مِن دَواعي سُرورِنا في هذا الصَّباح أن نَختِمَ سِلسلَتَنا الدِّراسيَّة للآيات 2كورنثوس 6: 14 إلى 7: 1. ونحنُ نَدرُسُ هذهِ الرِّسالة المُهمَّة الَّتي أرسَلَها الرَّسولُ بولُسُ إلى كنيسةِ كورِنثوس لأنَّها تُخْبِرُنا الكثيرَ اليوم عن حَياتِنا وخِدمتِنا المسيحيَّة. ومِن خِلالِ تَأمُّلِنا في هذا المَقطعِ تَحديدًا، فَهِمنا مَوضوعَ الانفصالِ عن غيرِ المؤمنين. فقد دَعا اللهُ إليهِ شَعبًا مُقدَّسًا يُدعَى "الكنيسة". وهو يَقولُ لنا في العدد 14: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِين". فنحنُ شَعبٌ مُقَدَّسٌ للرَّبِّ، ومُفْرَزونَ، ومُقَدَّسُونَ، ومُنفَصِلون.
وسَوفَ نَخْتِمُ هذه الدِّراسة في هذا الصَّباح. وقد تَحَدَّثنا عن أمورٍ كثيرةٍ جدًّا؛ ولكنِّي أريدُ أن أُضيفَ إلى ما تَعَلَّمناهُ سابقًا أمورًا أعتقدُ أنَّها ستُساعِدُنا على رُؤيةِ جِدِّيَّةِ هذه المَسألةِ وأهميَّتِها. وبالمُناسَبة، لقد اتَّصَلَ بي أُناسٌ كثيرونَ، أو كَتَبوا إليَّ، أو تَحَدَّثوا إليَّ شَخصيًّا عن أهميَّةِ هذهِ السِّلسلةِ بالنِّسبةِ إليهم وكيفَ أنَّ لها تَطبيقاتٍ عَمليَّة على الأمورِ الَّتي يَفعلونَها في حَياتِهم. وقد تَحَدَّثتُ في اللَّيلةِ السَّابقةِ على الهَاتِفِ معَ أحدِ الأشخاصِ وقَدَّمتُ لهُ مَشورةً بخصوصِ العلاقةِ بينَ المؤمنينَ وغيرِ المُؤمنينَ في أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ أو نَشاطٍ دِينيٍّ. فهو مَبدأٌ مُهمٌّ جدًّا يَنبغي فَهْمُهُ في الحَياةِ المسيحيَّةِ وفي حَياةِ الكنيسة.
وأودُّ أن أُقَدِّمَ لَكُم نَظرةً تَاريخيَّةً، إنْ أَمْكَنَني ذلكَ في هذا الصَّباح، وأن أَصْحَبَكُم إلى ما وَراءِ نَصِّ رسالةِ كورنثوس كي تَعلَموا أنَّ اللهَ كانَ ومَا زَالَ يَدعو شَعبَهُ إلى الانفصالِ تَمامًا عن كُلِّ أشكالِ الدِّيانةِ الزَّائفة. فلأجلِ أمانَتِهم، ولأجلِ طَهارتِهم، ولأجلِ مَنفعتِهم، ولأجلِ بَرَكَتِهم، ولأجلِ مَجدِ اللهِ، ولأجلِ اسمِهِ، ولأجلِ حَقِّهِ، كانَ اللهُ وما زَالَ يُوصي شَعبَهُ بأن يَعتَزِلوا عنِ الدِّيانةِ الباطِلَة. فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ الدِّيانةَ البَاطِلةَ تَهْدِمُ إيمانَ كَثيرين. وهي تَنْهَشُ الجسدَ وتُؤذيه كما تَفعلُ الغَنغرينَة الرُّوحيَّة. وهي تَترُكُ دائمًا هذا التَّأثير. لِذا فإنَّ اللهَ يَدعو شَعبَهُ دائمًا إلى الانفصال.
والشَّيطانُ يَتَخَفَّى دائمًا في هَيئةِ مَلاكِ نُور، ويُلَفِّقُ الأديانَ في مُحاولةٍ مِنهُ لإحباطِ مَقاصِدِ اللهِ وتَشويشِ شَعبِ الله. فهذهِ هي خُطَّتُهُ الدَّائمة سواءَ في الماضي أوِ الحاضِرِ أوِ المُستقبَل. لِذا فإنَّ اللهَ يَتحدَّثُ دائمًا عن أهميَّةِ أن يَبقى شَعبُهُ بِمَنأى عنِ الدِّيانةِ الشَّيطانيَّة. لِنَرجِع إلى التَّوراةِ ونَرى كيفَ ابتدأَ الأمرُ عندما اختارَ اللهُ بادئَ الأمرِ شَعبَهُ إسرائيل. فإن رَجَعتُم إلى سِفْرِ التَّثنية، وهو السِّفْرُ الخامِسُ مِن أسفارِ مُوسَى الَّتي تُشَكِّل النَّاموس أو التَّوراة، وفَتحتُم على الأصحاحِ السَّابعِ، ستَحصُلونَ على فِكرةٍ جَيِّدة جدًّا عن هذا الأمرِ المُختصِّ بالانفصالِ عنِ الدِّيانةِ الباطِلَة.
فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية والأصحاحِ السَّابع: "مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ [في العَددِ الأوَّل] إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا [أيْ إلى أرضِ كَنعان أو أرضِ إسرائيل]، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ..." – عندما تَدخُلُ إلى الأرضِ، ويُمَهِّدُ الرَّبُّ الطَّريقَ أمامَكَ مِن خِلالِ إلحاقِ الهَزيمةِ بتلكَ الشُّعوبِ الَّتي هي أعظمُ وأقوى مِنكَ، نَقرأُ في العَددِ الثَّاني: "وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ". وهذا أمرٌ مُباشِرٌ جدًّا جدًّا بِقَتلِهم. فهو يَدعُو، بعبارةٍ أخرى، إلى ارتِكابِ مَجزرةٍ جَماعيَّة. امْسَحوهُم، اقضُوا عليهم، أَبيدوهُم.
وَهُوَ أمْرٌ صَارِمٌ يَجعلُ أَبْدانَ اللاَّهوتيِّينَ المُتحرِّرينَ تَقْشَعِرُّ، ويَجعلُهم يَستَنتِجونَ أنَّ هذا النَّصَّ لا يُمكِن أن يُعَبِّر تَعبيرًا حَقيقيًّا عنِ اللهِ لأنَّ اللهَ مَحبَّة ولا يُعقَلُ أن يُصْدِرَ أمرًا كهذا؛ فما بَالُكُم بِتَنفيذِه! فكيفَ نَفهمُ أنَّ اللهَ يَقول: "استأصِلوا هذهِ الأُمم؟" لا يُمكِنُنا أن نَفهمَ هذا الأمرَ في ضَوْءِ مَعرفتِنا بأنَّ اللهَ مُنعِمٌ ومُحِبٌّ [وهي حَقيقةٌ ثَابِتَة]، إلاَّ إذا فَهِمنا بِضعةَ أمورٍ أخرى. فإن فَهِمتُم، على سَبيلِ المِثالِ، الشَّرَّ المُريعَ لتلكَ الشُّعوبِ، وإن فَهِمتُم فَداحَةَ وَثنيَّتِهم، وإن فَهِمتُم شِدَّةَ تَجديفِهم على اللهِ، وإن فَهِمتُم أنَّ تلكَ الوثنيَّة كانت بَشِعَة جدًّا، ومُهلِكَة جدًّا، وفاسِدَة جدًّا، ولا رَجاءَ مِنْها البتَّة، وبَعيدة كُلَّ البُعدِ عنِ التَّوبة حَتَّى إنَّها كانت قادرة على تَعطيلِ مَقاصِدِ اللهِ، يُمكنكم حِينئذٍ أن تَفهموا السَّببَ الَّذي جَعلَ اللهُ يَدعو شَعبَهُ إلى إبادَتِهم.
والعَهدُ الجَديدُ يَقول: "الْمُعَاشَرَاتُ الرَّدِيَّةُ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَة". فإن عَاشَ شَعبُ اللهِ بينَ هؤلاءِ الأشخاصِ الوَثنيِّينَ المُجَدِّفينَ، والفاسِدينَ، والأشرار، وغيرِ التَّائبين، والَّذين وَصَلَتْ رائحةُ جَرائِمِهم البَشِعَةِ إلى أنفِهِ، إن عاشوا بَينَهُم يَومًا بعدَ يَومٍ، سَوفَ يُؤدِّي ذلكَ إلى فَسادِ شَعبِ الله. ولم يَكُن بمقدورِ اللهِ أن يَحفَظَ شَعبَهُ إن تَحالَفوا معَ مِثلِ تلكَ الأُممِ الوثنيَّة. وكانَ اللهُ يَعلمُ أنَّ تلكَ الشُّعوبَ قد تَخَطَّتْ نُقطةَ النِّعمَة. فقد كانوا مُصِرِّينَ على عَدمِ التَّوبةِ، ولم يَكُنْ هُناكَ أيُّ أَمَلٍ في التَّوبةِ يَلوحُ في الأُفَق. فقد عَقَدوا العَزمَ على وَثنيَّتِهم. لِذا فقد كانوا حَالةً مَيؤوسٌ مِنها. ولم يَكُنِ اللهُ لِيَسْمَح بسَرَطانِ وَثنيَّتِهم أن يُدَمِّرَ تَمامًا مَقاصِدَهُ الأزليَّة. لِذا فقد أَمَرَ شَعبَهُ بإبادَتِهم.
ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ قَائِلاً في العَددِ الثَّاني: "لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ". لا تَعقِدوا أيَّة تَحالُفات مَعَهُم، ولا تُساوِموهُم؛ بل عَامِلوهُم مُعامَلةً صَارمةً وحَازِمَةً ونِهائيَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بْنَتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأخُذْ لابْنِكَ". وقد طَرَحْنا السُّؤالَ التَّالي في الأسبوعَيْنِ المَاضِيَيْن: مَا المَقصودُ بالآيةِ الَّتي تَقول: "لا تَقترِنوا بغيرِ المؤمنين"؟ أو "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِين"؟ فهلِ المَقصودُ بذلكَ هُوَ أَلاَّ يَتزوَّجَ المُؤمنونَ مِن غيرِ المؤمنين؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ هذا صَحيح. فَلا يَجوزُ للمؤمنينَ أن يَتزوَّجوا مِن أشخاصٍ غير مُؤمِنين. فهذا نِيْرٌ مُخالِفٌ لأنَّ الزَّواجَ عَلاقةٌ رُوحيَّة.
ولكن إن كُنتُم تَبحثونَ عن إجابةٍ مُحَدَّدةٍ أكثر مِن هذهِ فإنَّها كالتَّالي: إنَّ هذهِ الآيةَ تَنْهَى شَعبَ اللهِ عنْ مُصاهَرَةِ شُعوبٍ أخرى ليسَت شَعبَهُ. لماذا؟ نَقرأُ في العددِ الرَّابع: "[لأَنَّ أيَّ عَهْدٍ أو تَحالُفٍ أو أيَّة مُساوَمة أو أيَّة مُصاهَرَة] تَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى"؛ تَماما كَما حَدَثَ في حَياةِ الرَّجُلِ القَويِّ والحَكيمِ والمُبارَكِ سُليمان. "لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى، فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعًا".
فهُناكَ أُمورٌ كَثيرةٌ على المِحَكِّ هُنا. لِذا، لا يُمكنكم أن تُساوِموا، بل يَنبغي أن تُهْلِكوا تلكَ الشُّعوبَ لِئلاَّ تَترُكَ تأثيرًا مُدَمِّرًا فيكُم. لا يُمكنكم أن تَختلِطوا بِهم. لا يُمكنكم أن تَفعلوا ذلكَ مِن دُونِ أن تَكونَ هُناكَ عَواقب كَارثيَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الخامِس: "وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ [أيْ كُلَّ الأماكِنِ والأشياءِ الَّتي يَستخدِمونَها في عِبادَتِهم]، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّار". وهذا مُدهش. أَزيلوا هَياكِلَهُم، وسَوُّوها بالأرض، واهدُموا مَذابِحَهُم، ودَمِّروا أيَّ شيءٍ وكُلَّ شيءٍ يَختصُّ بالدِّيانةِ الوثنيَّةِ الَّتي يُمارِسونَها. يجب عليكم أن تَفعلوا ذلك. فهذا يُشبِهُ التَّخلُّصَ مِن فِيروسٍ مُهلِك. فيجب عليكم أن تَقضوا عليهِ في كُلِّ مَكان. ويجب عليكم أن تَمْحُوا أيَّ أَثَرٍ لَهُ لأنَّ خَطَرَ التَّلوُّثِ الروحيِّ بِهِ كَبيرٌ جدًّا.
فنحنُ نَسمعُ عنِ الفيروساتِ القاتِلَةِ الَّتي يُمكِنُ أن تَنتشرَ في عَالَمِنا مِثلَ فيروس نَقْصِ المَناعةِ المُكتَسَبة أو غَيرهِ مِنَ الفيروساتِ الَّتي تَظهَرُ مِن وَقتٍ إلى آخر وتَنتشرُ في أجزاءٍ مُعيَّنة مِنَ العالَم على غِرارِ ذلكَ الفيروسِ القاتِلِ الَّذي سَمِعنا أنَّهُ انتشرَ في أرضِ أفريقيا. وقد يَشهَدُ التَّاريخُ البَشريُّ ظُهورَ العَديدِ مِنَ الفِيروساتِ الأخرى الَّتي قد يكونُ لها تأثيرٌ مُهْلِكٌ لم نَتَخَيَّلْهُ في المُستقبل كما حَدَثَ في الماضي. ونحنُ نَفهَمُ ذلكَ تَمامًا. ولكن يوجد فِيروسٌ آخر أخطر مِن أيِّ فِيروس قد يُهْلِك الجَسَد لأنَّهُ يُهاجِمُ الجَانبَ الرُّوحيَّ، وَهُوَ فِيروسُ النِّظامِ الدِّينيِّ الشَّيطانيِّ الزَّائف.
وبالمُناسبة، لقد صَارَ هذا المَقطعُ مَقطعًا رَئيسيًّا لدى المُصْلِحينَ الأسكُتلنديِّين. فقد كنتُ أقرأُ كثيرًا في الفترةِ الأخيرةِ عن "جون نوكس" (John Knox). ونحنُ نُفَكِّرُ بكُلِّ تأكيدٍ في أنَّ جون نوكس هو الواعظُ العظيمُ الَّذي أَسَّسَ الكنيسةَ المَشيخيَّةَ الأسكتلنديَّة. وحَتَّى يَومِنا هذا، عندما تَعِظُ في اسكتلندا فإنَّ مِنْبَرَ الكنيسةِ في كنيسةِ اسكتلندا يُسَمَّى "مِنْبَر جون نوكس". فنحنُ نُفَكِّرُ في جون نوكس بِوَصفِهِ مُصْلِحًا عَظيمًا وكَارِزًا عَظيمًا بالإنجيل.
وقد كانَ جون نوكس رَجُلاً غَيورًا جدًّا، ورَجُلاً مُحارِبًا. وقد هَاجَمَ جون نوكس الدِّيانةَ الزَّائفةَ بِغَضَب. والحقيقةُ هي أنَّ المُصْلِحينَ الاسكتلنديِّينَ بَحَثوا عن كُلِّ الصُّروحِ وكُلِّ المَباني الَّتي بَقِيَت مِنَ الهَرطقةِ الرُّومانيَّةِ المُريعةِ ودَمَّروها جميعًا. وقد حَزِنَ لذلكَ عُشَّاقُ الهَندسةِ المِعماريَّةِ الَّذينَ سَعَوْا جَاهِدينَ إلى الحِفاظِ على تلكَ النَّماذِجِ المِعماريَّة. ولكنَّ المَبدأَ الَّذي سَارَ عليهِ جون نوكس كانَ صَحيحًا. فقد قالَ جون نوكس: "اهدم الأعشَاشَ فتَختفي الطُّيور".
وأنتُم هُنا أمامَ مَوقِفٍ مُشابِهٍ جدًّا. فَشَعبُ اللهِ هذا، أي شَعبُ إسرائيل، دَخلوا أرضَ اللهِ وأُعطوا هذا الأمرَ المُباشِرَ مِنَ الله. وأودُّ أن أقولَ إنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أن نَمضِي ونَهدِمَ مَباني الدِّياناتِ البَاطِلةِ ما لم يأمُرنا اللهُ بذلك. ومعَ أنَّ نَوايا المُصْلِحينَ الأسكتلنديِّينَ كانت سَليمة، أعتقد أنَّهُم تَجَاوزوا حُدودَهُم. ولكن مِنَ المؤكَّدِ أنَّ الأمرَ مُختلفٌ هُنا في سِفْرِ التَّثنية. ولا شَكَّ في نَوايا المُصلِحينَ الأسكتلنديِّينَ في حِمايةِ النَّاسِ مِن تأثيرِ الدِّيانةِ الباطِلَة. فهذا التَّأثيرُ يُحيطُ بنا، ويجبُ علينا أن نَعتَزِلَ عنه.
واللهُ يَذكُرُ السَّببَ في العَددِ السَّادس: "لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ". والكمة "مُقَدَّس" تَعني: "مُنفَصِل" أو "مُكَرَّس" أو "مُفرَز". "لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْض". فيجب عليكم أن تَعتَزِلوا عنهم. فهو الَّذي دَعاكُم. وأنتُم شَعبُهُ. وأنتُم لا تَنتمونَ إلى أيِّ شَخصٍ ولا إلى أيِّ إلهٍ آخر. لِذا، مُنذُ بِدايةِ إعلانِ اللهِ الفِدائيِّ، كانَ مِنَ الواضح جدًّا أنَّهُ يَجِبُ على شَعبِ اللهِ أن يَحْرِصَ على عَدَمِ عَقْدِ أيَّة تَحالُفات أو عُهود أو اتِّفاقيَّات معَ الدِّياناتِ الزَّائفة.
وإن أردنا أن نَنتقلَ مِنَ النَّظرةِ الجَماعيَّة في سِفْر التَّثنية والأصحاحِ السَّابعِ إلى النَّظرةِ الفَرديَّةِ، افتَحوا على سِفْرِ دانِيال والأصحاحِ الأوَّل. ونحنُ نَنظُرُ هُنا لا إلى جَماعةٍ مِنَ النَّاسِ بِقَدْرِ ما نَنظُرُ إلى أفراد. ونحنُ نَلتقي أربعةَ رِجالٍ نَعرِفُهُم نَحنُ وأيُّ شخصٍ يَعرفُ قِصَصَ الكتابِ المقدَّسِ وَهُمْ دانِيالُ ورِفاقُهُ الثَّلاثة: "مِيشَائِيل" وَ "حَنَنْيَا" وَ "عَزَرْيَا". فهذهِ هي أسماؤُهم العِبريَّة. ونحنُ نَجِدُ هُنا مَوقِفًا مُشابِهًا جدًّا إذْ نَقرأُ في سِفْرِ دَانِيال 1: 1: "فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلْكِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكِ يَهُوذَا، ذَهَبَ نَبُوخَذْنَاصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَحَاصَرَهَا. وَسَلَّمَ الرَّبُّ بِيَدِهِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكَ يَهُوذَا...".
لاحِظوا مِن فَضلِكُم أنَّ الرَّبَّ سَمَحَ للبابِليِّينَ أن يَنتصِروا لأنَّ السَّبْيَ البَابِلِيَّ كانَ عِقابًا لِبَني إسرائيلَ بسببِ ارتِدادِهم. لِذا فقد كانَ اللهُ في هذهِ الحالَةِ في صَفِّ البابِليِّينَ، على الأقَلِّ مُدَّةَ سَبعينَ سَنَة؛ أيْ إلى أن عَادُوا إلى الأرضِ، بل رُبَّما وَقتًا أطول مِن ذلكَ مُنذُ تَرحيلِهم الأوَّل. إذًا فقد جاءَ نَبوخَذنَصَّر، مَلِكُ بَابِل، إلى أورُشَليم وحاصَرَها وحَقَّقَ نَصْرًا. "...مَعَ بَعْضِ آنِيَةِ بَيْتِ اللهِ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى أَرْضِ شِنْعَارَ [في بَابِل] إِلَى بَيْتِ إِلهِهِ، وَأَدْخَلَ الآنِيَةَ إِلَى خِزَانَةِ بَيْتِ إِلهِهِ".
لِذا فقد نَهَبَ الهَيكلَ المُمتلئَ بكُلِّ أنواعِ الآنيةِ الذَّهبيَّةِ، وأخذَها إلى بابِل، ووَضعَها في هَيكلِ إلَهِهِ. فهو لم يَكُن يُمانِعُ البتَّة في الدَّمْجِ بينَ الآلهة، ولم يَكُن يُمانِعُ البَتَّة في خَلْطِ العِبادَة. وكما قُلنا في دُروسِنا السَّابقةِ عن نفسِ هذا الموضوع، فإنَّ اللهَ يُمانِعُ ذلكَ تَمامًا. فَلا يَجوزُ أن تأخذوا صَنَمًا وتَضعوهُ في هَيكلِ اللهِ، ولا أن تأخذوا اللهَ إلى هَيكلٍ وَثنيٍّ، كما رأينا في سِفْرِ صموئيلَ الأوَّل والأصحاحات مِن 4 إلى 6، وفي سِفْر حِزْقيال والأصحاحِ الثَّامن. ولكن مِنَ الواضحِ أنَّ نَبوخَذنَصَّر لم يَكُن يُبالي بذلك. فقد كانَ يَعبُدُ آلهةً عَديدةً. ولم يَكُنْ وَضْعُ آنيةٍ مِن هَيكلِ إلَهٍ آخر في هَيكلِ إلهِهِ يُحْدِثُ أيَّ فَرْق.
لِذا فقد نَهَبَ أورُشَليم. وفي هذا المَوقفِ تَحديدًا، حَدَثَ تَرحيلٌ للشَّعب. فقد أخذوا الشَّعبَ أَسْرَى، أيْ أنَّهُم أخذوا الشَّعبَ اليَهوديَّ أَسْرَى إلى أرضِ بابِل. فقد أرادوا أن يَجعلوا أرضَ إسرائيلَ دَولةً تَابعةً لَهُم. وقد أرادوا أن تَكونَ إسرائيلُ مُنْتِجَةً اقتصاديًّا. لِذا فقد أرادوا أن يَتركوا مَجموعةً مِنَ النَّاسِ فيها كي يَستمرُّوا في العَملِ في الأرضِ كي يَزيدوا مِن ثَراءِ بابِل ورفاهيَّتِها مِن خلالِ عَملِ هَؤلاءِ نِيابةً عَنهُم.
ونَجِدُ وَصفًا لأوَّلِ تَرحيلٍ في العَددَيْنِ الثَّالث والرَّابع: "وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَشْفَنَزَ رَئِيسَ خِصْيَانِهِ بِأَنْ يُحْضِرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ..." [ونحنُ نَتحدَّثُ هُنا عنِ التَّرحيلِ الأوَّل في نَحوِ سنة 606 قبلَ الميلاد] "...وَمِنْ نَسْلِ الْمُلْكِ وَمِنَ الشُّرَفَاءِ، فِتْيَانًا لاَ عَيْبَ فِيهِمْ، حِسَانَ الْمَنْظَرِ، حَاذِقِينَ فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَعَارِفِينَ مَعْرِفَةً وَذَوِي فَهْمٍ بِالْعِلْمِ، وَالَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ فِي قَصْرِ الْمَلِكِ، فَيُعَلِّمُوهُمْ [أيْ أنَّ المَلِكَ أَمَرَ رَئيسَ خِصْيانِهِ أَشْفَنَز بأن يُعَلِّمَهُم] كِتَابَةَ الْكَلْدَانِيِّينَ وَلِسَانَهُمْ".
إذن، كانت هذهِ بصورة رئيسيَّة هي خُطَّةُ نَبوخَذنَصَّر. فقد هَاجَمَ أورُشَليم. والمُشكلةُ هي أنَّهُ في الحِصارِ الأوَّل في سنة 606 قبلَ الميلاد، تَلَقَّى نَبوخذنَصَّر خَبرًا يَقولُ إنَّ أباهُ "نَبوبولاصَّر" مَات. لِذا، فقد اضطُرَّ في بدايةِ حَمْلَتِهِ العَسكريَّةِ إلى العَودةِ إلى بابِل بسببِ مَوتِ أبيه. ولم تَكُن رِحلةٌ كهذهِ سَهلة، بل كانت صَعبةً جدًّا. وعندما عادَ، اضطُرَّ إلى تَغييرِ خُطَّتِهِ. ولأنَّهُ لم يَتَمَكَّن بسببِ ضِيقِ الوقتِ مِن تأسيسِ حُكومَتِه، قَرَّرَ أن يَترُكَ المَلِكَ اليَهوديَّ "يَهوياقيم" في السُّلطَة. ولكنَّهُ قَرَّرَ أيضًا أن يُجَرِّدَهُ مِن كُلِّ شَخصٍ مِن حَولِهِ، ومِن أيِّ أَمَلٍ في الاستمرارِ في السُّلطةِ في المُستقبَل. لِذا فقد أخذَ مَجموعةً مِنَ الأُسرةِ المَلكيَّةِ والشُّرَفاء. ولا شَكَّ في أنَّهُم كانوا رَهائِن.
ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ هَدَّدَ يَهوياقيم بأنَّهُ إن لم يَفعل ما يأمُرُهُ بِهِ فإنَّهُ سَيَقتُلُ أفرادَ عَائلتِه وأشرافَهُ. لِذا فقد أخذَ النُّخبةَ مِنهُم، كما قَرأنا في العَددِ الرَّابع، والحِسان المَنَظَر، والحَاذِقينَ، والحُكَماء، وذَوي الفَهمِ والعِلمِ الَّذينَ يُمكِنُ استِخدامُهُم في أعلى المَناصِبِ الحُكوميَّةِ في تلكَ الأرض. فهو لم يَكُن لديهِ الوقتُ الكافي، كما قُلتُ، لتَعيينِ مَسؤولينَ في يَهوذا. لِذا فقد أرادَ أن تَكونَ هُناكَ وَرَقَةٌ رابِحَةٌ في يَدِهِ ضِدَّ المَلِكِ لكي يُرغِمَهُ على فِعْلِ كُلِّ ما يَطلُبُهُ مِنه.
ولكنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ في خُطَّةٍ أُخرى أيضًا. فقد أخذَ صَفْوَةَ قَادَةِ الأُمَّة، وكُلَّ الشُّبَّانِ المَوهوبينَ والمُتَعَلِّمينَ لكي يَمْسَحَ أَدمِغَتَهُم ويُشَبِّعَها بالثَّقافةِ الكَلدانيَّةِ لأنَّهُ أرادَ أشخاصًا يُديرونَ الشُّؤونَ اليَهوديَّة. لِذا فقد قامَ بِتَرحيلِ عَددٍ كبيرٍ مِنَ اليهودِ مِن إسرائيل إلى أرضِهِ. وقد حَدَثَ التَّرحيلُ على ثَلاثِ مَراحِل. وقد حَدَثَ آخِرُ تَرحيلٍ في سَنة 586 قبلَ الميلاد. فقد حَدَثَ تَرْحيلٌ على ثَلاثِ مَراحِل للشَّعبِ اليهوديِّ. وكانَ بمقدورِ هَؤلاءِ اليهودِ أن يَثورا أو يُنْشِئوا جَماعَةً فِدائيَّةً في وَسْطِ أرضِ بابِل إن لم يُحْكِمَ البابِليُّونَ سَيطرتَهُم عليهِم.
لِذا فقد كانتِ الخُطَّةُ تَقتضي أنْ يَجمَعوا الشُّبَّانَ، ويُرَبُّوا الصَّفوةَ مِنهُم، ويَستخدِموهُم في إدارةِ الشُّؤونِ اليَهوديَّة. فَهُم يَفهمونَ اليَهود. وَهُم يَفهمونَ كيفَ يُفَكِّرونَ ويَتصرَّفون. ولكن يجب عليهم أن يُشَرِّبوهُم الثَّقافَةَ الكَلدانيَّة. لِذا فقد سَعَى المَلِكُ إلى غَسْلِ أدمِغَتِهم. وقد أرادَ أن يَغسِلَ أدمِغَةَ النُّخبة مِنهُم حَتَّى عندما يَحينُ الوقتُ المُناسِب يَخلَعونَ يَهوياقيم، ويُرسِلونَ عِوَضًا عنهُ شَخصًا يَهوديًّا تَمَّ غَسْلُ دِماغِهِ وتَشريبِهِ بالثَّقافةِ الكَلدانيَّة، وأيضًا أن يُرسِلوا شُبَّانًا لإدارةِ شُؤونِ الشَّعبِ اليهوديِّ في بابِل. فقد أرادَ النُّخبةَ فقط، وأرادَ الصَّفوةَ فقط. لِذا فقد اختاروا حَقًّا أولئكَ الشُّبَّان.
وسوفَ تُلاحِظونَ في نِهايةِ العَددِ الرَّابعِ أنَّ الفِكرةَ كانَت تَقومُ على تَعليمِهم كِتَابَةَ الْكَلْدَانِيِّينَ وَلِسَانَهُمْ. وهذا يَعني أن يَغْرِسوا فيهِم مُعتقداتٍ جَديدة لأنَّ أَدَبَ الكَلدانيِّينَ كانَ يُعَبِّرُ عن مُعتقداتِهم. فلا يُمكِنُكَ أن تَفصلَ ثَقافَتَهُم عن دِيانَتِهم. فقد كانت دِيانَتُهم هي ثَقافَتُهم. وكانت ثَقافَتُهم قائمةً ببساطة على السِّحرِ، والشَّعوذةِ، والتَّعاويذِ، والعِرَافَةِ، والصَّلواتِ والأناشيدِ المُوَجَّهةِ إلى آلِهَتِهم، أيْ آلِهَتِهم العَديدة، وكُلِّ تلكَ الأساطيرِ عن آلِهَتِهم. فهي عقيدة مُعَقَّدة جدًّا بَعيدة كُلَّ البُعدِ عنِ الحَقِّ وعنِ اللهِ الحَقيقيِّ. وصَدِّقوني أنَّهُم أرادوا مِن هؤلاءِ الشُّبَّانِ أن يَنْسَوْا يَهْوَه، وأن يَنسَوْا اللهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ، وأن يَعبُدوا الثَّالوثَ البابليَّ: "آنو" (Anu)، و "إنليل" (Enlil)، و "إيا" (Ea).
لِذا فقد ابتدأوا في تَعليمِهم عن دِيانَتِهم. وكانَتْ مُدَّةُ البَرنامَجِ التَّدريبيِّ ثَلاثَ سَنواتٍ كما ستُلاحِظونَ لاحقًا في هذا الأصحاح. فقد كانَ بَرنامَجًا مُدَّتُهُ ثلاثُ سَنوات، أو كانَت عَمليَّةُ غَسْلِ دِماغٍ تَستغرِقُ ثَلاثَ سَنوات. كَذلك، نَقرأُ في العَددِ الخامسِ أنَّهُم أرادوا أن يُغَيِّروا لا لاهوتَهُم وحَسْب، بل إنَّ عَمليَّةَ غَسْلِ الدِّماغِ كانَت تَرمي أيضًا إلى تَغييرِ نَمَطِ حَياتِهم وَتَعويدِهم على نَمطِ العِبادةِ الوَثنيَّة. "وَعَيَّنَ لَهُمُ الْمَلِكُ وَظِيفَةً كُلَّ يَوْمٍ بِيَوْمِهِ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ وَمِنْ خَمْرِ مَشْرُوبِهِ لِتَرْبِيَتِهِمْ ثَلاَثَ سِنِينَ، وَعِنْدَ نِهَايَتِهَا يَقِفُونَ أَمَامَ الْمَلِكِ".
والآن تَذَكَّروا أنَّ هؤلاءِ الشُّبَّان الثَّلاثة كانوا مِن عائلة مَلَكِيَّة، وكانوا مِن أَشرافِ إسرائيل. لِذا، لم يَكُنِ الطَّعامُ الفاخِرُ شَيئًا جَديدًا بالنِّسبةِ إليهم. فقد كانوا على الأرجحِ يَعيشونَ في القَصْرِ وَما حَولَهُ في أورُشَليم؛ أيْ أنَّهُم كَانوا يَعيشونَ حَياةً مُتْرَفَةً جدًّا. والآن تَذَكَّروا أنَّهُ قَبلَ دَمارِ الهَيكلِ، كانَ هذا الهَيكلُ هُوَ هَيكل سُليمان. وقد كانتِ الأُمَّةُ غَنيَّةً ومُزدهِرَة. ونحنُ نَقرأُ ما يُشيرُ إلى ذلكَ في نُبوءاتِ إشَعْياء وإرْميا اللَّذانِ تَنَبَّآ عن حُدوثِ السَّبْي. ولكنَّنا نَقرأُ أيضًا مُلاحَظاتٍ عنِ غِنى الأُمَّةِ وازدِهارِها.
لِذا، لم يَكُن هؤلاءِ الشُّبَّانُ مَفتونينَ حقًّا بالحُصولِ على طَعامٍ طَيِّبٍ وَخَمْرٍ جَيِّد. فقد كانَ كُلُّ ذلكَ مُتاحًا لَهُم في السَّابق. ولكنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هُنا هي ما إذا كانوا سيَنغَمِسونَ حقًّا في الاحتفالاتِ الوثنيَّةِ لأنَّهُ كما رأينا في كورِنثوس، كانَ الطَّعامُ والخَمرُ في الاحتفالاتِ الوثنيَّةِ جُزءًا مِنَ الاحتفالاتِ الدِّينيَّةِ لَديهم. لِذا فقد كانَ هذا الطَّعامُ الآتي مِنَ القَصرِ المَلكِيِّ طَعامًا مَذبوحًا للأصنام. فقد كانَت أَطايِبُ المَلِكِ وَخَمْرُ مَشروبِهِ جُزءًا مِن الاحتفالاتِ الَّتي تُقامُ أمامَ الآلِهَةِ. وكانوا يأكلونَ ذلكَ الطَّعامَ ويَشربونَ ذلكَ الخَمْرَ في ذلكَ السِّياق. فالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّهُ مِنَ الخطأِ أن يَأكُلوا ذلكَ الطَّعامِ بسببِ ذلك، بل إنَّ الخَطَرَ الأكبرَ يَكْمُنُ في الانغِماسِ في تلكَ الاحتفالات، أو كما قالَ بولُس: "أن يَشتركوا في مَوائِدِ شَياطين".
لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العَددِ الثَّامن أنَّ دَانِيال: "طَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ". فقد كانَ دَانيال يَعلمُ أنَّهُ لا يَجوزُ لهُ أن يَغرَقَ في مُستنقعِ الحياةِ الوثنيَّةِ تلك، أو في نَمطِ الحَياةِ الوثنيَّةِ تلك. وهُناكَ المَزيد. ارجِعوا إلى العَددِ السَّادس. فقد فَعلَ الكَلدانيُّونَ شيئًا خَبيثًا جدًّا. فقد حَاولوا أن يُغَيِّروا هُويَّةَ الشَّعب. فقد أرادوا أن يُغَيِّروا عَقيدتهم، وأن يُغيِّروا شَكلَ عِبادتِهم، وأن يُغيِّروا هُويَّتَهُم. وكانَ هُناكَ أربعةُ رِجال هُم: دانِيال، وَحَنَنْيا، وَميشائيل، وَعَزَرْيا.
فَجَعَلَ لَهُمْ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ أَسْمَاءً جَديدةً. فاسمُ "دانِيال" يَعني "اللهُ قَاضٍ"، وَهُوَ اسمٌ عَظيمٌ: "اللهُ قَاضٍ"؛ ولكنَّهُ صَارَ يُدعَى: "بَلْطَشَاصَّر". وَاسمُ "حَنَنْيَا" يَعني في العِبريَّةِ: "اللهُ مُنعِمٌ"؛ ولكنَّهُ صَارَ يُدعَى "شَدْرَخ"؛ وَهُوَ اسمٌ مُرتبطٌ بالإلَهَ "آكُو" (Aku) أو "مَردوخ" (Marduk)، وَهُوَ أَحَدُ آلِهَةِ بابِل. وَاسمُ "مِيشَائِيل" هُوَ اسمٌ جَميلٌ مَعناهُ يأتي بصيغةِ سُؤال: "مَنْ مِثْل الله؟" أو حَرفيًّا: "مَنْ يَتَّصِفُ بِصِفاتِ اللهِ؟"؛ ولكنَّهُ صَارَ يُدعَى: "مِيشَخ"، ومَعناهُ: "مَن مِثل الإلَهَ آكو؟". وكانَ آكُو إلَه القَمَر. وَاسمُ "عَزَرْيَا" يَعني: "الرَّبُّ مُعيني"؛ ولكنَّهُ صَارَ يُدعَى" "عَبْدَنَغُو"، ومَعناهُ: "عَبْد الإله نَغُو أو نَبو الَّذي كانَ إلهَ الحِكمةِ والتَّعليم.
لِذا فقد كانت عَمليَّةُ غَسْلِ الدِّماغِ شامِلَة. فقد غَيَّروا عَقديتَهُم، وغَيَّروا نَمَطَ حَياتِهم، وجَعلوهُم يَشتركونَ في الاحتفالاتِ الوَثنيَّة، وغَيَّروا أسماءَهُم حَتَّى إنَّكَ في كُلِّ مَرَّةً تُخاطِبُهم، وفي كُلِّ مَرَّة يُعَرِّفونَ بأنفسهم فإنَّهم سَيُعَرِّفونَ بأنفسِهم بالارتباطِ بآلهةِ بابِل؛ وبذلكَ يُفْطَمونَ عن اللهِ الحَقيقيِّ. ولكنَّنا نَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ".
وَأَعْطَى اللهُ دَانِيآلَ [في العددِ التَّاسعِ] نِعْمَةً وَرَحْمَةً عِنْدَ رَئِيسِ الْخِصْيَان". فقد بَقِيَ مُصِرًّا على أَلاَّ يَتَنَجَّس... على ألاَّ يَتَنَجَّس. والكلمة "يَتَنَجَّس" هي تَرجمة للكلمة "غَآل" في العِبريَّة ومَعناها: "يُلَطِّخ" أو "يُلَوِّث". فقد أرادَ أن يَفعلَ كُلَّ مَا مِن شأنِهِ أن يُجَنِّبَهُ هذهِ المُساوَمة، وكُلَّ ما مِن شأنِهِ أن يُبعِدَهُ عن المُمارساتِ الدِّينيَّةِ الزَّائفة. فهو لن يَعبُدَ إلاَّ اللهَ الحَقيقيَّ. والشَّيءُ الوحيدُ الَّذي كانَ يَقِفُ بَينَهُ وبينَ تَحقيقِ ذلكَ هُوَ الطَّعام لأنَّهُ كانَ يَعني اشتراكَهُ في الاحتفالاتِ الوَثنيَّة. ولكنَّهُ عَقَدَ العَزْمَ على عَدمِ تَناوُلِ ذلكَ الطَّعام. وكذلكَ فَعَلَ رِفاقُهُ.
وقد أعطاهُمُ اللهُ نِعمَةً. وبعدَ مُرورِ الأعوامِ الثَّلاثة، كانوا في صِحَّةٍ أفضل وذكاءٍ أفضل مِنَ البقيَّة. فقد بارَكَهُمُ اللهُ على عَدَمِ مُساومتِهم، أيْ على إصرارِهِمْ على حِفْظِ الحَقِّ. وفي النِّهاية، اضطُرُّوا إلى دَفْعِ الثَّمَنِ إذْ إنَّ دَانيال طُرِحَ في جُبِّ الأُسود. وقد طُرِحَ حَنَنْيَا وعَزَرْيا وميشائيل في أَتونِ النَّار. فالشَّيطانُ يُحاولُ دائمًا أن يُلَوِّثَ الدِّيانةَ الحقيقيَّةَ مِنْ خِلالِ إقْحامِ شَعبِ اللهِ في تَحالُفاتٍ غيرِ مُقَدَّسة معَ الدِّيانةِ الباطِلَة. ولكن يجب علينا أن نَعتزِل تَمامًا عن كُلِّ أشكالِ الدِّيانةِ الباطِلَة.
لقد وَجَدْتُ رِسالةً على مَكتبي في هذا الصَّباح عندما ذَهبتُ إلى هُناكَ وَصَلتني مِن شَخصٍ يُمَثِّلُ الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ الرُّومانيَّة يَسألُني فيها إن كُنتُ مَستعدًّا للاشتراكِ في مُناظرةٍ عَلنيَّة معَ لاهوتيِّينَ مِن ذلكَ النِّظام لأنَّهُم يَستَمِعونَ إليَّ ويَعرِفونَ أنِّي أنتَقِدُهم. لِذا فإنَّهُم يَرغبونَ في مُناظَرتي عَلَنًا. وفي ذِهني، أنا أَرَى أنَّ هذهِ مُساوَمَة لأنِّي سَأجعلُ النَّاسَ الَّذينَ يَستَمِعونَ إليَّ يُصغونَ إلى أَدْهَى أيديولوجيَّاتِهم الَّتي يُرَوِّجُ لها أَدهَى المُدافعينَ عنها. وأنا لا أريدُ أن أفعلَ ذلكَ، وسوفَ أُخبرُهم ذلك. فأنا لا أريدُ أن أفعلَ أيَّ شيءٍ قد يُعطي الشَّيطانَ مَكانًا ويُشَوِّشُ أيَّ شخص.
وهذا يُذَكِّرُني بأيَّامِ دِراسَتي الجَامعِيَّة. فقد كانَ لي صَديقٌ حَميمٌ في الجامعةِ، وكُنَّا نَلعبُ في فَريقِ كُرَةِ القاعِدَةِ مَعًا في أيَّامِ الدِّراسةِ الجامعيَّة. وقد كُنَّا صَديقَيْنِ حَميمَيْنِ لأنَّنا كُنَّا نَشترِكُ معًا في الخِدمةِ المسيحيَّة. وقد قُمنا بالكثيرِ مِنَ الخِدمةِ معَ "شَبابٌ للمَسيح" (Youth for Christ)، ومعَ الشَّبيبة، وقَضينا وقتًا رائعًا معًا، وسافَرنا بصِفَتِنا لاعبينَ وطَلَبة. وقد شَعَرَ كُلٌّ مِنَّا بدعوةِ اللهِ للخدمة. وقد ذَهبتُ إلى كُليَّة لاهوت تالبوت (Talbot Seminary) للدِّراسة على يَدِ الدُّكتور "تشارلز فينبيرغ" (Dr. Charles Feinberg) الَّذي صَارَ أُستاذي في أيَّامِ دِراسَتي في كُليَّةِ اللاَّهوت.
وقد حَظَيْتُ بالامتيازِ والشَّرفِ في أن أُلقي كَلِمَةَ تَأبينٍ في يَومِ جَنازَتِهِ يومَ الجُمعة. فقد رَقَدَ في الرَّبِّ في الأسبوعِ الماضي عن عُمرٍ يُناهِزُ السَّادسة والثَّمانين. فقد تَعَلَّمتُ على يَدِهِ فتَركَ بَصمَتَهُ في حَياتي. وقد أَخْبَرْتُ النَّاسَ في تلكَ الجَنازةِ عنِ البِصْمَةِ الَّتي تَرَكَها في حَياتي؛ وهي كبيرة. فقد وَصَلْتُ إلى ما وَصلتُ إليهِ اليوم بِسَبَبِه.
أمَّا صَديقي فذَهبَ إلى كُليَّةِ لاهوتٍ مُتحرِّرة. وقد افتَرَقنا. وبعدَ ثلاثِ سَنوات، صِرْتُ مُفَسِّرًا لكلمةِ اللهِ؛ أمَّا هُوَ فَصارَ يَعمَلُ في تَقديمِ المَشروباتِ الكُحوليَّة في حَانَة. فقد هُدِمَ إيمانُهُ تَمامًا. فكُلُّ شَيءٍ تَفَكَّكَ، وتَشَرْذَمَ، وَطَارَ في الهَواءِ، وصَارَ فَوضَى عَارِمَةً وتَشويشًا. وقد رأيتُ ذلكَ يَحدُثُ المَرَّةَ تِلو المَرَّةِ تِلو المَرَّة. فمِثلُ هذهِ المُساوماتِ تُميتُ الحَقَّ، وتَنزِعُ المُعتقداتِ الرَّاسخةِ مِنَ النَّاس.
وقد كانَ هُناكَ لاهوتِيٌّ مُتَعَمِّقٌ جدًّا ومُتمكِّنٌ جدًّا ويَحظَى بالاحترامِ الشَّديدِ في هذهِ المنطقة مِن جَنوب كاليفورنيا كَتَبَ كُتُبًا عَديدةً يُدافِعُ فيها عنِ الإيمانِ المَسيحيِّ؛ ولكنَّهُ انْهَمَكَ في دراسةِ الضَّلالاتِ اللاَّهوتيَّةِ فَصارَ مُشَوَّشًا في النِّهاية وقَتَلَ نَفسَهُ. فهذا يَحدُث. ويجب علينا أن نَستمرَّ في الانعِزالِ عن ذلك. ويجب علينا أن نُذَكِّرَ أنفسَنا دائمًا بذلك لأنَّ الشَّيطانَ خَبيثٌ جدًّا ويُريدُ أن يُوقِعَنا في هذا الفَخّ.
وهذهِ هي المُشكلةُ الَّتي نَراها في سِفْر التَّثنية وفي سِفْرِ دانِيال، ونَراها الآنَ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس. أنا أعلَمُ أنَّ هذهِ كانت مُقدِّمة طَويلة؛ ولكنَّ عِظَتي قَصيرة. فقد كانَ أهلُ كورِنثوس يَفعلونَ ذلكَ تَمامًا. فقد كانوا يَشتركونَ في مائدةِ الرَّبِّ ثُمَّ يَذهبونَ ويَشتركونَ في مَائدةِ شَياطين. وكانوا يَذهبونَ ويَلْهونَ معَ الزَّانياتِ في هَيكلِ أفروديت. وكانوا يَذهبونَ إلى الأعيادِ والمُناسَباتِ والاحتفالاتِ ثُمَّ يأتونَ إلى مَائدةِ الرَّبِّ، ويأتونَ إلى الكنيسة. وحَتَّى إنَّهُم كانوا يَدعونَ مُعَلِّمينَ كَذَبَة إلى الكنيسة، ويُصغونَ إليهم، ويُصَدِّقونَ كَلامَهُم. ومِثلُ هذهِ التَّحالُفاتِ هي تَجديفٌ. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في العَددِ الرَّابع عشر: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِين".
وهو يَتحدَّثُ هنا عن أيِّ مَشروعٍ رُوحيٍّ أيًّا كانَ نَوعُه. فكما قُلنا لكم في الرِّسالةِ الثانيةِ إلى تيموثاوس والأصحاحِ الثَّاني، فإنَّ ذلكَ الأمرَ يَنْهَشُ الجَسَدَ كالغَنغرينَة. لِذا، لا يَجوزُ أن تُعَرِّضَ نَفسَكَ لهذا التَّأثيرِ مِن دُونِ أن تَتعرَّضَ لعَواقِبِهِ الوَخيمَة. ففي الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 15، قَالَ بولسُ لتيموثاوس: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة". فهذا هُوَ عَمَلُك: أنْ تُفَصِّلَ كَلِمَةَ الحَقِّ بالاستقامَة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ لَهُ بعدَ ذلكَ مُباشَرةً: "وَأَمَّا الأَقْوَالُ الْبَاطِلَةُ الدَّنِسَةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَكْثَرِ فُجُورٍ، وَكَلِمَتُهُمْ تَرْعَى كَآكِلَةٍ. الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَفِيلِيتُسُ، اللَّذَانِ زَاغَا عَنِ الْحَقِّ... فَيَقْلِبَانِ إِيمَانَ قَوْمٍ".
فَهُمْ أكوامُ النُّفايةِ الدَّنِسَةِ الَّتي قالَ عَنهُم إنَّهُم آنِيَةٌ للهَوان. فعندما تُطَهِّر نَفسَكَ مِن أيِّ تَحالُفٍ مَعَهُم، يُمكنكَ حينئذٍ فقط أن تَكونَ إناءً للكَرامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا للسَّيِّد، مُسْتَعَدًّا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "اهرُب مِنَ الشَّهَواتِ الشَّبابِيَّةِ". ولكن يجب عليكَ أن تَهرُبَ أوَّلاً مِنَ المُعلِّمينَ الكَذَبة والدِّيانةِ الباطِلَة. لا تَجلِس مَعَهُم في نَفسِ المَكانِ، ولا تَستمِع إلى الضَّلال. فالشَّيطانُ خَبيثٌ جدًّا في استِغلالِ ذلك. وَهُوَ سيَفوقُكَ ذَكاءً ويَسلِبُكَ قُوَّتَكَ. هذه هي الوَصيَّة: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِين".
وهُناكَ خَمسةُ أسبابٍ لذلك. السَّببُ الأوَّلُ الَّذي رأيناهُ هُوَ لأنَّ ذلكَ الأمرَ غيرُ عَقلانِيٍّ. فنحنُ نَقرأُ في العَددَيْن 14 و15: "إنَّ الفِطرةَ السَّليمةَ تُخبرُكم أنَّهُ لا تُوجدُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ. وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ [أوِ الشَّيطان]؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ لا شَيءَ البَتَّة. فهو أمرٌ غيرُ عَقلانِيٍّ أن تَعْقِدَ تَحَالُفًا كَهذا.
ثانِيًا، إنَّهُ أمْرٌ مُدَنِّس. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 16: "وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا". فنحنُ هَيكلُ اللهِ. واللهُ يَسكُنُ فينا. واللهُ يَسيرُ بَينَنا. ونحنُ لَهُ وَهُوَ لَنا. وَإنَّهُ أمرٌ مُدَنِّسٌ أن نَقتَرِنَ بأوثانٍ، وبديانَةٍ بَاطِلَةٍ، وبعبادَةٍ شَيطانيَّة. فالاختِلاطُ بِهؤلاءِ شَكلٌ مِن أشكالِ التَّجديف.
ثالثًا، إنَّهُ أمرٌ يَنُمُّ عن عِصيان. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 17: "لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا". فهذهِ وَصيَّة إلهيَّة. وهي نَفسُ الوَصيَّة المَذكورة في سِفْر إشعياء 52: 11. فهي مُكَرَّرة هُنا. فالرَّبُّ يَقولُ: "اعتزِلوا". فهذا الكَلامُ هُوَ مِنَ الرَّبِّ. وبولسُ يَقولُ: "أنا أقولُ لكُم ذلكَ، ولكنِّي أقولُ لكُم أيضًا إنَّ الرَّبَّ يَقولُ لَكُم هذا. وأنتُم مَدعُوُّونَ إلى إطاعَةِ هذهِ الوَصيَّة". لِذا فإنَّ عَدمَ الانفصالِ عن غيرِ المُؤمِنينَ هُوَ أمرٌ غيرُ عَقلانِيٍّ، ومُدَنِّسٌ، ويَنُمُّ عن عَدَمِ طَاعَة.
رَابعًا، إنَّهُ أمرٌ غيرُ نَافِعٍ لأنَّكَ إنِ اعتَزلتَ، كما جاءَ في نِهايةِ العَدد 17، فإنَّ اللهَ يَقولُ: "فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". أمَّا عَدَمُ قِيامِكَ بذلكَ فإنَّهُ يَعني أنَّكَ حَرَمْتَ نَفسَكَ منِ بَرَكَةِ أن تَكونَ وَلدًا للهِ. فهُناكَ بَرَكَةٌ عَظيمة، وهُناكَ مُكافأةٌ عَظيمةٌ للمُؤمِنِ الَّذي لا يُساوِم. فاللهُ أبونا ونحنُ أولادُهُ. ويجب علينا أن نَرفُضَ كُلَّ تَحالُفاتٍ دينيَّةٍ أو رُوحيَّةٍ دَنِسَةٍ معَ الظُّلمةِ والإثمِ والخَطيَّةِ والشَّيطانِ؛ وإلاَّ فإنَّنا نَتخلَّى عن أفراحِ الشَّرِكَةِ المُطيعَة.
وأودُّ أن أَتقدَّمَ خُطوةً أخرى. فالأشخاصُ الَّذينَ يَنخرطونَ باستمرار في تَحالُفاتٍ كهذهِ قد يَكشِفونَ في الحَقيقةِ عن أنَّهُم ليسوا أولادًا للهِ، وأنَّهُم لم يَخلُصوا حَقًّا مِن خَطاياهم. أمَّا إنْ كُنَّا نَفهَمُ حَقًّا أنَّنا أولادُ اللهِ، يجبُ علينا أن نُظْهِرَ مِن خِلالِ تَصرُّفاتِنا أنَّنا أولادُ اللهِ، وأنَّنا قد تَقَدَّسنا، وأنَّنا قد فُرِزْنا لَهُ. لِذا فإنَّ عَدمَ إطاعةِ وَصيَّتِهِ هي حَماقَة بكُلِّ مَعنَى الكلمة. فهي أمرٌ غيرُ عَقلانِيٍّ، وهو أمرٌ مُدَنِّسٌ، وهو أمرٌ يَنُمُّ عن عِصْيانٍ. وهو أمرُ غيرُ نَافِعٍ.
النُّقطةُ الأخيرة: إنَّهُ أمرٌ يَنُمُّ عن عَدَمِ امتِنانِكَ... عَنْ عَدَمِ امتِنانِكَ. انظروا إلى العَددِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ السَّابع. والحقيقةُ هي أنَّ ضَمَّ هذهِ الآية إلى الأصحاحِ السَّابعِ هو خَطأٌ في التَّقسيم إذْ يَنبغي أنْ يَبتدئَ العَددُ السَّابعُ بَعدَ الآيةِ الأولى. وعلى أيِّ حَالٍ، يَقولُ العَددُ الأوَّل: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ الله". وهذهِ آية رائعة. ويُمكنكم أن تأخذوا هذهِ الآيةَ وتَعِظوا عنها سِتَّةَ أشهُر عن عَقيدةِ التَّقديسِ المُتَدَرِّج. وأنا لن أفعل ذلك؛ ولكن تُوجَد في هذهِ الآية بِذْرَة صَغيرة يُمكِنُ أن تَتَفَتَّح وتَصيرَ زَهرةً كاملة. ولكنِّي سألتَزِمُ بالسِّياقِ فقط.
فبولسُ يُقَدِّمُ لنا الدَّافعَ الأخيرَ لإطاعةِ الوَصيَّة؛ أيِ الدَّافعَ الأخيرَ للانعِزالِ عن غيرِ المؤمنينَ في الأمورِ الدِّينيَّة. والدَّافعُ الأخيرُ واضحٌ وَهُوَ: بسببِ وُعودِ الله. فالعِبارةُ "فإذْ لَنا" تَرْبِطُ كُلَّ ما سَبَقَ قَولُهُ بما يَليه. "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ لا يَحْتَكِمُ إلى الوَصيَّةِ هُنا، بل يَحْتَكِمُ إلى الوَعد.
فهُناكَ وَصايا. وقد احْتَكَمَ إليها سابقًا. فقد قالَ في العدد 14: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". وفي العَدد 17: "اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا". ويجب علينا أن نُطيعَ تلكَ الوَصايا بِدافعِ التَّوقيرِ السَّليمِ وتَجَنُّبِ التَّأديبِ مِنَ اللهِ إن لم نَفعل ذلك. ولكنَّهُ يَتَخَطَّى الوَصايا ويَتحدَّثُ عنِ الوُعود: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ". لِذا فإنَّ المَواعيدَ تَصيرُ هي الدَّافعَ الأخير. فيَنبغي للوعودِ أن تَدفَعَنا إلى التَّعبيرِ عن مَحبَّتِنا، وامتِنانِنا، وشُكرِنا. فيجب علينا أن نَشْعُرَ بالامتنانِ الشَّديدِ لهذا السَّخاءِ، ولهذا الامتيازِ، ولهذهِ الرَّحمةِ، ولهذهِ البَرَكَةِ العَظيمَة.
وما أعنيه هُوَ: ما أروعَ أن نَقرأُ أنَّنا هَيكلُ اللهِ الحَيِّ، وأنَّ اللهَ يَقولُ: "إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا"، وأنَّهُ يَقولُ: "فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ". فهذه هي الوُعودُ الَّتي يَتحدَّثُ عنها؛ أيْ أنَّنا سنَحصُلُ على تلكَ الوعودِ بأنَّ اللهَ سيَسكُنُ فينا، ويَسيرُ بَينَنا، ويَكونُ لَنا إلهًا، ونَكونُ لَهُ شَعبًا، وأنَّ اللهَ سيَقبلُنا، وأنَّهُ سيَكونُ أبًا لَنا، وأنَّنا سنَكونُ بَنينَ وبَناتٍ لَهُ.
فَهُناكَ سَبعُ جُمَلٍ مُتَفَرِّقَة في هاتينِ الآيتين، أيْ في العَدَدَيْن 16 و18، تَذكُرانِ تلكَ الوُعود. وعندما نَفهَمُ تلكَ الوُعودَ، يا أحبَّائي، كيفَ يُعقَلُ أَلاَّ نُطَهِّرَ أنفسَنا مِن كُلِّ دَنَسٍ؟ فهي دَعوةٌ إلى الصَّلاحِ، صَلاحِ اللهِ ورَحمَتِه. وهي لا تَختَلِف في الحَقيقة عن أيِّ دَعْواتٍ أخرى مَعروفة ومألوفة نَقرأُها في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني عشر حيثُ يَقولُ بولُس: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً". فهو يَدعونا إلى الانفصالِ أيضًا.
فالكلمة "مُقَدَّسة" تَعني "مُنفَصِلَة". "مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ". "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ". فيجب عليكم أن تَعتَزِلوا عنِ العالَم، وأن تَعتَزِلوا عنِ النِّظام، وأن تَتَغيَّروا بتَجديدِ أذهانِكُم، وأن تُقدِّموا أجسادَكُم ذَبيحةً مُقَدَّسةً مَرضيَّةً عِندَ اللهِ. فيجب عليكم أن تَفعلوا ذلك. وأنا أطلبُ مِنكُم أن تَفعلوا ذلك. ولكن على أيِّ أساس؟ "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ... بِرَأْفَةِ اللهِ". فأنا أَطلبُ إليكُم بِرأفةِ اللهِ، وأتَوسَّلُ إليكُم بِرأفةِ اللهِ. وما هي رأفَةُ اللهِ؟ كُلُّ المَراحِمِ الَّتي يُقَدِّمُها للخَاطِئِ مِن خِلالِ الخَلاصِ، وكُلُّ شَيءٍ يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ في الأصحاحاتِ الأحَدَ عَشَرَ الأولى مِن رسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية.
على أساسِ مَحبَّةِ اللهِ، وقَصْدِهِ مِنَ التَّعيينِ السَّابق، وعلى أساسِ دَعوةِ اللهِ مِن خِلالِ الإنجيلِ، وعلى أساسِ التَّبريرِ، وعلى أساسِ تَجديدِ اللهِ لِحَياتِكُم، وعلى أساسِ أنَّ اللهَ أعطاكُمُ الرُّوحَ القُدُسَ وأعطاكُم مِيراثًا معَ القِدِّيسينَ لكي تَكونوا وَرَثَةً معَ يسوعَ المسيحِ، وعلى أساسِ هِباتِ اللهِ أوِ الوَعدِ بالسَّماءِ والحياةِ الأبديَّةِ، ورَجاءِ الحَياةِ الأبديَّةِ، واليَقين. على أساسِ هذا كُلِّه، واستِنادًا إلى كُلِّ هذهِ الرَّأفَة. والرَّأفة تَعني أنَّكُم لا تَستَحِقُّونَ أيًّا مِن هذهِ الأشياء. ولكن على أساسِ كُلِّ تلكَ المَراحِم، أَلاَ يُمكِنُكم على أقَلِّ تَقدير أن تَعيشوا حَياةً مُنعَزِلَة؟ فإن لم تَعْتَزِلوا فإنَّ هذا يَنُمُّ عن جُحودٍ مُطْبِق.
استَمعوا إلى ما يَقولُهُ بُطرسُ لأنَّ بُطرسَ يَدعونا نَفسَ الدَّعوة. وهذا واحدٌ مِنَ المَقاطِعِ المُفَضَّلةِ لديَّ في الكتابِ المقدَّس. فنحنُ نَقرأُ في رسالة بُطرس الثَّانية 1: 3: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ [أيْ قُدرةَ اللهِ الإلهيَّة] قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". وأنا أُحِبُّ جدًّا هذهِ الكلمات. "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَة".
فاللهُ يُعطينا مِن خِلالِ مَعرفتِنا بيسوعَ المسيح، ومِن خِلالِ قُدرَتِهِ الإلهيَّةِ وُعودًا ثَمينةً ورائعةً مُعلَنَةً في الكتابِ المقدَّسِ إذْ إنَّهُ جَعَلَنا شُركاءَ في الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ، وجَعَلنا نَهرُبُ مِنَ الفَسادِ الَّذي في العالَم. فاللهُ رَحيمٌ جدًّا ومُنْعِمٌ جدًّا. لِهذا السَّبب تَحديدًا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الخامِس: "وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ، قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً". فهو يَقولُ: ابتَدِئوا في عَيْشِ هذهِ الحياة. فإنْ كُنْتُمْ قد حَصَلتُم على كُلِّ هذهِ الوُعودِ العَظيمة، كيف يُعقَلُ أن تَفعلوا مَا هُوَ أقَلُّ مِنَ الطَّاعَة؟
وهذا هو تَمامًا ما يَقولُهُ هذا النَّصُّ في رسالةِ كورنثوس الثَّانية. لِنَرجِع إليه. فلا تُوجَد طريقة مُباشِرَة أكثر مِن هذهِ لقَولِ ذلك: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ...". والكلمة "أَحِبَّاء" هي كلمة مُحَبَّبَة لقلبِ بولُس يَقولُها للنَّاسِ؛ ولكنَّها تُحَدِّدُ أيضًا الأشخاصَ الَّذينَ سيَحصُلونَ على هذهِ الوُعود: فقط أحِبَّاءُ الله، أو فَقَط الأشخاصُ الَّذينَ قُبِلوا في المَحبوبِ؛ أيْ في المَسيح. وبولُسُ يُحِبُّ أن يَستخدِمَ هذهِ الكلمة. وقد استَخدمَها مَرَّتينِ في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس، ومَرَّتينِ في رسالتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورنثوس للإشارةِ إلى المؤمنين. فهي تُعَبِّرُ عنِ العَاطفةِ الرَّقيقة؛ ولكنَّها أيضًا طَريقة لِوَضْعِ حُدودٍ لتلكَ الوُعود.
فيجبُ علينا، نَحنُ الأحبَّاءَ الَّذينَ نِلْنا المَواعيدَ، أن نُطَهِّرَ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ الله. فكيفَ نَفعلُ أيَّ شيءٍ أقلّ مِن ذلك بِدافعِ الامتِنان الشَّديد؟ فينبغي لِحَقيقةِ حُصولِنا على تلكَ المَراحِمِ المُدهشةِ وتلكَ المَواعيد المُدهشة أن تَكونَ أكثر مِن كَافية لِدَفْعِنا إلى إظْهارِ امْتِنانِنا. وبالمُناسبة، إنَّ اللهَ يُبغِضُ الجُحود. فواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي يُبغِضُها اللهُ هي القلب غير الشَّكور. ففي رسالة رُومية 1: 21، يَدينُ اللهُ النَّاسَ لأنَّهُم لم يُمَجِّدوهُ كَإلَه. وهو يَسكُبُ غَضَبَهُ عليهم لأنَّهُم ليسوا شَكورين.
فاللهُ سيَدينُ غيرَ المُؤمِنينَ على جُحودِهم. وهذا يَعني أنَّ جُحودَ غيرِ المُؤمِنِ يُهينُ اللهَ. فَكَمْ بالحَرِيِّ يُهينُ جُحودُ المُؤمِنِ اللهَ الَّذي وَهَبَهُ كُلَّ ما هُوَ للحَياةِ والتَّقوى؟ فلا شَكَّ في أنَّ المُؤمِنَ الجَاحِدَ هو أسوأُ مِن جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقفونَ أمامَ اللهِ في نِعمَتِه. فهناكَ خَطايا كَثيرة يُدْرِجُها اللهُ في لائحةِ الخَطايا الأقلّ شَأنًا مِنَ الجُحودِ لِذاكَ الَّذي وَهَبَنا الكثيرَ جدًّا.
وفي رسالة كولوسي 2: 7، يَقولُ الرَّسولُ بولُسُ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَتَفاضَلَ بالشُّكر. وما مَعنى ذلكَ الشُّكر؟ هُناكَ جَانِبانِ لهذا الشُّكر. فالتَّعبيرُ اللاَّئِقُ عنِ الشُّكرِ يَظهَرُ بِطَريقَتَيْن: الطَّريقةُ الأولى تأتي على صُورةِ نَهْي: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ". لِنُطَهِّر أنفسَنا. فيجب علينا أن نَفعلَ ذلك. ولا شَكَّ في أنَّ التَّطهيرَ هُوَ شَيءٌ يَقومُ بهِ اللهُ؛ ولكنَّهُ لا يَحدُثُ بِمَعزِلٍ عَنَّا. فنحنُ نَقرأُ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ... لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". فاللهُ هُوَ العَامِلُ فينا؛ ولكن يجب علينا أن نُتَمِّمَ خَلاصَنا. فهو يَدعونا إلى التَّجاوُب. فيجب علينا أن نَعملَ على تَجَنُّبِ أيِّ جُحودٍ وتَدنيسٍ لهيكلِ الله.
ولاحِظوا الكلمة "دَنَس" لأنَّها مُهمَّة جدًّا. فهي المَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي تُستخدَمُ فيها في العهدِ الجديد. وهي كلمة خاصَّة بِمَعنى: "دَنَس". فهي الكلمة اليونانيَّة "مولوزموس" (molusmos). وهي تُستخدَمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في التَّرجمةِ السَّبعينيَّة. وعندما تُستخدَمُ فإنَّها تُشيرُ دائمًا إلى الدَّنَسِ الدِّينيِّ. فهي لا تُشيرُ وَحَسْب إلى الدَّنَسِ الأخلاقيِّ أوِ الكَذِبِ أوِ الغِشِّ أوِ الشَّهوةِ، بل إلى الدَّنَسِ الدِّينيِّ مِثلَ الأصنامِ، والاحتفالاتِ الوثنيَّة، وزانياتِ الهَيكل، والذَّبائحِ الوثنيَّة، وطُقوسِ العِبادة. فهو دَنَسٌ دِينيٌّ. "لِنُطَهِّر أنفُسَنا مِن كُلِّ دَنَسٍ دِينيٍّ"، ومِن كُلِّ تَحالُفاتٍ غير مُقَدَّسَة مَعَ الدِّيانةِ الباطِلَة، ومعَ الضَّلالاتِ والبِدَع.
وَهُوَ يَقولُ: "الجَسَدِ والرُّوح". وأريدُ أن أتحدَّثَ قليلاً عن ذلك. مِن جِهَة، إنَّهُ يَقولُ ببساطَة: "لِنُطَهِّر ذَواتِنا تَمامًا"، أو "لِنُطَهِّر ذَواتِنا دَاخِليًّا وخَارجيًّا"؛ ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ يَعني ما هُوَ أكثر مِن ذلك. فأنا أعتقدُ أنَّهُ يَقولُ إنَّهُ تُوجدُ تَعاليمٌ بَاطِلةٌ ودياناتٌ بَاطِلةٌ قد تُدَنِّسُ الجَسَدَ عن طَريقِ إثارةِ الشَّهواتِ البَشريَّة. فهي قادرة أن تَفعلَ ذلك. فَكِّروا في الحَرَكة المُورمونيَّة في أيَّامِها الباكِرَة. فقد نَمَتِ الحَركةُ المُورمونيَّة بصورةٍ رئيسيَّةٍ بسببِ نَظرتِها المُنحرِفة إلى الجِنس. وقد سَمَحَتْ بتَعدُّدِ الزَّوجات. وهذه طَريقة خَبيثة لِجَلْبِ البَشَرِ الشَّهوانيِّينَ إلى دِيانَتِهم. أليسَ كذلك؟
ولا شَكَّ في أنَّ المُورمونيَّة تَعِدُ بأنَّ المُكافأةَ الكَبرى ستكونُ حينَ تَموت. فإن عِشْتَ حَياةً لائقةً وَفقًا للعقيدةِ المُورمونيَّة، ومَرَرْتَ بالمَراحلِ المُختلفة لدى المُورمون، سوفَ تَسكُنُ في كَوكبِكَ الخاصِّ، وسوفَ تُمارِسُ أنتَ وزَوجتُكَ الأبديَّةُ عَلاقةً جِنسيَّةً فائقةً إلى الأبد. هذهِ هِيَ جُذورِ المُورمونيَّة. وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي رَوَّجوا لَها في بِداياتِها. والأمرُ لا يَختلفُ عن أيَّة دِيانات قَديمة حيثُ إنَّ كاهِناتِ المَعبدِ كُنَّ يَعملنَ زَانيات. فهناكَ دِياناتٌ تُخاطِبُ الجَسَد. ولا شَكَّ في أنَّها دِيانة باطِلة سواءَ كانت تُدَنِّسُ الجَسدَ أَم لا. ولكنَّ بَعضًا مِنها يُدَنِّسُه. وقد بَرْهَنَ التَّاريخُ على ذلك.
وقد يَقولُ مُؤمِنونَ [على سَبيلِ المِثال: مُؤمِنو كَنيسة كورنثوس]: "أنا أذهبُ إلى تلكَ الاحتفالاتِ الوثنيَّةِ لأنَّ حَماتي تُريُد مِنِّي أن أذهبَ إليها. فأنا أحاولُ وَحَسْب أن أُحافِظَ على عَلاقَتي الزَّوجيَّة. فعائِلتي كُلُّها تَشتركُ في تلكَ الاحتفالات. وأنا مُؤمِنٌ جَديدٌ، وأتمنَّى أن أربَحَهُم للمسيح. لِذا فإنَّني أذهبُ إلى تلكَ الاحتفالاتِ، ولكنِّي لا أذهبُ إلى تلكَ الزَّانيات، ولا أنغَمِسُ في الشُّرب. فأنا لا أَسكَر، ولا أفعلُ أيًّا مِن تلكَ الأمورِ الَّتي يَفعلونَها. أنا أذهبُ فقط لأنِّي مُضطرٌّ. وحَتَّى إنِّي لا آكُلُ مِن ذلكَ الطَّعام لأنِّي لا أريدُ أن أشتركَ في أيِّ شيءٍ يَختصُ بالأوثان. فأنا آخُذُ طَعامي مَعي. لِذا فإنِّي لا أتجاوَزُ حُدودي، بل أذهبُ إلى هُناكَ وَحَسْب".
إنَّ هذه فِكرة جَميلة؛ ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ الدِّياناتِ الباطِلةِ تُدَنِّسُ الجَسدَ والرُّوح. وهي تُفْعَلُ ما هُوَ أكثر مِن إثارةِ الشَّهَواتِ الجسديَّةِ لأنَّها تُؤثِّرُ في الذِّهنِ، وتُدَنِّسُ الفَهمَ والتَّفكيرَ والحَقّ. وحَتَّى إنْ تَجَنَّبَ المُؤمِنُ دَنَسَ الخَطايا الجسديَّة عندما يَحضُرُ عِبادةً باطلةً (كالسُّكرِ، والزِّنا، والشَّراهةِ، وَما إلى ذلك)، فإنَّهُ لن يَتمكَّنَ مِن تَعريضِ عَقلِهِ لأكاذيبِ الشَّيطان لأنَّهُ في حينِ أنَّ الجسدَ قد يَنجو مِنَ الدَّنَسِ المُباشِرِ، فإنَّ ذِهنَهُ قد يَتَلَوَّث ويَتَدَنَّس بالأيديولوجيَّاتِ والتَّجاديفِ الشَّيطانيَّةِ الَّتي تَستهدِفُ طَهارةَ الحَقِّ الإلهيِّ وتُجَدِّفُ على اسمِ الله.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "طَهِّروا ذَواتِكُم مِن كُلِّ تلكَ الأشياء". وإليكُم الطَّريقةَ الثَّانيةَ الَّتي تَأتي في صِيغَةِ وَصِيَّة: "مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ". والكلمة "مُكَمِّلينَ" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "إيبيتيليئو". والكلمة "تيليئو" تَعني: "يُكمِل". وقدِ استَخدمَ يَسوعُ تلكَ الكلمة عندما قال: "قد أُكمِل" على الصَّليب. والكلمة "إيبيتيليئو" تَعني: "يُنهي تَمامًا". فهي فِعْلٌ مُرَكَّب. فهي لا تَعني فقط أن تَبتَدِئوا بالعمل، بل أن تُكْمِلوه. وما يَقولُهُ هُنا هُوَ: "مُكَمِّلينَ الْقَدَاسَةِ إلى التَّمامِ فِي خَوْفِ اللهِ". مُكَمِّلينَ القَداسَةَ. وما هي القَداسَة؟ إنَّها انفِصالٌ. كَمِّلوا ذلكَ الانفصالَ عن كُلِّ ما يُدَنِّسُ جَسَدَكُم وَروحَكُم. اتَّبِعوا القَداسَةَ، واتَّبِعوا المَسيحَ الَّذي هُوَ كَمالُ القَداسَةِ في هَيئةٍ بَشريَّة.
هذا هو ما قَصَدَهُ بولسُ حينَ قَال: "أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا". فما هِيَ جَعَالَةُ دَعوةِ اللهِ العُليا؟ أو ما المُكافأةُ الَّتي سنَحصُل عليها عندما نَذهبُ إلى السَّماء؟ أنَّنا سنَصيرُ مُشابِهينَ للمسيح. هذا هو ما أَسعى إليه. فأنا أَسعى إلى قَداسةِ المسيح. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّامنِ أنَّ اللهَ سَبَقَ فَعَيَّنَنا لِنَكونَ مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ؛ أيْ صُورةَ المسيح. ونَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالثِ أنَّا سَنكونُ ذاتَ يَومٍ مِثلَهُ. فهذا هو ما نَسعَى إليه. فنحنُ نَسعى إلى التَّمَثُّلِ بالمسيح، ونَسعى إلى أن نَكونَ قِدِّيسينَ كما أنَّهُ قُدُّوس. لماذا؟ في خَوفِ الله. فهذا هو دَافِعُنا. بسببِ تَوقيرِنا للهِ وإجلالِنا لَهُ. فالآيةُ لا تَعني أنَّنا نَفعلُ ذلكَ بسببِ خَوفِنا مِنَ اللهِ، بل تَعني أنَّنا نُكِنُّ لَهُ كُلَّ إجْلالٍ. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ إلَهٌ قُدُّوس. فإن كُنَّا نَنتمي إليهِ، يجب علينا أن نَكونَ شَعبًا مُقَدَّسًا.
ارجِعوا إلى سِفْر اللاَّويِّين والأصحاحات 20 و 21 و 22 إذْ نَقرأُ: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ... أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ... أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ". فهو يَقولُ تلكَ الكلماتِ المَرَّةَ تِلو المَرَّةِ تِلو المَرَّة. لِذا، يَنبغي أن تُطيعوا... يَنبغي أن تُطيعوا... يَنبغي أن تُطيعوا. فيجبُ عليكم أن تَعتَزِلوا، وأن تَتطهَّروا، وأن تَكونوا قِدِّيسينَ لأنِّي أنا الرَّبُّ إلَهُكُم. فإن كُنتُم تَقرِنونَ أنفسَكُم بي، ينبغي أن تَكونوا قِدِّيسين. وإن كُنتُم تُوَقِّروني وتُكرِموني وتُحِبُّوني، يَنبغي أن تَسْعَوْا إلى القَداسَة.
ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 5: 48: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". اتَّبِعوا ذلكَ الكَمال. اتَّبِعوا تلكَ الفَضيلة. اتَّبِعوا تلكَ القَداسة الَّتي هي صِفَة مِن صِفاتِ اللهِ وتَظهَرُ في يَسوعَ المسيح. ونَقرأُ في سِفْر اللاَّويِّين 20: 26: "وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزْتُكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُونُوا لِي". وهو يَقولُ في الأصحاحِ الحادي والعشرين: "لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ". وَهُوَ يَمضي ويَقولُ ذلكَ أكثر مِن مَرَّة. فينبغي لنا أن نَفعلَ ذلكَ بِدافعِ تَوقيرِنا لله، وبِدافِعِ احترامِنا وإجلالِنا لَهُ. فبِدافعِ الامتِنانِ، يجب علينا أن نَسعى إلى القَداسَة.
لِذا فإنَّ النُّقطةَ الأخيرةَ هي أنَّ عَدَمَ إطاعَةِ هذهِ الوَصيَّة يَنُمُّ عن عَدَمِ امْتِنانٍ، ويَنُمُّ عن جُحود. ولا يَجوزُ لنا أن نَفعلَ ذلك. فحيثُ إنَّ اللهَ وَهَبَ لنا هذهِ المَواعيد العَظيمة، يجب علينا أن نُطَهِّرَ ذَواتِنا مِن كُلِّ دنَسٍ؛ أيْ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ دِينيٍّ، وأن نَعتَزِلَ تَمامًا، وأن نَسعى إلى ذلكَ الانفصالِ الَّذي هُوَ صِفَة مِن صِفاتِ اللهِ لأنَّهُ مُنفصلٌ تمامًا عنِ الشَّرِّ وكُلِّ تَعليمٍ باطِل. ويجب علينا أن نَسعى إلى ذلكَ الكَمالِ الَّذي أَظهَرَهُ اللهُ في الرَّبِّ يَسوعَ المسيحِ الَّذي كانَ مُنفصِلاً عنِ الخُطاةِ، وقُدُّوسٌ، ولا يُؤذي أحدًا، وغيرَ دَنِسٍ. ويجبُ علينا أن نَفعلَ ذلكَ بِدافعِ تَوقيرِنا للهِ الَّذي يُنعِمُ علينا جِدًّا دائمًا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
نَحنُ نَتذكَّرُ كلماتِ سِفرِ الأمثال، يا أبانا، إذْ إنَّ الكَاتبَ يَقول: "مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ". فالحِكمةُ تَبتدئُ عندما نُكْرِمُكَ. فَبِغَضِّ النَّظرِ عن حَجْمِ مَعرفتِنا فإنَّنا سنَكونُ جَهَلَة إن لم نُكْرِمْكَ. ونحنُ نُكرِمُكَ مِن خِلالِ قُلوبِنا المُمْتَنَّةِ على وُعودِكَ الثَّمينة، ووُعودِكَ الرَّائعة الَّتي قَطعتَها لَنا بأنَّكَ ستَسكُنُ فينا، وتَمشي بَيْنَنا، وستكونُ إلهًا لنا، ونَكونُ شَعبًا لَكَ، وبأنَّكَ ستُعانِقُنا، وتُرَحِّبُ بِنا، وتَقبَلُنا، وبأنَّكَ ستَكونُ أبًا لنا، وأنَّنا سنَكونُ بَنينَ وبَناتٍ لَكَ.
يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّ كُلَّ هذهِ المَواعيد صَادِقَة في المَسيح. وبسببِ هذهِ المَواعيدِ الثَّمينة، يُمكنُنا أن نُطَهِّرَ أنفسَنا مِن كُلِّ دَنَسٍ، وأن نَتبَعَ القَداسةَ ونَنفصلَ عن كُلِّ شيءٍ مِن شأنِهِ أن يُدَنِّسَكَ ويُنَجِّسَنا. نَشكرُكَ على هذهِ الرِّسالة الواضحة والمُباشِرَة مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، وعلى تأكيدِ هذا الحَقّ. والآن، يا رَبّ، سَاعِدنا مِن خِلالِ رُوحِكَ القُدُّوسِ على تَطبيقِ هذهِ الوَصايا في حَياتِنا لأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى التَّجاوبِ مَعَها بالطَّاعة.
في الوقتِ نَفسِه، أعطِنا يا رَبُّ قَلبًا يُشفِقُ على الأشخاصِ العَالِقينَ في الأنظمةِ الشِّرِّيرة لكي نَنْتَشِلَهُم مِنَ النَّارِ كَما نَنْتَشِلُ ثَوبًا مِنَ الاحتراقِ مِن دُونِ أن نَقتربَ كثيرًا، بل أن نَقتربَ بالقدرِ الَّذي يَكفي لِمَدِّ يَدِنا وتَقديمِ الإنجيلِ لَهُم لاختِطافِهم مِنَ النَّارِ، وحِمايةِ أنفُسِنا في الوقتِ نَفسِهِ لِئَلاَّ نَحترقَ نَحنُ إنِ اقتَربنا أكثرَ مِمَّا يَنبغي. ويا رَبّ، نحنُ نَعلمُ أنَّكَ سَتُكْرِمُ أَمانَتَنا فيما نَسعى إلى تَطبيقِ ذلكَ في حَياتِنا لِمَجدِ ابنِكَ. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
