Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَحنُ نَتأمَّلُ الآنَ [بِخُطَى سَريعَة في الحَقيقة] في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحَيْن الثَّامنِ والتَّاسِع. وأنا لَستُ مُستعِدًّا بَعد للذَّهابِ إليهِما والتَّأمُّلِ في النَّصِّ نَفسِه. وَهُوَ نَصٌّ عَنِ العَطاء... عَنِ العَطاءِ المَسيحيّ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ كِلا الأصحاحَيْنِ يَزْخُرانِ بآياتٍ تَتحدَّثُ عَنِ العَطاء. ولكِنْ قبلَ أن نَتأمَّلَ في هَذَيْنِ الأصحاحَيْن في مَعْرِضِ دِراسَتِنا للرِّسالةَ الثَّانيةَ إلى أهلِ كُورِنثوس، لا بُدَّ أن يَكونَ لَدينا أساسٌ نَستَنِدُ إليه. وَهَذا الأساسُ يَتطلَّبُ فَهمًا لِمَا يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عَنِ المَال. وفي هذا الصَّباحِ تَحديدًا، أوَدُّ على أقَلِّ تَقدير أن أُمَهِّدَ لهذا المَوضوعِ مِن خِلالِ إلقاءِ الضَّوءِ على مَا قَالَهُ يَسوعُ نَفسُهُ عَنِ المَال.

ورُبَّما سَتُدهَشونَ حينَ تَعلمونَ أنَّ يَسوعَ تَحَدَّثَ عَنِ المَالِ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخرَ في الكتابِ المقدَّس. وقد تَحَدَّثَ عَنِ المَالِ أكثرَ مِمَّا تَحَدَّثَ عَن أيِّ مَوضوعٍ مُنفرِدٍ آخر. فالمَالُ مُؤشِّرٌ لشخصيَّةِ المَرء. وَهُوَ مِقياسٌ. فَهُوَ يُظهِرُ حَالَةَ القَلب. ومِنَ الوَاضِحِ أنَّني لا أستطيعُ أن أَذكُرَ كُلَّ شَيءٍ قَالَهُ يَسوعُ عَنِ المَال، ولكِنِّي أَوَدُّ أنْ أُطْلِعَكُم في عُجالَةٍ على أهَمِّ الأشياءِ الَّتي قَالَها والَّتي ستُساعِدُنا في فَهمِ أهميَّةِ المَالِ وكيفَ أنَّهُ مُؤشِّرٌ أو مِعيارٌ لِشَخصِيَّتِنا أو حَياتِنا الرُّوحيَّة. وكَما قُلتُ، نَرجو أنْ نَبْني بَيْتًا باستِخدامِ مَبادئِ العَطاءِ المُسيحيِّ؛ ولكِنَّنا بِحاجَةٍ إلى أساس. والأساسُ يَتألَّفُ مِن فَهمِ المَالِ وَما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنه.

لَقَد قَرَنَ يَسوعُ المَالَ بِحالَةِ الإنسانِ الروحيَّة. وَقد فَعَلَ ذلكَ مِرارًا. فمثلاً، يَعرِفُ كُلُّ طِفلٍ في مَدرسةِ الأحدِ رَجُلاً يُدعَى "زَكَّا". وَهُوَ رَجُلٌ قَصيرُ القَامَةِ، ويَهودِيٌّ التَقى يَسوعَ بأغربِ طَريقةٍ مُمكِنَة إذْ إنَّهُ صَعِدَ إلى شَجرةٍ وَراحَ يُراقِبُ يَسوعَ وَهُوَ يَمُرُّ مِن هُناكَ بِدافِعِ الفُضول. ولا شَكَّ في أنَّكُم تَذكُرونَ أنَّ يَسوعَ قَالَ لَهُ إنَّهُ سَيَمكُثُ ذلكَ اليَومَ في بَيتِه. والقِصَّةُ مَذكورَةٌ في إنجيل لُوقا والأصحاح 19. وعندما وَاجَهَهُ يَسوعُ بخطاياه وَبَيَّنَ لَهُ حَاجَتَهُ الرُّوحيَّةَ، آمَنَ الرَّجُلُ وَقَبِلَ الحَقَّ المُختصَّ بالمَسيح. وَكانَ ذلكَ اليَومُ يَومًا رائعًا جدًّا.

وعندما آمَنَ زَكَّا بيسوعَ المسيحِ، وفَهِمَ حَياتَهُ، وَتَابَ عَن خَطاياه، وقَبِلَ المُخَلِّص، قَالَ بعدَ ذلكَ مُباشَرةً إنَّهُ سيُعطِي نِصفَ أموالِهِ للمَساكين. فَقد كَانَ تَجاوُبًا فَورِيًّا. ثُمَّ إنَّهُ قَالَ إنَّهُ سَيَرُدُّ أربعَةَ أضعافٍ للأشخاصِ الَّذينَ وَشَى بِهِم. وَقد فَعلَ ذلكَ بَعدَ اعتِرافِهِ بالإيمانِ بالمَسيحِ وتَوبَتِهِ مُباشَرَةً؛ أيْ بَعدَ خَلاصِه. فَفي الحَال، كَانَ أوَّلُ تَجاوُبٍ تَجاوُبًا مَالِيًّا. ولم يَقُل يَسوعُ لَهُ: "هذهِ فِكرةٌ رَائِعَة! مِنَ الرَّائِعِ أن تَفعلَ أمرًا كَهذا"، بَل إنَّ يَسوعَ قَالَ مَا يَلي: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْت". وهذهِ جُملةٌ مُدهِشَة.

فالدَّليلُ على التَّغييرِ ظَهَرَ مِن خِلالِ مَوقِفِ الرَّجُلِ مِن أموالِه. وَصَدِّقوني أنَّهُ كَانَ مَوقِفًا مُغايِرًا تَمامًا لمَوقِفِهِ قَبلَ تِلكَ اللَّحظَةِ لأنَّهُ حَتَّى تِلكَ اللَّحظةِ، كانَ كُلُّ مَا يُريدُهُ هُوَ أن يَجمَعَ المَالَ عَن طَريقِ الابتِزازِ والسَّلْبِ، وَأنْ يَحْجِزَ ذلكَ المَالَ الَّذي يَحتاجُ إليهِ النَّاسُ عِوَضًا عَن أن يُعطيهم إيَّاه.

وفي لَحظَةِ الاهتِداءِ تِلك، تَغَيَّرَ قَلبُهُ تَغييرًا جَذريًّا فأرادَ أن يُعطي أموالَهُ للمَساكينِ وَأنْ يَرُدَّ كُلَّ شَيءٍ أَخَذَهُ أربعةَ أضعَاف. وَقد حَكَمَ يَسوعُ على حَقيقةِ خَلاصِ الرَّجُلِ مِن خِلالِ استِعدادِهِ، ومِن خِلالِ رَغبَتِهِ الشَّديدةِ في الانفصالِ عَن أموالِهِ مِن أجلِ مَجدِ اللهِ، وَمِن أجلِ مُساعَدَةِ الآخرين.

والآن، هُناكَ قِصَّةٌ مُعاكِسَةٌ لِقِصَّةِ زَكَّا وَهِيَ قِصَّةُ رَئيسِ المَجمَعِ الشَّابّ. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ قِصَّةَ هَذا الشَّابِّ الغَنِيِّ إذْ إنَّها مَذكورَةٌ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19 وإنجيل لُوقا والأصحاح 18. فَقد كَانَ وَرِعًا، وَكانَ يَهوديًّا، وكَانَ رَئيسَ المَجمَع. فَقَد كَانَ نَموذَجًا للإنسانِ المهَنِيِّ، وَالشَّابِّ، والمُجتَهِدِ، والمُحتَرَمِ، والمُتَحَمِّس. وَقد أرادَ أن يَعرِفَ كَيفَ يَحصُلُ على الحَياةِ الأبديَّة. وَمِنَ المُدهِشِ جدًّا أنَّ الرَّبَّ أعطاهُ الخُلاصَةَ إذْ قَالَ لَهُ: "اذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي". وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ الشَّابَّ ذَهَبَ حَزينًا... حَزينًا... حَزينًا حقا لأنَّهُ اضْطُرَّ إلى التَّخَلِّي عَنِ الحَياةِ الأبديَّةِ بِسَببِ تَمَسُّكِهِ بأموالِه.

في حَالَةِ زَكَّا، كانَ المَالُ دَليلاً على التَّغييرِ والتَّوبةِ الحَقيقيَّة. وفي حَالَةِ الرَّئيسِ الشَّابِّ الغَنِيِّ، كَانَت مَشاعِرُهُ تُجاهَ المَالِ دَليلاً عَلى قَساوَةِ قَلبِه. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ قَالَ شَيئًا للتَّلاميذِ صَدَمَهُم. فَقد قَالَ لَهُم "إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ [وَهُوَ أمرٌ مُستحيلٌ بِكُلِّ تَأكيد] أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" طَالَما أنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِغِناه أو يَتَّكِلُ على غِناه. فالغِنّى يَصْنَعُ حَاجِزًا هَائِلاً أمامَ الوِلادَةِ الرُّوحيَّةِ لأنَّ المَالَ قَد يَكونُ صَنَمًا كَما كَانَ بالنِّسبةِ إلى الرَّئيسِ الشَّابّ.

والآن، لم تَكُن قِصَّةُ زَكَّا وقِصَّةُ الرَّئيسِ الشَّابِّ الغَنِيِّ قِصَّتَيْنِ مُنفصِلَتَيْنِ في الأناجيل؛ البَتَّة. بَلْ في الحَقيقةِ، يُمكِنُكم أن تَرجِعُوا قَليلاً قَبلَ أنْ تَنكَشِفَ خِدمةُ رَبِّنا تَمامًا ليُوحَنَّا المَعمَدان لِتَجِدوا أنَّ يُوحَنَّا المَعمَدانَ كَانَ يَنظُرُ إلى المَالِ بِذاتِ الطَّريقَةِ الَّتي يَنظُرُ فيها يَسوعُ إلى المَال. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن إنجيل لُوقا أمرًا مُدهِشًا جدًّا. فقد كانَ يُوحَنَّا المَعمَدانُ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، يَكرِزُ بالتَّوبَةِ ومَجيءِ المَلِكِ والمَلكوت. وَقد سَألوهُ: "مَاذا نَفعَلُ لِكَيْ نَصْنَعَ أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة؟" أو "كَيفَ يُمكِنُنا أن نُظْهِرَ أنَّ تَوبَتَنا حَقيقيَّة؟"

والآن تَذَكَّروا أنَّ يُوحَنَّا المَعمَدان كانَ يَقولُ دَائِمًا: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة". بِعبارةٍ أخرى: أَظهِرُوا تَوبَتَكُم. لِذا فقد قالُوا لَهُ: "مَاذا نَفعَلُ لِكَيْ نَصْنَعَ أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة؟" وَهَل تَعلَمُونَ مَاذا قَالَ لَهُم في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن إنجيل لُوقا؟ لَقد قالَ لَهُم: "شَارِكُوا مَلابِسَكُم وَطَعامَكُم مَعَ الفُقَراء. فَهَذا سَيُظهِرُ أنَّ قَلبَكُم قَد تَغَيَّر".

ثُمَّ إنَّهُ خَاطَبَ العَشَّارينَ وَأخبرَهُم أَلاَّ يَستَوْفُوا أكثرَ مِمَّا يَنبغي. ثُمَّ إنَّهُ خَاطَبَ الجُنودَ وَقالَ لَهُم: "لا تَبْتَزُّوا مَالاً مِن أحَد". فَقد كانَ الجُنودُ يَفعلونَ ذلك. فَقد كَانُوا يَجُولونَ وَهُمْ مُسَلَّحون. لِذا، كَانَ مِنَ السَّهلِ جدًّا عليهم أن يَأخُذوا المَالَ مِنَ النَّاس. وَقد قالَ للجُنودِ لا فقط أَلاَّ يَسلِبُوا النَّاسَ أموالَهُم، بَلْ أيضًا أنْ يَكْتَفُوا بِعِلائِفِهِم.

لِذا، لَقد كانَ يُخاطِبُ العَامَّةَ أوِ النَّاسَ العَادِيِّينَ ويَقولُ لَهُم أن يُشارِكُوا مَلابِسَهُم وَطعامَهُم. وَكَانَ يَقولُ للعَشَّارينَ ألاَّ يَأخُذوا مِنَ النَّاسِ أكثرَ مِمَّا يَنبغي. وَكانَ يَقولُ للجُنودِ ألاَّ يَبْتَزُّوا النَّاسَ وَأنْ يَكْتَفُوا بِعَلائِفِهم. وَفي كُلِّ الحَالاتِ الثَّلاث، كَانَ هَذا هُوَ تَعريف يوحنَّا المَعمَدان لِثَمَرِ التَّوبَة. وكَمْ هُوَ مُدهِشٌ وعَجيبٌ أنْ نَرى أنَّ ثَمَرَ التَّوبَةِ يَتوقَّفُ عَلى نَظرَتِكَ للمَالِ وَكيفيَّةِ تَصَرُّفِكَ بأموالِكَ ومُمتَلكاتِك. فَهذا أمرٌ مُدهِشٌ جدًّا في الحَقيقة.

وَنَحنُ نَتَذَكَّرُ، دُونَ شَكٍّ، الاهتداءَ الرُّوحيَّ للأشخاصِ الَّذينَ كَانُوا يَستخدِمونَ السِّحْرَ في أفسُس كَما جَاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 19. فَحالَ تَوبَتِهم واهتِدائِهم، أَظهَرُوا تَغَيُّرَهُم مِن خِلالِ إقْدامِهِم على حَرْقِ كُتُبِ السِّحرِ الخَاصَّةِ بِهِم والَّتي كَانَتْ تُساوي ثَروةً طَائِلَة. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ النَّصَّ يَقولُ إنَّ ثَمَنَها كَانَ يُقَدَّرُ بِخَمسينَ ألفًا مِنَ الفِضَّة. ويُمكِنُكم أيضًا أن تَرَوْا في الأصحاحاتِ الأولى مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ [وَتَحديدًا في الأصحاحِ الثَّاني والأصحاحِ الرَّابع] أنَّ الكَنيسةَ الأولى أَظهَرَتْ تَغَيُّرَها مِن خِلالِ استِعدادِ المُؤمِنينَ لِبيعِ مُمتلكاتِهم والتَّحَقُّقِ مِن وُجودِ مَالٍ يَكفي جَميعَ مَنْ هُم في حَاجَة.

فَما تَفعلُهُ بأموالِكَ يُظْهِرُ إلى حَدٍّ كَبيرٍ حَالَتَكَ الرُّوحيَّة. وَقد أَظهَرَ القِدِّيسونَ في الكَنيسةِ الأولى استِعدادَهُم لبيعِ جَميعِ مُمتلكاتِهم وتَوزيعِ ثَمَنِها بِفَرَحٍ مَعَ أنَّهُم كَانُوا قَد صَرَفُوا حَياتَهُم كُلَّها في جَمْعِها. وَهَذا أَمْرٌ لم يُفَكِّرُوا يَومًا في القِيامِ بِهِ قَبلَ خَلاصِهم، ولكِنَّهُ صَارَ شَيئًا يَتوقونَ إلى القِيامِ بِهِ بَعدَ ذلكَ الخَلاص.

وَقد قَالَ يَسوعُ المَزيدَ عَن مَوضوعِ المَالِ هَذا. فَقد تَحَدَّثَ في إنجيل لُوقا والأصحاحِ الثَّاني عَشَر تَحديدًا عَن رَجُلٍ غَنِيٍّ. وَنَحنُ لا نَعلَمُ كَيفَ صَارَ هَذا الرَّجُلُ غَنِيًّا، ولكِنَّنا لَسنا بِحاجَةِ إلى التَّخمينِ بأنَّهُ عَاشَ حَياةً غَيرَ نَزيهَةٍ البَتَّة. وَلا شَكَّ في أنَّهُ كَانَ يَسْتَغِلُّ النَّاسَ أو يَفعلُ شَيئًا مِن هَذا القَبيل. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ كَانَ يَذهبُ إلى المَجمَعِ كُلَّ أسبوع. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ كَانَ على غِرارِ الكَثيرِ مِن رِجالِ الأعمالِ الآخرين. فَقد كَانَ مُنشَغِلاً بالقِيامِ بِعَملِه. ورُبَّما كَانَ يَذهبُ إلى الهَيكَلِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في السَّنة في الأعيادِ الخَاصَةِ، وأنَّهُ كَانَ يَدفَعُ عُشورَهُ، وَأنَّهُ كَانَ يُصَلّي كَما كَانَ يَفعلُ أغلبيَّةُ اليَهودِ وَيُرَدِّدُ صَلاةً مُعَيَّنَةً في أوقاتٍ مُحَدَّدَةٍ مِنَ النَّهار.

فَقَد كانَ يَبدو في الظَّاهِرِ رَجُلاً يَعمَلُ جَاهِدًا على إنجاحِ مَشروعِهِ التِّجارِيّ. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فَهُوَ "رَجُلُ أعمالٍ" وَحَسْب. وَهُوَ يَفعلُ مَا يَفعلُهُ جَميعُ رِجالِ الأعمال. وَهُوَ يَصِلُ إلى نُقطَةٍ في مَشروعِهِ التِّجارِيِّ يُريدُ فيها [على غِرارِ جَميعِ رِجالِ الأعمالِ الآخرينَ] أن يُوَسِّعَ مَشروعَهُ. لِذا فإنَّهُ يَقول: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ". بِعبارةٍ أخرى: "إنَّ مَخازِني صَغيرةٌ جدًّا، ولا يُمكِنُني أن أَضَعَ في مَخازِني كُلَّ بِضاعَتي"، أو: "إنَّ مَكتَبي صَغيرٌ جدًّا ولا يَستوعِبُ جَميعَ مَندوبي المَبيعاتِ في هذا المَكانِ الصَّغير. لِذا، أنا بِحاجَةٍ إلى مَكانٍ جَديد".

أو: "أنا بِحاجَةٍ إلى أُسطولٍ جَديدٍ مِنَ الشَّاحِناتِ للقِيامِ بِما أنوي القِيامَ بِه"، أو: "أنا بِحاجَةٍ إلى عَددٍ أكبر مِن مَندوبي المَبيعات، وبِحَاجةٍ إلى فَتْحِ مَكتَبٍ في مَدينةٍ أخرى". وَهَذا كُلُّهُ جُزء مِنَ التَّوَسُّعِ الطَّبيعيِّ في التِّجارة. ولكِنْ لماذا فَعَلَ ذلك؟ لِكَي يَصِلَ يَومًا إلى نُقطَةٍ يَقولُ فيها لِنَفسِه: "اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي".

والآن، هَل هُناكَ خَطأٌ في ذلك؟ فَلا يُوجَدُ خَطأٌ في الأكل. والكَثيرونَ مِنكُم شُهودُ عِيانٍ على أنَّ الطَّعامَ شَيءٌ مُبهِج. فَلا يُوجَدُ خَطأٌ في أنْ نَأكُلَ شَيئًا مَا، وَلا يُوجَدُ خَطأٌ في أن نَشرَبَ شَيئًا مَا، وَلا يُوجَدُ خَطأٌ في أن نَفرَح. فأنا أرجو أن تَكونوا فَرِحينَ، واللهُ يُريدُ مِنكُم أن تَكونوا فَرِحين. وأنا أرجو أن تَكونَ حَياتُكُم مُفعَمَةً بالفَرَح، وأرجُو أن تَكونَ كُلُّ الأشياءِ الَّتي وَضَعَها اللهُ في هذهِ الخَليقَةِ الرَّائعةِ لِكَيْ نَتَمَتَّعَ بِها... أرجو أن تَتَمَتَّعُوا بها. فَلا يُوجَدُ أيُّ خَطأٍ في أن نَأكُل.

لا يُوجَدُ خَطأٌ في ذلك. إذًا، مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ هُنا؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ التَّقاعُد. هَذا هُوَ كُلُّ مَا يَتحدَّثُ عَنه. "كُلُّ مَا أريدُ أنْ أفعَلَهُ هُوَ أن أذهبَ إلى مَكانٍ لَستُ بِحاجَةٍ فيهِ إلى إدارَةِ هَذا المَشروع". وأنا أَتَفَهَّمُ ذلك. والجَميعُ يَتَفَهَّمونَ ذلك. فَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ المَسؤوليَّاتِ عِندَ إدارَةِ مَشروعٍ تِجارِيّ. "أريدُ فقط أن أُوَسِّعَ مَشروعي لِكَي يُدِرَّ رِبْحًا أكثر. فأنا أُريدُ أنْ أَحصُلَ على مَالٍ أكثر لكي أَضَعَ العَمَلَ جَانِبًا وَأتقاعَدَ مُبَكِّرًا". هَذا هُوَ الحُلْمُ الأمريكيُّ مَذكورٌ في لُوقا 12. هَذا هُوَ كُلُّ مَا في الأمر. فَأنتَ تُريدُ أن تَجمَعَ ثَروةً كَافِيَةً في وَقْتٍ مُبَكِّرٍ لكي تَتَمَتَّعُ بحياتِكَ وَتَقضي وَقتًا مُمتِعًا. هَذا هُوَ مَا أرادَ أن يَفعلَهُ.

وَما الَّذي قَالَهُ اللهُ لِذلكَ الرَّجُل؟ "يَا غَبِيُّ!" ولماذا قَالَ لَهُ ذلك؟ هَل تَكونُ غَبِيًّا إنْ وَسَّعْتَ مَشروعَكَ التِّجارِيّ؟ لا! بَلْ إنَّهُ قَالَ لَهُ: "يَا غَبِيٌّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ". يا غَبِيّ! سَوفَ تَموت. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ لَهُ. فمُشكِلَتُكَ هِيَ أنَّكَ اهْتَمَمْتَ بِحياتِكَ هُنا، ولكِنَّكَ لم تَفعل أيَّ شَيءٍ للاهتِمامِ بِحَياتِكَ هُناك. وَسَوفَ تَذهَبُ إلى هُناكَ في هَذهِ اللَّيلَة. هَذِهِ هِيَ الغَباوَة. ولكِنْ لا تُوجدُ غَباوَةٌ في تَوسيعِ مَشروعِكَ التِّجاريّ. اسمَعوني: صَلاتي هِيَ أنْ تَكونَ كُلُّ المَشاريعِ التِّجارِيَّةِ لأعضاءِ كَنيسةِ النعمة (Grace Church) نَاجِحَةً جدًّا ومُزدهرة. فَهذا شَيءٌ رَائِع. وَمِنْ حَقِّنا تَمامًا أن نَعمَلَ بِجِدٍّ لكي تَكونَ مَشاريعُنا التِّجارِيَّةُ قَويَّةً، أو أن نَفعلَ كُلَّ مَا نَقدِرُ عليهِ لكي نَنجَحَ في مَشاريعِنا.

ولكِنَّ مُشكلةَ هَذا الرَّجُلِ تَكْمُنُ في أنَّهُ كَانَ غَبِيًّا لأنَّهُ لم يَستَعِدّ للحَياةِ الآتِيَة. هذهِ هِيَ المُشكلة. فَقد فَعَلَ كُلَّ مَا يَلزَم للاستِعدادِ للحَياةِ على الأرض، ولكِنَّهُ لم يَستَعِدّ للحَياةِ الآتِيَة. وَهذهِ هِيَ الغَباوَةُ هُنا. وَقَد وَضَّحَ يَسوعُ ذلكَ في العَدد 21 مِن لُوقا 12. فَقد قَال: "هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا لله". فَهُوَ لا يَفعَلُ أيَّ شَيءٍ بخصوصِ عَلاقَتِهِ بالله. وَهُوَ لا يَكنِزُ لَهُ كَنزًا رُوحِيًّا. وَهَذِهِ هِيَ الغَباوَةُ في ذلك. أَسِّسْ مَشروعَكَ، يا صَديقي، أَسِّسْهُ. وَأَسِّس شَرِكَتَكَ. وَأَسِّس مُستقبَلَكَ الوَظيفيَّ. وَكُن نَاجِحًا. وافعَل مَا يَنبغي أن تَفعل. وكُن غَنِيًّا لله. استَثمِر في الأبديَّة.

مِن جِهَةٍ أخرى، نَقرأُ في إنجيل مَرقُس والأصحاح 12 أنَّ يَسوعَ التَقى أرمَلةً فَقيرةً لا تَملِكُ مَشروعًا تِجارِيًّا، ولا تَملِكُ أيَّ شَيءٍ في الحَقيقة. فَقد كانَ كُلُّ مَا في حَوْزَتِها فَلْسانِ نُحاسِيَّانِ صَغيران... صَغيرانِ جدًّا. والحقيقةُ هِيَ أنِّي عُدْتُ مِن رِحلَتي السَّابقةِ إلى إسرائيل وَأَحضرتُ مَعي عَددًا مِنَ القِطَعِ النَّقديَّةِ الحَقيقيَّةِ الَّتي أَلْقَتْها تِلكَ الأرمَلَةُ والَّتي عَثَرُوا عليها في الحَفريَّاتِ الأثريَّة. وَهِيَ قِطَعٌ نُحاسِيَّةٌ صَغيرةٌ جِدًّا مُتواضِعَةٌ جدًّا في قِيمَتِها. وَقد قالَ يَسوعُ: "هَذا هُوَ كُلُّ مَا عِنْدَهَا". وَقد أَلْقَتْهُ كُلَّهُ. فَقد أعطَتِ الكُلَّ. فقد جَاءَت لِتَعبُد الرَّبَّ وَأعطَتْ كُلَّ مَا عِندَها. فقد وَضَعَتْ الفَلْسَيْنِ في صُندوقِ العَطاءِ في الهَيكَل.

وَقد دَعا يَسوعُ تَلاميذَهُ إليه. ورُبَّما ظَنُّوا أنَّهُ سيَقولُ: "أَتَرَوْنَ تِلكَ الأرمَلَة؟ إنَّها غَبِيَّة لأنَّها لا تَملِكُ الآنَ أيَّ شَيء". ولكِنَّهُ لم يَقُل ذلك. فَهُوَ لم يَقُل: "أتَعلَمونَ أنَّها رُبَّما فَعَلَتْ ذلكَ عَاطِفِيًّا فقط بسببِ شُعورِها بالذَّنبِ مِن خَطايا. لِذا فقد ظَنَّتْ أنَّهُ يَجِبُ عليها أن تَضَعَ كُلَّ مَا عِندَها في ذلكَ الصُّندوق". ولكِنَّهُ لم يَقُل ذلكَ أيضًا. فَهُوَ لم يُشَكِّكْ قَطّ في حِكْمَةِ مَا فَعَلَتْه. وَهُوَ لم يُشَكِّكْ قَطّ في الدَّافِعِ مِمَّا فَعَلَتْه. والحَقيقُة هِيَ أنَّهُ مَدَحَها دُونَ تَرَدُّد.

فَقد قَالَ للتَّلاميذ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ، لأنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا". وَقَد قَالَ يَسوعُ إنَّ تِلكَ المَرأة حَكيمة وَنَموذَج يُحتَذَى للتَّلاميذِ وَلَنا جَميعًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّها صَارَتْ على مَرِّ العُصورِ نَموذَجًا للسَّخاءِ، والتَّكريسِ، والعَطاءِ المُضَحِّي.

إذًا، لَقد قَالَ يَسوعُ عَنِ الرَّجُلِ الغَنِيِّ إنَّهُ غَبِيٌّ، وَقالَ عَنِ المَرأةِ الفَقيرةِ إنَّها حَكيمَة. فَمِنَ الأفضَلِ أنْ تَحصُلَ على كُلِّ شَيءٍ في السَّماءِ عِوَضًا عَنِ الحُصولِ على كُلِّ شَيءٍ هُنا وَعَدَمِ الحُصولِ على أيِّ شَيءٍ هُناك. أليسَ كذلك؟ ومِن خِلالِ دِراسَةِ زَكَّا، ودِراسَةِ الرَّئيسِ الغَنِيِّ الشَّابِّ، والأرملةِ الفَقيرةِ، والغَنِيِّ الغَبِيِّ، والكَثيرِ مِنَ الأشياءِ الأخرى الَّتي قَالَها يَسوعُ، يُمكِنُكم أن تُدركوا أنَّ مَا تَفعلونَهُ بأموالِكُم هُوَ اختبارٌ حَقيقيٌّ لِحَالَتِكُم الرُّوحيَّة. فَهُوَ مِقياسٌ لِحَياتِكُم الرُّوحيَّة. وَكَما قَالَ أَحَدُ الكُتَّاب: "المَالُ هُوَ سِيرَتُكَ الذَّاتِيَّة". فَهُوَ يَسرُدُ قِصَّةَ حَياتِك.

والآن، في تِلكَ القِصَّةِ عَنِ الأرملةِ الفَقيرةِ في إنجيل مَرقُس والأصحاح 12، هُناكَ مُلاحَظةٌ مَدهشةٌ جدًّا في نِهايةِ الأصحاحِ، أو بالقُربِ مِن نِهايَةِ الأصحاح – في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن إنجيل مَرقُس والعَدد 41. استَمِعُوا إلى مَا جَاءَ في هذهِ الآية: "وَجَلَسَ يَسُوعُ تُجَاهَ الْخِزَانَةِ، وَنَظَرَ كَيْفَ يُلْقِي الْجَمْعُ نُحَاسًا فِي الْخِزَانَةِ". أَليست هذهِ الجُملةُ مُدهشةً؟ فقد كانَ يَسوعُ في مِنطَقةِ الهَيكل، وعلى جَبلِ الهَيكل، وعلى أرضِ الهَيكَل. وَقد وَجَدَ مَكانًا يَجلِسُ فيه. وَقد جَلَسَ وَراحَ يُراقِبُ النَّاسَ وَهُمْ يُعطُون. وَهُناكَ أمورٌ كَثيرةٌ جدًّا نَتَعَلَّمَهُا. هُناكَ أمورٌ كَثيرةٌ جدًّا نَتَعَلَّمَهُا. فَالنَّصُّ لا يَقول: "وَكانَ يَسوعُ هُناكَ يَتَكَلَّمُ فَلَمَحَ شَخصًا يُعطي"، بَل يَقولُ إنَّهُ جَلَسَ هُناكَ بِقَصْدِ مُراقَبَةِ مَا يُعطيهِ النَّاس.

وَهَل تُريدونَ أن تَعلَمُوا شَيئًا؟ إنَّهُ مَا زَالَ يَفعلُ ذلك. وَقَد فَعلَ ذلكَ في هذا الصَّباحِ خِلالَ فَترةِ العَطاء. وَقد تَقول: "إنَّ مَا أفعَلُهُ بِمالي هُوَ أمرٌ يَخُصُّني وَحدي". لا، إنَّهُ ليسَ كذلك. فَهُوَ يَخُصُّهُ هُوَ. إنَّهُ يَخُصُّهُ هُوَ. فَيَسوعُ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في مَعرفةِ مَا تُعطيه لأنَّكَ تَكشِفُ عَن حَالَتِكَ الرُّوحيَّةِ مِن خِلالِ عَطائِك. وَلا أدري كَم كَانَ يَسوعُ قَريبًا مِنَ صُندوقِ العَطاءِ؛ ولكِنْ مِنَ الوَاضِحِ أنَّهُ كَانَ يَجلِسُ في مَكانٍ قَريبٍ لأنَّهُ تَمَكَّنَ مِن رُؤيةِ الأشخاصِ الَّذينَ أعطُوا مَبالِغَ كَبيرة، وَتَمَكَّنَ أيضًا مِن رُؤيةِ أنَّ أرملةً مَدَّتْ يَدَها المُرتَعِشَةَ على الأرجَحِ، وَذَات التَّجاعيدِ، والَّتي لَوَّحَتْها الشَّمسُ، وَأعطَتْ فَلْسَيْنِ صَغيرَيْن. فَقد كَانَ يَجلِسُ في مَكانٍ قَريبٍ أَتاحَ لَهُ على أقَلِّ تَقديرٍ أنْ يَعرِفَ أنَّها أَلْقَتْ فَلْسَيْنِ نُحاسِيَّيْن. ولكِنَّهُ مَا زَالَ يَنظُرُ، وما زَالَ يَجلِسُ في مَكانٍ قَريبٍ وَيَرى تَمامًا مَا نُعطيه. فَالأمرُ يَخُصُّهُ.

لِذا فإنَّ يَسوعَ يَجْرَحُنا وَيُضَمِّدُ جِراحَنا مِن خِلالِ كَلماتِهِ الَّتي يَقولُها عَنِ المَال. وَهُناكَ كَلامٌ آخر كَثير، ولَكِنِّي لَن أصرِفَ وَقتًا في قِراءَةِ كُلِّ تِلكَ الآياتِ على مَسامِعِكُم، بَل سَأكتَفي بِتَلخيصِ تَعليمِهِ كَما لَخَّصَهُ هُوَ في العِظَةِ على الجَبَل في الأصحاحِ السَّادسِ مِن إنجيل مَتَّى: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ [أيْ أنَّ تِلكَ الكُنوزَ فَانِيَة]، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا". هَذِهِ هِيَ خُلاصَةُ تَعليمِه.

فَإنْ كُنتَ تُنفِقُ كُلَّ أموالَكَ في هَذا العَالَمِ فإنَّ هَذا السُّلوكَ يُشيرُ إلى حَالَةِ قَلبِك. وَإنْ كُنتَ تُنفِقُ أموالَكَ في الدَّهْرِ الآتي، فإنَّ هَذا السُّلوكَ يُشيرُ أيضًا إلى حَالَةِ قَلبِك. وَإنْ كُنتَ تَهْتَمُّ بِما فَوق، لا بالأشياءِ الَّتي على الأرض، سَتُنفِقُ مَالَكَ في ذلكَ الاتِّجاه. لِذا فقد قُلتُ لَكُم في الأسبوعِ المَاضي: أَرِنِي دَفتَرَ شِيكَّاتِكَ فأُريكَ حَالَةَ قَلبِك. فَهُوَ يُعطينا خِيارًا. فَإمَّا أنْ نُبَدِّدَ المَالَ على الأرضِ وَنُبَدِّدَ مَعَهُ حَياتَنا، وَإمَّا أنْ نَستثمِرَ المَالَ في السَّماءِ وَنَحصُلَ على حَياةٍ أبديَّةٍ ذَاتِ مَغزَى. والفَرَحُ الحَقيقيٌّ مَوجودٌ هُناك.

لَقد قالَ "جون د. روكيفيلر" (John D. Rockefeller): "لَقد كَنَزْتُ مَلايينَ كَثيرة، ولكِنَّها لم تَجلِب لي السَّعادَة". وَقد قالَ "فاندربيلت" (Vanderbilt): "الجُهْدُ المَطلوبُ للعِنايَةِ بِمِئَتَي مَليون دولار يَكفي لِقَتلِ أيِّ إنسان. فَلا تُوجَدُ مُتعَةٌ في ذلك". وَقد قالَ "جون جيكوب آستور" (John Jacob Astor): "أنا أَتعَسُ إنسانٍ على الأرض". وَقد قالَ "هنري فورد" (Henry Ford): "لَقد كُنتُ أكثرَ سَعادَةً عِندما كُنتُ ميكانيكيًّا". وَقد قالَ "أندرو كارنيجي" (Andrew Carnegie): "أصحابُ المَلايينِ لا يَبتَسِمون". وَقد جَاءَ في الصَّحيفةِ الأمريكيَّةِ لِعِلْمِ النَّفس أنَّ "المَالَ يَزيدُ مِنْ خَطَرَ الانتحار". وَهُناكَ جُملةٌ وَرَدَتْ في مَقالَةٍ في إحدى الصُّحُفِ تَقولُ إنَّ الخَطَرَ يَزيدُ بِزيادَةِ المَوارِد. فكُلَّما زَادَت أموالُكَ، زَادَت فُرصَةُ أن تَقتُلَ نَفسَك.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الحَياةَ بُخارٌ يَظهَرُ قَليلاً ثُمَّ يَضْمَحِلّ. رُبَّما سَأعيشُ سِنينَ أخرى، وأنا سَعيدٌ لذلك؛ ولكِنَّ الحَياةَ الأبديَّةَ لا تَنتهي. والكُنوزُ المَوجودَةُ هُناكَ هِيَ الَّتي تَعنيني، لا الكُنوز الأرضيَّة. ولكِنْ تَذَكَّروا مَرَّةً أخرى أنِّي لا أقولُ إنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا جَميعًا أن نَكونَ فُقراءَ جدًّا، بل أنا أُوْمِنُ بأنَّهُ أعطانا كُلَّ شَيءٍ بِغِنَى للتَّمَتُّع. وَهُناكَ أسبابٌ كَثيرةٌ تَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّهُ لو أنَّ الإنسانَ الغَنِيَّ استَمَرَّ في مَشروعِهِ التِّجاريِّ بِنَجاحٍ وَكَانَ قَنوعًا في هذهِ الحَياةِ وَغَنِيًّا تُجاهَ اللهِ لَكانَ اللهُ رَاضِيًا عَن ذلك. ولكِنَّنا نُحْسِنُ صُنْعًا إنْ تَعَلَّمْنا مِن تِلكَ الأرملةِ أيضًا أنَّ اللهَ يَتوقَّعُ تَضحِيَةً أعظَم في مَجالِ عَطائِنا. وَعَطاؤُنا مُرتَبِطٌ ارتباطًا مُباشِرًا بِحَالَتِنا الرُّوحيَّةِ هُنا وفي الأبديَّةِ أيضًا.

إذًا، هذهِ هِيَ بِضعةُ أمورٍ رَئيسيَّة عَلَّمَها يَسوعُ عَنِ المَال. وَهَذا يَنسَجِمُ مَعَ تِلكَ النُّقطةِ الأولى الَّتي ذَكَرتُها لَكُم في الأسبوعِ المَاضي عَن أخلاقِيَّاتِ المَال. فالمَالُ مُحايِدٌ؛ ولكِنَّهُ لا يَبقى كذلكَ فَترةً طَويلةً لأنَّ مَا تَفعَلُهُ بِهِ يَصيرُ مُؤشِّرًا على التِزامِكَ الرُّوحيِّ أو عَدَمِهِ. لِذا فقد تَحَدَّثنا عن أخلاقِيَّاتِ المَالِ في المَرَّةِ السَّابِقَة. وقدِ ابتدأنا في التَّحدُّثِ عَن مَحبَّةِ المَال. لِنتحدَّث أكثر عَن مَحبَّةِ المَالِ في هَذا الصَّباح. وسَوفَ أَقولُ أُمورًا عَلى سَبيلِ تَذكيرِكُم وَحَسْب. فَلا يُوجَدٌ شَيءٌ عَميقٌ جدًّا، ولكِنَّها أُمورٌ عَمليَّةٌ جدًّا ومُبَكِّتَةٌ إلى حَدٍّ مَا.

نَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 6: 10 أنَّ: "مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُور". فَالمَالُ في ذاتِهِ ليسَ أَصْلَ كُلِّ الشُّرور، بَل إنَّ مَحَبَّتَهُ هِيَ كذلك. وَهُناكَ أشخاصٌ لَديهِم أموالٌ كَثيرةٌ وَلا يُحِبُّونَها، وَهُناكَ أشخاصٌ لا يَمْلِكونَ المَالَ ولكِنَّهُم يُحِبُّونَهُ بِجُنون. فَمَحَبَّةُ المَالِ هِيَ المُشكلة. وَمَحَبَّةُ المَالِ تُؤدِّي إلى أمورٍ كَثيرة. واسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بِما قُلناهُ قَبلَ أن نُكمِلَ حَديثَنا. أولاً، مَحَبَّةُ المَالِ تَجلِبُ المَتاعِب. فعندما تُحِبُّ المَالَ، وَتَرغَبُ في الحُصولِ على المَال، ويَصيرُ دَافِعُكَ الوَحيدُ هُوَ المَال، وتُحاوِلُ أن تَصيرَ غَنِيًّا، وَأنْ تَحصُلَ على المَزيدِ مِنَ المَالِ، وأنْ تَصيرَ ثَرِيًّا فَإنَّكَ عِوَضًا عَن أنْ تَهتَمَّ بِإتقانِكَ للأشياءِ الَّتي تَفعلُها، سَتَهتَمُّ فقط بالمَبلَغِ الَّذي سَتَحصُلُ عَليهِ عِندَ قِيامِكَ بِتِلك الأعمال.

وَنَقرأُ في العَدَدِ التَّاسِعِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ السَّادس: "وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَك". ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ العَاشِر عَنِ المَال: "...الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ". بأوجاعٍ كَثيرة. لِذا فإنَّ أصحابَ المَلايينِ لا يَبتَسِمون. فَالمالُ يَجلِبُ كُلَّ أنواعِ المَشاكِل والقَلَق والأرَق وَالتَّجارِب والفِخاخ.

ثَانيًا، لَقد قُلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ مَحَبَّةَ المَالِ تَجعَلُكَ تَنسَى الله. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا كُنَّا نَتحدَّثُ عَمَّا جَاءَ في سِفْرِ الأمثال والأصحاحِ الثَّلاثين إذْ نَقرأُ: "لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى". لِماذا؟ "لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟» أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلاً". فأنا لا أريدُ أكثرَ مِن حَاجَتي. وأنا لا أريدُ أقَلَّ مِن حَاجَتي. فأنا لا أريدُ أن يَكونَ لَدَيَّ مَالٌ يَزيدُ عَن حَاجَتي فَأتَّكِلُ على غِنايَ وَأنسَى الله. فَمَحَبَّةُ المَالِ قَد تَقودُ النَّاسَ إلى نِسيانِ الله. فَما حَاجَتُهُم إلى الله؟ فَهُم يَملِكونَ كُلَّ شَيء. وَهُم يُديرونَ حَياتَهُم بأنفسِهم. فَكُلُّ مَا يَلزَمَهُم مَوجودٌ في المَصرِف. وَهُناكَ الكَثيرُ لَديهم. فَلا يُوجَد اتِّكالٌ على الله.

وَهَذا يُذَكِّرُني بِقِصَّةِ "سي. تي. ستد" (C.T. Studd)، ذلكَ الرِّياضِيِّ الفَذِّ والعَظيمِ الَّذي كَانَ يَلعَبُ الكريكيت في إنجلترا. وَهُوَ لاعِبٌ مِنَ الطِّرازِ العَالَمِيِّ، ومَشهورٌ على مُستوى العَالَم. ولكِنَّهُ شَعَرَ بِدعوةِ اللهِ لحياتِهِ بأن يَذهبَ إلى حَقلِ الخِدمَةِ الإرسالِيَّة. وَقد كَانَ مِن عَائلةٍ غَنِيَّةٍ جدًّا. وَقد وَرَثَ مَالاً مِن عَائِلَتِهِ وَثَروةً هَائلةً فَشَعَرَ أنَّ ذلكَ المَالَ سَيُعيقُ حَياتَهُ الرُّوحيَّة. لِذا فَقد تَبَرَّعَ بِكُلِّ جُزءٍ مِن ثَروَتِهِ قَبلَ ذَهابِهِ إلى حَقلِ الخِدمَةِ الإرسالِيَّةِ وَذَهَبَ إلى حَقلِ الخِدمَةِ الإرسالِيِّ دُونَ أنْ يَستَنِدَ إلى أيِّ شَيءٍ سِوى اتِّكالِهِ على الله. فَقد خَشِيَ أنْ يَنسَى اللهَ وَأنْ يَتَّكِلَ على أموالِه.

والآن، لِنُكمِل حَديثَنا. الشَّيءُ الثَّالثُ الَّذي أَوَدُّ أن أقولَهُ عَن مَحبَّةِ المَالِ هُوَ أنَّهُ عندما تُحِبُّ المَالَ فإنَّكَ تَبتَدِئُ في الاتِّكالِ عَليه. وَهَذا هُوَ مَا كُنَّا نَتحدَّثُ عَنه. فَأنتَ لا تَنسى اللهَ فقط، بَل إنَّ تَفكيرَكَ كُلَّهُ يَنْصَبُّ على المَال. فَحينئذٍ قَد تَقول: "لَيسَ لَديَّ شَيءٌ يُقلِقُني. أنا في وَضْعٍ مُمْتازٍ، وَكُلُّ شَيءٍ رَائِعٌ في حَياتي. فَحِسابي المَصرِفِيُّ في وَضعٍ استِثنائِيٍّ، وأنا مُستَعِدٌّ لمُواجَهَةِ كُلِّ مُعضِلَةٍ قَد تَظهَرُ في المُستقبَل. فَقد حَسَبْتُ حِسابَ كُلِّ شَيءٍ، ويُمكِنُني أن أشتَري مَا أريد وَأنْ يَبقى مَعي المزيد. يُمكِنُني أن أعتَني بنفسي. فأنا لَديَّ كُلُّ مَا يَلزَمُني مِنَ المَالِ للأيَّامِ الصَّعبَة. وأنا مَحْمِيٌّ مِن كُلِّ جِهَة".

ولكِنْ حِينئذٍ يَنبغي لكَ أن تَسألَ نَفسَكَ: هَل أتَّكِلُ على اللهِ أَم أَتَّكِلُ عَلى ثَروَتي؟ والآن، أنا لا أقولُ إنَّهُ مِنَ الخَطأِ أن يَكونَ لَديكَ حِسابُ تَوفير. وَسَوفَ نَتحدَّثُ عَن هذا الأمرِ في الأسبوعِ المُقبِل. وأنا لا أقولُ إنَّهُ مِنَ الخَطأِ أنْ تَكونَ لَديكَ بُوليصَة تَأمين. ولكِنَّ مَا أقولُهُ هُوَ أنَّهُ عندما تُحِبُّ المَالَ، سَوفَ تَبتَدِئُ في الاتِّكالِ على المَالِ لا على الله. وَفي سِفْرِ أيُّوب والأصحاحِ الحادي والثَّلاثين، كَانَ أيُّوبُ يَعلَمُ مَعنى أنْ يَحصُلَ على المَالِ وَمَعنَى أنْ يَفقِدَهُ. وَنَقرأُ في سِفْرِ أيُّوب 31: 24 وَما يَليه: "إِنْ كُنْتُ قَدْ جَعَلْتُ الذَّهَبَ عَمْدَتِي... إِنْ كُنْتُ قَدْ فَرِحْتُ إِذْ كَثُرَتْ ثَرْوَتِي... أَكُونُ قَدْ جَحَدْتُ اللهَ مِنْ فَوْقُ". فإنِ اتَّكَلْتُ على غِنايَ فإنِّي لَستُ مُتَّكِلاً على الله.

ويُمكِنُني أن أقولَ لَكُم بأمانَةٍ إنِّي أريدُ أن أعيشَ حَياتي مُتَّكِلاً على اللهِ لأنِّي أَفرَحُ جِدًّا حينَ أرى اللهَ يَعمَلُ في ذلكَ الوقت. والرَّبُّ يَصنَعُ أُمورًا رَائِعَة. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 11: 28: "مَنْ يَتَّكِلُ عَلَى غِنَاهُ يَسْقُطْ". وَهُناكَ تَرجَمَةٌ اخْتَارَتْ أنْ تُترجِمَ هذهِ الآيَةَ هَكذا: "اتَّكِل عَلى غِناكَ فَتَتَدَحْرَج إلى أسفَل". وَبَقِيَّةُ الآيَةِ تَقول: "أَمَّا الصِّدِّيقُونَ فَيَزْهُونَ كَالْوَرَق".

وَنَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس... وَهُوَ النَّصُّ الَّذي قَرأنا مِنهُ قَبلَ قَليل... نَقرأُ في العَدد 17: "أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ أَنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا، وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَيِّ". اتَّكِلُوا على اللهِ الحَيِّ. وَهُوَ يَقولُ لاحِقًا: "[أَوْصِ الأغنياءَ] أَنْ يَصْنَعُوا صَلاَحًا، وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيع" (في العَدد 18). ولكِنْ مِنَ المُحزِنِ أحيانًا أنَّهُ كُلَّما زَادَ المَالُ الَّذي بِحَوزَةِ النَّاسِ، قَلَّ استِعدادُهم للانفصالِ عَنه. فَيَبدو أنَّ الغِنَى يُعيقُ رُؤيَتَهُم فَيَميلونَ إلى الانعِزال.

فالنَّاسُ الأغنياءُ يَميلونَ أكثر فأكثر إلى العُزلةِ لأنَّ عَالَمَهُم يَصيرُ مَعزولاً أكثر فأكثر، وَلأنَّ الجُدرانَ المُحيطَةَ بمنازِلِهم تَصيرُ أكثر سُمْكًا، وَلأنَّ الأسوارَ المُحيطةَ بِحَديقَةِ مَنزِلِهِم تَصيرُ أعلى فَأعلى، وَلأنَّ عَالَمَهُم المَعزولَ لا يَتَلامَسُ مَعَ الأشخاصِ الَّذينَ يُعانونَ في أَتْفَهِ أمورِ الحَياة. لِذا فإنَّهُم يَنفصلونَ عَنِ المُحتاجين، ويَنشَغِلونَ في الاختلاطِ بالأشخاصِ غَيرِ المُحتاجين. فَمِنَ السَّهلِ أن تَفقِدَ نَظرَتَكَ السَّليمَةَ للأمور. وَمِنَ السَّهلِ أن تَبتَدِئَ في الاتِّكالِ عَلى أموالِكَ عِوَضًا عَنِ الاتِّكالِ على الله.

وَهُناكَ فِكرةٌ رَابِعَةٌ بخصوصِ مَحبَّةِ المَالِ وَهِيَ أنَّهُ مِنَ السَّهلِ أن تُخدَع. فالمَالُ يَخْدَعُ الإنسانَ جدًّا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الآيةَ مَرقُس 4: 19 تَتَحَدَّثُ عن ذلك. كَما أنَّ إنجيلَ مَتَّى يَتحدَّثُ أيضًا عن ذلكَ في الأصحاح 13. فَهُما يَتحدَّثانِ عَن غُرورِ الغِنَى الَّذي يَخنُقُ الكَلِمَة. فالغِنَى كِذْبَة. وَهُوَ يَخدَعُ النَّاس. فعندما تَمْلِكُ المَالَ، قَد تَنخَدِعُ بسهولَةٍ وَتَظُنُّ أنَّكِ تَملِكُ كُلَّ شَيء. فَهُوَ يُغويكَ ويَخدَعُكَ ويَجعلُكَ تَظُنُّ أنَّ كُلَّ شَيءٍ على مَا يُرام في حَياتِك. وَحَتَّى إنَّ هُناكَ أُناسًا قَد يُفَكِّرونَ في هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يَجولونَ ويَكرِزونَ بإنجيلِ الرَّخاءِ ويقولونَ إنَّهُ إنْ كُنتَ غَنِيًّا فإنَّ هَذا يَعني أنَّ اللهَ يُحِبُّكَ مَحَبَّةً خَاصَّةً جدًّا، وَأنَّكَ تَحظَى بِمَكانَةٍ مَرموقَةٍ عِندَ الله لأنَّهُ يُوجَدُ لَديكَ مَالٌ كَثير. لِذا، لا بُدَّ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَسيرُ على مَا يُرام في حَياتِك.

وَما أعنيه هُوَ أنَّكَ إذا ذَهبتَ إلى شَخصٍ وقُلتَ لَهُ: "أريدُ أن تَعلَمَ وَحَسْب أنَّ هَذا الشَّخصَ مُعَلِّمُ كَاذِب"، لا تَتَعَجَّبْ إنْ قَالَ لَكِ إنْ كَانَ يَنتَمي إلى تِلكَ الحَرَكَةِ؛ أيْ إنْ كَانَ يَنتَمِي إلى حَرَكَةِ إنجيلِ الرَّخاء: "كَيفَ تَقولُ إنَّهُ مُعَلِّمٌ كَاذِب في حين أنَّ اللهَ جَعَلَهُ غَنِيًّا جدًّا؟ لا شَكَّ في أنَّ اللهَ رَاضٍ عَنه". فالغِنَى قَد يَخدَعُكَ بشأنِ الحَقيقةِ الرُّوحيَّة. وَالمَالُ قَد يَخدَعُكَ بشأنِ مَا إذا كُنتَ أو لم تَكُن مُبارَكًا. والغِنَى قَد يَسلِبُكَ قَلبَكَ. وَقد يَخدَعُكَ بشأنِ الأمورِ المُهِمَّةِ في الحَياة.

وَهُناكَ نُقطَةٌ أخرى وَهِيَ أنَّ مَحَبَّةَ المَالِ قَد تَقودُ الإنسانَ إلى نُقطَةٍ يُساوِمُ فيها على مُعتقداتِه، ويُساوِمُ فيها على الكتابِ المقدَّسِ، ويُساوِمُ فيها على الكَلِمَة. فَقد قِيلَ إنَّ لِكُلِّ شَخصٍ سِعْر. وأعتقدُ أنَّنا جَميعًا سُئِلْنا هَذا السُّؤال: "مَا هُوَ سِعرُك؟" وَهَذا هُوَ السِّعرُ الَّذي تُساوِمُ فيهِ عَلى مُعتقداتِك. وَهَذا يُشبِهُ قِصَّةَ الكَاتِبِ الَّذي حَضَرَ حَفْلَ عَشاءٍ في نيويورك في فُندُقٍ فَاخِرٍ وَفَخْمٍ في نيويورك. وَكَانَ يَجلِسُ بجانِبٍ امرأةٍ جَميلة. وَقد فُتِنَ بِجمالِها حَتَّى إنَّهُ لَم يُبعِد عَينيهِ عَنها.

وأخيرًا، اقتَرَبَ مِنها في أثناءِ العَشاءِ وَسألَها إنْ كَانَت على استِعدادٍ لِقَضاءِ اللَّيلةِ مَعَهُ مُقابِلَ مِئَةِ ألفِ دُولار. وبَدَلاً مِن أن تَعتَرِضَ، نَظَرَت إلى أسفَل، ثُمَّ نَظَرَت إليهِ وَقالت: "سَأُجيبُكَ بِخَجَلٍ وَأقول: أجل!" فَرَدَّ عَليها قَائِلاً: "وَهَل أنتِ مُستَعِدَّة لِقَضاءِ اللَّيلةِ مَعي مُقابِلَ عَشْرَة دُولارات؟" فَرَدَّت قَائِلَةً: "مَاذا تَظُنُّني؟" فَقال: "لَقد كَشَفْتِ للتَّوّ عَن حَقيقَتِكِ؛ ونَحنُ نَتفاوَضُ الآنَ على السِّعر".

وأعتقدُ أنَّ كُلَّ شَخصٍ في العَالَمِ لَهُ سِعْر. ولكِنْ لا يَجوزُ أن يَكونَ للمُؤمِنينَ سِعْر. فَهُناكَ أشخاصٌ مُستَعِدُّونَ للكَذِبِ في سَبيلِ الحُصولِ على تَرقِيَة في العَمل. وهُناكَ أشخاصٌ مُستعِدُّونَ لِتَزويرِ مَجموعَةٍ مِنَ المُستنداتِ أوِ الأوراق. وهُناكَ أشخاصٌ لا يَشهَدونَ عَنْ يَسوعَ لِكَي يَنالُوا الشُّهرة. وَهَذا يَعني أنَّهُم يَبيعونَ أنفسَهُم. وَهُناكَ أشخاصٌ يَبيعونَ أنفسَهُم لِمُجَرَّدِ أن يَظهَروا بِمَظهَرِ المُثَقَّفين. وهُناكَ أشخاصٌ يَبيعونَ أنفسَهُم لكي يَحصُلوا على مَنْصِبٍ، أو لِكَي يَنالوا القَبولَ عِندَ شَخصٍ مَعروفٍ أو مَشهورٍ أو مَا شَابَهَ ذلك.

وَمِنَ المُدهِشِ عَلى مَرِّ السِّنين أنَّني كُنتُ مَسؤولاً خِلالَ السِّنينَ المَاضِيَة عَن جَمْعِ الكَثيرِ مِنَ التَّبَرُّعات. ولم يَسْبِقْ لي أن فَكَّرْتُ (عندما كُنتُ شَابًّا مَدعُوًّا إلى الخِدمَةِ في كُليَّةِ اللاَّهوتِ) أنِّي سأكونُ مَسؤولاً ذَاتَ يَومٍ عَن جَمْعِ التَّبَرُّعات. فلم يُخبرني أحدٌ عَن ذلك. ولكِنَّ ذلكَ الأمرَ حَدَثَ، يا أحبَّائي، طَوالَ الوقتِ في حَياتي. فعندما تَكونُ رَاعي كَنيسة، تَبتَدِئُ بِمَكانٍ صَغيرٍ هُنا، ومَركِزٍ تَعليميٍّ هُناكَ، وتَكونُ لَديكَ قِطْعَةُ أرضٍ مُستخدَمَة لِتَربيةِ الدَّجاج.

فَقدِ اضطُرِرنا إلى جَمْعِ مَبلَغٍ ضَخْمٍ مِنَ المَالِ لِبناءِ هذهِ الكَنيسة. وَقد اضطُرِرنا إلى القِيامِ بذلكَ أيضًا لِتَطويرِ خِدمَتِنا الإذاعِيَّةِ وَخِدمَةِ تَسجيلِ العِظات. وَحَوْلَ العَالَمِ، هُناكَ خُدَّامٌ يَعمَلونَ حَولَ العَالَم. وَهُناكَ الجَامِعَةُ وكُليَّةُ اللاَّهوت. وفي الوقتِ الحَاضِرِ، أنا عَاكِفٌ على جَمْعِ التَّبَرُّعاتِ لِبناءِ مَبنى كُليَّةِ اللاَّهوتِ هُنا، وتَوسيعِ الجَامِعَة، وشِراءِ كَنيسةٍ مُجاورةٍ مِن أجلِ تَوسيعِ حَرَمِ الكَنيسَة.

وَهُناكَ دَائِمًا مَالٌ يَنبَغي جَمْعُهُ. لِذا فإنَّنا مَشغولونَ دائِمًا في القيامِ بذلك، والحَاجَةُ مُلِحَّةٌ دَائِمَة، وهُناكَ أزمَةٌ دَائِمًا. ولا يُوجَد فَاِئض. وَأنتَ تَركَعُ دَائِمًا وتُصَلِّي. وَبينَ الحِينِ والآخَر، يَأتي شَخصٌ وَيَقولُ لَكَ إنَّهُ مُستعِدٌّ لِتَوفيرِ المَالِ إنْ فَعلتَ كَذا أو كَذا. وَسَوفَ تُدهَشونَ عِندَما تَعلَمونَ عَددَ الأشخاصِ الَّذينَ سَألوني إنْ كُنتُ مُستَعِدًّا للتَّنازُلِ قَليلاً عَن مُعتقداتي أو حَتَّى أنْ أعْتَنِقَ وُجْهَةَ نَظَرٍ لاهُوتِيَّةٍ مُختلِفَة.

فَهَذا يَحدُث. وَهُوَ أمرٌ مُدهِش. ولو كُنتُ مُستعدًّا لِقَبولِ ذلك، وَتَغييرِ قَناعاتي بشأنِ مَا أُوْمِنُ بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُه، لَكانَ هُناكَ أشخاصٌ مُستعدُّونَ للتَّبَرُّعِ بَالمال. وهذهِ تَجرِبَة. أليسَ كذلك؟ فَهَذا امتِحانٌ لِرُؤيَةِ سِعْرِكَ الحَقيقيّ. ولكِنْ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ لَكَ سِعْر. فَلا يَجوزُ أن تَكونَ هُناكَ نُقطَةٌ في حَياتِكَ تُبدي فيها استِعدادَكَ للمُساوَمِة على مُعتقداتِكَ، أوْ للمُساوَمَةِ على مَا تَعلَمُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُهُ، أو على مَا تَعلَمُ أنَّ اللهَ يُريدُهُ، أو على مَا تَعلَمُ أنَّهُ صَحيحٌ بخصوصِ أيِّ شَيءٍ مَالِيٍّ أو أرضِيّ.

وَهُنا، يَنبغي لَكَ أن تَرجِعَ إلى الأصحاحِ السَّادِسِ مِن إنجيلِ مَتَّى وَأنْ تَطلُبَ أوَّلاً مَلَكوتَ الله. أليسَ كذلك؟ فَلا يُوجَد شَيءٌ يُضَاهِي ذلك. ولكِنْ عندما يُحِبُّ النَّاسُ المَالَ فإنَّهُم يَبيعونَ أنفسَهُم لأجلِ المَال. وَهُم يَتنازَلونَ عَن مُعتقداتِهم. وَهَذا يَحدُثُ طَوالَ الوَقت.

وَقد رَأيتُ خِدْماتٍ تَفعلُ ذلك. فَقد رَأيتُ خِدماتٍ كَبيرةً مَعروفَةً لَديها مُتَبَرِّعُونَ كِبار يَأتونَ وَيُرغِموهُم على تَغييرِ مُعتقداتِهم إنْ أرادُوا الحُصولَ على المَال. فَهذا أمرٌ شَائِعٌ جدًّا.

وَهُناكَ فِكرةٌ أخرى وَهِيَ أنَّ مَحَبَّةَ المَالِ قَد تَقودُكَ إلى البِناءِ على أساسٍ مُتَزعزِع. وَهَذا هُوَ مَا قُلناهُ قَبلَ قَليل. فَإنِ اتَّكَلْتَ على المَالِ سَتَسقُط. انظُروا إلى سِفْرِ الأمثال 23: 4-5 إذْ نَقرأُ أنَّهُ عِندَما تُثَبِّتُ عَينيكَ على الغِنَى فإنَّهُ يَزول. فالغِنَى "يَصْنَعُ لِنَفْسِهِ أَجْنِحَةً. كَالنَّسْرِ يَطِيرُ نَحْوَ السَّمَاء". فَهُوَ يَأتي وَيَمضي... يَأتي وَيَمضي... يَأتي وَيَمضي. فَهُوَ يَطَير. وعندما تُحاوِلُ أن تَبني حَياتَكَ على الغِنَى سَتَجِدُ أنَّهُ يُشبِهُ الرِّمالَ المُتَحَرِّكَة. وَهَذا يُشبِهُ بِناءَ نَاطِحَةِ سَحابٍ على الشَّاطِئِ مِن غَيرِ أساس. فَهذهِ حَماقَة. لِذا فإنَّ مَحبَّةَ المَالِ تَدفَعُكَ إلى بِناءِ حَياتِكَ على أساسٍ مُتَزَعزِع. والأساسُ الوَحيدُ الرَّاسِخُ هُوَ الحَقُّ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَمَجدُ الله.

وَهُناكَ نُقطةٌ أخرى: مَحَبَّةُ المَالِ قَد تَجعَلُكَ مُتَكَبِّرًا. فَهِيَ تَفعلُ ذلك. فَمِنَ الصَّعبِ عليكَ أن تَكْبَحَ غُرورَكَ عندما تَكونُ غَنِيًّا لأنَّ هُناكَ طُرُقًا كَثيرةً للتَّباهِي بِغِناك. فيُمكِنُكَ أن تَتَباهَى بِهِ مِن خِلالِ مَنزِلِكَ. ويُمكِنُكَ أن تَتَباهَى بِهِ مِن خِلالِ نَمَطِ حَياتِكَ، أو بِطُرُقٍ شَتَّى. فالمَالُ يَجعَلُكَ تَشعُرُ بالاكتفاءِ الذَّاتِيِّ، ويَجعَلُكَ تَشعُرُ بالتَّفَوُّق، ويَجعَلُكَ تَشعُرُ بأنَّكَ أعلى وأفضل مِنَ العَامَّةِ أوِ الأشخاصِ العَادِيِّين.

وَقد عَبَّرَ الأصحاحُ الثَّامِنُ مِن سِفْرِ التَّثنيةِ عَن ذلكَ بالكلماتِ التَّالِيَة: "اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ وَلاَ تَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ. لِئَلاَّ إِذَا أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ وَبَنَيْتَ بُيُوتًا جَيِّدَةً وَسَكَنْتَ، وَكَثُرَتْ بَقَرُكَ وَغَنَمُكَ، وَكَثُرَتْ لَكَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ، وَكَثُرَ كُلُّ مَا لَكَ، يَرْتَفِعُ قَلْبُكَ".

لا يُوجَدُ خَطأٌ في أن تَجعلَ أموالَكَ تَتكاثَر. فاللهُ لا يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تَشتَري مَنزِلاً جَيِّدًا. واللهُ لا يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تَعيشَ فيهِ أو إنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تَشتري فِضَّةً وَذَهَبًا. ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّهُ عندما يَحدُثُ ذلك، وتُحِبُّ ذلك، وتَنسَى اللهَ، يَكونُ قَلبُكَ قَد صَارَ مُتَكَبِّرًا. أمَّا إنْ كُنتَ تَرى أنَّ هَذا الغِنَى هُوَ نِعْمَةٌ مِنْهُ، وَاستَخدمَتَهُ لِمَجدِهِ، وَامتِدادِ مَلكوتِهِ، وَمُساعَدَةِ جَميعِ مَنْ هُم حَولَكَ وَمُبارَكَتِهم، فَإنَّ هذهِ هِيَ النَّظرَةُ الصَّحيحَة.

ولكِنَّ الآيَة أمثال 28: 11 مُحِقَّة بِقولِها: "اَلرَّجُلُ الْغَنِيُّ حَكِيمٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ". فَالغِنَى يَأتي مَصْحُوبًا بالكِبرياء. وَما لم تُعالِج ذلكَ الكِبرياء، يَكونُ الغِنَى قَد أوقَعَكَ في تِلكَ الخطيَّة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ إرْميا تَحَدَّثَ عَنِ المَالِ وَقالَ عَنِ الأغنياءِ: "أَنْتَ..." – فَقَد قَالَ عَنهُم، أوْ إنَّ الكلمة "أنتَ" بالحَرِيَّ تُشيرُ إلى الله. "أَنْتَ قَرِيبٌ فِي فَمِهِمْ وَبَعِيدٌ مِنْ كُلاَهُمْ". فَاهتِمامُهُم بِكَ سَطْحِيٌّ لأنَّ كُلَّ اهْتِمامِهِم مُنْصَبٌّ على المَال. فأنتَ تَعبُدُ اللهَ بِفَمِكَ، ولكِنْ لا يُوجَدُ لَهُ مَكانٌ في ذِهنِكَ وَلا في قَلبِك.

ثُمَّ إنَّنا سَنَذكُرُ نُقطَتَيْنِ أخيرَتَيْن. فعندما تُفَكِّرُ في المَالِ على أنَّهُ إلَهٌ لَكَ، وعندما تَعبُدُ المَالَ بِطَريقةٍ وَثنيَّةٍ أو تُحِبُّ المَالَ، تَكونُ قَدْ سَلَبْتَ الله. فَأنتَ لا تَفعَلُ الصَّوابَ، وَلا تُعطي مَا لله لله، بَل إنَّكَ تَسلِبُ الله. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر مَلاخي: "أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟" انظُروا! قَد يَبدو الأمرُ سَخيفًا عندما تُفَكِّرونَ فيه. فإنْ سَألَكَ أَحَدٌ السُّؤالَ التَّالي: "إنْ جَاءَ اللهُ إلى هُنا، هَل سَتَسلِبُهُ؟" لا أَظُنُّ ذلك! ففي المَقامِ الأوَّلِ، اللهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيء. لِذا فإنَّهُ يَعرِفُ مَا تَفعلُه. ثَانيًا، اللهُ كُلِّيُّ القُدرةِ. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ سَيَقتُلُني على الأرجَحِ إنْ حَاولتُ أن أسْلِبَهُ. لِذا فإنِّي لَنْ أسْلِبَهُ. وَإنْ كَانَ يَسوعُ هُنا... إنْ كَانَ يَسوعُ حَاضِرًا... إنْ كَانَ رَبُّنا هُنا وَمَعَهُ مَحْفَظَةٌ فيها نُقود، هَل يُعْقَلُ أن تَسلِبَ يَسوع؟ هَلْ تَمْزَح؟ أَسلِب يَسوع؟ إنَّها فِكرَةٌ مُرعِبَة! وَلا أَظُنُّ أنِّي أَجرُؤُ حَتَّى على التَّفكيرِ فيها.

هَل سَتَفعلُ ذلك؟ هَذِهِ هِيَ الغَايَةُ مِنَ السُّؤال. "أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللهَ؟" بِعبارةٍ أخرى، هَل هُوَ أحمَق، أَم أحمَق؟ "فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟" وَهُوَ يَرُدُّ عَليهم: "فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَة". فأنتُم لَم تُعْطُوني مَا يَنبغي، أو مَا هُوَ لِي... مَا هُوَ لِي. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ إِلَى الْخَزْنَةِ... وَجَرِّبُونِي... إِنْ كُنْتُ لاَ... أَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً". وَأنا أُحِبُّ ذلكَ لأنَّهُ كَانَ بِمَقدورِهِ أن يَقول: "هَاتُوا جَميعَ العُشورِ والتَّقدِمَةِ وَإلاَّ سَأقطَعُ رُؤوسَكُم". ولكِنَّهُ لم يَقُل ذلك. فَهُوَ يَقولُ ذلكَ بِنِعْمَةٍ وَإحسان: "هَاتُوها وَسَوفَ أفيضُ عَليكُم بَرَكَةً".

وَقد تَقول: "أريدُ أن أقولَ لَكَ شَيئًا وَاحِدًا. أنا لَم أَسْلِبِ اللهَ يَومًا. ليسَ أنا. لا يُمكِنُ أن أسْلِبَ يَسوع". حَقًّا؟ أَتَدري مَا الَّذي تَقولُهُ؟ أينَ تَحتَفِظُ بأموالِك؟ لا أدري! رُبَّما في مَصْرِف "غريت ويسترن سيفنجز" (Great Western Savings)، أو في مَصرِف "فيرست إنترستيت" (First Interstate Bank). أو رُبَّما تَحتَفِظُ بِها في خِزانَتِك، أو في جَيبِك، أو في صُندوقِ ادِّخار. لا أدري أين! ولكِنَّكَ تَحتَفِظُ بِها في المَكانِ الَّذي تَحتَفِظُ بِها فيه. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ ينبغي أن يَكونَ جُزءٌ مِنها في خَزْنَةِ الله. وإنْ لم يَكُنْ ذلكَ المَالُ هُناكَ تَكونُ قَد سَلَبْتَ الله. فعندما تُحِبُّ المَالَ فإنَّكَ تَسلِبُ الله. لِذا، عِندما تَسلِبُ اللهَ فإنَّكَ تَفعلُ ذلكَ لأنَّكَ مَاذا؟ تُحِبُّ المَال.

وَهُناكَ نُقطةٌ أخيرةٌ عَن مَحَبَّةِ المَال. فَأنتَ لا تَسلِبُ اللهَ فقط، بَل تَسلِبُ الآخرين. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يُوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالثِ آيَتَيْنِ تُوَضِّحانِ ذلكَ تَمامًا. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 17: "وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ اللهِ فِيهِ؟" فالسُّؤالُ هُوَ: إنْ لم تَكُن تُعطي مَالاً للمُحتاجين، هَل أنتَ ماذا؟ مَسيحيّ؟ هَذا هُوَ السُّؤال. هذا هو السُّؤال. لأنَّ مَحَبَّةَ اللهَ تَثْبُتُ في كُلِّ مُؤمِن. أليسَ كذلك؟ أَلا نَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن رِسالةِ رُومية أنَّ مَحَبَّةَ اللهِ انسَكَبَتْ في قُلوبِنا؟

لِذا فإنَّ السُّؤالَ المَطروحَ هُوَ: إنْ رَأيتَ شَخصًا مُحتاجًا ولم تَسُدَّ حَاجَتَهُ، كَيفَ نَعلَمُ أنَّكَ مَسيحِيّ؟ كيفَ نَعلَمُ أنَّكَ مَسيحِيّ؟ فأنتَ تَسلِبُ أخاك. وَكيفَ يُمكِنُ أن يُعرِفَ النَّاسُ المُؤمِنينَ، أو أن يُمَيِّزوهُم؟ وَنَقرأُ في العَدد 14: "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْت". بِعبارةٍ أخرى، إنْ كَانَ بِمَقدورِكَ أن تَرى أخاكَ مُحتاجًا دُونَ أنْ تَسُدَّ حَاجَتَهُ، فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ هُوَ: هَل أنتَ مَسيحِيّ؟ فَمَحَبَّةُ المَالِ تَجعَلُكَ تَتصرَّفُ كَغَيرِ المَسيحيِّين. هَذهِ هِيَ الخُلاصَة.

إذًا، مَحَبَّةَ المَالِ تَقودُ إلى الكَثيرِ مِنَ النَّتائِجِ السَّلبيَّة. وَقَد تَحَدَّثنا عَنِ العَديدِ مِنها. والآن، في الخِتام، بَقِيَتْ نُقطَةٌ ثَالِثَة. فَقد تَحَدَّثْتُ عَن أخلاقِيَّاتِ المَال، وتَحَدَّثْتُ عَن مَحَبَّةِ المَال. والآن، اسمَحُوا لي أن أتحدَّثَ عَنِ الحُصولِ على المَال. وَسوفَ أقولُ لَكُم كَيفَ تَحصُلونَ على المَال. سَأقولُ لَكُم كَيفَ تَجْنُونَ المَالَ بالطَّريقَةِ الإلهيَّة، أو كَيفَ تَحصُلونَ على المَالِ بالطَّريقَةِ الإلهيَّة.

ولكِن أوَّلاً، أريدُ أن أُخبرَكُم عَنِ الطُّرُقِ الَّتي لا يَجوزُ أنْ تَستَخدِموهَا للحُصولِ عليه. حَسَنًا؟ اسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم بِضْعَ طُرُقٍ لا يَجوزُ أن تَستخدِموهَا للحُصولِ على المَال. أولاً، لا يَجوزُ أن تَسرِقوه. وَقد تَقول: "أنا أعلَمُ ذلك". حسنًا، ولكنِّي أُريدُ أن أُذَكِّرَكُم بذلكَ وَحَسْب. "لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْد" (كَما قَالَ بُولُس). فالسَّرِقَةُ هِيَ تَعَدٍّ على الوَصايا العَشْر. لا تَسرِقِ المَال. وَقد تَقول: "أنا لا أَسرِقَ المَال". حَقًّا؟ وَماذا عَمَّا جَاءَ في المَزمور 37: 21: "الشِّرِّيرُ يَسْتَقْرِضُ وَلاَ يَفِي". مَا مَعنى ذلك؟ إنَّهُ عَمَلٌ شِرِّير. وَهُناكَ طُرُقٌ كَثيرةٌ للسَّرِقَة. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ عَاموس 8: 5، وفي سِفْرِ هُوشَع 12: 7 عَنِ الحِيَلِ الَّتي يَستخدِمُها التُّجَّارُ للتَّحايُلِ على النَّاسِ وَسَلْبِهِم أموالَهُم، وَعَنْ جَعْلِ النَّاسِ يَدفَعونَ أكثرَ مِمَّا يَنبغي، وَعَنْ بَيعِهِم سِلَعًا رَديئَة.

وأعتقدُ أنَّهُ لَو كَانَ يُوجَدُ بَيَننا أنبياءٌ مُعاصِرونَ مِثلَ عَاموس وَهُوشَع اليوم لَقَدَّمُوا عِظَةً عَنْ كَيْفَ أنَّهُ لا يَجوزُ أن تَعمَلَ أربَعَ سَاعاتٍ وَأنْ تَتَقاضَى أَجْرَ ثَماني سَاعات، أو لَقَدَّمُوا عِظَةً عَنْ كَيفَ أنَّهُ لا يَجوزُ أن تُبالِغَ في تَدوينِ الحُسومَاتِ في كُشوفِاتِكَ الضَّريبيَّة، أو لَقَدَّمُوا عِظَةً عَنْ كَيفَ أنَّهُ لا يَجوزُ لَكَ أنْ تُبالِغَ في تَسجيلِ النَّفَقات، أو لَقَدَّمُوا عِظَةً عَنْ كيفَ أنَّهُ لا يَجوزُ أن تُفْرِطَ في شِراءِ الأشياءِ باستِخدامِ بِطاقَتِكَ الائتِمانِيَّةِ فَوقَ طَاقَتِك لأنَّهُ مَالٌ لا تَمْلِكُهُ وَلا تَستطيعُ في الحَقيقةِ أنْ تَرُدَّهُ. فَسَرِقَةُ المَالِ لا تَنسَجِمُ مَعَ الحَياةِ المَسيحيَّة. وَهُناكَ طُرُقٌ كَثيرةٌ للقِيامِ بذلك. ولكِنْ لا يَجوزُ لَكَ أن تَحصُلَ على المَالِ بِتلكَ الطَّريقة. وَلا يَجوزُ لَكَ أنْ تَأخُذَهُ مِنَ النَّاسِ عَن طَريقِ غِشِّهِم بأيَّةِ طَريقة.

وَهُناكَ طَريقَةٌ ثَانِيَةٌ لا يَجوزُ أنْ تَستخدِمَها للحُصولِ على المَال وَهِيَ بأنْ تَأخُذَ مِنَ النَّاسِ فَائِدَةً ضَخمةً جدًّا. والكِتابُ المُقَدَّسُ وَاضِحٌ جدًّا بهذا الخُصوص. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا عَن ذلكَ في كُلِّ العهدِ القديم لأنِّي لَن أَقرأَ عَلى مَسامِعِكُم كُلَّ الآيات. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يُسَمَّى "رِبَا" – رِبَا؛ أيْ فَائِدَة فَاحِشَة. وَقد تَقول: "اسمَع! إنْ كَانَ ذلكَ الشَّخصُ لا يَرغَبُ في اقتراضِ المَالِ بهذهِ الفَائِدَة، يُمكِنُهُ أن يَقتَرِضَهُ مِن مَكانٍ آخرَ يَتَقاضَى مِنهُ فَائِدَةً أقَلّ". ولكِنَّ النُّقطَةَ الجَوهَرِيَّةَ ليسَت هَذِهِ، بَلْ إنَّ النُّقطَةَ الجَوهريَّةَ هِيَ أنَّ الرِّبَا شَكلٌ مِن أشكالِ الاستِغلالِ لأنَّهُ يَستَغِلُّ النَّاسَ الَّذينَ لَيسَ لَديهِم خِيارٌ آخَر.

إن أردتَ أن تَقترِضَ المَالَ لأجلِ أيِّ شَيءٍ (أيْ لأجلِ بَيتِكَ، أو سَيَّارَتِكَ، أو أيَّةِ غَايَةٍ تُريدُ أن تَقتَرِضَ المَالَ لأجلِها) فإنَّكَ تَذهَبُ إلى إحدى المُؤسَّساتِ المَالِيَّةِ وَتُقَدِّمُ لَهُم مَا يُثْبِتُ قُدرَتَكَ المَالِيَّةَ مِن خِلالِ تَقديمِ طَلَبٍ، وَأنتَ تُريهِم أنَّكَ تَمْلِكُ المَوارِدَ والدَّخلَ والقُدرةَ المَالِيَّةَ الَّتي تُمَكِّنُكَ مِن رَدِّ ذلكَ القَرض. فَأنتَ [ببَساطَةٍ] تَقتَرِضُ المَالَ لأنَّكَ بحاجَةٍ إليهِ الآنَ، وَتُظهِرُ الاستِعدادَ لِرَدِّهِ في المُستقبَل. وَلا بَأسَ في ذلك. ولكِنَّ الرِّبَا لا يَحدُثُ هكذا. فَقد تَشتَري مَا تُريد مِن مُنطَلَقِ عِلْمِكَ بأنَّ سِجِلَّكَ الائتِمانِيَّ جَيِّدٌ فَتَحصُلُ على أفضلِ سِعْرِ فَائِدَةٍ مُمكِن لأنَّكَ تَمَكَّنْتَ مِن إثباتِ قُدرَتِكَ على السَّدادِ للجِهَةِ المُختَصَّة.

أمَّا الرِّبا فَيَعني أنْ تَأخُذَ فَائِدَةً فَاحِشَةً مِنْ أشخاصٍ لا يُمكِنُهُم رَدُّ الدَّيْن. بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُم يَائِسون. فَهُم يَنْتَمونَ إلى تِلكَ الفِئَةِ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرِفونَ إلى مَنْ يَلتَجِئونَ فَيَتِمُّ استِغلالُهُم مِنَ الآخرينَ لأنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَقتَرِضُوا مِن أيِّ مَكانٍ آخر. فَهُناكَ مُؤسَّساتُ مُعَيَّنَةٌ تُقرِضُهُم المَال، أو هُناكَ أشخاصٌ مُعَيَّنونَ يُقرِضوهُم المَال؛ ولكِنَّهُم يَأخُذونَ مِنهُم فَائِدَةً كَبيرةً جدًّا. وَلَكِنَّ هَؤلاءِ الأشخاصَ لا حِيْلَةَ لَهُم لأنَّهُم في مَوقِفٍ يَائِس. لِذا فإنَّ هَؤلاءِ يُدرِكونَ حَاجَتَهُم المَاسَّةَ إلى المَالِ فيَستَغِلُّونَهُم. وَهَذا هُوَ مَا يَنْهَى عَنهُ الكتابُ المقدَّس. فَهَذا رِبَا؛ أيْ فَائِدَة فَاحِشَة تُفْرَضُ على شَخصٍ لَديهِ حَاجَة حَقيقيَّة. لِذا، لا تُقرِضُوا البَتَّة مَالاً لِشَخصٍ مُحتاج، بَلْ أَعْطُوهُ لَهُ. أَعْطُوهُ لَهُ وَحَسْب. أَعطُوهُ مَا يَحتاجُ إليهِ إنِ استَطعتُم. وَلاَ تَكْسَبُوا المَالَ مِن خِلالِ استِغلالِ مِحْنَتِه.

وَهُناكَ طَريقةٌ أخرى لا يَجوزُ أنْ تَلجَأوا إليها للحُصولِ على المَالِ وَهِيَ مِن خِلالِ الاحتيالِ على النَّاس. فَمَثلاً، نَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن رِسالةِ يَعقوب جُملةً خَطِرةً جدًّا بهذا الشَّأنِ في العَددِ الرَّابع: "هُوَذَا أُجْرَةُ الْفَعَلَةِ الَّذِينَ حَصَدُوا حُقُولَكُمُ..." – أوْ في مَفْهومِنا المُعاصِر: "هُوَذَا أُجْرَةُ المُزارِعينَ الَّذِينَ جَزُّوا عُشْبُ حَديقَتِنا" أوْ "هُوَذَا أُجْرَةُ العُمَّالِ الَّذينَ عَمِلُوا لَدينا". "هُوَذَا أُجْرَةُ الْفَعَلَةِ الَّذِينَ حَصَدُوا حُقُولَكُمُ، الْمَبْخُوسَةُ مِنْكُمْ...". حَسَنا؟ فَأنتُم تَدينونَ لهؤلاءِ الأشخاصِ بِالمالِ مُقابِلِ العَمَلِ الَّذي عَمِلوهُ وَلَم تُحاسِبوهُم عَليه. "...تَصْرُخُ، وَصِيَاحُ الْحَصَّادِينَ قَدْ دَخَلَ إِلَى أُذْنَيْ رَبِّ الْجُنُود".

فَقد جَاءَ هَؤلاءِ العُمَّالُ وَحَصَدُوا. فَقَد حَصَدُوا حُقولَكُم، أو عَمِلُوا لَديكُم؛ ولكِنَّكُم لَم تَدفَعُوا لَهُم أُجرَتَهُم. ولأنَّكُم لم تَدفَعُوا لَهُم فإنَّ أُجْرَتَهُم تَصْرُخ. وَصِياحُهُم يَدخُلُ إلى أُذُنَيِ الرَّبّ. فَهذا أمرٌ خَطير. فإنْ قَدَّمَ شَخصٌ خِدمَةً لَكَ، أو عَمِلَ لَديكَ، أو كَانَ مُوَظَّفًا لَديكَ، يَنبغي أن تَدفَعَ لَهُ أُجرَتَهُ الَّتي وَعَدْتَهُ بها. أمَّا إنْ لم تَدفَع لَهُ أُجرَتَهُ فإنَّ صُراخَهُ النَّاجِمَ عَنِ احتِيالِكَ عَليهِ سَيَدخُلُ إلى أُذُنَيِ الرَّبِّ نَفسِه.

وَيُمكِنُنا أن نَقولَ المَزيدَ عَن ذلك، ولكِنْ اسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم الطَّريقَةَ الأخيرة. فَإحدى الطُّرُقِ الأخرى الَّتي لا يَجوزُ أنْ تَحصُلوا على المَالِ مِن خِلالِها هِيَ المُقامَرَة. وَذاتَ يَومٍ، سَأُقَدِّمُ عِظَةً كَامِلَةً عَن هَذا المَوضوع. ولكِنْ أريدُ أن أقولَ في عُجالَةٍ إنَّ المُقامَرَةَ ليسَت خِيارًا مُتاحًا للمُؤمِن. فَالاتِّكالُ على الصُّدْفَةِ لا يَنسَجِمُ البَتَّةَ مَعَ الاتِّكالِ على سِيادَةِ الله. والاتِّكالُ على الصُّدفَةِ هُوَ طَريقَةٌ مَضمونَةٌ لهَدْرِ المَوارِد الَّتي أعطاها اللهُ لَك. وَبِصَراحَةٍ: المُقامَرَةُ في أغلَبِها استِغلالٌ للفُقراء.

فَكُلُّ مَا تَفعلُهُ المُقامَرَةُ هُوَ أنَّها تَأخُذُ المَالَ مِن أُناسٍ لا يَملِكونَ سِوى القَليلِ مِنَ المَالِ في الأصل. وَهِيَ تَضُخُّ المَالَ في قَنَواتٍ أخرى مِثلَ اليَانَصيبِ الَّذي تُشرِفُ عليهِ الوِلاياتُ بغَرَضِ أنْ تَأخُذَ الوِلاياتُ تِلكَ الأموالَ وَتَستَخدِمَها لِمُساعَدَةِ هَؤلاءِ النَّاسِ الفُقَراء. ولكِنْ في الوَقتِ الَّذي تَعودُ فيهِ الأموالُ إلى هَؤلاءِ النَّاسِ، تَكونُ قَد صَارَتْ عُشْرَ المَبالِغِ الأصليَّةِ أو عُشْرَ الأموالِ الَّتي تَمَّ فيها شِراءُ بِطاقاتِ اليَانَصيب. وَهَذا استِغلال. فَالقِمارُ شَيءٌ يُجازِفُ بالمُوارِدِ الإلهيَّة. وَهُوَ شَيءٌ لا يَنسَجِمُ مَعَ السِّيادَةِ الإلهيَّة.

لِذا، لا يَجوزُ لَنا أنْ نَحصُلَ على الأموالِ مِن خِلالِ تِلكَ الطُّرُقِ المَغلوطَةِ أو بِوسائِلَ نَهَى اللهُ عَنها مِثلَ سَرِقَتِها، أو أَخْذِها مِنَ النَّاسِ المُحتاجين، أوِ التَّحايُلِ على الأشخاصِ الَّذينَ يَدينونَ بِها، أوِ المُقامَرَة. وَقد تَقول: "إذًا، كَيفَ نَحصُلُ على المَال؟ فَنَحنُ نُريدُ أن نَعرِفَ كَيفَ نَحصُلُ على المَال". تَعالَوْا يَومَ الأحدِ القَادِم فَأُخبِرَكُم. أجل. وَفي المَرَّةِ القَادِمَة، سَنَتحدَّثُ عن كَيفيَّةِ الحُصولِ على المَالِ، وكَيفيَّةِ إساءَةِ استِعمالِ المَالِ، وكَيفيَّةِ استِعمالِ المَال. وَبَعدَ أن نَفعلَ ذلك، سَنَنتَقِلُ إلى دِراسَةِ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الثَّامنِ مِنَ الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس. وَحينئذٍ، ستَكونونَ جَاهِزينَ لِواحِدٍ مِن أروَعِ الأشياءِ الَّتي سَنَتَعَلَّمُها في هذهِ الرِّسالَةِ بأسرِها. دَعوُنا نُصَلِّي:

يا أبانا، نَحنُ نَفرَحُ بِحَقِّكَ وَكَلِمَتِك. وَنَحنُ نَشكُرُكَ على الوُضوحِ الَّذي تُكَلِّمُنا بِهِ في هذهِ المَسائِل. نَحنُ لا نُريدُ البَتَّةَ أن نُحِبَّ المَال، بَل نُريدُ أن نُحِبَّكَ أنتَ، وَأنْ نَستخدِمَ المَالَ بِطُرُقٍ تُمَجِّدُك. وَنَحنُ نَعلَمُ، يا رَبُّ، أنَّهُ حَتَّى عِندَما نَأخُذُ المَالَ الَّذي تُعطينا إيَّاه ونَفعَلُ بِهِ أُمورًا نَستَمتِعُ بها، يُمكِنُنا أن نُعَبِّرَ عَن شُكرِ قُلوبِنا لَك. وَهَذا أمرٌ يَسُرُّك. يا أبانا، لَقد أَغْنَيْتَنا جدًّا. وَنَحنُ نَشكُرُكَ على البُيوتِ المُريحَةِ الَّتي نَجِدُ فيها الرَّاحَةَ والاستِرخاءَ الَّذي يُعطينا القُوَّةَ للمُتابَعَة. وَنَشكرُكَ على الصِّحَّةِ الَّتي نَتَمَتَّعُ بِها بِسَببِ وُجودِ نِظامٍ صِحِّيٍّ جَيِّدٍ يُحافِظُ على صِحَّتِنا فيما نَخْدِمُكَ. وَنَشكُرُكَ على الأشخاصِ الكثيرينَ الَّذينَ خَدَموكَ وَمَاتُوا في رَيْعانِ عُمْرِهم في الحِقَبِ المَاضِيَة.

وَنَحنُ نَشكُرُكَ على الأَسِرَّةِ المُريحَةِ الَّتي تُتيحُ لنا أن نَستيقِظَ مُنتَعِشينَ وَمُستعدِّينَ وَأقوياء لِخِدمَتِك. فَقد أعطيتَنا كُلَّ هذهِ الأشياءِ الصَّالِحَةِ لِكَي نَتَمَتَّعَ بها. وَنَحنُ لا نَنظُرُ إليها باستِخفافٍ، وَلا نَحتَقِرُها كَما لو أنَّها كَانَتْ في ذَاتِها تَجرِبَةً لَنا، بَلْ نَقبَلُها مِن يَدِكَ الصَّالِحَةِ والمُنْعِمَة. وَنَحنُ نُؤمِنُ بأنَّ هَذا البَلَدَ أُسِّسَ على الاتِّكالِ عَليكَ أنتَ وَعلى الثِّقَةِ فيكَ أنت. وَفي تِلكَ السِّنين الباكرَة، بَارَكْتَ هذا البَلَدَ بِسَببِ ذلك. وَقد حَصَلنا نَحنُ على تِلكَ البَرَكَةِ الَّتي سَكَبْتَها على هَذا البَلَدِ في وَقْتٍ مَضَى.

وَيا رَبُّ، نَحنُ نَرى أنَّ هَذِهِ البَرَكَةَ هِيَ مِن يَدِكَ. فأنتَ هُوَ الَّذي تُعطينا القُوَّةَ لاصْطِناعِ الثَّروة، وَأنتَ هُوَ الَّذي تُبارِكُنا بِكُلِّ هذهِ الأشياءِ كَما بَارَكْتَ أيُّوب. ولكِنْ يَجِبُ علينا، يَا رَبُّ، أنْ نَنظُرَ إليها في المَقامِ الأوَّلِ على أنَّها سَبَبٌ يَدعونا إلى تَسبيحِكَ وَتَمجيدِكَ وَتَقديمِ الشُّكرِ لَك. وَيَجِبُ علينا أن نُدرِكَ في الحَقيقةِ أنَّها كُلُّها لَكَ أنتَ، وَأنَّها امتِحانٌ لَنا أو مُؤشِّرٌ على شَخصيَّتِنا الرُّوحيَّة. وَيا أبانا، يَجِبُ علينا أن نَكونَ مُطيعين لِكُلِّ هذهِ المَبادِئِ فيما نَضَعُ أساسًا لحياتِنا يُفْضِي إلى أنْ نُعطي بِطريقةٍ تُمَجِّدُك.

نَشكُرُكَ على الامتيازِ الَّذي أعطَيتَنا إيَّاه في أن نَرُدَّ لَكَ جُزءًا مِن عَطاياك. وَليسَ هَذا وَحَسْب، بَلْ أنْ نَرُدَّ جُزءًا مِنْها لَكَ لِتَكونَ استِثمارًا وَثَمَرًا نَتمتَّعُ بِهِ إلى أبدِ الآبِدينَ في حَضرَتِك. كَمْ نَشْكُرُكَ على ذلك. والآن، نَحنُ نُصَلِّي، يا رَبُّ، أنْ تُخْرِجَنا مِنْ هَذا المَكانِ وَتُساعِدَنا على أنْ نُطَبِّقَ الأشياءَ الَّتي تَعَلَّمناها مِنْ أجْلِ تَمجيدِ مُخَلِّصِنا الَّذي نُصَلِّي باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize