Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَأتي الآنَ إلى وَقتِنا في كلمةِ الله إذْ نُتابِعُ سِلسِلَتَنا عَنِ الفَهمِ الكِتابِيِّ للمَال. وأريدُ مِنكُم أن تُصغُوا إليَّ بِعِنايةٍ فائِقَةٍ في هذا الصَّباح لأنِّي سأقولُ أمورًا رُبَّما لم تَسمَعوها مِن قَبل. ويَنبغي لَكُم أن تُفَكِّروا بها قَليلاً في أذهانِكُم. وَلَن أتمكَّنَ مِنَ التَّطَرُّقِ إلى كُلِّ احْتِرازٍ أو استِثناءٍ أو تَحذيرٍ بِخُصوصِ الأمورِ الَّتي سأذكُرُها، ولكِنَّنا سَنَتَطَرَّقُ إلى ذلكَ في أثناءِ دِراسَتِنا. ولكِنِّي أريدُ أن أَضَعَ أساسًا في هذا الصَّباح؛ وَهُوَ أساسٌ مُهِمٌّ جدًّا لِفَهمِ مَوضوعِ المَال.

والآن، لَقدِ ابتدأنا في الأسبوعِ المَاضي بالتَّمهيدِ لِموضوعِ المَال... أو بالحَرِيِّ قَبلَ أُسبوعَيْن... تَمهيدًا لِدراسَةِ مَا جاءَ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحَيْن الثَّامِن والتَّاسِع. وَالأصحاحان الثَّامن والتَّاسِع مِنَ الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس [كما قُلتُ] يَتحدَّثانِ عَنِ العَطاء... عَنِ العَطاءِ المَسيحِيِّ وكيفَ يَنبغي أن نُعطي أموالَنا. وَقبلَ أن نَفهمَ العَطاءَ، يَنبغي لنا أن نَفهمَ بِضعَة جَوانِب أخرى عَنِ المَالِ والثَّروةِ والمُمتلكات.

لِذا فقد تَحدَّثنا عن أخلاقِيَّاتِ المَالِ وقُلنا إنَّ المَالَ مُحايِدٌ بِطَبيعَتِهِ، ولكِنَّهُ يُظْهِرُ أخلاقَنا أو حَالَتَنا الرُّوحيَّة. فَهُوَ مُؤشّرٌ على الشخصيَّة. وَقد قُلتُ لَكُم إنَّهُ بِمَقدوري أنْ أنظُرَ إلى دَفترِ شِيكَّاتِ أيٍّ مِنكُم وأن أُخبِرَكَ مَا هِيَ أولوِيَّاتُكَ في الحَياةِ وَما الَّذي تُرَكِّزُ عليهِ في حَياتِك. وَهَذا صَحيحٌ تمامًا. فالمَالُ يُظْهِرُ شَخصيَّتَنا، وَالأشياءَ الَّتي نُحِبُّها ونَرغَبُ فيها، وَأولويَّاتِنا.

ثُمَّ إنَّنا تَحدَّثنا أيضًا عَن مَوضوعِ مَحبَّةِ المالِ وكيفَ أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ أَلاَّ نُحِبَّ المَال. فاللهُ وَفَّرَ المَوارِدَ لنا. وَلا يَجوزُ لَنا أنْ نَجعلَ المَالَ صَنَمًا، بَل يَنبغي لَنا أن نُعامِلَهُ بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُ مِنَّا اللهُ أنْ نُعامِلَهُ بِها؛ لا أنْ يَحِلَّ المَالُ مَحَلَّهُ، وَلا أنْ نَستعيضَ بالمَالِ عَنهُ، وَلا أنْ نَتَّكِلَ على المَالِ عِوَضًا عَنِ الاتِّكالِ عليهِ هُوَ.

وَقد قُلتُ في المَرَّةِ السَّابِقَةِ نُقطةً ثَالِثَةً وَهِيَ أنَّنا نُريدُ أن نَتحدَّثَ عَن كَيفيَّةِ الحُصولِ على المَال. فَقد تَحدَّثنا عَن أخلاقِيَّاتِ المَالِ، وَمَحَبَّةِ المَالِ، وكيفيَّةِ الحُصولِ على المَال. وَقد قُلتُ لَكُم يَومَ الأحدِ المَاضي إنَّ هُناكَ طُرُقًا مَغلوطَةٌ للحُصولِ على المَال. أوَّلاً، لا يَجوزُ لَنا أنْ نَسْرِقَهُ. والكِتابُ المُقَدَّسُ وَاضِحٌ جدًّا بِهذا الخُصوص. ثَانيًا، لا يَجوزُ لَنا أنْ نَستَغِلَّ الآخرينَ مِن أجلِ الحُصولِ عليه. ثَالثًا، لا يَجوزُ لَنا أنْ نَتحايَلَ على الآخرينَ مِن خِلالِ مَنْعِ المَالِ عَنهِم والحِفاظِ على غِنانا. رابعًا، لا يَجوزُ لَنا أنْ نُقامِرَ بِه. إذًا، لا يَجوزُ أنْ نَسرِقَهُ، وَلا أنْ نَستَغِلَّ الآخرينَ للحُصولِ عَليه، وَلا أنْ نَخدَعَ الآخرينَ للحُصولِ عليه، وَلا أنْ نُقامِرَ بِه.

والآن، هَذا يَقودُنا إلى الطُّرُقِ الصَّحيحَةِ للحُصولِ على المَال. فَكيفَ يُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ أنْ نَحصُلَ على المَالِ أوِ المُمتلكاتِ أوِ الثَّروة؟ وفيما كُنتُ أَطرَحُ على نَفسي هَذا السُّؤالَ في هذا الأسبوعِ وأحاولُ أن أُجيبَ عَنهُ، خَطَرَ بِبالي سُؤالٌ آخر. وَكَثيرًا مَا يَحدُثُ هَذا لي. والسُّؤالُ هُوَ: هَل يُريدُ اللهُ مِنَّا حَقًّا أنْ نَحصُلَ على المَال؟

وَقد قَرأتُ كَالعَادَة العَديدَ مِنَ الكُتُبِ الَّتي تَقولُ إنَّهُ يَنبغي للمَسيحِيِّينَ أنْ يَعيشُوا في فَقْرٍ مُدْقِع، وَأنْ يُنْذِرُوا أنفُسَهُم لِحَياةِ الفَقرِ، وَألاَّ يَمتَلِكُوا أكثرَ مِنَ الحَاجاتِ الأساسِيَّةِ جدًّا. لِذا، أدركتُ أنَّهُ يَنبغي لي أن أتحدَّثَ عَن هذهِ المَسألة. فَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الكُتُبِ الَّتي كُتِبَتْ على مَرِّ تَاريخِ الكَنيسة. وَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ وَأشخاصٌ كَثيرونَ، وَقَوانين كَثيرة في إطارِ الكَنيسةِ تَبَنَّتْ فِكرةَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُشيرُ إلى أنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَمْتَلِكَ أكثرَ مِن حَاجاتِنا الأساسيَّةِ جدًّا، وإلى أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَعيشَ في ذلكَ المُستوى، وَأنْ نَتَجَنَّبَ جَميعَ وَسائِلِ الرَّاحَةِ والرَّفاهِيَّةِ، وَإلى أنَّ هَذِهِ هِيَ أَسمَى دَعوَةٍ إلَهِيَّة، وَإلى أنَّ مَا يُريدُهُ اللهُ مِنَّا هُوَ هَذا وَحَسْب. فاللهُ لا يُريدُ مِنَّا أنْ نَكونَ فُقَراءَ جدًّا لأنَّهُ يُوَفِّرُ لَنا الحَاجاتِ الأساسيَّةَ في الحَياةِ؛ ولكِنَّهُ لا يُريدُ مِنَّا أنْ نَمْتَلِكَ مَا هُوَ أكثر مِن ذلك.

ولكِنْ هَل هَذا صَحيحٌ حَقًّا؟ وَهَلْ هَذا هُوَ قَصْدُ الله؟ وَهَلْ هَذِهِ هِيَ حَقًّا خُطَّةُ الله؟ فإنْ كَانتْ لَديكَ أيَّةُ وَسائلِ رَاحَةٍ أو رَفاهِيَّة، أو كَانَ لَديكَ أيُّ شَيءٍ لَا تَحتاجُ إليهِ حَقًّا للأكلِ أوِ النَّومِ أوِ العَيشِ أوْ إيواءِ نَفسِك، هَل هَذِهِ خَطيَّة؟ أَمْ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَكونَ أغنياء إلى حَدٍّ مَا؟ هَذا سُؤالٌ مُهِمٌّ جدًّا. وَقبلَ أن نَتحدَّثَ عَن كيفيَّةِ الحُصولِ على المَال، يَجبُ علينا أنْ نَتحدَّثَ عَمَّا إذا كَانَ اللهُ يُريدُ مِنَّا أن نَحصُلَ عليه. وَيَنبغي لنا أنْ نُجيبَ عَن هَذا السُّؤال. وعِندما أُفَكِّرُ في الإجابَةِ عَن ذلكَ السُّؤال، أَجِدُ أنَّهُ مِنَ الرَّائعِ جدًّا جدًّا أنْ نَرى أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا حَقًّا أنْ نَحصُلَ على مَقاديرَ مُتفاوِتَة مِنَ الثَّروة.

وَلِفَهْمِ ذلك، يَنبغي لنا أن نَعودَ إلى سِفْرِ التَّكوين والأصحاحِ الأوَّل. لِذا، افتَحُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على الأصحاحِ الأوَّلِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ [أيْ على سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الأوَّل]. وابْقَوْا هُناكَ قَليلاً إلى أنْ أَذكُرَ بِضعَ مُلاحَظاتٍ وَأقرأَ على مَسامِعِكُم بِضْعَ آياتٍ مِن ذلكَ الأصحاح. والآن، استَمِعُوا بانتباهٍ شَديدٍ إلى مَا سَأقولُهُ لأنَّ هَذا كُلَّهُ سَيَصيرُ حَصيلَةً كَبيرةً وَشَيئًا مُهِمًّا جِدًّا يَنبغي لنا أن نَفهمَه. لَقد خَلَقَ اللهُ عَالَمًا مَادِّيًّا، أوْ خَلَقَ عَالَمًا طَبيعيًّا. فَهُوَ عَالَمٌ مَادِّيٌّ صِرْفٌ... مَادِّيٌّ صِرْفٌ وَمُؤقَّت. فَهِيَ أرضٌ زَائِلَة. وَهُوَ عَالَمٌ زَائِل.

وَكما قُلتُ لَكُم مِن قَبل، نَحنُ نَعيشُ على كَوكَبٍ زَائِل. فَهُوَ لَنْ يَبقَ إلى الأبد، بَلْ إنَّهُ سَيَنْحَلُّ، ثُمَّ سَيَزول. فَقد قَالَ يَسوع: "السَّماءُ والأرضُ [مَاذا؟] تَزولان". فَهذهِ ليسَت أرْضًا أبديَّة، بَل سَتَكونُ هُناكَ سَماءٌ جَديدةٌ وَأرضٌ جَديدة. فَهذا كَوكَبٌ مُؤقَّتٌ جدًّا.

والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أعتقدُ أنَّ الفَهمَ السَّليمَ للكِتابِ المُقَدَّسِ والفَهمَ السَّليمَ للعِلْمِ يَجْعَلانا نُقَدِّرُ عُمْرَ هذا الكَونِ بِنَحوِ 15000 سَنة. فَعُمرُ الكَوْنِ أوِ الأرضِ ليسَ مَلايين وَمَلايين السِّنين، بَلْ هُوَ كَوكَبٌ حَديثٌ نِسبِيًّا. وَقَد خَلَقَهُ اللهُ مِنَ الأزَل لِيَخدِمَ قَصْدًا مُحَدَّدًا جدًّا.

فَقد خَلَقَهُ اللهُ ليكونَ مَكانًا يَسُكُنُ فيهِ البَشَرُ بِضْعَ آلافٍ مِنَ السِّنين. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فَهُوَ سَيَزول. وَهُوَ بِلا رُوح. فالكَونُ كُلُّهُ بِلا رُوح. فَلا يُوجَد لَهُ رُوحٌ أبديٌّ. وَلا يُوجَدُ لَهُ أيُّ قَصْدٍ أبديٍّ أو قِيمَةٍ أبديَّة، بَلْ هُوَ مَوجودٌ وَحَسْب للاستِعمالِ المُؤقَّت. وَهُوَ سَيَزولُ في المُستقبَلِ القَريب. وعِندَما تَقرأونَ أوصافَ السَّماءِ لا تَجِدونَ أيَّ ذِكْرٍ لوجودِ حَيَواناتٍ هُناكَ، وَلا أزهار، وَلا عُشْب، وَهَلُمَّ جَرَّا.

ويُمكِنُكُم أنْ تَرَوْا فَرْقًا كَبيرًا جدًّا على الرَّغْمِ مِن أنَّ هُناكَ استِخداماتٍ مَجازيَّةً للمَعادِنِ والمِياهِ والأنهارِ وَشَجَرَةِ الحَياةِ وَتِلكَ الأشياء. فَهُناكَ مَعَانٍ سَماوِيَّةٌ وَأبديَّةٌ لها. وَهِيَ لا يُمكِنُ أن تَعني بأيِّ شَكلِ مِنَ الأشكالِ المَعاني الَّتي نَنْسِبُها إليها هُنا في هَذا العَالَمِ المَخلوق. لِذا فإنَّنا نَعيشُ في عَالَمٍ مِنَ المُؤكَّدِ وَالمَحتومِ أنَّهُ سَيَزول، ويَختفي. وَهُوَ عَالَمٌ خَلَقَهُ اللهُ لكي يَعيشَ الإنسانُ فيه. وَهذهِ نُقطةٌ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن نَفهَمَها. وَهُوَ عَالَمٌ لا يَتَّسِمُ بأيَّة سِماتٍ أبديَّة. وَما أعنيه بِذلك هُوَ أنَّهُ لَيسَ لَهُ أيَّة قِيمَة سَماوِيَّة. هَل سَمِعتُم ذلك؟ لَيسَ لَهُ أيَّة قِيمَة سَماوِيَّة – البَتَّة.

وَالخُلاصَةُ الَّتي خَرَجْتُ بِها بَعدَ فَهْمي لِكُلِّ هذهِ الأمورِ هِيَ أنَّ اللهَ خَلَقَ هَذا كُلَّهُ لِغايَةٍ مُعَيَّنَةٍ جدًّا وَهِيَ أنْ يُغْنِي حَياةَ الإنسان. ففي نِهايَةِ المَطافِ، كَانَ بِمَقدورِ اللهِ أنْ يَضَعَنا جَميعًا على القَمَرِ الَّذي لا لَونَ لَهُ وَلا يُوجَدُ فيهِ شَيء. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عندما يَصْعَدُ رُوَّادُ الفَضاءِ إلى القَمَرِ وَيَمْشُونَ عليهِ فإنَّهُم يَعودونَ ويَقولونَ إنَّهُ لا يُوجَدُ عليهِ أيُّ شَيءٍ مِنَ الأشياءِ الَّتي نَحتاجُ إليها. فَلا يُوجَدُ عَليهِ أيُّ شَيءٍ يُساعِدُنا على الحَياة، أو يُساعِدَنا على العَيش، أو حَتَّى أنْ يَجعَلَ الحَياةَ مُمتِعَة. فَلا يُوجَدُ خَارِج نِطاقِ هذهِ الأرضِ أيُّ شَيءٍ نَحتاجُ إليه؛ في حِيْن أنَّهُ يُوجَدُ هُنا كُلُّ مَا نَحتاجُ إليه.

وَعندما نَطيرُ حَولَ الأرضِ في الفَضاءِ ونَقومُ بِكُلِّ تِلكَ الرِّحلاتِ الاستطلاعِيَّةِ فإنَّنا لا نَجِدُ أيَّ شَيءٍ يُغَيِّرُ حَياتَنا هُنا. فَكُلُّ مَا نَفعلُهُ هُوَ أنَّنا نَصْعَدُ إلى هُناكَ وَنَتَجَسَّسُ بَعضُنا على بَعضٍ، ونُرسِلُ إشاراتٍ هَاتِفِيَّةً وَصُوَرًا تِلفزيونيَّة. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. وَما أعنيه هُوَ أنَّهُ لا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ في الفَضاءِ يُمْكِنُ أنْ يُضْفِي بأيِّ شَكلٍ مِنَ الأشكالِ أيَّ شَيءٍ عَلى غِنَى الحَياةِ الرَّائعةِ على هَذا الكَوكَب. واللهُ لم يَقصِدِ البَتَّة أنْ تَبقى الأرضُ إلى الأبد. فهي لم تَكُن يَومًا أبديَّة، بَل إنَّهُ خَلَقَها وَشَاءَ ألاَّ تَكونَ أبديَّة. فَهُوَ سَيُزيلُها. فقد خُلِقَتْ كَيْ تُؤوِي البَشَرَ الَّذينَ خَلَقَهُم لِمَقاصِدَ أبديَّة، ولكِنَّها ليسَتِ عَالَمًا أبديًّا. لِذا، أيًّا كانتِ الأشياءُ الَّتي تَمْلِكُها في هَذا العَالَمِ فإنَّها مُؤقَّتةٌ وَحَسْب وَسَتَحتَرِق.

والآن، بَعدَ أن قُلنا هَذا كُلَّهُ، اسمَحُوا لي أن أخطُو خُطوةً أخرى وَأقولَ إنَّهُ عِندَما خَلَقَ اللهُ الأرضَ وَضَعَ فَرْقًا كَبيرًا جدًّا. فَهُناكَ خَطٌّ كَبيرٌ وَسَميكٌ جدًّا بينَ الإنسانِ وَكُلَّ الأشياءِ الأخرى في الخَليقَة. فَكُلُّ الخَليقَةِ هِيَ بِلا رُوح، ومُؤقَّتة، وَسَتمضِي، وَسَتَزول. أمَّا الإنسانُ فأبدِيٌّ. حَسَنًا؟ فالإنسانُ أبديٌّ. فَهُناكَ فَرقٌ هَائِلٌ بينَ الخَليقَةِ كُلِّها، أيْ بينَ كُلِّ المَخلوقاتِ وكُلِّ عَناصِرِ الأرضِ وَمُكَوِّناتِها الحَيَّةِ وَغَيرِ الحَيَّةِ، وَبينَ الإنسان. فالإنسانُ مَخلوقٌ على صُورةِ الله. وَقَد أَعطَى اللهُ الإنسانَ سُلطانًا وَتَفَوُّقًا وَسِيادَةً على كُلِّ شَيءٍ في هَذهِ الخَليقةِ المُؤقَّتَةِ والزَّائِلَةِ والمَادِّيَّةِ والَّتي لا رُوحَ لَها.

فالإنسانُ أَسْمَى في خَلْقِهِ. وَهُوَ أَسْمَى في مَسؤوليَّتِهِ، وقُدرَتِهِ، وسُلطانِهِ، وَقيمَتِه. والإنسانُ سيَعيشُ إلى الأبد. فَهُوَ مَخلوقٌ أبديٌّ. لِذا فإنَّ الأرضَ وَكُلَّ مَا فيها خُلِقَتْ لِتُوَفِّرَ للإنسانِ حَياةً غَنِيَّة. وَهَذا كُلُّهُ جُزءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِنَ النِّعمَةِ العَامَّة. فَسواء كَانَ الإنسانُ مُخَلَّصًا أَمْ غَيرَ مُخَلَّصٍ، وَسَواء كَانَ يُحِبُّ اللهَ أَمْ لا يُحِبُّ اللهَ، وَسَواء كَانَ يُطيعُ اللهَ أَمْ لا يُطيعُ اللهَ، فإنَّ حَياتَهُ تَزْخُرُ بِغِنَى هَذِهِ الخَليقَة. وَهَذِهِ صِفَةٌ واحِدَةٌ مِن صِفاتِ اللهِ إذْ إنَّهُ مُحْسِنٌ جدًّا وَيُسْبِغُ نِعْمَتَهُ العَامَّةَ على جَميعِ البَشَر.

والآن، بَعدَ أن قُلنا ذلك، انظُروا إلى العَدد 27 مِن سِفْرِ التَّكوين والأصحاحِ الأوَّل: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِه". وَنَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ السَّابع: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً". وَهَذا يَجْعَلُهُ مُنفصِلاً عَن أيِّ شَيءٍ آخر. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَدد 27: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ [وَإليكُم الكلمةَ الرَّئيسيَّة:] وَأَخْضِعُوهَا". إنَّها وَصِيَّةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا. استَخدِمُوا قُوَّتَها، وَاستَخدِمُوا مَوارِدَها، واستَغِلُّوا خَيراتِها. هَذا هُوَ مَعنى هذهِ الكلمات.

وَكَما كَتَبَ "جون شنايدر" (John Schneider): "إنَّها مَوجودة هُنا لِكَيْ تَستَغِلُّوها، وتَتَفَحَّصوها، وتَحرُثوها، وتُرَوِّضوها، وتَستخدِموها، وتَتَمَتَّعُوا بها". هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ اللهُ. استَخرِجُوا مِنها كُلَّ الغِنَى الَّذي فيها. فالخَليقَةُ كُلُّها خُلِقَتْ لأجلِ الإنسانِ كَي يَستخدِمَها ويَتمتَّع بِها. "وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْض". فأنتُم مَسؤولونَ عَن كُلِّ شَيءٍ فيها. وَأنتُم مُتَسَلِّطونَ على كُلِّ شَيءٍ فيها. وَيَجِبُ عليكُم أن تُخضِعوها، وَأنْ تَستفيدُوا مِن كُلِّ جَمالِها وكُلِّ غِناها، وكُلِّ قُدُراتِها، وكُلِّ طَاقاتِها، وكُلِّ ثَمَرِها.

وَفي العَدد 29، قَالَ الله: "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا". حَسَنٌ جدًّا. فَلا يُوجَد مَثيلٌ لَهُ في الكَون.

نَحنُ نَطيرُ في الجَوِّ ولا نَرى شَيئًا يُشبِهُ هَذا الكَوكَب، وَلا نَرى شَيئًا يَحوي الثَّرواتِ الطَّبيعيَّةَ الهَائلةَ المَوجودةَ في هذهِ الأرض. لِذا، يَجِبُ علينا أن نَفتَرِضَ أنَّ هُناكَ استِخدامًا بَارًّا للعَالَمِ المَادِّيِّ، وَأنَّ هُناكَ استِخدامًا بَارًّا للثَّروةِ المَاديَّةِ. فَنَحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ مَادِّيٍّ. واللهُ يُسَرُّ لأنَّ العَالَمَ غَنِيٌّ هكذا. وَاللهُ يُسَرُّ في أنْ نَستَخدِمَهُ بِوَصْفِهِ عَطِيَّةً مِنهُ على سَبيلِ النِّعمَةِ العَامَّةِ... النِّعمَةِ العَامَّةِ الَّتي يُسْبِغُها عَلينا جَميعًا. فيجبُ علينا أن نَعيشَ حَياةً غَنِيَّةً وَمُريحَة. ويَجِبُ علينا أن نَشكُرَهُ في وَسَطِ هَذا كُلِّه. فَاللهُ خَلَقَ عَالَمًا حَسَنًا جدًّا لَنا.

وَقد كانَ اللهُ يَعلَمُ أنَّهُ سيَكونُ عَالَمًا مُؤقَّتًا جدًّا، وَيَعلَمُ أنَّهُ سَيَحتَرِق، ويَعلَمُ أنَّهُ لَنْ يَكونَ فيهِ شَيءٌ أبَدِيٌّ. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فقد أعطانا إيَّاه لِكَيْ نَتَمَتَّعَ بِما فيهِ مِن غِنَى مُدَّةً وَجيزة. لِذا فإنَّ اللهَ نَفسَهُ يُؤكِّدُ أنَّ كُلَّ خَليقَتِهِ حَسَنَةٌ، وَأنَّها عَطِيَّةٌ مِنهُ لكي يَجعَلَ حَياةَ الإنسانٍ مُمتِعَة. فعندما تُفَكِّرونَ في ذلكَ فإنَّهُ أمرٌ مُذهِل. فَكُلُّ جَمالِ الطَّبيعَةِ، وكُلُّ رَوعَةِ الطَّبيعَةِ السَّاحِرَةِ هِيَ لأجْلِ استِمتاعِنا. فعندما تَذهبُ وتَزورُ أماكِنَ مُعَيَّنةً وتَرى جَمالَها الخَلاَّبَ، تَذَكَّر أنَّها جُزءٌ مِن عَطِيَّةِ اللهِ الصَّالِحَةِ للإنسان.

كَما أنَّ تَنَوُّعَ الأطعِمَةِ أمرٌ مُدهِشٌ جدًّا... كُلُّ نَباتٍ، وكُلُّ حَيَوانٍ، وكُلُّ مَذاقٍ! ثُمَّ إنَّ اللهَ كَمَّلَ هَذا كُلَّهُ بأنْ أعطانا القُدرةَ على التَّذَوُّق. فَقد كانَ بِمَقدورِ اللهِ أنْ يَخلِقَنا مِن دُونِ حَاسَّةِ تَذَوُّق فَنَأكُلُ صِنْفًا وَاحِدًا ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليَومِ طَوالَ حَياتِنا. ولكِنَّ اللهَ لَمْ يَفعل ذلك. فاللهُ هُوَ إلَهُ التَّنويعِ غَيرِ المَحدود، والجَمالِ غَيرِ المَحدود. وَقد خَلَقَ اللهُ العَالَمَ لَنا لِكَي نَتَمَتَّعَ بِه؛ أيْ لِكَيْ نَتَمَتَّعَ مُتْعَةً لا حُدودَ لَها في الأشياءِ الَّتي نَأكُلُها، وَلِكَي نَتَمَتَّعَ مُتْعَةً لا حُدودَ لَها في الأشياءِ الَّتي نَراها، والأشياءِ الَّتي نَشُمُّها إذْ إنَّ هُناكَ أعدادًا لا تُحْصَى مِنَ الرَّوائِحِ الَّتي تَملأُ العَالَمَ الَّذي لا قِيمَةَ أبديَّة لَهُ. فَهذهِ كُلُّها مَوجودةٌ لهذهِ الحَياةِ فقط. فاللهُ أعطانا هَذِهِ الحَياةَ للتَّمَتُّع.

ولماذا يَفعلُ اللهُ ذلك؟ لأنَّ ذلكَ يُظهِرُ مَحَبَّتَهُ وَنِعْمَتَهُ وَعَظَمَتَهُ، وَلأنَّ ذلكَ يَنبغي أنْ يَحْفِزَنا على شُكرِهِ وتَسبيحِهِ وَتَمجيدِه، وَأنْ يَجعلَنا مُطيعينَ لِذلكَ الإلَهِ السَّخِيِّ جدًّا، وَلأنَّ ذلكَ يَنبغي أنْ يَجْعَلَنا نَذوقَ طَعمَ السَّماء. فَأيًّا كانَتْ رَوائِعُ هَذِهِ الحَياةِ هُنا، وَأفراحُها، وَسُبُلِ الرَّاحَةِ فِيها، وَمَسَرَّاتُها، فإنَّها مُجَرَّدُ لَمحَةٍ صَغيرةٍ عَنِ الأمجادِ والرَّوائِعِ وَسُبُلِ الرَّاحَةِ والأفراحِ المَوجودَةِ في الحَياةِ الآتِيَة.

فَاللهُ لَهُ مَقاصِدُهُ مِنْ وَضْعِنا في بِيئةٍ غَنِيَّةٍ جِدًّا جِدًّا جِدًّا تَزْخُرُ بِخَيراتِ هَذِهِ الأرضِ مِن بُزُورٍ، ونَباتاتٍ، وأطعِمَةٍ، وَثَرْوَةٍ مَعدِنِيَّةٍ تَخرُجُ مِنَ الأرضِ كَالذَّهَبِ والفِضَّةِ وَكُلِّ المَعادِنِ الأخرى الَّتي تُوَفِّرُ كُلَّ هذهِ الأشياءِ الَّتي تَجعَلُ الحَياةَ مُفْرِحَةً ومُريحَةً، وآبارِ النِّفْطِ الَّتي يُصَنَّعُ مِنها البلاستيك، وَكُلِّ الأشياءِ الَّتي نَستخلِصُها مِنه، وَكُلِّ الأشياءِ الرَّائِعَةِ والصَّغيرةِ، وكُلِّ الأشياءِ المُريحَةِ الَّتي نَستمتِعُ بها، وكُلِّ الأقمشةِ الَّتي يُمْكِنُ أنْ تُصْنَعَ مِنَ القُطْنِ وَدُودَةِ القَزّ.

فمَا الَّذي جَعَلَ اللهُ يَخلُقُ دُودَةً قَزٍّ تَغْزِلُ الحَريرَ إنْ لم يَكُن يَتوقَّعُ أنَّ شَخصًا سيَرتدي قِطْعَة ثِيابٍ مِن حَرير؟ والمَعنى المَقصودُ هُوَ أنَّ اللهَ خَلَقَ عَالَمًا يَزْخُرُ بالغِنَى والجَمالِ والألوان. فأنا أنظُرُ إلى هَذِهِ الرَّعيَّةِ في هذا الصَّباحِ وأرى عَدَدًا كَبيرًا مِنَ الرِّجالِ الَّذينَ يَرْتَدونَ مَلابِسَ سَوداء، وعَدَدًا كَبيرًا مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي يَرتَدين مَلابِسَ زَاهِيَة. وأنا أعلَمُ... أنا أعلَمُ أنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ تِلكَ الألوان. وَهُوَ لم يَكُن مُضطَرًّا لِخَلْقِ الألوانِ في العَالَم، ولكِنَّهُ فَعَلَ ذلك. وَجَمالُ الفَساتينِ بألوانِها الرَّائعةِ بِمَا في ذلكَ جَمال رَبْطَةِ العُنُقِ الحَمراءِ تُسِرُّ الرَّبَّ لأنَّهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ الألوان. أليسَ كذلك؟

لِذا، لا يُوجَد أيُّ خَطأٍ في التَّمَتُّعِ بِسَريرٍ مُريحٍ وَدَافِئٍ، أو في الجُلوسِ أمامَ مِدفأةٍ مُشتعلةٍ في كُرسِيٍّ مُريحٍ والتَّمَتُّعِ بألوانِ ألسِنَةِ اللَّهَبِ المُنبعثةِ مِنَ المِدفأة، أو في قِراءةِ كِتابٍ مُمتِعٍ والاستماعِ إلى مُوسيقا عَذْبَة تُعْزَفُ على الجيتار كَما فَعَلَ "كريستوفر باركيننغ" (Christopher Parkening) في هذا الصَّباح. هَذا هُوَ غِنَى كُلِّ الأشياءِ الَّتي وَضَعَها اللهُ في هذهِ الأرض. وَكُلُّ هَذا الغِنَى مَوجودٌ هُناك. وَإنْ استطعنا أنْ نَجْمَعَ بينَ غِنَى الأرضِ وقُدرتِنا البَشَرِيَّةِ على استِخراجِ هذهِ الكُنوزِ مِنها، نَكونُ قَد حَقَّقْنا قَصْدَ اللهِ للبَشَرِ في أنْ يَتَمَتَّعُوا بِحياتِهم.

وَهَكذا خَلَقَ اللهُ العَالَمَ. وَهَذا هُوَ قَصْدُه مِنْ كُلِّ هَذا الغِنَى. فَنَحنُ نَستَمِرُّ في استِخراجِ هَذِهِ الكُنوزِ، واستِخراجِها، واستِخراجِها. وَيبدو أنَّهُ لا نِهايَةَ لَها. فَهُناكَ هَذا الكَمُّ الهَائِلُ مِنَ المَوارِدِ الطَّبيعيَّةِ إلى جَانِبِ القُدرةِ البَشريَّةِ على استِخراجِ هذهِ المَوارِدِ بِطُرُقٍ كَثيرةٍ جدًّا ومُختلِفَة. وَهَذا مُدهِشٌ حَقًّا!

لِذا فإنَّ اللهَ يُعطي تَأكيدً قَوِيًّا على حُسْنِ هَذا الكَوكَبِ الَّذي سَيَفنَى ذَاتَ يَوم. فَهُوَ مَوجودٌ لهذا الوقتِ فقط، ولكِنَّهُ يَقولُ: استَمتِعُوا بِهِ مَا دَامَ مُتاحًا. استَمتِعُوا بِهِ مَا دَامَ مُتاحًا. فَهذهِ هِيَ الحَياةُ كَما تَعلمون. فاللهُ يُعطيكُم أبناءَكُم في هذهِ اللَّحظَةِ ويَنبغي أنْ تَستَمتِعُوا بِهِم مَا دَامَتِ الفُرصَةُ مُتاحَة. فأنتَ تُدركُ أنَّكَ سَتَموتُ في يَومٍ مَا، أو أنَّهُم سيَموتونَ في يَومٍ مَا. فالحَياةُ قَصيرة. ولكِنْ يوجدُ غِنَى كَثيرٌ جدًّا في هذهِ الحَياة. واللهُ يُريدُ مِنَّا وَحَسْب أنْ نَستمتِعَ حَتَّى بهذهِ الحَياة.

وَقد جَاءَ السُّقوط. فقد أخطأَ آدَمُ وَحَوَّاءُ فَحَلَّتِ اللَّعنَةُ على الأرض. وَمَعَ أنَّها لَطَّخَتْ حُسْنَها فإنَّها لم تُدَمِّرْها، ولم تَمسحْها. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الإنسانَ وَأعطاهُ حُريَّة. وَما أعنيه هُوَ أنَّهُ وَضَعَ آدَمَ وَحَوَّاءَ في جَنَّةِ عَدْنٍ وَقالَ لَهُما: "استَمتِعا بِها. أَديرا هَذا المَكان. أَديرا جَنَّةَ عَدْن". وعندما أخطأَ كِلاهُما، صَارَتِ الحُريَّةُ مُدَمِّرَة.

فالحُرِّيَّةُ مَا زَالَت مَوجودَة، ولكِنْ، ويا للأسف، صَارَ بِمَقدورِ الإنسانِ الآنَ أن يَأخُذَ مَوارِدَ الأرضِ وَيَصْنَعَ مِنها أسلِحَةً للحَرب. وَصَارَ بِمَقدورِهِ الآنَ أن يَأخُذَ الهِباتِ الصَّالِحَةَ النَّابِعَةَ مِنَ المَحَبَّةِ الجَسديَّةِ وَيُحَوِّلَها إلى انحِرافٍ جِنسيٍّ. وَصَارَ بِمَقدورِهِ أنْ يَأخُذَ النَّباتاتِ وَيَصْنَعَ مِنها السُّمومَ والعَقاقيرَ الَّتي يُدَمِّرُ حَياةَ النَّاسِ بِها. فَقد صَارتِ الحُريَّةُ مَحفوفَةً بالمَخاطِرِ الآن. ولكِنَّ الأرضَ مَا تَزالُ حَسَنَة. فَهِيَ مَا تَزالُ حَسَنَةً جدًّا.

وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ الخَطِيَّةَ لا تَكْمُنُ في التَّمَتُّعِ بها، بل إنَّ الخَطِيَّةَ تَكْمُنُ في الانغِماسِ المُفرِط. والخَطِيَّةُ تَكْمُنُ في التَّباهي بِثَروَتِك. والخَطِيَّةُ تَكْمُنُ في الأنانِيَّةِ، والانغِماسِ الذَّاتِيِّ، والبُخْل، والاستِهلاكِ المُفرِط. فَمَوقِفُ القَلبِ هُوَ الخَطِيَّة. أمَّا إنْ كُنتَ تَتَمَتَّعُ بِغِنَى الأشياءِ الَّتي وَفَّرَها اللهُ لَكَ، وكُنتَ تُقَدِّمُ لَهُ الشُّكرَ، وَكانَ ذلكَ الشُّكرُ يَنعَكِسُ إيجابِيًّا على طَاعَتِك، وكُنتَ مُستعِدًّا لأن تَكونَ سَخِيًّا مَعَ الآخرين، تَكونُ قدِ استَخدمتَ العَالَمَ المَادِّيَّ استِخدامًا بَارًّا.

والمَعنى المَقصودُ هُوَ أنَّ اللهَ جَعَلَنا أغنياء. وَقد أعطانا اللهُ القُدرةَ على أن نَحصُلَ على الثَّروة. وَقد أعطى النَّاسَ المُختلِفينَ قُدُراتٍ مُختلفة في هذا الشَّأن. وَهُوَ يُعْطي القُدُراتِ ويُعطي الفُرَصَ للتَّمَتُّعِ بهذهِ الثَّرواتِ كَما يَحْسُنُ في عَينيه. فَلن نَكونَ جَميعًا أغنياءَ كالآخرين.

فَهُناكَ مِقدارٌ مِنَ الرَّاحَةِ والفَرحِ والجَمالِ والرَّوعَةِ والشِّبَعِ في هذهِ الحَياةِ لَنا جميعًا. وَهُناكَ أشخاصٌ سيَكونونَ أغنياءَ جدًّا جدًّا، وأشخاصٌ لن يَكونوا أغنياءَ جدًّا. وَهُناكَ مُستوياتٌ مُختلفة. ولكِنَّ هَذا سَيَدومُ وَقتًا قَصيرًا وَحَسْب لأنَّ الإنسانَ بُخارٌ يَظهَرُ قَليلاً ثُمَّ يَضْمَحِلّ. ولكِنَّ اللهَ يُوَزَّعُ غِناهُ بِحَسَبِ سِيادَتِهِ وَكَما يَحْسُنُ في عَينيه لِما يَؤولُ إلى مَجْدِهِ وَتَحقيقِ قَصْدِه. وَحَتَّى إنَّ الأشرارَ يَنْجَحونَ [إلى حِيْن] بِسَببِ صَلاحِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ العَامَّةِ هَذِه.

لِذا، عِندَما تَفهَمونَ أنَّ هَذا العَالَمَ غَنِيٌّ... اسمَعوني: إنَّ مَا أقصِدُهُ هُوَ أنَّهُ خَلَقَ كَوكَبًا يَزْخُرُ بالخَيرات. وَحَتَّى إنَّهُ خَلَقَ كَوكَبًا يَزْخُرُ بالألماس. فَهل كَانَ يَتوقَّعُ أنْ يَبقى الألماسُ مَطمورًا في الأرض؟ أَمْ أنَّهُ كَانَ يَتوقَّعُ أنْ يَأتي شَخصٌ وَيَستخِرِجَ الألماسَ وَيَضَعَهُ في مَتْجَرٍ للمُجوهراتِ لِكَيْ تُعطي ألماسَةً مِنها لِفتاةِ أحلامِكَ عِندَما تَرغَبُ في الزَّواجِ مِنها؟

قَد تَقول: "هَذا بَذْخٌ". ولكِنْ مِن جِهَةٍ أخرى، إنْ كُنتُ أنظُرُ إلى تِلكَ الألماسَةِ على أنَّها رَمْزٌ لِتَقديري لِتِلكَ الفَتاةِ الَّتي أُحِبُّها، وَإنِ استَطعتُ أن أرى جَمالَ خَليقَةِ اللهِ في تلكَ الألماسَةِ وَأنْ أشكُرَهُ على ذلك، فإنَّهُ مَوقِفٌ قَلبِيٌّ. أليسَ كذلك؟ فالأمرُ هَكذا دائمًا.

لَقد كُنتُ أقولُ لِلانس (Lance) إنَّ ألماسَةً كَبيرةً قَد تُعثِرُكَ. فَهَذا الخَاتَمُ هَدِيَّة. إنَّهُ خَاتَمٌ مِن ذَهَب. وَهُوَ قَد يُعثِرُ شَخصًا في البَرازيل حيثُ كُنتُ. وَخَاتَمُ الزِّفَافِ هَذا المَصنوع مِنَ الألماس قَد يُعثِرُ شَخصًا في رُوسيا إنْ كَانَ كُلُّ مَا يَنظُرونَ إليه هُوَ الجَانِب المَادِّيُّ، وإنْ لم يَكونوا يَعرِفونَ المَعاني الرَّمزِيَّةَ لِكُلِّ هذهِ الأشياءِ، وإنْ لم يَكونوا يَعرِفونَ قَلبي. وأعتقدُ أنَّهُ يُمكِنُكم أن تَستمتِعوا بالأشياءِ الَّتي يُعطيكُم اللهُ إيَّاها سَواءَ كَانَت بَيتًا أو سَيَّارة. وَلا شَكَّ في أنَّهُ يَنبغي أنْ نَستخدِمَ المَالَ والأشياءَ بِعَقلانِيَّة، ولكِنْ يُمكِنُكم أن تَستمتِعوا بهذهِ الأشياءِ لأنَّ اللهَ خَلَقَ عَالَمًا يَزْخُرُ بهِذا الغِنَى. فَهُوَ لَمْحَةٌ صَغيرةٌ وَحَسْب عَنِ الغِنَى الآتِي. لِذا، تَمَتَّعُوا بها. واعلَمُوا أنَّها لَيسَت أبديَّة.

فَهِيَ لَمْحَةٌ صَغيرةٌ وَحَسْب عَنِ السَّماءِ حيثُ إنَّهُ سيُوجَدُ هُناكَ غِنَى يَفوقُ الوَصف. وَهُناكَ سَتكونونَ حَقًّا أغنياء. فالثَّروةُ الأرضيَّةُ هِيَ مِنَ اللهِ ولكِنَّها تَدومُ وَقتًا قَصيرًا. وَهِيَ لَن تَكونَ مُهِمَّةً في الأبديَّة. وأعتقدُ أنَّ الأمورَ سَتَنعَكِسُ حينَ نَذهبُ إلى هُناك. ولكِنَّ هَذا يُرينا لُطْفَ اللهِ نَحْوَ خَليقَتِهِ، وكيفَ أنَّهُ يُريدُ أنْ يُظْهِرَ إبداعَهُ المُذهِلَ والمُدهِش.

إذًا، لَقد وَضَّحَ اللهُ في سِفْرِ التَّكوين أنَّ العَالَمَ المَخلوقَ الَّذي لا رُوحَ لَهُ قَدْ خُلِقَ لِفَترةٍ وَجيزةٍ وَحَسْب في وَسْطِ الأبديَّةِ لكي يُعطي فَرَحًا وَسُرورًا مِن خِلالِ الأشياءِ كَالسَّيَّارةِ الجَميلةِ، والمَنزِلِ الجَميلِ، والحَديقةِ، والمَلابسِ، والأجهِزَةِ، والمِدفأةِ، وَأيِّ شَيءٍ آخر. وَيَقولُ "جون شنايدر" (John Schneider): "ابتِهاجُ الإنسانِ يُعَبِّرُ عَن مَجدِ الله. فَعندما يَتِمُّ التَّعبيرُ عَنهُ بِشَكلٍ لائِقٍ فإنَّهُ قُرْبانٌ يَدُلُّ على سِيادَةِ اللهِ عَلى الفَوضى والظُّلمَة".

والآن، فيما تَفتَحونَ على سِفْر التَّكوين، انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّامنِ قَليلاً. وأريدُ أن أُوَضِّحَ شَيئًا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنهُ للتَّوّ إذْ نَجِدُ هُنا آياتٍ تَتَحَدَّثُ عَن نُوح. فقد خَلَقَ اللهُ هَذا العَالَمَ البَديعَ لأجلِنا كَي نَتَمَتَّعَ به، وكَي يَكونَ مُبْهِجًا لَنا. انظروا إلى الأصحاحِ الثَّامنِ والعَددِ الحَادي والعِشرين. فالعَدد 20 يَتحدَّثُ عن أنَّ نُوحًا بَنى مَذبَحًا وَكانَ مُزْمِعًا أنْ يَشْوي لَحْمًا. وَنَحنُ نُسَمِّي ذلكَ ذَبيحَةً؛ ولكِنَّهُ في الحَقيقةِ لَحْمٌ مَشْوِيٌّ. "وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَح". أليسَ هَذا لَحْمًا مَشْوِيًّا؟ أليسَ هَذا هُوَ مَا تَقولُهُ زَوجَتُك؟ مَا هَذا، مُحْرَقَة؟"

هَذا لَحْمٌ مَشوِيّ. وَأنا أُحِبُّ ذلك. ونَقرأُ في العَدد 21: "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا". هَل تَعلمونَ أنَّ اللهَ يُحِبُّ رَائِحَةَ اللَّحْمِ المَشْوِيّ؟ وأنا أُحِبُّ رَائِحَةَ اللَّحْمِ المَشْوِيّ. سَوفَ أقولُ لَكُم شَيئًا: أنا أُحِبُّ رَائِحَةَ اللَّحْمِ المَشْوِيّ. فَهِيَ أفضلُ مِن رَائِحَةِ البروكلي المَسلوق. وَحَتَّى إنَّ اللهَ يُحِبُّ رَائِحَةَ اللَّحْمِ المَشْوِيّ. وَاسمَعوني: لَقَد قَصَدَ أنْ يَجعَلَ للطَّعامِ رَائِحَة. لَقَد قَصَدَ أنْ يَجعَلَ للطَّعامِ رَائِحَة. فَلَم يَكُن يَنبغي أنْ تَكونَ للطَّعامِ رَائِحَة شَهِيَّة؛ ولكِنَّهُ قَصَدَ أنْ يَجعَلَ لَهُ رَائِحَةً مِن أجلِ فَرَحِنا وَمُتْعَتِنا.

"فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ [أيْ أنَّنا نَجِدُ هُنا حَديثًا دَارَ بينَ الأقانيمِ الثَّلاثَة]: لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ".

هَل تَعلمونَ مَاذا قَصَد؟ "لَنْ أُهْلِكَ هَذِهِ الخَليقَةَ مَرَّةً أخرى، بَلْ سأترُكُها هُناك. فَمَعَ أنَّ الإنسانَ شِرِّيرٌ، سَأَدَعُهُ يَتَمَتَّعُ بها. وَسَوفَ أَدَعُهُ يَشْتَمُّ رَوائِحَ الأطعِمَةِ وَيَتَذَوَّقها، ويَشْتَمُّ الأزهارَ، ويَستَخرِجُ المَعادِنَ، وَيَتمتَّعُ بالكَهرُباءِ، والمِياهِ العَذبَةِ، والهَواءِ العَليلِ، وَشَلاَّلاتِ المِياهِ، وَكُلِّ شَيء".

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 22: "مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ". فاللهُ يَقولُ: لَن أُهْلِكَ الخَليقَةَ مَرَّةً أخرى إلى أنْ يَحينَ وَقتُ الهَلاكِ النِّهائِيّ، بَلْ سَأجعلُ الإنسانَ يَتَمَتَّعُ بالخَليقَة. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسِع: "وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ. وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاء". أنتُم مَسؤولون. وأنتُم مَن سَتُقَرِّرونَ إنْ كَانَتْ تِلكَ المَخلوقاتِ سَتَعيشُ أو سَتَموت. "مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، وَكُلِّ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ".

نَحنُ نَفهَمُ ذلك، ولكِنِّي لا أَظُنُّ أنَّ عُلماءَ البيئَةِ يَفهَمونَ ذلك. فَنَحنُ مَسؤولونَ عَن كُلِّ هَذهِ الخَليقَة. "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيع". فَقد دَفَعْتُ إليكُم الجَميع. قَد دَفعتُ إليكُم الجَميع. واسمَعوني: لَقد كانَ يَعلَمُ مَا هُوَ مَوجودٌ في هَذا الكَوكَب. لَقد كَانَ يَعلَمُ مَا هُوَ مَوجودٌ هُنا.

وَقد تَقول: "أليسَ استِخراجُ المَعادِنِ وَتَصنيعُها شَيئًا حَديثًا؟" لا! اقرأوا الأصحاحَ الثَّامِن والعِشرين مِن سِفْرِ أيُّوب. وَسِفْرُ أيُّوب هُوَ أقدَمُ سِفْرٍ في الكتابِ المقدَّس. وَالأصحاحُ الثَّامِنُ والعِشرون مِن سِفْرِ أيُّوب يَتحدَّثُ عَنِ التَّعدين. فَهُوَ يَتحدَّثُ عَنِ النُّزولِ إلى جَوفِ الأرضِ، وإلى مَسافَةٍ عَميقةٍ جدًّا لم تُبْصِرْها عَيْنٌ لاستِخراجِ المَعادِنِ كَالذَّهَبِ والفِضَّةِ والأشياءِ الثَّمينَةِ الَّتي فيها.

فَهذا الأمرُ ليسَ جَديدًا. لا تَخدَع نَفسَك. فالإنسانُ لا يَتَحَسَّن، بَلْ يَصيرُ أردأَ فيما يَهْوي مِنَ السُّقوط. وَكَانَ هُناكَ مُستوىً مِنَ النُّبوغِ البَشَرِيِّ في تِلكَ الفَتْراتِ المُبَكِّرَةِ يَفوقُ نُبوغَنا جِدًّا. وَكُلُّ هَذِهِ الخَيراتِ هِيَ لَكُم... كُلُّ ذَرَّةٍ مِنها هِيَ لَكُم... كُلُّ ذَرَّةٍ مِنها. تَمَتَّعُوا بِها. استَخدِموها واغْتَنُوا بِها، وَابتَهِجُوا بِها.

والآن، عِندَما تَبْتَهِجونَ فإنَّكُم تُمَجِّدونَ اللهَ وَتَشكُرونَ اللهَ. وَمِن خِلالِ امتِنانِكُم تُطيعونَ اللهَ وَتَتَمَسَّكونَ بِرجائِكُم في السَّماء. هَذا هُوَ مَا يَطلُبُهُ. وَهَذا يَفحَصُ القَلب. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ يَحفَظُكَ مِنَ الانغِماسِ الذَّاتِيِّ، والتَّباهي بِثَروَتِك. ولكِنَّهُ يَسْمَحُ لَكَ بالتَّمَتُّعِ بِوَسائِلِ الرَّاحَةِ بِقَلبٍ شَكور.

وَهُناكَ نُقطَةٌ أخرى مُهِمَّةٌ جدًّا لَدى الله. افتَحُوا على سِفْرِ التَّثنية والأصحاح 14؛ سِفْر التَّثنية 14: 22. وبالمُناسَبَة، فيما يَخْتَصُّ بالأشخاصِ القَلِقينَ مِن أنْ تَنقَرِضَ الأشياءُ، كَما تَعلَمونَ، ويَقولونَ: "لا نُريدُ أن نَأكُلَ مِن هذهِ الأشياءِ لأنَّها سَتَنقَرِض"، اسمَعوني: بَعدَ حِيْن، لَن يَعودَ هُناكَ أيُّ شَيء. والانقِراضُ ليسَ مُشكلةً عِندَ الله.

فَنَحنُ لَسنا مَوجودينَ على هذهِ الأرضِ لِحِفْظِ تِلكَ الأشكالَ الحَياتِيَّة، بَلْ نَحْنُ مَوجودونَ هُنا لاستِهلاكِها. وَنَحْنُ لَسنا هُنا للحِفاظِ على المَوارِدِ، بَلْ نَحْنُ هُنا لاستِخدامِها. وَنَحنُ لا نُريدُ أن نُسيءَ استِخدامَها. فَلا يَجوزُ لَنا أنْ نُحَوِّلَ العَالَمَ إلى مِكَبٍّ للنُّفايات. ولكِنَّ هَذِهِ الأشياءَ مَوجودةٌ هُنا في هذهِ الفَترةِ الزَّمنيَّةِ القَصيرةِ لكي نَستخدِمَها.

انظروا إلى العَدد 22: "تَعْشِيرًا تُعَشِّرُ"؛ أيْ أنْ تَدْفَعُ العُشور. فَهذهِ الكَلمةُ تَعني ببساطَةٍ أنْ تَدْفَعَ عُشْرًا. "كُلَّ مَحْصُولِ زَرْعِكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحَقْلِ سَنَةً بِسَنَةٍ". فَسوفَ يَكونُ هُناكَ أُناسٌ لَديهِم حُقول. وَسَوفَ يَكونُ هُناكَ أُناسٌ لَديهم أراضٍ، وأُناسٌ يَمْلِكونَ عَقاراتٍ وَحُقولاً. وَهُوَ يُوصيهم هُنا بأنْ يُعَشِّرُوا. "وَتَأْكُلُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ، فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ لِيُحِلَّ اسْمَهُ فِيهِ، عُشْرَ حِنْطَتِكَ وَخَمْرِكَ وَزَيْتِكَ، وَأَبْكَارِ بَقَرِكَ وَغَنَمِكَ، لِكَيْ تَتَعَلَّمَ أَنْ تَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَكَ كُلَّ الأَيَّام".

فَقد كانَ يَنبغي لهم أن يُعطوا كُلَّ سَنةٍ عُشْرَ كُلِّ شَيءٍ أَنتَجُوه. وَكانَ يَنبغي لهم أن يَأخذوهُ إلى أورُشليم في الأعيادِ الكَبيرةِ ويُشارِكوه. فَقد كانَ يَنبغي لَهُم أن يُشارِكوه معَ بَقِيَّةِ الشَّعبِ الَّذينَ لا يَمْلِكونَ مَا يَملكوه. بِعبارةٍ أخرى، كانَ يَنْبغي أَخْذُ عُشْرِ المُنتجَاتِ ومَحاصيلِ الأرضِ الَّتي يَحصُلُ عليها أصحابُ الحُقولِ، وكذلكَ الحِنطَة والمَواشي، وَأن يُشارِكوها مَعَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَملِكونَها في الأعيادِ القَوميَّةِ الكَبيرةِ الَّتي كَانَتْ تَرْمِي إلى تَعزيزِ الوحْدَةِ القَومِيَّةِ وَتَسْمَحُ بِمِثلِ هَذِهِ الأُلْفَةِ المُهِمَّةِ جدًّا. هَذا عَدا عَنْ نِظامِ الذَّبائِحِ وكُلِّ الأشياءِ الأخرى الَّتي كانَتْ تَحدُثُ في تِلكَ المُناسَباتِ العَظيمَة.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 24: "وَلكِنْ إِذَا طَالَ عَلَيْكَ الطَّرِيقُ حَتَّى لاَ تَقْدِرَ أَنْ تَحْمِلَهُ..." – بِعبارةٍ أخرى، إذا لم تَتَمَكَّنْ مِنْ حَمْلِ كُلِّ تِلكَ الأشياءِ إلى هُناك لأنَّكَ بَعيدٌ جدًّا عَن أورُشَليم. "...إِذَا كَانَ بَعِيدًا عَلَيْكَ الْمَكَانُ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ لِيَجْعَلَ اسْمَهُ فِيهِ، إِذْ يُبَارِكُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، فَبِعْهُ بِفِضَّةٍ". بِعبارةٍ أخرى، يُمكِنُكَ أن تَبيعَ كُلَّ ذلكَ، وأنْ تَحصُلَ مُقابِلَهُ على المَال. "وَصُرَّ الْفِضَّةَ فِي يَدِكَ وَاذْهَبْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ". ويَنبغي أن تَتذكَّروا أنَّ عِبادَةَ الرَّبِّ كانَتْ تَتِمُّ في أماكِن عَديدة؛ ولكِنَّها استَقَرَّتْ أخيرًا في أورُشليم.

"وَأَنْفِقِ الْفِضَّةَ فِي كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ وَكُلِّ مَا تَطْلُبُ مِنْكَ نَفْسُكَ، وَكُلْ هُنَاكَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ وَافْرَحْ أَنْتَ وَبَيْتُكَ. وَاللاَّوِيُّ الَّذِي فِي أَبْوَابِكَ لاَ تَتْرُكْهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمٌ وَلاَ نَصِيبٌ مَعَكَ". إذًا، مَا يَنبغي لكَ أن تَفعلَهُ هُوَ أنْ تَحتَفِلَ، وَأنْ تَأكُلَ كُلَّ هذهِ الأشياءِ الرَّائِعَةِ في العِيد، وأنْ تُشارِكَ اللاَّوِيَّ لأنَّهُ يَعتَمِدُ على مُشارَكَتِكَ لأنَّهُ ليسَ لَهُ قِسْمٌ أو نَصيبٌ خَاصٌّ بِه.

ثُمَّ نَقرأُ: "فِي آخِرِ ثَلاَثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُولِكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَتَضَعُهُ فِي أَبْوَابِكَ. فَيَأْتِي اللاَّوِيُّ، لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمٌ وَلاَ نَصِيبٌ مَعَكَ، وَالْغَرِيبُ [أيِ الأجنَبِيُّ] وَالْيَتِيمُ وَالأَرْمَلَةُ الَّذِينَ فِي أَبْوَابِكَ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْبَعُونَ، لِكَيْ يُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدِكَ الَّذِي تَعْمَلُ". إذًا، يَجِبُ عليكَ، مَرَّةً أخرى، أن تُشارِكَ مَحصولَكَ مَعَ اللاَّوِيِّ، وَمَعَ الفَقير. وَهَذا يَقودُنا إلى فِكرةِ أنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نَحْرِصَ [عِندَما نَحصُلُ على الغِنَى المَوجودِ في هذا العَالَمِ] على أنْ نُشارِكَ بِسَخاء.

وَنَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس: "أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ..."؛ أيْ أنَّهُ لا تُوجَدُ عِلَّةٌ في ثَرائِهم، بَلْ أَوْصِهِمْ وَحَسْب "...أَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاء". أن يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاء. وَنَرى هُنا، مَرَّةً أخرى، نَفسَ رُوحِ التَّعشيرِ في العهدِ القديم. فأنتَ تَأخُذُ جُزءًا مِمَّا حَصلتِ عَليهِ وَتُشارِكُه.

كَذلكَ، كَانَ يُسْمَحُ للفُقراءِ أنْ يَلتَقِطُوا المَحاصيلَ المُتَبَقِّيَة في زَوايا الحَقْلِ وَلا يَجوزُ حَصْدُها. وَإنْ سَقَطَ جُزءٌ مِنَ المَحاصيلِ مِنْ عَرَبَتِك، لا تَلتَقِطْهُ لأنَّ الفُقراءَ سَيَأتونَ وَيَلتقطونَهُ لاحِقًا. فَقد كانت هُناكَ العَديدُ مِنَ الطُّرُقِ الَّتي يُمكِنُ فيها للأغنياءِ أن يُشارِكُوا مَا لَديهم. وَكانَ يَنبغي لَهُم أن يَكونوا أسخياءَ مِن قُلوبِهم كَما أنَّ اللهَ سَخِيٌّ مَعَهُم أيضًا.

والآن، لِنَرجِع قَليلاً إلى سِفْر التَّثنية والأصحاحِ الثَّامن. وأريدُ أن أبتدِئَ مِنَ العَددِ السَّابعِ مِنَ الأصحاحِ الثَّامن: "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ آتٍ بِكَ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ. أَرْضِ أَنْهَارٍ مِنْ عُيُونٍ، وَغِمَارٍ تَنْبَعُ فِي الْبِقَاعِ وَالْجِبَالِ. أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ، وَعَسَل". وَهَذا أمرٌ مُدهِشٌ في نَظري. فعندما خَلَقَ اللهُ الأرضَ جَعَلَها غَنِيَّةً بالمَوارِد. وعندما اختارَ أرضًا لِشَعبِهِ إسرائيل، اختارَ أفضلَ قِطْعَة أرضٍ في كُلِّ الأرض. هَذا هُوَ قَلبُ الله.

فَقد أعطاهُم الكَثيرَ مِنَ الغِنَى، والمَوارِدِ الطَّبيعيَّةِ، والأراضي الصَّالِحَةِ، وجَداوِلِ المِياهِ، واليَنابيعِ، وعُيونِ المِياهِ، والأودِيَةِ، والجِبالِ، والقَمح، والشَّعير، والكُرومِ، وأشجارِ التِّينِ، والرُّمَّان، وَزَيتِ الزَّيتون، والعَسَل. وَهِيَ أرضٌ يَقولُ عَنها العَددُ التَّاسِعُ إنَّها: "أَرْضٌ لَيْسَ بِالْمَسْكَنَةِ تَأْكُلُ فِيهَا خُبْزًا، وَلاَ يُعْوِزُكَ فِيهَا شَيْءٌ. أَرْضٌ حِجَارَتُهَا حَدِيدٌ، وَمِنْ جِبَالِهَا تَحْفُرُ نُحَاسًا". وَقد كانُوا يَستخرِجونَ الحَديدَ مِنَ الأرضِ وَيَستخرِجونَ النُّحاسَ مِنَ الجِبالِ ويَستخدِمونَ تِلكَ الأشياءَ لجَميعِ الغَايات.

"فَمَتَى أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ تُبَارِكُ الرَّبَّ إِلهَكَ لأَجْلِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي أَعْطَاكَ". وَهُنا أيضًا، نَرجِعُ إلى نَفسِ النُّقطَة. فاللهُ يُريدُ مِنكَ أنْ تَأخُذَ كُلَّ الثَّرواتِ الَّتي وَضَعها في هذهِ الأرضِ، وأن تَستخلِصَها، وتَحصُل عليها، وتَتَمَتَّعَ بها، وتَبتَهِج بها. وعندما تَتَمَتَّع بها، اشكُرْهُ عليها. لِذا فإنَّ المَوقفَ القَلبيَّ هُوَ مَوقِفُ عِبادَةٍ وَتَسبيحٍ وَحَمْدٍ لله. هَذهِ هِيَ... هَذِهِ هِيَ النَّظرةُ الرُّوحِيَّةُ إلى العَالَمِ المَادِّي.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الحادي عَشَر شَيئًا مُهِمًّا جدًّا: "اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ وَلاَ تَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْم". فَهَذا أمرٌ مُهِمٌّ عِندَ الله. فَهُوَ لا يُبالي بِغِناك، بَلْ يُبالي بأنْ تُمَجِّدَهُ وَتَتَذَكَّرَ أنْ تُطيعَهُ.

وَإنْ كَانَ كُلُّ هَذا الخَيرِ الَّذي أعطاكَ إيَّاه قَد جَعَلَكَ تَشعُرُ بالامتنانِ في قَلبِكَ لَهُ، وَظَهَرَ هَذا الامتِنانُ مِن خِلالِ طَاعَتِكَ لَهُ فإنَّهُ سَيُسَرُّ بِك. ولكِنَّهُ يُحَذِّرُ قَائِلاً في العَددِ الثَّاني عَشَر: "لِئَلاَّ إِذَا أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ وَبَنَيْتَ بُيُوتًا جَيِّدَةً وَسَكَنْتَ...".

إذًا، لا خَطأَ في شِراءِ بَيتٍ جَيِّدٍ، وَلا خَطأَ في السَّكَنِ في بَيتٍ مُريح، ولا خَطأً في العَيشِ فيه، ولا خَطأَ في امتِلاكِ قَطيعٍ مِنَ الأغنامِ والأبقار وَإكثارِها. ونَقرأُ في العَدد 13: "وَكَثُرَتْ بَقَرُكَ وَغَنَمُكَ، وَكَثُرَتْ لَكَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ، وَكَثُرَ كُلُّ مَا لَكَ". والسَّببُ الوَحيدُ في أنَّها قَدْ تَكْثُر مَذكورٌ هُنا. أليسَ كذلك؟ فاللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شَيء. وَهُوَ الَّذي وَضَعَ كُلَّ شَيءٍ في هذهِ الأرض.

وَلو أنَّهُ أرادَ مِنَّا جميعًا أن نَعيشَ مِثلَ الشُّيوعِيِّينَ في أدنى مُستوىً مُمكِن، أو لو أرادَ مِنَّا جَميعًا أن نَعيشَ مِثلَ الوَثنيِّينَ أوِ الفُقراءِ الَّذينَ يَعبُدونَ آلِهَةً أخرى في الهِند (والَّذينَ ابتَعَدُوا عَنِ اللهِ وَجَرَّدُوا حَياتَهُم مِنْ كُلِّ غِناه)، لو أرادَ مِنَّا أنْ نَعيشَ هَكذا لَخَلَقَ كَوكَبًا يُشبِهُ القَمَر. ولكِنَّهُ لم يَفعل ذلك... لم يَفعل ذلك.

إذًا، هُناكَ بُيوتُكَ، وَأبقارُكَ، وَأغنامُكَ، وَفِضَّتُكَ، وَذَهَبُك. والمُشكلةُ تَكْمُنُ فيما يَلي: عِندَما "يَرْتَفِعُ قَلْبُكَ..." [في العَدد 14] "...وَتَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّة". هُنا تَكمُنُ المُشكلة.

"الَّذِي سَارَ بِكَ فِي الْقَفْرِ الْعَظِيمِ الْمَخُوفِ، مَكَانِ حَيَّاتٍ مُحْرِقَةٍ وَعَقَارِبَ وَعَطَشٍ حَيْثُ لَيْسَ مَاءٌ. الَّذِي أَخْرَجَ لَكَ مَاءً مِنْ صَخْرَةِ الصَّوَّانِ. الَّذِي أَطْعَمَكَ فِي الْبَرِّيَّةِ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ، لِكَيْ يُحْسِنَ إِلَيْكَ فِي آخِرَتِك". هَذا هُوَ قَلبُ اللهِ دَائِمًا.

أمَّا إنْ نَسَيْتَ اللهَ فإنَّكَ سَتَقولُ: "قُوَّتِي وَقُدْرَةُ يَدِيَ اصْطَنَعَتْ لِي هذِهِ الثَّرْوَة". فاللهُ لا يُريدُكَ أن تَكونَ فَقيرًا. بَلْ إنَّ اللهَ يُسَرُّ بأنْ يُعطيكَ ثَروةً مَا دُمْتَ تَعلَمُ مَنِ الَّذي أعطاكَ إيَّاها، وَما دُمْتَ تَشكُرُهُ، وتُسَبِّحُهُ، وتُكْرِمُهُ، وتُمَجِّدُه. وَمِنْ خِلالِ ذلكَ الابتهاجِ والفَرَحِ تَأتي الطَّاعَة. وَما دُمْتَ تُبدي الاستِعدادَ لمُشارَكَةِ مَا لَكَ بِسَخاء.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 18: "بَلِ اذْكُرِ الرَّبَّ إِلهَكَ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِيكَ قُوَّةً لاصْطِنَاعِ الثَّرْوَةِ، لِكَيْ يَفِيَ بِعَهْدِهِ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكَ كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ. وَإِنْ نَسِيتَ الرَّبَّ إِلهَكَ، وَذَهَبْتَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدْتَهَا وَسَجَدْتَ لَهَا، أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أَنَّكُمْ تَبِيدُونَ لاَ مَحَالَةَ. كَالشُّعُوبِ الَّذِينَ يُبِيدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكُمْ كَذلِكَ تَبِيدُونَ، لأَجْلِ أَنَّكُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ الرَّبِّ إِلهِكُمْ". وَمَرَّةً أخرى، نَعودُ إلى نَفسِ المَبدأ. فالثَّروةُ والمُمتلكاتُ وَالمالُ هِيَ مُؤشِّرٌ على شَخصيَّتِكَ الرُّوحِيَّة. أليسَ كذلك؟

فإنْ كُنتَ تَنظُرُ إلى هذهِ الأشياءِ نَظرةً سَليمةً، وَتَبْتَهِجُ بها، وتَشكُرُهُ عليها، فإنَّ الله يُسَرُّ بذلك... اللهُ يُسَرُّ بذلك. فَما أروَعَهُ مِنْ عَالَمٍ أعطانا إيَّاه! وَحَتَّى إنَّ الفُقَراءَ الَّذينَ هُمْ على النَّقيضِ تَمامًا مِنَ الأغنياءِ يَتمتَّعونَ بِخَيراتِ الأرضِ العَظيمَة.

صَحيحٌ أنَّنا قَد لا نَملِكُ الكَثيرَ كَالأغنياء، وَأنَّنا لا نَمْلِكُ قُدرَتَهُم الذِّهنيَّةَ وَلا الفِكريَّة، وَأنَّنا لا نَستطيعُ أن نَختَرِعَ الأشياءَ، وَلا نَستطيعُ أنْ نُؤسِّسَ شَرِكاتٍ كُبرى، وَأنَّنا لَسنا نَوابِغَ في تَخَصُّصاتِنا، وَلَسنا عُلماءَ عُظماءَ يَستطيعونَ أن يَختَرِعوا الأشياءَ، وَأنَّنا لَسنا مُهندِسينَ بَارِعينَ يَستطيعونَ أن يَخترعوا مِحْلَجَةَ قُطْن أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل، وأنَّنا لا نَستطيعُ أن نَرسِمَ في أذهانِنا صُوَرًا لأشياءٍ يُمكِنُ أنْ تَصيرَ آلاتٍ عَظيمةً نَتَمَتَّعُ بها، وَأنَّنا لا نَعرِفُ كَيفَ نَحفُرُ الأرضَ ونَستخرِج مِنها المَعادِن، ولا كيفَ نَصنَعُ مِنها أشياءً، فإنَّنا نَتَمَتَّعُ بها، وَنَتَمَتَّعُ بِجمالِها، وَنَتَمَتَّعُ إلى حَدٍّ مَا بِما تُوفِّرُهُ لنا مِن رَاحَة. واسمَحُوا لي أن أقولَ لكُم يا أحبَّائي إنَّ هَذِهِ هِيَ الغَايَةُ مِنَ الإبداعِ المُتَنَوِّعِ الَّذي أعتقدُ أنَّ اللهَ قَصَدَ أنْ يُعطينا إيَّاه. فَهُوَ لم يَجعَلْنا جَميعًا مُتساوين، بَلْ خَلَقَنا جَميعًا مُختلِفينَ بَعضُنا عَن بَعض. وَهُناكَ أشخاصٌ مُدهِشونَ خَلَقَهُمُ اللهُ وأعطاهُم القُدرةَ على القِيامِ بِتِلكَ الأشياءِ الَّتي تَجعلُنا جَميعًا نَغْتَني... جَميعًا.

فَسواء كَانَ ذلكَ الإبداعُ مُوسيقِيًّا، أو كَانَ إبداعًا إلكترونِيًّا، أو إبداعًا هَندَسِيًّا، أو إبداعًا إدارِيًّا، أو ابتِكارًا مَا، يُمكِنُنا جَميعًا أن نَنتَفِعَ مِن هَذهِ الأشياءِ الغَنِيَّة. وَلماذا نَحْقِدُ على الأغنياءِ الَّذينَ يَمْلِكونَ أكثرَ مِمَّا نَملِكُ مَعَ أنَّهُ لَن يَدومَ سِوى وَقتًا قَصيرًا؟ هَذِهِ هِيَ طَريقةُ اللهِ المُنْعِمِ في القَولِ للبَشَر: "أريدُ مِنكُم أن تَتَمَتَّعُوا بِغِنى الحَياة". وَنَحنُ جَميعًا سنَتمتَّعُ بالغِنى الحَقيقيِّ في الأبديَّة. ولكِنْ إنْ كانَتْ تِلكَ الأشياءُ الغَنِيَّةُ مَوجودةً هُنا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَن مُستواها في حَياتِنا، وَشَكَرْنا اللهَ عَليها، وابتَهَجْنا بِهِا، وأدركنا أنَّها عَطايا صَالِحَة مِنهُ، فإنَّهُ يُسَرُّ بذلك. فَالمَوقِفُ القَلبِيُّ هُوَ المُهِمّ.

وَلِتَوضيحِ ذلكَ أكثر، افتَحُوا على سِفْرِ النَّبِيِّ عَاموس – سِفْرِ عَامُوس والأصحاح الخامِس. وَهذهِ نُبوءَةٌ مُدهِشَة. وَرُبَّما تَرْغَبونَ في صَرْفِ وَقتٍ في دِراسَتِها؛ ولكِنْ في سِفْر عَاموس والأصحاحِ الخَامِس، انظُروا إلى العَددِ الحَادي عَشَر. فالنَّبِيُّ عَاموسُ يَتنبَّأُ هُنا عَن يَومِ الرَّبِّ؛ أيْ عَن دَينونَةِ اللهِ القَادِمَة.

فَهُوَ يَتَنَبَّأُ أنَّ الدَّينونَةَ سَتَأتي على الأُمَمِ المُحيطَةِ ببني إسرائيلَ، وَحَتَّى على بَني إسرائيلَ أنفسِهم. وَنَجِدُ في الأصحاحِ الخَامِسِ والعَددِ الحَادي عَشَر عُنصُرًا مُهِمًّا جدًّا في سُلوكِهم أَدَّى إلى هَذا المَوقِفِ وَهذهِ الدَّينونَةِ الوَشيكَة: "مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ تَدُوسُونَ الْمِسْكِينَ، وَتَأْخُذُونَ مِنْهُ هَدِيَّةَ قَمْحٍ".

بِعبارةٍ أخرى، عِوَضًا عَن أن يَكونوا أسخياءَ وَلُطفاءَ وَشَفوقينَ، وَعَوِضًا عَن أنْ يُشارِكُوا مَا لَديهم بِرُوحِ التَّضحِيَةِ مَعَ الأشخاصِ المُحتاجين، وعَوِضًا عَنِ العَطاءِ، فَعَلوا العَكسَ تَمامًا إذْ فَرَضُوا إيجارًا بَاهِظًا على الفُقراء، وَاغْتَنُوا أكثرَ بكثير مِمَّا هُمْ بِحاجَةٍ إليه، وَجَعلوا الفُقراءَ أفقَرَ مِمَّا يَنبغي، وَفَرَضُوا عَليهِم ضَريبَةً على القَمْح. فَقد وَضَعُوا عَليهِم ضَريبةً، أو فَرَضُوا عَليهِم ضَريبةً. وَهِيَ ضَريبَةٌ اعتِباطِيَّة. وَقد أخذوا جُزءًا أكبرَ مِن طَعامِهم. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "بَنَيْتُمْ بُيُوتًا مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ وَلاَ تَسْكُنُونَ فِيهَا، وَغَرَسْتُمْ كُرُومًا شَهِيَّةً وَلاَ تَشْرَبُونَ خَمْرَهَا".

فَلا خَطأَ في البُيوتِ المَصنوعَةِ مِنَ الحَجَر، ولا خَطأَ في غَرْسِ الكُروم. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ ذُنُوبَكُمْ كَثِيرَةٌ وَخَطَايَاكُمْ وَافِرَةٌ أَيُّهَا الْمُضَايِقُونَ الْبَارَّ، الآخِذُونَ الرَّشْوَةَ، الصَّادُّونَ الْبَائِسِينَ فِي الْبَاب". فَهذهِ هِيَ دَائِمًا المُشكلة. فاللهُ لا يَحْرِمُكَ مِنَ التَّمَتُّعِ بِجَمالِ بَيتِكَ، بَل إنَّهُ هُوَ مَنْ وَضَعَ التَّناسُقَ والأشكالَ الهَندسيَّة.

وَاللهُ هُوَ الَّذي جَعَلَ لِكُلِّ شَيءٍ مَلمَسًا خَاصًّا وَخَلَقَ كُلَّ الأشياءِ البَديعَةِ والجَميلةِ والمُدهشةِ الَّتي تُشَكِّلُ الجَمالَ الَّذي نَعيشُ فيهِ ونَتمتَّعُ به. فالمُشكلةُ لا تَكْمُنُ هُنا، بَلْ تَكْمُنُ في كَيفيَّةِ تَعامُلِكَ مَعَ هَذِهِ الأشياءِ، وحَقيقَةِ مَشاعِرِكَ مِن نَحوِها، ومَوقِفِكَ مِنها. فَإنْ كَانَ مَوقِفُكَ مِنها هُوَ الشُّكرَ والتَّسبيحُ والاستمتاعُ والفَرَحُ بِصَلاحِ اللهِ وَعَطاياه، وكُنتَ سَخِيًّا، فإنَّ اللهَ يُسَرُّ بذلك.

والآن، ارجِعُوا إلى العَددِ الثَّالث. وَهذهِ عِباراتٌ قَوِيَّةٌ جدًّا – في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْرِ عَامُوس. فالعَدد 14 يَتحدَّثُ عَنِ العِقابِ، ثُمَّ نَجِدُ في العَدد 15 مَزيدًا مِنَ التَّفاصيل: "وَأَضْرِبُ بَيْتَ الشِّتَاءِ مَعَ بَيْتِ الصَّيْف". فَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم يَمْلِكونَ بَيْتَيْن. فَقد تَملِكُ بَيتًا شَتَوِيًّا وَبَيْتًا صَيفِيًّا. وَلا خَطأَ في ذلك. فَلا يُوجَدُ خَطأٌ في أنْ يَكونَ لَكَ بَيتٌ صَيفيٌّ على البَحر، أو بَيتٌ شَتَوِيٌّ في الجِبال. فالمُشكلةُ لا تَكمُنُ هُنا. فاللهُ يَفتَرِضُ أنَّ هَذِهِ حَقيقة عِندَ أُناسٍ كَثيرين. وَهِيَ كذلكَ حَولَ العَالَم.

والشَّيءُ الَّذي أدهَشَني في زِيارَتي الأخيرةِ لمِينسك (Minsk) في رُوسيا البيضاء (Belarus) هُوَ أنَّهُ كانَتْ تُوجَدُ بُيوتٌ صَيفيَّةٌ إذْ إنَّ النَّاسَ هُناكَ يَبنونَها شَيئًا فَشيئًا بِكُلِّ بِصَبْرٍ عَلى مَرِّ السِّنين حَتَّى يَبتَعِدُوا قَليلاً عَنْ ضَوضاءِ المَدينَةِ في فَصلِ الصَّيف. لِذا فإنَّها ليسَت مُشكلةً. فالنَّاسُ يَمْلِكونَ بُيوتًا شَتويَّةٍ وبُيوتًا صَيفيَّة.

وَهُناكَ شَكلٌ آخر مِن أشكالِ البُيوت: "بُيُوتُ الْعَاج". ولم يَسبِق لي أن رَأيت بَيتَ عَاجٍ. فَأنا أسمَعُ طَوالَ حَياتي أنَّهُ لا يَجوزُ أنْ يَأخُذَ الإنسانُ ذلكَ العَاج. فالفِيَلَةُ أبديَّة وَلا يَجوزُ لَنا أن نَأخُذَ عَاجَها. ولكِنْ في الأزمِنَةِ القَديمةِ في اعتقادي، لم يَكونوا يُفَكِّرونَ هَكذا، بَل كَانُوا يَبنونَ بُيوتًا عَاجِيَّة. وَهَذا لا يَعني أنَّ البَيتَ كانَ يُبنَى حقًّا مِنَ العَاج، بَل يَعني أنَّهُ كَانَ يَحوي عَاجًا.

فَرُبَّما كَانُوا يَصنَعونَ أعمِدَةً أو مَنحوتاتٍ مِنَ العَاج. وَلا خَطأَ في ذلك. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّها أشياءٌ جَميلةٌ جدًّا. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ الحِرَفِيِّينَ كَانُوا يَأخُذونَ العَاجَ وَيَصْنَعونَ مِنهُ أشكالاً فَنِيَّةً لا يُمكِنُ سِوى للإنسانِ المُبدِعِ أنْ يَصنَعَها. فَأنتُم لا تَرَوْنَ فِيلاً يَأخُذُ نَابَهُ وَيَصنَعُ مِنهُ شَكلاً مَنحوتًا، بَلْ يَنبغي أنْ يَصنَعَ ذلكَ الشَّكلَ الفَنِّيَّ رَجُلٌ أوِ امرأة. وَقد كانُوا يَضَعونَ تِلكَ التُّحُفَ في البَيت.

ثُمَّ إنَّ هُناكَ أشخاصًا يَمْلِكونَ بُيوتًا فَخْمَة. فَهُناكَ أشخاصٌ في اعتقادي يَملِكونَ بُيوتًا مَساحَتُها 500 متر مُربَّع، أو 700 متر مُربَّع، أو 900 متر مُرَبَّع، أو رُبَّما أكثر، ويَملِكونَ بُيوتًا صَيفيّة وَبُيوتًا شَتويّة، وبُيوتًا فَخْمَةً، وبُيوتًا عَظيمة. والرَّبُّ يَقولُ: "سَوفَ أسحَقُها كُلَّها". لماذا؟ لماذا؟ لا لأنَّكُم تَملِكونَ بَيتًا، بَلْ إنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الأوَّلِ الكلماتِ المُدهشةَ التَّالية: "اِسْمَعِي هذَا الْقَوْلَ يَا بَقَرَاتِ بَاشَان". وَهِيَ لُغَةٌ قَوِيَّةٌ جدًّا تُشيرُ إلى النِّساء، ولكِنَّ هَذا هُوَ بالضَّبط مَا يَفعلُهُ النَّبِيُّ.

وَهَذا قَد لا يَكونُ أُسلوبًا لَبِقًا، ولكِنَّ عَامُوسَ يَقولُ عَنِ النِّساءِ إنَّهُنَّ "بَقَرَات بَاشَانَ الَّتِي فِي جَبَلِ السَّامِرَة". وَنَجِدُ هُنا سَببَ الدَّينونَة: "الظَّالِمَةَ الْمَسَاكِين". وَبالمُناسَبَة، كانتِ النِّساءُ هُنَّ السَّبب في بِناءِ كُلِّ تِلكَ البُيوتِ الفَخمَة. وَما أقصِدُهُ هُوَ أنَّ الرِّجالَ لا يُبالونَ كَثيرًا بذلك. لِذا فقد كانتِ النِّساءُ (على أقَلِّ تَقديرٍ في تِلكَ الأزمنةِ القَديمة) هُنَّ اللاَّتِي يَفعلنَ تِلكَ الأشياء. وأعتقدُ أنَّ هَذا الأمرَ نَموذَجِيٌّ. فالمَرأةُ لَديها لَمْسَةٌ جَمالِيَّةٌ وَفَنِّيَّة. أمَّا الرِّجالُ فَيَميلونَ إلى أنْ يَكونوا عَمَلِيِّين. ولكِنَّ هَؤلاءِ النِّسوةِ انْجَرَفْنَ، لا في بِناءِ بُيوتِهِنَّ بِقَدْرِ مَا ظَلَمْنَ المَساكين.

فَهُوَ يَقولُ إنَّهُنَّ ظَلَمْنَ المَساكين وَسَحَقْنَ البَائِسين. وبالمُناسَبَة، كَانت هَؤلاءِ النِّسوةُ يُسَيْطِرْنَ على أزواجِهِنّ. "الْقَائِلَةَ لِسَادَتِهَا: «هَاتِ لِنَشْرَبَ»". بِعبارةٍ أخرى: "تشارلي! نَحنُ جَاهِزات". فَقَدْ كُنَّ هُنَّ المُتَحَكِّمات. فَقد كُنَّ يَبنينَ المَنازِلَ، ويَفعلنَ مَا يَحلو لَهُنَّ. وَكانَت بَقَراتُ بَاشان هَؤلاءِ يَظْلُمْنَ المَساكينَ، وَيَسْحَقْنَ البَائِسين. وَهذهِ هِيَ المُشكلة. هَذهِ هِيَ المُشكلة. "قَدْ أَقْسَمَ السَّيِّدُ الرَّبُّ بِقُدْسِهِ: «هُوَذَا أَيَّامٌ تَأتِي عَلَيْكُنَّ، يَأْخُذُونَكُنَّ بِخَزَائِمَ [أيْ بِتِلْكُ الخُطَّافاتِ الَّتي يَستخدِموها لِحَمْلِ الأبقارِ أوِ اللُّحوم]، "وَذُرِّيَّتَكُنَّ بِشُصُوصِ السَّمَكِ. وَمِنَ الشُّقُوقِ تَخْرُجْنَ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى وَجْهِهَا".

بِعبارةٍ أخرى، سَوفَ تُهْدَمُ بُيوتُكُنَّ. إنَّها الدَّينونَة. والسَّببُ في الدَّينونَةِ هُوَ أنَّهُم كَانُوا يَظلِمونَ المَساكين. أيْ لا بِسَببِ مُمتلكاتِهم، بَل بِسَببِ مَا لم يَفعلوهُ للفُقراءِ لأنَّ مَوقِفَهُم القَلبيَّ كَانَ مَغلوطًا جدًّا.

افتَحُوا على الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْر عَامُوس. الأصحاح السَّادس والعَددِ الرَّابع. والآن، سَوفَ نَدخُلُ إلى الدَّاخِل وَنَقرأُ تَعريفًا أكثر تَفصيلاً لبُيوتِ العَاج. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الرَّابع: "الْمُضْطَجِعُونَ عَلَى أَسِرَّةٍ مِنَ الْعَاج". فَهِيَ أَسِرَّةٌ جَميلة. "وَالْمُتَمَدِّدُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ، وَالآكِلُونَ خِرَافًا مِنَ الْغَنَمِ" فَهُم يأكُلونَ لَحْمَ خَروف؛ وَهُوَ أفضلُ اللُّحوم. "وَعُجُولاً مِنْ وَسَطِ الصِّيَرة".

إذًا لَقد كانُوا يَأكُلونَ أفضلَ طَعامٍ، ويَتَّكِئونَ على أفضلِ فُرُشٍ، ويَنامونَ على أفضلِ أَسِرَّة. وليسَ هَذا وَحَسْب، بَل كَانَوا يَمْلِكونَ نِظامَ صَوْتٍ عِبرانِيٍّ قَديم: "الْهَاذِرُونَ مَعَ صَوْتِ الرَّبَاب". وَحَتَّى إنَّهُ كَانَ يُوجَدُ مُوسيقيُّونَ يَعمَلونَ لِحِسابِهِم ويُؤلِّفونَ لَهُم الأغاني. "الشَّارِبُونَ مِنْ كُؤُوسِ الْخَمْرِ، وَالَّذِينَ يَدَّهِنُونَ بِأَفْضَلِ الأَدْهَان". وَما أعنيه هُوَ أنَّهُم كَانُوا يَعيشونَ حَياةَ بَذْخ. فَقد كَانُوا يَملِكونَ كُلَّ شَيءٍ، ولَديهِم مَساحيقُ تَجميل، وَزُيوتٌ، وَكُلُّ مَا يَخطُرُ بالبال. فَقد كانُوا أثرياءَ حقًّا ويَعيشونَ حَياتَهُم بِطولِها وَعَرضِها.

وَنَقرأُ عَنْ سَبَبِ الدَّينونَةِ في العَددِ السَّادس: "وَلاَ يَغْتَمُّونَ عَلَى انْسِحَاقِ يُوسُف". فَكما تَرَوْنَ، هَذا هُوَ سَببُ الدَّينونَة. فاللهُ لا يَدينُهم بِسَببِ استِخدامِهِم للزُّيوتِ العِطريَّة. فَقد تَّمَّ دَهْنُ المَرأةِ في سِفْرِ نَشيدِ الأنشادِ بِذلكَ الدُّهْنِ وَكانَ شَيئًا رَائِعًا يَمْتازُ بِرائِحَتِهِ المُمَيَّزَة. واللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ كُلَّ هَذِهِ الزُّيوتِ والمَراهِمِ المُرَطِّبَةِ، وكُلَّ الأسِرَّةِ المُريحَةِ، والأرائِكِ الوَثيرةِ، وَخَلَقَ اللُّحومَ الشَّهِيَّةَ، والمُوسيقا العَذبةَ، وكُلَّ شَيء. ولكِنَّكُم لَم تَحزَنُوا لأنَّ بَقِيَّةَ النَّاسِ يَعيشونَ في ظُروفٍ سَيِّئةٍ جدًّا، ولم تُشفِقُوا عَليهم. هَذهِ هيَ المُشكلة. فأنتُم بِلا شَفَقة.

"لِذلِكَ الآنَ يُسْبَوْنَ فِي أَوَّلِ الْمَسْبِيِّينَ". فَعندَما يَحينُ وَقتُ السَّبْيِ، سَتَكونُ هذهِ البَقَراتُ أوَّلَ مَنْ يَذهبُ إلى السَّبي. "وَيَزُولُ صِيَاحُ الْمُتَمَدِّدِين". فَلَن يَعودَ هُناكَ مَنْ يُقيمُ وَلائِمَ رَفيعَة المُستوى. وَلا خَطأَ في الوَلائِم. فَكَمْ عَددُ الأمثالِ الَّتي قَالَها يَسوعُ وَتَحَدَّثَ فيها عَن وَليمَة؟ فَلا خطأَ في ذلك.

فَإنْ كَانَ قَلبُكَ مُستقيمًا، يُمكِنُكَ أن تَصْحَبَ زَوجَتَكَ خَارِجًا في تِلكَ الأُمسِيَةِ المُمَيَّزَةِ وَأنْ تَذهبا مَعًا إلى مَطعَمٍ تَأكُلانِ فيهِ أطعِمَةً مُمَيَّزَةً وأصنافًا لَذيذةً مِن الأطايِبِ التي خَلَقَها الله. وَإنْ كَانَ قَلبُكَ مُستقيمًا ومُمتلئًا بالشُّكر، وإنْ كُنتَ مُستعدًّا للمُشاركةِ، وكُنتَ سَخِيًّا، فَإنَّ هَذا الشَّيءَ جُزءٌ مِنَ الغِنَى الَّذي يُوَفِّرُهُ اللهُ في هذهِ الفَترةِ الزَّمنيَّةِ القَصيرةِ الَّتي نَعيشُ فيها في هَذا العَالَمِ لِكَي نَحصُلَ على لَمحَةٍ خَاطِفَةٍ مِن لُطْفِ اللهِ وَعَطْفِهِ وَحَنانِهِ وَسَخائِهِ مِنْ نَحوِنا، وَنتذَوَّقَ طَعمَ السَّماء.

فَكما تَعلمونَ، البِرُّ... البِرُّ لا يَعني أن تَتَخَلَّصَ مِن كُلِّ الرَّفاهِيَّاتِ إلى أنْ تَصِلَ إلى الفَقْرِ المُدْقِع لأنَّ ذلكَ السُّلوكَ لا يَعني أيَّ شَيءٍ في اعتقادي. فالبِرُّ يَظْهَرُ مِن خِلالِ مَشاعِرِكِ مَن نَحوِ هذهِ المُمتلكاتِ، ومِن خِلالِ مَشاعِرِكَ تُجاهَ اللهِ الَّذي أعطاكَ إيَّاها. فَلا يَجوزُ أن تَعبُدَها، بَل يَنبغي أنْ تَشكُرَهُ عليها. وإنْ كُنتَ تَشعُرُ مَعَ الآخرينَ، يَنبغي لكَ أن تُشارِكَ مَا تَمْلِك بِسَخاء... بِسَخاء.

وَمِنَ الوَاضِحِ، كَما قُلتُ في المَرَّةِ السَّابقةِ، أنَّهُ لا يَنبغي لكَ أنْ تَعيشَ حَياةً مُتْرَفَةً جدًّا إنْ كَانَ دَخلُكَ السَّنَوِيُّ مِئتينِ وَخَمسينَ ألفَ دُولار، بَل يَنبغي أنْ تَحْذَرَ لِئَلاَّ تُعْثِرَ الآخرين. أليسَ كذلك؟ فَنحنُ نَقرأُ في الأصحاحَيْن 14 و15 مِن رِسالةِ رُومية أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَكونَ مُرْهَفِي الحِسِّ تُجاهَ الآخرينَ في حُدودِ العَقلِ وَالمَنطِق. وَلكِنْ في الوقتِ نَفسِه، يَجِبُ عليكَ أيضًا أن تَشكُرَ اللهَ على الغِنَى الَّذي وَهَبَكَ إيَّاه في هذهِ الحَياةِ القَصيرةِ المُؤقَّتَةِ الَّتي تَعيشُ فيها هنا.

نَحنُ لَسنا مَدعُوِّينَ إلى الفَقر. فأنا أسمَعُ النَّاسَ أحيانًا يَقولون: "أتَدري أنَّ يَسوعَ كَانَ... لَقد كانَ يَسوعُ فَقيرًا جدًّا". والحَقيقةُ هِيَ أنِّي قَرأتُ مَا كَتَبَهُ كُتَّابٌ قَالوا: "كانَ يَسوعُ مُشَرَّدًا. فَقد نَشَأ في فَقْرٍ شَديدٍ وَكانَ مُشَرَّدًا". ولكِنَّ هَذا غَير صَحيح. فَقد بَقِيَ يَسوعُ مَعَ أصدقائِه. وَهَذا أمرٌ مُختلِف.

ولكِن يجب عليكم أن تَفهَموا شَيئًا آخر. فيسوعُ لم يَنشأ فَقيرًا. فعندما جَاءَ اللهُ المُتَجَسِّدُ إلى العالَم، لَم يُولَد في عَائلةٍ فَقيرة. حسنًا؟ وَهذهِ نُقطةٌ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن تَتذكَّروها. فَطَبقاتُ الحَياةِ الاجتماعِيَّةِ والاقتصادِيَّةِ في إسرائيلَ أو فلسطين كانت على النَّحوِ التَّالي: في الأسفل، كانَ هُناكَ الفُقراءُ. وَقد قالَ يَسوعُ إنَّ هَؤلاءِ سيَظَلُّونَ دَائِمًا جُزءًا مِنَ المُجتمَع.

لِماذا؟ لأنَّهُ تُوجَدُ لَديهم مُعَوِّقات. فَأحيانًا تَكونُ هُناكَ مُعَوِّقاتٌ جَسديَّة، وأحيانًا تَكونُ هُناكَ مُعَوِّقاتٌ ذِهنيَّة، وأحيانًا تَكونُ هُناكَ مُعَوِّقاتٌ ظَرْفِيَّة بِسَبَبِ المَكانِ الَّذي يَعيشونَ فيه؛ ولكِنَّ الحَالَ ستَكونُ هَكذا دَائِمًا. ولا أدري إن كُنتُم تُدركونَ ذلك، ولكِنَّ مُعَدَّلَ الذَّكاءِ أقَلّ مِن مِئَة. وَهَذا جُزءٌ مِن خُطَّةِ الله. وَهُوَ جُزءٌ مِن تَأثيرِ الخَطيَّة.

ولكِن سَوفَ يُوجَد دَائِمًا أُناسٌ لا يَقدِرونَ أنْ يُنتِجُوا أكثر، وَلا يَستطيعونَ القيامَ بأمورٍ كَثيرة، ولا يَستطيعونَ أن يَعيشوا نَوعَ الحَياةِ الَّذي يَعيشُهُ أُناسٌ مُعَيَّنون. وَيَنبغي أن يَحصُلَ هَؤلاءِ النَّاسُ على مَحَبَّتِنا، وعَطْفِنا، وَعِنايَتِنا، وَسَخائِنا طُولَ الوقتِ لكي يَتمتَّعُوا هُم أيضًا بِخَيراتِ الحَياةِ وَوَسائِلِ الرَّاحَةِ فيها. وَاللهُ يُسَرُّ عندما نَفعلُ ذلك. ولكِنَّهُم سيَظَلُّونَ دَائِمًا في المُجتمَع.

ثُمَّ كَانَتْ هُناكَ (كَما هِيَ الحَالُ دَائِمًا بِصورةٍ عَامَّةٍ) طَبَقَةٌ عُليا مِنَ النَّاسِ الأثرياء. وَهُمْ مُلاَّكُ الأراضي، والحُكَّامُ، والأشخاصُ الَّذينَ لَهُم سُلطانٌ وَسُلطَة. ولكِنْ في الوَسَط، كَانَتْ تُوجَدُ طَبَقَةٌ وُسْطَى كَبيرة يُسَمِّيها دَارِسُو الكتابِ المقدَّسِ طَبَقَة الحِرَفِيِّين. وَهُمُ المُزارِعونَ، وصَانِعو الأدواتِ، وَصانِعُو الآلاتِ، والصِّناعِيِّين. وَهُمْ أيضًا الخَزَّافونَ والبَنَّاءون. وَهذهِ هِيَ الطَّبَقَةُ الَّتي وُلِدَ فيها يَسوع.

فَقد وُلِدَ في عَائلةٍ مِنَ الطَّبقةِ الوُسطَى. فَقد كانَ أبوهُ... كَانَ أبوهُ عَامِلَ بِناء. فَقد كانَ أبوهُ بَنَّاءً. فَقد كانَ يَعمَلُ في مَجالِ الإنشاءات. وَنَحنُ نُتَرجِمُ مِهْنَتَهُ عَادَةً ونقولُ إنَّهُ نَجَّار، ولكِنَّ الكلمةَ اليُونانِيَّةَ تَعني في الحَقيقة: بَنَّاء. وَهِيَ كَلِمَةٌ يُمكِنُ أن تُستخدَمَ لِوَصفِ بَنَّاءٍ يَستخدِمُ الحِجارَةَ أو يَستخدِمُ الخَشَب. فَقد كانَ يُوسُفُ بَنَّاءً. وَكانَ يَعْمَلُ لِحسابِ نَفسِه. فَقد كَانَ يَعمَلُ لِحسابِ نَفسِه. وَقد أَنجَبَ العَديدَ مِنَ الأبناءِ بَعدَ يَسوع. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ عَدَدَهُم كَانَ كَبيرًا. لِذا، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُم كانُوا يَحْصُلونَ على دَخْلٍ يَكفي لإعالَتِهم. وَكانُوا يَعيشونَ في مَدينةِ النَّاصِرَة. ولكِنَّهُم لم يَكونوا فُقراء. فَقد كَانَ يُوجَدُ بَيتٌ ليسوع، وَكانَ يُوجَدُ لَديهم مَكانٌ يُديرونَ مِنهُ العَمَل.

ويُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهُ في ذلكَ الوَقتِ، كانَتْ أعمالُ الإنشاءاتِ مُزدهرة في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العَالَم بِسَببِ التَّوسُّعِ الرُّومانِيّ، وأيضًا لأنَّ ذلكَ الجُزءَ تَحديدًا [أيِ الجَليل] الَّذي يُعرَف بِجَليلِ الأُمَم كَانَ يَستقبِلُ أُمَمًا كَثيرينَ لأنَّ الطَّريقَ التِّجارِيَّ كَانَ يَمُرُّ مِن هُناكَ شَرقًا وغَربًا وشَمالاً وجَنوبًا. لِذا فقد كانَ العَمَلُ مُزدهِرًا... عَمَلُ البِناء. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ يُوسُفَ كَانَ نَجَّارًا مُمتازًا. وَنَحنُ نَعلَمُ أنَّ ابنَهُ يَسوعَ كَانَ أفضلَ نَجَّارٍ في الوُجود. وَلا شَكَّ في أنَّهُمْ أَسَّسُوا عَمَلاً نَاجِحًا وَكانُوا يَعملونَ بكثرة.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عِندما مَاتَ يُوسُف فإنَّ يَسوعَ وَرَثَ (بِصِفَتِهِ البِكْرَ) عَمَلَ العَائِلَة. لِذا فإنَّهُ لم يَأتِ إلى العَالَمِ فَقيرًا ومُشَرَّدًا. ولكِنْ عِندَما ابتدأَ خِدمَتَهُ وَصارَ يَجولُ ويَنتقلُ ويَبتعِدُ عَن بَيتِهِ، وابتدأَ يُسافِرُ وَيَصرِفُ حَياتَهُ بأسرِها في السَّفرِ والخِدمَة، في تِلكَ النُّقطةِ كَانَ لا بُدَّ لَهُ أنْ يَعتَمِدَ على مَحَبَّةِ الآخرينَ وَعِنايَتِهِم لأنَّهُم كَانُوا يُدَبِّرونَ لَهُ مَكانًا يَبيتُ فيهِ وَيُوفِّرونَ لَهُ مَا يَحتاجُ إليه. وَلا يُوجَد فَرقٌ كَبيرٌ بينَهُ وبينَ الخَادِمِ أوِ المُبَشِّرِ المُتَنَقِّلِ طَوالَ تَاريخِ الكَنيسةِ إذْ كَانَ يَعتَمِدُ على الطَّعامِ وَالمأوى الَّذي تُوَفِّرُهُ لَهُ العَائلاتُ الَّتي تَهتَمُّ بِخدمتِه. ولكِنَّ هَذا لا يَعني أنَّهُ كَانَ يَعيشُ في فَقْرٍ مُدْقِع.

لِذا، مِنَ الخَطأِ أن نَفترِضَ ذلكَ بخصوصِ يَسوع. فَقد وُلِدَ في عَائلةٍ مِنَ الطَّبقةِ الوُسطَى، ولكِن مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ عَائلتَهُ الصَّغيرةَ كَانَت تَعيشُ في مُستوىً تَتَمَتَّعُ فيهِ بِشَيءٍ مِن وسائِلِ الرَّاحَةِ في ذلكَ الوقت. وَلا شَكَّ في أنَّ الجَليلَ تُوَفِّرُ عَدَدًا مِنَ الأشياءِ الجَميلةِ والرَّائعةِ في الحَياة. والأشخاصُ الَّذينَ زَارُوا ذلكَ المَكانَ يَعرِفونَ ذلك. فَهُناكَ أطعِمَةٌ رَائعةٌ هُناكَ، وَمَناظِرُ خَلاَّبَة، وَموارِد مَائيَّة عَظيمَة، وأشياء غَنِيَّة في ذلك المكان. وَهذهِ هِيَ البيئةُ الَّتي جَاءَ فيها رَبُّنا. وأعتقدُ أنَّ هُناكَ قَصْدًا إلهِيًا مِنْ وَضْعِ المَسيحِ في تِلكَ الطَّبَقةِ الوُسطَى لكي يَستطيعَ أن يُكَلِّمَ بِحِكمةٍ وَتَمَعُنٍ الأغنياءَ، وَأنْ يُعَزِّي الفُقراءَ لأنَّهُ كَانَ قَريبًا مِن كِلتا الطَّبَقَتَيْن.

لِذا فإنَّنا لم نُدْعَ إلى حَياةِ الفَقر، بَل دُعينا إلى استِغلالِ كُلِّ المَوارِدِ العَظيمَةِ لهذهِ الأرضِ الغَنِيَّةِ، وَإلى التَّمَتُّعِ بِكُلِّ مَا تُقَدِّمُهُ، وَإلى إعطاءِ اللهِ كُلَّ تَسبيحٍ وَمَجدٍ وَشُكر، وإلى التَّيَقُّنِ مِن أنَّ قُلوبَنا مستقيمَةً مِن نَحوِه. وَلا يَجوزُ لَنا أنْ نُحِبَّ الغِنَى، وَلا أنْ نَتَباهَى بالغِنَى، وَلا أنْ نَفتَخِرَ بِهِ، بَلْ أنْ نَتَمَتَّعَ بِهِ وَنُعَبِّرَ عَن امتِنانِنا لَهُ على كُلِّ المَباهِجِ الَّتي تَملأُ بِها قُلوبَنا. وفي الوقتِ نَفسِه، يَجِبُ علينا أن نَهْتَمَّ بالأشخاصِ المُحيطينَ بِنا وَالَّذينَ لا يَستطيعونَ التَّمَتُّعَ بهذهِ الخَيراتِ بأنفسِهم، وَأنْ نَحرِصَ على أنْ يَحصُلوا عليها مِن يَدِنا لأنَّنا مُستعدُّونَ للمُشارَكة.

نَكتَفي بِهذا. وَلو كَانَ لَدينا وَقتٌ أطول في هذا الصَّباح، وَهُوَ أمرٌ غَير مُتاح، لَقَرأنا مِن سِفرِ الأمثال. فَهُناكَ أشياءٌ كَثيرةٌ في سِفْر الأمثال تَتحدَّثُ عَنِ الغِنَى؛ وليسَ بالضَّرورةِ بالمَعنى السَّلبِيّ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَقولُ إنَّكَ سَتَكونُ فَقيرًا إنْ لم تُبْدِ الاستِعدادَ للعَمل، أو إنْ كُنتَ كَسولاً. أمَّا إنْ عَمِلتَ بِجِدٍّ، وَإنْ كُنتَ مُجتهِدًا، سَتَحصُلُ على المَال. وَهَذا ليسَ خَطأً. فالرِّبْحُ المَادِّيُّ جُزءٌ مِن خُطَّةِ اللهِ للمُجتَهِدينَ والَّذينَ يُحْسِنونَ استِغلالَ الفُرَص.

والآن، إنَّ القَصْدَ مِنْ كُلِّ هَذا الكَلامِ هُوَ أنْ نُجيبَ عَنِ السُّؤالِ التَّالي: هَل يَحِقُّ لَنا أنْ نَحصُلَ على الثَّروة؟ والجَوابُ: لَقد مَلأَ اللهُ هَذا الكَوكَبَ بالثَّروة، وَلا يُوجَد أُناسٌ سِوانا يُمكِنُهم الحُصولُ عليها. ولكِنَّها مُؤقَّتة. فَهِيَ سَتَزول. وَهِيَ ليسَت لها قِيمةٌ أبديَّة. فَهِيَ مَوجودةٌ هُنا لِكي نَتمتَّعَ بها وَحَسْب. لِذا، تَمَتَّعُوا بِها. تَمَتَّعُوا بِها بِمَوقِفٍ قَلبِيٍّ سَليم. فَهَذا هُوَ كُلُّ مَا يَطلُبُهُ اللهُ؛ أيْ أنْ يَكونَ مَوقِفَكُم القَلبِيَّ سَليمٌ مِنْ نَحْوِهِ، وَمِنْ نَحْوِ أنفُسِكُم، ومِن نَحْوِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَملِكونَ مَا تَملِكوه.

والآن، هَذا كُلُّهُ يَقودُنا إلى التَّحدُّثِ عَن كَيفيَّةِ الحُصولِ على هذهِ الثَّروة. فَمِنْ حَقِّنا أنْ نَحصُلَ عليها. ولكِن كَيفَ نَحصُلُ عليها؟ اسمَحُوا لي أن أُعطيكُم إجابَتَيْنِ سَريعَتَيْنِ عَن هَذا السُّؤال. أوَّلاً، مِن خِلالِ العَطايا. فَهذهِ طَريقَةٌ كِتابِيَّة. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّهُ بِمَقدورِنا أنْ نَحصُلَ على مِيراثٍ أو هَدايا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ العَطاءَ مَغبوطٌ أكثر مِنَ الأخذ. وفي الأصحاحِ الرَّابعِ مِن رِسالةِ فيلبِّي، يَقولُ بولسُ إنَّهُ تَلَقَّى عَطايا مِن مُؤمِني فيلبِّي لأجلِ خِدمَتِهِ وَإنَّهُ كَانَ مُمْتَنًّا جدًّا. فَقد كَانَ، كَما سَنَرى، يَجمَعُ المَالَ مِنَ القِدِّيسينَ في العَالَمِ الأُمَمِيِّ لكي يَأخُذَهُ إلى القِدِّيسينَ الفُقراء، ولِكَيْ يُقَدِّمَ ذلكَ المَالَ عَطِيَّةً للقِدِّيسينَ في أورُشليم.

فَهذا أمرٌ مَشروعٌ تَمامًا. فإنْ مَاتَتْ عَمَّتُكَ المُسِنَّةُ وَتَرَكَتْ لَكَ مِيراثًا فإنَّها طَريقَةٌ مَشروعَةٌ للحُصولِ على المَال. وَإنْ أعطاكَ شَخصٌ هَدِيَّةً، أوْ إنْ أَظْهَرَ شَخصٌ لُطْفًا مِن نَحْوِكَ وَأعطاكَ شَيئًا، فإنَّها طَريقةٌ رَائعةٌ تَحصُلُ مِن خِلالِها على المَال. وأعترِفُ لَكُم بأنَّ بَيتي مُمتلئٌ بالهَدايا. وَمِنْ بَينِ الأشياءِ الَّتي يُعطيني إيَّاها النَّاسُ هِيَ اللَّوحات. وأنا لا أُعَلِّقُها كُلَّها، ولكِنِّي أُعَلِّقُ عَدَدًا مِنها. فَبَعضٌ مِنها رَائعٌ جدًّا.

فَهُناكَ رَسَّامونُ يَرسُمونَ أجملَ لَوحاتٍ في بَلَدِنا. وهُناكَ رَسَّامونَ مَشهورونَ مِنهُم يُقَدِّرونَ جدًّا خِدمَتَنا ويُهدونَني لَوحات. وَنَحنُ نُعَلِّقُها في بَيتِنا. وَهِيَ جَميلةٌ جدًّا. وَقد قالَ لي النَّاسُ في كَندا في اللَّيلةِ الأخيرةِ الَّتي وَعَظْتُ فيها: "نُريدُ مِنكَ ألاَّ تَنسَى مَحَبَّتَنا لَك". لِذا فقد أزاحُوا السِّتارَةَ وَقَدَّمُوا لي لَوحةً جَميلةً لكي آخُذَها إلى عَائلتي تَذكارًا.

وَلَديَّ مَشهَدٌ رَائعٌ للبَحرِ في بَيتي رَسَمَهُ وَاحِدٌ مِن أفضلِ رَسَّامي اللَّوحاتِ البَحريَّة. وَلا أدري كَمْ يَبلُغُ سِعْر هذهِ اللَّوحَةِ الزَّيتيَّة، ولكِنَّهُ قَالَ لي ذاتَ يَوم: "لَقَد لَمَسَتْ خِدمَتُكَ حَياتي. تَعالَ إلى مَعْرِضِي واخْتَرِ اللَّوحَةَ الَّتي تَشاء وَخَذها إلى بَيتِك. إنَّها تَعبيرٌ عَن مَحَبَّتي لَك". وَقد كَانَ بإمكاني أن أقولَ لَهُ: "لا أريدُ أن آخُذَها، لا أريدُ أن آخُذَها. أنا مُضْطَرٌّ إلى رَفْضِ عَرْضِك". ولكِنَّ العَطاءَ مَغبوطٌ أكثر مِنَ الأخذِ بالنِّسبةِ إليه، وأنا أريدُ أن أُعطيهِ تِلكَ البَرَكة. كَما أنَّ اللَّوْحَةَ تُجَمِّلُ مَنزِلي وتَجعلُني أشكُرُ اللهَ على الخِدمَةِ في حَياتِه. هذهِ هِيَ الهَدايا. وَنَحنُ جَميعًا نَفهمُ ذلك. وَهَذا جُزءٌ مِنْ خُطَّةِ اللهِ لإثراءِ حَياتِنا.

ثَانيًا، الاستثمارات. وَقد تَقول: "الاستثمارات! هَل تَمزَح؟" لا، لا! ففي إنجيل مَتَّى... فَهَل أمزَحُ مَعَكُم؟ ففي إنجيل مَتَّى 25: 27 – صَحيحٌ أنِّي قَد أمزَحُ مَعَكُم في بِدايَةِ العِظَة، ولكِنْ ليسَ في نِهايَتِها. إنجيل مَتَّى 25: 27. فالأمورُ تَزدادُ جِدِّيَّةً الآن. في إنجيل مَتَّى 25: 27، يَنْظُرُ يَسوعُ إلى العَبْدِ غَيرِ الأمين (في العَدد 27) وَيَقولُ لَهُ: "فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ، فَعِنْدَ مَجِيئِي كُنْتُ آخُذُ الَّذِي لِي مَعَ رِبًا". إذًا، يُمكِنُكَ أن تَحصُلَ على الثَّروةِ مِن خِلالِ العَطايا أوْ مِن خِلالِ الاستثمارات.

وَقد رَأى يَسوعُ قِيمةَ جَعْلِ أموالِكَ تَتكاثَر؛ أيْ أنْ تَستثمِرَ أموالَكَ بِحِكمَة. وَقد شَجَّعَ يَسوعُ على ذلك. فينبَغي أن تَضَعَ أموالَكَ في المَصرِفِ لكي تَأخُذَ عَليها فَائِدَة. فَلا خَطأَ في ذلك. وَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ هُنا عَن مُقامَرَةٍ تَنْطَوي على مُخاطَرةٍ كَبيرة، بَلْ عَنِ استثمارِ أموالِكَ استِثمارًا حَكيمًا. وَلا شَكَّ في أنَّ هُناكَ مُخاطَرة. فَهُناكَ مُخاطَرَةٌ في كُلِّ شَيءٍ تَفعلُهُ في العَالَم لأنَّ العَالَمَ كُلَّهُ على شَفيرِ الهَاوِيَةِ وَدَينونَةِ الله. ولكِنْ يَنبغي أنْ تَستخدِمَ أفضلَ حِكمَةٍ لَديكَ لِتَقييمِ المَوقِفِ وَالدُّخولِ في استِثماراتٍ حَكيمَة. فَهذهِ طَريقةٌ جَيِّدَةٌ لزيادَةِ ثَروتِك.

والافتراضُ هُنا هُوَ التَّالي. استَمِعُوا جيِّدًا. الافتراضُ هُنا هُوَ أنْ يَكونَ لَديكَ مَالٌ لَستَ بِحاجَةٍ إليهِ للعَيش. حَسَنًا؟ عَدا عَن ذلكَ، لا يُمكِنُكَ أن تَستثمِرَهُ. لِذا فإنَّ الافتراضَ هُنا هُوَ أنَّهُ يُمكِنُكَ أنْ تَستثمِرَ المَالَ الَّذي لا تَحتاجُ إليهِ للعَيشِ لِكَيْ تَحصُلَ على مَزيدٍ مِنَ المَالِ الَّذي لا تَحتاجُ إليهِ للعَيشِ الآن. وَقد تَقول: "هَل تَعني أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَحصُلَ على مَالٍ أكثر مِن حَاجَتِنا؟" أجل.

وَقد تَقول: "لماذا؟" لِكَي تَتَمتَّعَ، وَتَبتَهِجَ، وَتَشكُرَهُ، وتُسَبِّحَهُ، ويَكونُ لَديكَ مَالٌ تَستخدِمُهُ في سَدِّ الحَاجَات. بِكُلِّ تَأكيد. وَأيضًا لِكَيْ نَتَمَكَّنَ مِنْ سَدِّ حَاجاتِ أبنائِنا. وَسَوفَ نَتحدَّثُ عَن كُلِ هذهِ النِّقاط. إذًا، يُمكِنُكم أن تَحصُلوا على المَالِ مِن خِلالِ العَطايا، ويُمكِنُكم أن تَحصُلوا عليهِ مِن خِلالِ الاستثمارِ الجَيِّد. ولكِنْ تُوجَدُ ثَلاثُ طُرُقٍ رَئيسيَّةٍ تَحصُلُونَ فيها على المَال. وَسَوفَ أذكُرُها لَكُم في الأسبوعِ القادِم. وَأريدُ أن أقولَ مَا يَلي: لا تَترُك عَمَلَكَ لأنَّ وَاحِدَةً مِن تِلْكَ الطُّرُقِ الثَّلاثِ هِيَ العَمل. لِذا، اصبِرُوا حَتَّى الأسبوعِ القَادِم. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، مِنَ الجَيِّد جدًّا أن نَفهمَ قَلبَكَ، وَسَخاءَكَ العَظيمَ، وَصَلاحَكَ العَظيمَ، وَإحسانَكَ مِنْ نَحوِنا جَميعًا في هَذا العَالَمِ الغَنِيِّ الَّذي أعطيتَنا إيَّاه. فَينبغي أنْ يَكونَ كُلُّ شَيءٍ نَتَذَوَّقُهُ سَبَبًا لابتِهاجِنا وَمَصْدَرًا لِشُكرِنا. وَيَنبغي أنْ تَكونَ كُلُّ زَهْرَةٍ جَميلةٍ كَهذهِ الزُّهورِ الَّتي نَراها أمامَنا في هذا الصَّباحِ سَبَبًا لِفَرَحِنا. وكذلكَ الحَالُ بالنِّسبةِ إلى كُلِّ رائِحَةٍ عَطِرَةٍ، وكُلِّ قُماشٍ جَميلٍ، وكُلِّ بَيتٍ رَائِعٍ، وكُلِّ شَيءٍ صَالِح. فَكُلُّ مَعزوفَةٍ مُوسيقيَّةٍ جَميلةٍ تَصْدُرُ عَن آلَةٍ مُوسيقيَّة، أو تُذاعُ على الإذاعَةِ، وَكُلُّ تِلكَ الأشياءِ تَجعَلُ الحَياةَ غَنِيَّةً جدًّا.

وَيا رَبّ، نَحنُ نُريدُ أن نَكونَ أغنياءَ لَك. صَحيحٌ أنَّنا نُريدُ أن نَتَمَتَّعَ بهذهِ الأشياءِ، ولكِنَّنا لا نُريدُ أن نُحِبَّها، ولا نُريدُ لَها أنْ تَسْبِي قُلوبَنا، وَلا أنْ تَأخُذَ مَكانَكَ، بَلْ نُريدُ وَحَسْب أنْ تُذَكِّرَنا بأنَّكَ صَاحِبُ المَكانَةِ الأولى، وَأنْ نَشكُرَكَ، وَأنْ نُسَبِّحَكَ، وَأنْ نَعْلَمَ أنَّها لَمْحَةٌ صَغيرةٌ وَحَسْب عَنِ السَّماءِ، وَلَمحَةٌ صَغيرةٌ وَحَسْب عَنْ صَلاحِكَ، ونُريدُ أنْ نَكونَ مُتَحَمِّسينَ لمُشاركتِها مَعَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَستطيعونَ مِن دُونِ سَخَائِنا أنْ يَحصُلوا عليها بأنفسِهم. نَشكُرُكَ، يا رَبُّ، على الغِنَى. شُكرًا لَك. ولَيتَ قُلوبَنا تَكونُ مُستقيمَةً مِنْ نَحوِك. باسْمِ ابْنِكَ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize