِاسمِ النِّعمة. وأنا أعتقد أنَّ بعضَ نَاقِدي بولس اتَّهموهُ بذلك، لا فقط في سُؤالِهِ الافتراضِيِّ هذا في الأصحاحِ السَّادسِ، بل في الحقيقة في الأصحاحِ الثَّالثِ والعدد 8 إذْ نَقرأُ: "أَمَا كَمَا..." وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عن فِكرةِ الخطيَّةِ هذه: "أَمَا كَمَا يُفْتَرَى عَلَيْنَا، وَكَمَا يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّنَا نَقُولُ: «لِنَفْعَلِ السَّيِّآتِ لِكَيْ تَأتِيَ الْخَيْرَاتُ»؟" وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى بعضِ الافتراءِ الَّذي قِيْلَ بِحَقِّهِ إذْ إنَّهُ مِنَ المُرَجَّحِ جدًّا أنَّهُ اتُّهِمِ بالمُناداةِ بعقيدةِ النِّعمةِ بطريقةٍ تَتهاوَنُ بالخطيَّة كي يَتَمَجَّدَ اللهُ مِن خِلالِ غُفرانِه.

ورُبَّما كانَ النَّاقِدونَ يُهاجِمونَ بولسَ لا فقط مِن هذه الزَّاوية بالمَعنى السَّلبيِّ (أيْ أنَّهُم أرادوا مِنْهُ أنْ يُنكِرَ عَقيدةَ الخلاصِ بالنِّعمةِ لأنَّها تَقودُ إلى اللَّاناموسيَّة)، بل رُبَّما كانَ يوجدُ أشخاصٌ أرادوا أنْ يُخطِئوا لكي تَكثُرَ النِّعمة كي يُبَرِّروا أُسلوبَ حَياتِهم الشِّرِّير. وما أعنيه هو أنَّهُم لا يَنتقِدونَ ذلك، بل إنَّهُمْ فَرِحونَ بِقَبولِ ذلك. فَهُمْ ليسوا أشخاصًا نَاموسِيِّينَ يَقولون: "لا يُمكِنُنا أنْ نَقبلَ ما تَقول، يا بولس. فهذا يَقودُ إلى اللَّاناموسِيَّة". بل إنَّهُم أشخاصٌ مُنْحَلُّونَ يَقولون: "حسنًا يا بولس، نحنُ نَقبَل ما تَقول. ونحنُ نَتَقَدَّمُ باتِّجاهِ النَّتيجةِ المَنطقيَّة".

وإنْ أردتُم أنْ تَلتقوا أُناسًا مِن هؤلاء، سَتَجِدونَهُم في مدينةِ كورِنثوس في الكنيسة. ففي رأيي، إن كانَتْ هناكَ أيُّ مجموعة مُنْحَلَّة مِنَ النَّاسِ باسْمِ يسوعَ المسيح، فإنَّها تلكَ المجموعة. فقد كانوا يَعيشونَ مِن دونِ تلكَ الضَّوابِطِ الطَّبيعيَّة للقداسةِ الَّتي ينبغي أنْ تَربِطَ أولادَ الله. فقد كانوا يُمارِسونَ زِنَا المَحارِم، ويُقاضونَ بَعضُهُم بَعضًا. وهذا يَدُلُّ على الجَشَعِ الأنانيِّ، وظُلْمِ الآخرين. وقد كانوا مُنْغَمِسينَ في الفُحْشِ الجِنسيِّ، ومُمارسةِ الزِّنا، والدَّعارة، والوثنيَّة، والأعمالِ الشَّيطانيَّة. وَحَتَّى إنَّهُم كانوا يَقِفونَ في اجتماعاتِهم (باسْمِ الحُصولِ على إحدى مَواهِبِ الرُّوحِ القُدُسِ) وَيَلعَنونَ يَسوع. ورُبَّما كانت تلك هي الأشياءُ الَّتي اتَّصَفَ بها المُنْحَلُّونَ الَّذينَ أرادوا أنْ يُرَوِّجوا لعقيدةِ النِّعمةِ (بحسبِ فِكرِهِم) فَراحوا يَتساءلونَ عن نَتيجَتِها المنطقيَّة.

ولكِنَّ بولسَ لم يَسْمَحْ بأيٍّ مِنْ هَذَيْنِ الأمْرَيْن. فهو لم يَتَخَلَّ عنِ النِّعمة لكي يَقبَلَ النَّاموسِيِّينَ، ولم يَتَخَلَّ عنِ النِّعمةِ لكي يُقَيِّدَ المُنْحَلِّين. فهو لم يَفعل أيًّا مِن هَذينِ الأمرَيْن. فالنَّاموسيَّة لم تَكُن يومًا عِلاجًا لأيِّ شيء. ولا حَتَّى رُخصةً. فاللهُ اخْتارَ طَريقةً أفضل، بل طَريقةً أفضل جدًّا. ونحنُ نَرى أنَّ بولسَ يَكشِفُ عن هذه الطَّريقة في رسالة رُومية والأصحاحات 6 و 7 و 8. وبصورة رئيسيَّة، إنْ أردتُ أن أُراجِعُ مَعَكُم ما سَبَق، فإنَّ الطَّريقةَ الأفضل هي طريقةُ عَمَلِ اللهِ في القلب، أيْ عَمَل التَّجديد، ثُمَّ خِدمة الروح القدس المُرافقة لها. وسوفَ نَرى ذلكَ في أثناءِ دراسَتِنا.

والآن، إذْ نَأتي إلى الأصحاحِ السَّادس، فإنَّ الشَّيءَ الَّذي سيُرينا إيَّاهُ بولس هو أنَّ إنجيلَ النِّعمةِ الحقيقيّ لا يَقودُ إلى الانْحلال، ولا إلى اقترافِ الخطيِّةِ كالمَسعورِ ظَنًّا مِنْكَ بأنَّكَ ستكونُ على ما يُرام في كُلِّ الأحوال. بعبارة أخرى، فإنَّ هذا هو ما تَسمَعُ النَّاسَ يَقولونَهُ عندَ انتقادِ عَقيدةِ الضَّمانِ الأبديّ. فَهُم يَقولون: "حسنًا! إنْ كُنتَ تؤمنُ بالضَّمانِ الأبديِّ، فإنَّ المَعنى الحقيقيَّ لذلك هو أنَّهُ ما إنْ تَصيرَ مَسيحيًّا، يُمكِنُكَ أنْ تُخطئَ قَدْرَ مَا تَشاء. وسوفَ تَكونُ على ما يُرام". هل سَمِعتُم أُناسًا يَقولونَ ذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. فهو ذاتُ الشَّيء. لِذا، فَهُمْ يُريدونَ أنْ يَحصُروا إنجيلَ النِّعمةِ المُخَلِّصَةِ الطَّاهرةِ بحَقيقَتِهِ الأبديَّة فقط لأنَّهُم يَخْشَوْنَ أنَّ هذه هي الطَّريقة الوحيدة لِضَبْطِ النَّاسِ. لِذا فإنَّهُم يَنْتَهِكونَ طَهارَةَ النِّعمةِ المُخَلِّصَةِ بِرُمَّتِها كي يُسيطروا على النَّاسِ الَّذينَ قد يُسيئونَ استخدامَ النِّعمة. ولكِنَّ بولسَ لم يَكُن كذلك. والحقيقةُ هي أنَّهُ عندما يَنتقلُ إلى الأصحاحِ السَّادس، فإنَّهُ يَتَعَمَّدُ بِكُلِّ إصْرارٍ ومُثابرةٍ أنْ يَرْبِطَ الحياةِ المُقدَّسةِ بالخلاصِ الحَقيقيّ.

بعبارة أخرى، أنتَ لستَ بحاجة إلى السَّيطرةِ على النَّاسِ خارجيًّا إنْ كانوا مَفديِّينَ لأنَّ مَبدأَ السَّيطرةِ غُرِسَ فيهم مِنْ خلالِ الطَّبيعةِ الجديدة؛ أيِ الحياة الجديدة الَّتي تَخضَع لسيطرةِ رُوحِ اللهِ القُدُّوس. لِذا فإنَّ هذا الأمرَ يَعملُ داخليًّا وليسَ خارجيًّا. وسوفَ نَرى ذلكَ في أثناءِ دراسَتِنا لهذه الأصحاحاتِ معًا.

والآن، إنَّ الأصحاحات 3 و 4 و 5 تَتحدَّث بصورة رئيسيَّة عنِ التَّبرير. والأصحاحات 6 و 7 و 8 تَتحدَّث عنِ التَّقديس (وأنا أقولُ هذا لِمَنْ يُحِبُّونَ العَناوينَ اللَّاهوتيَّة). ويُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ الأصحاحات 3 و 4 و 5 تَتحدَّثُ عن كيفَ تَخلُص. والأصحاحات 6 و 7 و 8 تَتحدَّثُ عن كيفَ ينبغي أن تَعيشَ بعدَ أنْ خَلَصْت. وهناكَ صِلَة قويَّة ورابطة مؤكَّدة. فالأمرانِ مُتَّصِلان.

والآن، اسمعوا ما أقول: القَداسةُ هي هِبَة مِنَ اللهِ للمؤمنِ على غِرارِ الخلاصِ في عَمَلِ الفِداء. سوفَ أُكَرِّرُ ذلك: القَداسةُ هي هِبَة مِنَ اللهِ للمؤمنِ على غِرارِ الخلاصِ في عَمَلِ الفِداء. فعندما يُفْدَى الإنسان، فإنَّ ذلكَ ليسَ عَملاً إلهيًّا وَحَسْب، بل هو أيضًا مُعجزة تَغيير إلهيَّة. فالأمرُ ليسَ قانونيًّا فحسب، بل هو حقيقيّ. فالأمرُ لا يَقتصِر على أنَّ اللهَ يقول: "الآن، أنتَ مُخَلَّص"، بل إنَّ اللهَ يُغَيِّرُكَ. والأمرُ لا يَقتصِر على أنَّ اللهَ يَقولُ شيئًا صحيحًا، بل إنَّهُ يَجْعَلُهُ صَحيحًا. والأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّ اللهَ يُعلِنُكَ شخصًا بَارًّا، بل إنَّ اللهَ يُعيدُ تَشكيلَكَ ويَجْعَلُكَ بَارًّا. وكما تَرَوْن، وكما حاولتُ أنْ أُبَيِّنَ في وقتٍ سابق في الرِّسالة إلى أهلِ رُومية، فإنَّ اللهَ لا يَقولُ أمورًا ليست صحيحة. وَهُوَ لن يَصِفَ أشخاصًا بأنَّهُم أبرارٌ إنْ لم يكونوا كذلك. لِذا فإنَّ التَّقديسَ والتَّبريرَ مُرتبطان.

ويُمكنُني أن أقولَ، يا أحبَّائي، إنَّهُ لا يوجد شيء أَهَمُّ لدينا مِن أن نَفهمَ (في خِضَمِّ اللَّاناموسيَّة الَّتي تَجْتاحُ السَّاحةَ المسيحيةَّ المُعاصِرَةَ) الصِّلَةَ بينَ التَّقديسِ والتَّبرير؛ أيْ أنْ نَفهمَ الصِّلَة بينَ الحياةِ المُقدَّسة والخلاصِ الحقيقيّ. وهذا هو السَّبب في أنَّني قُلتُ لكم في مُناسباتٍ أخرى إنَّني مُقتنِعٌ أنَّ الكنيسةَ في أمريكا (في حالات كثيرة جدًّا) هي كنيسة لم تَختبِر التَّجديد، ولم تَختبِر الفِداء، وكنيسة ضَالَّة، وآثِمَة، وتَخلو مِنَ المسيح، وذَاهِبَة إلى جَهَنَّم لأنِّي لا أَرى أيَّ قَداسَةٍ فيها. وأعتقد أنَّ هذه الحقيقة موجودة.

حسنًا، لننظر إلى حُجَّةِ بولس. وما أعنيه هو: يُمكنني أن أَتحدَّثَ وأتكلَّمَ عن هذا الموضوعِ وقتًا طويلاً، ولكنِّي أريدُ أنْ أنتقلَ إلى النَّصّ. إنَّ أساسَ تَعليمِ بولس عنِ القداسة موجود في افتتاحيَّةِ هذا الأصحاحِ العَظيم. واسمَحوا لي وَحَسْب أنْ أَذكُرَ لكم ثلاثة عناصِر تُساعِدُنا في دراسةِ الأعداد الأربعةَ عَشَرَ الأولى: المُعتَرِض، والرَّدّ، والحُجَّة. فهي ثلاث نِقاط صغيرة. وسوفَ نَنظُر إلى أوَّلِ نُقطةٍ مِن هذه النِّقاطِ المُهمَّة:

أوَّلاً، المُعتَرِض؛ وَهُوَ يَظهَر في العدد الأوَّل. وهذا مُعتَرِضٌ افتراضِيّ نَوعًا مَا. ورُبَّما كانَ افتراضِيًّا في هذه الحالة، ولكنَّهُ ليسَ كذلك في حياةِ بولس. فقد اتُّهِمَ مَرَّاتٍ كثيرة بأنَّهُ يَكرِزُ بإنجيلِ النِّعمةِ بطريقة لاناموسيَّة. فعندما عادَ (إذا كُنتُم تَذكرون) إلى مدينةِ أورُشليم بعدَ أنْ جَمَعَ العَطايا مِنَ الكنائسِ الأُمميَّة، وَرَجَعَ مَعَ كُلِّ مَندوبي الأُمَم لكي يُصالِحَ اليَهودَ والأُممَ في الكنيسة، ولكي يُظْهِرَ الحُبَّ؛ لا لِسَدِّ حاجتهم بطريقة ماديَّة وحسب، بل لِسِدِّها بطريقة رُوحيَّة أيضًا. فقد ظَنَّ أنَّهُ يَنبغي أنْ يَقرِنَ نَفسَهُ أكثر. لِذا فقد دَخَلَ إلى الهيكل معَ بعضِ أولئكَ اليهود وَنَذَرَ نَذْرًا. فقد أرادَ أنْ يُبَيِّنَ صِلَتَهُ الحَميمةَ باليهوديَّة وبأنَّهُ لم يَتركها. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ حَدَثَ شَغَبٌ في المدينة وأنَّهُم اتَهموهُ بالتَّطاوُلِ على النَّاموس، والتَّطاوُلِ على الهَيكل، والتَّطاوُلِ عليهم، وعلى اللهِ، وعلى كُلِّ شيءٍ آخر يَحْسَبونَهُ مُقَدَّسًا. لماذا؟ لأنَّ عقيدةَ النِّعمة كانت تَبدو في نَظَرِهم أنَّها تَعليمٌ مُنْحَلٌّ. وَهُوَ يُريدُ أن يُبَيِّنَ لَهُم أنَّهُ لا يَجوزُ لَهُم أنْ يَفرِضُوا النَّاموسَ على النَّاس.

وقد كانَ المُهَوِّدونَ يُريدونَ أن يَفعلوا ذلكَ الشَّيء. فقد أرادوا أن يَذهبوا إلى غَلاطيَّة. وعندما وَجَدوا أنَّ المُؤمِنينَ في غَلاطيَّة يُؤمِنونَ بأنَّهم يستطيعونَ أن يَدخُلوا مَلكوتَ اللهِ بالنِّعمةِ فقط، لم يَحْتَمِلوا ذلك. لِذا فقد قالوا: "لا، يجب عليكم أنْ تُخْتَنوا وأنْ تَحفظوا كُلَّ ناموسِ مُوسى. فإنْ فَعلتُم كُلَّ ذلكَ يُمكِنُكم أنْ تَدخُلوا المَلكوت". وقد كانوا يَخافونَ مِن أنَّهُ إنْ كانَ دُخولُ المَلكوتِ يَقتصِر على النِّعمةِ وَحدِها، فإنَّ الجَميعَ سَيَعيثونَ فَسادًا. وما يَزالُ هذا التَّفكيرُ موجودًا اليوم. فهناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وَضْعِ قوانينَ كثيرة جدًّا لإرغامِ النَّاسِ على العَيشِ بطريقة رُوحيَّة. وهذا يَحدُثُ في كَثيرٍ مِنَ الأماكِن: في الكنائِسِ والمدارسِ المَسيحيَّة إذْ إنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّكَ تستطيعُ أنْ تُقْحِمَ الرُّوحيَّة في حُلوقِ النَّاسِ مِنْ خلالِ وَضْعِ قوانينَ خارجيَّة وَفَرْضِها بصيغة مُعَيَّنة. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ: "أنا أَعلمُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا سيَتَّهمونَني بهذا الأمر. وَهُم سيقولون: ’وَفْقًا لما تقول، يا بولس، يجب علينا أنْ نُخطئَ كثيرًا لكي نَحصُل على نِعمة أكبر‘. وهذا هو المُعتَرِض.

وقد كانَ يَهوذا، على ما أعتقد...وهذه مُجَرَّد مُلاحظة جانبيَّة...كانَ يُفَكِّر في هذا الأمر في العدد 4 مِن تلكَ الرِّسالة المُهمَّة جدًّا. فهو يقول: "لأَنَّهُ دَخَلَ خُلْسَةً أُنَاسٌ قَدْ كُتِبُوا مُنْذُ الْقَدِيمِ لِهذِهِ الدَّيْنُونَةِ، فُجَّارٌ [يَفعلونَ ماذا؟] يُحَوِّلُونَ نِعْمَةَ إِلهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ، وَيُنْكِرُونَ السَّيِّدَ الْوَحِيدَ: اللهَ وَرَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ".

فقد كانَ أولئكَ هُمْ مَن أَرادوا أن يَقبَلوا النِّعمةَ قائِلين: "يا لِروعةِ ذلك! إنَّ النِّعمةَ رائعة!" فقد حَوَّلوا النِّعمةَ إلى الدَّعارة؛ أيْ إلى أعمالٍ خاطئة. وقد أَنكروا الرَّبَّ. لِذا، تَذَكَّروا ما يَلي: هُناكَ عَامِلان هُنا: فَمِن جِهة، هناكَ النَّاموسيُّونَ الَّذي يُريدونَ أن يَقولوا: "لا يُمكنُكَ أن تُعَلِّم ذلك، يا بولس. فهذا سَيُصيبُ النَّاسَ بِسُعارِ الخَطيَّة. أنتَ تُعَلِّمُ تَعليمًا مُخالفًا للنَّاموسيَّة". وَمِن جهة أخرى، هناكَ المُنْحَلُّونَ الَّذينَ كانوا يقولون: "عَلِّمْ ذلكَ يا بولس. فنحنُ نُحِبُّ كُلَّ شيءٍ في هذا التَّعليم. وسوفَ نَستخدِمُ تلكَ النِّعمةَ إلى أقصى حَدٍّ مُمكن". وَكِلاهُما مُخطئ. والحقيقةُ هي أنَّ كِليهِما يُبَرهِنُ على أنَّهُ لم يَنَلْ يومًا الفِداء.

أَعرِفُ رَجُلاً كانَ راعِي كنيسة، ومُعَلِّمًا للكتابِ المُقدَّس، وكَارِزًا بالإنجيلِ سَنواتٍ طويلة. وإنْ ذَكرتُ اسْمَهُ، سَيَعرِفُهُ كُلُّ شخصٍ في هذا المَبْنى. وطَوالَ السِّنينِ الَّتي عَلَّمَ فيها الكتابَ المقدَّسَ، كانَ يَعيشُ في الخَطيَّةِ باستمرار. وواحِدٌ مِنَ الأشياءِ الرَّئيسيَّة الَّتي يُرَكِّزُ عليها في تَعليمِه هو: النِّعمة والحُريَّة الَّتي تُوَفِّرُها النِّعمة. وطَوالَ الوقتِ الَّذي عَلَّمَ فيه ذلك في جَميعِ أنحاءِ البَلَد، كانَ يَعيشُ في الرَّذيلةِ والشَّرّ. وَهُوَ يُناسِبُ تمامًا هذهِ الآية. فَهُوَ يَتحدَّثُ كُلَّ الوقتِ عنِ النِّعمةِ لأنَّها الطَّريقة الوحيدة الَّتي تُمَكِّنُهُ مِنَ النُّهوضِ في الصَّباح ومُواجَهَةِ العالَم. وَهُوَ ضَالٌّ. لِذا فإنَّها ليست مُشكلة قديمة وحسب، بل إنَّها مُشكلة مُعاصِرة جدًّا أيضًا.

والآن، يُمكنكُم أن تَنظروا إلى الأمرِ بطريقةٍ أخرى. وأنا أقولُ هذا كي أُساعِدَكُم وَحَسْب على صِياغَةِ السُّؤال. فيمكننا أنْ نَصيغَ السُّؤالَ بالطَّريقةِ التَّالية: إنْ كانَ اللهُ يُبَرِّرُ الفُجَّارَ...وهل يَفعل ذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. وهذا واضحٌ في رسالة رُومية 4: 5. إنْ كانَ اللهُ يُبَرِّرُ الفُجَّارَ، وإنْ كانَ يُسَرُّ بتبريرِ الفُجَّارِ، لا فائدة مِن أن تكونَ ماذا؟ بَارًّا. لِذا، قد يقولُ قائِلٌ إنَّ عَقيدةَ النِّعمة تُشَجِّعُ على اقترافِ الخطيَّة.

ولكِنْ هل تَفعل ذلك؟ لقد اتُّهِمْتُ بذلك. فقدِ اتُّهِمْتُ بالكِرازَةِ عنِ النِّعمةِ مِن دونِ وَضْعِ ضَوابِط. وأحيانًا، يَقولُ الرُّعاةُ لي: "ما هي الضَّوابِطُ في كَنيسَتِكَ للعُضويَّة؟" أجل، فهناكَ رُعاةٌ كثيرونَ يَسألونَني هذا السُّؤال. هل يجب عليهم أن يُوَقِّعوا لائحةً طويلةً مِنَ القواعِد؟ وجوابي على ذلك السُّؤال هو: "إنْ كانَ اللهُ يَسْمَحُ لَهُم بِدخولِ الملكوتِ على أساسِ الإيمانِ، أعتقد أنَّنا نستطيعُ أن نَسمَحَ لهم بالانضمامِ إلى كنيسَتِنا". فنحنُ لا نُريدُ أنْ نَضَعَ مَعاييرَ أَعلى مِن مَعاييرِ الله. ونحنُ لم نُؤمِنْ لَحظةً بأنَّنا نستطيعُ أنْ نَضَعَ لائحةَ قوانين خارجيَّة وأنْ نَجعلَ النَّاسَ رُوحِيِّين. فاللهُ لَديهِ خُطَّة أفضل.

"أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟" والكلمة "أَنَبْقى" هي كلمة مُدهشة في اللُّغة اليونانيَّة ("إبيمينو" – “epimeno”)، وهي كلمة قويَّة تَحوي بادِئَة كَحَرْفِ جَرّ. وهي تَعني: "يُقيم" أو "يَبقى" أو "يَمْكُث". وهي تُستخدَمُ بمعنى الإقامةِ في بيت، أوِ المُكوثِ هُناك. هل يَجوزُ لَنا، نَحنُ الَّذينَ خَلُصْنا بالنِّعمة، أنْ نَستمرَّ في التَّمَتُّعِ بنَفسِ العلاقةِ بالخطيَّة كما كُنَّا نَفعلُ في السَّابق؟ وهل يَجوزُ لنا أنْ نَستمرَّ في نفسِ تلكَ العلاقةِ حيثُ الخطيَّةُ هي المُهيمِنَة تمامًا، وحيثُ نَخضَعَ تَمامًا لها، وحيثُ أصبحت عَادَةً لا تَنقَطِع؟ فهل نَستمرُّ في الإقامةِ في مَنزِلِ الخطيَّة؟

بعبارة أخرى، ولكي نُعَبِّرَ عن ذلكَ لاهوتيًّا: "هلِ التَّبريرُ لا يَرتَبِطُ بالضَّرورةِ بالتَّقديس؟ وهل يُمكنُ لشخصٍ أن يَخلُصَ وأنْ يَستمرَّ في نَمَطِ حَياتِهِ السَّابق؟ وهل هُناكَ صَفْقَة إلهيَّة لا تُؤثِّر في الحياة؟ قد يقولُ أُناسٌ في مُجتمَعِنا المسيحيِّ: "أجل". "أَجَل! إنْ قَبِلْتَ يسوعَ في قَلبِكَ، بِصَرْفِ النَّظَرِ عن نَمَطِ حياتِكَ، يُمكِنُكَ أنْ تَتَيَقَّنَ أنَّكَ ستذهبُ إلى السَّماء". بعبارة أخرى: التَّبريرُ يُمكِنُ أنْ يُوجَدَ بِمَعزِلٍ عنِ التَّقديس.

وقد قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ المُعاصِرين: "يُمكِنُكَ أنْ تَنالَ الخلاصَ وأنْ تَكونَ بِلا أيِّ ثَمَر. ويُمكِنُكَ أنْ تَنالَ الخَلاصِ مِن دونِ أيِّ دَليل، ومِن دونِ أيِّ بِرٍّ عَمليٍّ. صحيحٌ أنَّ هذا ليسَ أمرًا مَرغوبًا. وَهُوَ ليسَ مَشيئة الله، وليسَ الشَّيءَ الأفضل، ولكنَّهُ مُحْتَمَلُ الحُدوث". واسمَحوا لي أنْ أَصيغَ السُّؤالَ بالطَّريقة التَّالية: هل يَسْمَحُ الإنجيلُ للنَّاسِ أنْ يكونوا غيرَ مُقَدَّسين؟ وهل يُمكِنُ حَقًّا أنْ تَنالَ الخَلاصَ وأنْ تَكونَ غيرَ مُقَدَّسٍ، وأنْ تَستمرَّ في الخطيَّة، وتَبقى فيها، وتُقيم فيها، وتَعيش في نفسِ العلاقةِ بالخطيَّة كما كُنتَ في السَّابق؟ هذا هو السُّؤال. ولننظُر إلى الجواب في العدد الثَّاني: "مي غينويتو" (me genoito). وأنتُم لا تَرَوْنَ هذه العِبارة في الكتابِ المقدَّس، بل تَجِدونَ الكلمة: "حَاشَا!" ولكِنَّ العِبارة "مي غينويتو" لا تَعني وَحَسْب: "لا سَمَحَ الله". بل هي مُصطَلَح يُستخدَمُ للإشارة إلى أقوى رَدِّ فِعْلٍ مُمكِن. فهي تُشيرُ إلى رَدِّ فِعْلٍ قَويٍّ جدًّا. وقد كانت جَدَّتي تَقول: "ابْصُقْ هذا الكَلامَ مِنْ فَمِك!" هل تَذكرونَ هذه العِبارة؟ وبِلُغَتِنا المُعاصِرَة: "مُستحَيل!" "حَاشا وَكَلَّا!" فهو إنكارٌ واستقباحٌ للفِكرة. فالفِكرةُ في ذاتِها كانت مُستقبَحَةً لدى بولس. لِذا فإنَّهُ لا يَصرِفُ وَقتًا طويلاً في دَحْضِ ذلك، بل يَكتفي بالقول: "لا..لا..لا! حَاشا! هذا مُستحيل، بل مِن رابعِ المُستحيلات!" أنْ يَبقى مُؤمِنٌ في الخطيَّة، ويَبقى مُقيمًا فيها، ويَعيش فيها هو ليسَ أمرًا لا يُعْقَل فقط، بل هو مُستحيل. فالفِكرةُ في حَدِّ ذاتِها مُقَزِّزَة.

وقد كَتَبَ الدُّكتور"بارنهاوس" (Dr. Barnhouse) فَقْرَةً مُدهشةً بهذا الخُصوص. وَقد قالَ في جُزءٍ مِنها: "القَداسةُ تَبتدئ حيثُ يَنتهي التَّبرير. وإنْ لم تَبتدئ القداسة، فإنَّهُ مِنْ حَقِّنا أنْ نَشُكَّ في أنَّ التَّبريرَ قدِ ابتدأَ أصلاً". وَهُوَ مُحِقٌّ في ذلك.

والآن، إنَّ سَبَبَ اشمئزازِ بولس هذا ليسَ قائمًا، مَرَّةً أخرى، على حُجَّةٍ مُفَصَّلةٍ، بل بالحَرِيِّ على سُؤالٍ واحدٍ بسيط، ولكنَّهُ عَميقٌ جدًّا. انظروا إليه في العددِ الثَّاني: "نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟" وهذا، يا أصدقائي، سُؤالٌ عَميقٌ جدًّا وَوَجيهٌ وَغَنِيٌّ. فبولس لا يَقول: "حسنًا! أنا أَرى وُجْهَةَ نَظَرِكُم، يا أصدقاء. ولكِنَّنا في وَرطة هُنا. آه! حسنًا! لِنَرَ ما سَنفعل! رُبَّما يجب عليَّ أنْ أتراجَعَ عن عقيدةِ النِّعمة هذه قليلاً. أجل. فيمكنني أنْ أَرى أنَّ لدينا هُنا بعضُ الجوانبِ الغامضة". لا! فهو لم يُغَيِّر عقيدةَ النِّعمة. وَهُوَ لم يُعَدِّلها. وَهُوَ لم يُساوِم بشأنِها. فالخلاصُ مَجَّانِيٌّ. فهو عَطِيَّةُ نِعمة لا نَستَحِقُّها تَسْتُرُ الخطيَّة. فبِغَضِّ النَّظرِ عن فَداحَةِ الخطيَّة، فإنَّ النِّعمةَ تَفوقُها. وهو لا يُغَيِّرُ ذلك. وَحَتَّى لوِ اعتَرَضَ العالَمُ كُلُّه، وحتَّى لو عَارَضَ العالَمُ كُلُّهُ ذلك، فإنَّهُ لن يُغَيِّرَ ذَلكَ ولو قليلاً ولن يُغَيِّرَ كَلمةً. فالنِّعمة هي النِّعمة. والنِّعمةُ تَكْثُرُ جِدًّا مِنْ خِلالِ الخلاص. وهي تَكثُرُ جِدًّا مِن خلالِ الضَّمانِ الأبديِّ حَتَّى بالنِّسبةِ إلى أَشْنَعِ الخُطاة. فلا يوجد أيُّ اعْتبارٍ لِفَداحَةِ شَرِّهم، أو فَداحَةِ خَطيَّتِهم، أو طُولِ فَترةِ تَمَرُّدِهم. فلا يَهُمُّ إنْ كُنتَ إنسانًا طَيِّبَ القَلبِ، أَو كُنتَ مُجرِمًا سَفَّاحًا، أو شخصًا بينَ هَذا وَذاك. فهو لا يَتَهاوَنُ بشأنِ النِّعمة. لِذا، سوفَ نُبقي الحَالَ كَما هِيَ. فلا مُبَرِّرَ إلى الرُّجوعِ وَتَعديلِ الأصحاحات 3 و 4 و 5. فسوفَ نَترُكُها كما هِيَ.

وما هو رَدُّهُ؟ "نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟" إنَّهُ يَقولُ إنَّ هذا مُستحيل. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَستمرَّ في نفسِ العلاقةِ بالخطيَّة كما كُنتَ في السَّابقِ لأنَّكَ مُتَّ عَنْها. وهُناكَ تَرجماتٌ (مِثلَ التَّرجمة المُرَخَّص بها) تَقول: "أمواتٌ عنِ الخطيَّة". وهذه ليست أفضلَ تَرجمةٍ مُمكِنَة. فالآية لا تتحدَّث عن حَالَة، بل تَتحدَّث عن شَيءٍ حَدَثَ في الماضي. فهي لا تَقولُ إنَّكَ الآنَ مَيِّتٌ عنِ الخطيَّة. بل إنَّ بولسَ يَقولُ: "لقد مُتُّمْ" – بِصيغةِ الماضي. ففي لِحظةٍ مَا في الماضي، مُتُّمْ عنِ الخطيَّة. فقد مُتُّمْ عَنها. فَكَيْفَ تَعِيشُونَ بَعْدُ فِيهَا؟

والآن، أُريدُ مِنْكُمْ فقط أنْ تَرسِموا دائرة صغيرة حولَ تلكَ العِبارة: "مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّة" في كِتابِكُم المُقدَّس لأنَّها المِفتاحُ أوِ المُقدِّمة المَنطقيَّة الرَّئيسيَّة لِكُلِّ الحُجَّةِ المذكورة في هذا الأصحاح. وسوفَ يَتطلَّبُ الأمرُ الأصحاحَ كُلَّهُ حَقًّا لتوضيحِ أهميَّةِ هذه الفِكرة. ولكِنَّنا سَنتحدَّثُ قليلاً عن ذلك في هذا المساء.

والآن، ما الَّذي يَقولُهُ؟ رَكِّزوا مَعي لأنَّ فَهْمَ هذه النُّقطة مُهِمٌّ جِدًّا لِفَهمِ بَقيَّةِ الأصحاح. فالموتُ والحياةُ ليسا مُتوافِقَيْن. وما أَعنيه هو: لا يُمكِنُكَ أنْ تكونَ مَيْتًا وحَيًّا في الوقتِ نفسِه. هل تُوافِقونَني الرَّأي؟ وما أعنيه هو أنَّ هذهِ استِحالَة مَنطقيَّة. فلا يُمكِنُكَ أن تكونَ مَيْتًا وحَيًّا. صحيحٌ أنَّ بعضًا مِنكُم قد يكونونَ أحياء ولكِنَّهُم يَبدونَ أمواتًا. وأحيانًا، قد تَذهبونَ إلى جَنازَة فَتَرَوْنَ شَخصًا مَيْتًا ولكنَّهُ يَبدو حَيًّا. ولكِنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تكونَ مَيْتًا حَقًّا وأنْ تَكونَ حَيًّا حَقًّا في الوقتِ نفسِه. فَهُما ليسا مُتوافِقَيْن. لِذا، فإنَّ هُناكَ تَناقُضًا مَنطِقِيًّا جوهريًّا في أنْ يَعيشَ المَسيحيُّ في الخطيَّة بعدَ أنْ مَاتَ عَنْها. أَتَرَوْن؟

ففي لَحظةٍ مُعَيَّنَةٍ في الماضي، وفي نُقطةٍ مُحَدَّدةٍ في الماضي، انفَصَلْتَ عنِ الخطيَّة. وهذا جُزءٌ مِن هُوِيَّةِ المُؤمِن. لِذا، لا يَستطيعُ المؤمنُ أنْ يَعيشَ في الخطيَّة. فإنْ كانَ هُناكَ شَخصٌ يَعيشُ في الخطيَّة، وإنْ بَقِيَ في الخطيَّة، وإنِ استمرَّ في الخطيَّة، فإنَّهُ ليسَ مُؤمِنًا. وهذا لا يَختَلِفُ في شيء عَمَّا قالَهُ يوحنَّا في رسالة يوحنَّا الأولى. فالشَّخصُ الَّذي يُولَدُ مِنَ الله لا يَستطيعُ أن يَستمرَّ في اقترافِ الخطيَّة. والشَّخصُ الَّذي يَفعلُ ذلكَ وَيَبقى في الخطيَّة يُبَرْهِنُ على حَقيقَةِ أنَّهُ لم يَخْرُجْ يَوْمًا مِنْ ذلكَ النِّطاق. فهو لم يَمُتْ يَوْمًا عَنْها. فهو ما يَزالُ يَعيشُ في ذلكَ النِّطاق.

والآن، إنْ كُنتُم ستنظرونَ إلى الخطيَّةِ كَعَالَم، أو كُنتُم ستنظرونَ إلى الخطيَّةِ كَنِطاق، يُمكِنُكم أن تقولوا إنَّ المؤمِنَ لم يَعُد يَعيشُ في ذلكَ العَالَم، وإنَّ المؤمنَ لم يَعُد يَعيشُ في ذلكَ النِّطاق. وكما تَعلمونَ، فإنَّنا نَقرأُ في المزمور 37 أنَّ شَخصًا مُعَيَّنًا مَاتَ. "عَبَرَ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَالْتَمَسْتُهُ فَلَمْ يُوجَدْ". وبالمَعنى الحَقيقيِّ، فإنَّ الأمرَ كذلك فيما يَختصُّ بالخطيَّة. فالمؤمِنُ لم يَعُد موجودًا هُناك. فقد ماتَ عنِ الخطيَّة.

والآن، إنَّ أذهانَكُم تَعْمَلُ الآنَ، وأنتُم تَقولون: "مَهْلاً مِن فَضلِكَ، يا ماك آرثر!، ما الَّذي تَعنيهِ بذلك؟ هل أنتَ تَقولُ إنَّ المؤمنينَ لا يُمكِن أن يُخطئوا؟" هل قُلتُ ذلك؟ أنا أَقولُ وَحَسْب ما قالَهُ بولس. والآن، اصْبِروا قليلاً إلى أنْ تَكْتَمِلَ الحُجَّة. وسوفَ نَصِلُ إلى ذلكَ السُّؤال. ولكِنَّ النُّقطةَ الَّتي نَوَدُّ أن نُبَيِّنَها هنا هي أنَّهُ كَيفَما فَسَّرْتَ هذهِ الآية، فإنَّنا مُتْنا عنِ الخطيَّة ولم نَعُد نَعيشُ في ذلكَ النِّطاق. فنحنُ لم نَعُد نَعيشُ في ذلكَ الإطار. فقد انتقَلنا مِن مَملكةِ الظُّلمةِ إلى مَملكةٍ أخرى.

والآن، اسمَعوني: إنَّ هذا يَعني (كما قُلتُ سابقًا) أنَّ الخلاصَ ليسَ مُجَرَّدَ شَيءٍ قَضائيٍّ، بل هو شيءٌ حَقيقيّ. وهو ليسَ مُجَرَّد حَقيقة نَظريَّة عن عَمليَّة تَحْدُث، بل هُوَ حَقيقة واقِعَة مِنْ جِهَةِ التَّغيير. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ [ماذا؟] خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ". وأعتقد أنَّ "ستيفلر" (Stifler)، المُفَسِّر، هو الَّذي قال...أعتقد أنَّهُ هُوَ. وأنا لا أُريدُ أن أقولَ على لِسانِهِ شيئًا لم يَقُلْهُ، ولكنِّي أعتقد أنَّهُ قالَ: "لقد ماتَ [المَسيحُ] لا فقط عَمَّا فَعَلتُهُ أنا، بل أيضًا عَنِّي بِجُملَتي". وهذا مُهِمٌّ جِدًّا. فقد ماتَ لا فقط عَمَّا فَعَلتُهُ أنا، بل أيضًا عَنِّي بِجُملَتي.

وفي رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح الخامِس...وإنْ كُنتُم تَشعرونَ بالتَّشويش، اصْبِروا قليلاً حَتَّى نُوَضِّحَ الأمر. ففي رسالة كورنثوس الثانية 5: 14، إذْ نَوَدُّ أنْ نُقَدِّمَ لكم آياتٍ أخرى، نَقرأ: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا [أو نَرى أوْ نُؤكِّدُ]: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا [ماذا؟] مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ". والآن، إنَّهُ يَقولُ إنَّنا نَقولُ هذا، أو نُؤكِّدُ هذا: أنَّهُ إنْ كانَ المسيحُ قد ماتَ، فإنَّنا قد مُتْنا جميعًا أيضًا. وإنْ كُنَّا جميعًا قد مُتنا، فإنَّنا لم نَعُد نَعيشُ كما كُنَّا نَعيشُ مِن قَبل، بل نَعيشُ الآنَ حَياةً جديدة. ونحنُ نَعيشُ لأجلِهِ. وهذه نفس الفِكرة. فهي نفسُ الفكرة تمامًا. فقد مُتنا عنْ نِطاقِ الخطيَّةِ الَّتي كانت تَستعبِدُنا.

والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة كولوسي 3: 3: "اهْتَمُّوا" [في العدد الثَّاني] بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ". وقد تَقول: "كيفَ أفعلُ ذلك؟" إليكَ الطَّريقة: "لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ". فقد مُتُّمْ عن ماذا؟ عَنْ نِطاقِ الخطيَّة. "وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ". والمَسيحُ، الَّذي هو حَياتُنا، سَيُظْهَرُ. فنحنُ لَدينا نِطاقٌ جديد، وبُعْدٌ جديد، وإطارٌ جديدٌ نَعيشُ فيه. ونَقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 9: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ".

لقد تَشَوَّشَ النَّاسُ بخصوصِ هذه المفاهيمِ وهذهِ النُّصوصِ لأنَّهُم يَخْشَوْنَ أنَّها تَعني استئصالَ الطَّبيعةِ الخاطئة. وقد سَألَني أُناسٌ هذا السُّؤال. فالنَّاسُ يَقولون: "هل تُؤمِن باستئصالِ الطَّبيعةِ الخاطئة؟" أيْ "هل تُؤمِن بأنَّكَ عندما تَصيرُ مَسيحيًّا فإنَّكَ تَصيرُ في ذاتِ اللَّحظةِ كامِلاً؟" وجوابي هو الآتي: "هل تَمْزَحون؟ فأنا رَاعي كنيسة. وأنا أَعرِفُ الإجابة الصَّحيحة. فأنا أَعرفُ الإجابة الصَّحيحة مِن خلالِ حياتي الشَّخصيَّة وحياةِ كُلِّ شخصٍ آخر". إنَّ كُلَّ ما أقولُهُ لكم هو ما يَقولُهُ بولس هُنا. وسوفَ نَرى كيفَ يَتوافَقُ كُلُّ هذا الكلامِ مَعًا في أثناءِ تَقَدُّمِنا في الدِّراسة. ولكِنَّ المُؤمِنَ لا يُمكِن أن يَبقى، أو يَسكُنَ، أو يُقيمَ، أو يَمْكُثَ في الخطيَّة بالطَّريقةِ الَّتي كانَ يَفعلُها قبلَ اهتِدائِه. فقد ماتَ عنِ الخطيَّة.

والآن، لقد نَظَرْنا إلى المُعتَرِضِ والرَّدّ.

وَلننظُر الآنَ إلى الحُجَّة. وهي تَبتدئ بالتَّكَشُّفِ في العددِ الثَّالث. وسوفَ نَبتدئ فيها بإيجاز. راقِبوا كيفَ تَتَكَشَّف. فإليكُم كيفَ يَشرحُ ما قَصَدَهُ عندما يَتحدَّثُ عنِ الموتِ عنِ الخطيَّة. فما الَّذي تَعنيهِ بذلكَ حقًّا؟ إليكُم تَفسيرَهُ. وَهُوَ يُقَدِّمُهُ في سِلسلةٍ مِنَ الجُمَل المنطقيَّة. فهذا الكلامُ مَنطقيٌّ جِدًّا. ويجب عليكم حقًّا أن تُفَكِّروا معَ بولس. فهو يُفَكِّرُ تَفكيرًا قانونيًّا هنا. وهو يُناقشُ هذه المسألة كما لو كانت حُجَّةً قانونيَّة. وهي حُجَّة مَنطقيَّة جِدًّا. وهي تَتَدَفَّقُ بانسيابٍ شديدٍ مِنْ جِهَةِ تَدَفُّقِ الأفكار. ولكنَّهُ يَشُقُّ طريقَهُ مِنَ العدد 3 إلى العدد 14 بسلسلةٍ مِنَ الحقائق، واحدةً تِلْوَ الأُخرى، كاشِفًا لنا مَعني أنَّنا مُتْنا عنِ الخطيَّة.

وإذْ نَشُقُّ طَريقَنا، فإنَّ المبدأَ الأوَّلَ هُوَ الآتي: لقدِ اعْتَمَدْنا للمسيح. هل تَرَوْنَ هذا المبدأَ في العددِ الثَّالث؟ "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ؟" انظروا فقط إلى النِّصفِ الأوَّل مِنَ الآية. فهذا هو المبدأُ الأوَّلُ الَّذي أُريدُ منكم أن تَرَوْه. فقدِ اعْتَمَدْنا ليسوعَ المسيح. فعندَ اهتدائِنا، اعتَمَدنا ليسوعَ المسيح. وما مَعنى ذلك؟ ما معنى ذلك؟ لنتحدَّث عنِ المَفاعيل. فالشَّخصُ الَّذي يُفَكِّرُ (ولو مُجَرَّدَ فِكرة) بالسُّؤالِ عَمَّا إذا كانَ باستطاعةِ المؤمنِ أنْ يُخطئ إنَّما يُظْهِرُ عَدَمَ فَهْمِهِ لِمَعنى أن يكونَ مؤمِنًا. فأنتَ لستَ مُجَرَّدَ شخصٍ تَمَّ تَبريرُهُ قانونيًّا فَيَختارُ أن يَفعلَ ما يَشاء. فعندما صِرتَ مَسيحيًّا، اتَّحَدْتَ اتِّحادًا حميمًا وحَيًّا بيسوعَ المسيح. وأنا أعتقد أنَّ هذه هي أفضل طريقة لِفَهمِ ذلك. فالخلاصُ لا يعني أنَّ اللهَ يَجلسُ في السَّماءِ ويَنظُر إلى السِّجلِّ بحثًا عنِ اسمِ "ماك آرثر"، ثُمَّ إنَّهُ عندما يَرى العِبارة: "خاطئٌ ذاهبٌ إلى جَهَنَّم" فإنَّهُ يَشطُبُها ويَختِمُها بِخَتْم: "مُخَلَّص". فالخلاصُ لا يَحدُث هكذا.

فهو ليسَ شيئًا يَحدُثُ في السَّماءِ ولا صِلَةَ لَهُ بي. فعندما أصيرُ مسيحيًّا، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ إنَّ حياتي تَصيرُ مُتَّحِدة بحياةِ يسوعَ المسيح. وإنْ أردتُم أن تَستخدِموا المَعنى الصَّحيح للكلمة "بابتيتزو" (baptize)، فإنَّني مُغَطَّسٌ في يسوعَ المسيح. وهذه فكرة عظيمة. فعندما صِرْتَ مسيحيًّا فإنَّكَ تَغَطَّسْتَ في يسوعَ المسيح. فقدِ اتَّحَدْتَ بيسوعَ المسيح. وإنْ أردتُم أن تَدرسوا، مَثَلاً، بِضْعَ آياتٍ أُخرى، إليكُم بِضْعَ آياتٍ يُمكِنُكم أن تُدَوِّنوها. فرسالة كورنثوس الأولى 10: 2 تَتحدَّث عنِ الاعتِمادِ لِمُوسَى. فهي تتحدَّثُ عن أنَّ بَني إسرائيلَ في البَريَّة اعتَمدوا لِمُوسى. والمقصودُ بذلك هو أنَّهم صَاروا تحتَ قيادةِ مُوسى، واشتركوا في قيادةِ مُوسى، واشتركوا في امتيازاتِ مُوسى، واشتركوا في بَرَكاتِ مُوسى؛ أيْ أنَّ ما فَعَلَهُ اللهُ في حَياتِهِ وَصَلَ إلى النَّاسِ الَّذينَ تَبِعوه.

لِذا فإنَّ الاعتمادَ لِمُوسَى يعني الاشتراكَ في كُلِّ ما كانَ اللهُ يَفعلُهُ في حياةِ مُوسى. وهذا تَشبيهٌ جَيِّد. فقد اتَّحَدَ بنو إسرائيلَ (بِمَعنى مِنَ المَعاني) بِمُوسى لأنَّهُ كانَ قائدًا لَهُم. وقد كانَ المِرساةَ الَّتي تُثَبِّتُهُم في الله. وقد كانَ القَناةَ الَّتي يَتكلَّمُ اللهُ مِن خلالها. وقد كانَ الشَّخصَ الَّذي أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَأظهَرَ مَجدَ اللهِ. وقد كانوا في مُوسى، وكانوا مُتَّحِدينَ بِهِ. وبصورةٍ أكثر عُمْقًا ودِقَّةً، فإنَّنا اعْتَمَدْنا ليسوعَ المسيح. فقد وُضِعْنا وَغُطِّسْنا عَميقًا في المسيح.

"والآن، أعتقد أنَّ الكَلامَ مَجازِيٌّ هُنا. وهذا يعني أنَّهُ لا يَتحدَّثُ عنِ الماءِ العادِيِّ. بل أعتقد أنَّهُ يَتحدَّثُ بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَتحدَّثُ فيها عنِ المعموديَّة في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 12 عندما يقولُ إنَّنا اعْتَمَدْنا بالرُّوحِ القُدُس. وهو لا يتحدَّثُ عنِ الماءِ هُنا، بل يتحدَّثُ عن خِدمةِ التَّغطيسِ إذْ إنَّ رُوحَ اللهِ، أوْ بالحَرِيِّ: المَسيح، هُوَ المُعَمِّد. وَهُوَ يَقومُ مِن خلالِ رُوحِ اللهِ بِتَغطيسِنا في الرُّوحِ؛ وبالتَّالي في الكنيسة الَّتي تَمْلِكُ ذاتَ حَياةِ الرُّوح. وهذه أفكار عميقة، ولكنَّها كَلِماتٌ تَحْمِلُ مَعْنىً مَجازيّ. فنحنُ مُتَّحِدونَ أو مُغَطَّسونَ عَميقًا في يسوعَ المسيح. وهي تُشيرُ إلى شَرِكَةٍ حَميمةٍ وشخصيَّة.

ونَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى عن ذلك: "وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ". وقد قالَ يسوعُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 28: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ [إلى مَتى؟] كُلَّ الأَيَّام". وقد قالَ بولس إلى أهلِ كورِنثوس (في رسالة كورِنثوس الأولى 6: 17): "وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ [ماذا؟] رُوحٌ وَاحِدٌ". لِذا، عندما تَصيرُ مَسيحيًّا فإنَّكَ تَتَّحِدُ بِهِ.

ويَقولُ واحِدٌ مِنَ الكُتَّاب: "إنَّ إدْخالَ (أوْ وَضْعَ) شَخصٍ أو شيءٍ في بيئة جديدة، أو جَعْلَهُ يَتَّحِدُ بشيءٍ آخر بطريقةٍ تُغَيِّرُ حَالَتَهُ أو علاقَتَهُ ببيئَتِه السَّابقة هو أفضلُ تَعريفٍ للكلمة "بابتيتزو" (baptize). فهو يَعني أنْ نُوْضَعَ في بيئة جديدة، وأنْ نُوضَعَ في اتِّحادٍ جديد، وفي علاقةٍ جديدة بأحوالٍ جديدة مُختلفة تمامًا.

لِذا فإنَّ بولسَ يَعني هُنا ما يَلي: "انظروا! عندما خَلُصتُم، تَمَّ وَضْعُكُم في يسوعَ المسيح". وهذه فِكرة رائعة جِدًّا. وسوفَ أكونُ صادقًا مَعَكُم هُنا: لن تَفهموا ذلكَ تمامًا إلَّا عندما تَذهبونَ إلى السَّماء. فأنا لا أَفهمُ ذلكَ تمامًا. ولكنِّي أرى فقط ما هُوَ مَكتوب، وأنا أَقبلُ ذلكَ بالإيمان. ونحنُ نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة 3: 27: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ". وَهُوَ هُنا يُساوي بينَ لِبْسِ المَسيحِ والاعتمادِ للمَسيحِ ويَنظُرُ إليهما كشيءٍ واحد. فهُما طَريقَتانِ مُختلفتانِ وَحَسْب للتحدُّثِ عن ذلك. فَبِمَعنى مِنَ المَعاني، إنَّهُ أَشْبَهُ بالتَّغطيسِ في المسيح. بعبارة أخرى، كأنَّكَ تَلْبَسهُ.

ويَتحدَّثُ الأصحاحُ الثَّاني مِن رسالةِ كولوسي عنِ الأمرِ نَفسِهِ في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 11: "وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ. مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ". لِذا، بِمَعنى مِنَ المَعاني، لقد خُتِنْتُمْ بِهِ. وقد عُمِّدتُمْ بِموتِهِ. وقد دُفِنْتُمْ مَعَهُ. وقد قُمْتُمْ مَعَهُ. فقدِ اتَّحَدْتُمْ بالمسيح. وهذا مُذهلٌ. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ هذا هو السَّببُ المُحَدَّدُ الَّذي جَعَلَ بولسَ يقولُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح السَّادس: "كيفَ تَتَّحِد بالزُّناة؟" لأنَّكَ حينَ تَفعل ذلك فإنَّكَ تَجْعَلُ المسيحَ يَتَّحِدُ مَعَ الزُّناة لأنَّكَ مُتَّحِدٌ بِهِ.

"وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا" (في أفسُس 2: 5) أَحْيَانَا [استمعوا إلى هذه الكلمات] مَعَ الْمَسِيحِ...وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ". فقد مُتْنا معَ المسيح. وقد قُمنا معَ المسيح. وقد صَعِدْنا مَعَ المسيح. ونحنُ نَملِكُ معَ المسيح. وَهُوَ يقولُ في نهايةِ الأصحاحِ الثَّالثِ مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي".

لِذا، اسمعوني: مِنْ خِلالِ هذه الآياتِ وَحدِها، إنْ أَغلَقْنا رسالةَ رُومية وذهبنا إلى بُيوتِنا، سَنَعلمُ أنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أنْ يَستمرَّ أيُّ شخصٍ في نفسِ العلاقةِ بالخطيَّة كما كانَ قبلَ ذلك لأنَّهُ مُتَّحِدٌ بيسوعَ المسيح الَّذي هو قُدُّوسٌ مِنَ الأزل إلى الأبد.

والآن، قد يَظُنُّ أُناسٌ أنَّهُ يتحدَّثُ هنا عن مَعموديَّةِ الماء. وَلْيَكُنِ اللهُ في عَوْنِهِم. فهذهِ آية جَافَّة (إنْ جَازَ التَّعبير). ولكنِ اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: لا يَسَعُكُم إلَّا أنْ تُدركوا أنَّهُ يوجد وراءَ الكواليس بعضَ الماءِ بسببِ انْتقاءِ الكلمات. فقد يقولُ قائِلٌ: "حسنًا! لِمَاذا لَمْ يَقُلْ وَحَسْب: ’كُلُّ مَن يُؤمِنُونَ بالمسيح يُؤمِنُونَ بِموتِهِ، ويُؤمِنُونَ بقيامَتِهِ، وَهُمْ مُتَّحِدونَ بِهِ؟‘ فلماذا يَستخدِمُ الكلمة ’اعْتَمَدْنا‘؟" لأنَّ المعموديَّةَ (ذلكَ العَمَلَ الرَّمزيَّ البَديعَ والرَّائع) صارَ العلامةَ الخارجيَّة لإيمانٍ داخليّ. فهو لا يُنادي بالخلاصِ بمعموديَّةِ الماء. فهذا يَتناقَضُ معَ الأصحاحات 3 و 4 و 5. ولكِنْ لا وُجودَ للماءِ في أيٍّ مِن هذه الأصحاحاتِ، بالمُناسَبة. فهو لا يُنكِرُ أيَّ شَيءٍ قَالَهُ.

ولكنِ اسمعوني: في تلكَ الأيَّام، كانت مَعموديَّةُ الماءِ علامة ثابتة على الإيمان. وفي أغلبِ الأحيان، عندما تَقرأونَ في الكتابِ المقدَّسِ الكلمة "مَعموديَّة"، يُمكِنُكم أن تَستبدلوها بالكلمة "إيمان" لأنَّ الكاتِبَ يَرى هَذينِ الأَمْرَيْنِ شيئًا واحدًا. فالمعموديَّةُ هي العلامةُ الخارجيَّةُ للإيمان. فالنَّاسُ الَّذينَ كانوا يُؤمِنونَ بالمسيحِ في تلكَ الأيَّامِ كانوا يَعْتَمِدون.

لِذا، استطاعَ بولسُ أن يقولَ إنَّ المسيحَ لُبِسَ في المَعموديَّة (في رسالة غلاطيَّة 3: 27)، واستطاعَ بُطرسُ أن يقولُ "الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ" (في رسالة بُطرس الأولى 3: 21). وقدِ استطاعَ بولسُ أنْ يقولَ في الرِّسالة إلى تيطُس إنَّ المسيحَ: "خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي" (رسالة تيطُس 3: 5). وقد أَمْكَنَ القَولُ إنَّ خَطايانا قد غُسِلَتْ (في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 22: 16). وفي كُلِّ هذهِ الحالات، نحنُ لا نَقولُ إنَّنا خَلُصْنا بالماء، ولكِنَّ المَعموديَّةَ صارتْ رَمزًا للإيمان. لِذا فإنَّها تُستخدَمُ كَمُرادِف.

ورُبَّما كانَ أَهْلُ رُومية يَعرفونَ تَمامًا عنِ المعموديَّة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العددِ الثَّالث: "أَمْ تَجْهَلُونَ؟ أوْ أنَّكُمْ نَسَيْتُمْ ما تَرمِزُ إليهِ المَعموديَّة؟" وهذا هو جَمالُ المعموديَّة. لِذا فإنَّني مُقتنِعٌ أنَّ المَعموديَّة الوحيدة الصَّحيحة هي بالتَّغطيس لأنَّها الطَّريقة الوحيدة الَّتي تُبَيِّن تمامًا دُخولَ المؤمنِ في وَحْدَة كاملة واتِّحادٍ تامٍّ بيسوعَ المسيح. بالتَّغطيس. فهو يقول: "أَمْ أنَّكُم تَجهلونَ مَعنى مَعموديَّتِكُم؟ أَلا تَعلمونَ أنَّها تَرمِزُ إلى الواقعِ الرُّوحِيِّ لِتَغطيسِكُم في يسوعَ المسيح؟" والشَّيءُ المُحْزِنُ والمأساويُّ هو أنَّ ذلكَ الرَّمْزَ صارَ حَقيقةً بالنِّسبةِ إلى أشخاصٍ كثيرين. فالتّفكيرُ الدُّنيويُّ يُحَوِّلُ الرَّمزَ دائمًا إلى حَقيقة ويُلغي الحقيقة.

لِذا، فإنَّنا نَرى الحقيقةَ الأولى العَظيمة. فنحنُ مُتَّحِدونَ بيسوعَ المسيح. وهذ فكرة رائعة. فنحنُ واحِدٌ مَعَهُ. وأعتقد أنَّ بُطرسَ يَقولُ ذلكَ بأروع طريقة مُمكِنَة في رسالة بطرس الثانية 1: 3: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". فعندما خَلُصتُم، وَهَبَتْكُم قُدرَتُهُ كُلَّ ما هو للحياةِ (أيِ الحياةَ الحقيقيَّة والحياةَ الرُّوحيَّةَ) والتَّقوى. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العددِ الرَّابع: "اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ". فالخلاصُ أَنْقَذَكُمْ مِنَ الفَسادِ، وجَعَلَكُم شُركاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، وَوَهَبَ لَكُم كُلَّ ما هُوَ للحياةِ والتَّقوى. وهذا حَقٌّ عظيمٌ وَحَسْب. وهذا هو المبدأُ الأوَّل.

ولننظُر إلى المبدأ الثَّاني. وسوفَ نَتوقَّفُ عِنْدَهُ. فنحنُ مُقترنونَ لا بالمسيحِ وَحَسْب، بل تحديدًا بموتِهِ وقيامَتِه. فالعدد 3 يقول: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ". والآن، لِنتأمَّل في هذه الآية قليلاً:

أوَّلاً، لقد اعْتَمَدنا (أو غُطِّسْنا) في مَوتِهِ. وما المقصودُ هُنا؟ المقصودُ هو أنَّ أوَّلَ شَيءٍ يحدث عندما تَخلُص هو أنَّكَ تَحضُرُ جَنازَتَك. فالأمرُ كُلُّهُ يَبتدئُ مِن هُنا. فأنتَ تَموتُ عنِ الخطيَّة. والآن، انظُروا إلى العدد 4: "فَدُفِنَّا" – وهذه الآية تَرتبطُ بالفكرة الواردة في العددِ الثَّالث: "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ" (أيْ بالمعموديَّة الرُّوحيَّة، لا بمعموديَّةِ الماءِ) لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟" إذًا، نحنُ نُدْفَنُ بِموتِهِ ونقومُ بقيامَتِهِ. وهذه جُملة مُدهشة. فنحنُ "دُفِنَّا [في العدد 4] مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ". ثُمَّ إنَّنا نَجِدُ كلمةً تَدُلُّ على القَصْدِ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ وتَعني: "لِكَيْ نَقومَ وِنَسلُكَ في جِدَّةِ الحياة".

والآن، ما الَّذي قَصَدَهُ؟ عندما خَلَصْتَ...والآن استمعوا إلى ما سأقول: لا يمكننا أن نُفَسِّرَ ذلكَ في نهايةِ المطاف إلَّا بالمَعنى البسيط. فعندما خَلَصْتَ، وعندما جِئتَ إلى يسوعَ المسيحَ وآمنتَ بِهِ، تَمَّ وَضْعُكَ (بمُعجزةٍ إلهيَّةٍ) في يسوعَ المسيح. وقد تَمَّ إرجاعُكَ أَلْفَيّ سَنَة إلى الوراء، ومُتَّ، ودُفِنْتَ. وقد دُفِنْتَ لكي تَموتَ طَبيعَتُكَ القديمة، ولكي تَقومَ وتَسلُكَ في ماذا؟ في جِدَّةِ الحياة. فقد حَدَثَ مَوتٌ. وما خَرَجَ مِن ذلكَ القَبر هو شيءٌ يَختلف تمامًا عَنِ الشَّيءِ الَّذي دُفِنَ فيه. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ".

إذًا، لقد كانتِ الغَايةُ مِن مَوتِكَ عنِ الخطيَّة هي أنْ تَعيشَ لله. والآن، يا أحبَّائي، أعتقد أنَّ هذا الحَقَّ بسيطٌ جدًّا. فالمؤمنونَ مُختلِفون. لِذا، عندما تَقول: "حسنًا، لِنَعِش في الخطيَّة". لا، لا، لا! لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. وهذا لا يعني أنَّكَ لم تَحصُل على الإذنِ بالقيامِ بذلك، بل أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلكَ لأنَّكَ تَعيشُ في نِطاقٍ مُختلِف. فلا يُمكنكَ أنْ تَستمرَّ في العَيشِ في الخطيَّة. ولا يُمكنُكَ أن تَستمرَّ في القيامِ بنفسِ العاداتِ وأنْ تَبقى في الخطيَّة الَّتي كانت السِّمَة الرَّئيسيَّة في حياتِكَ السَّابقة. فيجب أنْ تكونَ حياتُكَ مُختلفة.

"حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ..." (انظروا إلى العدد 4). "حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ" – والمَجدُ يُشيرُ هُنا إلى كُلِّ كَمالاتِ اللهِ: جَلالِهِ، وقُدرَتِهِ، وسُمُوِّهِ. فكَمَا أُظْهِرَ ذلكَ مِنْ خِلالِ قيامةِ يَسوعَ المَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، فإنَّكُم ستقومونَ مِنْ ذلكَ القَبْرِ كي تَسلُكوا في جِدَّةِ الحياة. ولاحِظوا أنَّ الآيةَ تقول: "هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ". فهي لا تقول: "يجب علينا أنْ نَسلُك" بِدافعِ الالتزام، بل "هكذا نَسلُكُ" إشارَةً إلى عَمَلٍ إلهيّ. ويمكنكَ أن تقولَ هُنا: "كي نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الحَيَاة". فنحنُ نَسلُك حَقًّا في جِدَّةِ الحَياة.

وهل تَعلمونَ شيئًا؟ أنا مُؤمِنٌ، وحياتي مُختلِفة عَمَّا كانتْ عليهِ في السَّابق. أجل. وقد عَبَّرَ أحدُ الأشخاصِ عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: "أنا لستُ كما ينبغي أن أكون؛ ولكنِّي، بِكُلِّ تأكيد، لستُ كما كُنتُ سابقًا". أليسَ كذلك؟ وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فأنا مُختلِف. لِذا، عندما يأتي شخصٌ ويقول: "أنا أعيشُ وَحَسْب نَفسَ حياتي القديمة، ولكنِّي جَلَبْتُ يَسوعُ إليها". لا! فَلا يُمكِنُكَ أنْ تُضيفَ يسوعَ (كما لو كانَ مِلْحًا إلهيًّا) إلى حَياتِكَ البشريَّة. وهذه حقيقة مُهمَّة جدًّا. فعندما تأتي إلى المسيح، فإنَّكَ تُغَطَّسُ في مَوتِهِ وتَقومُ لِتَسلُكَ في جِدَّةِ الحياة. فأنتَ إنسانٌ مُختلفٌ تمامًا. فنحنُ نَموتُ في المسيح لكي نَحْيا في المسيح. ونحنُ نَشترِكُ في موتِهِ لكي نَشترِكَ في حَياتِهِ. ونحنُ نَتبرَّرُ لكي نَتقدَّس. فَهُما حَقيقَتانِ لا تَنفصلان.

وقد قالَ "تشارلز هودج" (Charles Hodge)، اللَّاهوتِيُّ العَظيم: "لا يوجد اشتراك في حياةِ المسيح بِدونِ الاشتراكِ في مَوتِه. ولا يمكننا أن نَتمتَّعَ بمزايا موتِهِ ما لم نَشترِك في قوَّة حياتِه. ويجب علينا أنْ نَتصالح معَ اللهِ كي نَكونَ قِدِّيسينَ. ولا يُمكِنُنا أنْ نَتصالَحَ مَعَهُ مِن دونِ أن نَصيرَ قِدِّيسين".

لِذا، كما أنَّ المسيحَ ماتَ وقام، فإنَّ شَعبَهُ يَموتُ عنِ الخطيَّة ويقومُ ليحيا معَ الله. وكما أنَّ قيامةَ المسيحِ كانت النَّتيجة الحَتميَّة لموتِه، فإنَّ حَياةَ المؤمنِ المُقدَّسة هي النَّتيجة الحَتميَّة لقيامَتِهِ وموتِهِ عنِ الخطيَّة. ونحنُ الآنَ نَسلُكُ في جِدَّةِ الحياة.

وما هي هذه؟ ما هي جِدَّةُ الحياة؟ "كاينوس" (kainos). فهي ليست "نيئوس" (neos). فهي ليست جديدة بالمَعنى الزَّمنيّ، بل هي جديدة مِن جِهَةِ النَّوعيَّة. فهي نَوعٌ جديدٌ مِنَ الحياة. وهي نوعيَّة جديدة مِنَ الحياة تَختلِف عنِ الحياةِ السَّابقة. فالبِرُّ صارَ الآنَ نَمَطَ حياتِنا. وفي حين أنَّنا كُنَّا نعيشُ في الماضي في الخطيَّة بِكُلِّ مَعنى الكلمة، فإنَّنا نَعيشُ الآنَ حَياةً تَتَّسِمُ بالبِرّ. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ الخطيَّةَ تَظْهَرُ هُنا وهُناك. أليسَ كذلك؟ وسوفَ نَعرِفُ السَّببَ، بالمُناسبة، عندما نَصِلُ إلى الأصحاحِ السَّابع. لِذا، ابْقَوْا مَعي.

ولكِنَّنا نَمْلِكُ حياةً جديدة...حياةً مُقدَّسة. فقد حَدثَ شيءٌ ما. والكتابُ المقدَّسُ يَتحدَّثُ عن ذلكَ بعباراتٍ جميلة جِدًّا. فالأصحاح 36 مِن سِفْرِ حِزْقيال يُسَمِّي ذلكَ "قَلْبًا جديدًا". والأصحاح 18 مِن سِفْرِ حِزْقيال يُسَمِّي ذلكَ "رُوحًا جديدةً". والأصحاحُ الخامِسُ مِن رسالة كورنثوس الثانية يُسَمِّي ذلكَ "خَليقةً جَديدة". ورسالة غلاطيَّة 6: 15 تُسَمِّي ذلكَ "خَليقةً جديدة". ورسالة أفسُس 4: 24 تُسَمِّي ذلكَ "الإنسانَ الجَديد". وسِفْرُ الرُّؤيا 2: 17 يُسَمِّي ذلكَ "اسْمًا جديدًا". ونَقرأُ في المَزمور 40 أنَّنا أُعطينا "تَرنيمةً جديدة". فَكُلُّ شيءٍ قد صَارَ جَديدًا.

ولاحِظوا ما تَقولُ الآية: "هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ". اسمعوني الآن: إنَّها ليست خَليقةً جديدةً فحسب، بل هي خَليقة جديدة تَحيا حياةً مُختلفة. وما مَعنى الكلمة "نَسْلُك" في العهدِ الجديد؟ إنَّها الكلمة الَّتي تُشيرُ إلى ماذا؟ إلى السُّلوكِ الرُّوحِيِّ اليوميّ. فعندما تَصيرُ مَسيحيًّا فإنَّكَ تَبتدئُ بالسُّلوكِ في نَوعٍ مُختلفٍ مِنَ الحياة. وما نوعُ الحياةِ الَّتي يَمْلِكُها يسوع؟ حياة مُقدَّسة. فإنْ كانتِ الحياةُ القديمة تَتَّسِمُ بالشَّرِّ، فإنَّ الحياةَ الجديدة تَتَّسِمُ بالبِرّ.

وبولسُ يُؤكِّد هذا الحَقَّ العظيمَ في العددِ الخامِس باستخدامِ تَشبيهٍ آخر لتلخيصِ فِكرَتِه: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا..." [وَكُمْ أُحِبُّ هذه الآية] "سومفوتوس" [sumphutos]...إنْ كُنَّا قد صِرْنا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ". ولا يُمكنُني أن أُخبرَكُم ما يَفْعَلُهُ ذلكَ اللَّفْظَ بي. فالكلمة تَعني: "يَنمو معًا"؛ أيْ: إنْ كُنَّا نَنمو معَ يسوعَ المسيح. ولاحقًا (في الأصحاحِ التَّاسِع مِن رسالة رُومية) يَتحدَّث بولس عنِ الأغصانِ الَّتي طُعِّمَتْ في الشَّجرة: "إنْ كُنَّا نَنْمو معًا". ويوحنَّا يتحدَّثُ عنِ الكَرمةِ والأغصان. "إنْ كُنَّا نَنمو معَ المسيح، وإنْ كانت حياتُهُ موجودة فينا، وإنْ كانَ هُوَ يَسكُنُ فيها، وإنْ كانَت قُوَّتُهُ فينا هي الَّتي تَجعَلُنا مُثمِرين، وإنْ كانَ هُوَ مَعَنا، فإنَّنا نَتحرَّكُ معًا ونَنمو معًا. وإنْ كُنَّا قدِ اتَّحدنا مَعَهُ في موتِهِ، فإنَّنا نَتَّحِدُ مَعَهُ أيضًا في قيامَتِه.

وقد قالَ الأُسقُف "مُوْل" (Bishop Moule): "لقد نِلْنا المُصالحةَ لكي نَسلُكَ الآنَ لا بَعيدًا عنِ اللهِ كما لو أنَّنا قد أُعْتِقْنا مِن سِجْنٍ، بل كي نَسلُكَ معَ اللهِ بِصِفَتِنا أولادًا لَهُ في ابْنِهِ. فلأنَّنا تَبَرَّرنا، يجب علينا أن نكونَ قِدِّيسينَ، وأن نَنفصلَ عنِ الخطيَّة، وأنْ نُفْرَزَ لله؛ لا فقط كدليلٍ على أنَّ إيمانَنا حقيقيٌّ وأنَّنا آمِنونَ مِنَ النَّاحيةِ القانونيَّة، بل لأنَّنا تَبَرَّرنا لأجلِ هذه الغاية تحديدًا كي نكونَ قِدِّيسين. فالعِنَبُ على الكَرمة ليسَ مُجَرَّد دليلٍ حَيٍّ على أنَّ الشَّجرة هي كَرمة وأنَّها حَيَّة، بل إنَّهُ النِّتاجُ الَّذي تُوجَدُ الكَرمَةُ لأجلِهِ. والشَّيءُ الَّذي لا يَجوزُ أن نُفَكِّرَ فيه هو أنَّ الخاطئَ ينبغي أن يَقبلَ التَّبريرَ ثُمَّ يَعيش لِنَفسِه. فهذا تَناقُضٌ أخلاقيٌّ مِن أَعمَقِ نَوعٍ موجود ولا يُمكِنُ قَبولُهُ مِن دونِ إقْحامِ خطأٍ أساسيٍّ في عَقيدةِ الإنسانِ الرُّوحيَّة بأسرِها".

بعبارة أخرى، فهو يقولُ: لا يُمكنُكَ أن تَحصُلَ على التَّبريرِ مِن دونِ التَّقديس. وهذا هو تمامًا ما يَقولُهُ الأصحاحُ الثَّاني مِن رسالة أفسُس إذْ نَقرأ: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ". أليسَ كذلك؟ "... لَيْسَ مِنْ [ماذا؟] أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ". أليسَ كذلك؟ كنَتيجة. فأنتُم لا تَخلُصونَ بالأعمالِ الصَّالحة، بل تَخلُصونَ للقيامِ بها. وهذه فِكرة رائعة.

واسمَحوا لي أنْ أُلَخِّصَ ما سَبَق. المسيحيُّ شخصٌ جديد...جديد تمامًا. فقد صارَ شَيئًا مُختَلِفًا عنِ السَّابق. فما حَدَثَ لَهُ ليسَ إضافةً، بل هو تَغيير. خَزِّنوا ذلكَ في مَكانٍ مَا لأنَّنا سنعودُ إلى هذه الفكرة. فما حدثَ لَهُ ليسَ إضافةً. والأمرُ لا يَعني أنَّكَ تَحصُل على شيءٍ لم يَكُن لديك، وأنَّكَ تَحتفظ بما لديكَ أصلاً، بل هو تَغيير. فأنْ تَصيرَ مَسيحيًّا لا يعني أنَّكَ تَحصُل على شيءٍ جديد، بل أنْ تَصيرَ شخصًا جديدًا. وَهذا يعني أنَّنا قد مُتْنا عنِ الخطيَّة في طبيعَتِنا الجديدة. فالخطيَّة لا تَمْلِكْ أيَّ قُوَّة في حياتِنا. وهذا رائع. وكُلّ هذا ليسَ مُجَرَّدَ شيءٍ يَقولُهُ اللهُ عَنَّا، بل هو شيءٌ فَعَلَهُ اللهُ لأجلِنا. وهذه هي النُّقطةُ الَّتي ينبغي أنْ نَبتدئَ مِنها.

وكلماتُ "تشارلز ويسلي" (Charles Wesley) في التَّرنيمة العظيمة: "أَيُعْقَل أنْ!" (And Can It Be) هي خَاتِمَة مُناسِبَة:

لَطالَما بَقِيَتْ رُوحي المَسجونة،

مُستعبَدَةً للخطيَّةِ والظَّلام.

ولكِنْ عندما أَصْدَرَتْ عَينُكَ شُعاعًا مُحْيِيًا،

نَهضتُ فَوَجَدْتُ السِّجْنَ يُشِعُّ نُورًا.

وحينئذٍ، سَقَطَتْ قيودي، وتَحَرَّرَ قَلبي.

والآن، نأتي إلى الشَّطْرِ الرَّئيسيّ:

فَنَهَضْتُ، وَخَرَجْتُ، [ثُمَّ ماذا؟] وَتَبِعْتُكَ!

أَتَرَوْن؟ هذا هو المِفتاح. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ "ويسلي" كانَ يَعرِفُ أنَّ التَّبريرَ يَقودُ إلى التَّقديس.

وفي كِتابٍ جديد بِعُنوان "ديناميكيَّات الحياة الرُّوحيَّة" (The Dynamics of Spiritual Life)، يَقترِح الكاتِب "ريتشارد لوفليس" (Richard Lovelace) أنَّهُ توجد في المسيحيَّة المُعاصِرة فَجوة تَقديس (كَما يُسَمِّيها). وقد يكونُ لدى الكاتِب فَجوة تَقديس، ولكِنْ لا توجد لدى اللهِ أيُّ فَجوة. فإنْ جِئتَ إلى المسيح فإنَّكَ تَخْلُص كي تَعيشَ بقداسة. فأنتَ لم تَعُدِ الشَّخصَ نَفسَهُ، بل أنتَ شخصٌ مُختَلِف. وإنْ لم تَكُن مُختلفًا، مِنَ الأفضل أن تَفحصَ نَفسَكَ لترى إذا كُنتَ في الإيمان. حسنًا، سنقولُ المزيد في الأسبوعِ القادِم. فهذه هي البداية فقط. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نحنُ نَشعرُ مِثلَ أطفالٍ صِغارِ يَجُولونَ في مَكتبةٍ ضَخمة مِنَ الحَقِّ العظيم في مُحاولةٍ للعُثورِ على كلماتٍ مُبَسَّطَةٍ تَفْهَمُها عُقولُنا البسيطة. ساعِدنا! ساعِدنا على أنْ نَرى ونَسمعَ ما تَقولُهُ لنا، وعلى أنْ نَفهمَ (على الأقلِّ في هذا المساء) الحَقَّ الجوهريَّ الَّذي يقول إنَّ الخَلاصَ يَعني أنْ نَصيرَ أشخاصًا مُختلِفين، وأن نَصيرَ أمواتًا بِمَعنى أنْ نَموتَ عنِ الخطيَّة لكي نَحيا للهِ ونَسلُكَ في جِدَّةِ الحياة. نَشكُرُكَ على هذه الكلمة الواضحة. ونحنُ نُصَلِّي أنْ تَكشِفَ لنا الحَقَّ في أثناءِ دراسَتِنا لكلمتِكَ باجتهادٍ لكي نَكونَ لِمَدْحِ وَتَمجيدِ مُخَلِّصِنا. نُصَلِّي هذا باسمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize