في هذا المساءِ أيضًا، يا لَهُ مِنَ امتيازٍ عظيمٍ لنا أن نَتأمَّل معًا في الأصحاح السَّابع مِن رسالة بولس الرَّسول إلى أهلِ رُومية...رسالة رُومية والأصحاح السَّابع. ونَصُّنا لهذا المساء هو الأعداد مِن 7 إلى 13. واسمَحوا لي أن أقرأَهُ على مَسامِعِكُم كي تَتَهَيَّأوا لِسَماعِ رسالةِ هذا المساء. رسالة رُومية والأصحاح السَّابع، ابتداءً مِنَ العدد 7:
"فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟ حَاشَا! بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ». وَلكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ أَنْشَأَتْ فِيَّ كُلَّ شَهْوَةٍ. لأَنْ بِدُونِ النَّامُوسِ الْخَطِيَّةُ مَيِّتَةٌ. أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلاً. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا، فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ. لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ، خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي. إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ. فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتًا؟ حَاشَا! بَلِ الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا، لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّة".
عندَ قراءةِ النَّصِّ أوَّلَ مَرَّة، تبدو تلكَ الحُجَّةُ عَويصَةً، ومُعَقَّدةً، وصَعبةً جدًّا. ولكنْ لا حاجةَ إلى أن تكونَ كذلك كما ستَكتشفونَ عندما نتأمَّل معًا في هذا النَّصِّ العظيم. وقبلَ أن نتأمَّلَ في هذا النَّصِّ تَحديدًا، اسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم وحَسْب بأعظمِ خَبَرٍ سَارٍّ أُعلِنَ يومًا، وهوَ مُلَخَّصٌ في الجُملة البسيطة التَّالية: "يَسوعُ المسيحُ جاءَ إلى العالَمِ لِيُخَلِّصَ الخُطاة". فهذا أعظمُ خَبرٍ سارٍ أُذيعَ يَومًا. فالجنسُ البشريُّ كُلُّهُ عَبْدٌ للخطيَّة ومَحكومٌ عليهِ بالذَّهابِ إلى جَهَنَّم. فكُلُّ شخصٍ (رَجُلًا كانَ أَمِ امرأة) وُلِدَ في هذا العالم مَحكومٌ عليهِ بِالذَّهابِ إلى جَهَنَّم كَمصيرٍ أبديّ.
والسَّببُ في ذلك هو أنَّ كُلَّ شخصٍ في هذا العالم يَعيشُ حياةَ تَمَرُّدٍ على الله وعلى ناموسِ الله. فكُلُّ شخصٍ هو مُنتَهِكٌ للوصيَّة الإلهيَّة. واللهُ، الَّذي هو إلَهٌ عادِل، لا بُدَّ أن يُطالِبَ بمُعاقبةِ مِثلِ هذا التَّعَدِّي. وحيثُ إنَّ جرائمَ الإنسان ضِدَّ الله شَنيعة جدًّا، وحيثُ إنَّ بَشاعَتَها تَفوقُ الوَصفَ، مِنَ المُستحيلِ أن يتمكَّنَ البشرُ مِنَ الوَفاءِ بالدَّينِ الَّذي يَدينونَ به. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن أنَّهم لن يَتمكَّنوا مِنَ الوَفاءِ بالدَّينِ تمامًا، ولن يَأتي وقتٌ يُمكِنُهم أن يقولوا فيهِ إنَّ الدَّينَ قد دُفِعَ تَمامًا، فإنَّهم سيَدفعونَ ما يُمكنهم أن يَدفعوه مِن خلالِ صَرْفِ حياتِهم الأبديَّة في جَهَنَّم حيثُ سيتألَّمون. لِذا فإنَّ البشرَ يُولَدونَ في العالَم بِمَصيرٍ مَحْتومٍ في جَهَنَّم لأنَّهم أخطأوا ضِدَّ اللهِ، ولأنَّ اللهَ إلَهٌ قُدُّوسٌ تَقتضي عَدالَتُهُ مِثلَ هذا العِقاب.
ولكِنْ بالرَّغمِ مِن هذه الحقيقةِ المُختصَّة بالبشر، فإنَّ هذا لا يُعَبِّرُ عن شَوقِ قَلبِ الله. لِذا فقد كَتَبَ بُطرس: "وَهُوَ [أيِ اللهُ] لاَ يَشَاءُ [ماذا؟] أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ (في رسالة بُطرس الثَّانية 3: 9)، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَة". لِذا، فقد أرسلَ اللهُ يسوعَ المسيحَ إلى العالمِ كَيْ يَدفعَ الدَّينَ الَّذي يَدينُ بِهِ كُلُّ الرِّجالِ والنَّساء، وكَيْ يَموتَ عَنَّا جميعًا، وكَيْ يَحْمِلَ الخطيَّةَ الَّتي كانَ ينبغي لنا جميعًا أن نَحمِلَها بأنفُسِنا.
وقد شَاءَ اللهُ أنَّهُ عندما يُؤمِنُ الإنسانُ (رَجُلاً كانَ أَم امرأةً) بيسوعَ المسيح، ويَقبلُهُ، ويَقبلُ عَمَلَهُ نِيابةً عنهُ فإنَّ خطاياه سَتُغفَر إلى الأبد. ثُمَّ إنَّ اللهَ دَبَّرَ لا فقط أنْ تُغفَرَ خَطايا هؤلاءِ الأشخاص، بل أنْ يُعَطْوا أيضًا ذاتَ طَبيعةِ يسوعَ المسيح المُقدَّسة. فَهُم يَصيرونَ شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ ذاتِها. فهي تُوْهَبُ إلى ذلكَ الخاطئ الَّذي آمَنَ. لِذا فإنَّهُ يَصيرُ مُؤهَّلاً لِعَيْشِ الحياةِ الأبديَّة في السَّماءِ معَ الله.
لِذا فإنَّني أقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ أفضلَ خَبرٍ أُذيعَ في العالَم هو أنَّ يسوعَ المسيحَ ماتَ لكي يُخَلِّصَ الخُطاة. ومِن خِلالِ الإيمانِ بالرَّبِّ يسوعَ المسيح، يَستطيعُ النَّاسُ أن يَتصالَحوا معَ الله، وأنْ يَنْجَوْا مِنَ الدَّينونة، وأنْ يَحصُلوا على حُسْبانِ البِرِّ الإلهيِّ. فَسوفَ يُوْفَى عنهم دَينٌ لم يَكُن بمقدورِهم يومًا أن يُوْفوهُ بأنفسِهم. وسوفَ يَصيرونَ مُؤهَّلينَ للسَّماءِ بطريقة لم يَكُن بمقدورِهم يومًا أن يُحَقِّقوها بأنفسِهم.
وهذا هو ما يَجْعَلُهُ بولسُ، في الحقيقة، الفِكرة الرَّئيسيَّة في رسالَتِه بِمُجملِها. وهذه هي عقيدةُ التَّبريرِ بالإيمان. وهذا يعني أنَّ البشرَ يَتبرَّرونَ معَ اللهِ مِن خلالِ الإيمانِ بالرَّبِّ يسوعَ المسيح. فهذه هي العقيدة الجَوهريَّة للإيمانِ المسيحيّ. وهي أيضًا العقيدة الجَوهريَّة في رِسالة رُومية. وهي قَلبُ الإنجيل وقَلبُ رسالة بولس.
والحقيقةُ هي أنَّنا قد رَكَّزنا على هذه العقيدة الرَّائعة مُنذُ أنِ ابتدأنا هذه الدِّراسة. وأودُّ أنْ أصحَبَكُم قليلاً إلى الأصحاحِ الأوَّل وأنْ أجذِبَ أنظارَكُم إلى العدد 16 حيثُ يُقدِّمُ لنا بولس في جُملةٍ مُرَكَّزةٍ الفِكرة الرَّئيسيَّة مِنْ كُلِّ الرِّسالة إلى أهلِ رُومية: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»".
والآن، هذهِ هي فِكرَةُ السِّفْر. فالبشرُ يَتبرَّرونَ بالإيمان. والإنجيلُ هو رسالة يَتِمُّ تَوصيلُها إلى الخُطاةِ ويَعلَمونَ مِن خلالِها عنْ خَلاصٍ بالنِّعمةِ مِن خلالِ الإيمانِ، وَهُوَ مُتاحٌ بيسوعَ المسيح.
وبعدَ أنْ بَيَّنَ بولسُ الفِكرةَ الرئيسيَّة في العَددين 16 و 17، فإنَّهُ يَبتدئ في مُناقشة تلكَ الفِكرة في كُلِّ الجُزءِ المُتبقِّي مِن هذه الرسالة الرائعة. وقد رأينا في الأصحاحين الأوَّل والثَّاني أنَّهُ بَيَّنَ الحاجة إلى الخلاص، والحاجة إلى التَّصالُحِ معَ الله. وفي الأصحاحين الثَّالث والرَّابع، بَيَّنَ طريقةَ الخلاص؛ أي كيفَ يَتصالحُ الإنسانُ معَ الله. وهذا يَتِمُّ بالإيمان بيسوعَ المسيح.
والآن، في الأصحاحات 5-8 (أيْ في الأصحاحات 5 و 6 و 7 و 8)، يُبيِّنُ الرَّسولُ بولس لنا نَتائجَ الخلاصِ بالإيمان، أو نَتائجَ التَّبرير بالنِّعمة. وقد تَعَلَّمنا كُلَّ شيء عن تلك النَّتائج. فأوَّلاً، في الأصحاحِ الخامِس، رأينا أنَّهُ عندما يأتي الإنسانُ إلى الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ فإنَّهُ يَجِدُ ضَمانًا. فهو يَصيرُ في سَلامٍ معَ الله. فالأشياءُ تَستقرُّ في تلك العلاقة ويَحصُل على الأمانِ في المسيح.
ثُمَّ عندما وَصلنا إلى الأصحاحِ السَّادس، وَجدنا أنَّ الضَّمانَ هو ليس النَّتيجة الوحيدة للتَّبريرِ بالإيمان، بل إنَّ القَداسةَ هي نَتيجة أخرى. فكما أنَّ السَّلامَ معَ اللهِ (في الأصحاحِ الخامِس) يُعطينا ضَمانَةً، فإنَّ الاتِّحادَ بالمسيح (في الأصحاحِ السَّادس) يُعطينا قَداسةً. لِذا فإنَّ المؤمنَ يَحصُل على حُسبانِ القداسةِ الإلهيَّة. وعوضًا عن فَصْلِ التَّقديسُ عنِ التَّبريرِ بالإيمان، أو عِوَضًا عن أن يكونَ التَّبريرُ بالإيمان يَقضي على التَّقديس (وهي التُّهمة الَّتي نُسِبَتْ زُوْرًا إلى بُولُس)، فإنَّهُ يُنشِئُهُ. وقد كانَ المُشَكِّكونَ يَقولونَ لِبولُس: "إذا كُنتَ تُنادي بالتَّبرير بالنِّعمة بالإيمان مِن دونِ أعمال، فإنَّ الأعمالَ ليسَ لها أيُّ دَورٍ في الخلاص. وإنْ لم يَكُن للأعمالِ أيُّ دورٍ في التَّقديسِ وَهَلُمَّ جَرَّا، فإنَّ ما تُنادي بِهِ هُوَ أنَّهُ بِمَقدورِ النَّاسِ أن يَفعلوا ما يَحلو لَهُم لأنَّ النِّعمةَ سَتَستُرُ كُلَّ شيء". لِذا فإنَّ بولسَ يُبيِّن أنَّهُ عِوَضًا عن الاعتقادِ بأنَّ التَّبريرَ بالنِّعمةِ مِن خلالِ الإيمانِ يُؤدِّي إلى الإباحيَّة، فإنَّهُ يُؤدِّي إلى القَداسة.
وفي المَرَّة السَّابقة، عندما ابتدأنا في تَفسيرِ هذا الأصحاحِ السَّابعِ الرَّائع، رأينا عُنصرًا ثالثًا يَختصُّ بنتيجة التَّبرير بالإيمان وَهُوَ: التَّحرُّر مِنَ النَّاموس. التَّحرُّر مِن عُبوديَّة النَّاموس. وقد رأينا أيضًا في الأعداد 1-6 أنَّ الثَّمَرَ هو نَتيجة. وكذلكَ أيضًا خِدمة المسيح. فالعدد 5 يَقول [أو بالحَرِيِّ: العَدد 4] إنَّنا نُثْمِرُ لله. والعَدد 6 يقول إنَّنا نَخدِمُ الرَّبَّ لا بِعَتْقِ الحَرْفِ، بل بِجِدَّةِ الرُّوح.
لِذا فإنَّ التَّبريرَ بالإيمان هو فِكرَتُه الرَّئيسيَّة. وَهُوَ يُعلِنُ الفِكرة الرئيسيَّة في الأصحاح 6 والعَددين 16 و 17. وَهُوَ يَكشِف الحاجة إليها في بقيَّةِ الأصحاحِ الأوَّل والأصحاح الثَّاني. وَهُوَ يَصِف كيفَ يَحدُثُ التَّبرير في الأصحاحين الثَّالث والرَّابع. وفي الأصحاحات 5-8، يُبَيِّن لنا نَتائجَهُ. ونحنُ في وَسْطِ هذه النَّتائج الآن.
لِذا فإنَّ الكَلِمَتَيْن الرَّئيسيَّتَيْن في الأصحاحاتِ الثَّمانيةِ الأولى مِن رسالة رُومية هُما "النِّعمة" وَ "الإيمان". فهو يَستعرِضُ خَلاصًا قائمًا على نِعمةِ اللهِ، ويُوْهَب لَنا بالإيمان. لِذا، إذا تَابَعتُم التَّأمُّل في الآيات...واسمَحوا لي أن أتأمَّلَ فيها مَعَكُم قليلاً. افتحوا على الأصحاح الثَّالث. وأنا أُريدُ وَحَسْب أن أُراجِعَ مَعَكُم بسرعة كبيرة بِضْعَ آياتٍ رئيسيَّة. وسوفَ تَرَوْنَ هَاتين اللَّفظَتَيْن الرَّئيسيَّتين والفِكرتَيْن الرَّئيسيَّتَيْن.
ففي الأصحاح 3 والعدد 22، نَقرأ: "بِرُّ اللهِ بِالإِيمَان". وها نَحنُ نَرى هُنا تلكَ الكلمة الرَّئيسيَّة. ونقرأ في العدد 24: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ". وفي العدد 25: "الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَان". الإيمان والنِّعمة. وفي العدد 26: "لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ". ونَرى هُنا "الإيمانَ" مَرَّةً أخرى. وفي العدد 28: "إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَان". وفي العدد 30: "لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَان".
وفي الأصحاح الرَّابع والعدد الثَّالث: "لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ..." [ونَقرأُ هُنا الكلمة "إيمان" مَرَّةً أخرى] "...فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا". وفي العدد الرَّابع: "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ". وفي العدد الخامس: "وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا". وفي العدد 11: "وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ [أيْ: إبراهيم] خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَة". وفي العدد 13: "فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَان".
ومَرَّةً أخرى، فإنَّ التَّركيزَ هو على الإيمان. فنحنُ نَقرأ في العدد 16: "لِهذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَة. وفي العدد 20: "وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَان". فها نَحنُ نَجِدُ هَاتينِ الكلمتينِ مُجَدَّدًا: النِّعمة والإيمان...النِّعمة والإيمان، في كُلِّ مكان.
ونأتي إلى الأصحاحِ الخامِس والعددِ الأوَّل فنقرأ: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَان". وفي العدد الثَّاني: "الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ". وفي العدد 18: "فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاة". وَنَجِدُ هُنا مَرَّةً أخرى أنَّها هِبَة...هِبَةُ نِعمة. وفي العدد 20: "وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا". العدد 21: "حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ".
وفي الأصحاحِ السَّادس والعدد 23، نَجِدُ تَلخيصًا للفِكرة نَفسِها: "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا".
ويُمكنُكم أنْ تَرَوْا تَكرارَ ذلكَ حينَ تَنظرونَ إلى هذهِ الألفاظِ المُحَدَّدة فتُدركونَ تَفَرُّد الرِّسالة الَّتي يُقدِّمُها بولُس في سِياقٍ يَهوديٍّ. فقد نَشأوا على غِرارِ بقيَّةِ البشرِ إذْ كانوا يَظُنُّونَ أنَّكَ تُرضي اللهَ، وتُسَكِّن غَضَبَ اللهِ، وتكونُ مَرْضِيًّا أمامَ اللهِ (أيًّا كانَ الإلَهُ الَّذي تُحاولُ أنْ تُرضيه) مِن خلالِ صَلاحِكَ، أو مِن خلالِ إطاعَةِ قوانينِه أو شَرائِعِه، أو مِن خلالِ التزامِكَ بمعاييره؛ أي أنَّكَ تَشُقُّ طريقَكَ بنفسِكَ لإرضائِه. ولا شَكَّ في أنَّ اليهودَ كانوا مُلتزِمينَ بالقيامِ بذلكَ كَنَهْجِ حَياة.
وعندما جاءَ بولُس وراحَ يَعِظُ قائلاً إنَّ الخلاصَ هُوَ هِبَة مَجَّانيَّة لا يُمكِنُكَ أنْ تَكسَبَها بجدارَتِك، وإنَّكَ تَنالُ الخلاصَ لا بالأعمال بل بالإيمان، وإنَّ الإيمانَ نَفسَهُ هُوَ هِبَة مِنَ الله، كانَ مِنَ الصَّعبِ جدًّا جدًّا أن يَقبَلَ اليهودُ ذلكَ الكلام. ثُمَّ عندما قالَ في نهايةِ الأصحاحِ الخامسِ إنَّهُ "حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا"، صارَ قَبولُ ذلكَ مُستحيلاً بالنِّسبة إليهم.
فاليهودُ، كَما تَعلمونَ، لديهم تكريسٌ عميقٌ لناموسِ اللهِ ولنِظامِ البِرِّ بالأعمالِ القائم على أنَّهُ ينبغي لكَ أنْ تعتمدَ على أعمالِكَ لإرضاءِ الله. لِذا، في الأصحاحِ السَّادس والعَددَيْن 1 و 2، نَرى أنَّهُم يَتَّهِمونَ بولس بإطلاقِ العِنانِ لِلجميع مِن خلالِ مبدأِ النِّعمةِ ليعيشوا حياةً إباحيَّةً ويَفعلوا ما يَحلو لَهُم. فلأنَّهُ قالَ إنَّهُ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا، ظَنُّوا أنَّهُ يُطْلِقُ العِنانَ للنَّاسِ كي يَأثَموا. وخُلاصةُ الأمر، كما تَرَوْن، هو أنَّهم كانوا يُؤمنونَ بأنَّ النَّاموسَ يُنشئ قَداسةً، وبأنَّ النَّاموسَ يُحافِظ على القداسة، وبأنَّكَ إنِ أَزلتَ النَّاموسَ، وأَزلتَ القواعِدَ، وأَزلتَ المَعاييرَ، تكونُ قد استأصلتَ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي يَحفظُ القداسة. لِذا فإنَّ كُلَّ ما رَأَوْهُ هو مُجتمعًا بأسرِهِ يَعيشُ حَياةً مُنْحَلَّةً بسببِ هذا التَّعليمِ عنِ النِّعمة.
وقد كانوا يُقَدِّرونَ كثيرًا ناموسَ الله. وببساطة، يُمكنكم أن تُقَسِّموا ناموسَ اللهِ، في اعتقادي، إلى ثلاثة أجزاء مِن وُجهَةِ نَظَرِ اليهود: النَّاموسُ الطَّقسيُّ، والنَّاموسُ الاجتماعيُّ، والنَّاموسُ الأخلاقيُّ. وقد كانوا يَنظرونَ إليهِ كناموسٍ واحدٍ لأنَّهُ أُعطِيَ لَهُم ناموسًا واحدًا لأنَّهم كانوا شَعبًا مُفْرَزًا. وقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّهُ يجب عليكَ أن تُراعي كُلَّ هذه القوانين، وأنَّ هذه القوانين هي مِعيارُ القداسة. والطريقة الوحيدة الَّتي يمكنكَ مِن خلالِها أن تصيرَ مُقدَّسًا، والطريقة الوحيدة الَّتي يمكنكَ مِن خلالِها أن تَبقى مُقدَّسًا هي أن تَحفظَ الشَّريعة.
وقد لَخَّصَ أَحْبَارُ اليهود (في زَمَنِ رَبِّنا وَزَمَنِ خِدمةِ بولس) لَخَّصُوا كُلَّ ناموسِ العهدِ القديم في 613 وصيَّة. ولكي تكونَ مُقدَّسًا تمامًا وتَحفظ تلكَ القداسة، يجب عليكَ أن تَعمل جاهدًا جِدًّا لمُراعاةِ هذه الوصايا الـ 613.
وبِدافعِ الفُضولِ الشَّخصيِّ فقط، حَصلتُ في هذا الأسبوع على مَصدرٍ يَحوي كُلَّ هذه الوصايا. وقد قرأتُ كُلَّ وَصِيَّة منها. ومِنَ المُستحيلِ أن تُطَبِّقها كُلَّها. فهي وصايا واسعةُ النِّطاقِ جدًّا جدًّا. ولا شَكَّ في أنَّها وَصايا عُدِّلَتْ إلى حَدٍّ ما مِن خلالِ تَقاليدِ أحْبارِ اليَهود فَتَجاوَزَتْ قَصْدَ اللهِ. وقد قَسَّمَها أحبارُ اليهودِ إلى قِسمين: الأوَّلُ يَحوي أوامِر ينبغي القيامُ بها، والثَّاني يَحوي نَواهي ينبغي الامتِناع عنها.
وقد قالوا إنَّ هناكَ 248 شيئًا ينبغي أن تَفعلَها. ولسببٍ عَجيبٍ مَا، قالوا إنَّ هذا الرَّقْم يُماثِل عددَ الأطرافِ في الجسد. ولا أدري ما الجسدُ الَّذي كانوا يُفَكِّرونَ فيه! أو رُبَّما كانَ جَسدًا شَبيهًا بالأُخطبوط. أو رُبَّما أَحْصَوْا الأعضاءَ الأخرى كما لو كانت أطرافًا بالرَّغمِ مِن أنَّنا لا نُحصيها أطرافًا. ولكِنَّ هذه القوانين، أو هذه الأوامِر الإلزاميَّة الـ 248 الَّتي ينبغي أن تقومَ بها تَختصُّ بالله، والهيكل، والذَّبائح، والنُّذور، والطُّقوس، والتَّقدمات، والسُّبوت، والحَيَواناتِ الَّتي تُؤكَل، والأعياد، والمُجتمَع، وعبادة الأصنام، والحرب، والقضايا الاجتماعيَّة، والعائليَّة، والشُّؤون القَضائيَّة، والحُقوق القانونيَّة، والعُبوديَّة.
ثُمَّ إنَّهُم وَضعوا 365 نَهْيًا؛ أي أمورًا لا يَجوزُ لكَ أنْ تَفعلَها. وبهذا، كانَ هُناكَ نَهْيٌ لِكُلِّ يومٍ مِن أيَّامِ السَّنةِ الشَّمسيَّة. وقد كانت هذه النَّواهي تَختصُّ بالعباداتِ الوثنيَّة، والعِبَر المُستخلَصَة مِنَ التَّاريخ، والتَّجديف، والعبادة في الهيكل، والذَّبائح، والكهنة، والأطعمة، والنُّذور، والزِّراعة، والقُروض، والعمل، والعُبوديَّة، والعدالة، والعلاقات. لِذا، فقد وضعوا كُلَّ هذا العَددِ الهائل مِنَ القوانين. وبالمُناسبة، لقد كانت هذه القوانين تحوي كُلَّ أنواعِ الفُروقِ الدَّقيقة، وكُلَّ أنواعِ التَّفسيراتِ مِنْ أحبارِ اليهود، وكُلِّ أنواعِ القوانين الثانويَّة والفرعيَّة. فهي شَرائِع تِلْوَ الشَّرائع، تِلْوَ الشَّرائِع، تِلْوَ الشَّرائِع بطريقة تُغَطِّي حَرفيًّا كُلَّ شيءٍ في الحياة إذْ ينبغي لكَ أن تَعيشَ حياتَكَ وأنتَ تَحمِلُ في يَدِكَ دَفترًا صغيرًا تَقرأُ فيهِ طَوالَ الوقتِ دونَ أن تتمكَّنَ مِنَ استيعابِها لأنَّكَ لا تستطيعُ أن تتذكَّرَها كُلَّها.
لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 15: 10 أنَّ ذلكَ كانَ نِيْرًا على عُنُقِ بَني إسرائيل "لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ". ولكنَّهم كانوا يَعلمونَ أنَّ النَّاموسَ كانَ في الأصلِ إلهيًّا، وأنَّ اللهَ هو الَّذي أعطى تلك الشَّرائع، وأنَّهُ أعطاها لسبب. لذا فقد كانوا مَحصورينَ في تلك الشَّرائع باعتبارِها شرائع الله. وقد كانوا يُؤمنونَ بأنَّهُ حيثُ إنَّ اللهَ هو الَّذي أعطاها، يجب عليهم أن يَتبعوها.
والحقيقة هي أنَّهُ كانَ هناكَ ما هو أكثر مِن ذلك ليدفعَهُم إلى إطاعةِ النَّاموس. افتحوا على الجُزءِ الأخيرِ تقريبًا مِن سِفْر التَّثنية والأصحاح 27. واسمحوا لي أن أقولَ لكم، إنْ أَمكَنَني ذلك، عنِ السَّببِ الَّذي كانَ يُحَتِّمُ عليهم جِدًّا أن يَحفظوا النَّاموس. سِفْر التَّثنية 27: 26. وهذا هو العَدد الأخير في الأصحاح. ومَرَّةً أخرى، هذه هي كلمةُ اللهِ إليهم والَّتي أُعطِيَت لهم مِنْ خِلالِ وَسيطِ اللهِ الَّذي كانَ مُوسَى...قائِدُهم. فنحنُ نَقرأ في سِفْر التَّثنية 27: 26: "مَلْعُونٌ مَنْ لاَ يُقِيمُ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهَا". بعبارة أخرى، إنْ لم تَفعل كُلَّ هذا النَّاموسَ المُعطَى، فإنَّكَ ستكونُ مَلعونًا.
ولكي تَرَوْا خُطورةَ ذلك، كُلُّ ما ينبغي لكم أن تَفعلوه هو أن تُتابعوا قراءةَ ما جاءَ في الأصحاح 28 والعَدد 15: "وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، تَأتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ". وهذه جُملة قويَّة جدًّا. فإنْ لم تَفعلوا هذا كُلَّهُ، ستأتي عليكُم اللَّعنة. "مَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ. مَلْعُونَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ. مَلْعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. مَلْعُونًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ". فهذهِ لَعنة شاملة جدًّا. أليست كذلك؟
وإنْ لم يَكُن هذا كِافِيًا، نَقرأ في العدد 20: "يُرْسِلُ الرَّبُّ عَلَيْكَ اللَّعْنَ وَالاضْطِرَابَ وَالزَّجْرَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ لِتَعْمَلَهُ، حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْنَى سَرِيعًا مِنْ أَجْلِ سُوْءِ أَفْعَالِكَ إِذْ تَرَكْتَنِي. يُلْصِقُ بِكَ الرَّبُّ الْوَبَأَ حَتَّى يُبِيدَكَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِالسِّلِّ وَالْحُمَّى وَالْبُرَدَاءِ وَالالْتِهَابِ وَالْجَفَافِ وَاللَّفْحِ وَالذُّبُولِ، فَتَتَّبِعُكَ حَتَّى تُفْنِيَكَ". ويا أحبَّائي، لا أُريدُ حَقًّا أن أقرأَ كُلَّ المقطَع، ولكِنَّ التَّحذيرَ يَستمرُّ حَتَّى نهايةِ هذا الأصحاح. وَهُوَ تَحذيرٌ يَتلو اللَّعنةَ تِلْوَ اللَّعنةَ، تِلوَ اللَّعنة، تِلوَ اللَّعنة. واللَّعنةُ تُصيبُ كُلَّ جانبٍ تَتَخَيَّلونَهُ مِن جوانبِ الحياة. فإنْ لم تَحفظوا ناموسَ اللهِ ستأتي عليكُم اللَّعنة.
والآن، لِننتقِل إلى العهدِ الجديد. وإذْ نَعودُ إلى دراسَتِنا لِرسالةِ رُومية، فإنَّنا نَفهمُ قليلاً سببَ التزامِ اليهودِ الشَّديدِ بنَاموسِ الله. فقد كانَ، في النِّهاية، ناموسَ اللهِ. واللهُ هُوَ الله. ولا يَجوزُ لَكَ أن تُجادِلَ في أنَّ اللهَ هُوَ الله. ثُمَّ إنَّكَ تَقرأُ كُلَّ هذا الكلامِ الرَّائعِ المُختصِ بحقيقةِ أنَّكَ إن لم تَحفظ كُلَّ هذا النَّاموسِ فإنَّك ستكونُ مَلعونًا. وَهذا عِبْءٌ ثَقيلٌ جدًّا.
وبولُس يُلَمِّحُ إلى هذا العِبْء. ولا بُدَّ أنَّهُ كانَ يَشعُرُ به لأنَّهُ كانَ فَرِّيسيًّا مِنَ الفَرِّيسيِّينَ وغَيورًا جدًّا للنَّاموس. فهو يَقولُ في الرِّسالة إلى أهلِ غَلاطيَّة 3: 10: "لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ". فجميعُ الأشخاصِ الَّذينَ ما زالوا تحتَ النَّاموس، ويُحاولونَ أن يُرضوا اللهَ بِحفظِ كُلِّ شَرائِعِهِ هُم تحتَ لَعنةٍ. لماذا؟ لأنَّكَ لا تستطيعُ أن تَحفظَ النَّاموسَ تمامًا. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة غَلاطيَّة 3: 10 الكلماتِ التَّالية الَّتي يَقتبِسُها مِن سِفْر التَّثنية: "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ".
وهذا يُبَيِّنُ لنا أنَّ بولسَ (بِوَصْفِهِ يهوديًّا) كانَ يَفهمُ ما جاءَ في سِفْر التَّثنية؛ أيْ أنَّكَ إنْ لم تَفعل كُلَّ هذه الأشياء، ولم تَحفظ كُلَّ الشَّرائعِ طَوالَ الوقتِ، ستكونُ مَلعونًا. وهذا هو ما قالَهُ اللهُ. فسوفَ تكونُ مَلعونًا. لِذا فقد كانَ اليهودُ غَيورينَ للنَّاموس. وعندما نأتي إلى رسالةِ الرَّسولِ بولس نَراهُ يَقول: "إنَّ الأعمالَ ليست مُهمَّة لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّر". ويا لَهُ مِن كلامٍ صَعب! فقد كانَ يَدوسُ حَقًّا على أصابِعِ أقدامِهم اللَّاهوتيَّة. وقد وَجدوا صُعوبةً بالغةً جدًّا في قَبولِ ذلك.
ولكنَّ بولسَ يُبيِّن نُقطةً مهمةً في رسالته إلى أهل غلاطيَّة والأصحاح الثالث لأنه يشير إلى العُقْمِ التَّامِّ لهذا النَّهْج: "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ". ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ حَديثَهُ قائلاً: "وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ...". وَحَتَّى إنَّهُ يَتقدَّمُ خُطوةً أخرى ويقولُ إنَّ ذلكَ "ظَاهِرٌ" أيضًا مِن خلالِ العهدِ القديم لأَنَّ العهدَ القديمَ هو الَّذي يَقولُ إنَّ الْبَارَّ يَحْيَا بماذا؟ بِالإِيمَان. وهذا مَذكورٌ في سِفْر حَبَقُّوق. فالعهدُ القديمُ...والآن، اسمعوني...فالعهدُ القديمُ قالَ (مِن جِهَة) إنَّكَ إن لم تَحفظ كُلَّ النَّاموسِ كُلَّ الوقتِ طَوالَ حياتِكَ، بَلْ عَثَرْتَ في وصيَّة واحدة مِنْهُ، فإنَّكَ تكونُ مَلعونًا. أجل.
وقد كانَ يَعقوب يَعلَم ذلك. فنحنُ نَقرأ في رسالة يعقوب 2: 10: "لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ [ماذا؟] مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ". وقد تقول: "إذًا، لماذا أعطاهُم اللهُ ناموسًا لا يُمكنُهم أن يَحفظوه؟" الجوابُ بَسيطٌ جدًّا. لكي يُبيِّنَ لهم أنَّهُم خُطاة. ولكي يَقودَهُم إلى النُّقطةِ الَّتي يُدركونَ فيها أنَّهُ ينبغي لهم أن يأتوا إلى اللهِ بماذا؟ بالإيمان.
ولكنَّهم لم يُريدوا أن يأتوا بالإيمان، بل ظَنُّوا أنَّ بِرَّهُم الذَّاتيَّ يَكفي لتبريرهم. لِذا فقد تَشَبَّثُوا بنظامِ البِرِّ بالأعمال وأهمَلوا مبدأ الإيمان. لِذا فقد كانوا جميعًا تحتَ لَعنةٍ. وكما تَرَون، فإنَّ كَسْرَ وصيَّة واحدة في ناموسِ اللهِ لا يُشبِهُ كَسْرَ شُعاعِ دُولابِ دَرَّاجةٍ هَوائيَّة. فيمكنكَ أنْ تَكسِرَ شُعاعَ دُولابٍ وأنْ تَستمرَّ في رُكوبِ الدَّرَّاجة. أمَّا كَسْرُ النَّاموسِ فيُشبِهُ كَسْرَ لوحٍ زُجاجيٍّ. فإنْ كَسرتَهُ في مَكانٍ واحدٍ فإنَّ اللَّوحَ كُلَّهُ سيتحطَّم. لِذا فقد كانوا جميعًا تحتَ لَعنة. وهذه هي عُبوديَّة النَّاموس.
وعُبوديَّة النَّاموس هي أن تكونَ تَحتَ لَعنَتِهِ لأنَّكَ لا تستطيعُ أن تَحفظَهُ. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد حاولوا، وحاولوا، وحاولوا، وحاولوا وقتًا طويلاً جِدًّا. وقد كانوا مُكَرَّسينَ تمامًا لَهُ حَتَّى إنَّهُ عندما جاءَ بولس ووعظَ رسالةً عنِ الخلاصِ بالنِّعمة مِن خلالِ الإيمان، لم يتمكَّنوا مِن قَبولِها. لِذا، مِنَ المُهمِّ جِدًّا أنْ يَكونَ حَذِرًا في شَرحِ الأشياءِ الَّتي يحتاجونَ إليها كي يَرَوْا الحَقَّ المُختصَّ بالنَّاموس.
وقد رأينا في الأصحاح السَادس والعدد 14 أنَّ هذه آية رئيسيَّة في رسالة رُومية: "فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ". فهو يَقولُ هُنا إنَّكُم لستُم تحتَ النَّاموس، بل تحتَ النِّعمة. وهذه آية جميلة. ونحنُ نَعرِفُ مَعناها. أليسَ كذلك؟ فنحنُ لسنا تحتَ النَّاموسِ بأيِّ مَعنى؟ بِمَعنى أنَّنا لسنا تحتَ لَعنَتِهِ...لَعنة النَّاموسِ لأنَّ "المسيحَ" (كما يَقولُ بولس في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الثَّالث) "صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا" لكي يُحَرِّرَنا مِن لَعنةِ النَّاموس.
لِذا، في الرِّسالةِ هُنا، يَقولُ بولس: "انظروا، نحنُ لم نَعُد تحتَ النَّاموس، بل نحنُ تحتَ النِّعمة. فقد تَحرَّرنا مِن تلكَ اللَّعنة". وفي هذه النُّقطة، كانَ أيُّ يَهوديٍّ مُفَكِّر سيقول: "إنْ لم يَكُن النَّاموسُ قادرًا على تخليصِنا، ولم يَكُن النَّاموسُ قادرًا على تَقديسِنا، وأردنا أن نَتحرَّرَ مِنَ النَّاموسِ الَّذي لا يَفعلُ شيئًا آخرَ سِوى أنَّهُ يَدينُنا، ما هي إذًا فائدةُ النَّاموس؟ أليسَ كذلك؟ وما أعنيه هو: أنتَ تقولُ، يا بولس، أو أنتَ قد أخذتَ نَاموسَ اللهِ بِمُجمَلِه وَطَرَحْتَهُ بعيدًا قائلاً: ’تَخَلَّصُوا وَحَسْب مِن ذلكَ الشَّيء العَتيق. فهو عَديمُ الفائدة. وَهُوَ عَديمُ المَعنى‘. فهل هذا هو ما تَقولُه؟"
بعبارة أخرى، إن لم يكن بمقدورِنا أن نَخلُصَ بالنَّاموس (كما رأينا في الأصحاحَيْن الثالث والرابع)، ولم يَكُن بمقدورنا أن نَتقدَّس بالنَّاموس (كما رأينا في الأصحاحَيْن الخامس والسَّادس)، لا بُدَّ أنْ يتحقَّقَ ذلكَ مِن خلالِ الإيمانِ بيسوعَ المسيح. وإنْ كُنَّا نَخلُصُ بالاتِّحادِ بالمسيح، وإنْ كُنَّا نَتقدَّسُ بالاتِّحادِ بالمسيح، ما هي مَكانَةُ النَّاموس؟ ولماذا يَتطرَّفُ اللهُ إلى هذا الحَدِّ فيُعطي مِثلَ هذا النَّاموسِ المُعَقَّد؟ وعندما تَقولُ إنَّهُ يجب علينا أن نَخرُجَ مِن تحتِ النَّاموسِ، وأن نَتحرَّرَ مِنَ النَّاموسِ، ألستَ تُزعزِع مَكانةَ النَّاموس؟ والرَّسولُ بولس يُريدُ أن يَشرحَ هذا كُلَّهُ. وهو يَفعل ذلك في الأصحاحِ السَّابع.
والآن، اسمعوني جيِّدًا: سوفَ أُعطيكُم نَظرةً عامَّة. إنَّهُ يُعطينا في الأصحاحِ السَّابعِ شَرحًا جيِّدًا جِدًّا لمكانة النَّاموس. وهو أصحاحٌ مُهمٌّ جِدًّا. ولكنَّهُ كانَ يَتهيّأ لذلكَ مُنذُ وقتٍ طويل...وتحديدًا مُنذُ الأصحاح الثَّالث عندما ذَكَرَ أوَّل مَرَّة أنَّ النَّاموسَ لا يَستطيعُ أن يُخلِّصَنا. فقد كانَ يتحرَّكُ في هذا الاتِّجاه. وإن نَظرتُم وَحَسْب إلى الأصحاحات 3-8، ستحصلونَ على نَظرة شاملة للنَّاموسِ ودَورِهِ. والآن، اسمعوني جَيِّدًا لأنِّي سأُقدِّمُ لكم مُخَطَّطَ هذا المَقطعِ بأسرِه.
أوَّلاً، الشَّيءُ الَّذي لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ لأجلِنا: إنَّهُ لا يستطيعُ أن يُخَلِّصَنا. وهذا مُبَيَّن في الأصحاحات 3 و 4 و 5. إذًا، الشَّيء الَّذي لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ لأجلِنا: إنَّهُ لا يستطيعُ أن يُخَلِّصَنا. ثانيًا، يُبيِّنُ بولسُ الشَّيءَ الَّذي لا يَستطيعُ النَّاموسُ أنْ يَفعَلَهُ بِنا. فهو لا يَستطيعُ أن يُقَدِّسَنا. وهذا مُبَيَّن في الأصحاح السَّادس. فهو لا يستطيعُ أن يُقَدِّسَنا. ثالثًا، الشَّيءُ الَّذي لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ ضِدَّنا. فإنْ كُنَّا في المسيح (كما جاءَ في الأصحاح السَّابع والأعداد 1-6)، لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَدينَنا. ثُمَّ: الشَّيء الَّذي يَقْدِرُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ لأجلِنا (بحسب الأصحاح السَّابع والأعداد 7-13). وسوفَ نَدرُس ذلكَ في هذا المساء. فهو يَقدِر أن يُبَكِّتَنا على خطيَّة. ثُمَّ: الشَّيء الَّذي لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ فينا (بحسب الأصحاح السَّابع والأعداد 14-25). فهو لا يستطيعُ أن يُحَرِّرَنا مِنَ الخطيَّة. وأخيرًا، الشَّيء الَّذي يَقدِرُ أن يَفعلَهُ النَّاموسُ مِن خِلالِنا (بحسب الأصحاح الثَّامِن والأعداد 1-4). أنْ يَتحقَّق.
واسمَحوا لي أن أُعيدَ ذلكَ على مَسامِعِكُم: ففي الأصحاحات 3 و 4 و 5، نَقرأُ عَمَّا لا يَستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ لأجلنا. فهو لا يستطيعُ أن يَفعلَ ماذا؟ إنَّهُ لا يستطيعُ أن يُخَلِّصَنا. وفي الأصحاحِ السَّادس، نَقرأُ عَمَّا لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ بنا؟ فهو لا يَستطيعُ أن يُقَدِّسَنا أو أن يَجعلَنا مُقَدَّسين. وفي الأصحاح السَّابع والأعداد 1-6، نَقرأُ عَمَّا لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ ضِدَّنا؟ فهو لا يستطيعُ ماذا؟ أنْ يَدينَنا. وفي الأصحاحِ السَّابع والأعداد 7-13، نَقرأُ عَمَّا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ لأجلِنا. فهوُ يستطيعُ أن يُبَكِّتَنا على خطيَّة. وفي الأصحاحِ السَّابع والأعداد 14-25، نَقرأُ عَمَّا لا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ فينا. فهو لا يستطيعُ أن يُحَرِّرَنا مِنَ الخطيَّة. وأخيرًا، في الأصحاحِ الثَّامِن والأعداد 1-4، نَقرأُ عَمَّا يستطيعُ النَّاموسُ أن يَفعلَهُ مِن خلالِنا. فهو يستطيعُ أن يَتحقَّق مِن خلالِ قُوَّةِ سُكنَى الرُّوح. لِذا فإنَّكُم تَجدونَ حَقًّا (مِنَ الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رسالة رُومية إلى الأصحاحِ الثَّامِنِ مِن رسالة رُومية) صُورةً شاملةً جِدًّا للنَّاموس.
والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لكُم شيئًا عن عَبقريَّة بولُس. ورسالة رُومية هي رسالة عَبقريَّة. فهي تُحْفَة. وهي إبداعٌ بَشريٌّ وإبداعٌ إلهيٌّ. فيُمكنكم أن تَعثُروا في الأصحاحِ الثَّالثِ على فِكرةِ الإيمان. ويُمكنكم أن تَعثُروا على فِكرةِ النِّعمة. ويُمكنكم أن تَعثُروا على فِكرةِ التَّبرير. ويُمكنكم أن تَعثُروا على فِكرةِ الخطيَّة. ويُمكنكم أن تَعثُروا على فِكرةِ البِرّ. ويُمكنكم أن تَعثُروا على فِكرةِ النَّاموس. فيُمكنكم أن تَعثُروا على كُلِّ هذهِ الأفكار مِن خلالِ ذلكَ المَقطعِ نَفسِه. فهو غَنِيٌّ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ يُذهِلُ العَقل. ولكِنْ مِن بينِ كُلِّ الأفكارِ الرَّئيسيَّة الموجودة هُنا، لا توجد فكرة أَهَمُّ مِن المُعالجة الشَّاملة لِفِكرةِ النَّاموسِ ودَورِهِ.
والآن، لقد رأينا مِن خلالِ الأصحاحات 3-5 أنَّ النَّاموسَ لا يَستطيعُ أن يُخَلِّصَنا. وقد رأينا مِن خلالِ الأصحاح السَّادس أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يُقَدِّسَنا. وفي الأسبوعِ الماضي، رأينا مِن خلالِ الأصحاح السَّابع والأعداد 1-6 أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَدينَنا. والآن، سوفَ نَرى ما يُمكِنُهُ أن يَفعلَهُ مِن خلالِ الأعداد 7-13. فهو يَقْدِرُ أن يُبَكِّتَنا...يَقدِرُ أن يُبَكِّتَنا.
وهل يُمكنُني أن أقولَ لكُم شيئًا؟ هذا هو السَّببُ الَّذي أعطَانا اللهُ النَّاموسَ لأجلِهِ في المَقامِ الأوَّل. وفي المقامِ الثَّاني، لقد أعطانا النَّاموسَ لكي يَتحقَّق. وهو يُمكِنُ أن يَتحقَّق مِن خلالِنا. ولكِنَّنا سنتحدَّثُ عن ذلك عندما نَصِلُ إلى الأصحاحِ الثَّامِنِ ونَدرُسُ عن قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. لِذا، فإنَّكُم تَجدونَ هُنا عَرضًا شاملاً عنِ النَّاموس.
والآن، لقد رأينا في الأسبوعِ الماضي مِن خلالِ تلكَ الآياتِ السِّتِّ الأولى أنَّ النَّاموسَ لا يَستطيعُ الآنَ أن يَدينَنا. لماذا؟ لأنَّنا في المسيحِ ماذا؟ أمواتٌ بالنِّسبةِ للنَّاموس. وعندما تَموتُ، لا يَمْلِكُ النَّاموسُ أيَّ سُلطانٍ عليك. أليسَ كذلك؟ أتَذكرونَ ذلكَ المبدأ في العددِ الأوَّل؟ فالنَّاموسُ يَعملُ فقط مَا دُمْتَ حَيًّا. ونحنُ مُتنا في المسيح. لِذا فإنَّ النَّاموسَ لا يَملِكُ سُلطانًا علينا. ونحنُ لدينا زَوج جديد، وسُلطان جديد، وسَيِّد جديد هو يسوعُ المسيح.
وقد تقول: "إذًا، هل هذا يُحَرِّرُنا مِن أنْ نَفعلَ الصَّواب؟" لا، لا! فالعددُ السَّادس يَقولُ إنَّنا ما زِلنا نَخدِم. ولكِنَّنا لا نَخدِمُ بطريقة ميكانيكيَّة أو ناموسيَّة أو خارجيَّة بِعَتْقِ الحَرْف، بل نَخدِمُ مِنَ القلبِ بِجِدَّةِ ماذا؟ الرُّوح. لِذا، لِئَلَّا تَظُنَّ أنَّ المؤمنَ حُرٌّ في أن يَفعلَ ما يَشاء، اعلَمْ أنَّ هذا غير صحيح. فأنتَ نِلتَ الخلاصَ كي تَخدِمَ اللهَ. وإنْ كُنتَ قد وُلِدتَ ثانيةً حقًّا، ستكونُ هناكَ قَداسة في حياتِك، وسيكونُ هناكَ ثَمر في حياتِك، وستكونُ هناكَ خدمة للمسيح في حياتِك. وأنتَ ما تَزالُ تحتَ النَّاموسِ، ولكنَّهُ ناموسُ العهدِ الجديد. وهي شريعةُ العهدِ الجديد. وهو النَّاموسُ الأخلاقيُّ المُطَبَّقُ في العهدِ الجديد. فنحنُ لسنا تحتَ النَّاموسِ الطَّقسيِّ الَّذي كانَ يُمارِسُهُ بنو إسرائيل لأنَّنا لسنا إسرائيل. ونحنُ لسنا تحتَ الشَّرائعِ الاجتماعيَّةِ لبني إسرائيل. فنحنُ لسنا إسرائيل. ولكنَّ طَبيعةَ اللهِ لم تتغيَّر. ونحنُ ما زِلنا تحتَ شَريعَتِهِ الأخلاقيَّة الَّتي أُعطيتْ لنا في العهد الجديد. ولكنَّنا لا نُحاولُ أن نَستخدِمَ قُوَّتَنا الشَّخصيَّةَ لتطبيقِها، بل نحنُ نُطَبِّقُها مِن خلالِ علاقَتِنا الحيَّة الجديدة بيسوعَ المسيح بِجِدَّةِ الرُّوحِ مِنَ القلبِ، لا بِعَتْقِ الحَرْفِ القديمِ مِنَ الخارِج.
ونحنُ ما زِلنا نَخدِم. والحقيقةُ هي أنَّكُم حينَ تَقودُونَ أُناسًا إلى المسيح فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 28 أنَّهُ يجب عليكم أن تَذهبوا إليهم وتُعَمِّدوهُم باسم يسوعَ المسيح. ثُمَّ يجب عليكم أن تُعَلِّموهُم "أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". أليسَ كذلك؟ فنحنُ لسنا أحرارًا في أنْ نَعصي الله. بل نحنُ أحرارٌ، أوَّلَ مَرَّةٍ في حياتِنا، كي نُطيع، وكي نَفعلَ ذلكَ مِنَ القلب لأنَّنا حَصلنا على قلبٍ جديد قادر أن يُطيع مِنَ الدَّاخل؛ في حين أنَّ الطَّاعةَ القديمة كانت سطحيَّة وخارجيَّة فقط. لِذا، أجل! نحنُ تحتَ ناموسِ اللهِ، ولكنَّنا نَخدِمُ مِنَ القلب.
وهذا يَقودُنا إلى الأصحاحِ السَّابعِ والأعداد مِن 7 إلى 13. فإنْ لم يكن بمقدورِ النَّاموسِ أنْ يُخَلِّصَنا، ولا أنْ يُقَدِّسَنا، فما هي فائدةُ النَّاموس؟ إنَّ الجوابَ آتٍ. فهو صَالحٌ لأنَّهُ يَقدِرُ أن يُبَكِّتَنا. فهو يَقدِرُ أن يُبَكِّتَنا. وهُناكَ أربعة عناصِر تَختصُّ بذلكَ التَّبكيت في هذا النَّصّ. وسوفَ أُحاولُ أن أُبَيِّنَ كُلَّ ذلكَ لكُم. وسوفَ نَرى إلى أينَ يُمكِنُنا أنْ نَمضي. وأنا أُريدُ منكم أن تَتعلَّموا ما هُوَ مَذكورٌ هُنا لأنَّهُ رائعٌ جدًّا.
النُّقطةُ الأولى. وسوفَ أَذكُرُ لكم أربعَ نِقاط. ويُمكنكُم أن تَجدوها في المُخَطَّطِ الَّذي أمامَكُم إن أردتُم أن تُتابِعوا ما أقول. وإليكُم النُّقطة الأولى. النَّاموسُ يَكشِفُ الخطيَّة. فهذا هو العُنصرُ الأوَّل في قُدرتِهِ على التَّبكيت. فالنَّاموسُ يَكشِف الخطيَّة. انظروا إلى العدد السَّابع: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟ حَاشَا! بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ»".
ومَرَّةً أخرى، فإنَّهُ يَتخيَّلُ هذا المُعترِضَ اليهوديَّ الَّذي سيقول: "يا للهَول! لقد قُلتَ للتَّوّ إنَّنا أمواتٌ عنِ النَّاموسِ وإنَّ النَّاموسَ قد وَضِعَ جانِبًا. فهو لا يَقدِرُ أن يُخَلِّصَنا. وَهُوَ لا يَقدِرُ أن يُقَدِّسَنا. وقد كانَ يُحاولُ أن يَدينَنا. وقد كُنَّا بحاجة إلى التَّخلُّصِ مِنَ النَّاموس. وقد خَرَجْنا الآنَ مِنْ تَحتِهِ. وقد تَحرَّرنا مِن سُلطانِهِ. فهل تقولُ إنَّ النَّاموسَ شَرٌّ؟ وهل تقولُ إنَّ ناموسَ اللهِ المُقدَّس الَّذي أعطاهُ اللهُ لِشعبِهِ، والذي كانَ يُعَبِّرُ عَنْ قَلبِهِ، وفِكرِهِ، ومشيئَتِهِ، وطبيعَتِهِ، وقَصدِهِ...هل تقولُ إنَّهُ شَرٌّ؟ بعبارة أخرى: إذا كُنتَ تَقولُ إنَّنا لسنا تحتَ النَّاموس، وإنَّ النَّاموسَ لا يَقدِرُ أن يُخَلِّصَنا، ولا يَقدرُ أن يَفدينا، وإنَّ النَّاموسَ لا يَقدرُ أن يَفعلَ هذا الأمرَ وذاكَ الأمرِ لنا، هل تَعني أنَّ النَّاموسَ شَرٌّ؟"
ورَدُّ بولس هو (مَرَّةً أخرى) أقوى صيغةِ نَفْيٍ في اللُّغة: "حَاشَا!" فهي تُترجمُ هكذا. وهي تَرجمة للعبارة اليونانيَّة "مي غينويتو" (me genoito). فهذا لا يُمْكِن أن يكون. لا، لا، لا. هذا مُستحيل! ولا في أيِّ ظَرفٍ مِنَ الظُّروف! إنَّها فِكرة مجنونة وغريبة تمامًا. لا، فناموسُ اللهِ ليسَ خطيَّة. فهو ليسَ خطيَّة.
ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ حَديثَهُ قائلاً: "بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوس". فالعَكسُ هُوَ الصَّحيح. فَهُوَ ليسَ خطيَّة، بل إنَّهُ يَكشِفُ الخطيَّة. هل تَرَوْنَ ذلك؟ بعبارة أخرى، لو لم يَكُن هناكَ أيُّ ناموسٍ، لما كانت هناكَ أيُّ خطيَّة. أليسَ كذلك؟ بعبارة أخرى، إنْ لم تَكُن هُناكَ لافِتَة تقول: "ابتَعِد عنِ العُشْب"، ودُسْتَ على العُشْبِ، فإنَّكَ لم تَكسِر أيَّ قانون. ولو لم يَكُن هناكَ قانونٌ يُحَدِّدُ السُّرعة، ولم تَقُد سَيَّارَتَك بسُرعة مُعيَّنة، فإنَّكَ لم تَكسِر أيَّ قانون لأنَّهُ لا يوجد أيُّ قانون. لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّ النَّاموسَ يَكشِف الخطيَّة. بعبارة أخرى، أنتَ تَنظُرُ إلى المِعيارِ وتَعرِف ما الخطيَّة.
والآن، هذا يُبَيِّن لي بوضوحٍ تامٍّ أنَّهُ لا يتحدَّثُ عنِ القضايا الطَّقسيَّة. وهو لا يتحدَّثُ عنِ القضايا الاجتماعيَّة. بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الشَّريعةِ الأخلاقيَّةِ الإلهيَّة. لِذا، عندما تَرونَ الكلمة "ناموس" هُنا، اعلَموا أنَّ بولسَ يَستخدِمُها للإشارة إلى مَعاييرِ اللهِ الأخلاقيَّة أو ناموسِ اللهِ الأخلاقيّ. فنحنُ قد دُعينا إلى النَّاموسِ لا لكي نَخلَصَ بِهِ، بل لكي يُحكَمَ علينا مِن خلالِه. وهذا هو ما جاءَ في رسالة رُومية 3: 20 إذْ نَقرأ: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ...". ثُمَّ استمعوا إلى ما يَقولُهُ النَّصُّ: "...لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّة".
وهذا حَقٌّ مُهِمٌّ جدًّا. فالنَّاموسُ يُبيِّنُ لنا [ببساطة] ما هي الخطيَّة بمعيارِ اللهِ. ففي رسالة رُومية 4: 15، نَقرأُ ما يَلي: "إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ". ونَقرأ في العدد 13 مِنَ الأصحاحِ الخامِس: "عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ". فهذا مَذكورٌ ثلاثُ مَرَّات. فالأصحاحُ الثَّالث، والأصحاحُ الرَّابع، والأصحاحُ الخامِس يقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ. فلو لم يوجد نَاموس، لَمَا وُجِدَتْ أيُّ خطيَّة. لِذا، عندما يُعلنُ اللهُ النَّاموسَ، فإنَّ النَّاسَ يُقاسونَ حالاً بذلكَ المِعيار فَيَتَّضِحُ أنَّهُم خُطاة.
والآن، اسمعوني: انظروا إلى العِبارة المذكورة في العدد السَّابع: "بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوس". ولا أعتقد أنَّهُ كانَ يُشيرُ هُنا إلى مَعرفةٍ نَظريَّة أو لاهوتيَّة أو حَقيقيَّة أو مُعْجَمِيَّة لطبيعةِ وحقيقةِ ووجودِ الخطيَّة. بل أعتقد أنَّ ما قَصَدَهُ هوَ: "أنا لم أعرِف حقًّا عُمْقَ الخطيَّة، ولم أعرِف المَعنى الحقيقيَّ للخطيَّة إلَّا عندما فَهمتُ حقًّا المَعنى الحقيقيَّ للنَّاموس".
وما يَقولُهُ هُنا هو: "عندما فَهِمتُ حقًّا النَّاموسَ، بَكَّتَني". أَلا لاحَظتُم أنَّ ضَميرَ المُتكلِّم هُوَ المُستخدَم هُنا؟ ففجأةً، يُقدِّمُ بولسُ شَهادَتَهُ الشَّخصيَّة. وفجأةً، يَتحدَّثُ بولس بضميرِ المُتكلِّم المُفرَد ويُعَبِّر عَمَّا يَشعُر بِهِ في قَلبِهِ شخصيًّا. فهو يَتحدَّثُ هُنا عن خطيئتِهِ الشَّخصيَّة. وَهُوَ يَشْهَدُ عن تَبكيتِهِ. وأعتقد أنَّ هذا كانَ جُزءًا مِن مَجيئِهِ إلى المُخَلِّص. وقد كانَ جُزءًا مِن عملِ التَّبكيتِ الَّذي قامَ بِهِ رُوحُ اللهِ والَّذي بَلَغَ الذُّروة عندما كانَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق، وفي الأيَّامِ الَّتي أُصيبَ فيها بالعَمى بعدَ ذلك، وعندما راحَ يُفَكِّرُ في حَياتِهِ، وفي حاجَتِهِ إلى مُخلِّص، وعندما قَبِلَ يسوعَ المسيح وتَغيَّرَ مِن شاوُل المُضْطَهِد إلى بُولس المُبَشِّر.
وأعتقد أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ تَفهموا هذا الجُزءَ مِن رِحلتهِ الرُّوحيَّة لأنَّكُم إذا نَظرتُم فقط إلى ما حَدَثَ مَعَهُ في الطَّريقِ إلى دِمَشق، رُبَّما تَظُنُّونَ أنَّهُ نَالَ الخلاصَ مِنَ اللهِ بِمَعزِلٍ عن إرادَتِه الشَّخصيَّة. فهناكَ سِيادَة إلهيَّة في ما حَدَثَ لهُ في الطَّريقِ إلى دِمَشق حَتَّى إنَّكُم قد تتساءلونَ إنْ كانَ هُناكَ أيُّ شيءٍ يَجري في قَلبِهِ أصلاً. أليسَ كذلك؟ بعبارة أخرى، فقد كانَ يَسيرُ وَيَقتُلُ المسيحيِّينَ. وفجأةً، تَرَونَهُ مَطروحًا أرضًا ومَدعُوًّا إلى الخِدمة. وأنتُم لا تَعلمونَ إنْ كانَ لَهُ أيُّ دَورٍ في ما حَدَثَ (أيْ مِنْ جِهَةِ قَلبِه) إلى أنْ تَعلموا هُنا في رسالة رُومية أنَّهُ كانَ لَهُ دَوْرٌ في الحقيقة. وفي الوقتِ نفسِه، كانَ اللهُ يُحْدِثُ في قَلبِ بولُس تَبكيتًا عَميقًا على خطيَّتِه حيثَ ابتدأَ يَرى ناموسَ اللهِ على حَقيقَتِه.
فلوقتٍ طَويلٍ، كانَ يَظُنُّ أنَّهُ يَعرفُ ما يَقولُهُ ناموسُ الله. بعبارة أخرى، فقد كانَ فَرِّيسيًّا. وقد كانَ يهوديًّا. وقد كانَ يَعرفُ النَّاموسَ أفضلَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. وقد كانَ قادرًا على تَفسيرِ النَّاموسِ مِن جِهَةِ تَقاليدِ أحْبارِ اليَهود. فقد صَرَفَ حياتَهُ مُحاوِلاً تَطبيقَ النَّاموس. وكانَ مُتديِّنًا جِدًّا. وكانَ يُمكِنُ أن يُوْصَفَ بأنَّهُ واحِدٌ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ نَقرأُ عنهم في رسالة رُومية 10: 3 "أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً للهِ، وَلكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَة". فَهُم يَظُنُّونَ أنَّهُم يَعرفون، ولكنَّهُم لا يَعرفون. فَهُمْ "يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ". فقد كانَ هذا الوَصفُ يَصِحُّ عليه. فقد كانَ يُشبِهُ جدًّا ذلكَ الشَّخصَ المذكور في إنجيل لوقا والأصحاح الثَّامِن عَشَر والَّذي كانَ يَقولُ: "اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاس، بل أنا أُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ، وأصومُ، وأفعلُ كُلَّ ما هو مَطلوب. انظُر ما أَروَعَني! مِنَ المؤكَّدِ أنَّكَ مَسرورٌ جدًّا بوجودي هُنا!" بعبارة أخرى، فقد كانَ بَارًّا في عَينيِّ نَفسِه. وقد كانَ يَشعُرُ أنَّهُ جَديرٌ بالخلاص.
وفي رسالة غَلاطيَّة 1: 13، يَقولُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ غَلاطيَّة: "فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّة". بعبارة أخرى، لقد كانَ مَعروفًا بأنَّهُ يَهوديٌّ غَيورٌ عندَ البَعيدِ والقَريب. وكانَ الجميعُ يَعرِفونَ هذا اليهوديَّ الغَيورَ باسمِ شاوُل. وَهُوَ يقولُ لأهلِ غَلاطيَّة 1: 14: "وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي، إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي". فقد كُنتُ أكثرَ اليَهودِ غَيْرَةً. وقد كُنتُ أكثرَ شخصٍ يَحرِصُ على حِفْظِ النَّاموس.
وَهُوَ يُقَدِّمُ شَهادةً مُشابهةً أكثرَ تَفصيلاً في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّالث. وكُلُّ هذا وَثيقُ الصِّلةِ جِدًّا بما نَراهُ في رسالة رُومية. فيلبِّي 3: 5: "مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِن". فهذا هوَ اليومُ الَّذي كانَ ينبغي أن يَتِمَّ فيهِ الخِتان. وقد كانَ ينبغي لَهُ أن يَشكُرَ وَالِدَيْهِ على ذلكَ، لا نَفسَهُ. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك، كانَ هذا الأمرُ جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِنَ النَّاموسِ بِمُجمَلِه. وقد كانَ "مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِين". وكانَ عِبْرَانِيًّا مِنَ العِبْرَانِيِّين. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَة". ثُمَّ لاحِظوا ما يَلي: "مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ". لا بُدَّ أنَّكَ تَمزَح! بِمِعْيارِ مَنْ؟
وهل تُريدونَ أن تَعرفوا كيفَ تَمَكَّنَ مِنْ قَوْلِ ذلك؟ بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي جاءَ فيها الشَّابُّ الغَنِيُّ فقالَ لَهُ الرَّبُّ: "هل حَفِظْتَ الوَصايا؟" فأجاب: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي". ولكِنْ كيفَ يُمْكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَقولَ ذلك؟ إليكُم كيف: لأنَّهم كانوا يَنظرونَ إلى ناموسِ اللهِ نَظرةً خَارجيَّةً تَمامًا. وقد كانَ النَّاموسُ في نَظرِهم يَتوقَّفُ على ما تَفعَلهُ وما لا تَفعَلهُ. وقد كانوا يُفَسِّرونَهُ بالطَّريقةِ الَّتي تُوافِقُ طَبيعَتَهُم الخاطئة. لِذا فقد فَسَّروا النَّاموسَ وجَعلوهُ خارجيًّا تمامًا. فقد كانَ يَقتصِرُ على الخارجِ فقط. وَهُمْ لم يُبالوا حَقًّا بالدَّاخِل. ولكِنَّ النَّجاسَةَ هي في الدَّاخِل. وقد رَسَموا حياتَهُم الخارجيَّةَ بحيث تبدو صَالحةً. وحيثُ إنَّ ناموسَ اللهِ يختصُّ بالخارجِ فقط، كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم على ما يُرام.
ولكِنَّ بولسَ يَقولُ في آيةٍ لاحقةٍ في نفسِ الأصحاح (أيْ في فيلبِّي 3): "عندما نَظرتُ حقًّا إلى داخلي، رأيتُ كُلَّ الأشياءِ الموجودة في حياتي. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لقد اكتشفتُ أنَّ كُلَّ شيءٍ في داخِلي نُفاية". فهذا هو ما يَقولُهُ. نُفاية. فما إنْ رأى أينَ تَكمُنُ المُشكلةُ الحقيقيَّة في الدَّاخِل، وأينَ يُريدُ النَّاموسُ أن يَعملَ حَقًّا في الدَّاخِل، رأى نَفسَهُ كما هُوَ في الحقيقة.
لِذا، ارجِعوا إلى رسالة رُومية والأصحاح السَّابع. وما تَرونَهُ هُنا هو اختبار تَبكيت بولُس ما قبلَ خَلاصِهِ. فبطريقةٍ ما، إذْ كانَ الرَّبُّ يَعملُ على إعدادِهِ للتَّغييرِ النَّاشئِ عنِ الخلاص، لم يكُن هناكَ فقط عَمَلُ اللهِ السِّياديّ على الطَّريقِ إلى دِمَشق، بل كان هناكَ أيضًا عملٌ داخليٌّ مِنْ قِبَلِ نَفسِ الإلَهِ صاحِبِ السُّلطان إذْ إنَّهُ كانَ يَعملُ بطريقة رائعة على جَعلِ بولُس يُدرك حقيقةَ النَّاموسِ نَفسِه؛ أيْ أنَّ النَّاموسَ لم يَكُن خارجيًّا وَحَسْب، بل إنَّهُ كانَ داخليًّا. هل فَهِمتُم ذلك؟ أنَّ النَّاموسَ كانَ داخليًّا.
وقد تَقول: "وكيفَ تَعلمُ ذلك؟" أنا أَعلمُ ذلكَ بسببِ العُنصُرِ المُحَدَّدِ للنَّاموسِ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ بولس. لاحَظوه: "فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِف..." [ماذا؟] "الشَّهْوَةَ" أوِ الرَّغبة. وهي تَرجمة للكلمة "إبيثوميا" (epithumia)، أوِ الشَّهواتِ الرَّديَّةِ "لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ»". فهو يَختارُ الوصيَّةَ العاشِرَةَ مِنَ الوَصايا العَشْر والتي تقول: "لا تَشْتَهِ".
والاشتهاءُ ليسَ شيئًا تَفعلُهُ خارجيًّا. أليسَ كذلك؟ بل إنَّ الشَّهوة شيءٌ تَفعلُهُ أين؟ في الدَّاخِل. وَمِن بينِ كُلِّ الوَصايا العَشْر، هذه هي الوصيَّة الدَّاخليَّة. فَمِنْ بينِ جميعِ الوصايا العَشْر، هذه هي الوصيَّة الَّتي تتحدَّثُ عنِ الدَّاخِل...عنِ الشَّهوةِ والرَّغبة. وبولُس يقول: "عندما رأيتُ أنَّ ما يَقولُهُ ناموسُ اللهِ يَختصُّ لا فقط بأفعالي، بل أيضًا بدوافِعي، وأنَّهُ يختصُّ بشهوتي، ورغباتي، ورَغبتي في الحُصولِ على ما ليسَ لي، أدركتُ أنَّ كُلَّ الأشياءِ الَّتي كُنتُ أفعلُها خارجيًّا هي نُفاية لأنِّي كُنتُ مُمتلئًا بالرَّغباتِ الشِّرِّيرة في الدَّاخِل".
وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ التَّبكيتِ عن أمورٍ حقيقيَّة. عن أمورٍ حقيقيَّة. فقد يأتي شخصٌ ويقولُ لي: "يجب عليَّ أنْ أُقَوِّمَ حياتي لأنِّي لاحظتُ أنِّي أكذِب"، أو: "لقد لاحظتُ أنِّي أشربُ المشروباتِ الكُحوليَّة كثيرًا"، أو: "أنا سَريعُ الغَضَبِ، وهذا يُضايِقُني. ويجب عليَّ أن أُقَوِّمَ حياتي". ليسَ هُناكَ أيُّ خطأٍ في أن تَفعلَ ذلك، ولكنَّكَ لا تَفهَمُ المُشكلةَ الحقيقيَّة المُختصَّة بالخطيَّة. فمُشكلةُ الخطيَّة ليست خارجيَّة. فقد تتمكَّنَ مِنَ السَّيطرةِ على الأمورِ الخارجيَّةِ مِن خلالِ وسائل غيرَ النِّعمة. أليسَ كذلك؟ بعبارة أخرى، قد تتمكَّنَ مِنَ التَّوقُّفِ عن إدمانِكَ الخارجيِّ بالذَّهابِ إلى جلساتِ مُساعدةِ المُدمِنين. وقد تتمكَّنُ مِنَ التَّوقُّفِ عنِ الكذبِ بالذَّهابِ إلى جلساتِ مَشورةٍ نفسيَّة، أو مِن خلالِ جلساتِ التَّنويمِ المِغناطيسيِّ حَتَّى إنَّكَ في كُلِّ مَرَّة تَكذِبُ فيها فإنَّ شيئًا غريبًا يَحدُثُ لكَ بسببِ شيءٍ تَمَّ زَرْعُهُ في اللَّاوعيِ لديكَ عندما تَمَّ تَنويمُكَ مِغناطيسيًّا. وما أعنيه هو أنَّكَ قد تتمكَّن مِنَ السَّيطرة على سُلوكِكَ لأنَّكَ تُريدُ أن تَصيرَ مَقبولاً لدى مجموعة مِنَ الأشخاصِ المُتديِّنينَ الَّذينَ لا يَكذِبونَ، أو ما شَابَهَ ذلك. فهناكَ طُرُق أخرى للقيامِ بذلك. ولكِنَّ الطَّريقة الوحيدة الَّتي ستتطهَّر فيها مِنَ الرَّغْباتِ الشِّرِّيرة في قلبِكَ هي بأنْ يُغَيِّرَكَ اللهُ.
لِذا، هذهِ هي غايةُ النَّاموس. لِذا فإنَّ الوصايا هي ليست وصايا خارجيَّة فقط، بل إنَّ هُناكَ وصايا داخليَّة أيضًا. والوصيَّة الَّتي تُبَكِّتُنا أعظمَ تَبكيتٍ وتَترُك فينا تأثيرًا هائلاً هي تلكَ المُختصَّة بالشَّهوة أو الرَّغبة الرَّديَّة لأنَّها تتحدَّثُ عنِ القلب.
والآن، هذا هو اختبارُ بولس، ولكنَّهُ لا يَقتَصِرُ عليهِ وَحدَهُ. فأنا أعتقد أنَّهُ يتحدَّث عنِ جميعِ الَّذينَ شَعروا بالتَّبكيتِ الحقيقيّ. وأنا أُوْمِنُ بأنَّكَ عندما تأتي إلى يسوعَ المسيح فإنَّكَ تَشعرُ بالتَّبكيتِ لا فقط لأنَّكَ عَاجِزٌ عنِ السَّيطرةِ على أفعالكَ الخارجيَّة، بل لأنَّكَ عَاجِزٌ أكثر عنِ السَّيطرةِ على مَشاعِرِكَ الدَّاخليَّة. فَكُلُّ الأشخاصِ الَّذينَ جاءوا إلى المسيح جاءوا بهذه الطَّريقة. فَهُمْ يَرَوْنَ حقيقةَ عُمْقِ خطيَّتِهم. فالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّهُم يَفعلونَ أمورًا خاطئة، بل إنَّ هُناكَ فَسادًا داخليًّا في طَبيعَتِهم.
This article is also available and sold as a booklet.
