افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّس، مِن فَضلِكُم، على الأصحاحِ السَّادسِ مِن رسالةِ بولس إلى أهلِ رُومية. فنحنُ نَتقدَّمُ في دراسةِ هذه الرِّسالة الرائعة. وللأشخاصِ الَّذينَ يَحضُرونَ مَعَنا أوَّلَ مَرَّة، أوِ الَّذينَ جَاءوا بعدَ انقطاعٍ طويل، نحنُ نَدرُسُ رسالة رُومية الَّتي تُلَقَّبُ بالمِيثاقِ الأعظمِ للإيمانِ المسيحيّ. ونحنُ نَجِدُ أنفُسَنا في الأصحاحِ السَّادس. ونحنُ نَدرُسُ تحديدًا الآياتِ الأربعَ عَشْرَةَ الأولى. وقد قَسَّمناها إلى ثلاثةِ أجزاء. وهذا هو الجُزءُ الثَّالث مِنها. وفي هذا المساء، سوفَ نُعَنْوِنُ الجُزءَ المُمتدَّ مِنَ العَدَد 10 إلى 14، أو بالحَرِيِّ: مِنَ العَدد 11 إلى 14: "حَياةُ الإنسانِ الجَديد". فإنْ كانَ هناكَ شيء يُريدُهُ اللهُ مِن شَعبِه فهو أن يكونوا قِدِّيسين. وبُطرسُ، في رسالَتِهِ الأولى، بَيَّنَ هذا بوضوحٍ تامٍّ عندما اقتبسَ كلامَ اللهِ القائل: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ". فهذا مَبدأٌ أساسيٌّ في مَشيئةِ الله. وإنْ كُنَّا حَقًّا شعبَ الله (كما أَكَّدَت الجَوقةُ المُوسيقيَّة)، وكُنَّا نَرغبُ في عَمَلِ ما يُريدُ مِنَّا أن نَعمل، فإنَّ ما يُريدُ مِنَّا أن نَفعلَهُ هو أن نَكونَ قِدِّيسين. وهذا هو ما سنَعرفُ المَزيدَ عنهُ في دراسَتِنا في هذا المساء.
انظروا إلى العدد 11. ولكِنْ قبلَ ذلك، دَعونا نُرَسِّخ النَّصَّ في أذهانِنا: "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً للهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ، وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ للهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بِرٍّ للهِ. فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَة". لقد خَطَرَتْ قِصَّةُ إقامَةِ رَبِّنا لِلِعازَر مِنَ الموتِ...خَطَرَتْ بِبالي في هذا الأسبوع في أثناءِ دراسَتي لهذا النَّصّ. وهي قصَّة رائعة عن قُدرةِ اللهِ على إقامةِ الأموات. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ لِعازَر كانَ مَيْتًا مُنذُ أربعةِ أيَّام. فقد كانَ مَيْتًا بِكُلِّ مَعنى الكلمة حَتَّى إنَّهُ عندما اقتربَ يسوعُ مِنَ القَبْرِ وطَلَبَ مِنهُم أن يَكْسِروا الخَتْمَ وأنْ يَفتحوا القَبْرَ، قالت أُختُ لِعازَر في ذُعْرٍ: "يَا سَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ". وهي لم تَقُل ذلكَ بِلُغَةِ تَرجمةِ الملك جيمس، ولكِنْ هذه هي الطَّريقة الَّتي تَرجَموها بها. وما قَصَدَتْهُ هو أنَّهُ قد شَبِعَ مَوْتًا حَتَّى إنَّهُ لا حَاجَةَ إلى المُحاولة.
ولكِنَّ يسوعَ جاءَ وطَلبَ (بالرَّغمِ مِنَ احتِجاجِها) أنْ يَفتَحوا القَبرَ. وقد نَطَقَ بكلمة فَقامَ لِعازَر مِنَ القَبرِ وخَرَج. وعندما خَرَجَ خارجًا في مَكانٍ يُمكِنُ للجميعِ أنْ يَرَوْهُ فيه، يَقولُ النَّصُّ إنَّهُ كانَ ما يَزالُ مَلفوفًا بالأكفان. فقالَ رَبُّنا: "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ". ولسببٍ ما، رَسَخَ هذا الحَدَثُ في ذِهني كَمَثَلٍ توضيحيّ. فأنا أَرى أشخاصًا كثيرينَ أُنقِذُوا مِنْ موتِ الانفصالِ عنِ الله، واختبروا الفِداءَ؛ ولكنَّهُم ما زالوا يعيشونَ بالأكْفان. والرَّبُّ يَقولُ لَهُم: "اخلَعوا الأكفانَ، وحُلُّوها، وتَحَرَّروا". وإنْ كانَ بمقدوري أنْ أَستَعيرَ ذلكَ الحَقَّ المُختصَّ بحالة قيامة لِعازَر وأنْ أَستخدِمَهُ كَمَثَلٍ توضيحيّ، اسمحوا لي أن أفعلَ ذلكَ وأنْ أَترُكَ هذا الحَقَّ مَعَكُم بهذا الخُصوص. فكما هي حالُ لِعازَر، يجب علينا أن نَتخلَّصَ مِنَ الأكفان. فقد أُقِمْنا مِنَ الأموات. ونحنُ نَسلُكَ في جِدَّةِ الحياة. ويجب علينا أن نَتخلَّصَ مِنْ تلكَ الأشياءِ الَّتي بَقِيَتْ عَالِقَةً بِنا حينَ كُنَّا أمواتًا. وأعتقدُ أنَّ هذا هو لُبُّ الحَقِّ في النَّصِّ الَّذي قَرأتُهُ على مَسامِعِكُم.
فنحنُ نَعلمُ بِمُجَرَّدِ وُصولِنا إلى العدد 11 أنَّنا قد مُتنا وقُمْنا ثانيةً. أليسَ كذلك؟ وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في الآياتِ العَشْرِ الأولى. وقد دَرسناها بِعُمقٍ في الأسبوعَيْنِ الماضِيَيْن. والآن، يجب علينا أنْ نَعلمَ في الآيات 11-14 أنَّهُ حيثُ إنَّنا أُقِمْنا مِنَ الأمواتِ، وإنَّنا انتصرنا [مِنْ نَاحِيَةِ المَقامِ] على الموتِ مِنْ جِهَةِ أُجرَتِهِ وَسُلطانِهِ، وإنَّنا انتصرنا على الخطيَّة مِن جِهةِ أُجرتِها وسُلطانِها، فإنَّنا جاهزونَ الآنَ للمِضِيِّ قُدُمًا، وَخَلْعِ الأكفان، وعَيشِ الحياةِ بِكُلِّ مِلئِها.
وأنا أُوْمِنُ حقًّا أنَّ المؤمنينَ يَرغبونَ في القيامِ بذلك. وأنا أُوْمِنُ أنَّ المؤمنينَ يَرغبونَ في اختبارِ النُّصرة الحقيقيَّة على عَدُوِّهِم المَغلوبِ: الخطيَّة. فإذا نَظرتُم إلى رسالة رُومية والأصحاح 7 (لكي أُساعِدَكُم وَحَسْب في تَفكيرِكُم بهذه النُّقطة) فإنَّنا نَجِدُ في العدد 15 أنَّ بولسَ يَقولُ ما يَلي: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". وما يَقولُهُ لنا هُنا هو أنَّهُ بِصِفَتِهِ مُؤمِنًا، فإنَّهُ يَرغَبُ في فِعْلِ الصَّواب. وهو يَرغبُ في رُؤيةِ النَّصْرِ في حياتِه. وَهُوَ يَرغبُ في إلحاقِ الهَزيمةِ بالخطيَّة. ثُمَّ إنَّنا نَسْمَعهُ يَقولُ شيئًا مُشابهًا جدًّا في العدد 18: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ يُصارِعُ مَعَ الخطيَّة. ولكنِّي أُوْمِنُ حَقًّا أنَّهُ (على غِرارِ المُؤمنينَ الآخرينَ) يَرغبُ في تَحقيقِ النَّصر. ولكنَّهُ في رومية 7 لم يَكُن يَعرِفُ بعد سِرَّ تلكَ النُّصرة. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ لو نَظَرَ لا فقط إلى الأصحاح 8، بل حَتَّى إلى الأصحاح 6، لَعَثَرَ على تلكَ الحقيقة أو ذلكَ السِّرّ (إنْ أَردتُم أنْ تَدعوهُ سِرًّا).
والآن، كيفَ نَخلَعِ الأكفان؟ هذا هو ما نُريدُ أن نَتحدَّثَ عنه. فكيفَ نُخَلِّص أنفُسَنا مِنها بالفِعل؟ أو كما قالَ بُطرس: كيفَ "نَطرَحُ" ذلك الشَّيء القَديم ونَتَخَلَّصُ مِنهُ (كما قالَ في رسالة بُطرس الأولى 2: 1)؟ فكيفَ نَطرَحُ ذلكَ الشَّيء الَّذي لا يَنبغي أن يوجدَ في حياتِنا؟ سوفَ نَجِدُ أنَّ الجَوابَ مُقَدَّمٌ بصورة تفصيليَّة جدًّا (في اعتقادي) في هذا النَّصّ. والآن، تَذَكَّروا...وهذه مُجَرَّد خَلفيَّة لهذا المَقطَع...أنَّ بولسَ يَتحدَّثُ عنِ الفِكرةِ العَظيمةِ للتَّبريرِ بالإيمان. فقد ناقَشَ للتَّوّ كيفَ يَتبرَّرُ الإنسان، أو كيفَ يَنالُ الفِداء (في الأصحاحَيْن الثَّالث والرَّابع). وَهُوَ يَعرِضُ ضَمانَ ذلكَ الفِداء في الأصحاحِ الخامِس. والآن، إنَّهُ يَعرِضُ فَعاليَّةَ ذلكَ الفِداء في الأصحاحات 6 و 7 و 8. وفَعاليَّةُ الفِداء هي أنَّهُ يُنشِئُ قَداسةً. أوَّلاً، قداسةً في مَقامِنا أمامَ اللهِ، ثُمَّ قَداسَةً في حَياتِنا العَمليَّة. فأوَّلاً، قَداسة في مَركَزِنا (كما اعتادَ اللَّاهوتيُّونَ القُدامَى أن يُسَمُّوها)، ثُمَّ قَداسة في سُلوكِنا.
والآن، هناكَ ثلاثُ كلماتٍ رئيسيَّة يَلزَمُنا أن نَعرِفَها كي نَفهمَ كيفَ نَغلِب الخطيَّة. وسوفَ أَذكُرُها لكم ثُمَّ أعودُ وأستعرِضُها في أثناءِ دراسَتِنا معًا. والحقيقة هي أنَّهُ يُمكنكم أن تَجدوها في المُخَطَّطِ الصَّغيرِ بينَ أيديكُم (إنْ شِئتُم). والكلماتُ الثَّلاثُ موجودة في النَّصِّ وهي: "يَعلَم"، وَ "يَحسِب"، وَ "يُقَدِّم". والقُوَّة في هذا المَقطَعِ بِمُجمَلِه تَتركَّز في هذه الكلماتِ الثَّلاث. فكل شيءٍ قُلناه في الدَّرْسَيْن السَّابِقَيْن يَتَلَخَّصان في الكلمةِ الأولى.
لِذا، لِننظُر إلى تلكَ الكلمةِ الأولى. فهي الكلمة "يَعلَم". وأرجو أن تُلاحِظوا [أوَّلاً] العدد 3. فالعبارة الأولى هي مُرادِفٌ لها "أمْ تَجهَلونَ؟" وفي العدد 6، فإنَّ الكلمة الأولى هي: "عَالِمينَ". وفي العدد 9، فإنَّ الكلمة الأولى هي: "عَالِمينِ". والآياتُ العَشْرُ الأولى مِن رُومية 6 هي عَقيديَّة. وهي مَعرفيَّة. وهي تُقَدِّمُ إلينا بياناتٍ أساسيَّة وحقائقَ جوهريَّة يمكننا أن نَبني عليها. لِذا، عندما نَنظُر إلى نَصِّنا (الأصحاح 6 والعدد 11) فإنَّ الكلمة الأولى هي: "كذلك". وهذا يُعيدُنا ويُرجِعُنا إلى الآياتِ العَشْرِ الأولى مَرَّةً أخرى. ويمكننا أن نُترجِمَ هذه الكلمة: "بعدَ أنْ حَسَمْنا الأمورَ السَّابقة، لِنُتابِع حَديثَنا الآن". فالكلمة "كذلك" تَعني ببساطة: "والآن، بعدَ أنْ رَسَّخنا كُلَّ هذا في أذهانِنا وقلوبِنا، لِنتأمَّل في الحَقِّ الَّذي يَليه". فهذا هو مَعناها. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَبتدئَ بقراءةِ العدد 11 مِن دونِ أن تَقرأَ الأعدادَ العَشْرَةَ الأولى. وقد تَعلَّمنا، في اعتقادي، خلالَ السَّنواتِ الَّتي عَلَّمنا فيها كلمةَ اللهِ وَدَرسناها معًا، أنَّ المَسؤوليَّة تَستَنِدُ دائمًا إلى العقيدة. أليسَ كذلك؟ والحَضُّ لا يأتي مِنَ العَدَم، بل يأتي دائمًا مَبْنِيًّا على فِكرة، ومَبنيًّا على حَقٍّ إلهيٍّ. فلأنَّ هذا صحيح، يجب عليكم أن تَسلُكوا هكذا. لِذا، نحنُ لدينا عَشْرُ آياتٍ مِنَ العَقيدة الجوهريَّة الرَّاسخة. وما هي تلكَ العقيدة؟ اسمَحوا لي أن أُبَيِّنَها لكم بإيجازٍ شديد: أنَّ المؤمِنَ مُتَّحِدٌ معَ المسيح. أليسَ كذلك؟ فعندما ماتَ المَسيحُ، مُتْنا. وعندما دُفِنَ، دُفِنَّا. وعندما قامَ، قُمْنا. وكما أنَّهُ يَسلُكُ في جِدَّةِ الحياةِ، فإنَّنا نَسلُكُ في جِدَّةِ الحياة.
بعبارة أخرى، فإنَّ بولسَ يقول إنَّنا مُتَّحِدونَ معَ يسوعَ المسيحِ في مَوتِهِ. لِذا فإنَّنا أيضًا قد تَمَّمْنا أُجرةَ الخطيَّة. وقد قُمنا معَ المسيحِ في قيامَتِه. لِذا فإنَّنا نَسلُكَ في جِدَّةِ الحياة. فَكُلُّ مَطلَبٍ مِن مَطالِبِ النَّاموسِ قدِ استُوفِيَ. وكُلُّ مَطلَبٍ للخطيَّةِ قدِ استُوفِي. وسُلطان الخطيَّةِ قد سُحِق. والمسيحُ لن يَموتَ مَرَّةً أخرى. وَهُوَ يقولُ ذلكَ بوضوحٍ تامٍّ في العَددَيْن 9 و 10. ولأنَّهُ لن يَموتَ مَرَّةً أخرى، فإنَّنا لن نَموتَ مَرَّةً أخرى. ولأنَّ مَوتَهُ قد غَلَبَ الموتَ بفعاليَّة، فإنَّ مَوتَنا مَعَهُ بفَعاليَّة يَغلِبُ الخطيَّةَ أيضًا. لِذا، فإنَّ ما قالَهُ هو أنَّكَ عندما تَصيرُ مَسيحيًّا، وتُؤمِنُ في تلكَ اللَّحظةِ بيسوعَ المسيح، فإنَّكَ تَتَّحِدُ مَعَهُ (بمُعجزةٍ إلهيَّةٍ) في مَوتِهِ وقيامَتِه. والأنا القَديمة تَموت. وأنت تَقومُ لِتَسلُكَ في جِدَّةِ الحياة. فمِنْ خِلالِ مَوتِ المؤمِنِ في المسيح، فإنَّهُ يَدفعُ أُجرةَ الخطيَّة كي لا تَعودَ الخطيَّةُ ولا يَعودُ المَوتُ يَمْلِكانِ أيَّ سُلطانٍ على ذلكَ المؤمِن.
والأمرُ لا يَتوقَّفُ وَحَسْب على دَفْعِ أُجرةِ الخطيَّة، بل إنَّ سُلطانَ الخطيَّةِ قدِ انكَسَر. والخطيَّةُ لم تَعُد تُهيمِنُ عليه. ونحنُ نَعيشُ الآنَ في الحياةِ الجديدة. ونحنُ خَليقة جديدة. وأنتَ إنسانٌ جديد، وتَمتلكُ طبيعة جديدة (إنْ كُنتَ تُحِبُّ هذا التَّعبير). فنحنُ لم نَعُد كما كُنَّا في السَّابق. والأصحاحُ الخامسُ يُخْبِرُنا، كما تَذكرونَ، مِنَ العدد 12 فصاعدًا بصورة رئيسيَّة، أنَّنا كُنَّا في آدم. وعندما كُنَّا في آدَم، كُنَّا جميعًا أمواتًا. ولكِن عندما نأتي إلى المسيح فإنَّنا نَصيرُ فيهِ أحياءً. لِذا، يُمكِنُ القولُ إنَّ كُلَّ الجنسِ البشريِّ هُوَ إمَّا في آدَم وإمَّا في المسيح. فإنْ كانوا في آدم، عندما أخطأَ آدَمُ، أخطأوا. وعندما سَقَطَ آدَم، سَقَطوا. وعندما ماتَ آدَم، ماتوا. وإنْ كُنَّا (بالإيمانِ)، في المسيح، عندما يَموتُ المسيحُ فإنَّنا نَموت. وعندما يَقومُ فإنَّنا نَقوم. وهذا هو جَوهرُ الارتباطِ اللَّاهوتيِّ الَّذي يُعلِّمُهُ بولس في هذا النَّصِّ العظيم.
لِذا، في البداية، يجب علينا أن نَعلمَ أنَّ هذا صحيح. وقد استعرضنا ذلكَ لَكُم في الدَّرسَيْنِ السَّابِقَيْن. وإنْ أردنا أن نَحيا (في اعتقادي) مِلْءَ الحياةِ الجديدة في المسيح، وإن أردنا أن نَحيا حَقًّا بوصفِنا خليقة جديدة، فإنَّ ذلكَ يَبتدئ بمعرفةِ تلكَ الحقيقة بأنَّني لم أَعُدْ كما كُنتُ في السَّابق. فأنا إنسانٌ جديد. ويجب عليَّ أن أَعلَمَ ذلكَ في البداية. وما هو جَوهرُ تلكَ الجِدَّة؟ أنَّني لستُ بعد تحتَ هَيمنةِ الخطيَّة. هل تَذكرونَ ذلك؟ فالخطيَّة لم تَعُد هي السَّيِّدُ المُطْلَق. ويجب عليَّ أنْ أَعلَمَ ذلك.
والآن، أعتقد أنَّ هذا المبدأَ هو مبدأٌ أساسيٌّ في كلمةِ اللهِ إذْ يجب على النَّاسِ أن يَعلَموا قبلَ كُلِّ شيءٍ آخر ما هي الحقيقة. هل تَذكرونَ ما جاءَ في سِفْر هُوشَع إذْ إنَّ هوشَعَ قالَ إنَّ شَعبَ اللهِ هَلَكَ مِنْ عَدَمِ المَعْرِفَة؟ لا مِن عَدَمِ التَّكريسِ، ولا مِن عَدَمِ التَّخصيصِ، ولا مِن عَدَمِ الالتزامِ، ولا حَتَّى مِن عَدَمِ مُمارسةِ أنشطةِ العِبادة، ولا حَتَّى مِن عَدَمِ وُجودِ دِيْن، ولا حَتَّى مِن عَدَمِ وُجودِ إعلانٍ كَافٍ؛ بل مِنْ عَدَمِ المَعْرِفَة. فَلأنَّهُمْ لم يَعرِفوا ذلك، لم يَتمكَّنوا مِنْ تَطبيقِه. فأنتَ لا تَستطيعُ أنْ تُطَبِّقَ ما لا تَعرِفُه. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ في تلكَ الإدانَة الخاصَّة جدًّا في سِفْر إشعياء 1: 2 و 3، فإنَّ إشعياء يُلَخِّص إدانَتَهُ لشعبِ اللهِ فيقول: "أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلاَ يَعْرِفُ". فَهُم لا يَعرِفون. وإنْ نَظرتُم إلى العهدِ الجديد، ستجدونَ الشَّيءَ نَفسَهُ. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة فيلبِّي 4: 8: "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". اعتَمِدوا على ما تَعلَمونَ أنَّهُ صَحيح. وفي رسالة كولوسي 3: 8، نَجِدُ كلماتٍ مُهمَّة جِدًّا لنا. فهو يَتحدَّثُ عن طَرْحِ الغَضَبِ، والسَّخَطِ، والْخُبْثِ، والتَّجْدِيفِ، والكَلاَمِ القَبِيحِ مِنْ أَفْوَاهِنا، وأنْ لا يَكذِبَ بَعْضُنا على بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ. فقد خَلَعْنا الإنسانَ العَتيقَ. وقد رأينا ذلك. "وَلَبِسْتُمُ [الإنسانَ] الْجَدِيدَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ". فهو يَتَجَدَّدُ لِلمَعْرِفَة.
فلا يُمكِنُكَ أنْ تُطَبِّقَ شيئًا لا تَعرِفْهُ. لِذا، فإنَّنا نَبتدُئُ بالمعرفة. ونحنُ نَعلمُ، يا أحبَّائي، أنَّ سُلطانَ الخطيَّة الَّذي يَتَسَلَّطُ علينا قد كُسِر. أليسَ كذلك؟ ونحنُ نَعلمُ أنَّنا لسنا مُضْطَرِّينَ إلى أن نكونَ فَرائسَ لسُلطانِ الخطيَّة. ونحنُ نَعلمُ أنَّنا لسنا مُضطرِّينَ إلى أن نَقَعَ ضَحِيَّةً لها. ونحنُ نَعلمُ يَقينًا أنَّها لا تَستطيعُ أن تُرغِمَنا على القيامِ بأيِّ شيءٍ يُخالِفُ مَشيئةَ الله.
والآن، حَالما تَعرِفُ ذلك، أعتقد أنَّكَ ستكونُ في طَريقِكَ إلى تَحقيقِ النَّصْرِ لأنَّ هذا يَزرَعُ ثِقَةً في قَلبِكَ، ويُزيلُ الشَّكَّ، ويُزيلُ الخَوفَ. فأنتَ تَعلمُ أنَّكَ تُواجِهُ خَصْمًا مَهزومًا. وأنتَ تَعلمُ أنَّكَ تُواجِهُ مَلِكًا قد خُلِعَ عنِ العَرش. والقَبْرُ مَفتوحٌ في الحقيقة. ونحنُ قد خَرَجْنا حقًّا مِنَ القَبر، ويُمكِنُنا أنْ نَخلَعَ الأكفانَ وأنْ نَتقدَّمَ نَحوَ النَّصْر. لِذا، فإنَّ الأمرَ يَبتدئُ بالمَعرفة.
والآن، لِننتقل إلى الكلمة الثَّانية في العددِ الحادي عَشَر: "كَذلِكَ"...أيْ بعدَ أنْ فَهِمْتُم الجُزءَ المُختصَّ بالمَعرفة، وبعدَ أنْ وُضِعَ الأساسُ: "احْسِبُوا". وهذه هي الكلمة الثَّانية. "احْسِبُوا". احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً للهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ". فالكلمة الثَّانية هي: "احْسِبُوا". وهُنا، يا أحبَّائي، نَرى أنَّ العقيدةَ تُفْسِحُ مَجالاً للإيمان. فالكلمة "عَالِمينَ" تَختصُّ بالعَقلِ. أمَّا الكلمة "احْسِبوا" فتختصُّ بالقلب. فأنتُم تَعلمونَ ذلكَ عَقليًّا. والآن، يجب أنْ تُؤمِنوا بأنَّ هذا صحيح. "احْسِبوا". وما المقصودُ بالكلمة "احْسِبُوا" ("لوغيتزوماي" – “logizomai”)؟ هناكَ تَرجمات عديدة مُحتَمَلَة لهذه الكلمة. فهي تُستخدَمُ كَتعبيرٍ في العَمليَّاتِ الحِسابيَّة. ففي مَعناها الحَرفيِّ، إنَّها تَعني أنْ تُحْصي شيئًا، أو أنْ تَعُدَّ شَيئًا، أو أنْ تَحْسِبَ شيئًا، أو أنْ تُقَدِّرَ شَيئًا. ولكنَّها تُستخدَمُ أيضًا بالمَعنى المَجازيّ. والحقيقة هي أنَّها استُخدِمَت كثيرًا في الأصحاحِ الرَّابِعِ إذْ أعتقدُ أنَّها استُخدِمَت ثَماني مَرَّاتٍ هناك. وهي تُتَرجَمُ عادةً: "يَحْسِب" أوْ "يُوْدِعُ في حِسابِ شخصٍ ما" إذْ نَقرأُ إنَّ اللهَ (عندَ تَخليصِنا) يُودِعُ في حِسابِنا بِرًّا. ولكِنَّها يُمكنُ أن تُستخدَمَ أيضًا بالمعنى المَجازيِّ للإشارة إلى إجراءِ عَمليَّة حِسابيَّة في الذِّهْن، أو إلى إجراءِ عَمليَّةِ تَفكيرٍ في الذِّهن، أو إلى التَّأكيدِ في الذِّهن بأنَّ شيئًا ما صَحيح. وهذه هي الطَّريقة الَّتي تُستخدَمُ فيها هُنا.
ويُمكِنُنا أن نُترجِمَ هذه الكلمة [ببساطة]: "رَسِّخوا". فأنتُم تَعلمونَ ذلكَ. والآن، رَسِّخوا أنَّهُ صَحيح، أوِ استَنتِجوا أنَّهُ صحيح. أو إن أردتُم أن تُترجموها بِمُفرداتِ المُؤمِنِ الحَقيقيِّ الشَّامِل: "آمِنُوا أنَّ هذا صحيح". فأنتُم تَعلمونَ ذلكَ لأنَّ البياناتِ تَقولُ ذلك. والآن، آمِنوا بذلكَ إيمانًا قَلبيًّا. ثِقوا بذلكَ ثِقَةً رَاسِخَةً.
والآن، في هذه النُّقطة، قد يَقولُ قائِلٌ: "حسنًا! ولكِنَّ هذا صَعب. فَمِنَ الصَّعبِ أنْ أُوْمِنَ بأنِّي إنسانٌ لم يَعُد يَمْلِكُ طَبيعةً خاطئة. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّي شخصٌ لم يَعُد ضَحِيَّةً للإنسانِ العَتيق. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّي مُتُّ ولكنِّي ما زِلتُ حَيًّا، ولكِن لستُ أنا، بلِ المسيحُ يَحيا فِيَّ. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّي أَملِكُ الطَّبيعةَ الإلهيَّة. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّهُ قد زُرِعَ فِيَّ زَرْعٌ لا يَفنَى. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّي خَليقة جديدة وأنَّهُ هُوَذا الكُلُّ قد صارَ جديدًا. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّي مُلائمٌ للأبديَّة، وأنَّ ذلكَ الانتقالَ إلى المَجدِ سيَعني بالنِّسبةِ إليَّ حُدوث تَغييرٍ أقَلُّ مِن ذاكَ الَّذي حَدَثَ عندَ خَلاصي. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّ ذاتَ حَياةِ اللهِ تَحيا فِيَّ. ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أُصَدِّقَ أنَّ يسوعَ المسيحَ يَسكُنُ فيَّ. مِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أَقبلَ ذلك. أنا أَعلمُ أنَّ هذا هو ما يَقولُهُ النَّصُّ هُنا، ولكنَّ تَرسيخَ ذلكَ عندي هو أمرٌ صَعب". أنا أَتَفَهَّمُ ذلك. والحقيقة، سوفَ أقولُ لكم سَبَبَ صُعوبةِ ذلك. هل تُريدونَ أن تَعرفوا سببَ صُعوبةِ ذلك؟
سوفَ أُقَدِّمُ لكم أربعةَ أسبابٍ تَجعلُ ذلكَ صَعبًا. السَّببُ الأوَّلُ هو: رُبَّما لأنَّكَ لم تَتعلَّم هذا مِن قَبْل. فأنا أعتقد أنَّهُ صَعبٌ على أُناسٍ كثيرينَ لأنَّ أحدًا لم يُخبرهم بذلكَ يَومًا. فَهُم يَعتقدونَ وَحَسْب أنَّهم سيبْقَوْنَ ضَحايا للخطيَّة طَوالَ حياتِهم. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَعتقدون أنَّكَ حينَ تَخلُص فإنَّ كُلَّ ما يَفعلُهُ الرَّبُّ هو أنَّهُ يُخَلِّصُكَ ويَترُكُكَ في نَفسِ الفَوضَى الَّتي كُنتَ تَعيشُ فيها طَوالَ الوقت. ويجب عليكَ أن تَشُقَّ طَريقَكَ في أدغالِ الخطيَّة وَسَطوَتِها بَقِيَّةَ حَياتِكَ. وَهُم لا يَعرفونَ أيَّ شيءٍ غيرَ ذلك. وهذا شيءٌ مأساويٌّ إنْ قُلتَهُ للنَّاس. أو أنْ يُقالَ لَهُم إنَّهُ عندما تَصيرُ مَسيحيًّا فإنَّ ذلكَ ليسَ تَغييرًا، بل إضافةً. فقد كُنتَ إنسانًا عتيقًا تَمتلكُ طبيعةً عتيقة. وأنتَ تَحصُلُ فقط على طبيعة جديدة تُضافُ إليها. والآن، هناكَ حَربٌ كبيرة تَجري في داخِلِكَ أيُّها البائسُ المِسكين. أَتَرَوْن! ولكِنْ لا. فرُبَّما لم يُعَلِّمُكَ أحدٌ ما هو الأساس. والآن، بعدَ أنْ تَعَلَّمتَهُ، رُبَّما سَتَفهم ذلكَ تَدريجيًّا.
واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكم سَببًا ثانيًا. فالسَّببُ الثَّاني لصعوبةِ تَصديقِ أنَّ الخطيَّة لا تَمْلِكُ سُلطانًا عليكَ، وأنَّ الخطيَّة لا تَملِكُ القُدرةَ على الهَيمنةِ عليكَ هو [ببساطة] لأنَّ الشَّيطانَ لا يُريدُ مِنكَ أن تُؤمِنَ بذلك. فأنا لا أَظُنُّ أنَّهُ يُريدُ مِنكَ أن تُؤمِنَ بذلك. وأنا لا أعتقدُ أنَّهُ يُريدُ مِنكَ أنْ تُؤمِنَ بأنَّهُ وأعوانَهُ والخطيَّة قد سُحِقوا مِنْ جِهَةِ قُدرَتِهِم المُطلقةِ على السَّيطرةِ عليكَ. فإنْ كُنتُ أَفهَمُ كِتابي المُقدَّسَ فَهمًا صحيحًا، فإنَّ الشَّيطانَ يَظهَرُ دائمًا بوصفِهِ المُشتَكي على الإخوة. أليسَ كذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. وهو لا يَشتكي فقط على الإخوةِ أمامَ اللهِ، بل صَدِّقوني أنَّهُ يَشتكي على الإخوةِ أمامَ الإخوة. والشَّيطانُ سيفعلُ كُلَّ ما في وُسْعِهِ كي يَجعلَ المؤمنينَ يَشعرونَ باللَّومِ الشَّديدِ دائمًا. وهناكَ مَسيحيُّونَ يَقتلونَ أنفسَهُم بسببِ ذلك. ونحنُ نَرى ذلكَ...مَسيحيِّينَ يُقدْمِونَ على الانتحار. وهناكَ مسيحيُّونَ كثيرونَ يَشعرونَ بقلقٍ شديد. فالشَّيطانُ لا يُريدُ مِنَّا أن نُؤمِنَ بأنَّ الخطيَّة هي عَدُوٌّ مَغلوب. ورُبَّما لم نَتعلَّم ذلك. وقد ذَكَرْتُ سَبَبَيْن.
واسمَحوا لي أن أذكُرَ لكم سببًا ثالثًا، ورُبَّما يكونُ هَذا مُفاجئًا. فالسَّببُ الثَّالثُ في أنَّكَ رُبَّما لا تَعلمُ هذا هو أنَّهُ بصورة رئيسيَّة فإنَّ عَمَلَ الولادة الثَّانية الفِدائيَّة الَّذي عَمِلَهُ اللهُ فيكَ...هل أنتُم مُستعدُّونَ لسماعِ هذا؟...لم يَكُنِ اختباريًّا. أجل. فقد كانَ عَملاً إلهيًّا. فهو لم يَكُنِ اختباريًّا. فعندما نِلْتَ الخلاصَ، لم يَكُن هناكَ مَوتٌ حقيقيٌّ، ودَفنٌ حقيقيٌّ، وقيامة حقيقيَّة، بل إنَّ ذلكَ حَدَثَ رُوحيًّا. ولكِنَّ ذلكَ الحَقَّ كُلَّهُ لم يَكُن اختباريًّا. ونحنُ نَعلمُ ذلك لأنَّ هناكَ أشخاصًا نالوا الخلاصَ مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ ولكنَّهُم ما زالوا لا يَعلمونَ أنَّ ذلكَ حَدَث. ورُبَّما أنتَ لم تَعلم ذلك إلَّا قَبلَ أُسبوعَيْن. أَتَرَوْن؟ فهو ليسَ شيئًا اختباريًّا. فالخلاصُ في أَسمَى مَعانيه ليسَ اختباريًّا. فلا يُمكِنُكَ أنْ تُعَرِّفَ خَلاصَ شَخصٍ باختبارٍ خارجيٍّ. فقد رأيتُ أشخاصًا يَتقدَّمونَ عندَ سَماعِ الدَّعوةِ إلى قَبولِ الخلاص ويَذهبونَ إلى غُرفةِ الصَّلاةِ ويَبْكونَ بِغزارة مِن دونِ أن يكونَ ذلكَ حقيقيًّا. أليسَ كذلك؟ وقد رأيتُ أشخاصًا لا تَظهَرُ عليهم أيَّ مَشاعِر أو تأثُّر طَوالَ تلكَ العمليَّة، ولكنَّ خلاصَهُم كانَ حقيقيًّا جِدًّا. وقد حَدَثَ العَمَلُ الإلهيُّ حقًّا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الفِداءَ [بصورة رئيسيَّة] ليسَ اختباريًّا، بل هو حقيقة قائمة على الإيمان. فلا يُمكنُكَ أن تَختبرَ الموتَ في المسيح عَمليًّا. ولا يُمكِنُكَ أن تَختبرَ دَفنَكَ. ولا يُمكِنُكَ أن تَختبرَ قيامَتَكَ. بل يجب عليكَ أنْ تَقبلَ ذلكَ بالإيمان.
وهل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ إنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَتلفَّتونَ دائمًا بحثًا عن مُؤشِّراتٍ خارجيَّة لا يَملكونَ إيمانًا عظيمًا، بل إنَّ إيمانَهُم يكونُ قَليلاً وَحَسْب. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ يَملِكونَ إيمانًا عظيمًا فيمكنهم أن يَقبلوا حقيقةَ كلمةِ اللهِ مِن دونِ أيِّ بُرهانٍ خارجيٍّ. فالأشخاصُ الَّذينَ يَتلفَّتونَ حَوْلَهُم بَحْثًا عن ظاهرةٍ خارجيَّةٍ تُثْبِتُ حقيقةَ وُجودِ المسيحِ في حياتِهم لا يَملكونَ إيمانًا عظيمًا. بل إنَّهُم يَبحثونَ بِشَكٍّ عن دليل. ولكنَّنا لا نَملِكُ أمورًا خارجيَّةً مَوضوعيَّةً يُمكِنُنا أنْ نَتَحَقَّقَ منها تُقَدِّمُ لنا الدَّليلَ على مَوتِنا أو دَفْنِنا أو قِيامَتِنا في المسيح. فلا يُمكنُنا أن نَرى حقيقةَ أنَّ الخطيَّة هي عَدُوٌّ مَغلوب. واللهُ لا يُعطينا هذه القُدرة على رُؤيةِ الخطيَّة وهي مَطروحة أرضًا لأنَّها مَهزومة. فنحنُ لا نَرى ذلك. لِذا فإنَّ هذا يَجعلُ الأمرَ صَعبًا.
ولكِن اسمحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم السَّببَ الرَّابعَ الأقوى. فَمِنَ الصَّعبِ علينا أن نُدركَ أنَّنا مُنتصرونَ على الخطيَّة لأنَّنا [كما قُلتُ]: أوَّلاً، لأنَّنا رُبَّما لم نَتعلَّم ذلكَ يومًا. ثانيًا، لأنَّ العَدوَّ لا يُريدُ مِنَّا أن نُؤمِنَ بذلك. ثالثًا، لأنَّ الأمرَ بِمُجمَلِهِ ليسَ اختباريًّا. رابعًا، وهو أقوى سَبَب: لأنَّ ضَراوةَ المَعركةِ معَ الخطيَّةِ في داخِلِنا تَجعَلُنا نَتساءَلُ كيفَ يُعقَلُ أن يكونَ ذلكَ صحيحًا. هل فَهِمتُم ذلك؟ فهذه نُقطة مُهمَّة جِدًّا. فَضَراوةُ المَعركةِ معَ الخطيَّة في داخِلِنا [وهي مَعركة لَطالَما خَسِرناها...أليسَ كذلك؟] تَجعَلُنا نَتساءَلُ كيفَ يُعقَلُ أن يكونَ ذلكَ صحيحًا. فعندما ابتدأتُ هذه السِّلسلة الدِّراسيَّة لرسالة رُومية، كانت أوَّلُ رسالة قَدَّمتُها مُدهشة جِدًّا. وقد تَعَمَّدْتُ أَلَّا أقولَ شيئًا عن ذلك، بل قُلتُ فقط إنَّنا مُتْنا، وإنَّنا صِرنا أحياء، وإنَّ سُلطانَ الخطيَّة قد سُحِق. وصَدِّقوني أنَّ النَّاسَ يأتونَ ويَقولون: "أوه! لا يُعقَلُ أنَّكَ تُؤمِنُ بذلك! لا يُعقَلُ أنَّكَ تُؤمِنُ بأنَّ سُلطانَ الخطيَّة قد سُحِقَ في حَياتِنا. فنحنُ..نحنُ..نحنُ نَخوضُ مَعركةً حَامِيَةً معَ الخطيَّة. ولكِنْ أينَ نَضَعُ ذلك؟ وما هو تَفسيرُنا اللَّاهوتيُّ لذلك؟" وعندما قُلتُ، يا أحبَّائي، إنَّهُ لا توجد طبيعة عتيقة وطبيعة جديدة، أُصيبَ البعضُ حَقًّا بِسَكْتَة لاهوتيَّة. فَقد عَجِزوا عن تَصديقِ ذلك، بل قالوا: "إن لم تَكُن هناكَ طَبيعة عَتيقة، مِن أينَ تأتي الخطيَّة؟ فقد كُنتُ أعرِفُ أينَ هي، وكُنتُ أعرِفُ اسمَها. فقد كانَ لديَّ صُندوقٌ أَضَعُهُ فيها. ولكنَّكَ الآنَ أَخذتَ ذلكَ الصُّندوق. وأنا لم أَعُد أعرِفُ مِن أينَ تأتي".
سوفَ أُعطيكُم صُندوقًا لها، وهو نَفسُ الصُّندوقِ الَّذي كانَ موجودًا لدى بولس. ولكِن انتظروا إلى أنْ نَصِلَ إلى ذلكَ الجُزء...أيْ إلى العدد 12. لِذا، هذا مُنْصِف. فها هو بولس المُؤمِن. وأنا أعتقد أنَّهُ يَقولُ في رُومية 7...ما الَّذي يَقولُه؟ "آه! لقد سَئِمْتُ مِنَ المَعركة". أليسَ كذلك؟ فأنا أفعلُ الأشياءَ الَّتي لا أُريدُ أن أَفعلَها، أمَّا الأشياءُ الَّتي أُريدُ أنْ أَفعلَها فإنَّني لا أَفعلُها. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! لِذا، مِنَ الصَّعبِ أن نُصَدِّقَ أنَّ سُلطانَ الموتِ قد سُحِق لأنَّ هناكَ صِراعًا حقيقيًّا دائرًا معَ الخطيَّة. ونحنُ نَخسَرُ كَثيرًا. ولكِنْ يجب أنْ نُصَدِّقَ ذلكَ بأيِّ حال. وقد تقول: "حسنًا! وكيفَ نُصدِّق ذلك؟" لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ذلك. فهي حقيقة إيمانيَّة. اعتمدوا عليها. وَرَسِّخوها لديكم. وآمِنوا بها.
والآن، أنا لا أتحدَّثُ عن ألاعيب نَفسيَّة. وأنا لا أتحدَّثُ عن ذلكَ الكَلام القَديم الَّذي اعتادوا أن يَقولوه في العِشرينيَّاتِ والثَّلاثينيَّات: "كُلُّ يومٍ، بِكُلِّ طَريقةٍ مُمكِنَةٍ، أنا أَصيرُ أفضل وأفضل". أنا لا أتحدَّثُ عن ذلك. وأنا لا أتحدَّثُ عنِ النُّهوضِ في كُلِّ صَباحٍ والقول: "أنتَ رائعٌ حقًّا، وأنتَ قِدِّيسٌ حقًّا، وأنتَ بارٌّ حقًّا" إلى أنْ تُنَوِّمَ نَفسَكَ تَنويمًا مِغناطيسيًّا وتُقنِعُ نَفسَكَ بشيءٍ غير موجود أصلاً. فأنا لا أتحدَّثُ عن أساليبِ التَّحايُلِ الذِّهنيَّة. أنا لا أتحدَّثُ عن ذلك. وأنا لا أتحدَّثُ عن خِداعِ أنفُسِنا. بل إنَّني أقولُ إنَّهُ يجب علينا أنْ نُؤمِنَ بكلمةِ اللهِ. فسُلطانُ الخطيَّةِ قد انكَسَر. ويجب عليكم أن تُؤمنوا بذلك. وما أعنيه هو: يجب علينا أن نُواجِهَ ذلك. فقد واجَهَ إبراهيمُ صُعوبةً في الإيمانِ بأنَّهُ سَيُنجِبُ ابْنًا أيضًا. أجل. فقد كانَ في التَّاسعةِ والتِّسعينَ مِنَ العُمْر. وكانت سَارة في التِّسعينَ مِنْ عُمْرِها. فقد تَجاوَزا مُنذُ وقتٍ طَويلٍ فَترةَ الإنجاب. وقد نَظَرَ إلى سَارة. ولا بُدَّ أنَّهُ كانَ يَرسِمُ على وَجْهِهِ ابتسامَةً وضِحْكَةً نِصْف مَكبوتَة. ولا بُدَّ أنَّها سَقَطَتْ على ظَهْرِها مِنْ فَرْطِ الضَّحِك. ولكِنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية أنَّهُ آمَنَ بالله. فقد كانَتْ حقيقة إيمانيَّة. ويجب عليكم أن تُؤمِنوا بها لأنَّهُ لا يُعقل أن يكونَ ذلكَ مُمْكِنًا. ولكِنْ، يا أحبَّائي، يجب علينا أن نُؤمِنَ بذلك.
وكما قالَ واحِدٌ مِنَ الكُتَّابِ: "ما الَّذي قد يُسَبِّبُ إحباطًا أكثرَ مِن أن تكونَ مَسيحيًّا يَظُنُّ نَفسَهُ خاطئًا لا يُفَكِّرُ سِوى في نَفسِه بصورة رئيسيَّة، ولكِنَّ هَدَفَهُ في الحياةِ هو أن يُنشئَ قداسةً تُرَكِّزُ على الله؟" هل تُريدُ حقًّا أن تكونَ مُنْفَصِمًا؟ هذه طريقة جَيِّدة لتحقيقِ ذلك. أنْ تُصَدِّقَ أنَّكَ بائسٌ، وشِرِّيرٌ، وخاطئٌ لا رَجاءَ لَهُ يَعيشُ تحتَ سُلطانِ الخطيَّة، وأنَّهُ يجب عليكَ أنْ تُنشئَ قَداسةً. فَمِن شأنِ ذلكَ أنْ يُحبِطَك. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "احْسِبوه"؛ أيْ: رَسِّخوا أنَّ الأمرَ كذلك. وما الَّذي يَقولُه؟ "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا [حَقًّا] عَنِ الْخَطِيَّة"؛ أيْ: "في الحقيقة". "أمواتًا [حَقًّا] عنِ الخطيَّة". عَوِّلوا على ذلكَ، واعْلَموا يَقينًا أنَّ سِيرَتَكُم الذَّاتيَّة قد كُتِبَتْ في جُزءَيْن: الجُزءُ الأوَّلُ هو الإنسانُ العَتيق، أوِ الطَّبيعةُ العتيقة، أوِ الأنا العتيقة قبلَ الخلاص. والجُزءُ الثَّاني هو الإنسانُ الجديد، أوِ الأنا الجديدة، أوِ الخليقة الجديدة. الجُزءُ الأوَّلُ انتهى بِموتي في المسيح. والجُزءُ الثَّاني ابتدأَ بقيامَتي في المسيح. وَمِنَ المُستحيلِ والمُتَعَذَّرِ أنْ يُعادَ فَتْحُ الجُزءِ الأوَّل.
لِذا فإنَّ عَقيدةَ الخلاصِ بالنِّعمة لا تَدفَعُني إلى اقترافِ الخطيَّة. وقد كانَ هذا هو السُّؤالُ الأصليُّ في العددِ الأوَّل. فعقيدةُ الخلاصِ بالنِّعمة لا تَمنَحُني الحُريَّة لكي أُخطئَ وأجعلَ اللهَ يَستمرُّ في إسباغِ النِّعمةِ بالرِّغمِ مِن خطايايَ المُتكرِّرة. لا، لا، لا! لأنَّهُ عندما خَلُصْتُ، كُسِرَ سُلطانُ الخطيَّة. ويجب عليَّ أنْ أُوْمِنَ بذلك. يجب عليَّ أنْ أُوْمِنَ بذلك. فأنا في المسيح. وقداسَتُهُ هي مِنْ نَصيبي. والخطيَّة لم تَعُد تُهيمِنُ عَليَّ.
والآن، ما يَعنيه ذلك بالنِّسبة إليَّ، مِنَ النَّاحيةِ النَّظريَّة، هو أنَّني لَستُ مُضطرًّا إلى اقترافِ الخطيَّةِ يومًا. أليسَ كذلك؟ فأنا لم أَعُدْ خَاطئًا رَغْمَ أَنفي، ولستُ ضَحيَّةً لشيءٍ شِرِّيرٍ مُتأصِّلٍ فِيَّ لم يُغْلَب. بل إنَّ الخطيَّةَ لم تَعُد تُهيمِنُ عليَّ. فأنا في المسيحِ، والمَسيحُ فِيَّ. وهذه فكرة رائعة. قبلَ سَنواتٍ، في وَسْطِ الثَّورةِ الَّتي حَدَثَتْ في أمريكا اللَّاتينيَّة، تَمَّ القَبضُ على مُواطِنٍ أمريكيٍّ وحُكِمَ عليهِ رَمْيًا بالرَّصاص. وقد اندفَعَ ضابِطٌ أمريكيٌّ أمامَ فِرقةِ الإعدامِ وَأَلقى عَلَمًا أمريكيًّا على ذلكَ الشَّخص قبلَ إطلاقِ النَّارِ عليهِ مُباشرةً. وقد قال: "إنْ أَطلَقتُمُ النَّارَ على العَلَمِ الأمريكيِّ سَتَجلِبونَ عليكُم غَضبَ الأُمَّةِ بأسرِها". وقد أَخْلَوْا سَبيلَهُ. وبِمَعنى مِنَ المَعاني، فإنَّنا قد سُتِرْنا بِبِرٍّ يَحْمينا جدًّا هو بِرُّ يسوعَ المسيح.
وقد عَبَّرَ "آيزيك واطس" (Issac Watts) عن ذلك بهذه الكلمات: "فيهِ تَحصُلُ كُلُّ عَشائِرِ بني آدمَ على بَركاتٍ أكثر مِن تلكَ الَّتي خَسِرَها آباؤهم". لِذا فإنَّنا موجودونَ في صَميمِ قَصدِهِ الأبديِّ، وخُطَّتِهِ الأبديَّة، وحُضورِهِ الأبديِّ، وقُدرتِهِ الأبديَّة. "فقد تَبارَكنا بِكُلِّ بركةٍ روحيَّةٍ في السَّماويَّات. وَهُوَ الْعَامِلُ فِينا أَنْ نُرِيدَ وَأَنْ نَعْمَلَ مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة. وَالَّذي ابْتَدَأَ فِينا عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيح. فاللهُ جَعَلَنا خَليقةً جديدة. ويجب علينا أنْ نَحْسِبَ ذلك". والآن، ما المقصودُ بأن تَفعلوا ذلك؟ وما المقصودُ بأن تُؤكِّدوا أنَّكُم قد مُتُّمْ حَقًّا عنِ الخطيَّة، وأنَّكُم تَحْيَوْنَ للهِ مِن خلالِ يسوعَ المسيح؟ ما المَعنى الحَقيقيّ لذلك؟ اسمحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم بِضعةَ أشياء، أو بِضعة تَطبيقات عَمليَّة لذلك:
أوَّلاً، إنْ كانَ بمقدورِنا أنْ نُؤكِّدَ هذا في قُلوبِنا، سَنَعلمُ حينئذٍ أنَّ لدينا الثِّقة في وقتِ التَّجربة. أليسَ كذلك؟ فيمكننا أن نكونَ واثقينَ في وقتِ التَّجربة. وما أعنيه هو أنَّهُ يُمكنُنا أن نُلَخِّصَ ذلك بذاتِ الكلماتِ الَّتي قالَها الرَّسولُ بولس: "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا [ماذا؟] الْمَنْفَذَ". فلن تكونَ هناكَ تَجربة طَاغِيَة لا يُمكِنُكُم، بقوَّةِ اللهِ، أن تَعلموا أنَّكُم تَستطيعونَ أن تتغلَّبوا عليها. البَتَّة. لأنَّ الخطيَّة ليست مُتَسَلِّطَةً عليكم، أو سَيِّدَةً عليكم، أو مُهيمِنَةً عليكم. لِذا، إنْ كُنَّا نَعلَمُ ذلكَ ونُؤكِّدُ ذلك، فإنَّ هذا يعني أنَّنا نستطيعُ أن نكونَ واثِقينَ في التَّجربة. وَمِنَ الرَّائعِ أن نَعلَمَ ذلك. فقد تُصابُ بخوفٍ شَديدٍ جدًّا في كُلِّ مَرَّةٍ تأتي فيها التَّجربة. فقد تَخشى مِن أنَّها ستكونُ التَّجربةَ الَّتي لن تتمكَّنَ مِنَ احتمالِها. ولكِنْ يُمكِنُكَ أن تكونَ واثِقًا في التَّجربة.
ثانيًا، وقد يَبدو هذا غَريبًا، ولكِن يُمكِنُكم أنْ تَكونوا واثِقينَ حَتَّى عندما تُخطئون. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيهِ بذلك؟" يُمكِنُكَ أن تكونَ واثقًا مِنْ أنَّكَ حينَ تُخطِئ فإنَّكَ لن تَفقِدَ خَلاصَك. فالخطيَّة قد تُطِلُّ برأسِها القَبيحِ وتَجعَلُكَ تُطيعُها بالرَّغمِ مِن أنَّكَ لستُ مُضطرًّا إلى القِيامَ بذلك. ولكِنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي لا يُمكِنُها أن تَفعلَهُ هو أنْ تَخْطَفَكَ مِنْ يَدِ الله. فهي لا تَستطيعُ ذلك. فأنتَ لستُ مُضطرًّا لِدَفعِ أُجرَتِها مَرَّةً أخرى. وهذا هو مَعنى ما جاءَ في العَدَدَيْن 9 و 10 إذْ نَقرأُ أنَّه عندما ماتَ المسيحُ فإنَّهُ مَاتَ مَرَّةً، وَهُوَ لن يَموتَ مَرَّةً أخرى لأنَّ تلكَ المِيْتَة الواحدة دَفَعَتِ الأُجرةَ مَرَّةً واحدةً وَكَسَرَتْ سُلطانَ الخطيَّة حَتَّى إنَّنا لو أخطأنا، وحَتَّى لو تَعَثَّرنا وأَخْفَقْنا، فإنَّنا نَستطيعُ أن نَكونَ واثِقينَ في وَسْطِ ذلكَ مِن أنَّنا لم نَخسَر فِداءَنا. وهذه فِكرة رائعة، وحقيقة عظيمة. لِذا، عندما تَستطيعُ أنْ تَحسِبَ نَفسَكَ مَيْتًا حقًّا، ستكونُ لديكَ الثِّقة في التَّجربة، وستكونُ لديكَ الثِّقة حتَّى عندما تُخطئ.
وأودُّ أن أَذكُرَ نُقطةً ثالثةً وهي: أنْ تَعرِفَ أنَّ سُلطانَ الخطيَّةِ قد كُسِر يعني أنْ تَكونَ واثِقًا في الموت...أنْ تَكونَ واثِقًا في الموت. "مَنْ آمَنَ بِي [كما قالَ يَسوعُ] وَلَوْ مَاتَ..." [ماذا؟] فَسَيَحْيَا. وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي [فماذا؟] فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَد". وأنا أريدُ أن تكونَ لديَّ الثِّقة في أوقاتِ التَّجربة بأنَّها ليست أكثرَ مِمَّا أستطيعُ أن أحتَمِل. وأنا أريدُ أن تكونَ لديَّ الثِّقة حتَّى عندما أُخطئ عَالِمًا أنَّ الخطيَّةَ لن تَخْطَفَني مِنْ يَدِ اللهِ وَلن تُهلِكَني. وأنا أريدُ أن تكونَ لديَّ الثِّقة عندما أواجِهُ الموتَ عَالِمًا أنَّ الموتَ لا يَملِكُ سُلطانًا عليَّ. ويُمكِنُكَ أن تَكتسبَ هذه الثِّقةَ عندما تَعلمُ أنَّ هذا صحيح، وعندما تُؤكِّدُ ذلكَ في قلبِك. وعندما تَتحرَّرُ مِنَ الخَوفِ مِنَ التَّجربة، وتَتحرَّرُ حَتَّى مِنَ الخوفِ مِنْ حُدوثِ كارثةٍ عندما تُخفِق وتُخطئ، وتَتحرَّرُ مِنَ الخوفِ مِنَ الموت، ستتمكَّنُ مِنَ التَّمتُّعِ بِمِلْءِ بَرَكَةِ حَياتِكَ معَ الله. وهذا يَتأتَّى عندما تَتعلَّم أن تُؤكِّدَ أو تَحْسِبَ أوْ تَنظُرَ إلى ذلكَ بأنَّهُ صحيح.
لِذا، احْسِبْ أنَّكَ حَيٌّ للهِ. فهي حالة دائمة. وأريدُ مِنكُم أن تُلاحظوا أنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقولُ إنَّكُم أحياء للهِ بالمسيحِ يَسوع. فهذا هو ما يَقولُهُ النَصُّ اليونانيُّ في تلكَ العبارةِ الأخيرة. بالمسيحِ يَسوع. وهذا يُعيدُنا إلى نَفسِ موضوعِ اتِّحادِنا بِهِ. وهذا رائع! فَكُلُّ شيءٍ يَحدُثُ لأنَّنا فيه. فعندما ماتَ، هل كانت دُفعَتُهُ عنِ الخطيَّة كافية؟ هل كانت كافية؟ إذًا، عندما مُتْنا فيه، كانَ مَوتُنا كافيًا أيضًا. والخطيَّةُ لا تَستطيعُ أنْ تُطالِبَنا بأيِّ شيء. لِذا فإنَّنا لا نَخافُ حَتَّى عندما نُخطئ في أنْ نُطْرَدَ خارجًا لأنَّ أُجرةَ الخطيَّة دُفِعَتْ كاملةً، ولأنَّ سُلطانَ الخطيَّة قد كُسِرَ تَمامًا. في المسيح...في المسيح...في المسيح. اسمعوني: لا توجد ديانة في العالم تَقولُ ذلك. فالنَّاسُ لا يَقولون: "أنا في بوذا"، أو "أنا في مُحَمَّد"، أو "أنا في كونفوشيوس"، أو "أنا في ميري بيكر إيدي باترسون غروفر فراي" (Mary Baker Eddy Patterson Grover Frye)، أو "أنا في مدام بلافاتسكي" (Madam Blavatsky)، أو "أنا في آني بيسانت" (Anny Beasant)، أو "أنا في القاضي رذرفورد" (Judge Rutherford)، أو "أنا في جيمس رَسل" (James Russell). إنَّهم لا يَقولونَ ذلك. أو "أنا في جوزيف سميث" (Joseph Smith). ولكِنَّنا في المسيح. وهذا رائع. لِذا فإنَّنا نَحسِبُ ذلكَ ونؤكِّدُ أنَّهُ صحيح.
الكلمة الثَّالثة...ونحنُ نأتي الآنَ إلى لُبِّ الأمر. هل تُريدونَ الكلمة الثَّالثة؟ إنَّها مذكورة في بدايةِ العدد 13. ما هي؟ "قَدِّمُوا". وقد تَقولُ بعضُ التَّرجماتِ "ضَعُوا". وهي قد تُتَرْجَمُ بِكلتا الطَّريقَتَيْن. والآن، إنْ كانَ "العِلْمُ" يَختصُّ بالعقلِ، و "الحِسابُ" يَختصُّ بالقلب، فإنَّ "التَّقديمَ" يَختصُّ بالإرادة. فالتَّقديمُ يَختصُّ بالإرادة. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 13: 17 (وهي واحدة مِنَ الجُمَلِ المُفَضَّلة لديَّ) أنَّ الرَّبَّ يَقول: "إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ [ماذا؟] عَمِلْتُمُوهُ". أجل! فهذه هي خُلاصةُ القَول. فنحنُ نَقرأ في العدد 12: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ". وَهُوَ يُتابِعُ قائلاً: "وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ للهِ".
والآن، هناكَ لاهوتٌ كثيرٌ في هَاتينِ الآيتين. وسوفَ أَصْرِفُ وَحَسْب وقتًا رائعًا. وأرجو أنْ أتمكَّنَ مِنْ قَولِ ما لديَّ. رَكِّزوا مَعي. فهذا مُدهشٌ جدًّا. وسوفَ تَجدونَ الإجابةَ عن بعضٍ مِن أسئلتكم هنا، في اعتقادي. فنحنُ نَقرأ في العدد 12: "إِذًا...". وعندما نَرى الكلمة "إذًا"، يجب أن نَعلمَ أنَّها تَعني: "في ضَوءِ ما سَبَق". فهي تَنْقِلُنا مِن جُملة سابقة إلى جُملة لاحِقة. "لأنَّنا أمواتٌ حَقًّا عنِ الخطيَّة، أمواتٌ حقًّا، أمواتٌ بِكُلِّ مَعنى الكلمة، أمواتٌ بالفِعل"...فهذا هو مَعناها. "فحيثُ إنَّنا أمواتٌ حقًّا إذْ إنَّ ذلكَ حَدَثَ فِعليًّا، لا فقط في أذهانِنا، وحيثُ إنَّنا أحياءٌ للهِ، لِذا، لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ". وقد قُلنا خلالِ دراسَتِنا للآياتِ العَشْرِ السَّابقة إنَّ الخطيَّة لا تَملُك علينا، وإنَّ الخطيَّة لم تَعُد تُهيمِن علينا، وإنَّ الخطيَّة لم تَعُد تتحكَّمُ فينا. وهل يُمكنُني أن أُضيفَ شيئًا؟ نحنُ لم نَقُل يومًا إنَّ الخطيَّة ليست قُوَّةً ينبغي أنْ نَحسِبَ لها حِسابًا. ولكنَّها لم تَعُد تُهيمِنُ علينا بعدَ الآن. فهي ليستْ سَيِّدًا علينا. ولكنَّها ما تَزالُ قوَّةً ينبغي أنْ نَحسِبَ لها حِسابًا. وهذا الحَضُّ في العدد 12 يُخبرُنا أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ الخطيَّة هي مَلِكٌ مَخلوع عنِ العَرشِ، فإنَّها ما تزالُ موجودة وتُصدِرُ الأوامِرَ الَّتي لا يَنبغي أنْ تُطاعَ، ولكنَّنا نُطيعُها أحيانًا. وهي تُريدُ أن تَجذِبَنا وتَجعلَنا تحتَ سَيطرتِها مَعَ أنَّها لا تَمْلِكُ الحَقَّ في ذلك. "لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ".
والآن، أنتُم تَرَوْنَ الخطيَّةَ هُنا مشَخَّصَةً. والخطيَّةُ مُشَخَّصَةً في صُورةِ مَلِك. وَهُوَ مَلِكٌ يَمْلِكُ على حياةِ النَّاس. فقبلَ أن نَصيرَ مُؤمِنين، كانتِ الخطيَّةُ حَقًّا مَلِكًا علينا. وكانتِ الخطيَّةُ تَسودُ علينا. وقد كُنَّا عَبيدًا لها. أجل. فقد كُنَّا عَبيدًا لها. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في العدد 17: "أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّة". فهذه حقيقة. والآن، اسمعوا بعناية شديدة. فنحنُ نَجِدُ هُنا وَصِيَّةً في العدد 12: "لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ". وما الَّذي يَعنيه؟ اسمعوا: إنْ لم تَعُد الخطيَّةُ هي المَلِك، لا تَسمحوا لها أنْ تَتصرَّفَ كما لو أنَّها كذلك. هل فَهِمتُم ذلك؟ وما أعنيه هو: إنْ لم يَكُن لها أيُّ حَقٍّ في القيامِ بذلك، لا تُعطوها أيَّ حَقٍّ. وهذه حقيقة: الخطيَّة لا تَملِك عليكُم. هذه حقيقة. وهذا خَبَر. وهذا حَضٌّ. لا تَسمحوا لها أن تتصرَّفَ كما لو كانت كذلك. فهذا فِعْلُ أمْر. فسُلطانُها قد كُسِر. لِذا، لا تَسمحوا لها أن تَتصرَّفَ كما لو كانت ما تَزالُ تَملِكُ أيَّ حَقٍّ.
وبُطرسُ (على ما أَظُنّ) يَتحدَّثُ في نفسِ الشَّأنِ في رسالة بُطرس الأولى...وَهُوَ مَقطعٌ رائع...في الأصحاح الثَّاني والعدد 9: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ". وهذه أمور عَظيمة. أليس كذلك؟ "لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. الَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ". فهل تُريدونَ أن تَعرفوا مَنْ هو الشَّخصُ المسيحيّ؟ اقرأوا وَحَسْب هذهِ الآيات: جِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ مُدعُوٌّ لكي تُخبروا بفضائِلِهِ. وقد دُعيتُم مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّورِ، وَصِرتُم الآنَ شَعبَ اللهِ، وَحَصَلتُم على الرَّحمة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ...أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ". بعبارة أخرى، انظروا إلى هُوِيَّتِكُم. أَتَرَوْن! فأنتُم لستُم مُضطَرِّينَ إلى القِيامِ بذلك.
ونَجِدُ هُنا حَقًّا مُهمًّا جدًّا: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ". ألا وَضَعْتُم خَطًّا تحتَ هذهِ العِبارة؟ في جَسَدِكُم المَائِت. وأعتقد أنَّ هذهِ الآية ستُزيلُ كَمًّا هائِلاً مِنَ التَّشويش. فهل تَعلمونَ أينَ تُريدُ الخطيَّةُ أنْ تَملِك؟ الجَوابُ في تلكَ الآية. أينَ تُريدُ أنْ تَملِك؟ في ماذا؟ جَسَدِكُم المَائِت. وما مَعنى "المائِت"؟ الفاسِد. في جَسَدِكُم المائِت الَّذي سَيَسكُنُ إلى الأبد معَ الله؟ لا! فذلكَ سيكونُ جَسَدنا المُمَجَّد. ولكنَّهُ هذا الجَسدَ الأرضيّ، المَلعون، العُضوُ الماديُّ الَّذي يَضُمُّ الجسدَ البدنيَّ بِكُلِّ أعضائِهِ وأجزائِهِ، ويَضُمُّ العَقلَ وكُلَّ وَظائِفِه. فهو الجسدُ الماديُّ الَّذي تَسعى الخطيَّةُ إلى السَّيطرةِ عليه. والآن، استمعوا بعناية شديدة إليَّ. قبلَ أنْ تَخلُصوا، كانتِ الخطيَّة تَسودُ لا فقط في أجسادِكُم، بل في نُفوسِكُم أيضًا. ولكنِّي أعتقد أنَّهُ عندما افتُديتُم، فإنَّ الخليقةَ الجديدةَ هي النَّفس، وأنَّ الخطيَّةَ لم تَعُد تَجِدُ سِوى الجسد الماديّ لِتُهيمِن عليه. وأنا أقولُ ذلكَ لأنَّ هذا هو ما يَقولُه. فهي لَفْظَة مُحَدَّدة جدًّا. فهذه ليست طبيعَتُنا العَتيقة. فنحنُ لا نتحدَّثُ هنا عنِ الطَّبيعةِ، أوِ الإنسانِ الحقيقيِّ، أو إنساني البَاطِن. فهذه هي النَّفس أوِ الإنسانُ البَاطِن. وهي ليست الإنسان الجديد، أو الطَّبيعة الجديدة الَّتي تَشتركُ في السَّكَنِ معَ النَّفسِ العَتيقةِ الشِّرِّيرةِ الَّتي تَسودُ عليها الخطيَّة. لا، لا. فتلكَ النَّفسُ مَيِّتة. وقد حَصَلْنا على نَفسٍ جديدة، أيِ الأنا الحَقيقيَّة، أو ذاتي الحقيقيَّة. فالإنسانُ الباطِنُ مُقدَّسٌ وطاهِرٌ ومُعَدٌّ للسَّماء.
فالمكانُ الوحيدُ الَّذي تستطيعُ الخطيَّةُ أنْ تَأتي إليَّ مِن خلالِهِ (بحسبِ المُصطلحاتِ الَّتي يَستخدِمُها بولس...وهو أمرٌ يَتطلَّبُ، بِدونِ شَكٍّ، دِراسةَ مَعاني الألفاظ...ولكِن دَعونا نَفهَمُ ما يَقول) فالمكانُ الوحيدُ هو الجسد. وهل تُريدونَ ألفاظًا أخرى؟ أَبْدانُنا أو طَبيعَتُنا البشريَّة. والكلمة "مَائِت" بحسبِ المُعجَم (إذْ إنَّني بَحثتُ عنها) تَعني: "بائِد" أو "قابِل للموت" أو "يَنتمي إلى هذا العالَم". ولكنَّنا نُفوسٌ جديدة. ونحنُ خَلائِق جديدة. ولكِنَّ الخطيَّةَ ما تزالُ باقية في أجسادِنا. وهذا يعني، يا أحبَّائي، اسمعوني: إنْ تَمَكَّنَّا وَحَسْب مِنَ التَّخلُّصِ مِن هذه الأجساد، سنحصُلُ حالاً على القداسة. هل تُصَدِّقونَ ذلك؟ فهذا هو تمامًا ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس في رسالة رومية 8: 21. انظروا إلى هذه الآية: "لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ" (وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عنِ الجسد) إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ الله". وما أعنيه هو: ألن يَكونَ مِنَ الرَّائعِ أن نَتخلَّصَ مِن هذا الجُزءِ مِنَّا؟ "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ [أيْ كُلَّ الجوانبِ الماديَّةِ] تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا...وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ [ماذا؟] أَجْسَادِنَا". فهذا هو ما نَنتظِرُه. فنحنُ نَنتظِرُ جَسَدًا مَفْديًّا. ونحنُ نُريدُ أن نَتخلَّصَ مِنَ الجسدِ الَّذي لَدينا.
انظروا إلى رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّالث. وأريدُ منكم أن تَرَوْا اتِّساقَ الرَّسولِ في تَعليمِ هذا المَبدأ. رسالة فيلبِّي 3: 20: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ". وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ النَّفس. فنحنُ مُواطِنونَ سَماويُّون. ونحنُ خَلائِق جديدة. ونحنُ شُركاء الطَّبيعة الإلهيَّة. ونحنُ مَسكونونَ بروحِ اللهِ القُدُّوس. "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ". وعندما يأتي، ما الَّذي سيَفعلُه؟ هل سيُغَيِّرُ نُفوسَنا؟ لا! "الَّذِي سَيُغَيِّرُ..." [ماذا؟] جَسَدَنا الفاسِد، أو جَسَدَنا الوَضيع، أو "شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ". فهذا هو ما نَنتَظِرُهُ.
وإليكُم مَقطَعًا آخرَ لمساعدتِكُم في تَفكيرِكُم. رسالة كورِنثوس الأولى 15: 50 ... 15: 50. وهي جُملة مُهمَّة جدًّا: "فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ...". استمعوا جَيِّدًا. هل أنتُم مُستعِدُّونَ لهذا؟ "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ". هل تُريدونَ أن تَعرِفوا شيئًا، يا أحبَّائي؟ لا يُمكِنُكم أن تَدخُلوا السَّماءَ بذلكَ الجسدِ الَّذي تَعيشونَ فيهِ الآن. والآن، أنتُم تَنظرونَ إلى جَسَدِكُم وتَعتقدونَ أنَّهُ رائعٌ...رُبَّما! ونِسبِيًّا، رُبَّما يكونُ أفضل مِن جَسَدِ شخصٍ آخر. ولكنَّكَ لا تستطيعُ أن تَدخُلَ السَّماءَ بِهِ. لماذا؟ نِهاية العدد 50: "وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ". حسنًا! وما الَّذي سنَفعلُهُ بهذا الشَّأن؟ أيْ: كيفَ سَنَدخُل السَّماء؟ آه! سوفَ أقولُ لكم كيف. "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ".
فعندما يَخرجونَ مِن ذلكَ القبر، هل سيكونونَ في أجسادٍ قابلة للموت؟ وهل سيكونونَ في أجسادٍ قابلة للفساد؟ لا، بل سيقومونَ في أجسادٍ غير قابلة للموتِ وعَديمة الفَساد. "لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ»". وَهَلُمَّ جَرَّا. والآن، هل فَهِمتُم الصُّورة؟
والآن، لنَرجِع إلى رُومية 6. واسمحوا لي أن أُريكُم شيئًا. أَلا نَظرتُم إلى ما لا يَقولُهُ بولس؟ استمعوا إلى ما لا يَقولُه. فهو لا يَقول: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي نُفوسِكُم". وَهُوَ لا يَقول: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي أرواحِكُم". وَهُوَ لا يَقول: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِيكُم". بل إنَّهُ يَقول: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ..." [أين؟] "...في جَسَدِكُمُ الْمَائِت". فهذا هو المكانُ الوحيدُ الَّذي تستطيعُ الخطيَّةُ أن تَعملَ فيه. لماذا؟ لأنَّ ذاتكَ الحقيقيَّة وطَبيعَتَكَ الحقيقيَّة مُقدَّسة الآن. وهذا هو سَبَبُ وُجودِ هذا الصِّراعِ في رُومية 7 إذْ تَقولُ: "أنا أُريدُ أن أفعلَ الصَّلاح". فهذا يَنبُعُ مِن ذاتي الحقيقيَّة. ولكِنَّ جَسدي يُسَبِّبُ لي مُشكلةً. هل لاحَظتُم ذلك؟ لقد لاحظتُ أنا ذلك.
واسمحوا لي أن أُريكُم ذلك. رُومية 7. وأنا لا أُحِبُّ أنْ أستمرَّ في الرُّجوعِ إلى رُومية 7 لأنِّي أريدُ أن أُفاجِئَكُم عندما نَصِلُ إليه، ولكنِّي لا أستطيعُ فِعْلَ ذلك. رُومية 7: 17. ارجِعوا إلى العدد 15. فيجب أن نَتحدَّثَ عنِ المَقطع كُلِّه: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ". فهو يَقول: "أنا لا أَفهَمُ نَفسي". "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ". بعبارة أخرى: "هَأنذا! فأنا أفعلُ أُمورًا لا أُريدُ أن أَفعلَها". بعبارة أخرى: "هناكَ شَيءٌ في داخلي يَقولُ لي إنَّني لا أريدُ أن أفعلَ ذلك، ولكنَّ جَسدي يُريدُ أن يَفعلَ ذلك". لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العدد 17: "فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا". ويا لها مِن جُملة! إذًا، مَنِ الَّذي يَفعلُ ذلك؟ وما الَّذي تَعنيه بأنَّكَ لستَ أنتَ مَن يَفعل ذلك؟ إنَّهُ يَقولُ: "لَسْتُ أَنَا". أيُّ أنا؟ "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". فالنَّفسُ الجديدةُ العَديمةُ الفَسادِ المُهَيَّأة للحياةِ الأبديَّة والمُقَدَّسة الَّتي خَلَقها اللهُ هي ليست مَن يَفعل ذلك، "بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ".
آه! إذًا، لستَ أنتَ، بل هي الخطيَّةُ السَّاكِنَةُ فيكَ. وأينَ تَسكُنُ الخطيَّة يا بولس؟ العدد 20: "فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". أنا أَعلمُ أنَّكَ قُلتَ ذلكَ، ولكِنْ أينَ تَسكُنُ فيكَ؟ أَلا نُريدُ أن نَعلمَ أينَ تَسكُنُ الخطيَّة؟ حسنًا، لننظر إلى العدد 22: "فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِن". والمقصودُ بذلك: "أنا الحقيقيّ" أو "أنا الجديد" أو "الخليقة الجديدة". "وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ..." استمعوا إلى ما يَقول: "...فِي... [أين؟] "أَعْضَائِي". وهل تَعلمونَ مَعنى هذه الكلمة؟ أعضاء الجسد...أعضاء الجسد. "يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي". وماذا عنِ العدد 25؟ "إِذًا أَنَا"...بعدَ الجُملةِ الأولى، فإنَّهُ يَقول: "إذًا أنا نَفْسِي بِذِهْنِي..." [أيْ في ذاتي الحقيقيَّة] "...أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ [بماذا؟] بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ". وأرجو أنَّكم تَفهمونَ مَعنى ما يَقولُهُ الرَّسولُ بولس.
وأودُّ أن أَلفِتَ انتباهَكُم إلى العدد 24 مِن رُومية 7. وهذا سيُعطيكُم (في رأيي) الخُلاصة القويَّة: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ [ماذا؟] جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" أَنقِذوني وَحَسْب مِن هذا الجسد. فهو يَقتُلني. والآن، هل فَهِمتُم ذلك؟ أَلا تَجدونَهُ أمرًا رائعًا؟ وكما تَرَوْنَ، لأنَّكُم خليقة جديدة، وكُلُّ ما ينبغي أن تَفعلوه هو أن تَخرُجوا مِن هذا الجسد لِتَختبروا حُريَّةَ مَجْدِ أولادِ الله. يجب علينا أن نُتابِع. لِنَعُد إلى رُومية 6. وبالمُناسبة، لقد خَطَرَ ببالي شيء. إنَّ الصِّراعَ يأتي إذًا مِنْ جَسَدِنا. أليسَ كذلك؟ مِنْ رَغْباتِ الجَسَدِ وما إلى ذلك. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول في رُومية 12: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا [ماذا؟] أَجْسَادَكُمْ". وكما تَرَوْنَ، هذه هي المشكلة. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في رسالة كورِنثوس الأولى 9: 27: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي". اخْنَعْ يا جَسَدي! أَتَرَوْن؟ فأنا أَقْمَعُ جَسَدي لأنَّ الجسدَ هو المُشكلة. والآن، هذه هي الألفاظُ الَّتي يَستخدِمُها بولسُ لِوصفِ الصِّراع.
والآن، لِنَعُد إلى رُومية 6، كما قُلتُ، ونَنظُر إلى العدد 12. فهو يقولُ: "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ". فالجسدُ يَشتهي. والجسدُ لَهُ رَغَباتُهُ. وشَهَواتُ الجسدِ تَصرُخُ وتُنادي لأجلِ تَلبِيَتِها. وهي تَطلُبُ الطَّاعة. وتَذَكَّروا أنَّ الجسدَ هو المكانُ الَّذي تَأتي مِنهُ الشَّهَوات. وَعَقلُكُ وعمليَّاتُ التَّفكيرِ الَّتي يَقومُ بها هي جُزءٌ مِن ذلكَ الجسد. والآن، ما الَّذي نَفهَمُهُ مِن هذا؟ "إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ". إنَّ ما تَقولُهُ لنا هذه الآية هو أنَّ الخطيَّة سَتُهيمِنُ عليكم إنْ سَمَحتُم لها. أليسَ كذلك؟ بعبارة أخرى، إنْ أَطلقتَ العِنانَ لجسدِك، وأعطيتَ جَسَدَكَ مَا يُريد، وَأعطيتَ جَسَدَكَ ما يَشتهي، وحَرَّضْتَ جَسَدَكَ، وعَرَّضْتَ جَسدَكَ للتَّجربة، ستواجهُ مُشكلةً لأنَّ الجسدَ وجميعَ العوامِلِ الحِسيَّةِ المُعَرَّضة لهذا العالَم تَصيرُ قَنواتٍ تَستطيعُ التَّجربةُ مِن خلالِها أن تَجذِبَكَ إلى الخطيَّة. والخطيَّةُ قد تَسودُ عليك. إذًا، الخطيَّةُ قد تَسودُ عليكَ إنْ لم تُقاوموها.
ولكِن هل تَعلموا أيضًا ما تُخبرُني بِهِ هذه الآية؟ لا يَنبغي أن تَسودَ عليكَ لأنَّ حَقيقَةَ قَولِهِ "لا تَسمحوا لها بذلك" تَدُلُّ على أنَّها لا يَجِبُ أن تَسود. أليسَ كذلك؟ فهو يَقول: "لا تَسمحوا للخطيَّة أن تَمْلِكَ في جَسَدِكُم المَائِت". وهل تَعلمونَ ما مَعنى هذا الكلامِ بالنِّسبةِ إليَّ؟ أنَّها ستَرغبُ في القيامِ بذلك، ولكنِّي لستُ مُضطرًّا إلى السَّماحِ لها بذلك. ألا تَجدونَ هذا الكلامَ مُعَزِّيًا؟ بِكُلِّ تأكيد. وقد تَقول: "وما العامِلُ الرَّئيسيّ؟" لا بُدَّ أن يكونَ إرادَتي. فما دَامَ يَقولُ لي: "لا تَسمَح لها بالقيامِ بذلك"، لا بُدَّ أنِّي أنا مَنْ يَسمحُ لها أو لا يَسمحُ لها. وما أعنيه هو: يُمكِنُكَ أن تَكونَ مُتَصَوِّفًا جدًّا في الحياةِ المسيحيَّةِ وأن تَقول: "سوفَ أَدَعُها تَفعلُ ما تَشاء، وأَدَعُ اللهَ يَفعلُ ما يَشاء". أَتَرَوْن؟ فيمكنكم أن تكونوا مُتَصَوِّفينَ جدًّا بهذا الخُصوص وأن تَقولوا: "حسنًا، لن أفعلَ شيئًا، بل سأدَعُ اللهُ يَفعلُ كُلَّ شيء". أَتَرَوْن؟ فَكما تَرَوْنَ، فإنَّ وَصايا الكتابِ المقدَّسِ ليست مُوَجَّهَةً إلى الله، بل إليكُم. والتَّطبيقُ هُنا هو أنَّ مَشيئَتَكُم ينبغي أن تُفَعَّل. وهذا هو مَعنى الكلمة "أَخْضِعُوا" أو قَدِّمُوا". فَمشيئَتُكم لها دَوْر. فالخطيَّةُ تُريدُ أن تَسودَ عليكم، وتُريدُ أن تُهيمِنَ عليكُم إنْ سَمَحتُم لها بذلك. ولكنَّكَ لستُ مُضطرًّا إلى السَّماحِ لها بذلك. ومشيئَتُكَ عامِلٌ أساسيٌّ. وأعتقد أنَّ هذا هو ما قَصَدَهُ بولسُ في رسالة فيلبِّي 2: 12 و 13 حينَ قال: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ". ولكنَّ ذلكَ لن يَحدُثَ إلَّا إذا قُمْتَ بتفعيلِ إرادَتِكَ بحسب مَشيئَتِه.
وسوفَ أُخبرُكم شيئًا آخر تَقولُهُ هذه الآية. فهي تقولُ إنَّ القَداسةَ في السُّلوكِ هي ليست شيئًا يَحدُثُ فَجأةً وعَفويًّا، بل هي نَهْجُ حَياة. ويجب عليكَ أن تستمرَّ في مُقاومةِ الخطيَّة لكي تَبقى قِدِّيسًا لأنَّهُ طالما أنَّكَ في هذا...أيْ في ماذا؟ في هذا الجسد، ستُواجِه مَشاكِل. لِذا، عندما أسمعُ أشخاصًا يَقولون: "أتَدري أنَّهُ قبلَ عَشْرِ سِنين تَمَّ استئصالُ الخطيَّةِ مِن حياتي"، فإنَّ رَدَّ فِعلي هو: جُسُّوهُم وانظروا إنْ كانت أجسادُهُم ما تَزالُ هُناكَ. أَتَرَوْن! لأنَّكَ إنْ كُنتَ ما تَزالُ تَعيشُ في جسدِك فإنَّكَ ما تَزالُ تُواجِهُ المَشاكِل. فالتَّقديسُ هو عَمليَّة. لِذا فإنَّنا لن نَختَبِرَ مِلْءَ القَداسةِ إلَّا عندما نَصيرُ معَ الله.
إذًا فإنَّ مَشيئَتَكَ مَذكورة ضِمنيًّا في العدد 12. ومشيئَتُكَ هي العامِلُ الحاسِم في العدد 13. لِذا فإنَّهُ يقول: "وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ"، أي أعضاءَكُم الجسديَّة، يا أحبَّائي. وهذا يُشيرُ إلى قُواكَ، وأعضائِكَ، ومُيولِكَ البشريَّة الكامِنَة في الجسد، وَحَتَّى إلى أفكارِكَ، ومَنطِقِكَ، وقُدرَتِكَ على التَّخيُّل، وعلى كُلِّ ما هو مَوجودٌ في طَبيعَتِكَ البشريَّة، وعلى كُلِّ ما هو موجودٌ في جَسَدِك، أوْ بَدَنِك، أو طَبيعَتِكَ الأرضيَّة، أو طَبيعَتِكَ الفاسدة، أوْ في الجُزءِ القابلِ للفَناءِ فيكَ. لا تُقَدِّموا أجسَادَكم، ولا تُوَفِّروها آلاتٍ. وتلكَ الكلمة تُستخدَمُ دائمًا في العهدِ الجديد ("هابلا" – “hoopla”) تُتَرجَم دائمًا "أسلحةً" فهي تُترجَمُ دائمًا: "أسلحة". وقد تكونُ الكلمة "أسلحة" هي أفضل تَرجمة مُمكِنَة. فبولسُ يَستخدِمُها دائمًا بهذا المَعنى. فالخطيَّةُ تُرى كما لو كانت مَلِكًا. وَهُوَ مَلِكٌ يَطلُبُ أن تكونَ أجسادُنا أسلحةً لعملِ الخطيَّة. وَهُوَ يَستخدِمُ أجسادَنا كأسلحةٍ للسَّيطرةِ على العالَم. والجسدُ يَصيرُ سِلاحًا بينَ يَديهِ لِنَشْرِ الفَساد. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "لا تَسمحوا للشَّيطانِ أن يَكونُ مَلِكًا يَجمَعُ الأسلحةَ لِنَشرِ الفَسادِ في العالم. لا تَسمحوا لَهُ أن يَستخدِمَكُم سِلاحًا مِن أسلحَتِه". لِذا، لا تُقَدِّموا أعضاءَكُم الجسديَّة أسلحةً لِلفسادِ مِنْ أجلِ نَشْرِ الخطيَّة.
والآن، لا يوجد خطأ في أعضائِكُم الجسديَّة. فاللهُ نَظَرَ إلى الخَليقةِ الَّتي صَنَعها ورأى ذلكَ أنَّهُ حَسَنٌ. ويُمكِنُكَ أن تَستخدِمَ يَديكَ وقَدميكَ وكُلَّ جُزءٍ مِن جَسمِكَ لِمَجدِهِ. أليسَ كذلك؟ لماذا؟ لأنَّنا نَقرأُ بِكُلِّ تأكيد في رسالة رُومية 12: 1: "قَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً"...هل أنتُم مُستعِدُّونَ لِهذا؟ ما هي الكلمةُ الَّتي تَلي ذلك؟ "مُقَدَّسَةً" وَماذا؟ "مَرْضِيَّةً". فَجَسَدُكَ ينبغي أن يكونَ مَرضِيًّا عِنْدَ اللهِ". أجل. فَجَسَدُكَ مُحايِدٌ مِن هذا الجانِب. ويُمكِنُكَ أن تَستخدِمَهُ كآلةٍ للخطيَّة، أو يُمكنُكَ أن تَستخدِمَهُ كآلةٍ للبِرِّ. فالخِيارُ لَكَ. الخِيارُ لَك. ثُمَّ نَجِدُ الحَضَّ في مُنتصفِ الآية: "بَلْ قَدِّمُوا [أوْ أَخْضِعوا] ذَوَاتِكُمْ للهِ". أَخْضِعوها للهِ "كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ". وهذا، يا أحبَّائي، هو الأساسُ أوِ المَبدأُ الرَّئيسيّ. وتلكَ العِبارة الَّتي تقول: "كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ" تُعيدُنا إلى كُلِّ ما جاءَ في ذلكَ الأصحاح. أليسَ كذلك. وهي تُعيدُنا إلى الكلمة "عَالِمينَ". هل نَسَيْتُم مَنْ أنتُم؟ ألم تُرَسِّخوا هُوِيَّتَكُم لَديكُم؟ والآن، قَدِّموا ذَواتِكُم على هذا الأساس. قَدِّموا أعضاءَكُم الجسديَّة أسلحةً للبِرِّ في يَدِ اللهِ كي يَستخدِمَها للغَرَضِ الَّذي يَشاء. فيجب عليكَ أن تَنظرَ إلى جَسَدِكَ كَسِلاحٍ في يَدِ اللهِ القُدُّوسِ لأجلِ البِرّ.
ألا تَجدونَ أنَّ هذا الأمرَ رائعٌ؟ فاللهُ يُريدُ أن يَستخدِمَ جَسَدَك كَسِلاحٍ للبِرّ كي يُحارِبَ بِهِ العالَمِ الخاطئ. هذا هُوَ الرَّجُلُ الَّذي يُمَجِّدُني! وهذه هي المَرأةُ الَّتي تُمَجِّدُني. وهذا هو الشَّابُّ الَّذي يُمَجِّدُني. فهو سِلاحٌ للبِرّ. ويا لها مِن فِكرة رائعة! فعندما يُريدُ اللهُ أن يُحارِبَ الخطيَّة فإنَهُ يَختارُكَ ويَختارُني لمُحاربةِ الخطيَّةِ مِن خلالِ حَياتِنا البَارَّة. إنَّها فِكرة مَجيدة. فالخطيَّة هي مَلِكٌ مَخلوعٌ. ويجب علينا أنْ نَعلَمَ ذلك. ويجب علينا أنْ نُرَسِّخَ ذلك. ويجب علينا أنْ نُقَدِّمَ حَياتَنا أسلحةً في يَدِ اللهِ القَديرِ مِن أجلِ البِرّ.
ثُمَّ إنَّ بولسَ يَخْتِمُ الفِكرةَ في العدد 14. وكذلكَ أنا. "فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ". ويا لها مِن فِكرة عظيمة! فَسُلطانُها قد كُسِر. ونحن لم نَعُد تحتَ هَيمَنَتِها الدَّائمة الَّتي لا تتوقَّف. ولن نَكونَ كذلكَ يومًا. "لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ [ماذا؟] النِّعْمَة". وهذه جُملة عن مَقامِنا. فنحنُ لسنا تحتَ النَّاموس. وما الَّذي يَعنيه بذلك؟ إنَّ النَّاموسَ والخطيَّة يَسيرانِ جَنبًا إلى جنبٍ لأنَّ النَّاموسَ جاءَ لكي يُرينا ماذا؟ خَطيَّتَنا. فالنَّاموسُ يأمُر. والنَّاموسُ يَطلُب. والنَّاموسُ يُوَبِّخ. والنَّاموسُ يَدين. والنَّاموسُ يَمنَع. ولكِنَّ النَّاموسَ لا يَستطيعُ أن يَغلِبَ الخطيَّة، لا مِنْ جِهَةِ أُجرَتِها ولا سُلطانِها. "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ". لِذا، فإنَّ وُجودَنا تحتَ النَّاموسِ يَعني أنْ نكونَ مُدانين. كما أنَّ وجودنا تحتَ النَّاموسِ يعني أن نكونَ تحتَ سُلطانِ الخطيَّة. فالنَّاموسُ يَزيُدُ وَحَسْب عُبوديَّتَنا مِن خلالِ إظهارِ بَشاعَةِ الخطيَّة وعدمِ قُدرةِ الإنسانِ على فِعْلِ ما هو صَواب. لِذا، فإنَّ وُجودَنا تحتَ النَّاموسِ يُلَخِّصُ العُبوديَّةَ للخطيَّة. فالنَّاموسُ يُظْهِرُ بَشاعَةَ الخطيَّة. والنَّاموسُ يَدينُ الخاطئ. والنَّاموسُ يَتطلَّبُ دَفْعَ الأُجرة. والنَّاموسُ لا يَستطيعُ أن يُخَلِّصَ الضَّحِيَّة. ولكنَّكُم لستُم تحتَ النَّاموس، بل تحتَ النِّعمة. والنِّعمةُ تَشمَلُ وتَضُمُّ كُلَّ البِرِّ في المسيح، وكُلَّ رَحمةِ اللهِ في الخلاص.
لِذا فإنَّ بولسَ يُجيبُ عنِ السُّؤالِ المَطروحِ في العددِ الأوَّل: "أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟" أوه، لا، لا، لا، لا. فنحنُ خلائِق جديدة. فنحنُ نَعلمُ ذلك. ونحنُ نَعتَمِدُ على ذلك. ونحنُ نُقَدِّمُ أنفُسَنا للهِ. والخطيَّة لم تَعُد تُهيمِنُ علينا. ونحنُ لسنا تحتَ النَّاموس، بل تحتَ النِّعمة. وهذه، يا أحبَّائي، طَريقَةُ اختبارِ النُّصرة. اعرِفُوا مَن أنتُم. وصَدِّقوا ذلكَ بِكُلِّ قُلوبِكُم. وقَدِّموا ذَواتِكُم لله. كانت هذه فقط أوَّل 14 آية مِن هذه الأصحاحاتِ الثَّلاثة. وما تَزالُ هُناكَ أمورٌ رائعةٌ في انتظارِنا. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على وَقتِنا في هذا المساء. ونَشكُركَ على ما صَنعتَ لأجلِنا بالرَّغمِ مِن عَدَمِ استحقاقِنا. ونَشكُرُكَ لأنَّنا لم نَعُدْ كما كُنَّا سابقًا، بل صِرْنا جُدُدًا، ومُلائمينَ للسَّماءِ، وأعضاء في المَلكوت، وقد تَبارَكنا بِكُلِّ بَرَكةٍ روحيَّةٍ في السَّماويَّاتِ في المسيحِ يسوع، ونحنُ شُركاء الطَّبيعة الإلهيَّة، وقد حَصَلْنا على كُلِّ ما هو للحياةِ والتَّقوى، وصِرنا كَامِلينَ فيه. ولكِنَّ جَسَدَنا، أو طَبيعَتنا، أو قابليَّتَنا للفَسادِ، أو قابليَّتَنا للموتِ هي عِبْءٌ كبير. فنحنُ نَئِنُّ ونَتَمَخَّضُ مُنتظرينَ فِداءَ أجسادِنا. ولكِنْ إلى أن يأتي ذلكَ الوقت، ساعِدنا، يا رَبّ، على أن نَعلمَ أنَّ الخطيَّة هي عَدُوٌّ مَهزوم. وساعِدنا على أن نُؤمِنَ بذلكَ بِكُلِّ قُلوبِنا وأنْ نَعلَمَ ذلكَ في أذهانِنا. وساعِدنا أنْ نَستخدِمَ إرادَتَنا للخُضوعِ للهِ لكي يَستخدِمَنا كأسلحةٍ في مَعركةِ البِرّ...أسلحةً في يَدِه. يا أبانا، يا لَيتَنا نكونُ قِدِّيسينَ عَمليًّا، في الجسدِ كما في المَقامِ والنَّفس. ويا أبانا، نحنُ نَشكُرُكَ على ما حَقَّقتَهُ في شَرِكَتِنا في هذا المساء، وعلى أنَّكَ فَتحتَ قُلوبَنا لنفهمَ كلمَتَك. نَشكُرُكَ على الرَّسولِ العَزيزِ بولس. فيا لَهُ مِن هِبَةٍ رائعةٍ لنا! وَيا لَهُ مِن أداةٍ رائعةٍ للاستخدام! نَشكُرُكَ لأنَّكَ استخدمَتَهُ لكي نَتعلَّمَ هذه الحقائق. ونحنُ نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ يَقبلَ كُلٌّ مِنَّا في قَلبِهِ ما عَلَّمَتْهُ كَلِمَةُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ لنا لأجلِ مَجْدِك. في اسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
