يَا لَهُ مِنَ امتيازٍ رائعٍ لنا في هذا الصَّباحِ أن نعودَ إلى دراستِنا للرسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس! كما تَعلمون، لقد حِدْنَا قَليلاً عنِ النَّصِّ لكي نَضَعَ أساسًا للأصحاحَيْن الثَّامن والتَّاسع. والآن، نَعودُ إلى النَّصِّ نفسِه. وأعتَرِفُ لكُم بأنِّي أفرَحُ جدًّا، وأشعُرُ بِرِضًا عَظيم، وأتبارَكُ أعظمَ بَرَكَةٍ عندما أدرسُ النَّصَّ الحَقيقيَّ للمَقطَع. وقد كانَ هذا الأسبوعُ أسبوعًا عَظيمًا مُمتلئًا بالتَّرَقُّبِ إذْ إنِّي سأُشارِكُ مَعَكُم مَا جاءَ في الأصحاحِ الثَّامنِ مِن الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورنثوس. وَبِحُكْمِ الضَّرورة، سنتحدَّثُ في هذا الصَّباح عَن مَواضيع تَمهيديَّة؛ ولكنَّ ذلكَ التَّمهيدَ سيُساعِدُكم في فَهْمِ غِنَى هذا المَقطعِ الرَّائعِ مِن بولُس إلى المُؤِمنينَ المَحبوبينَ في كورِنثوس.
وقبلَ أن نَنظُرَ إلى النَّصِّ ونُناقِشَ خَلفيَّتَهُ، اسمَحُوا لي أن أسألكُم سُؤالاً مَجازِيًّا؟ وَلا حَاجةَ إلى أن تُجيبوا عَنهُ بِصوتٍ عَالٍ. عندما تُفكِّرُ في المَجيءِ إلى الكنيسة، مَا الأمرُ الَّذي تَتطلَّعُ إليهِ أكثرَ مِن غَيرِه؟ قَد يَكونُ هذا الأمرُ مُؤشِّرًا على حَالَتِكَ الرُّوحيَّة؛ ولكنِّي لا أتحدَّثُ في الحقيقةِ عن ذلك.
لِنَفترِض أنَّ مَا تُفَكِّرُ فيهِ شَيءٌ نَبيل؛ أيْ أنَّكِ لا تَأتينَ إلى هُنا لِكَي يَراكِ النَّاسُ في فُستانِكِ الجَميل، وَلا لكي تَرى شَخصًا تَرغَبُ حَقًّا في رُؤيتِه لأنَّكَ تُريدُ أن تَبيعَهُ بُوليصَةَ تَأمين على الحَياة، وَلا لكي تُجَرِّبَ سَيَّارَتَكَ الجَديدة وتُريدُ فُرصةً لذلك، ولا لِكَي تَنتَهي مِنَ الكنيسةِ وَتصْحَبَ عَائِلَتَكَ إلى مَكانٍ جَديدٍ تَتناوَلونَ فيهِ العَشاء. لِنَفترِض أنَّكَ لا تُفَكِّرُ في هذهِ الأشياء، بَل لِنَفترِضْ حُسْنَ النِّيَّة ونقول إنَّكَ تُفَكِّرُ في شَيءٍ يَختصُّ بالخِدمةِ هُنا في مَركِزِ العِبادَةِ أو في شَيءٍ يَختصُّ بأحدِ الصُّفوفِ التَّعليميَّةِ، أو في شَيءٍ يَختصُّ بِشَيءٍ رُوحِيّ. مَا الَّذي تَتوقُ إليهِ أكثرَ مِن غَيرِه؟
قَد يَقولُ أَحَدُكُم: "أنا أُحِبُّ العِظَة". وأرجو أن يَقولَ أُناسٌ مِنكُم ذلك. وَقد يَقولُ آخر: "أنا أُحِبُّ التَّرانيم. فالتَّرانيمُ تَلْمَسُ قَلبي وتَرفَعُ مَعنويَّاتي". وَقد يَقولُ آخر: "أنا أستَمتِع بالشَّرِكَة. فَنَحنُ نَجلِسُ في نَفسِ المَكانِ وَلَدينا الكَثيرُ مِنَ الأصدقاءِ الرَّائِعين. ونحنُ نَتشارِك خِبراتِنا الحَياتيَّة معًا، ونَتشارَك في طِلباتِ الصَّلاةِ واستِجاباتِ الصَّلاة. لِذا، مِنَ الرَّائعِ أن أكونَ هُنا". ويُمكنُني أن أتخيَّلَ أنَّكُم تَميلونَ إلى وَاحِدٍ مِن هذهِ الأمورِ الَّتي ذَكرتُها. وَقد يَقولُ آخر: أنا أستَمتِعُ بالابتعادِ عَن ضُغوطِ الحَياةِ وأن أكونَ مُنفَتِحًا للرَّبّ"... وَهَلُمَّ جَرَّا.
ولكنِ اسمَحُوا لي أن أقترِحَ شَيئًا عَليكُم. إنْ كُنتُم تَفهمونَ حَقًّا الكتابَ المقدَّسَ وتُريدونَ حَقًّا أن تَفهموا وُعودَ اللهِ فإنَّ الشَّيءَ الَّذي يَنبغي أن تَتطلَّعُوا إليهِ أكثرَ مِن غَيرِهِ هُوَ العَطاء. هَل فَكَّرَ أيٌّ مِنكُم في ذلك؟ هَذا هُوَ ما يَنبغي لَكُم حَقًّا أن تَتطلَّعُوا إليهِ أكثرَ مِن غَيرِهِ لأنَّهُ بِحَسَبِ الكتابِ المقدَّسِ، إنَّهُ القَناةُ المُباشِرَةُ للبَرَكة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَنبغي لكُلِّ مُؤمِنٍ أن يَكونَ مُتحمِّسًا وتَوَّاقًا ومُتَلَهِّفًا للحُصولِ على فُرصَةٍ للعَطاءِ حَتَّى إنْ فَعلَ ذلكَ فقط استِنادًا إلى جُملتَيْنِ قالَهُما يَسوع. فَحَتَّى إنْ لم تُوجَد آياتٌ أخرى في الكتابِ المقدَّسِ سِوى هَاتينِ الجُملتَيْن، فإنَّهُما كَافِيَتانِ لِجَعلِنا نَقِفُ في طابورٍ كَيْ نُعطي. وَهُما كَافِيَتانِ لِجَعلِنا نُعطي عَطاءً سَخِيًّا وَوَفيرًا وَمُضَحِّيًا.
واسمَحُوا لي أن أقرأَ على مَسامِعِكُم هَاتينِ الجُملتَيْن. الجُملةُ الأولى مُدَوَّنَةٌ في إنجيل لُوقا 6: 38. فقد قَالَ يَسوعُ مَا يَلي: "أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ". والآن، قَد يَظُنُّ أُناسٌ أنَّ هَذا المَبدأَ مَوجودٌ فَقط في العهدِ القديمِ، أو أنَّها فِكرَةٌ وَرَدَتْ في العهدِ القديم وتَقولُ إنَّهُ عندما تُعطي فإنَّ اللهَ يَسكُبُ بَرَكَتَهُ عليكَ بالمُقابِل. ولكِنَّ هَذا غَير صَحيح.
فيُمكِنُكم أن تَجِدوا نَفسَ المَبدأ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس 9: 6: "هذَا وَإِنَّ مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ". إنَّهُ نَفسُ المَبدأ. فاللهُ سيُكيلُ لَكَ بِحَسَبِ الكَيْلِ الَّذي استَخدمتَهُ في عَطائِك. وإنْ كُنتُم تُعطونَ كَثيرًا فإنَّكُم ستَحصُلُونَ على الكَثير. فَسوفَ تُعْطَوْنَ كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا فِي أَحْضَانِكُمْ.
والصُّورَةُ هُنا مَأخوذَةٌ مِن سُوقِ الحُبوبِ في الشَّرقِ الأوسطِ القَديم. فَقد كانَ النَّاسُ يَذهبونَ إلى سُوقِ الحُبوبِ لكي يَحصُلوا على حِضْنٍ مُمتلئٍ بالحُبوب. وإليكُم كَيفَ كَانُوا يَفعلونَ ذلك. كانَ الرِّجالُ والنِّساءُ يَرتَدونَ ثَوبًا فَضفاضًا يَتَدَلَّى إلى أسفلِ أرجُلِهم. وَكانُوا يَرتَدونَ حِزامًا. وعندما كانُوا يَذهبونَ إلى سُوقِ الحُبوب، كَانُوا يَرفعونَ جُزءًا مِنَ الثَّوبِ إلى أعلى ويُثَبِّتونَهُ في الحِزام فَيَصيرُ ذلكَ الجُزءُ كَالكيس. وَكَانُوا يُمسِكونَ ذلكَ الجُزءَ بِكِلتا اليَدينِ ويَجعلونَهُ على هَيئةِ كِيسٍ كَبير. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ اللهَ سيُعطيكُم ذلكَ الكَيْلَ الجَيِّدَ في أحضانِكُم لأنَّ هَذا هُوَ تَمامًا مَا كَانَ يَحدُث. فَقد كَانُوا يَملأونَ ذلكَ الثَّوبَ بالحُبوب.
وَنَحنُ نَقرأُ أنَّ ذلكَ الأمرَ تَحديدًا حَدَثَ في قِصَّةِ رَاعوث الجَميلة في سِفْرِ رَاعُوث والأصحاحِ الثَّالث. وَسوفَ أقرأُ على مَسامِعِكُم العَددَ الخامِس عَشَر: "ثُمَّ قَالَ: «هَاتِي الرِّدَاءَ الَّذِي عَلَيْكِ وَأَمْسِكِيهِ»". وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا كَانُوا يَفعلونَه. هَاتي الرِّداءَ وأمسِكيه. "فَأَمْسَكَتْهُ، فَاكْتَالَ سِتَّةً مِنَ الشَّعِيرِ وَوَضَعَهَا عَلَيْهَا، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَة". فَقد أَمْسَكَتْ رِداءَها فَاكْتالَ سِتَّةً مِنَ الشَّعِيرِ وَوَضَعَهَا في الثَّوب. وَقد مَضَتْ وَهِيَ تَحْمِلُ تِلكَ الكَميَّة الوَفيرة مِنَ الحُبوب. وَهذهِ الصُّورةُ تُشبِهُ كلماتِ يَسوعَ في إنجيل لوقا والأصحاحِ السَّادس. فاللهُ يُريدُ أن يَملأَ حِضْنَكَ بِبَركاتٍ وَفيرةٍ فَائِضَة.
والمَبدأُ هُوَ بِبساطَةٍ كَما يَلي: السَّخاءُ في العَطاءِ يُؤدِّي إلى مُكافأةٍ أعظَم مِنَ الله. فإنْ أردتَ أن تَحصُلَ على البَرَكَةِ مِنَ الله، وإنْ أردتَ بَرَكَةً جَيِّدَةً وَمُلَبَّدَةً وَمَهزوزَةً وَفائِضَةً، أَعْطِ. فهذهِ أسهلُ طَريقةٍ للحُصولِ على البَرَكَةِ مِنَ الله. هذهِ هي الآيةُ الأولى. ولو كانَتْ هذهِ الآيةُ الآيَةَ الوَحيدةَ في كُلِّ الكِتابِ المُقَدَّسِ عَنِ العَطاءِ لَكانَتْ كَافِيَةً لِجَعلِنا جَميعًا نُعطي بِسَخاءٍ وتَضحيةٍ لأنَّ مَا تَقولُهُ لَنا هُوَ أنَّنا لا يُمكِنُ أن نُعطي اللهَ أكثرَ مِمَّا يُعطينا. فأنتَ تُعطي وَهُوَ يُعطيكَ أكثر بالمُقابِل. أنتَ تُعطي وَهُوَ يُعطيكَ أكثر بالمُقابِل. هَذا هُوَ المَبدأ. وَهَكذا يَتِمُّ الأمر.
ولكِن تُوجدُ آيةٌ أخرى نُحِبُّ أن نُضيفَها إليها وَهِيَ أعمال الرُّسُل 20: 35. فَهِيَ تَقول: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذ". وبالمُناسَبة، إنَّها الاقتباسُ الوَحيدُ عَن يَسوعَ في العهدِ الجديدِ خَارِجَ نِطاقِ الأناجيلِ الأربعة؛ باستثناءِ تلكَ الجُمَل المَجيدة الَّتي يَقولُها المَسيحُ في سِفْر الرُّؤيا. ولكِنَّ الجُمَلَ الأرضيَّةَ المُقتبسةَ عَن يَسوع مَوجودة كُلُّها في الأناجيل. وَهَذا هُوَ الاستثناءُ الوَحيد. ومِنْ بَيْنِ كُلِّ مَا قَالَهُ يَسوعُ (وَكَما يُخبرُنا يُوحَنَّا فإنَّ كُتُبَ العَالَمِ لا تَكفي لتَدوينِ أقوالِهِ وأعمالِه)؛ ولكِنْ مِن بينِ كُلِّ مَا قَالَهُ، وَمِنْ بَينِ كُلِّ مَا كَانَ يُمكِنُ اقتباسُهُ، ومِن بَينِ كُلِّ مَا يُمكِنُ تَرديدُهُ وَتَدوينُهُ بَعدَ الأناجيل، تَمَّ انتِقاءُ الجُملةِ التَّالية: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذ".
بِعبارةٍ أخرى، إنَّ مَا تُعطيهِ يَرتَدُّ عليهَ بِبركةِ أعظَم مِمَّا أعطيت. وَهَذا كَافٍ. فَهَذا يَكفي لِجَعلِنا نَقِفُ في طَابورٍ كَيْ نُعطي. فَهل تُريدونَ أنْ تَحصُلوا على أعظمِ بَرَكة؟ إذًا أعطُوا. وَهل تُريدونَ أن تُعْطَوْا كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا فِي أَحْضَانِكُمْ؟ إذًا أعطُوا. ويَنبغي أنْ يَكونَ هذانِ الوَعدانِ العَظيمانِ بالبَرَكَةِ والسَّخاءِ مِنَ اللهِ [الَّذي هُوَ مَصدرُ كُلِّ شَيءٍ، والَّذي هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلِّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ، والَّذي لَهُ سُلطانٌ أن يُعطيكَ ثَروةً، والَّذي يُعطيكَ كُلَّ مَا لَديكَ] يَنبغي أنْ يَكونَ هَذانِ الوَعدان مِنَ اللهِ كَافِيانِ لِجَعلِنا نُعطي بِتَضحيةٍ وَسَخاء.
والآن، مِنَ الواضِحِ... ونَحنُ نَقولُ ذلكَ بِحُزن. ولكِن مِنَ الواضِحِ أنَّ مَسيحيِّينَ كَثيرينَ لا يُؤمِنونَ بهذهِ الوُعود. فَهُم يَظُنُّونَ أنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَحمُوا كُلَّ شَيءٍ يَملِكونَهُ وَأن يَتَمَسَّكُوا بِه. لِذا فإنَّهُم يَكنِزونَ المَالَ، ويَصيرونَ بُخلاءَ ومُنغَمِسينَ في ذَواتِهم، ويُفرِطونَ في حِمايةِ أموالِهم. والمسألةُ بأسرِها مَسألة إيمان. فَهُم لا يُؤمِنونَ بوعدِ كلمةِ اللهِ وَإلاَّ لأعْطَوْا. فالمسألةُ مَسألةُ إيمان. والمسألةُ مَسألةُ ثِقَة، ومسألةُ مُعتَقَد. فإمَّا أنَّكَ تُؤمِنَ بذلكَ وإمَّا أنَّكَ لا تُؤمِن بِهِ. فإنْ آمَنتَ سَتُعطي لأنَّ العَطاءَ مَغبوطٌ أكثر، ولأنَّ العَطاءَ يَجعلُ اللهَ يُعطي بوفرةٍ أكثر.
وبالمُناسَبَة، يَجِبُ التَّنويهُ إلى أنَّهُ بالنِّسبةِ إلى هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَحْفِزُهُم الوَعدُ جَيِّدًا، وبالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ الَّذينَ لا يَدفعُهم الوعدُ إلى الإيمانِ والثِّقة، هُناكَ وَصيَّةٌ أيضًا. فالآية لُوقا 6: 38 تَقول: "أعطُوا". وَهذهِ صِيغَةُ أمْر. لِذا فإنَّ المسألةَ ليسَت مسألةَ إيمانٍ فقط، بَل هي مَسألةُ طَاعَة. الثِّقَةُ والطَّاعَة. هَذانِ هُما العُنصرانِ الرَّئيسيَّانِ في العَطاءِ المَسيحيّ؛ أيْ أن تُصَدِّقَ وُعودَ اللهِ وتُطيعَ وَصاياه. وَنَجِدُ كِلا هَذَيْنِ العُنصُرَيْنِ هُنا. فالوَصيَّةُ هِيَ أنْ تُعطي. والوَعدُ هُوَ أنَّهُ سيُعطيكَ بالمُقابِل. لِذا فإنَّ العَطاءَ مَسألةُ إيمانٍ وَطَاعَة. وَهُوَ مَسألةُ ثِقَةٍ بالله. وَهُوَ مَسألةُ إيمانٍ بوصاياه. فَهُوَ يَعني أن تُؤمِنَ بأنَّكَ إنْ أعطيتَ فإنَّهُ سيُعطيكَ أكثرَ مِمَّا قَد تُعطي. وَهذا يَعني أنَّكَ ستَظَلُّ دَائِمًا مُمتلئًا. وَالمسألةُ أيضًا مَسألةُ طَاعَة.
وفي كِلتا الحالَتَيْن فإنَّ عَدمَ العَطاءِ خَطيَّة. فَهيَ خطيَّةٌ ضِدَّ اللهِ لأنَّكَ لا تَثِقُ به. وَهِيَ خَطيَّةٌ ضِدَّ اللهِ لأنَّكَ لا تُطيعُه. ويجب أن تَكونَ هَاتانِ الآيتانِ البَسيطَتانِ كَافِيَتَيْنِ لِجَعلِنا نَقِفُ في الطَّابورِ لكي نُعطي بِسَخاءٍ، وبِوفرةٍ، وبعدمِ أنانيَّةٍ، وبأكبرِ قَدرٍ مُمكنٍ مِنَ التَّضحية. والآن، في هَذَيْنِ الأصحاحَيْنِ [أيْ في الأصحاحَيْنِ الثَّامنِ والتَّاسِعِ مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية]، سَنَرى تَعليمًا رائعًا بِخُصوصِ مَوضوعِ العَطاءِ هَذا. والحقيقةُ هِيَ أنَّ هَذا سيكونُ مِثالاً على العَطاءِ المَسيحيِّ أو على لاهُوتِ العَطاءِ المَسيحيّ. وسَوفَ نَلتقي مُؤمِنينَ آمَنُوا باللهِ وأطاعوه.
والآن، اسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بما فَعلناهُ حَتَّى الآن. فقد قَدَّمْنا على مَدى أربعةِ أسابيعَ سِلسلةً تَمهيديَّةً صَغيرة. فَقبلَ أن نَتحدَّثَ عنِ العطاء، أَردْنا أن نُعَلِّمَ قليلاً عَمَّا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسَ عنِ المال. لِذا فقد وَضَعْنا أساسًا بأنْ تَحدَّثْنا عن أخلاقِيَّاتِ المَالِ، ومَحبَّةِ المَالِ، والحَقِّ في المَال، وَالحُصولِ على المَالِ، واستِخدامِ المَال. وقد رأينا ما يُعَلِمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن هَذا كُلِّه. وفي هذا الصَّباح، نَأتي إلى السِّلسلةِ الدِّراسيَّةِ المُختصَّةِ برسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية والأصحاحَيْن 8 و 9 عن إعطاءِ المَال... إعطاءِ المَال. وَكُلُّ ما تَعَلَّمناهُ حتَّى هذه اللَّحظةِ هُوَ الأساسُ الَّذي سَنَبنِي عليِه ونُقيمُ عليهِ لاهُوتَ العَطاءِ المَسيحيّ... لاهُوتَ العَطاءِ المَسيحيّ.
واسمَحُوا لي أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الآياتِ الثَّلاثَ الأولى مِنَ الأصحاحِ الثَّامنِ، ثُمَّ سنَتحدَّثُ عن بِضْعِ نِقاطٍ تَمهيديَّة: "ثُمَّ نُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نِعْمَةَ اللهِ الْمُعْطَاةَ فِي كَنَائِسِ مَكِدُونِيَّةَ، أَنَّهُ فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ، لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ". هذهِ الآياتُ هِيَ مُقدِّمَةٌ لأصحاحَيْنِ عنِ العَطاء... عَنِ العَطاءِ المَسيحيّ.
في البِداية، اسمَحُوا لي أن أُوَضِّحَ شَيئًا. وسوفَ نَقولُ أمورًا تَمهيديَّةً أَرى أنَّها مُدهشةٌ جدًّا لِكي نَفهمَ هذا النَّصّ. في البِداية، يَنبغي لنا أن نُذَكِّرَكُم بأنَّ المُؤمِنينَ كَانُوا مُنذُ البِدايةِ يُعطونَ الكَنيسة. فَقد كَانُوا يُعطونَ لِدعمِ الكنيسةِ بطريقتينِ رئيسيَّتينِ بِصورةٍ عَامَّة: أولاً، لقد كانوا يُعطونَ لِدَعمِ القَادَة... كَانُوا يُعطونَ لِدعمِ القَادَة؛ أيْ لِدعمِ الرُّسُلِ، والأنبياءِ، والمُبَشِّرينَ، والرُّعاةِ، والأشخاصِ المسؤولينَ عنِ القيادةِ، والخِدمةِ، والعملِ في الكنيسة. ولا شَكَّ في أنَّهُم كَانُوا يَدعَمونَ الأشخاصَ العَامِلينَ معَ هَؤلاء.
ونَقرأُ عن ذلكَ، على سبيلِ المِثالِ، في رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ التَّاسع. فقد تَحدَّثَ بولسُ عن هذا الجانبِ مِنَ العَطاءِ إلى الكورِنثيِّينَ أنفسِهم وإلينا جميعًا. استمِعوا إلى ما يَقولُهُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 9: 6. فَهُوَ يَتحدَّثُ عن خِدمَتِهِ الشخصيَّةِ، وعن رَسولِيَّتِه، وعن عَملِه، وعن تَعَبِه، وعن تَعبِ الأشخاصِ الَّذينَ كانُوا مَعَهُ؛ أيْ بَرْنابا وآخرينَ سَافروا مَعَهُ، وخَدَموا مَعَهُ، وكانوا جَزءًا مِن فَريقِ خِدمَتِه.
وَهُوَ يَقولُ في العَددِ السَّادس: "أَمْ أَنَا وَبَرْنَابَا وَحْدَنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ لاَ نَشْتَغِلَ؟" انظُروا! هَل نَحنُ الوَحيدينَ الَّذينَ نَحتاجُ إلى الدَّعم؟ "مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟" لا أحَد! فالجُنديُّ يَخدِمُ حُكومَتَهُ. وحُكومَتُهُ تَدْعَمُهُ. "وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ؟" بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ إنَّ هُناكَ أُمورًا مُعيَّنَةً نَفعلُها وَنأكُلُ مِنها.
ونَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "أَلَعَلِّي أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَإِنْسَانٍ؟ أَمْ لَيْسَ النَّامُوسُ أَيْضًا يَقُولُ هذَا؟ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ مُوسَى: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا». أَلَعَلَّ اللهَ تُهِمُّهُ الثِّيرَانُ؟" أيْ أنَّ اللهَ يَتكلَّمُ بِلُغَةٍ مَجازِيَّةٍ، ولكِنَّهُ يَتحدَّثُ عَن شَيءٍ آخرَ، لا عنِ الثِّيران. أَمْ يَقُولُ مُطْلَقًا..." [في العَددِ العَاشِرِ] "...مِنْ أَجْلِنَا؟ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا مَكْتُوبٌ. لأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَرَّاثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى رَجَاءٍ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي رَجَائِهِ".
بِعبارةٍ أخرى، إنَّ الثَّورَ الَّذي يَحرُثُ يَستحِقُّ أنْ يُعطَى طَعامًا مُقابِلَ حِراثَتِه. فالحَارِثُ يَستمتِعُ بالحَصادِ، وكذلكَ دَارِسُ الحِنطَة. فالمَهامُّ والأعمالُ تَنطوي على مُكافأة. وَهُوَ يُوَضِّحُ قَصْدَهُ في العَددِ الحادي عَشَر: "إِنْ كُنَّا نَحْنُ قَدْ زَرَعْنَا لَكُمُ الرُّوحِيَّاتِ، أَفَعَظِيمٌ إِنْ حَصَدْنَا مِنْكُمُ الْجَسَدِيَّاتِ؟" بِعبارةٍ أخرى، يَنبغي لَكُم أن تَدعَمُوا المُبَشِّر. وينبغي لَكُم أن تَدعَمُوا الرُّسُلَ وَمَن يُسافِرونَ مَعَهُم، والخُدَّامَ، والمُعَلِّمينَ، والقَادَة.
وَهُوَ يَقولُ في العَدد 14 بكلماتٍ مُباشِرَةٍ أكثر: "هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُون". وَلا شَكَّ في أنَّ هَذا الأمرَ كَانَ مَوجودًا أيضًا في تَدبيرِ العهدِ القديم. فقد كانَ الكَهنةُ يَحصُلونَ على مَعيشَتِهم مِنَ العُشورِ الَّتي يُقَدِّمُها النَّاس. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّنا نَدعَمُ مِن خِلالِ الكنيسةِ القَادَةَ والمُعَلِّمينَ الَّذينَ يُعطينا اللهُ إيَّاهُم. والآيةُ غَلاطِيَّة 6: 6 تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "...لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَات". أيِ احرِصُوا على تَلبيةِ كُلِّ احتياجاتِ المُعَلِّمِ مِن قِبَلِ المُتَعَلِّمين.
ثُمَّ نَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 5: 17 المَبدأَ نَفسَهُ: "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيم". لِماذا؟ لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا»، وَ «الْفَاعِلُ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ»". لِذا فإنَّ الكَنيسةَ مَسؤولةٌ [على غِرارِ بَني إسرائيلَ في القَديمِ] عن دَعْمِ قادَتِها الرُّوحيِّين. فعندما كانَ النَّاسُ يأتونَ في يومِ الرَّبِّ، كانُوا يُعطونَ لأجلِ الدَّعمِ المُستمرِّ لمُعَلِّميهِم ورُعاتِهم وقَادَتِهم الرُّوحيِّين.
ولكِنْ ثانيًا، كانُوا يُعطونَ لِمُساعَدَةِ رَعِيَّةِ الكَنيسةِ أيضًا؛ أيْ لِسَدِّ حَاجاتِ الرَّعيَّة... لِسَدِّ حَاجاتِ الرَّعيَّة. فَقد كانَ دَعمُ المُحتاجينَ جُزءًا مُهِمًّا جدًّا جدًّا في حَياةِ الكنيسةِ الباكِرَةِ لأنَّ الكنيسةَ الباكِرَةَ كانتْ تَضُمُّ الكثيرَ مِنَ الفُقراءِ والمُحتاجينَ والأرامِلِ والأيتامِ، والأشخاصِ الَّذينَ لا تُوجَدُ لَديهم مَوارِد ويَحتاجونَ إلى سَدِّ حَاجاتِهم. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ والأصحاحِ السَّادسِ [بَعدَ ذلكَ النَّصِّ الَّذي قَرأناهُ للتَّوّ] أنَّ بولسَ يُوصي الأغنياءَ في العَدد 18 بأنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيعِ لِكَي يَكنِزُوا كَنْزًا في السَّماء. فَقد كانت هُناكَ حَاجَةٌ مُلِحَّةٌ إلى المُشارَكَة. وكانَ هُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ في الكنيسةِ لَديهم حَاجَات... أشخاصٌ كَثيرونَ فُقراء.
والآن، لَقد ذَكرتُ لَكُم هَذَيْنِ الجَانِبَيْنِ للعَطاء: الأوَّلُ هُوَ لِدَعمِ الخِدمةِ وَقادةِ الكنيسة، والثَّاني هُوَ لِدَعمِ الأشخاصِ المُحتاجينَ في الكنيسة. هَذا هُوَ سَببُ عَطائِهم في الكنيسةِ الأولى... هَذانِ هُما السَّببانِ الرَّئيسيَّان. وَما يَزالُ الأمرُ هَكذا. فنحنُ نُعطي لِدَعمِ القَادَةِ، وَدَعمِ العَامِلينَ، ومَن يُعَلِّمونَ ويَقودونَ ويَخدِمونَ بينَنا، بِمَنْ في ذلكَ المُرْسَلينَ حَولَ العَالَم. ونحنُ نُعطي أيضًا لكي نُغَطِّي نَفقاتِ المَباني الَّتي نَستخدِمُها. ولا شَكَّ فإنَّ الكنيسةَ الباكِرَةَ لم تَكُن لَديها مَبانٍ كَهذه. فَقد كانوا يَجتمعونَ في الهَواءِ الطَّلْقِ، أو في بُيوتٍ عَديدة. وَكانُوا يَجتمعونَ في أرضِ الهَيكَلِ، أو في الأماكِنِ العَامَّة.
نَحنُ نُعطي لِدَعمِ حَياةِ الكَنيسةِ، ونُعطي لمُساعَدَةِ المُحتاجين. وَهذا أيضًا جُزءٌ مُهِمٌّ مِنَ الكنيسة. وهذا الأمرُ مُهِمٌّ في أجزاءٍ مِنَ العالَمِ اليوم كَما كانَ في زَمنِ الكنيسةِ الباكِرَة. أمَّا في أمريكا فإنَّ أغلبيَّةَ حَاجاتِنا مُسَدَّدة لأنَّنا نَعيشُ في مُجتمعٍ مُزدَهِر. ولكِنَّ مَبادِئَ العطاءِ آنذاكَ كانَت تَختصُّ بهَذينِ الجَانِبينِ مِنَ العَطاء. فقد كانوا يُعطونَ لِدعمِ الكنيسةِ، وسَدِّ حَاجاتِ شَعبِ اللهِ في الكنيسة.
والآن، نَأتي إلى النَّصِّ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الثَّامن. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا المَوضوعِ الآن. والمَسألةُ هُنا هِيَ سَدُّ حَاجاتِ القِدِّيسينَ الفُقراء. فالمسألةُ هُنا لا تَختصُّ بِدَعمِ القَادَة، بل إنَّ المَسألةَ هُنا تَختصُّ بِسَدِّ حَاجاتِ القِدِّيسينَ الفُقراء. والحَقيقةُ هِيَ أنَّها لا تَختصُّ بِسَدِّ الكُورِنثيِّينَ لِحَاجاتِ القِدِّيسينَ الفُقراء في كَنيستِهم. فَمِنَ الواضِحِ أنَّهُم كانُوا يَفعلونَ ذلك. ولكِنَّ المسألةَ هُنا تَختصُّ بِسَدِّ الكُورِنثيِّينَ لِحاجاتِ القِدِّيسينَ الفُقراءِ في كَنائِسَ أخرى؛ أوْ في كَنيسةٍ واحِدٍة مُعَيَّنةٍ وَهِيَ الكَنيسة في أورُشليم.
في الأصحاحَيْنِ الثَّامنِ والتَّاسِع، يُحاوِلُ بولسُ أن يَحْفِزَ الكورِنثيِّينَ على تقديمِ عَطايا كبيرة وسَخِيَّة للقِدِّيسينَ الفُقراء في كَنيسةِ أورُشليم. هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّةُ هُنا. ولكِنَّ مَا كَتَبَهُ هُنا صَارَ نَموذَجًا عَامًّا لكُلِّ العَطاءِ المَسيحيّ. فَلا يَعنينا مَا المَسألةُ هُنا، أو مَا الحَاجَةُ هُنا، أو مَا الكنيسة الَّتي كانت بِحَاجةٍ إلى المال، أو لأيَّةِ غَايَة. فأنتُم تَجِدونَ هُنا لُبَّ العَطاء، أو لُبَّ وَجَوهَرَ العَطاءِ المَسيحيّ، أو لاهُوتَ العَطاءِ المَسيحيّ. ولكِنَّ العَطاءَ هُنا كَانَ مُوَجَّهًا إلى الكنيسةِ في أورُشليمَ وإلى القِدِّيسينَ الفُقراء فيها.
والآن، اسمَحُوا لي أن أُخبِرَكُم قَليلاً عنِ الكنيسةِ في أورُشليم. فَقد كانَ يُوجَدُ فيها مَسيحيُّونَ فقيرونَ كثيرونَ جدًّا. فَقد كانَ كَثيرونَ مِنهُم يَعيشونَ في فَقْرٍ مُدْقِع. فَمُنذُ بِدايَتِها، إنْ كُنتُم تَذكرونَ، أيْ في يَومِ الخَمسين، كانَ يَنبغي للكنيسةِ أن تُعالِجَ مُشكلةَ الفَقْرِ المُدْقِعِ في وَسَطِ رَعِيَّتِها. فَقد كانتْ كَنيسةً فَقيرةً جدًّا. فهي لم تَكُن كَنيسةً مِنَ الطَّبَقَةِ العُليا، ولم تَكُن كَنيسةً مُتْرَفَةً بالمَفهومِ المُعاصِر، بَلْ كَانُوا رَعِيَّةً مُعْدَمين. وأريدُ أن أذكُرَ لَكُم السَّبب. كانت هُناكَ ثَلاثةُ أسباب. وَهذهِ خَلفيَّةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا لكي تَفهموا هذا الأمر.
السَّببُ الأوَّلُ هُوَ أنَّ الكنيسةَ كَانت تَضُمُّ أشخاصًا كثيرينَ مِنَ الحُجَّاج. فَقد كانَ هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يَحُجُّونَ إلى أورُشَليمَ للاحتفالِ بعيدِ الخَمسين. وَكانَ عِيدُ الخَمسين عِيدًا يَهوديًّا. وَهُوَ يَأتي بعدَ خَمسينَ يَومًا مِنَ الفِصْح. وكما تَعلمون، مِن خِلالِ مَعرفةِ القَليلِ عَنِ اليهوديَّة، نَعرِفُ أنَّ اليَهودَ كَانُوا يَحُجُّونَ أو يُسافِرونَ إلى أورُشَليمَ للاحتفالِ بالأعيادِ الدِّينيَّةِ الرَّئيسيَّة. وَكانوا يَأتونَ إليها لا فقط مِنَ أرضِ إسرائيلَ نَفسِها، بَل إنَّ كَثرينَ مِنهُم كانُوا يَأتونَ مِن جَميعِ الأماكِنِ الَّتي تَشَتَّتَ إليها اليَهودُ في مَا يُعْرَفُ بالشَّتاتِ أوِ التَّشَتُّت.
فقد كانَ يُوجَدُ يَهودٌ مُشَتَّتونَ في جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ الأُمَمِيّ. وَكانُوا يُدْعَوْنَ "هِلِّينيِّين". والكلمة "هِلِّينيّ" تَعني: "أُمَمِيّ" – "أُمَمِيّ". فَقد كانُوا يُدْعَوْنَ يَهودًا هِلِّينيِّين. وَهُمْ يَهودٌ مُشَتَّتونَ في الأجزاءِ الأُمَمِيَّةِ مِنَ العَالَم. وعندما كانَ يَحينُ وَقتُ أحدِ الأعيادِ الرَّئيسيَّةِ في أورُشَليم، كَانُوا يَحُجُّونَ أوْ يُسافرونَ إلى أورُشَليم لحُضورِ ذلكَ العيد. ونَحنُ نَلتقي هؤلاءِ اليَهودَ الهِلِّينيِّينَ حَالاً في يَومِ الخَمسين في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني. فقد حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ، كَما تَذكُرونَ، وابتدأَ الأشخاصُ المِئَةُ والعِشرونَ الَّذينَ كَانُوا مُجتَمِعينَ في العِليَّةِ بالتَّكلُّم. فَقد رَاحُوا يَتكلَّمونَ بِلُغاتٍ بِعظائِمِ الله.
ونَقرأُ حَالاً أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُم سَمِعَهُم يَتكلَّمونَ بِلُغَتِه: "فَرْتِيُّونَ [في العَددِ التَّاسع] وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ، وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاَءُ، كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ". فَقد سَمِعوهُم يَتكلَّمونَ بِلُغاتِهم. وهَذا يُعطيكُم فِكرةً وَحَسْب عنِ المَكانِ الَّذي جَاءَ مِنهُ هَؤلاءِ الحُجَّاج. فقد كانُوا يَأتونَ مِن جَميعِ أنحاءِ العالَمِ إلى أورُشَليم لِحُضورِ هذا العِيدِ الكَبير. وَقدِ اجتمعَ كُلُّ هؤلاءِ الحُجَّاجِ في عيدِ الفِصْحِ العَظيمِ هَذا.
وَما الَّذي حَدَث؟ لَقد آمَنَ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ في يَومِ الخَمسين. اسمَعوني: لَقد كانَ كَثيرونَ مِن هؤلاءِ مِن فِئَةِ الحُجَّاج. وَنَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الرَّابعِ أنَّ خَمسةَ آلافِ شَخصٍ آمَنُوا. ورُبَّما آمَنَ عَددٌ آخرُ مِنَ النِّساءِ أيضًا. لِذا فقد انضَمَّ آلافٌ إلى الكنيسةِ وكانَ كَثيرونَ مِنهُم مِنَ الحُجَّاج. والآن، فَكِّروا في ذلك. فَمِنَ السَّهلِ جدًّا عليكُم أن تَفهَموا ذلك. كانت هناكَ كَنيسةٌ واحِدٌة فقط في كُلِّ العَالَمِ وَهِيَ الكَنيسةُ في أورُشليم. وكانَ عُمرُها لا يَتجاوَزُ بِضعة أسابيع. فلم يَكُن يُوجَدُ مَكانٌ آخر في العَالَم للذَّهابِ إلى الكنيسة. ولم يَكُن هُناكَ أيُّ مَسيحيِّينَ آخرينَ في العَالَم. ولم يَكُن هُناكَ أيُّ رُسُلٍ آخرينَ في العَالَم. فَقد وُلِدُوا وَحَسْب في الكنيسة. وكانتِ الكَنيسةُ نَفسُها قَد وُلِدَت. وَقد حَصَلُوا وَحَسْب على الرُّوحِ القُدُس.
وكانتِ المُعجِزاتُ شَيئًا يَجْري كُلَّ يَومٍ على أيْدي الرُّسُل. وكانَ هُناكَ فَرَحٌ وابتِهاجٌ وسُرورٌ وتَشويقٌ وحَماسَةٌ جَعلتْ هَؤلاءِ الحُجَّاجَ غَيرَ رَاغِبينَ في العَودةِ إلى دِيارِهم. فلم يَكُن هُناكَ شَيءٌ يَستدعي العَودةَ إلى البَيت. فلم تَكُن هُناكَ كَنيسةٌ وَلا مُعجِزاتٌ، ولم يَكُن هُناكَ رُسُلٌ وَلا مُعَلِّمون. لا شَيء! وكانتِ المُعجِزاتُ تَحدُثُ يَوميًّا. وكانَ هُناكَ فَرَحٌ وَابتِهاجٌ. وكانُوا يَجتمعونَ كُلَّ يَومٍ ويَذهبونَ مِن بَيتٍ إلى بَيتٍ، ويَجتمعونَ في الهيكلِ، ويَبتهجونَ ويُسَبِّحونَ اللهَ، ويَأكلونَ، ويَحتفلونَ بالمائِدةِ، ويَفرحونَ بِقيامةِ يَسوعَ المسيحِ وَولادةِ الكنيسة. وكانوا الكنيسةَ الوحيدة، والشَّرِكَة الوَحيدة، والرُّسُلَ الوَحيدين. لِذا فإنَّهُم لَم يَرجِعُوا إلى دِيارِهم.
وعندما كَانَ هَؤلاءِ الحُجَّاجُ يَأتونَ للاحتفالِ بالأعيادِ، كَانُوا يَنزِلونَ في فَنادِق. ولكِنَّهُم لم يَكونوا يَملكونَ مَالاً يَكفي للمُكوثِ فيها دائمًا. لِذا فقد كانُوا يُضطَرُّونَ إلى تَرْكِ الفَنادِقِ الَّتي يَنزِلونَ فيها، أو كانُوا يُقيمونَ عِندَ أقاربِهم اليَهود، أو عِندَ مَعارِفِهم. ولكِنْ لم يَعُد باستِطاعتِهم المُكوثُ في تِلكَ الأماكِنِ لأنَّهم صَاروا الآنَ مَسيحيِّين. وَهذا جَعلَ الأمرَ صَعبًا جدًّا جدًّا لأنَّهُم الآنَ صَارُوا مَنبوذينَ مِن عَائلاتِهم. وَمَعَ أنَّهُم كانوا حُجَّاجًا وينبَغي أنْ يُعامَلوا بِكُلِّ تَرحيبٍ، مَا إنْ صَاروا مَسيحيِّينَ حَتَّى تَوَّقفَ أقارِبُهم عنِ استِقبالِهم في بُيوتِهم اليهوديَّة. لِذا، فَقد صَارُوا مَطرودينَ وَلا يَدرونَ إلى أينَ يَذهبون!
وَهكذا، اضطُرَّ هَؤلاءِ الحُجَّاجُ إلى السَّكَنِ مَعَ المُؤمِنين. فقدِ اضطُرُّوا إلى الانتقالِ والسَّكنِ مَعَ مَسيحيِّينَ مِن أصْلٍ يَهوديٍّ يَعيشونَ في مَدينةِ أورُشليم والقُرى المُحيطَةِ بها. وكانَ ذِلكَ العَددُ الصَّغيرُ مِنَ المَسيحيِّينَ يُحاوِلُ أنْ يَستَضيفَ كُلَّ هؤلاءِ الآلافِ مِنَ الحُجَّاجِ الَّذينَ اهْتَدُوا إلى المَسيح. وَقد بَذَلُوا جُهدًا كَبيرًا في القيامِ بذلك؛ ولكنَّها لم تَكُن مَهَمَّةً يَسيرَة، بَلْ إنَّ الأمرَ كَانَ مُعَقَّدًا جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّهُ كانَ يُوجَدُ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ الأرامِلِ العِبرانِيَّات. وَهذا يَعني أنَّهُ كانت هُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأرامِلِ اللاَّتي جِئْنَ لِحُضورِ العيدِ، واهْتَدَيْنَ إلى المَسيحِ، وَمَكَثْنَ هُناك. وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ بَقَوْا هُناكَ هُمُ الفُقراءُ، والأرامِل، واليَتامَى، والأشخاصُ الَّذينَ لا يُوجَد شَيءٌ في الدِّيار يَرجِعونَ إليه.
ورُبَّما كَانَ بَضعٌ مِنهُم يَهودًا عَبيدًا لَدى الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة. لِذا فإنَّهُم لم يَكونُوا رَاغِبينَ في العَودةِ إلى عُبوديَّتِهم. وهكذا فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ رَجَعُوا هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ لَديهم أملاكٌ، أو أعمالٌ، أو وَظيفةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا في الحُكومَةِ في مَكانٍ مَا، أو الَّذينَ لَديهم مَسؤوليَّاتٌ كَبيرة، أوِ الَّذينَ يَعملونَ لِحسابِهم. فهؤلاءِ الأشخاصُ اضطُروا إلى العَودَة. أمَّا الآخرونَ فَبَقَوْا. وأغلبيَّةُ الَّذينَ بَقَوْا كانُوا فُقراءَ وَلا يُوجَدُ شَيءٍ يَعودونَ إليه. لِذا فقد كانُوا جَميعًا يَعيشونَ على مُساعَداتِ الكَنيسةِ في أورُشَليم؛ ولا سِيَّما الفُقراءُ والأرامِلُ الَّذينَ بَقَوْا هُناكَ لأنَّهُ لم يَكُن يُوجَدُ شَيءٌ يَرجِعونَ إليه.
ونَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب 2: 5: "اسْمَعُوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ". وَهذهِ مُشكلةٌ أخرى: "أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَمِ أَغْنِيَاءَ فِي الإِيمَانِ، وَوَرَثَةَ الْمَلَكُوت؟" فعندما اختارَ اللهُ خَاصَّتَهُ، اختارَ الأغلبيَّةَ مِنَ الفُقراء. ونَقرأُ في رسالةِ كورنثوسَ الأولى 1: 26-28 أنَّهُ لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفاء أو حُكماء، بَلِ اخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى. لِذا فقد كانتِ الكنيسةُ تَضُمُّ الكثيرَ مِنَ الفُقراء. وَقد جاءَ يَسوعُ لكي يَكرِزَ للفُقراء؛ لكي يَكرِزَ بالإنجيلِ للفُقراء. وَقد قالَ ذلكَ بِنَفسِه. لَقد قالَ يَسوعُ ذلكَ بنفسِه.
إذًا، هذا هو السَّببُ الأوَّلُ في أنَّ الكنيسةَ في أورُشليم كانت فَقيرةً جدًّا. فقد كانَ النَّاسُ فُقراء. لِذا، كانَ ينبغي للكنيسةِ الآنَ أن تَهتمَّ بِكُلِّ هؤلاءِ الحُجَّاجِ. وكانَ الأمرُ صَعبًا جدًّا جدًّا. والحقيقةُ هِيَ أنَّهُم كانُوا يُلاقونَ صُعوبةً كَبيرةً في العُثورِ على هؤلاءِ الأرامِلِ العِبرانِيَّاتِ حَتَّى إنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّهُم اختارُوا سَبعةَ رِجالٍ وأَوكَلُوا إليهمِ تِلكَ المَسؤوليَّةَ لِئَلاَّ يَنْسَوْا أيًّا مِن هؤلاءِ الأرامِلِ الجُدُدِ اللاَّتِي جِئْنَ مُؤخَّرًا للحَجِّ، وَلِئَلاَّ يُحْرَمْنَ مِنَ الحُصولِ على طَعامِهِنَّ اليَومِيّ. وكانَ يَتعيَّنُ على تلكَ الكنيسةِ أن تَشتري الطَّعامَ، وَتُعِدَّهُ، وتُوَزِّعَهُ على جَميعِ هَؤلاءِ الأرامِل.
وَهُناكَ عُنصُرٌ آخر جَعَلَهُم فُقراء. فقد قُلنا إنَّ الكنيسةَ كانت تَضُمُّ الكَثيرَ مِنَ الحُجَّاج. ثانيًا، اليَهودُ المُضطهَدون. فأورُشليمُ هِيَ المَدينةُ المُقدَّسة. ولا شَكَّ في ذلك. وَهِيَ أكثرُ مَكانٍ مُقَدَّسٍ على الأرضِ في نَظَرِ اليَهودِ الأتقياء. فَهُم يَهتمُّونَ هُناكَ بِدينِهم أكثرَ مِن أيِّ مَكانٍ آخر. وَهُناكَ يَصِلُ تَزَمُّتُهم إلى ذِروَتِه، وكذلكَ نَاموسيَّتُهم وعَداوَتُهم لكُلِّ مَن يَرفُضُ اليَهوديَّة. ويُمكِنُكم أن تَلحَظُوا ذلكَ حَتَّى في يَومِنا هذا. وَالحَقيقةُ هِيَ أنَّهُم زَادُوا حِدَّةً في هذا الوقت.
وكانَ الأشخاصُ الَّذينَ يَهتَدونَ إلى المَسيحِ مِن بينِ سُكَّانِ أورُشَليم يُنبَذونَ حَالاً؛ كَما هِيَ الحَالُ اليوم. فعندما يُؤمِنُ شَخصٌ مِن عائلةٍ يَهوديَّةٍ مُتزمِّتَةٍ في أورُشليم بيسوعَ المسيح، كانُوا يَرفُضونَهُ حَالاً ويَطرُدونَهُ مِن وَسْطِهم. لِذا فقد صَارَ هؤلاءِ المُؤمِنينَ ضَحايا الكَراهِيَةِ الحَقودَةِ، والنَّبْذِ الاجتِماعِيِّ، والطَّرْدِ مِنَ المَجْمَع. إنَّهُ رَفْضٌ كَامِل. وكانوا يَخسَرونَ أعمالَهُم، ووظائِفَهُم، ومَصدرَ دَخلِهم. فَقد كانَ كُلُّ شَيءٍ يَختفي. فقد كانت عائِلاتُهم تَتخَلَّى عَنهُم. إذًا، كانَ يُوجَدُ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ الحُجَّاجِ الَّذينَ لا يَملِكونَ أيَّ شَيءٍ، وَعَددٌ كَبيرٌ مِنَ اليَهودِ المَنبوذينَ الَّذينَ لا يَملِكونَ أيَّ شَيءٍ أيضًا.
وبحسبِ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الخامِس عَشَر فإنَّ يَسوعَ أخبرَهُم أن يَتوقَّعُوا ذلك. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 15: 20: "اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ". ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّادس عشر والعَددِ الثَّاني: "سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِع". فَهذا هُوَ مَا سَيَفعلونَهُ. وَهذا هُوَ مَا فَعلوه. وفي إنجيلِ مَتَّى، عندما وَعَدَ يَسوعُ في الأصحاحِ التَّاسع عشر أنَّ تَلاميذَهُ سَيَحصُلونَ على المَلكوتِ في يَومٍ مَا، أخبرَهُم أيضًا أنَّ كَثيرينَ مِنهُم سيَتركونَ مَنازِلَهُم، وإخوتَهُم، وأخواتِهم، وأُمَّهاتِهم، وآباءَهُم، وأبناءَهُم، وحُقولَهُم مِن أجلِ اسمِهِ (في إنجيل مَتَّى 19: 29). فَإيمانُهُم سيُكَلِّفُهُم كُلَّ شَيء. لِذا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا أنَّ حِدَّةَ الفَقْرِ تَضاعَفَتْ آنذاكَ لأنَّ اليهودَ الَّذينَ آمَنُوا بالمَسيحِ ويَعيشونَ في أورُشليم خَسِروا كُلَّ شَيء.
والآن، اسمَحُوا لي أن أذكُرَ سَببًا ثَالِثًا وَهُوَ الاقتصادُ الرُّومانِيّ... الاقتصادُ الرُّومانِيّ. فقد كانَ اقتصادُ أورُشليم والأماكِنِ المُحيطةِ بأورُشليم، أوِ الأماكِنِ المُحيطَةِ بِفِلَسطين فَقيرًا على غِرارِ أيِّ جُزءٍ آخرَ مِنَ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة. ولا تَظُنُّوا أنَّ الإمبراطوريَّةَ الرُّومانيَّةَ كانت غَنيَّة. لقد كانَتْ رُوما على مَا يُرام، ولكِنَّ الإمبراطوريَّةَ كانت فَقيرة... فَقيرةً جدًّا. وَقد صَارَت أكثرَ فَقرًا بسببِ الرُّومانِ الَّذينَ كانوا يَسلِبونَ كُلَّ شَيءٍ مِن جَميعِ المَناطِقِ الَّتي كانُوا يَحتَلُّونَها مِن أجلِ التَّوَسُّع. لِذا فقد كانَ اقتصادُ أورُشليمَ والمَناطِقِ المُحيطةِ بها فَقيرًا على غِرارِ أيَّة مِنطقةٍ أخرى في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة.
فَضلاً عن ذلك، لم يَكُنِ الرُّومان يَنهَبونَ المَواردَ الطبيعيَّة فقط، ولم يَكونوا يَنهبونَ خَيراتِ تلكَ البِلاد ويَستخدمونها لتَمويلِ المُؤسَّساتِ الرُّومانيَّة، بَل إنَّ الرُّومان كانُوا أيضًا يَفْرِضونَ ضَرائبَ عَالية جدًّا على النَّاسِ مِن خلالِ تَوظيفِ عَشَّارينَ يَهود لأخذِ المالِ مِن أبناءِ شَعبِهم وَوَضعِ جُزءٍ مِنها في خَزينةِ الدَّولةِ والاحتفاظِ بالجُزءِ الآخر لأنفسِهم. والنَّتيجةُ هِيَ انتشارُ الفَقرِ المُدقِع في أرضِ فِلَسطين. عَدا عن ذلك، هُناكَ عُنصرٌ آخر يَختصُّ بالجانبِ الاقتصادِيّ بِحَسَب ما جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح الحَادي عَشَر إذْ نَقرأُ في العَدد 27 مَا يَلي: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِالرُّوحِ أَنَّ جُوعًا عَظِيمًا كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْكُونَة". فَقد جَاءَ نَبِيٌّ مِن عِندِ اللهِ اسمُهُ "أَغابُوس" وَتَنبَّأَ بأنَّ جُوعًا عَظيمًا سيَحدُثُ في كُلِّ العَالَم. وَقد حَدثَ ذلكَ الجُوعُ في أَيَّامِ كُلُودِيُوس. فَقد حَدَثَ ذلك.
بِسَببِ ذلك... استَمِعُوا إلى الآيةِ التَّالية... إلى الآية 29: "فَحَتَمَ التَّلاَمِيذُ حَسْبَمَا تَيَسَّرَ لِكُلّ مِنْهُمْ أَنْ يُرْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئًا، خِدْمَةً إِلَى الإِخْوَةِ السَّاكِنِينَ فِي الْيَهُودِيَّة". لماذا؟ أولاً، لأنَّ تلكَ المَجموعةَ كانت أكبر مَجموعة مِنَ المُؤمِنين. وأيضًا لأنَّ اليهوديَّةَ كانت فَقيرةً جدًّا. فَقد حَدثتِ المَجاعةُ فأرسلُوا المالَ إلى هُناكَ لأنَّ الفَقرَ كَانَ مُدْقِعًا جدًّا. وكُلُّ هذهِ الأشياء تُساعِدُنا على فَهمِ أنَّ مُشكلةً كَبيرةً حَدثت في كنيسةِ أورُشليمَ بِسَببِ وُجودٍ أعدادٍ كَبيرةٍ مِنَ المَسيحيِّينَ الفُقراء الَّذينَ لا يَستطيعونَ أن يُعيلوا أنفسَهُم. وهَذا أمرٌ مُهِمٌّ عِندَ الله. هَذا أمرٌ مُهِمٌّ عِندَ الله. وأعتقدُ أنَّ واحدًا مِنَ الأسبابِ الَّتي جَعلتِ الرَّبَّ يَختارُ أُناسًا كَثيرينَ فُقراءَ هُوَ أنْ يُعَلِّمَنا المَحبَّةَ بمَعناها المَلموسِ مِن خِلالِ العَطاءِ المُضَحِّي والمُشارَكة. وَهذا أمرٌ مُهِمٌّ دائِمًا عِندَ الله.
ارجِعُوا إلى سِفْر التَّثنيةِ والأصحاح 15، واسمَحُوا لي أن أقرأَ عَلى مَسامِعُكُم آياتٍ قَليلة. ويُمكِنُنا أن نَقرأَ آياتٍ كَثيرةً عَن مَوضوعِ مُساعَدةِ الفُقراء، ولكِنَّ بِضْعَ آياتٍ مِنَ العهدِ القديمِ تَكفي لِكي نَفهمَ الفِكرة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّثنية 15: 7: "إِنْ كَانَ فِيكَ فَقِيرٌ، أَحَدٌ مِنْ إِخْوَتِكَ فِي أَحَدِ أَبْوَابِكَ فِي أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ..." – بِعبارةٍ أخرى: وَاحِدٌ مِن بَني إسرائيل، أو واحِدٌ مِن شَعبِ اللهِ المُختار. "فَلاَ تُقَسِّ قَلْبَكَ". وَهذهِ نَفسُ اللُّغَةِ الَّتي نَجِدُها في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 3: 16. "وَلاَ تَقْبِضْ يَدَكَ عَنْ أَخِيكَ الْفَقِيرِ، بَلِ افْتَحْ يَدَكَ لَهُ وَأَقْرِضْهُ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْه".
ثُمَّ إنَّ العَددَ التَّاسِعَ يَتحدَّثُ عن ضَرورةِ أنْ يَكونَ مَوقِفُكَ القَلبيُّ سَليمًا عندما تَفعلُ ذلك. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ العَاشِر: "أَعْطِهِ وَلاَ يَسُوءْ قَلْبُكَ عِنْدَمَا تُعْطِيهِ، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذَا الأَمْرِ يُبَارِكُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ أَعْمَالِكَ وَجَمِيعِ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُك". فهل تُريدُ أن تَتبارَكَ في عَملِك؟ وهَل تُريدُ أن تَتباركَ في كُلِّ شَيءٍ تَفعلُهُ، وفي كُلِّ مَشاريعِك؟ إذًا أَعْطِ. وحينئذٍ سيُبارِكُكَ الله. وَهذا نَفسُ المَبدأ. أليسَ كذلك؟ أي نَفسُ المَبدأ المَذكور في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 20: 35: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذ". وَهُوَ نَفسُ المَبدأ المَذكور في إنجيل لُوقا 6: 38: "أَعْطُوا تُعْطَوْا". إنَّهُ نَفسُ المَبدأ. ونَقرأُ في العَدد 11: "لأَنَّهُ لاَ تُفْقَدُ الْفُقَرَاءُ مِنَ الأَرْضِ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ قَائِلاً: افْتَحْ يَدَكَ لأَخِيكَ الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ فِي أَرْضِك". فهذهِ هِيَ مَشيئةُ الله. وَهَذهِ هِيَ رَغبةُ الله.
ونَقرأُ في المَزمور 41 – وَأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّهُ تُوجَدُ مَواضِعُ كَثيرة تَذكُرُ الشَّيءَ نَفسَه. ولكِنِ استَمِعُوا إلى مَا جاءَ في المَزمور 41 والأعدادِ الثَّلاثةِ الأولى مِنه: "طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمِسْكِين". إنَّهُ نَفسُ المَبدأِ مَرَّةٍ أخرى. "فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ". فَهل تُريدُ أنْ تَنجُو مِنَ الشَّرِّ؟ إذًا، سَاعِد المَساكين، وسُدَّ حَاجاتِهم، وأعطِ لِجَسَدِ المَسيح. العَددُ الثَّاني: "الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي الأَرْض". هَل تُريدُ أن تَنْجُو في يَومِ الشَّرّ؟ وهَل تُريدُ أن تَبقى حَيًّا؟ وهَل تُريدُ أن تَتبارَك. أَعْطِ!
والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ أنَّ الرَّبَّ سيَحميه، ويَحفَظُهُ حَيًّا، وأنَّهُ سَيُدعَى مُبارَكًا في الأرض، "وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَامِ أَعْدَائِه". فَسوفَ يَكونُ مَحمِيًّا على كُلِّ جَبهَة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْف". هَل تُريدُ أن تَكونَ بِصِحَّةٍ جَيِّدة؟ "مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ". فاللهُ يَعتني بالأشخاصِ الَّذينَ يُعطونَ بِسَخاء. هَذا هُوَ مَا تَقولُهُ هذهِ الآيات. انظُروا قَليلاً إلى سِفْرِ الأمثال. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 14: 31: "ظَالِمُ الْفَقِيرِ يُعَيِّرُ خَالِقَهُ، وَيُمَجِّدُهُ رَاحِمُ الْمِسْكِين". هَل تُريدُ أن تُمَجِّدَ اللهَ، أَم تُريدُ أن تُعَيِّرَهُ؟ أنتَ تَقولُ إنَّكَ تَنتمي إليهِ، وتَقولُ إنَّكَ مِنْ خَاصَّتِه، وَإنَّ اللهَ مُنْعِمٌ ومَحْسِنٌ وسَخِيٌّ. إنْ لم تَكُن أنتَ أيضًا كذلك فإنَّكَ تُعَيِّرُ اللهَ الَّذي تَقولُ إنَّهُ أبوك. هَذا هُوَ مَا جَاءَ في سِفْر الأمثال 14: 31.
ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 19: 17: "مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ...". هَل تُريدُ أن تَعرِفَ شَيئًا عَنِ الرَّبّ؟ إنَّهُ يُوفي كُلَّ دُيونِه. "...وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيه". ففي كُلِّ مَرَّةٍ تُعطي فيها شَخصًا مُحتاجًا فإنَّ اللهَ يُكافِئُكَ على ذلك. ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 21: 13: "مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ". فَسَوفَ تَمْنَعُ بَركاتِ السَّماءِ إنْ لم تَكُن مُعْطِيًا سَخِيًّا. وَهُناكَ أصحاحٌ آخر في سِفْر الأمثال أريدُ مِنكُم أن تَنظُروا إليه. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 22: 2: "اَلْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ يَتَلاَقَيَانِ، صَانِعُهُمَا كِلَيْهِمَا الرَّبُّ". فالربُّ هُوَ الَّذي خَلَقَهُما كِليهِما. ولكنِ انظُروا إلى العَددِ التَّاسع: "اَلصَّالِحُ الْعَيْنِ هُوَ يُبَارَكُ، لأَنَّهُ يُعْطِي مِنْ خُبْزِهِ لِلْفَقِير".
ويا أحبَّائي، باستِطاعَةِ الأشخاصِ الَّذينَ لَديهم ما يُعطُوه أن يَحصُلوا على بَرَكَةٍ لا يَستطيعُ مَن لا يَملكونَ شَيئًا الحُصول عليها. فيُمكِنُنا أن نَتبارَكَ في عَطائِنا. هذا هو المبدأ. إنَّهُ أَمْرٌ بأنْ نُعطي. وَهُوَ وَعْدٌ بِبَرَكَةٍ عَظيمة. وقد كانتِ الكنيسةُ في أورُشليم تَعرفُ ذلك، وتُؤمِنُ بذلك، وتُحاولُ أن تُطَبِّقَ ذلك. ولكِنْ يجب أن تَعلَموا أنَّهُم بَذَلُوا جُهدًا استِثنائيًّا، وبَذَلُوا جُهدًا نَبيلاً. وَلَعَلَّهُم بَذَلُوا جُهدًا استِثنائيًّا، بَلِ استِثنائيًّا ونَبيلاً جدًّا وَلا مَثيلَ لَهُ في كُلِّ تَاريخِ الكَنيسة. فَقد فَعلوا كُلَّ شَيءٍ في مُحاولةٍ مِنهُم لِسَدِّ تِلكَ الحاجات. وَقد كَانُوا ذَا بَأسٍ شَديد.
وابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، نَرى مَا فَعَلوه. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 44: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا". فهكذا ابتدأَ الأمر. فقد كانت هُناكَ وَحدة، وكانَ الجَميعُ يَقْتَنونَ الأشياءَ ويَستخدِمونَها للمَصلحةِ العَامَّة. فإنِ احتاجَ شَخصٌ إليها أكثرَ مِن غَيرهِ يُمكِنُهُ أن يَأخُذَها. فإنْ كَانَ أيُّ شَخصٍ يَقْتَني أيَّ شَيءٍ، كَانُوا يُعطونَهُ لأيِّ شَخصٍ آخرَ إنِ احتاجَ إليه. ونَقرأُ في العَدد 45: "وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاج". فَقد كَانُوا أسخياءَ إلى هَذا الحَدّ! فَقد كَانُوا يُدركونَ أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يُعطُوا أكثرَ مِمَّا يُعطي الله. لِذا فقد بَاعُوا أملاكَهُم وَمُقتَنياتِهم وَأعْطَوْا.
ونَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابع شَيئًا مِنَ الرَّائعِ أن نَراه إذْ نَقرأُ في العَدد 32: "وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ". أليسَ هذا الأمرُ رَائِعًا؟ فلم يَكُن أحدٌ يَقولُ: "هَذا لِي! أو هَذا يَخُصُّني!" لم يَكُن أحدٌ يَقولُ ذلك. فَقد كانوا يَعرِفونَ المبدأَ الَّذي تَحدَّثنا عَنهُ للتَّوّ؛ أيْ أنَّ كُلَّ الأشياءِ هِيَ في الأصْلِ لِمَنْ؟ لله. وَكانُوا يُعطونَها لِمَنْ هُمْ في حَاجَةٍ إليها. لِذا، "كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا". وَهَذا لا يَعني أنَّهُم قَسَّمُوا ذلكَ بينَهُم بالتَّساوي، بَل يَعني أنَّهُم كَانُوا يَنظُرونَ إلى تِلكَ الأشياءِ هَكذا. "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ". وَلا شَكَّ في ذلك. فالسَّخاءُ يُفْضِي دَائِمًا إلى نِعمَةً فَائِضَة.
ونَقرأُ في العَدد 34: "إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ". إذًا، هَذا هُوَ مَا كانُوا يَفعلونَهُ في السَّنواتِ البَاكِرَة. ولكِنْ أتَعلمونَ شَيئًا؟ بَعدَ أن تَبيعَ كُلَّ شَيءٍ لَديكَ، وبعدَ أن يَبيعَ الجَميعُ كُلَّ مَا لَديهم، لم يَعُد هُناكَ شَيءٌ يُمكِنُ بَيعُه. وأخيرًا، أدركَ الرَّسولُ بولُسُ أنَّهُ لم تَعُد هُناكَ أيَّة مَوارِد. وكانَ لا بُدَّ أن يَذهبَ إلى مَكانٍ آخرَ ويَجمَعَ المَعوناتِ لِهذهِ الكنيسةِ الحَبيبة. ولكِنَّهُم بَذَلُوا جُهدًا عَظيمًا.
يُمكنُكم أن تُضيفوا إلى ذلكَ، كما قُلتُ سَابقًا، مَا جاءَ في الأصحاحِ السَّادسِ حيثُ إنَّهُم كَانُوا يَهتمُّونَ بتوفيرِ الطَّعامِ للأرامِلِ كُلَّ يَوم. ويُمكِنُكم أن تُضيفوا مَا جاءَ في الأصحاحِ الحادي عَشَر والأعداد 27-30 عنِ المَجاعَة. والآيةُ غَلاطِيَّة 2: 10 آيةٌ جَيِّدةٌ لأنَّها تُعطينا فِكرةً عن هذا الأمر. فَبُولُس يَقولُ إنَّهُم طَلَبُوا مِنَّا "أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ. وَهذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ". هَذا هُوَ قَلبُ بُولُس. فَقد كانَ يَهتمُّ حَقًّا بالفُقراء. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ يُحِبُّهم بِصِفَتِهم إخوةً وَأخواتٍ لَهُ في المَسيح، ولأنَّهُ كانَ يَفهمُ الوَصِيَّةَ الَّتي تُطالِبُهُ بِسَدِّ حَاجَاتِهم. فقد كانَ يُدركُ أنَّ اللهَ يُريدُ أن تُسَدَّ حَاجاتُهم. ولم يَعُد لَديهِ مَا يُمكِنُ أن يُعطيه. فقد أعْطَوْا كُلَّ مَا لَهُم.
وَهل تَعلمونَ مَاذا حَدثَ لِكنيسةِ أورُشَليم تِلك؟ بَعْدَ بِضْعِ سِنين، لم يَعُدِ الأغنياءُ أغنياءً، بَلْ صَارَوا جَميعًا مَجموعةً مِنَ الفُقراءِ لأنَّهُم أعْطَوْا الكُلَّ. فَقد تَأثَّروا جِدًّا وَحاوَلوا أن يَسُدُّوا حَاجاتِ تِلكَ الكنيسةِ عندما تَصاعَدَتْ وَتيرةُ الاضطِهادِ وَزَادَت. وقَد بَقِيَ الحُجَّاجُ آنذاكَ في أورُشَليم ولم يَتمكَّنوا مِنَ العُثورِ على عَمَل بِكُلِّ تَأكيد. لِذا فقد أَخَذَ بولُسُ هَذا الحِمْلَ على عَاتِقِه. فقد فَهِمَ مَا كَانَ يَجري. وَحَتَّى إنَّهُ وَصَفَ نَفسَهُ في رِسالةِ كورنثوس الثَّانية 6: 10 بأنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الفُقراء.
فَقد صَادَفَ أُمورًا كهذهِ في حَياتِهِ، وَقدِ اتَّكَلَ على عَطايا الآخرينَ في مَرَّاتٍ كَثيرة في حَياتِهِ عندما لم يَكُن قَادِرًا على العَمل. لِذا، عندما ابتدأَ رِحلتَهُ التَّبشيريَّةَ الثَّالثة، قَرَّرَ أن يَجمعَ المَالَ للفُقراءِ في أورُشليم لأنَّهُ لم تَعُد لَديهم أيَّة مَوارِد. وَهكذا، عندما انطلقَ في رِحلتِهِ التَّبشيريَّةِ الثَّالثةِ، كانتِ الأولويَّة القُصوى لِجَمْعِ المَالِ على قَلبِه. فَقد أرادَ أن يَجمَعَهُ مِنَ كَنائسِ الأُمَمِ وأن يُقَدِّمَهُ إلى الفُقراءِ في أورُشليم.
والآن، اسمَحُوا لي أن أتقدَّمَ بِكُم خُطوةً أخرى. لم يَكُنِ الأمرُ مَادِّيًّا فقط، بَل كانَت هُناكَ مَحبَّةٌ رُوحيَّةٌ يُريدُ لَها أنْ تَظْهَر. هَل تَذكُرونَ إنَّ بولسَ قالَ في رِسالةِ أفسُس والأصحاحِ الثَّاني إنَّ اليهودَ والأُممَ كَانُوا مُنفصِلينَ بِسَببِ وُجودِ حَائِطٍ؛ ولكِنْ في المَسيحِ، تَمَّ هَدْمُ ذلكَ الحَائِطِ فَصاروا إنسانًا واحِدًا جَديدًا في المَسيح؟ فقد كانتْ مَرارَةُ التَّعَصُّبِ، وعَداوَةُ التَّعَصُّبِ، وكَراهِيَةُ التَّعَصُّبِ تَجري عَميقًا حَقًّا حَتَّى عِندَ المُؤمِنين... حَتَّى عِندَ المُؤمِنين. وكانت مَا تَزالُ تُوجَدُ عَداوةٌ كَبيرةٌ بينَ اليهودِ والأُمَم.
وكانَ بولسُ يَعلمُ أنَّ الحاجَةَ تَدعو إلى مُصالَحةٍ حَقيقيَّةٍ، وَأنَّ ما حَدَثَ رُوحِيًّا يَنبغي أن يَحدُثَ شَخصيًّا. لِذا فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ إنْ تَمَكَّنَ مِن جَمْعِ المَالِ مِن كَنائسِ الأُممِ وإعطائِهِ تَقْدِمَةَ مَحَبَّة لليهودِ في أورُشليم فإنَّ ذلكَ سيُساعِد كَثيرًا في تَوطيدِ العَلاقَةِ بينَ الطَّرَفَيْن. فهذا سيُعَبِّرُ عَنِ الوَحدةِ الرُّوحيَّةِ للكنيسةِ الَّتي هِيَ جَسَدُ المَسيحِ الحَقيقيّ. كما أنَّهُ يُقَدِّمُ دَليلاً مَلموسًا للعالَمِ بأنَّ حَائِطَ السِّياجِ المُتوسِّط قَدْ أُبْطِلَ، وَأنَّ اليَهودَ والأُمَمَ قَد تَصالَحُوا. كَما أنَّهُ سيَكونُ دَرْسًا مُهِمًّا للمُهَوِّدينَ، وَدَرْسًا مُهِمًّا للهِلِّينيِّينَ لأنَّ كِلاَ الفَريقَيْنِ كَانا يَسْعَيانِ إلى زِيادَةِ الهُوَّةِ بينَ الفَريقَيْن.
وَقد كَتَبَ "ك.ل. شميدت" (K.L. Schmidt): "كَما أنَّهُ عندما كانَ يَهودُ الشَّتاتِ يُرسِلونَ سَنَةً بَعدَ سَنةٍ تَقدِماتِهم إلى الهيكلِ في أورُشليمَ مُعْلِنينَ مِن خِلالِها وَحدَتَهُم القَوميَّةِ والدِّينيَّة، فإنَّ إحضارَ تِلكَ التَّقدِماتِ إلى أورُشليمَ كانَ يُعَزِّزُ تِلكَ الوَحدةِ الَّتي تَفوقُ جَميعَ الوَحْداتِ الأخرى، ويُعَزِّزُ الوَحدانِيَّةَ الأبديَّةَ في المسيحِ بينَ هؤلاءِ الَّذينَ هُمْ جِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيح" [نِهايةُ الاقتباس]. فقد كانَ ذلكَ السُّلوكُ يُعَبِّرُ بِقوَّةٍ عنِ التَّكاتُفِ، ويُعَبِّرُ عَنِ الوَحدَة.
وأوَّلُ إشارةٍ إلى جَمْعِ هَذهِ المَعوناتِ مَذكورٌ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 16: 1-4. فهذهِ هِيَ أوَّلُ إشارةٍ إلى ذلكَ خَطِّيًّا. وهي ليست أوَّل إشارة إلى ذلكَ في الحَقيقةِ لأنَّ بولسَ كَانَ قد طَلبَ مِنَ الكورِنثيِّينَ أن يُشارِكُوا عندما ذَهبَ إلى هُناك. ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُم كَتَبوا إليهِ رِسالةً. وَتُوجَدُ إشارةٌ إليها في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ السَّابع. فَقد كَتبوا إليهِ رِسالةً وطَرحُوا عليهِ أسئلةً. وعلى الأرجَحِ أنَّ واحدًا مِنَ الأسئلةِ الَّتي طَرَحوها كانَ يَختصُّ بجَمْعِ هَذا المَال: "كيفَ تُريدُ مِنَّا أن نَفعلَ ذلك؟" لِذا فقد كَتبَ الرِّسالةَ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس وَأجابَ عَنِ الكَثيرِ مِن أسئلتهم.
وواحِدٌ مِنَ الأسئلةِ الَّتي أجابَ عَنها مَذكورٌ في الأصحاحِ السَّادس عَشَر. فهو يَقول: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ لأَجْلِ الْقِدِّيسِينَ، فَكَمَا أَوْصَيْتُ كَنَائِسَ غَلاَطِيَّةَ هكَذَا افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا. فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ، لِيَضَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عِنْدَهُ، خَازِنًا مَا تَيَسَّرَ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ لاَ يَكُونُ جَمْعٌ حِينَئِذٍ". فَقد أعطاهُم تَعليماتٍ عَن كيفيَّةِ القيامِ بذلك. لِذا فقد كانوا يَعرِفونَ عَن هذا الأمر. فَقد أخبرَهُم عنه. وَفي الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس، تَمَّ إخبارُهُم بكيفيَّةِ العَطاء. لِذا فقد ابتدأوا حَالاً في عَطائِهم.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عندما ذَهبَ تِيْطُس... إنْ كُنتُم تَفتَحونَ على الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس، انظروا إلى الأصحاحِ الثَّامنِ والعَددِ السَّادس. فعندما ذَهبَ تِيْطُس إليهِم نَاقَشَ الأمرَ مَعُهم. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ تِيطُس ذَهبَ امتِثالاً لِرَغبةِ بُولُس لزيارَتِهم ليَرى كيفَ يَتجاوبونَ مَعَ رِسالَتِهِ الصَّارِمَةِ الَّتي كَتَبَها بينَ رِسالتِهِ الأولى ورِسالتِهِ الثَّانية. ونَقرأُ في العَددِ السَّادس: "حَتَّى إِنَّنَا طَلَبْنَا مِنْ تِيطُسَ أَنَّهُ كَمَا سَبَقَ فَابْتَدَأَ، كَذلِكَ يُتَمِّمُ لَكُمْ هذِهِ النِّعْمَةَ أَيْضًا". وَمِنَ الواضحِ أنَّ تِيطُسَ كَانَ قدِ ابتدأَ في جَمْعِ هذهِ التَّبَرُّعات. وعندما عَادَ لزيارَتِهم، كانَ يَنبغي لهُ أن يُشَجِّعَهُم على الاستِمرارِ في جَمْعِها.
ونَقرأُ في العَددِ العَاشِرِ مِنَ الأصحاحِ الثامِن: "أُعْطِي رَأْيًا فِي هذَا أَيْضًا، لأَنَّ هذَا يَنْفَعُكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ سَبَقْتُمْ فَابْتَدَأتُمْ مُنْذُ الْعَامِ الْمَاضِي، لَيْسَ أَنْ تَفْعَلُوا فَقَطْ بَلْ أَنْ تُرِيدُوا أَيْضًا". وَفي العَددِ الحَادي عَشَر: "وَلكِنِ الآنَ تَمِّمُوا الْعَمَلَ أَيْضًا". لِذا، عندما كانَ هُناكَ، كانَ قَد أخبرَهُم أن يَفعلوا ذلك. وَكانَ تِيطُس قَد أخبرَهُم أن يَفعلوا ذلك. وَقد سَألوهُ كَيفَ يَفعلونَ ذلك فأخبرَهُم كيفَ يَفعلونَ ذلكَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاح 16. وَقد ذهبَ تِيطُس إليهم وَقالَ لَهُم: "استَمِرُّوا في ذلك". وَهَا هُوَ الآنَ يَكتُبُ إليهُم ويقول: "تَمِّمُوا العَمَل". فقد كانَتْ لَهُ أولويَّةٌ قُصوَى. وَقد كانَ يَعمَلُ على ذلكَ مُنذُ أكثر مِن سَنة (كَما يَقول).
وَحَقيقةُ أنَّهُ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ السَّادس عشر مِن رسالةِ كورنثوسَ الأولى عنِ "الجَمْعِ" (بَأداةِ التَّعريف) تُشيرُ إلى أنَّهُ كَانَ جَمْعًا يَعلَمونَ عَنهُ مِن قَبل. لِذا، يُمكِنُنا أن نَفترِضَ أنَّهُ كَانَ قَد أخبرَهُم عن ذلك، وَأنَّ هذا المَوضوعَ كَانَ وَاحِدًا مِن أسئلتِهم عندما كَتبوا إليهِ، وَأنَّهُ رَدَّ عليهم بكتابةِ تِلكَ الرِّسالة. لِذا فقد كانَ عَاكِفًا عَلى جَمْعِ تِلكَ التَّبرُّعاتِ مُنذُ أكثر مِن سَنَة. وَهُوَ يُشيرُ إلى ذلكَ أيضًا في رِسالةِ رُومية 15: 25: "وَلكِنِ الآنَ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَخْدِمَ الْقِدِّيسِينَ، لأَنَّ أَهْلَ مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَصْنَعُوا تَوْزِيعًا لِفُقَرَاءِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. اسْتَحْسَنُوا ذلِك".
لذا فقد كَانَ يَجمَعُ التَّبَرُّعاتِ في مَكِدونِيَّة. وَكانَ يَجمعُ التَّبرُّعاتِ في أَخائِيَة. وَهَا هُوَ الآن يُريدُ أن يَجمَعَ التَّبرُّعاتِ في كورِنثوسَ أيضًا. وَفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 20: 4، نَقرأُ عَن لجْنَةٍ كَانَتْ مَسؤولةً عَن جَمعِ التَّبرُّعات. وَفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 24: 17، نَقرأُ أنَّ بُولُسَ كانَ ذَاهِبًا إلى أورُشَليمَ وَهُوَ يَحمِلُ إليهم ذلكَ المَالَ في رِحلَتِهِ الخامِسَة إلى تِلكَ المَدينةِ المُقَدَّسَة.
نَكتفي بِهذا القَدر. فَقد كانَ الجَمْعُ مُهِمًّا جدًّا في قَلبِه. وَقد صَرَفَ أكثرَ مِن سَنة في جَمْعِ كُلِّ ذلكَ المَال وَأخذِهِ إلى أورُشليم. لِذا فإنَّ المَسألةَ المُحَدَّدَةَ الَّتي يَتحدَّثُ عَنها إلى الكورنثيِّينَ هُنا هِيَ مَسألةُ التَّبرُّعِ بأموالِهم، لا لِدَعْمِ المُبَشِّرينَ، وَلا لِدَعْمِ القَادَة، بَلْ لِدَعْمِ الفُقراءِ في الكنيسة؛ وتَحديدًا في الكنيسةِ في أورُشليم. ولكِنْ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ المَسألةِ المُحَدَّدة فإنَّ نَمَطَ العَطاءِ عَامٌّ وشُمولِيٌّ وتَعليميٌّ في كُلِّ عَطائِنا. وعندما نُعطي للكنيسةِ فإنَّنا نُعطي لِدَعمِ القَادَةِ، وَدَعمِ خِدمَةِ الكنيسة. والكَنيسةُ تُوَزِّعُ تِلكَ التَّبرُّعاتِ على المُحتاجين.
فَنحنُ نُعطي لكُلِّ هذهِ الغَاياتِ عندما نَضَعُ المَالَ في وِعاءِ جَمْعِ العَطاءِ إذْ إنَّ ذلكَ يُشبِهُ وَضْعَ المَالِ عِندَ أرجُلِ الرُّسُل. والمَبادِئُ الَّتي نَتعلَّمُها مِن هَذينِ الأصحاحَيْنِ بخصوصِ العَطاءِ أَهَمُّ مِنَ التَّفاصيلِ؛ ولكِنَّ التَّفاصيلَ مُهِمَّةٌ لِفَهمِ سِياقِ النَّصِّ الَّذي نَدرُسُهُ هُنا. والآن، في الأصحاحِ الثَّامنِ... وَسَوفَ نَتحدَّثُ عَن ذلكَ بِصُورةٍ تَمهيديَّةٍ في هذا الصَّباح. فَنَحنُ لَن نَدخُلَ في التَّفاصيل. يُخبرُنا الأصحاحُ الثَّامنُ عَن دَوافِعِ العَطاء. ففي الأصحاحِ الثَّامِنِ نَرى دَوافِعَ العَطاء. وَهُوَ أصحاحٌ عَظيم. وَهُناكَ سِتَّة دَوافِع.
نَقرأُ في العَددِ التَّاسع أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نُعطي لأنَّنا مِن خِلالِ ذلكَ نَتَمَثَّلُ بالمَسيح. ونَقرأُ في الأعداد 10-12 أنَّ العَطاءَ هُوَ شَوْقُ قَلبِ الإنسانِ الَّذي اختبرَ التَّجديد. ونَقرأُ في الأعداد 13-15 أنَّ العَطاءَ هُوَ تَجاوُبٌ مُتعاطِفٌ تُجاهَ الحَاجات. ونَقرأُ في الأعداد 16-21 أنَّ العَطاءَ أمرٌ حَسَنٌ قُدَّامَ اللهِ والنَّاس. ونَقرأُ في الأعداد 22-24 أنَّ العَطاءَ دَليلٌ على المَحبَّة. لِذا، سَوفَ نَتعلَّمُ كُلَّ هذهِ الأشياء. لاحظُوا أنِّي ابتدأتُ مِنَ العَددِ التَّاسع. والأعدادُ الثَّمانيةُ الأولى تُرينا أنَّ العَطاءَ هُوَ سُلوكُ المُؤمِنينَ الأتقياء... أنَّ العَطاءَ هُوَ سُلوكُ المُؤمِنينَ الأتقياء. فَهُوَ سُلوكُ المُؤمِنينَ الأتقياء. وَهُوَ تَمَثُّلٌ بالمَسيح. وَهُوَ شَوقُ قَلبِ الإنسانِ الَّذي اختبرَ التَّجديد. وَهُوَ تَجاوُبٌ مُتعاطِفٌ تُجاهَ الحَاجات. وَهُوَ أمْرٌ حَسَنٌ قُدَّامَ اللهِ والبَشَر. وَهُوَ دَليلٌ على المَحبَّة. هَذا هُوَ مَا سنَتعلَّمُهُ في الأصحاحِ الثَّامن.
والآن، كيفَ نَتعلَّمُ أنَّ العَطاءَ هُوَ سُلوكُ المُؤمِنينَ الأتقياء؟ أَلاَ يَتحدَّثُ بولُسُ إلى الكورِنثيِّينَ ويُخبرُهم أن يُعطوا؟ بَلى، ولكِنَّهُ يَستخدِمُ مَثلاً إيضاحِيًّا. انظروا إلى العَددِ الأوَّل. فَمَثَلُهُ الإيضاحِيُّ هُوَ الكَنائسُ في مَكِدونِيَّةِ إذْ يَقول: "نَوَدُّ أن نُعَرِّفَكُم كيفَ شَارَكَتِ الكَنائسُ في مَكِدونِيَّة في هذا العَطاء". فَهُوَ يَستخدِمُهم مِثالاً. ويا أحبَّائي، لَقد كانُوا مَثَلاً رَائِعًا جِدًّا على العَطاء. وَقد صَارُوا نَموذَجَ العَطاءِ المَسيحيِّ الَّذي نَحتَذي بِهِ في عَطائِنا.
لِنَنظُر إلى العَددِ الأوَّلِ في عُجالَة. فَهُوَ يَقولُ: "ثُمَّ...". وهذهِ الكلمة [بالمُناسَبة] هِيَ أداة في اللُّغةِ اليُونانيَّةِ تُستخدَمُ عندَ الانتقالِ إلى مَوضوعٍ جَديدٍ أو فكرةٍ جَديدة. وَهُوَ يُتابِعُ حَديثَهُ. وَهذا النَّصُّ هُوَ إكمالٌ للنَّصِّ السَّابقِ الَّذي كَانَ يَتحدَّثُ فيهِ عَن إصلاحِ العَلاقَةِ معَ الكورِنثيِّين. والآن، بَعدَ إصلاحِ تِلكَ العَلاقَةِ مَعَهُم، يُمكِنُه أن يَتحدَّثَ إليهم عنِ العَطاء. ويُمكِنُهُ أن يُمارِسَ سُلطانَهُ مِن جَديد في حَياتِهم. وَهُوَ يَقولُ في الحَقيقة: حيثُ إنَّنا قَد تَصالَحْنا، وأنَّكُم الآنَ تُخضِعونَ أنفسَكُم لي بِصِفَتي خَادِمَ اللهِ وَصَوتَ اللهِ، وتُدرِكونَ أنَّ كَلِمَةَ اللهِ وَمَشيئةَ اللهِ تُعْلَنانِ مِن خِلالي، لا بُدَّ أنْ أُحَدِّثَكُم مَرَّةً أخرى عَن مَوضوعِ العَطاء. وَهُوَ يَدعوهُم "إخوةً"؛ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَدُلُّ على العَاطِفَةِ القَويَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "أريدُ مِنكُم أن تَنظُروا إلى المَكِدونِيِّين".
والآن، هَل تَعلَمونَ أينَ كانَت مَكِدونِيَّة؟ إنَّ اليُونانَ تَضُمُّ مَكِدونِيَّة. فاليُونانُ مَقسومَةٌ إلى قِسْمَيْن. فَهِيَ تُشْبِهُ دَائِرَتَيْنِ على هَذا النَّحوِ. وَهُناكَ مَضيقٌ صَغيرٌ جدًّا بينَهُما. وفي الأزمِنَةِ الحَديثَةِ، هُناكَ قَناةٌ تَجري على طُولِ ذلكَ الخَطِّ وتَمُرُّ في وَسَطِ البَحْرِ في كِلا الجَانِبَيْن. والجُزءُ الشَّمالِيُّ فَوقَ ذلكَ المَضيق الصَّغير... الجُزءُ الشَّمالِيُّ هُوَ مَكِدونِيَّة. إذًا، كانت مَكِدونِيَّة الجُزءَ الشَّمالِيَّ مِنَ اليُونان. وكانَت تُوجَدُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ ثَلاثُ كَنائِس في مَكِدونِيَّة يَتحدَّثُ عَنها هُنا: الكَنيسةُ في فِيلبِّي [وَهِيَ الَّتي كَتَبَ إليهِم رِسالَتَهُ إلى أهلِ فيلبِّي]، والكنيسةُ في تَسالونيكي [الَّتي تَسَلَّمَتْ رِسالتَيّ تسالونيكي الأولى والثَّانية]، والكَنيسةُ في بِيريَّة. هذهِ هي الكنائِسُ الثَّلاثُ الَّتي كَانَت الكَنائسَ في مَكِدونِيَّة.
وَقد كانت مَكِدونِيَّة المَملكةَ القَديمةِ للإسكندَرِ الكَبير، ولكِنَّها صَارت آنَذاكَ تَحتَ سَيطرةِ الرُّومان. وَكانَت تَضُمُّ كُلَّ المُقاطَعاتِ الشَّماليَّةِ لليُونان. والآن، اسمَحُوا لي أن أُخبرِكُم قَليلاً عن هذهِ الكنائِس بِصورةٍ مُوجَزَةٍ ومُختَصَرَة. وَسَوفَ نَرى المَزيدَ في أثناءِ دِراسَتِنا. لا يُوجَد شَيء في الرِّسالَتَيْنِ إلى أهلِ تَسالونيكي، ولا يُوجَد شَيء في الرِّسالةِ إلى أهلِ فِيلبِّي يُشيرُ إلى الأغنياء. فَلا تُوجَد كَلِمَة تَتحدَّثُ عن كيفَ يَنبغي للأغنياءِ أن يَسْلُكوا أو مَا يَنبغي لَهُم أن يَفعلوهُ بأموالِهم. فَلا تُوجَدُ أيَّةُ تَحذيراتٍ بخصوصٍ أيٍّ مِن هذهِ الأمور. ويُمكِنُنا أن نَعرِفَ السَّبب. لأنَّ المِنطَقَةَ كانَت فَقيرةً جدًّا. فَقد كانَت مِنطَقةً مُعْدَمَةً تَمامًا. وكما قُلتُ لَكُم، هَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ الرُّومانُ في جَميعِ أنحاءِ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة. فَقد أَفْقَرُوا النَّاسَ حَقًّا.
مُنذُ سَنة 148 قبلَ الميلاد، أيْ قَبلَ نَحوِ مِئَتَي سَنَة مِن تَأسيسِ كنيسةِ كورِنثوس، كانت كورِنثوس مُقاطَعَة رُومانِيَّة طَوالَ مِئَتَي سَنة. وكانَ الرُّومان قُسَاةً جِدًّا في تَعامُلِهم مَعَ السُّكَّانِ المَكدُونِيِّين كَما هِيَ عَادَتُهم. فقد كانُوا قُساةً جدًّا جدًّا. ونَحنُ نَعلَمُ عن السَّلامِ الرُّومانِيّ. والحقيقةُ هِيَ أنَّ الكَثيرَ مِنَ السَّلامِ الرُّومانيِّ كَانَ يَرجِعُ إلى حَقيقةِ أنَّ النَّاسَ كانُوا يَعيشونَ في رُعبٍ مِنَ السَّيفِ الرُّومانيّ. وَما فَعَلَهُ الرُّومانُ عندما جَاءُوا إلى هُناكَ هُوَ أنَّهُم أَفْقَرُوا حَقًّا منطقة مَكِدونِيَّة مِن خِلالِ أمورٍ عَديدة.
أوَّلاً، كانَ أعظمُ مَصدرٍ للثَّروةِ هُوَ تَعدينُ الذَّهبِ والفِضَّة. وَقدِ احْتَكَرَ الرُّومانُ ذلكَ تَمامًا. فَكُلُّ مَا سَمَحُوا للمَكَدونِيِّينَ أن يَفعلوهُ هُوَ العَمل. فَقد سَمَحُوا لَهُم أن يُنَقِّبُوا عَنِ المَعادِنِ الخَامِ ويَصْهَرُونَها. وفيما يَختصُّ بِعَمليَّةِ الصَّهْرِ الَّتي بَقِيَتْ صِناعَةً مَكِدونِيَّة، فَرَضَ الرُّومانُ ضَرائبَ باهِظَة. لِذا فقد أخذُوا كُلَّ أرباحِ الذَّهبِ، وكُلَّ أرباحِ الفِضَّةِ، وفَرَضُوا ضَرائبَ على عَمليَّةِ الصَّهْر. وَقد أدَّى ذلكَ في الحَقيقةِ إلى إفْقارِ النَّاس.
بَعدَ ذلك، كانَت صِناعَةُ المِلْحِ، وَالصِّناعاتُ الخَشبيَّةُ وَما يَلْحَقُها مِنْ صِناعاتٍ مِثلَ صِناعَةِ السُّفُنِ أعظمَ صِناعاتٍ في مَكِدونِيَّة. ولكِنَّ الرُّومانَ أخذوها كُلَّها، وَشَغَّلُوها، وأخذُوا كُلَّ أرباحِها لكي يَبْنُوا جَيشَهُم مِن أجلِ الاستِمرارِ في الغَزوِ وبِناءِ مَدينةِ رُوما العَظيمَة. وَقد أدَّى ذلكَ إلى إيقاعِ مِنطقةِ مَكِدونِيَّة في فَقْرٍ مُدْقِع. لِذا فقد صَارَ هَذا العَطاءُ نَموذَجًا رَائِعًا للعَطاءِ لأنَّهُم أعْطَوْا مِن إعوازِهِم لِسَدِّ حَاجاتِ مَجموعةٍ مِنَ المُؤمِنينَ أكثرَ فَقرًا مِنهُم في أورُشليم. وَهذا يَعني أنَّكُم لا تَقرأونَ عَن أشخاصٍ كَانُوا يَملِكونَ الكَثير، بَل تَقرأونَ عَن أشخاصٍ كانَ لَديهم القَليل.
ونَقرأُ في العَددِ الثَّاني: "أَنَّهُ فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ..." – ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ الكَنائسَ كانت مُضطَهَدةً أيضًا. ولكِن "فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ..." فَقد كانُوا فُقراءَ جدًّا. وسَوفَ نَقولُ المَزيدَ عَن تِلكَ العِبارَةِ في المَرَّةِ القَادِمَة. "فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ". والحَقيقةُ هِيَ أنَّ العَددَ الثَّالثَ يَقولُ إنَّهُم "أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ". فَقد كانُوا أسخِياء على الرَّغمِ مِن فَقرِهم. وَهُمُ النَّموذَجُ الكَامِلُ للعَطاءِ المَسيحيّ.
لِذا فإنَّ بولُسَ يَقول: "أريدُ أن ألِفَت أنظارَكُم إلى العَطاءِ الَّذي قَدَّمَتْهُ الكَنائسُ في مَكِدونِيَّة. وأريدُ مِنكُم أن تُعطُوا كَما أعطُوا. هذا هُوَ المِعيار". هَذا هُوَ المِعيار. وَفي الأصحاحِ الحادي عَشَر مِنَ الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس والعَددِ التَّاسِع، يَقولُ بولُس: "وَإِذْ كُنْتُ حَاضِرًا عِنْدَكُمْ وَاحْتَجْتُ، لَمْ أُثَقِّلْ عَلَى أَحَدٍ". لِماذا؟ "لأَنَّ احْتِيَاجِي سَدَّهُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنْ مَكِدُونِيَّةَ. وَفِي كُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتُ نَفْسِي غَيْرَ ثَقِيل عَلَيْكُمْ، وَسَأَحْفَظُهَا". أنا لا أريدُ أن أُثَقِّلَ عليكُم... لا أريدُ أن أُثَقِّلَ عليكُم البَتَّة، ولا بأيَّةِ طَريقةٍ أو صُورةٍ أو شَكل. ولكي أمنَعَ نَفسي مِن أن أكونَ ثَقيلاً عَليكُم، دَبَّرَ الرَّبُّ السَّخاءَ المَكدُونِيّ.
وَمِنَ الواضِحِ أنَّ الكُورِنثيِّينَ لم يَكونوا يُعطُونَ مِثلَ المَكِدونِيِّين؛ ولكِنْ كانَ يَنبغي لَهُم أن يُعطُوا مِثلَهُم. لِذا فقد صَارَ المَكدونِيِّينَ الأُنموذَج. وسوفَ نَرى كيفَ أعْطَوْا في الآياتِ الثَّماني الأولى. وَهُوَ نَموذَجٌ للعَطاءِ المَسيحيّ. وهذا هُوَ ما سنَراهُ في يَومِ الرَّبِّ المُقبِل. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا حتَّى نُصَلِّي.
يا أبانا، لَقد تَبارَكنا جِدًّا مَرَّةً أخرى. فقد سَكَبْتَ بَرَكَةً عَظيمةً علينا. وقد حَصَلنا على الكَثيرِ والكَثيرِ مِنها. ولكِنْ، يا رَبّ، مَا تَزالُ هُناكَ بَرَكَةٌ لم نأخُذها، وَغِنَى لم نَختبِرهُ لأنَّنا لا نُعطي كما يَنبغي. وَنحنُ نُفَكِّرُ في هَؤلاءِ المَكدونِيِّينَ الفُقراءِ الَّذينَ كانَ لَديهمِ القَليلُ وأعطوا القَليلَ الَّذينَ لَديهم. لِذا فإنَّنا نَقرأُ تَشجيعًا دائِمًا على العَطاءِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة. يا أبانا، نَحنُ نُصَلِّي أن تُعَلِّمَنا أنَّهُ حَتَّى إنْ لم نَقرأ أيَّ شَيءٍ آخر فإنَّنا سَنُعطِي إنْ صَدَّقنا الوَعدَ القائِلَ: "أَعْطُوا تُعْطَوْا"، وَسَنُعطي إنْ أَطَعْنا الوَصيَّةَ الَّتي تَقول: "أعْطُوا"، وسَنُعطي إنْ صَدَّقْنا أنَّ العَطاءَ مَغبوطٌ أكثر لأنَّنا نَتوقُ جدًّا إلى أن نَتبارَك.
يا أبانا، لَقد أريتَنا طَريقَ البَرَكة، وطَريقَ الوَفْرَة، وطَريقَ الطَّاعَة. وأنتَ تُريدُ مِنَّا أن نَثِقَ بِكَ وأنْ نُطيعَكَ، وَأنْ نَسلُكَ في الطَّاعَة. لَيتَنا نَفعلُ ذلك. عَلِّمْنا، واستَمِرَّ في تَعليمِنا لكي نَعرِفَ مِلْءَ بَرَكَتِكَ والمَجدَ الأبديَّ لِذلكَ الكَنْزِ الَّذي في السَّماءِ والَّذي لا يُمكِنُ أن يَفسَدَ وَلا أنْ يَصْدَأَ وَلا أنْ يُسرَق، بَلْ إنَّنا سنَتمتَّعُ بِهِ إلى أبدِ الآبِدينَ في حَضرَتِك. شُكرًا لكَ يا رَبُّ مِن أجلِ كَلِمَتِكَ إلينا. باسْمِ المَسيح. آمين.
This article is also available and sold as a booklet.
