انظُروا مَعي في كِتابِكُم المُقدَّسِ إلى رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل. وسوفَ نَتأمَّلُ في العَددَيْن 16 و17 في هذا المَساء. اسمَحُوا لي أن أقرأ هَذَيْنِ العَددَيْن على مَسامِعِكُم ثُمَّ سَأُعَلِّق عليهما فيما نَفتَحُ كلمةَ الله.
فبُولُسُ يَقول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»".
هَذا هو أعظمُ حَقٍّ مُغَيِّرٍ للحياة وُضِعَ يَومًا بينَ يَديِّ البَشَر. وإنْ فَهِمنا وَطَبَّقْنا هذه الحَقائقَ المَذكورةَ في هَذَيْنِ العَدَدَيْن، فإنَّ حَياتَنا الحاضِرَةَ والأبديَّةَ ستَتغيَّرُ تَمامًا. وأعتقدُ أنَّ هَذَيْنِ العَدَدَيْن هُما لُبُّ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية وجَوهَرُها. فالرِّسالةُ تُلَخّصُ بألفاظٍ مَجيدةٍ وشامِلَةٍ هذهِ الحَقائق الرَّئيسيَّة. وهي كلماتٌ عن إنجيلِ المَسيح. ويَبتدِئُ بولُسُ بالقَول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ"، ثُمَّ يُعَبِّرُ عن ذلكَ بألفاظٍ مُقْتَضَبَةٍ في هَاتينِ الآيَتَيْن.
والآن تَذَكَّروا أنَّ بولُسَ كانَ قد قَالَ عِباراتٍ افتتاحِيَّةً عَظيمةً جدًّا تَحوي جُزءَيْن: الجُزءُ الأوَّلُ يَختصُّ بإنجيلِ اللهِ أو مُحتَوى الإنجيل، والجُزءُ الثَّاني يَختصُّ بتَمثيلِ بُولسَ الشَّخصيّ لِذلكَ الإنجيل. وَسوفَ نَنظُرُ إلى الرِّسالةِ المَذكورةِ في الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّلِ، ثُمَّ إلى الرَّسولِ في الجُزءِ المُتَبَقِّي.
إذًا، فقد عَرَضَ رِسالَتَهُ. وَقد عَرَضَ نَفْسَهُ بِصِفَتِهِ الرَّسول. وَهُوَ الآنَ يُفَصِّلُ أجزاءَ الرِّسالةِ الَّتي سَتَتَّضِحُ في الأصحاحاتِ المُتَبَقِّيَة. والرِّسالةُ بِمُجمَلِها هي في الحَقيقةِ شَرْحٌ لِما نَقرأُهُ في العَدَدَيْن 16 و17. لِذا، مِنَ المُهمِّ أن نَفهمَ هَذينِ العَدَدَيْنِ فَهْمًا صَحيحًا.
وأعتقدُ أنَّهُ حَتَّى هذهِ اللَّحظةِ، كانَ بولسُ يُحاولُ أن يَتَلامَسَ معَ قُرَّائِه. فقد كانَ يُحاولُ التَّلامُسَ مَعَهُم، ويُحاولُ أن يَلفِتَ أنظارَهُم. والآن، بَعدَ أن لَفَتَ أنظارَهُم فإنَّهُ يَطرَحُ فِكرَتَهُ الرَّئيسيَّة. انظروا مَرَّةً أخرى إلى العدد 16. فهو يَقول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيح". وهذهِ الجُملةُ هي الجُملةُ الأخيرةُ في المَقطَعِ الَّذي يَتحدَّثُ فيه عن خِدمتِه. فَهُوَ يَختِمُ ذلكَ المَقطعَ بالقول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي..." ثُمَّ يَقولُ: "...بِإِنْجِيلِ الْمَسِيح". وَهَذا يُوَضِّحُ فِكرَتَهُ الرَّئيسيَّة: فِكرةَ إنجيلِ المَسيح.
فبُولسُ لا يَستَحي بإنجيلِ المَسيح. وجَميعُ المُتَديِّنينَ المُثَقَّفينَ، وجَميعُ فَلاسِفَةِ رُوما لا يُخيفونَ بولُس. فَهُمَ لم يُخيفوه في أثينا. وَهُم لم يُخيفوه في كورِنثوس. وَهُم لم يُخيفوه في أفسُس. وَهُم لم يُخيفوه حَتَّى في أورُشليم. وَهُم لن يُخيفوهُ هُنا.
فَهُوَ فَخورٌ بالإنجيل. وَهُوَ فَرِحٌ جدًّا بامتيازِ المُناداةِ بِه. وَهُوَ مُتَحَمِّسٌ جدًّا وإلى أقصَى الحُدودِ بالكِرازةِ بيسوعَ المسيح. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ الإنجيلَ عَثْرةٌ لليَهودِ وجَهالةٌ لليونانيِّينَ، فإنَّه ما يزالُ قُوَّةَ اللهِ للخَلاص لكُلِّ مَن يُؤمِن. وبولسُ لا يَتردَّدُ البَتَّة في المُناداةِ بِه.
فقد سُجِنَ في فيلبِّي، وتَمَّتْ مُلاحَقَتُهُ في تسالونيكي، وتَمَّ تَهريبُهُ سِرًّا في بيريَّة، وتَعرَّضَ للاستِهزاءِ في أثينا، ونُظِرَ إليهِ على أنَّهُ أحمَق في كورِنثوس، وكانَ يُنظَرُ إليهِ على أنَّهُ مَصدر مَتاعِب ومَشاكِل في أورُشليم، ورُجِمَ في غَلاطِيَّة، فإنَّه مَا يَزالُ مُتحمِّسًا للكِرازةِ في رُوما أيضًا.
وأعتقدُ أنَّنا جَميعًا نُحِبُّ أن نَقتَرِنَ بِبُولُسَ بِتلكَ الطَّريقةِ نَفسِها. ولكِنَّنا أنا وأنتُم في أغلبِ الأحيان نَستَحي بإنجيلِ المَسيح. ولا أعتقدُ أنَّنا نَعتَرِفُ بذلك. ولا أعتقدُ أنَّنا قَد نُصَرِّحُ بذلك. ولا أعتقدُ أنَّهُ مِنَ السَّهلِ علينا أن نَعتَرِفَ بذلك. ولكِنَّ هذهِ هي الحَقيقة لأنَّهُ في تِلكَ الأوقاتِ الَّتي نُستطيعُ فيها أن نَكرِزَ فإنَّنا لا نَكرِز. وعِندما يَحينُ وَقتُ الجُرأةِ فإنَّنا لا نَكونُ جَريئين.
نَحنُ نُواجِهُ عَداوَةَ العَالَم، ونُواجِهُ عَدَمَ مُبالاةِ النَّاسِ بالإنجيل. فَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ الخطيَّةِ، والدَّمِ، والمَوت. وَهُوَ يَبدو جَهالَةً وَسُخْفًا لَدى النَّاس. وَنحنُ نَخشَى مِمَّا قَد يُفَكِّرونَ فيه. لِذا فإنَّنا نَميلُ إلى الصَّمتِ في الأوقاتِ الَّتي يَنبغي لنا أن نَكرِزَ بِها. ولكِنَّ بولُسَ كانَ يَنظُرُ بهدوءٍ إلى ازْدِراءِ غيرِ المُؤمِنين، ويَفهَمُ الهُزْءَ والسُّخريةَ الصَّادِرَيْنِ عن أولئكَ الَّذينَ يَرفُضونَ المَسيح. وَقد واجَهَ المَوتَ لأجلِ الإنجيل. ولكِنَّهُ لم يَستحي مَرَّةً بإنجيلِ المَسيح. فَمَعَ أنَّ تيموثاوسَ استَحى بالإنجيلِ فإنَّ بُولسَ لم يَستحي بِهِ قَطّ. فَقد كانَ مُستعدًّا لمُجابَهَةِ أيِّ شَخصٍ في أيِّ وَقتٍ وتَبشيرِهِ بيسوعَ المَسيح.
فَحَقًّا إنَّ خَشْيَةَ الإِنْسَانِ تَضَعُ شَرَكًا. ولكِنْ يَبدو أنَّ بولسَ كَانَ قَادِرًا على التَّغلُّبِ على ذلكَ بقوَّةِ الله. وقد سَمِعْتُ أنَّكَ إذا رَسَمْتَ على الأرضِ دائِرَةً بطَبْشورٍ أبيض ووَضعتَ إِوَزَّةً في وَسَطِها فإنَّها لن تَتَخَطَّى تلكَ الدَّائِرَة، بَل ستَبقى فيها [بِحَسَبِ مَا قَرأت] وتَموتُ قَبلَ أن تَتَجاوَزَها. وَهذا يُذَكِّرُني بأشخاصٍ يُشبِهونَ الإوَزَّة. فَهُم يَقِفونَ في وَسَطِ دَائرةٍ مِنَ الخَوفِ مِنَ العَاداتِ والتَّقاليدِ والسُّخريةِ والهُزْءِ والرَّفضِ حَتَّى إنَّهُم لا يُغادِرونَ تِلكَ الدَّائرةَ لأنَّهُم خائِفون. فالنَّاسُ يَقولونَ أمورًا سَخيفةً عنِ الإنجيلِ والمَسيح؛ ولكِنَّهُم لا يَفتَحونَ أفواهَهُم.
ولكِنْ ليسَ بولُس. وَمِنَ المُحزِنِ أنَّ الخَوفَ مِنَ المُقاوَمَةِ، والخَوفَ مِنَ الازدِراءِ مِنَ العَالَمِ يَقودُنا غَالِبًا إلى الصَّمْتِ، أو يَقودُنا إلى تَشويهِ الرِّسالةِ أو تَحريفِها بِما يُلائِمُ البَشَر. وَهَذا أمرٌ مُحزِن.
كُنتُ أقولُ للرِّجالِ في مَعهَد "مُودي" (Moody) في هذا الأسبوعِ إنَّ هُناكَ حَرَكَةً جَديدةً في أمريكا تُدعَى خِدماتُ "الصِّحَّةِ والغِنَى". وَهُم يَعِدونَ النَّاسَ قَائلينَ إنَّكَ إنْ قَبِلْتَ المَسيحَ فإنَّكَ ستَحصُلُ على الصِّحَّةِ والغِنَى. فسوفَ تَحصُلُ على الرَّاحَةِ الجَسديَّةِ والمُمتلكات. وهَل تَعرِفونَ مَا الَّذي يُدهِشُني؟ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّامنِ، جاءَ تِلميذٌ إلى يَسوعَ وَقال: "أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي". فَقالَ لَهُ يَسوع: "أنا آسِفٌ! لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ". فقد قالَ لَهُ: "يَا صَاحَ أنا لا أَقبَلُكَ لأنَّكَ تَبحَثُ عَنِ الرَّاحَةِ، وتَبحَثُ عَنِ الأمورِ السَّهلةِ، وتَبحَثُ عَن كُلِّ تِلكَ الأشياءِ الَّتي تَجعلُ حَياتَكَ الجَسديَّةَ مُريحَةً. وأنا لا أُقَدِّمُ ذلك". وَقد رَفَضَهُ يَسوع. فقد أرادَ الرَّاحَة. وَقد قَالَ لَهُ يَسوع: "لا!"
وَهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ للنَّاسِ اليومَ إنَّ يَسوعَ سيَجعَلُكَ بِصِحَّةٍ جَيِّدة، وَإنَّ يَسوعَ سيَشفيكَ، وَإنَّكَ لن تَمرَض البَتَّة، وإنَّكَ لن تُصابَ بالزُّكام، وَإنَّ الحَياةَ ستَكونُ نَعيمًا مِنَ النَّاحِيَةِ الجَسديَّة. فَهُم يُقَدِّمونَ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي رَفَضَهُ يَسوع.
وَقد جَاءَ رَجُلٌ آخر وَقال: "أريدُ أن أَتبَعَكَ أنا أيضًا، ولكِن ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي". فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ". والمَعنى المَقصودُ هُوَ أنَّ أَباهُ لم يَكُن قَد مَاتَ بَعد، ولكِنَّهُ أرادَ أن يَبقَى مَعَهُ إلى أنْ يَحصُلَ على المِيراث. فَقد جاءَ إلى يَسوع وَقال: "أريدُ أن أتبَعَكَ، ولكنِ اسمَح لي أن آخُذَ مِيراثي أوَّلاً". ولكِنَّ يَسوعَ رَفَضَهُ.
فَهؤلاءِ النَّاسُ خُدِعُوا بأكاذيبِ الشَّيطان. فالأشياءُ الَّتي تَمنَعُ النَّاسَ مِنَ اتِّباعِ المَسيحِ هِيَ الرَّاحَةُ الشَّخصيَّة. فَهُم يَخْشَوْنَ مِنَ التَّخلِّي عَن أسبابِ الرَّاحَة، وَعنِ المُمتلكاتِ الشَّخصيَّة. فَهُم يَخْشَوْنَ مِن فُقدانِ هذهِ الأشياء. وَهُنا يأتي هَؤلاءِ المُعَلِّمونَ الكَذبَة ويُقَدِّمونَ نَفسَ الشَّيءِ الَّذي يَمنَعُ النَّاسَ مِنَ المَجيءِ إلى المَسيح. لِذا فإنَّهُم يَترُكونَ الإنجيلَ الحَقيقيَّ ويَقبَلونَ إنجيلاً زَائِفًا. ويجبُ علينا أن نَتَصَدَّى للنَّاسِ بالإنجيلِ مِن خِلالِ عَدَمِ الخَجَلِ مِنَ التَّكلُّمِ بِه، ومِن خِلالِ عَدَمِ الخَجَلِ مِنَ الحَقِّ الَّذي يُعلِنُهُ بألاَّ نُساوِمَ عليهِ مِن أجلِ التَّغاضِي عن خَطايا البَشَر.
والآن، لماذا كانَ بولسُ جَريئًا؟ إليكُم السَّببَ الرَّئيسيّ. لماذا كانَ جَريئًا؟ نَقرأُ عن ذلكَ في العَدد 16. فهُوَ لا يَستحي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ "لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَص". والآن، نَنتقِلُ مِن قَلبِ الرَّسولِ إلى قَلبِ الرِّسالة. فَهُوَ جَريءٌ في الكِرازَةِ بِسببِ طَبيعةِ الإنجيل، وبسببِ مَا يَفعلُهُ الإنجيل.
فَالسَّببُ في أنَّ بولسَ لم يَقَعْ في التَّجربةِ بأنْ يَستَحي بالإنجيلِ، بَلْ فَعَلَ العَكسَ تَمامًا، والسَّببُ في أنَّهُ كَرَزَ بِهِ بِفَرَحٍ غَامِر وَحَماسَةٍ شَديدةٍ هُوَ أنَّهُ قَوِيٌّ ويُغَيِّرُ الحَياة. وَهُوَ يَعلَمُ ذلك. وَقد رأى ذلك. وَهُوَ يُؤمِنُ بذلك. صَحيحٌ أنَّهُ عَثْرَة [بِحَسَب مَا جاءَ في 1كورنثوس 1]، وأنَّهُ جَهالَة، ولكِنَّهُ أيضًا قُوَّةُ اللهِ للخَلاصِ لكُلِّ مَن يُؤمِن. وَهُوَ يَعرِفُ ذلك.
وهَذا يُذَكِّرُني بِتلكَ القصَّةِ القديمةِ الَّتي قُلتُها لَكُم قبلَ سَنواتٍ عَن مَندوبِ مَبيعاتٍ لمِكنَسَةٍ كَهربائيَّة ذَهَبَ إلى بَيتٍ رِيفِيّ. فقد ذهبَ إلى هُناكَ بأسلوبِ مَندوبي المَبيعاتِ المَألوفِ إذْ إنَّهُ لم يَسْمَح للسيِّدة أن تَقولَ كلمةً واحِدَة. فَما إنْ فَتَحتِ البابَ حَتَّى صَارَ في غُرفةِ الجُلوسِ وقال: "سَيِّدتي! أريدُ أن أُخبِرَكِ عَن هذهِ المِكنسةِ الكَهربائيَّة. فهي تَشْفُطُ كُلَّ شَيءٍ في هذا المنزِل. لِذا، يَنبغي أن تَحذري لأنَّها قَد تَشفُطُ الأرضيَّةَ لأنَّها قَويَّة جدًّا. سَوفَ أُريكِ...". ولكِنَّها قَاطَعَتْهُ في دَهْشَةٍ وَقالت لَهُ: "مَهلاً...!". ولكِنَّهُ استَمَرَّ في التَّحدُّثِ قَائلاً: "سَوفَ أُريكِ كَيفَ تَعملُ هذهِ المِكنَسَة".
وَقد أَلقَى رَمادًا على الأرضِ مِنْ كيسٍ كَانَ يَحمِلُهُ، ونُفاياتٍ، وفَضَلاتٍ، وكُلَّ شَيءٍ وَقال: "سَيِّدتي! إنْ لم تَشفُط هذهِ المِكنسَةُ كُلَّ هذهِ الأشياءِ في دَقيقَتَيْن، سَآكُلُها بمِلعَقَة". وَأخيرًا، أُتيحَت لَها الفُرصةُ للتَّكلُّمِ فَقالت: "يَنبغي أن تَبتدِئَ في أكلِها. فَلا تُوجَدُ لدينا كَهرُباء!"
وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُ قَبلَ أن تَبيعَ السِّلعَة، يَنبغي أنْ تَعرِفَ إنْ كَانَت هُناكَ طَاقَة كَهربائيَّة لتشغيلِها. أليسَ كذلك؟ والسَّببُ في أنَّ بولسَ لم يَكُن يَستحِي هُوَ أنَّهُ كانَ يَعرِفُ قُوَّةَ الإنجيل. فَقد كانَ يَعلَمُ أنَّ الإنجيلَ قادِرٌ على تَغييرِ الحَياةِ بِغَضِّ النَّظرِ عَن آراءِ النَّاس. فَقد كَانَ أقوى شَغَفٍ لَديهِ هُوَ أن يَرى النَّاسَ يَخلُصون.
وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ التَّاسعِ مِن رِسالةِ رُومية إنَّهُ لا يُمانِعُ في أنْ يَكونَ مَحرومًا مِنَ المَسيحِ إنْ كَانَ ذلكَ يَعني خَلاصَ شَعبِه. فَهُوَ لم يَكُن يُبالي بِراحَتِهِ الشَّخصيَّة، ولم يَكُن يُبالي بِسُمعَتِه، ولم يَكُن يُبالي بِشَعبيَّتِه، وَحَتَّى إنَّ حَياتَهُ لم تَكُن مُهِمَّةً عِندَهُ عندما يَختصُّ الأمرُ بِتَقديمِ الإنجيلِ الواضِح. فَقد كانَ يَكرِزُ بالإنجيلِ لأنَّهُ كَانَ يَعلَمُ مَا يَستطيعُ الإنجيلُ أن يَفعلَهُ. فَهُوَ قادِرٌ على تَغييرِ النَّاس.
وَهَذا يَأتي بِنا إلى تَقديمِهِ للفِكرة. وَفَهْمُنا لإنجيلِ المَسيحِ يَتَأتَّى مِن خِلالِ فَهْمِ أربعِ كَلِماتٍ رَئيسيَّةٍ في هذا المَقطَع... أربعِ كَلِماتٍ رَئيسيَّة. ففي العَدد 16، نَجِدُ الكلمة "قُوَّة". وَهِيَ الكلمةُ الأولى الَّتي نُريدُ أن نَتأمَّلَ فيها.
فالكلمةُ الأولى المُهِمَّة جدًّا هِيَ "قُوَّة". والكلمة الثَّانية هِيَ: "خَلاص". والكلمة الثَّالِثَة هِيَ: "يُؤمِن". والكلمة الرَّابعة [في العَدد 17] هِيَ: "بِرّ". فإنْ فَهِمتُم مَعاني هذهِ الكلماتِ، والرَّوابِطِ بينَها، والانتقالَ مِن لَفظةٍ إلى أخرى بينَ هذهِ الألفاظِ الأربع، سَتَفهمونَ الإنجيل.
أوَّلاً، الكلمةُ الرَّئيسيَّةُ الأولى في المُفرداتِ الإلهيَّةِ لإنجيلِ المَسيحِ هِيَ أنَّهُ "قُوَّةُ اللهِ". فالخَبَرُ السَّارُّ المُختصُّ بيسوعَ المسيحِ قَوِيٌّ. والكلمةُ هِيَ "دوناميس" (dunamis)، وهي الكلمة الَّتي اشتُقَّتِ الكلمة "داينامايت" (dynamite) مِنها، ومَعناها: "مُتَفَجِّرات". وبولسُ يُفَكِّرُ في حَقيقةِ أنَّ إنجيلَ المَسيحِ يَنْطَوي على قُوَّةِ اللهِ الكامِلَة. فَكُلُّ قُوَّةِ اللهِ تَكْمُنُ خَلْفَهُ وَتَعْمَلُ على تَجديدِ الإنسان.
فالبَشَرُ يُحِبُّونَ أن يَتغيَّروا. هَل تَعلمونَ ذلك؟ وأنا أُوْمِنُ بذلكَ حَقًّا. فَكُلُّ الإعلاناتِ الَّتي تُبَثُّ في العَالَم تَقومُ على افتِراضٍ واحِدٍ وَهُوَ أنَّ النَّاسَ يُريدونَ أشياءً مُختلفة عَمَّا هي عَليه. فَهُم يُريدونَ أن يَظهَرُوا بمَظهرٍ أفضَل، وأن يَشعُروا بمشاعرَ أفضل، وأن يُفَكِّروا بطريقةٍ أفضل، وأن يَختبروا أشياءً أفضل. فَهُم يُريدونَ أن يُغَيِّروا حَياتَهُم. فَبِصُورةٍ رَئيسيَّةٍ، النَّاسُ يُريدونَ أن يُغَيِّروا حَياتَهُم. فَهُناكَ شَيءٌ يَجذِبُهم إلى ذلك لأنَّ هذا الأمرَ مُحَرِّكٌ بَشريٌّ رَئيسيّ. ففي أعماقِ النَّاسِ، إنَّهُم يُريدونَ أن تَكونَ الأشياءُ مُختلفةً؛ ولكِنَّهُم عَاجِزونَ تَمامًا عَن تَغييرِ الأشياء.
في سِفْر إرْميا 13: 23، يَقولُ إرْميا: "هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟" وهكذا فإنَّكَ لا تَستطيعُ أن تُغَيِّرَ قَلبَك. فالبَشَرُ عَاجِزون. وَهُم لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا شَيئًا لتَغييرِ أنفسِهم. وَلا يَقدرونَ أن يُغَيِّروا أيَّ شَيء. صَحيحٌ أنَّهُم قَد يَقومونَ بِبِضعةِ تَعديلاتٍ هُنا وهُناك، وأنْ يَتصرَّفوا بطريقةٍ مُختلفةٍ قليلاً، ولكِنَّ التَّغييراتِ الحَقيقيَّة لا تَحدُث حَقًّا.
وَقد قالَ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى 22: 29: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ". وَقد قالَ تلكَ الكلماتِ للمُتديِّنينَ في زَمانِه. أنتُم لا تَعرِفونَ حتَّى قُوَّةَ الله. أنتُم لا تَعرِفونَ مَا القُوَّة. ولكِنَّ إنجيلَ يَسوعَ المسيحِ يَمْلِكُ القُوَّةَ على تَغييرِ البَشَر؛ أيْ أن يُبعِدَهُم عنِ الخطيَّة، وعنِ الشَّيطان، وعنِ الدَّينونة، وعنِ الموت، وعنْ جَهنَّم.
فالنَّاسُ يُجَرِّبونَ أشياءً أخرى لِتَغييرهم، ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّهُم يَستطيعونَ أن يَتغيَّروا مِن خِلالِ القيامِ بأعمالٍ صَالحةٍ أو بأعمالِ النَّاموس. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ أعمالَ النَّاموسِ لا تَقدِرُ أن تُخَلِّص. وَالكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ الجَسَدَ لا يَقدِرُ أن يُخَلِّص. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ الكَنيسةَ لا تَقدِرُ أن تُخَلِّص. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ الدِّيْنَ لا يَقدِرُ أن يُخَلِّصَ "لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ"؛ أيِ اسمُ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فَقُوَّةُ اللهِ هِيَ الوَحيدةُ الَّتي تَستطيعُ أن تُغَيِّرَ النَّاس. ولا تُوجَدُ أيَّةُ طَريقةٍ أخرى.
ونَقرأُ في رِسالة رُومية 5: 6: "لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّار". بِعبارةٍ أخرى، إنَّ الإنسانَ عَاجِزٌ ولا يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ نَفسَهُ. فَهُوَ عَاجِزٌ تَمامًا ولا يَستطيعُ أن يَفعلَ أيَّ شَيءٍ بِخُصوصِ ذلك.
ونَقرأُ في رِسالةِ رُومية 8: 3: "لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ..." للقِيامِ بِذلك. بِعبارةٍ أخرى، يُمكِنُكَ أن تُحضِرَ إنسانًا وَتُعطيهِ أفضلَ المَعاييرِ والقوانينِ والمبادِئَ؛ ولكِنَّهُ لَن يَتمكَّنَ مِن تَغييرِ نَفسِه. فَهذا أمرٌ غَيرُ مُمكِن. وَهَذا أكثرُ شَيءٍ يُحبِطُ الإنسان.
وَنَقرأُ في رِسالة يَعقوب 1: 18 أنَّ اللهَ: "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّ مَا يَعجَزُ الإنسانُ عَن صُنعِهِ لنفسِهِ يَصنَعُهُ اللهُ عَنه.
وَنَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاحِ الأوَّلِ الشَّيءَ نَفسَهُ تَقريبًا. فَنحنُ نَقرأُ أنَّنا وُلِدْنا ثَانِيَةً "لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى [أيْ: لا مِن زَرْعٍ بَشَرِيٍّ فَاسِد]، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ الله...". لِذا فإنَّ كلمةَ اللهِ تَستطيعُ أن تَفعلَ مَا نَعجَزُ نَحنُ عَن فِعلِهِ لأنفسِنا. وَهَذا هُوَ المَبدأُ الرَّئيسيُّ للإنجيل؛ أيْ أنَّ الإنسانَ خَاطِئٌ ولا يَستَطيعُ أن يُغَيِّرَ حَالَتَهُ... لا يَستَطيع.
لِذا فإنَّ الإنجيلَ يَصيرُ قُوَّةً. وأعتقدُ أنَّ الكلمة "دوناميس" (dunamis) تُرَكِّزُ على القُوَّة، لا على العَمليَّة. فَهِيَ تُرَكِّزُ على القُوَّةِ بِمَعنى أنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ قُوَّةٍ هَائِلَة، أو قُوَّةٍ لا حُدودَ لَها تَستطيعُ أن تُغَيِّرَ الحَياة.
والآن، انظُروا مَعي قَليلاً إلى رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 1: 18. وأريدُ أن أتحدَّثَ تَحديدًا عَن هذهِ الآيةِ الَّتي ذَكَرْتُها مِرارًا؛ ولكنِّي سأتحدَّثُ عَنها الآنَ بإيجاز: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ"؛ أيْ أنَّ فِكرةَ المَسيحِ المَصلوبَ هِيَ فِكرةٌ سَخيفَةٌ وَحَسْب في نَظَرِهم. "وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ". أَتَرَوْن؟ هذهِ هِيَ النُّقطةُ الرَّئيسيَّة. فالإنجيلُ قَد يَكونُ جَهالَةً لَدى النَّاس، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهُوَ قُوَّةُ الله.
العَدد 23: "وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ الله". ومَرَّةً أخرى، نَجِدُ التَّركيزَ نَفسَهُ.
وَكَما تَعلمونَ، كانَ الأُمَمِيُّونَ يَسخَرونَ مِنَ المَسيحيِّين. فَقد كانَ الوَثنيُّونَ في رُوما وكورِنثوسَ يَسخَرونَ مِنهُم. وَكما تَرَوْنَ، فَقد كانَ المَبدأُ الرَّئيسيُّ لِديانَتِهم يَقومُ على فِكرةِ أنَّ آلِهَتَهُم عَديمَة المُبالاةِ بِصورةٍ رَئيسيَّة. فَهِيَ مَوجودَةٌ هُناكَ وَحَسْب وَلا تُبالي. فَهِيَ عَديمَةُ المُبالاةِ، وعَديمةُ الاكتِراثِ، ومُنفصِلَة، وبَعيدة. أمَّا فِكرةُ تَجَسُّدِ اللهِ فكانت فِكرةً سَخيفةً في نَظرِهم.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ في أثناءِ أعمالِ الحَفريَّاتِ حَولَ رُوما، اكتشفَ عُلماءُ الآثارِ أشياءَ مُدهشة. فعلى هَضَبَة بالاتين (Palatine)، وهي هَضَبَة مِنَ الهِضابِ السَّبعِ لِرُوما، عَثَروا على رَسْمٍ هَزلِيٍّ مِنَ العَصرِ المَسيحيّ. وَهُوَ يُصَوِّرُ عَبْدًا. والعَبدُ يَسْجُدُ أمامَ صَليب. وَهُناكَ كِتابَةٌ أسفلَ ذلكَ الرَّسْمِ تَحديدًا تَقول: "أليكامينوس يَعبُدُ إلَهَهُ". وَيَحوي الرَّسمُ حِمارًا مَصلوبًا. وَهَذا يُطْلِعُنا قَليلاً على مَوقِفِ الرُّومانِ في ذلكَ الوقتِ مِنَ المسيحيَّة. فَقد كانوا يَحسبونَها شَيئًا سَخيفًا جدًّا أو حَماقَة.
وفي نَحوِ سَنة 178، كَتَبَ "سيلسوس" (Celsus) كَلماتٍ قَاسيةً هَاجَمَ فيها المَسيحيَّة. فَقد قالَ إنَّ لِسَانَ حَالِ المَسيحيَّةِ هُوَ: "لا تَدَعُو شَخصًا مُثَقَّفًا يَقترِب، ولا شَخصًا حَكيمًا، وَلا شَخصًا عَاقِلاً لأنَّ كُلَّ تِلكَ الأشياءِ هِيَ في نَظَرِنا شَرّ. أمَّا إذا كانَ هُناكَ شَخصٌ جَاهِلٌ، وإنْ كَانَ هُناكَ شَخصٌ يُعْوِزُهُ العَقلُ وجاهِلٌ وأحمَق فَليأتِ بِجُرأةٍ إلى المَسيحيَّة". فَهُوَ يَقولُ إنَّ المَسيحيَّةَ هِيَ للحَمْقَى. وَقد كَتَبَ أيضًا: "بالنِّسبةِ إلى المَسيحيِّينَ فإنَّنا نَراهُم في مَنازِلِهم. فَهُمْ حَفْنَةٌ مِن جَزَّازي الصُّوفِ والإسكافِيِّينَ وَقَصَّاري الأقمِشَة. وَهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ تَعليمًا وأكثرُهم سَفاهَةً". وَقد قالَ إنَّ المَسيحيِّينَ يُشبِهونَ سِرْبًا مِنَ الخَفافيش، وَإنَّهُم كَالنَّملِ الَّذي يَزحَفُ مِن أعشاشِه، وَإنَّهُم كالضَّفادعِ الَّتي تَتَجَمَّعُ حَولَ مُستنقَع. وَقد قالَ إنَّهُم كالدِّيدانِ الَّتي تَتَجَمَّعُ في أكوامِ الرَّوْث. مِنَ الواضحِ أنَّ سيلسوس كانَ شَخصًا لَطيفًا! ثُمَّ إنَّهُ قَال: "المَسيحيُّونَ يَعبُدونَ رَجُلاً مَيِّتًا". إنَّها حَماقَة... حَماقَة. "وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ [ماذا؟] قُوَّةُ الله".
فالعالَمُ يَضحَكُ علينا، ويَسخَرُ مِنَّا. ولكِنَّنا نَعرِفُ مَا لا يَعرِفونَهُ. أليسَ كذلك؟ ولأنَّهُ قُوَّةُ اللهِ، فإنَّ بُولُسَ يَقولُ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الثَّاني: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ [ماذا؟] مَصْلُوبًا". فَقد كُنتُ أَحمِلُ رِسالةً واحِدَةً فقط وهي نَفسُ الرِّسالةِ الَّتي كُنتُم تَحتَقرونَها. إنَّها الصَّليب. اسخَروا مِنهُ كَما تَشاءون؛ ولكِنَّهُ قُوَّةُ الله. لِذا فإنِّي أكرِزُ بالصَّليبِ: "لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ الله".
لَقد رأيتُ رِسالةَ الصَّليبِ تُغَيِّرُ مئات النَّاسِ، بَل آلافَ النَّاسِ في حَياتي. لِيَقُلِ العالَمُ مَا يَشاء؛ ولكِنَّ البُرهانَ مَوجودٌ فينا. والصَّليبُ يُغَيِّرُنا.
وَفي رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 4: 20، يَقولُ بولُس: "لأَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَيْسَ بِكَلاَمٍ، بَلْ بِقُوَّةٍ". فَكما تَعلمونَ، إنَّ أَهَمَّ شَيءٍ في حَياتي هُوَ أن أعلَمَ أنَّ اللهَ يَستخدِمُني كَقَناةٍ لِتَغييرِ النَّاسِ الآنَ وإلى الأبد. فهذا أمرٌ مُدهِش... مُدهِش!
فأنا أنظُرُ إلى حَياتي وأرى ضَعَفاتٍ في حَياتي الشَّخصيَّةِ أُعاني بِسببِها طَوالَ حَياتي ولا يَبدو أنِّي قَادِرٌ على فِعْلِ الكَثيرِ بِشأنِها. فَهُناكَ مَحدودِيَّاتٌ في عَقلي، ومَحدوديَّاتٌ في جَسدي، ومَحدوديَّاتٌ في استيعابي. وأنا عَاجِزٌ عَن فِعلِ أيِّ شَيءٍ بشأنِها. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ اللهَ يَستخدِمُني كَأداةٍ لِتَغييرِ كُلِّ كِيانِ النَّاسِ الآخرين. هَذا أمرٌ مُدهِش. هذهِ هِيَ قُوَّةُ الله.
لِذا، هُناكَ هذهِ القُوَّة وَراءَ الإنجيل. وَكَم هُوَ مِقدارُ القُوَّةِ المَوجودةِ وَراءَ الإنجيل؟ سَوفَ أُخبرُكم. يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ اللهَ يَمْلِكُ قُوَّةً عَظيمة (في المَزمور 79: 11). والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّ ذِراعَ اللهِ قَوِيَّة (في المَزمور 89: 13). والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّ يَمينَ اللهِ مُعْتَزَّةٌ بِالْقُدْرَة (في سِفْر الخُروج 15: 6). وَهُوَ "شَديدُ القُوَّة" (في سِفْر أيُّوب 9: 4). وَهُوَ صَخْرُ الدُّهور (في سِفْر إشعياء 26: 4). وَهُوَ صَاحِبُ السُّلطان (في رِسالة رُومية 9: 21). وَهُوَ يَمْلِكُ قُوَّةً فَعَّالَةً (في سِفْر إشعياء 43: 13). وَهُوَ يَملِكُ قُوَّةً لا يُمكِنُ لأحدٍ أن يُقاوِمَها (في سِفْر التَّثنية 32: 39). وَهُوَ يَمْلِكُ قُوَّةً لا مَثيلَ لَها (في المَزمور 89: 8). وَهُوَ يَمْلِكُ قُوَّةً لا يُسْبَرُ غَوْرُها (في سِفْر أيُّوب 5: 9). فَهُوَ يَمْلِكُ قُوَّةً.
ونَقرأُ في سِفْر إرْميا 10: 12: "صَانِعُ الأَرْضِ بِقُوَّتِهِ". ونَقرأُ في سِفْر إرْميا 27: 5: "إِنِّي أَنَا صَنَعْتُ الأَرْضَ... بِقُوَّتِي الْعَظِيمَةِ وَبِذِرَاعِي الْمَمْدُودَة".
ونَقرأُ في المَزمور 33: 8-9: "لِتَخْشَ الرَّبَّ كُلُّ الأَرْضِ، وَمِنْهُ لِيَخَفْ كُلُّ سُكَّانِ الْمَسْكُونَةِ. لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَار". يا لَها مِن قُوَّة! يا لَها مِن قُوَّة!
وبنفسِ هذهِ القُوَّةِ فإنَّ الرَّبَّ يَحفَظُ الكَون. فَوراءَ كُلِّ مُعجِزَةٍ في الكتاب المقدَّس نَجِدُ قُوَّةَ الله. فاللهُ يَستطيعُ أن يَشُقَّ البَحرَ، ويَستطيعُ أن يُنزِلَ طَعامًا مِنَ السَّماء. فُهناكَ مُعجِزاتٌ تِلوَ المُعجِزاتِ تُظهِرُ قُوَّتَهُ. ولكنِي أُوْمِنُ حقًّا بأنَّ أعظمَ تَعبيرٍ عَن قُوَّتِهِ يَكْمُنُ في قُدرَتِهِ على تَخليصِ النَّاسِ، وتَغييرِهم، وتَغييرِ طَبيعَتِهم، وَحَياتِهِم الحَاضِرَةِ، وَمَصيرِهم الأبديّ.
وَنَقرأُ في المَزمور 106: 8-9: "فَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ، لِيُعَرِّفَ بِجَبَرُوتِهِ". فَكما تَرَوْنَ، فإنَّ قُوَّتَهُ تَتَجَلَّى في الخَلاص.
والعَهدُ الجَديدُ يُقَدِّمُ نَفسَ القُوَّة. فَقد قالَ في إنجيل مَتَّى 28: 18: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ". فَقد كانَ لَهُ سُلطانٌ أن يَطرُدَ الشَّياطين. وَكانَ لَهُ سُلطانٌ على كُلِّ الأسقامِ والأمراضِ كَي يَشفيها. وَكانَ لَهُ سُلطانٌ على الكَونِ لِتَوفيرِ حَاجاتِ النَّاس. وَكانَ لَهُ سُلطانٌ أن يُهَدِّئَ العَاصِفَة، وسُلطانٌ أن يَمشي على المَاء، وسُلطانٌ على المَوت. فَقد دَعا لِعازَرَ للخُروجِ مِنَ القَبر. وَقد وَهَبَ الحَياةَ لابنِ أرملةِ نَايينَ المَيِّت. وَقد وَهَبَ الحَياةَ لابْنَةِ يَايروس. وَقد أَقامَ نَفسَهُ مِنَ الأموات. ولكِنَّ الأهَمَّ مِن ذلكَ كُلِّه هُوَ أنَّ الآيةَ رُومية 1: 16 تَقولُ إنَّهُ يَمْلِكُ قُوَّةَ اللهِ للخَلاص. فَهُوَ قَادِرٌ أن يُخَلِّص.
هذهِ هي الكلمةُ الرَّئيسيَّةُ الأولى: "قُوَّة". ولا يَجوزُ لَكُم البَتَّة يا أحبَّائي... اسمَعوني: لا يَجوزُ لَكُم أو لي أن نُفَكِّرَ ولو مُجَرَّدَ تَفكيرٍ في أنْ نَستَحي مِنْ إنجيلِ المَسيحِ لأنَّهُ قُوَّةُ الله. دَعوها تَنطَلِق.
الكلمةُ الثَّانية: "خَلاص". فَهُوَ قُوَّةُ اللهِ لِـ "سوتيريان" (soterian)؛ أيْ: "قُوَّةُ اللهِ للخَلاص". ويا لَها مِن كلمةٍ رَائعة! فالقُوَّةُ تَكمُنُ في الخَلاصِ لأنَّ البَشَرَ (كما جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني مِن رِسالةِ أفسُس) أمواتٌ. وَخَلاصُ اللهِ هُوَ الَّذي يَجعلُهم أحياء، ويُتيحُ لَهُم أن يَحْيَوْا إلى الأبد، ويَجعلُهم طَاهِرينَ وَلائِقينَ لمَلكوتِ الله. والكلمة "خَلاص" تُستخدَمُ ثَماني عَشْرةَ مَرَّةً مِن قِبَلِ بُولُس؛ خَمسُ مَرَّاتٍ مِنها في رِسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية. والفِعل "يُخَلِّص" يُستَخدَمُ تسعًا وعِشرينَ مَرَّةً مِن قِبَلِ بُولُس؛ ثَماني مَرَّاتٍ مِنها في رِسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية. فهي كلمةٌ رَئيسيَّةٌ جدًّا. وَهِيَ تَعني: "تَحرير". فَهِيَ تَعني: "تَحرير".
كُنتُ أَعِظُ ذَاتَ مَرَّة. وَكنُتُ أعِظُ في ذلكَ اليَومِ مَجموعَةً مِنَ الشَّبابِ فاستَخدمتُ الكلمة "تَخْلُصُوا". فَقد قُلتُ: "يَنبغي لَكُم أيُّها الشَّبابُ أن تَخلُصُوا". وَقد جَاءَ شَخصٌ إليَّ بَعدَ العِظَةِ وَقالَ لي: "لم يَكُن يَجوزُ لَكَ أن تَستخدِمَ تِلكَ الكلمة. فهي ليسَت مُعاصِرَة". وَلا يُمكِنُني أن أنسَى ذلك. فَقد كانَت سَيِّدَةً. وَقد قالَت لي: "إنَّ تِلكَ الكلمةَ ليسَت مُعاصِرَةً. فالشُّبَّانُ اليَافِعونَ لا يَستطيعونَ أن يَفهَمُوا حَقًّا تِلكَ الكلمة. يَنبغي لكَ أن تَستخدِمَ كلمةً أفضلَ مِنها".
هَل تُريدونَ أن تَعرِفوا شَيئًا؟ لم يَكُن باستطاعَتي التَّفكير في كلمةٍ أفضل. فهذهِ هي الكلمةُ الَّتي استَخدَمَها الله. لِذا، كانَتْ رَدَّةُ فِعلي الأولى هِيَ: "سَيِّدتي! هَذِهِ هي الكلمةُ الَّتي يَستخدِمُها الله. لا يَهُمُّني ما الكلمة الَّتي تَجِدينَها مُناسِبَة. فهذهِ هي الكلمةُ الَّتي يَستخدِمُها الله". وَما مَعنى أن تَخلُص؟ أيْ أن تَتحرَّر. مِن مَاذا؟ مِنَ الخطيَّة، والشَّيطان، والدَّينونَة، والمَوت، وجَهَنَّم. وإنجيلُ المَسيحِ هُوَ الوَحيدُ الَّذي لَديهِ القُوَّة اللاَّزِمَة للقِيامِ بذلك.
فَضَمانُ الإنسانِ مِنَ التِّجارِبِ البَشريَّة، وضَمانُهُ مِنَ الدَّينونَةِ الإلهيَّة، وحُصولُهُ على البَرَكَةِ الأبديَّةِ مُرتبطٌ بخلاصِه. وَهَذا يَضُمُّ الغُفرانَ، ويَضُمُّ الهَرَبَ مِنَ الغَضَب، ويَضُمُّ الحَياةَ في الرُّوح، ويَضُمُّ القِيامَة، ويَضُمُّ الأبديَّة. فالإنجيلُ هُوَ قُوَّةُ اللهِ الفَعَّالَة في العَالَم لِتَحريرِ النَّاسِ مِنَ الغَضبِ الإلهيِّ، ومِنَ الخطيَّةِ، والشَّيطانِ، والدَّينونَةِ، والمَوتِ، وجَهَنَّم.
وأعتقدُ أنَّ المُجتمعَ الَّذي كَتَبَ إليهِ بُولسُ كانَ جَاهِزًا لاستقبالِ هذهِ الرِّسالة. فأعتقدُ أنَّهُم كانُوا يُفَتِّشونَ عَنِ الخَلاص. والنَّاسُ كذلكَ اليوم. فَهُم يَظُنُّونَ أنَّهُم بحاجَةٍ إلى خَلاصٍ اقتِصادِيٍّ، أو خَلاصٍ سِياسِيٍّ، أو خَلاصٍ اجتِماعِيّ، أو أنَّهُم بحاجَةٍ إلى تَحسينِ حَياتِهم ومُجتمعِهِم. ولكِنَّهم يُفَتِّشونَ عَنِ الخَلاص. وَقد كانُوا كَذلكَ آنَذاك. هَل تَعلمونَ ذلك؟ فَقد جاءَ وَقتٌ في زَمَنِ بولُس كانَت فيهِ الفَلسفةُ اليونانيَّةُ تُرَكِّزُ أكثرَ فأكثر على الأمورِ الدَّاخليَّة. وَقد كانَت تَنظُرُ إلى الإنسانِ وتَقول: "إنَّ الأمورَ ليسَت على مَا يُرام في حَياةِ الإنسان. نَحنُ بِحاجَةٍ إلى شَيءٍ قَادِرٍ على تَغييرِ الإنسان".
وَنَحنُ نُحاولُ العُثورَ على ذلكَ الشَّيءِ الآن، ولكِنَّنا نَحاوِلُ أن نَعثُرَ عليهِ مِن خِلالِ حَفْزِ عَقلِه، أو مِن خِلالِ التَّحَكُّمِ فيهِ بِطريقةٍ مَا لكي نَتمكَّنَ مِن تَغييره. وَقد كانُوا يُفَتِّشونَ عَن كُلِّ تِلكَ الأشياءِ في زَمنِ بُولُس. وَقدِ اتَّجَهُوا إلى الفَلسفةِ الأخلاقِيَّة.
فَمَثلاً، أَطْلَقَ "إبكتيتوس" (Epictetus)، وَهُوَ واحِدٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ في ذلكَ الوقت، أَطْلَقَ على قَاعَةِ مُحاضَراتِهِ اسْم: "مُستشفَى النُّفوسِ المَريضَة". وَدَعا "إبيقور" (Epicurus) تَعاليمَهُ: "دَواءَ الخَلاص". فَقد كانُوا يُفَتِّشونَ عَن شَيءٍ يُحَرِّرُ الإنسانَ مِنَ الاقتِرافِ الدَّائِمِ للخطيَّة.
وقد قَالَ "سينيكا" (Seneca)، الَّذي تَزامَنَتْ حَياتُهُ مَعَ حَياةِ بُولُس، إنَّ جَميعَ النَّاسِ يَرْجُونَ "أَدْ سَالوتَم" (ad salutem)؛ أيْ يَرْجُونَ الخَلاص. وَهُوَ يَقول: "إنَّ مَا نَحنُ بِحاجَةٍ إليهِ هُوَ أنْ تَمْتَدَّ يَدٌ إلينا وتَنتَشِلَنا". وَقد قَال: "فالنَّاسُ يُدركونَ تَمامًا ضَعفَهُم وعَجزَهُم في الأشياءِ الضَّروريَّة". وَقد قالَ شَخصيًّا إنَّهُ كانَ "هومو نَنْ توليرابيليس" (homo non tolerabilis)؛ أيْ أنَّهُ كانَ رَجُلاً لا يُطاق. وَقد قالَ إنَّ النَّاسَ يُحِبُّونَ رَذائِلَهُم، ولكِنَّهُم لا يَجلِبونَ على أنفسِهِم سِوى اليَأس، وَإنَّ النَّاسَ بِحاجةٍ إلى الخَلاص.
فالبَشَرُ بِحاجَةٍ دَائِمًا إلى ذلك. ولكِنْ أحيانًا، عندما يَسمَعونَ الإنجيلَ فإنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّ الحَلَّ سَخيفٌ جدًّا. ولكِنَّهُ قُوَّةُ الله. فالخَلاصُ لَهُ أبعادٌ عَديدة. فعندما يَنالُ رَجُلٌ أوِ امرأةٌ الخَلاصَ فإنَّهُ يَخلُصُ مِن عَدْوَى الحَياة. فَقد خَلَصْنا (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 2: 40) مِن جِيْلٍ أعوجٍ ومُلتَوٍ. فَقد تَمَّ رَشُّنا [إنْ جَازَ القَولُ] بِمُطَهِّرٍ إلَهِيٍّ.
وَنَحنُ بِحاجَةٍ إلى الخَلاصِ لا فقط مِن عَدْوَى الحَياةِ، بَل إنَّنا في حَاجَةٍ إلى الخَلاصِ أيضًا مِنَ الهَلاك. وَقد قالَ يَسوعُ إنَّهُ جَاءَ يَطلُبُ ويُخَلِّصُ مَا قَد [مَاذا؟] هَلَك. وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ الإنسانَ يَسيرُ على الطَّريقِ الخَطأ، ولا يَعلَمُ إلى أينَ يَمضي، ولا مِن أينَ جَاء، ولا أينَ هُوَ. فَهُوَ ضَالٌّ. وَفجأةً، عندما يَأتي إلى المَسيحِ فإنَّهُ يَعلَمُ حَالاً مِن أينَ جَاءَ، وإلى أينَ يَمضي، وأينَ هُوَ. وَهذا يَعني الخَلاصَ مِنَ الخطيَّة. فالإنسانُ عَبْدٌ للخطيَّةِ إلى أنْ يُحَرِّرَهُ المَسيح. وَهَذا يَعني الخَلاص مِنْ دَينونَةِ اللهِ المَحتومَة. وبهذا المَعنى فإنَّهُ خَلاصٌ مُستقبليٌّ يَبلُغُ الذُّروةَ في أبديَّةٍ مُنتصِرَة.
وبالمُناسَبَة، إنَّ جَوانبَ الخَلاصِ المُختلفة تَتَكَشَّف لَنا شَيئًا فَشيئًا مِن خِلالِ الرِّسالةِ إلى أهلِ رُومية. وأعتقدُ أنَّهُ يَكفينا وَحَسْب أن نَقولَ إنَّ الأمرَ يَتطلَّبُ قُوَّةً إلهيَّةً لتَتميمِ هذا الخَلاصِ لأنَّ الإنسانَ ضَالٌّ جدًّا، ومَريضٌ جدًّا، وهَالِكٌ ومَلعونٌ جدًّا، ومَيِّتٌ في الخطيَّة. لِذا فإنَّ الأمرَ يَتطلَّبُ قُوَّةً إلهيَّةً لِتَحريرِهِ مِن كُلِّ ذلك. فَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ القِيامِ بذلكَ بنفسِه.
واللهُ يَصِفُ الإنسانَ في الكتابِ المقدَّسِ بأنَّهُ جَاهِلٌ جدًّا بإرادَتِه، وبأنَّهُ مُنغَمِسٌ في ذَاتِهِ باختيارِهِ وَلا يَستطيعُ أن يَتحرَّرَ مِن ذلك. وَهُوَ يَصِفُ البَشَرَ بأنَّهُم غَارِقونَ في مُستنقَعِ الدِّيانَةِ الزَّائفةِ، وبأنَّهُم خَاضِعونَ في كُلِّ مَا يَفعلونَهُ للشَّيطانِ، وبأنَّهُم مُمتلِئونَ بالدَّوافِعِ السَّيِّئَةِ وَخِداعِ النَّفس، وبأنَّهُم يَتَّكِلونَ على أعمالِهم الصَّالِحَةِ الَّتي هِيَ مُجَرَّدُ خِرَقٍ بَالِيَة، وبأنَّهُم يُحِبُّونَ الأشياءَ الزَّائِلَةَ الَّتي يُقَدِّمُها العَالَم، وبأنَّهُم يَكرَهونَ الحَقَّ، وبأنَّهُم مُتَكَبِّرونَ ويَبْحَثونَ عَنِ المُتَعِ، وبأنَّهُم مَخلوقاتٌ مُذنِبَةٌ وَشَهوانِيَّة. لذلكَ فإنَّهُم لا يَمْلِكونَ أيَّ حَقٍّ في الدُّخولِ إلى مَلكوتِ الله. لِذا فإنَّهُم بِحاجةٍ إلى التَّحرُّرِ مِن كُلِّ ذلك. وقُوَّةُ اللهِ هِيَ الوَحيدةُ الَّتي تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلك.
لِذا فإنَّ بُولسَ يَقول: "إنَّ مَا أقولُهُ هُوَ أنَّ قُوَّةَ اللهِ قادِرَةُ على جَلْبِ الخَلاص". كيف؟ هَذهِ هِيَ الكلمةُ الرَّئيسيَّةُ التَّالية. كيف؟ نَقرأُ في العَدد 16: "لِكُلِّ مَنْ [مَاذا؟] يُؤْمِن". فالإيمانُ هُوَ الكلمةُ الرَّئيسيَّةُ الثَّالثة... الإيمان. فإنْ كانَتْ قُوَّةُ اللهِ تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلك، مَنِ الَّذي سَيَنتَفِعُ مِنها؟ كُلُّ مَن يُؤمِن. فَقُوَّةُ الخَلاصِ تَعمَلُ فقط مِن خِلالِ الإيمان. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فإنْ وُجِدَ إيمانٌ، فإنَّ قُوَّةَ اللهِ تَعمَلُ في الخَلاص.
وَقد تَقول: "وَما هُوَ الإيمان؟" الإيمانُ هُوَ التَّصديق. فأنتَ تَعيشُ بالإيمان كُلَّ يَومٍ مِن أيَّامِ حَياتِك. فأنتَ تَفتَحُ صُنبورَ المَاءِ وتَملأُ الكُوبَ وتَشرَبُهُ. وَهذا إيمان. فأنتَ لا تَدري مَاذا يُوجَدُ في المَاء، وَلا تَدري مَن يَعبَثُ بأنابيبِ المَاء. أَذكُرُ أنِّي قَرأتُ في مَجَلَّةِ "ريدرز دايجست" (Reader's Digest) عَن مَدينةٍ في كانساس (Kansas) كَانَ يُوجَدُ فيها خَزَّانٌ ضَخْمٌ للمِياه. وَكانَ النَّاسُ يَحصُلونَ على المَاءِ مِن خِلالِ هَذا الخَزَّان. وَكانَ المَاءُ يُضَخُّ إليهِ مِن بِئْر فيَمتلِئُ الخَزَّانُ ثُمَّ يُضَخُّ مِنَ الخَزَّانِ إلى المَدينة. وَقد تَمَ تَحديثُ شَبَكَةِ المِياهِ فَتَمَّتْ تَصفِيَةُ كُلِّ المَاءِ الَّذي في الخَزَّان. وَقد عَثَروا على كُلِّ أنواعِ المَخلوقاتِ الغَريبةِ في قَعْرِ الخَزَّان. وَقد أُصيبَ أغلبيَّةُ سُكَّانِ المَدينةِ بالدِّيزنطاريا بأثَرٍ رَجْعِيٍّ. فَقد كانُوا يَعيشونَ بالإيمان، ولكِنَّهُم آمَنُوا بالشَّيءِ المَغلوط.
كنتُ مُسافِرًا إلى لوس أنجليس يَومَ أمس. وكُنَّا أنا و "بيل" (Bill) و "مونتي" (Monty) نَجلِسُ في هذهِ الطَّائرة. وفجأةً، ولسببٍ مَا، هَبَطتِ الطَّائِرَةُ هُبوطًا عَنيفًا. وقَد صَارَ الجَميعُ مُتَدَيِّنينَ فَجأةً. ولا أدري حَتَّى مَن كَانَ يُوجَدُ في مُقدِّمَةِ تِلكَ الطَّائرة. ولا أدري حتَّى إنْ كانَ هُناكَ أَحَدٌ هُناك يَقودُها. فأنتَ تَرى الطَّيَّارَ يَمشي بينَ المَقاعِدِ ويُسَلِّمُ على الجَميع. وهُناكَ شَخصٌ يَقولُ دَائِمًا: "مَنِ الَّذي يَقودُ هذا الشَّيء؟"
نَحنُ نَعيشُ بالإيمانِ طُولَ الوقت. والإيمانُ هُوَ الثِّقَة. فأنتَ تَذهبُ إلى مَطعمٍ وتأكُلُ مَا يُقَدِّمونَهُ لَك. فَنَحنُ جَميعًا نَعيشُ بالإيمان. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّ هذهِ هي الطَّريقة الوَحيدة الَّتي يُمكِنُكَ فيها أن تَعيش. فاللهُ وَضَعَ في قَلبِ الإنسانِ أنْ يَفهَمَ كيفَ يَعيشُ بالإيمان. والإيمانُ بالأشياءِ الرُّوحيَّةِ مُختلفٌ جدًّا عن ذلكَ النَّوعِ مِنَ الإيمان، ولكِنَّ الفِكرةَ هِيَ نَفسُها. فَهُوَ يَعني الثِّقَة والتَّصديق. وَمَعَ أنَّ قُوَّةَ اللهِ تَستطيعُ أن تُخَلِّص، فإنَّها لن تُخَلِّصَ إلاَّ أولئكَ الَّذينَ يُؤمِنون. يُؤمِنونَ بماذا؟ أنْ تُؤمِنَ بقلبِكَ أنَّ اللهَ أَقامَ يَسوعَ مِنَ الأموات. وَهذا يَعني أنْ تُؤمِنَ بأنَّ يَسوعَ كَانَ صَادِقًا في كُلِّ مَا قَالَهُ عَن نَفسِهِ، وَبأنَّهُ مَاتَ لأجلِ السَّببِ الَّذي قَالَ إنَّهُ سيَموتُ لأجلِه، وبأنَّهُ قَامَ ثَانِيَةً مِنَ القَبر. فإنْ صَدَّقْتَ ذلكَ تَكونُ قَد آمَنْت. "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، [بِماذا؟] بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ".
الإيمان. فالخَلاصُ ليسَ اعتِرافًا بالمَسيحيَّة. فَهُوَ ليسَ كذلك. والخَلاصُ ليسَ مَعموديَّة. والخَلاصُ ليسَ إصلاحًا أخلاقِيًّا. والخَلاصُ لا يَعني الذَّهابَ إلى الكنيسة، ولا تَطبيقًا للمَبادِئ، وَهُوَ ليسَ ضَبْطًا للنَّفسِ وَتَحَكُّمًا في الذَّات. وَهُوَ ليسَ أخلاقًا. فَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يَظُنُّونَ أنَّهُم مُخَلَّصونَ للأسبابِ المَغلوطَة.
جَلَسْتُ بِجانبٍ سَيِّدةٍ ذَاهِبةٍ إلى شيكاغو. فَقد مَرَرْتُ بكُلِّ أنواعِ الخِبراتِ في هذا الأسبوعِ؛ وَهُوَ أمرٌ يَصْعُبُ تَصديقُه! جَلستُ بجانبِ هذهِ السيِّدةِ البالِغَةِ مِنَ العُمر ثَماني وسَبعينَ سنة. وعِندما جَلَسْتُ بِجَانِبِها رَسَمَتْ ابتسامَةً صَغيرةً على وَجْهِا. وكانت قَد جاءت لزيارةِ ابنتِها في كاليفورنيا. وَهِيَ الآن في طَريقِ العَودةِ إلى مَكانٍ مَا في شَمالِ ميشيغان. وبعدَ قَليل، أدركتْ أنِّي رَجُلُ دِيْنٍ فَقالت: "هَل أنتَ رَجُلُ دِيْنٍ مُبَجَّل؟" قُلتُ: "لا أدري بِخُصوصِ التَّبجيل، ولكنِّي رَاعي كَنيسة". ثُمَّ قُلتُ: "هَل تَذهبينَ إلى أيَّة كَنيسة؟" قالت: "أنا كَاثوليكيَّة". قُلتُ: "حَقًّا؟ وَهل تَعرِفينَ يَسوعَ المَسيحَ مُخَلِّصًا شَخصيًّا؟" قَالت: "أنا أذهبُ إلى الكنيسةِ الكاثوليكيَّة طَوالَ حَياتي". قُلتُ: "هذا مُدهش!" قالت: "هَل تَعرفُ أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّة قد تَغيَّرت؟" قُلتُ: "أجل. لَقد تَغيَّرت. لَقد تَغيَّرت. لَقد تَغيَّرت كَثيرًا. أليسَ كذلك؟" قالت: "أجل. وأنا لا أُحِبُّ ذلك". ثُمَّ قَالت: "لقد كُنتُ أُحِبُّها أكثر بِصورَتِها القَديمة". فَهِيَ في الثَّامِنَةِ والسَّبعين مِنَ العُمر. وكما تَعلمونَ فإنَّ الأمورَ تَكونُ صَعبة عندما تَتغيَّرُ التَّقاليد.
قُلتُ: "مَاذا تَعنينَ بذلك؟" قالت: "هَل تَعلَمُ مَاذا يَفعلونَ الآن؟ إنَّهُم يَقومونَ بالخِدماتِ باللُّغةِ الإنجليزيَّة". قُلتُ: "وَهل هذهِ مُشكلة؟" قالت: "كُنتُ أُحِبُّها أكثر عندما لم أَكُن أفَهَمُ شَيئًا مِمَّا يَقولونَهُ". هذا هُوَ تَمامًا مَا قَالَتْه. وَقد قالت: "فَحينئذٍ، كَانَ بِمقدوري أن أذهبَ إلى هُناكَ وأن أتأمَّلَ كَيفَما شِئْت". قُلتُ: "وَماذا تَستفيدينَ مِن ذلك؟" قالَت: "هُناكَ ذلكَ السُّكونُ عِندما أتأمَّلُ كَما أشاء". قُلتُ: "أَلاَ تَعتقدينَ أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ أن تَعرِفي مَبادِئَ كلمةِ الله؟" قالَت: "أعتقدُ أنَّهُ يَجبُ علينا أن نَعرفَ أمورًا مُعَيَّنة".
لم تَكُنِ المُحادَثَةُ بينَنا مُثمِرَةً كَما أتَمَنَّى أن تَكون، ولكِنَّنا وَصَلنا إلى نُقطةٍ بَاتَ فيها وَاضِحًا أنَّ ضَمانها قَائِمٌ على حَقيقةِ أنَّها تَذهبُ إلى الكنيسة. فَهِيَ لم تَكُن تُبالي بِفَهمِ أيِّ شَيءٍ يَقولونَهُ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّها أَحَبَّتْ ذلكَ أكثرَ عندما لم تَكُن تَفهَمُ شَيئًا. قُلتُ: "سَيِّدتي! هُناكَ شَيءٌ واحِدٌ مُهِمٌّ حَقًّا في عُمْرِكِ عندما تُغادِرينَ هذهِ الحَياةَ وَهُوَ أن تَكوني مُستعدَّةً لمُلاقاةِ اللهِ لأنَّكِ تَعرِفينَ ابنَهُ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيح. فَليسَ مُهِمًّا إلى أيَّةِ كَنيسةٍ كُنتِ تَذهَبين. ولا أدري مَا رأيُها في ذلك، ولكنِّي أرجو أن تُفَكِّرَ في الأمر.
فالخَلاصُ لا يَأتي مِن خِلالِ الكَنيسة، بَل إنَّ الخَلاصَ يَأتي عِندَما يُدركُ الإنسانُ أنَّهُ لا يَمْلِكُ أيَّةَ مَوارِد، وَأنَّهُ ضَالٌّ، وَخَاطِئٌ، وعندما يَرى نَجاسَةَ خَطيَّتِه وَبشاعَتَها، وعندما يُدركُ فَسادَ قَلبِه، وفَسادَ طَبيعَتِه، وعندما يَنجَذِبُ إلى المَسيحِ لأنَّهُ الحَلّ، وعندما يَرى أنَّهُ مَاتَ عَن خَطاياه، وَأنَّهُ غَلَبَ خَطيَّتَهُ، وَأنَّهُ دَفَعَ الأُجرةَ، وَأنَّهُ يُريدُ أن يُعطيهِ حَياةً جَديدة فيقول: "أنا أُوْمِن... أنا أُوْمِن". وَحينئذٍ، لا أهميَّةَ لِهُويَّةِ ذلكَ الإنسان. أتَعلَمونَ ذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في العَدد 16: "لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ"؛ أيْ سَواءَ كَانَ يَهوديًّا أَو أُمَمِيًّا: "لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ".
أجل! فَقد أُعْطِيَ الخَلاصُ في الأصلِ لليَهود. فالخَلاصُ أُعطِيَ في الأصلِ لليَهود حيثُ إنَّهُم شَعبُ اللهِ المُختار. فَقد جاءَ المَسِيَّا لليَهودِ أوَّلاً وَقال: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّة". أجل! فقد جَاءَ إليهم إذْ إنَّ التَّجهيزِ التَّامَّ للإعلانِ عَنِ الإنجيل كَانَ يَختصُّ بإسرائيل. لِذا فإنَّ الإنجيلَ هُوَ في الأصل لليَهود.
وقد عَلَّقَ المُفَسِّرُ العَظيم "روبرت هولدين" (Robert Haldane) على ذلكَ تَعليقًا وَاضِحًا. استَمِعوا إليَّ فيما أقرأُ مَا كَتَب: "مِن أيَّامِ إبراهيم، جَدِّهِم الأعلى، كَانَ اليَهودُ مُمَيَّزينَ كَثيرًا عَن بَقيَّةِ العَالَمِ مِن خِلالِ الكَثيرِ مِنَ الامتيازاتِ العَظيمَة. وبسببِ تَمييزِهم ذاكَ جَاءَ المَسيحُ الكَائِنُ عَلَى الكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إلى الأَبَد. لِذا فقد كَانُوا عَشيرَتَهُ، أيِ العَشيرةَ المَلَكِيَّةَ للجِنسِ البَشريّ. وقد كَانُوا مِن هذا الجَانِبِ أعلى مِنَ الآخرينَ وَوَرَثُوا أرضَ عِمَّانوئيل. وفي حينِ أنَّ العَهدَ الكِرازِيَّ والتَّبريرَ والخَلاصَ مُقَدَّمَةٌ كُلُّها لِجَميعِ المُؤمِنينَ فإنَّ اليَهودَ يَحْتَلُّونَ المَرتبةَ الأولى بِوصفِهِم شَعبَ اللهِ القَديم؛ في حينِ أنَّ الأُمَمَ الأخرى غَريبةٌ عَن عُهودِ الوَعد.
"فَقد كانَ يَنبغي أن تَكونَ الكِرازَةُ بالإنجيل مُوَجَّهَةً إليهُم أوَّلاً. وفي البِداية، إليهم فقط. فقد قالَ يَسوع: ’لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ‘. وَقد أَوْصَى قَائلاً إنَّهُ يَنبغي أنْ يُكْرَزَ باسمِهِ بالتَّوبةِ وَمَغفِرَةِ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَمِ مُبْتَدَأً مِن أورُشَليم. لِذا، في حينِ أنَّ اليَهودَ والأُمَمَ اتَّحَدُوا في الاشتراكِ في الإنجيل، فإنَّ اليَهودَ لم يُجَرَّدُوا مِن مَكانَتِهم حيثُ إنَّهُم دُعُوا أوَّلاً".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ مَا يَلي: "كانت الكِرازةُ بالإنجيل لليَهودِ قَد خَدَمَتْ في البِدايةِ أهدافًا عَديدةً مُهِمَّة. فَقد حَقَّقَتْ نُبوءاتِ العَهدِ القَديم. وَقد أَظهَرَت تَعاطُفَ الرَّبِّ يَسوعَ مَعَ أولئكَ الَّذينَ سَفَكُوا دَمَهُ، والَّذينَ أَوْصَى بَعدَ قِيامَتِهِ بأنْ يُكْرَزَ لَهُم بإنجيلِهِ أوَّلاً. وَقد بَيَّنَ ذلكَ أنَّهُ يَنبغي أنْ يُكرَزَ بِهِ لأوَّلِ الخُطاةِ وَأنْ يُبَرهِنَ على فَاعِليَّةِ كَفَّارَتِهِ في التَّكفيرِ حَتَّى عن خَطيَّةِ مَن قَتلوه. وَقد كانَ لائِقًا أيضًا أنْ يُبتَدَأَ بالكِرازةِ بالإنجيل في المَكانِ الَّذي حَدَثَت فيهِ الأحداثُ الكَبيرةُ الَّتي تَأسَّسَتْ عليها".
فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لليَهودِ أوَّلاً، ولكِنَّهُ أيضًا للأُمَم. فَخلاصُ اللهِ لم يَكُن مَحصورًا في أيَّةِ أُمَّة، بَلْ هُوَ لِكُلِّ شَخصٍ، يَهوديًّا كَانَ أَمْ أُمَمِيًّا.
والآن، تَابِعوني هُنا بِعِنايَةٍ شَديدة: إنَّ إنجيلَ المَسيحِ يَمْلِكُ قُوَّةً. فَهُوَ يَمْلِكُ قُوَّةً للتَّخليص. فَهُوَ يَمْلِكُ قُوَّةً لِتَخليصِ مَن يُؤمِن. ولكِن كيفَ يَفعلُ ذلكَ حَتَّى إنْ آمَن؟ كَيفَ يَستطيعُ أن يُغَيِّرَهُ؟ لأنَّنا نَقرأُ في العَدد 17: "لأَنْ فِيهِ..." [أيْ في الإنجيلِ] "...مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ...". أَتَرَوْن؟ فالسَّببُ في أنَّهُ يَقدِرُ أن يُخَلِّص هُوَ أنَّهُ عندما تُؤمِن فإنَّ بِرَّ اللهِ يُعلَنُ لَك. بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَصيرُ مِن نَصيبِك. فَهكذا يَتِمُّ الأمر.
وَقد تَقول: "ولكِنَّ الإنسانَ خَاطِئٌ جدًّا، وشِرِّيرٌ جدًّا، وبَائِسٌ جدًّا، وليسَ لَهُ رَجاء، ولا حَوْلَ لَهُ وَلا قُوَّة. فَحَتَّى إنْ آمَنَ، وَحَتَّى إنْ كَانَ الإنجيلُ قَادِرًا على تَخليصِه، كيفَ يَفعلُ ذلك؟" إنَّ الإنجيلَ قَادِرٌ على ذلكَ لا لأنَّنا نَصيرُ فَجأةً في ذَواتِنا أبرارًا، بَل لأنَّ بِرَّ اللهِ يُعْلَنُ لَنا فَجأةً.
وَهَذا يَقودُنا إلى الكلمةِ الرَّابعةِ وَهِيَ: "البِرّ". فإلى جَانِبِ الإيمانِ [بالمُناسَبَة]، فإنَّ هذهِ الكلمة مُستخدَمَة أكثرَ مِن 60 مَرَّة في الرِّسالة إلى أهلِ رُومية. فهي كلمة رَئيسيَّة. وسوفَ نَراها مِرارًا وتَكرارًا. وَالسَّببُ في أنَّ قُوَّةَ الإنجيلِ تُطْلَقُ في الخَلاصِ بالإيمانِ هُوَ أنَّ الإيمانَ... اسمَعُوا مَا سَأقول: هُوَ أنَّ الإيمانَ يُفَعِّلُ إعلانَ بِرِّ الله. فإنْ أردتُ أن أكونَ بَارًّا، لا أستطيعُ أن أفعلَ ذلكَ مِن ذَاتي، بَل يَنبغي أن يُعطيني اللهُ بِرَّهُ. وَهُوَ يَفعلُ ذلك.
وَكما تَرَوْنَ فإنَّ يَسوعَ حَمَلَ خَطايانا. وَعِوَضًا عَنها، أعطانا اللهُ بِرَّهُ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ أنَّ المَسيحَ صَارَ خَطِيَّةً لأجلِنا لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيه. وعندما يَقولُ بُولسُ إنَّ "بِرَّ اللهِ مُعلَنٌ" فإنَّهُ لا يَعني أنَّهُ قَد أُعلِنَ وَحَسْب للعُقولِ البَشريَّة، وَلا يَعني أنَّهُ أُعلِنَ في التَّاريخِ البَشريِّ، بَل يَعني أنَّهُ أُعلِنَ تَحديدًا في عَملِ وَمُمارَسَةِ التَّجديد. لِذا فإنَّ الإنجيلَ هُوَ "قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِن". لأنَّ ذلكَ الإيمانَ يُفَعِّلُ بِرَّ الله.
وبالمُناسَبَة، إنَّ أفضلَ تَرجَمَةٍ هِيَ: "البِرُّ الَّذي مِنَ الله"... "البِرُّ الَّذي مِنَ اللهِ مُعْلَنٌ". فالأهميَّةُ لا تَكمُنُ فيما أُوْمِنُ بِهِ أنا. فقَد أُوْمِنَ بِبِرِّي الذَّاتِيّ. أليسَ كذلك؟ وَقد أُوْمِنُ وَأُوْمِنُ وَأُوْمِنُ قَدْرَ مَا أشاءُ أن أُوْمِن، ولكنِّي لَن أَصيرَ بَارًّا بِمِعيارِ الله. وَلا يُمكِنُني أن أكونَ مُقَدَّسًا تَمامًا، ولا يُمكِنُني أن أَصيرَ بِلا خَطِيَّة. فَهذا هُوَ المِعيارُ الكَامِل. لِذا فإنَّ اللهَ يَقول: "إنْ آمَنْتَ وَحَسْب، سَأُعطيكَ بِرِّي". ولكِن كيفَ تَقدِرُ أن تَفعلَ ذلكَ يا الله؟ لأنَّ يَسوعَ حَمَلَ العِقابَ عَنك. فالأُجرةُ دُفِعَت. وأنا أُعطيكَ بِرِّي.
فاللهُ يَطلُبُ مِنَ الإنسانِ شَيئًا لا يَستطيعُ الإنسانُ البتةَ أن يَفعلَهُ. فَهُوَ يُطالِبُ بالقداسَةِ الكامِلَةِ المُطلَقَة. وهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ هَذا المَطلَبَ ليسَ عَادِلاً. فَكيفَ يَطلُبُ اللهُ ذلك؟ ولماذا لا يُخَفِّضُ المِعيار؟ حَسَنًا، لِنَقُل أنَّهُ خَفَّضَ المِعيارَ قَليلاً. ولنَقُل إنَّ اللهَ قَال: "لكي تَخلُص، يَنبغي أن تَكونَ ذَكِيًّا جدًّا". هَل سَيَكونُ هَذا مُنْصِفًا؟ لا، لأنَّهُ سيَكونُ أمرًا ظَالِمًا للجَهَلة". حَسَنًا، وَماذا لو أنَّهُ قَالَ إنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَكونَ غَنِيًّا؟ لا، لأنَّهُ سيَكونُ أمرًا ظَالِمًا للفُقراء. وَماذا إنْ قالَ إنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَتَحَلَّى بأخلاقٍ حَميدة؟ هَذا لَنْ يَكونَ مُنصِفًا جدًّا للأشرارِ والفاسِقين. وكما تَرَوْنَ فإنَّهُ يَضَعُ مِعيارًا يَستطيعُ أيُّ شَخصٍ أن يَبلُغَهُ لِئَلاَّ يَفتَخِرَ أَحَد، ولِئَلاَّ يُترَكَ أَحَد. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "سَوفَ أُعطيكَ بِرِّي بِغَضِّ النَّظرِ عَن هُويَّتِك".
ونَقرأُ في رِسالةِ رُومية 3: 21 فيما نَخْتِمُ دَرْسَنا: "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوس"؛ أيْ بِدونِ أيَّةِ أعمالِ أو حِفْظٍ للنَّاموس. "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ الله". كيف؟ نَقرأُ في العَدد 22: "بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُون". ونَجِدُ الكلماتِ نَفسَها مَرَّةً أخرى. فَهُوَ نَفسُ المَبدأِ ونَفسُ الحَقّ. انظروا إلى الأصحاحِ الرَّابعِ والعَدد الثَّالِث. فَهذا المَبدأُ كَانَ سَارِيًا أيضًا في العهدِ القديم. "فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ [مَاذا؟] بِرًّا".
وَنَقرأُ في رِسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالِث، وأريدُ أن أذكُرَ في عُجالَةٍ مَا جَاءَ في العَدَدَيْنِ الثَّامِنِ والتَّاسِع. فَبولُسُ يَقول: "بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَان".
أَتَرَوْن؟ هذهِ هي الرِّسالة. وَهذا هُوَ مَجدُ الإنجيلِ إذْ إنَّهُ قُوَّةُ اللهِ للخَلاص. وَهَذا الخَلاصُ يَصيرُ فَاعِلاً مِن خِلالِ الإيمان. وذلكَ الإيمانُ يُفَعِّلُهُ لأنَّ الإيمانَ يُعلِنُ بِرَّ اللهِ نِيابَةً عَنَّا.
وَقد كَتَبَ الكونت زينزيندورف" (Count Zinzendorf) الكلماتِ التَّاليةَ الَّتي تَعرِفونَها وتُحِبُّونَها: "دَمُكَ يا يَسوعُ وَبِرُّكَ هُما رِدائي الجَميلُ وَثَوبي المَجيد، في وَسَطِ العَوالِمِ المَسعورَةِ سَأعيشُ بِفَرَحٍ رَافِعًا رَأسي. وَسوفَ أقِفُ بِجُرأةٍ في يَومِكَ العَظيمِ، لأنَّهُ مَنْ يَجرُؤُ على تَوجيهِ أيَّةِ تُهمَةٍ إلَيَّ؟ فَقد تَحَرَّرْتُ مِنها كُلَّها: مِنَ الخَوفِ، والخَطيَّةِ، والذَّنبِ، والعَار. [كيف؟] دَمُكَ يا يَسوعُ وَبِرِّك".
لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 17 إنَّ بِرَّ اللهِ مُعْلَنٌ، ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ العِبارةَ القَصيرةَ التَّالية: "بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»". مَا مَعنى ذلك: "بِإِيمَانٍ لإِيمَان"؟ أعتقدُ أنَّها تُشيرُ إلى نَفسِ فِكرةِ كُلِّ مَن يُؤمِن. فيُمكِنُكم أن تَنظُروا إليها بتلكَ الطَّريقة. فَهُوَ يَقول: "لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ..." ثُمَّ لاحِظُوا مَا يَلي: "...بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ"، لإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، لإِيمَان. إنَّهُ إيمانُ أيِّ شَخصٍ، أو إيمانُ كُلِّ شَخصٍ بِلا أيَّة قُيود.
وأنا أرى أنَّهُ إيمانٌ يَتحرَّكُ في جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ مِن إيمانٍ إلى إيمانٍ إلى إيمانٍ إلى إيمان. وَهذا يُشبِهُ مَا جَرى في العهدِ القديمِ ولا يَختلِف عَنهُ في شَيء. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر حَبَقُّوق 2: 4: "وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا". فلا يُوجَد شَيء جَديد في ذلك. "فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا".
"لا تَستطيعُ أعمالُ يَدَيَّ أنْ تُتَمِّمَ مَطالِبَ النَّاموس. هَل يُمكِنُ لِحَماسَتي أنْ تَستمرَّ دُونَ أنْ يَعتَريها غَضَب؟ وَهل يُمكِنُ لدُموعِي أن تَنهَمِرَ دُونَ تَوَقُّف؟ فَكُلُّها لا تَستطيعُ أن تَغفِرَ خَطيَّة". ثُمَّ مَاذا يَقولُ الشَّطرُ التَّالي؟ "ولكِنَّكَ أنتَ الَّذي تُخَلِّص... أنتَ [ماذا؟] وَحدك". هذا هُوَ مَا تَقولُهُ تَرنيمَةُ "صَخْر الدُّهور" (Rock of Ages).
لِذا فإنَّ بولسَ يُقَدِّمُ فِكرةَ الإنجيل: القوَّة، والخَلاص، والإيمان، والبِرّ. أرجو أن تَعرِفوا المَسيح. وأرجو أن تُؤمِنوا به.
سوفَ أختِمُ بهذا: إنَّ واحِدًا مِنَ المُرْسَلينَ المُفَضَّلينَ لَديَّ هُوَ "جون بيتون" (John G. Patton) الَّذي ذَهَبَ إلى جُزُر هيبريدس الجديدة (New Hebrides) الَّتي يَسكُنُها آكِلو لُحومِ البَشَر. وعندما وَصَلَ إلى جُزُر هيبريدس الجديدة، ذَهبَ إلى جَزيرةٍ في وَقتٍ كَانَ يُوجَدُ فيها وَبَأٌ مُريع. فقد كانَ النَّاسُ يَموتونَ مِنَ المَرَض. وَقد فَتَكَ ذلكَ الوَبَأُ بالسُّكَّان. لِذا فَقد كانَ يَذهَبُ إلى أكواخِ النَّاسِ المَرضَى وَيُحاوِلُ أن يَعتني بِهم. وَقد دَفَنَ المَوتَى، واعْتَنى بالأشخاصِ الَّذينَ على فِراشِ المَوت. وعندما انتَهى الوَبأ، استَقبَلَهُ الجَميعُ وَأحَبُّوهُ فَبَقِيَ مَعَهُم.
وقد فَكَّرَ بَادِئَ الأمرِ في تَعَلُّمِ لُغَتِهِم. وَقَدِ راحَ يَستمِعُ إلى كَلامِهم ويَكتُبُ في دَفترٍ كُلَّ الكلماتِ والعِباراتِ الَّتي تَعَلَّمَها. وقدِ اعتادَ السُّكَّانُ المَحليُّونَ على أنَّهُ يَحمِلُ دَائِمًا دَفترًا ويَتوقَّفُ في مُنتصفِ الحَديثِ ليَكتُبَ أشياءً. ثُمَّ جَاءَ وَقتٌ قَرَّرَ فيهِ أن يُتَرجِمَ أجزاءً مِنَ الإنجيلِ إلى لُغتِهم. ولكِنَّه اكتشفَ أنَّهُ لا تُوجَدُ لَديهم كلمة تَعني "إيمان" أو "ثِقَة" أو "يُؤمِن". فَهُمْ لم يَكونوا يَثِقونَ بأيِّ شَخص. ولكِنْ لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ الكَثيرَ إنْ تَرْجَمْتَ الكتابَ المقدَّسَ مِن دُونِ أن تَجِدَ كلمةً تُعَبِّرُ عن ذلك. لِذا فقدِ رَاحَ يُفَكِّر.
وفي لَحظةِ إحباطٍ، ذَهَبَ لِيَصطادَ غَزالاً. وَقد اصطادُوا حَيَوانًا يُشبِهُ الغَزال وَطَرائِدَ أصغَر حَجمًا وحَمَلوا الصَّيْدَ إلى مَنزِلِ المُرْسَل. وَكانَ الطَّقسُ استِوائيًّا وَحَارًّا جدًّا. وكانَ الجَبَلُ الَّذي اصْطادُوا فيهِ غَيرَ مَعروفٍ لَديهم جَيِّدًا، ولكِنَّهُم وَصَلوا أخيرًا في حَالةِ إرهاقٍ شَديد. وَقد وَضَعُوا أحمالَهُم الثَّقيلةَ وَانطَرَحُوا جَميعًا على العُشب.
وَقد قَالَ أحَدُ السُّكَّانِ المَحلِّيِّين: "مِنَ الجَيِّدِ أنْ يَطرَحَ المَرءُ نَفسَهُ هُنا في الظِّلّ". نَهَضَ جُون بيتون عن ذلكَ العُشبِ بِحَماسَةٍ وَطَلَبَ مِن ذلكَ الرَّجُلِ أنْ يُعيدَ الجُملةَ مِرارًا وتَكرارًا. وَقد كَتَبَها كُلَّها في دَفترِه. ثُمَّ إنَّهُ تَرْجَمَ الآيةَ يُوحَنَّا 3: 16 كَما يَلي: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يَطْرَحُ نَفسَهُ عَليه، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". هَذا هُوَ الإيمان. وَهُوَ يُفَعِّلُ بِرَّ اللهِ لأجلِك.
شُكرًا لكَ، يا أبانا، على الوقتِ الَّذي صَرَفْناهُ في هذا المَساء. يا لَها مِن لَيلةٍ رَائعة! فَلا يُمكِنُني أن أُفكِّرَ في مَكانٍ نكونُ فيه أفضلَ مِن أنْ نَكونَ في حَضرَتِكَ هُنا. وَكَمْ أشعُرُ بالأسَفِ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يَأتُوا إلى هُنا ولم يَسمَعُوا الشَّهاداتِ، والفَرَحَ، والسُّرورَ، والحَقَّ المُعلَنَ في الكلمة. ولكنِّي أشكُرُكَ على الأشخاصِ الحَاضِرينَ هُنا بِتَرتيبِكَ الإلهيّ.
إنْ كانَ يُوجَدُ بيننا أشخاصٌ لم يَختبروا رَوعَةَ الخَلاصِ، لَيتَهُم يَعرفونَ ذلكَ قَبلَ أن يُغادِرُوا اللَّيلة. نَترُكُ حَياتَهُم بينَ يَديكَ. ليتَهُم يَقبلونَ بالإيمان قُوَّةَ اللهِ للخَلاصِ ويَقبَلُونَ بِرَّك.
نَشكُرُكَ يا أبانا على هذا اليَومِ الرائع. بارِك كُلَّ نَفسٍ عَزيزةٍ هُنا في هذا المَساء. وَليتَ هَذا الحَقَّ الَّذي تَسَلَّمناهُ يَكونُ شَيئًا نُقَدِّمُهُ لآخرينَ كي يَعرِفوكَ لأنَّ مَعرِفَتَكَ تُعطيهم حَياةً أبديَّة. نُصَلِّي هذا باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
