Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، نَنطلق في موضوعٍ جديدٍ رائعٍ على الصَّعيد الرُّوحيِّ إذ يَتكلَّم الربُّ إلينا مِن خلال رسالة بولس إلى أهل فيلبِّي. وأرجو أن تكون كُتُبُكم المُقدَّسة معكم وأن تَفتحوها على الأصحاح الأوَّل. وأودُّ في هذا الصَّباح أن أُقدِّم لكم هذه الرِّسالة الرَّائعة والعظيمة. واسمحوا لي أن أقرأ على مَسامِعكم العَدَدين الأوَّل والثَّاني كنُقطة انطلاق وحسب في مُستهلِّ تمهيدنا لرسالة بولس: "بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". وإذ نأتي إلى هذه الرِّسالة الَّتي أَسميتُها "رسالة الفَرح"، رجائي وصلاتي هُما أن يقوم الله بتشكيل قلوبِنا وحياتنا ومواقفنا مِن خلال هذه الرِّسالة. إنَّها أربعة أصحاحات قصيرة. والفكرة الرئيسيَّة مِن هذه الأصحاحات هي: الفَرح. فبولس يَذكر هذه الكلمة ما لا يَقِلُّ عن سِتَّ عشرة مَرَّة في هذه الأصحاحات الأربعة. وَهُوَ يَذكر المسيح أيضًا خمسين مَرَّة. والسَّببُ في ذلك هو أنَّ فَرَحَهُ كان راسخًا في المسيح؛ وكذلك هو فَرَحُنا نحن أيضًا.

نحن نعيشُ في عالَمٍ مُحزِنٍ إلى حَدٍّ ما، وفي عالَمٍ غارقٍ في اليأس، والكآبة، وعدم الشُّعور بالإنجاز، وعدم الرِّضا، والتَّوق إلى أشياءٍ لم تتحقَّق يومًا. فهو حاضرٌ مُحزِن، ومُستقبَل مُحزنٍ أكثر منه لأنَّنا نعيش في عالمٍ مُحزِنٍ لا يوجد فيه رجاء في أنَّ أيَّ شيءٍ قد يتغيَّر بالضَّرورة. وسنوات الحياة الطَّويلة تصيرُ حَتمًا سنواتٍ طويلةً مِن الحزن تَخترقها لحظات مِن السَّعادة؛ وهي لحظات تَتضاءل أكثر فأكثر كلَّما تَقدَّمنا في السِّنّ. وربَّما كان هذا هو السَّبب في أنَّ أعلى مُعدَّلات الانتحار موجودة بين الأشخاص الَّذينَ تزيد أعمارُهم عن 65 سنة لأنَّ طُول السِّنين وتَراجُع لحظات السَّعادة يُؤدِّيان إلى حُزنٍ شديد وشُعورٍ بعدم الرِّضا في الحياة.

إنَّ النَّاسَ يتحدَّثون عن السَّعادة. وربَّما يجدر بنا أن نُعَرِّف السَّعادة – على الأقلّ بطريقة بسيطة جدًّا. فالسَّعادة هي الشُّعور بالرِّضا أو السُّرور في ضَوْء الظَّرفِ السَّائد حاليًّا. فالسَّعادة مُرتبطة بالأحداث. والسَّعادة مُرتبطة بحدوث أشياء مُعيَّنة. والسَّعادة مُرتبطة بحدثٍ عَارضٍ؛ أي أنَّها تَنطوي على فكرة الصُّدفة. فالسَّعادة شيء لا يمكنك أن تُخَطِّطَ له أو تَضعه في برنامجك. فهي شيء قد يحدث أو قد لا يحدث. فهي شيء يَتَّسِم إلى حَدٍّ كبير بالمُراوغة. ولكنَّه مُرتبط بالبهجة والشُّعور بالرِّضا المُرتبطين بحدوث شيءٍ غير مُتوقَّع، أو بحدوث شيءٍ ما صُدفةً. وهذا هو أفضل ما يستطيع الإنسان أن يَفعله. مِن جهة أخرى، عندما نتحدَّث عن الفَرح فإنَّنا لا نتحدَّث عن شيءٍ مُرتبط بالصُّدفة على الإطلاق. فنحن لا نتحدَّث عن شيء مُرتبط بالظُّروف بالمَرَّة، بل نتحدَّث عن ثقة عميقة في داخلنا بأنَّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام أيًّا كانت الأحوال، وأيًّا كانت الصُّعوبات، وأيًّا كانت المشاكل. وهذا مُختلف جدًّا عن السَّعادة.

وإن أردنا أن نَفهم الفَرح بالمعنى الكِتابيِّ، يجب علينا أن نَفهم أنَّه مُرتبط بالله. ويجب علينا أن نَفهم أنَّه شيء يَصير مِن نَصيبِنا في المسيح. ويجب علينا أن نَفهم أنَّه مِلْكيَّة دائمة لكلِّ مؤمن وليس مُجرَّد لَحظة سعادة عابرة تأتي وتختفي حسب الصُّدفة والظُّروف. فنحن نتحدَّث عن الفرح. وهو يختلف جدًّا جدًّا عن السَّعادة. وتَعريفي المُفَضَّل للفرح هو التَّالي: الفَرح هو العَلَم الَّذي يُرَفرِف فوق قلعة القلب عندما يكون المَلِكُ مُقيمًا هناك. الفَرح هو العَلَم الَّذي يُرَفرِف فوق قلعة القلب عندما يكون المَلِكُ مُقيمًا هناك. وأنا أُحِبُّ هذا التَّعريف. وهذا هو حقًّا الفَرح. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ المؤمنين فقط هُم الَّذينَ يَعرفون الفرح الحقيقيَّ الدَّائم. والفِعل "يَفرح" مذكور 74 مَرَّة في العهد الجديد. والاسم "فَرَح" مَذكور 59 مَرَّة في العهد الجديد. فهو جُزءٌ لا يَتجزَّأ مِن الاختبار المسيحيّ.

وإن سَمحتم لي، أودُّ أن أُخصِّص بضع دقائق لتقديم تعريفٍ لاهوتيٍّ للفَرح. وسوف أَبتدئ بجُملة وأستمرُّ في إضافة أجزاءٍ أخرى إلى تلك الجملة إلى أن تصير تعريفًا لاهوتيًّا للفَرح. أوَّلاً، الفَرح يأتي مِن الله. فهو هِبَة مِن الله. فنحن نقرأ في المَزمور الرَّابع والعَددين 7 و8: "جَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي... فِي طُمَأنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي". فالمُرنِّم يقول: أنت تملأني سُرورًا وتُعطيني فَرحًا بسبب علاقتي الآمِنَة بك". وما نقرأهُ في المزمور 16: 11 ينبغي أن يُضاف إلى ما جاء في المزمور الرَّابع: "أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُور". فالله هو مَصدر الفرح. لذا، يمكننا أن نَبتدئ تعريفنا اللاَّهوتيَّ بالقول: "الفَرحُ هِبَة مِن الله". والآن، اسمحوا لي أن أُضيف ما يلي: "الفَرحُ هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل". الفَرحُ هِبَة مِن الله للأشخاصِ الَّذين يؤمنون بالإنجيل. ففي ذلك اليوم الرَّائع في رُبوع الجَليل، عندما ظَهر ملاكٌ ليُعلن أنَّ لحظة ولادة المُخلِّص قد حانت، قال الملاك: "لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ". فالإنجيلُ هو الَّذي يَجلب ذلك الفَرح أو يَنقل ذلك الفَرح إلى القلب البشريّ.

فالفرح هِبَة مِن الله للأشخاصِ الَّذينَ يؤمنون بالإنجيل، ويؤمنون بالربِّ يسوعَ المسيح. في بشارة يوحنَّا الرَّائعة والأصحاح 15، يقول يسوعُ في العدد الحادي عشر: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ". فالمسيحُ جاء لكي يُنادي بإنجيلٍ يُعطي النَّاس فَرحًا. لذا فإنَّ الفَرح هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل. واسمحوا لي أن أُضيفَ جُزءًا آخر إلى تلك الجُملة: الفَرحُ هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس. فهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس. ففي رسالة رُومية والأصحاح 14، هناك عبارة صغيرة رائعة أعتقد أنَّكم قرأتموها، ولكن رُبَّما لم تَفهموها. فنحن نقرأ في العدد 17 مِن رومية 14 أنَّ مَلكوتَ اللهِ "هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُس". ونقرأ في رسالة غَلاطيَّة 5: 22: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ...". لِذا فإنَّ الفَرح هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس. فالرُّوحُ السَّاكِنُ فينا يُعطي قلوبنا بِرًّا، وسلامًا، وفَرحًا.

واسمحوا لي أن أُضيف عنصرًا آخر إلى جُملتنا: الفَرحُ الحقيقيُّ هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس عندما يَقبل المؤمنُ الكلمة ويُطيعُها... عندما يَقبل المؤمنُ الكلمة ويُطيعُها. فنحن نَقرأ في سِفْر إرْميا 15: 16: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي". وفي الطَّريق إلى عِمواس، قال التِّلميذان اللَّذان سَارا معَ يسوعَ أحدُهما للآخر: "أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا [تَعبيرًا عن الفَرح] إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟" ونَقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 4: "وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". فعندما تَقبل هذه الكلمة وتُطَبِّق هذه الكلمة، ستَختبر مِلْءَ الفَرح.

لذا فإنَّ الفَرح الحقيقيَّ الَّذي يَعرفه المؤمن هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس عندما يَقبل المؤمنُ الكلمة ويُطيعُها. واسمحوا لي أن أُضيف فكرةً أخرى: الفَرحُ الحقيقيُّ هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس عندما يُؤمنون بالكلمة ويَقبلونها، أو عندما يَقبلونَ الكلمة ويُطَبِّقونَها؛ وهو فَرحٌ مَمزوجٌ بالتَّجارب... مَمزوجٌ بالتَّجارب. وهذا عُنصرٌ مُهمٌّ جدًّا... مُهمٌّ جدًّا. فلن تَختبر واقعَ الفرحِ الحقيقيِّ ما لم تُدرك التَّبايُن الكبير جدًّا بينه وبين التَّجارب. فهو بالمعنى الحقيقيِّ جدًّا لا يُعرَف إلاَّ مِن خلال نَقيضِه (أي الحُزن والأسى والمَشقَّة). فنحن نقرأ في رسالة تسالونيكي الأولى 1: 6: "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ...". ثُمَّ استمعوا إلى ما يلي: "...إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ فِي ضِيق كَثِيرٍ، بِفَرَحِ الرُّوحِ الْقُدُس". وهذا يُلخِّصُ الأمر بِرُمَّته: الرُّوح القُدُس، الضِّيق، الكلمة، الفرح. وفي رسالة كورِنثوس الثانية، لَعلَّكم تَذكرون ما جاء في الأصحاح السَّادس والعدد العاشِر: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُون". بعبارة أخرى، أنتم تَمُرُّون بظروفٍ مُحزنة، ولكنَّكم دائمًا فَرِحون. ولَعلَّكم تَذكرون كلمات يعقوب في الأصحاح الأوَّل والعدد الثَّاني: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". وكلمات بُطرس في رسالته الأولى والعدد الأوَّل: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ ­ إِنْ كَانَ يَجِبُ ­ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ".

الفَرحُ الحقيقيُّ هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس عندما يَقبلونَ الكلمة ويُطيعونَها؛ وهو فَرحٌ مَمزوجٌ بتَجارب مُتنوِّعة. وهناك فكرة أخيرة في تعريفِنا اللاهوتيِّ البسيطِ هذا: الفَرحُ الحقيقيُّ هو هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس عندما يُؤمنون بالكلمة ويَقبلونَها؛ وهو فَرحٌ مَمزوجٌ بالتَّجارب ويُثَبِّت رَجاءَهُم على المجدِ المستقبليّ... ويُثَبِّت رَجاءَهُم على المجدِ المستقبليّ. فيجب علينا، بحسب ما جاء في رسالة رومية 12: 12 أن نكون "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاء". ونقرأ في رسالة بطرس الأولى 4: 13: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِين". بعبارة أخرى، احتملوا بفرحٍ الآن لأنَّكم تَعلمون الفَرح الآتي. ونقرأ في رسالة يهوذا والعدد 24: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاج". فهذا هو فَرح المؤمن. وهذا هو لاهوتُ الفَرح. إنَّه هِبَة مِن الله للأشخاص الَّذين يؤمنون بالإنجيل، وهو يَنشأُ فيهم بواسطة الرُّوح القُدُس عندما يُؤمنون بالكلمة ويَقبلونَها؛ وهو فَرحٌ مَمزوجٌ بالتَّجارب ويُثَبِّت رَجاءَهُم وقَلبَهم على المجدِ المستقبليّ. فهذا هو لاهوتُ الفَرحِ في جُملة واحدة.

ويُلَخِّصُ بُطرس الفَرحَ بطريقة أكثر روعةً في اعتقادي إذ يقول في رسالة بطرس الأولى 1: 8: "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ [أي: المَسيح] تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ". وقد كان بُطرس يَكتب إلى مؤمنين مُضطهَدين كما سنَرى في هذا المساء. ولكنَّكَ تَفرح بفرحٍ لا يُنطَق به لأنَّ فَرحَكَ هو هِبَة مِن الله يَنشأ مِن خلال الرُّوح القُدُس عندما تَتجاوب مع الكلمة في حياةٍ يَمتزج فيها الفَرح بالتَّجارب، ويُثَبِّتُ فيها الفَرحُ قلبكَ على المجدِ المُستقبليّ. فهذه هي الفِكرة مِن هذه الرِّسالة الرَّائعة الصَّغيرة: فَرَحُ المؤمِن. فهي رسالةُ الفَرح. وبولُس يكتبها إلى مؤمني فيلبِّي. فهو يُحِبُّ مُؤمني فيلبِّي، وَهُم يُحبُّونه. والحقيقة هي أنَّني مُقتنعٌ شخصيًّا أنَّ رابط المحبَّة بين بولس ومؤمني فيلبِّي يَفوق رابط المحبَّة بينه وبين أيِّ مؤمنين آخرين في الكنيسة. فقد كان يوجد شيء عميقٌ جدًّا وخاصٌّ جدًّا بخصوص علاقة المحبَّة بين الطَّرفين حتَّى إنَّه في الموقف الَّذي كان فيه بصفته سَجينًا إذْ يَذكر سِجنه أربع مَرَّاتٍ في الأصحاح الأوَّل، فإنَّه يَكتب بصورة رئيسيَّة إلى مؤمني فيلبِّي لأنَّه كان قَلِقًا على حُزنهم.

وهناك أمور أخرى كان قلقًا بشأنها. فهو قَلِقٌ على وَحدتهم. وَهُوَ قَلِقٌ على أمانتهم. وَهُوَ قَلِقٌ على أمور كثيرة يَذكرها في الرِّسالة. ولكِن مِن جهة العلاقة بينهما، كان قَلقُه الشَّديد هو أنَّ أولئك الأشخاص الَّذينَ يُحبُّونه كثيرًا سيَحزنون بسبب أنَّه مَسجون. وسوف يَحزنون بسبب ظروفه. وسوف يَحزنون بسبب فَقرِه. وسوف يَحزنون بسبب خَوفهم مِن أن يَخسر حياته. وهو يكتب هذه الرِّسالة لكي يقول لهم في الحقيقة: "انظروا! أنا فَرِحٌ. لِذا، لا تَفعلوا أنتُم ما هُوَ أقلّ مِن ذلك". لذا فإنَّ القصدَ مِن الرِّسالة هو أن تَنقل فَرحَ كاتبها. ولنبتدئ بالنَّظر وحسب إلى تلك المُقدِّمة. ولن نَتعمَّق أو نَغوصَ في النَّصِّ نفسه. فهو نَصٌّ سهل. ولكنِّي أريدُ أن أُعطيكم خَلفيَّة بسيطة أعتقد أنَّها ستجعل هذه الرِّسالة الرَّائعة حقيقيَّة جدًّا بالنِّسبة إليكم. فهناك ثلاثة أشياء ينبغي أن تُلاحظوها في العددين الأوَّل والثَّاني: العَبْدَيْن، والقِدِّيسين، والتَّحيَّة. العَبْدان والقِدِّيسون في العدد الأوَّل، والتَّحيَّة في العدد الثَّاني. ولنبتدئ بالخُدَّام: "بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيح". ولا حاجة إلى أن نقول أيَّ شيءٍ عن ذلك. فنحن جميعًا نَعرف بولس. ونحن جميعًا نَعرف تيموثاوس. ونحن جميعًا نَفهم معنى أن تكون عبدًا ليسوعَ المسيح. ولكن اسمحوا لي أن أتحدَّث في عُجالة عن العَبدَيْن. بولس، الرَّسول الحبيب! بولس الَّذي اهتدى إلى المسيح وَهُوَ في طريقه إلى دمشق. بولس الَّذي هو أشرف خادمٍ للمسيح عَرَفَهُ العالَم. بولس الَّذي هو الرَّجُل المُميَّز الَّذي استخدَمَهُ رُوحُ الله ليكتب ثلاث عشرة رسالة مِن رسائل العهد الجديد. بولس الَّذي صار نَموذجًا ومِثالاً لكلِّ مؤمن، هو الكاتب.

وربَّما كان أَدَقُّ وَصفٍ لبولس في أيِّ مَوضعٍ هو ذاك المذكور في رسالته. فإذا نظرتم إلى الأصحاح الثَّالث قليلاً، أريدُ أن ألفت أنظاركم إلى العدد 4. فنحن نقرأ في العدد 4: "مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضًا". فهو يُبايِنُ بينه وبين الأشخاص الَّذينَ يَتَّكلون كُليًّا على الجسدِ، لا على الرَّبِّ، فيقول: "إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى". إن كنتم ستُباينونَ بينَنا على أساس المؤهِّلاتِ الجسديَّة، وإن كنتم ستَتَّكلون على طبيعتكم البشريَّة، وعلى مؤهِّلاتِكم البشريَّة، فإنَّه يقول: إليكُم مُؤهِّلاتي (في العدد 5): "مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِن". وكانت هذه هي العادة الَّتي تُمارَس على المولودِ الذَّكَرِ اليهوديِّ. "مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيل"؛ أيْ مِن شعبِ اللهِ المُختار. "مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ"؛ وَهُوَ واحدٌ مِن الأسباط الكريمة. "عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ". بعبارة أخرى، حَتَّى بين أَقراني، كان الآخرون ينظرون إليَّ نظرةَ تقديرٍ بصفتي النَّموذج الأعلى لما ينبغي أن يكون عليه الشَّخص العِبرانيّ. "مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ".

والآن، هذه مجموعة مِن المؤهِّلات. فقد استعرضَ كلَّ المَفاخِر في اليهوديَّة: "مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ؛ أي عِبرانيٌّ أصيل، وعِبرانيٌّ نَموذجيّ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ، انتَمى إلى أكثر مجموعةٍ مُتحمِّسةٍ للنَّاموس فصار فَرِّيسيًّا. وفي العدد 6: "مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ". فقد كان أقرانُه [وليس الله] كان أقرانُه يَرونَ أنَّه بلا لَوم. فقد كانوا يَرون أنَّه رَجُلٌ يعيش حسب النَّاموس، ورجُلاً ذا نَزاهة هائلة مِن جهة الدِّينِ بطريقته الخاصَّة. "لكِنْ [في العدد 7] مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيح". ففي هذه الآيات، تَجدون وَصفًا لبولس. فهذا هو. إنَّه هو.

فقد كان يهوديًّا؛ بل كان يَهوديًّا غَيورًا. وكان يَهوديًّا نَاموسيًّا. فقد كانَ فَرِّيسيًّا. وكان يَحفظ النَّاموس كما يَحفظ أيُّ شخصٍ النَّاموس. وكان بلا لَوْمٍ في نَظر أقرانِه. ولكنَّه يَطرحُ كلَّ هذه المؤهِّلاتِ البشريَّة جانبًا، ويحسبها نُفايةً لكي يَربح المسيح لأنَّه يقول في العدد 9: "وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَان". لذا فإنَّه يُخَصِّص نفسَه للمسيح. هذا هو بولس. ثُمَّ إنَّه يَصرف الجزء المُتبقِّي مِن حياته في المُناداة بذلك. هذا هو بولس.

وماذا عن تيموثاوس؟ كان تيموثاوس ابنَ بولس في الإيمان. وكان قد تَعرَّف إليه، كما هو مُدوَّن في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16، عندما زارَ بولس "دَرْبَة" و "لِسْتَرَة" في المنطقة المحيطة بغلاطيَّة. فقد وَجد هذا الشَّابَّ فأخذه تلميذًا له، ودَرَّبَه وعَلَّمه. وقد صار ابنًا حقيقيًّا لبولس. فقد كان تيموثاوس رَفيقَه العَزيز، والشَّخص الَّذي سيُعطيه حقًّا إرْثَ الخدمة المستقبليَّة عندما سيترك العالَم. ونحن نَعرف تيموثاوس. فقد صَرفنا ثلاث سنوات معه في رسالتيّ تيموثاوس الأولى والثَّانية. لذا، لن نُطيل الحديث عن هذه النُّقطة. وبالمناسبة، لقد كُتبت كِلتا هاتين الرِّسالتين اللَّتين درسناهما مؤخَّرًا بعد سنوات قليلة مِن كتابة رسالة فيلبِّي. فقد كُتبت هذه الرِّسالة في الفترة الأولى الَّتي سُجِن فيها بولس في روما. أمَّا رسالة تيموثاوس الأولى فكُتبت بعد إطلاق سَراحه، ورسالة تيموثاوس الثانية كُتبت في فترة سجنه الثَّانية والأخيرة بعد ذلك ببضع سنوات. ولكن إن أردنا مُقدِّمةً مُوجزةً لتيموثاوس، نجد مُقدِّمةً رائعة في هذه الرِّسالة، في الأصحاح الثَّاني والعدد 19.

فَهُنا، يُعرِّفُنا بولس إلى تيموثاوس تَعريفًا مُقتضبًا. ونحن نجد حقًّا كلَّ ما نحن بحاجة إلى معرفته عنه. "عَلَى أَنِّي أَرْجُو فِي الرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ سَرِيعًا تِيمُوثَاوُسَ لِكَيْ تَطِيبَ نَفْسِي إِذَا عَرَفْتُ أَحْوَالَكُمْ". فسوف يأتي تيموثاوس، ويَعرف كيف هي أحوالكم، ويُشجِّعني عندما يُخبرني. تيموثاوس هو رسولي. والسَّببُ في إرسالي له... وهنا نجد القليل عن تيموثاوس في العدد 20: "لأَنْ لَيْسَ لِي أَحَدٌ آخَرُ نَظِيرُ نَفْسِي يَهْتَمُّ بِأَحْوَالِكُمْ بِإِخْلاَصٍ". فهو نَظيرُ نفسي، وليس له مَثيل. فقلبُه يَخفق مع قلبي. ودَمُه يَجري مع دمي. وأنا أُرسله لأنَّه نَظيرُ نَفسي. وليس هذا فحسب، بل إنَّه يَهتمُّ بأحوالكم بإخلاص. وهو يَهتمُّ بكلِّ جَوارِحِه بكم. والسَّبب في ذلك، كما هو واضح، هو أنَّه كان موجودًا عندما تأسَّست الكنيسة في فيلبِّي وابتدأت. لقد كان هناك. فقد كان حاضرًا في الرِّحلة التِّبشيريَّة الثَّانية. وقد زَارَ تلك الكنيسة أكثر مِن مَرَّة. وكانت هناك علاقة وثيقة بينه وبينهم أيضًا. وهو يقول في العدد 21: "إِذِ الْجَمِيعُ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ لأَنْفُسِهِمْ لاَ مَا هُوَ لِيَسُوعَ الْمَسِيح". ويا لها مِن فِكرة مأساويَّة. فالرَّسول بولس يقول هنا: "لا أعرف شخصًا آخر يمكنني أن أُرسله غير تيموثاوس لأنَّ جميع الأشخاص الآخرين المُحيطين بي يَسعَون إلى مَصالحهم الشخصيَّة. أمَّا تيموثاوس فهو الوحيد الَّذي يَملِك قلبًا كقلبي. يا له مِن كَنز! لذا فإنَّني أُرسلُه".

"هذَا أَرْجُو [كما يقول في العدد 23] أَنْ أُرْسِلَهُ أَوَّلَ مَا أَرَى أَحْوَالِي حَالاً. وَأَثِقُ بِالرَّبِّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعًا". وكلُّ ما ينبغي أن تعرفوه عن تيموثاوس هو أنَّه عندما نَظر بولس حولَه ورأى مِن هُم الأشخاص المُحيطون به، قال: "إنَّه الشَّخص الوحيد الَّذي هو نَظير نفسي. وَهُوَ الشَّخص الوحيد الَّذي قَلبُه يَخفق مع قلبي. وهو الوحيد الَّذي يُشبهني. وَهُوَ الشَّخص الوحيد الَّذي يمكنني أن أُرسلَه. وهذا يكفي لإخباركم عن تيموثاوس. ولكن هل اشتركَ تيموثاوس في كتابة الرِّسالة إلى أهل فيلبِّي؟ لا. فالإشارة هنا هي ليست إلى بولس وتيموثاوس بصفتهما كاتِبَيْن، بل إلى بولس وتيموثاوس بصفتهما عَبدي يسوعَ المسيح. وقد كانا معًا عندما كَتبَ بولس رسالتَه. وقد تقول: "وكيف تَعلم ذلك؟" لأنَّه ابتداءً مِن العدد الثَّالث، نَرى أنَّ جميع الضَّمائر تَرِد بصيغة المُتكلِّم المُفرَد. فهو لا يتكلَّم البتَّة بصيغة الجَمْع، بل فقط بصيغة المُفرد: "أشكُر"... "إلهي"... "ذِكري" (في العدد 3). و "أدعيتي" (في العدد 4). و "أموري" (في العدد 12). والحالُ كذلك في كلِّ الرِّسالة. فبولس هو الكاتب، وتيموثاوس هو الرَّفيق. إذًا، لماذا يُضيف اسم تيموثاوس؟ وهل كان مِن المهمِّ أن يَذكر اسم تيموثاوس؟ أجل. لقد كان ذلك مُهمًّا لأسبابٍ عديدة:

أوَّلاً، كان تيموثاوس معروفًا جدًّا لدى مؤمني فيلبِّي، ومحبوبًا جدًّا لدى مؤمني فيلبِّي. وكما قلتُ، لقد كان حاضرًا هناك عندما تأسَّست الكنيسة في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16. وهو نفس الأصحاح الَّذي يتحدَّث عن مجيء تيموثاوس مع بولس. فتيموثاوس يأتي مع بولس في الأعداد 1-3. وعندما تَصِلون إلى العدد 11، نَقرأ أنَّهما وَصلا إلى فيلبِّي وأنَّ الكنيسة تأسَّست. لِذا فقد كان المؤمنون في فيلبِّي يَعرفون تيموثاوس منذ الأيَّام الأولى. كذلك، حيث إنَّ بولس سيُرسل تيموثاوس، ويريد مِن تيموثاوس أن يَحظى بأفضل استقبال، فإنَّه يَذكر اسم تيموثاوس ويقول إنَّه عامِلٌ حقيقيٌّ معه مِن خلال ذِكر اسمه في التَّحيَّة الافتتاحيَّة. فهو عامِلٌ حقيقيٌّ مع الرَّسول. وفي مَقطعٍ لاحق، يَتوسَّع بولس أكثر في الحديث عنه فيقول: "إنَّه الشَّخصُ الوحيدُ الَّذي هو نَظير نَفسي".

ثالثًا، مِن المحتمل جدًّا أيضًا أنَّ تيموثاوس هو السِّكرتير الَّذي أَملَى عليه بولس الرِّسالة إلى أهل فيلبِّي. فنحن نَعلم أنَّ بولس كان يُملي رسائلَه. وكانت هناك أوقات كَتَبَ فيها رسائلَه بيده، ولكنَّ الكثير مِن رسائلِه الَّتي نعرفها أَملاها على أشخاصٍ ليكتبوها. فمثلاً، لا أدري إن كنتم تَذكرون في أثناء قراءتكم لرسالة رومية والأصحاح 16، في نهاية الأصحاح، وتحديدًا في العدد 21، أنَّنا نقرأ: "أَنَا تَرْتِيُوسُ كَاتِبُ هذِهِ الرِّسَالَةِ، أُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ". وهذا لا يعني أنَّ تَرْتيوس هو مُؤلِّف الرِّسالة. فالعدد الأوَّل مِن رسالة رومية والأصحاح الأوَّل يقول إنَّ بولس هو مؤلِّف الرِّسالة. وكان تَرْتيوس السِّكرتير أو النَّاسخ الَّذي خَطَّها. وفي رسالة كورنثوس الأولى 16: 21، يَختم بولس رسالته قائلاً: "اَلسَّلاَمُ بِيَدِي أَنَا بُولُس". بعبارة أخرى، كان هناك شخصٌ آخر خَطَّ كلَّ هذا الكلام الَّذي أَمليتُهُ عليه، ولكنِّي أُوَقِّع اسمي في الخِتام. وَهُوَ يَفعل الشَّيء نفسَه في رسالة كولوسي 4: 18، وفي رسالة غَلاطيَّة 6: 11، وفي رسالته الثَّانية إلى أهل تسالونيكي 3: 17. لذا فقد كان بولس مُعتادًا على إملاء رسائله. وِمن المُحتمل جدًّا أن يكون تيموثاوس السِّكرتير.

فقد كان رفيقًا له. وقد أراد منهم في فيلبِّي أن يَعلموا أنَّه يُقدِّرُه بصفته عامِلاً معه حتَّى عندما يأتي إليهم يستقبلونَهُ بحفاوة. ومِن المؤكَّد أنَّهم سيفعلون ذلك لأنَّ رابط المحبَّة كان موجودًا أصلاً، ولكنَّه كتب ذلك لتعزيز ذلك. وربَّما كان هو الَّذي دَوَّن ما أَملاه بولس. فقد صار تيموثاوس جزءًا مُهمًّا مِن حياة بولس، وقد خَدم معه سنوات عديدة. وَهُوَ الآن مُتاحٌ لبولس. فبولس سَجين. فهو في السِّجن. وَهُوَ يَذكر ذلك أربع مَرَّات في الأصحاح الأوَّل. أمَّا تيموثاوس فلم يكن مسجونًا، بحسب عِلمِنا. ولكنَّ تيموثاوس يستطيع أن يأتي ويزور بولس، ويخدم معه، ويساعده. فقد كانت طبيعة ذلك السِّجن تَسمح له بذلك الامتياز. لاحظوا اللَّقب الَّذي يَختاره بولس لهما كِليهما: "بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وبالمناسبة، لقد تَمَّ استخدام ذلك اللَّقب أيضًا مِن قِبَل يعقوب في رسالة يعقوب 1: 1، ومِن قِبَل بطرس في رسالة بطرس الثانية 1: 1، ومِن قِبل يهوذا في العدد الأوَّل. لذا فقد كان كُتَّاب الكتاب المقدَّس يُحبُّون أن يُسمُّوا أنفسَهم "عبيد المسيح". والكلمة "دولوس" (doulos) تُشير إلى المِلكيَّة، والتَّملُّك، والولاء، والاتِّكال، والخضوع، والإخلاص، وكلِّ ما يُمكن أن تعنيه الكلمة "عَبْد".

ولكنَّها تُنَبِّر بصورة خاصَّة على شيءٍ قد لا تُدركونه وهو: الخدمة الطَّوعيَّة. هل يمكنكم أن تستوعبوا تلك الفكرة؟ الخدمة الطَّوعيَّة. فإن فَكَّرنا في الكلمة "عبد" في لُغتنا الإنجليزيَّة، قد نُفكِّر في شيءٍ قَسْرِيٍّ، أو واجبٍ بالإكراه، أو خُضوعٍ بالإجبار؛ ولكنَّ الفكرة هنا ليست كذلك. فالعبدُ المُلتصِق بسيِّده كان عبدًا مُرتبطًا بقوَّة بذلك الشَّخص. وفي أغلب الأحيان، كان ذلك الالتصاقُ ناجمًا عن العاطفة والمحبَّة والشُّعور بالتَّقدير؛ لا عن الخُنوع والخوف. فمثلاً، هل تَذكرون ما جاء في سِفْر الخروج 21: 5 بخصوص أنَّ ناموسَ الله يُتيحُ للعبد الَّذي يَرغب في الالتصاق إلى الأبد بسيِّده؟ فالكثير مِن العبيد في أُمَّة إسرائيل القديمة كانوا يُحبُّون أسيادهم محبَّة عميقة وصادقة. وبسبب ذلك، كانوا يرغبون في خدمة سَيِّدهم مَدى الحياة. فإن أراد العبد أن يَفعل ذلك، كان يذهب إلى سَيِّده ويقول: "أريد أن أخدمكَ مَدى الحياة". وكان ينبغي للسيِّد أن يَتبع شريعةَ الله الَّتي تقول: "قَرِّب عبدَكَ إلى الباب، وامسك شَحْمَةَ أُذُنِه، واثقب أُذُنَه بالمِثقَب أو بالمِخرَز. وكانت هذه الفَتحة الَّتي تُثقَبُ في الأُذُن هي العلامة والرَّمز أمام جَميع مَن يَرونه على أنَّ هذا الرَّجُل عَبْدٌ بدافع المحبَّة". فهذا عبدٌ يَخدم سَيِّده بدافع المحبَّة لأنَّه اختار أن يبقى مُرتبطًا مَدى الحياة بشخصٍ يَتوقُ إلى خِدمته.

لِذا فإنَّ بولس وتيموثاوس لا يَنظران إلى نَفسيهما بأنَّهما عَبْدان بالمَعنى البائِس؛ أي أنَّه ينبغي لهما أن يَفعلا شيئًا لا يَرغبان في القيام به، بل أنَّهما عَبدان مُلتصقان بيسوعَ المسيح ويخدمانه بدافع الفَرح، والرَّغبة، والعاطفة، والمحبَّة. لاحظوا مِن فَضلكم العبارة "عَبْدَا يسوعَ المسيح". فهذا هو الشَّيءُ الَّذي يُركِّز عليه بولس دائمًا. فقد كانت خدمته مُوَجَّهة دائمًا للمسيح... مُوَجَّهة دائمًا للمسيح. فهو لم يكن عبدًا للكنيسة، ولم يكن عبدًا لقادة الكنيسة، ولم يكن عبدًا لروما (مع أنَه كان سجينًا عند رُوما)، بل كان عبدًا ليسوعَ المسيح إذ كان يَربط حياتَه دائمًا بالمسيح. وهذه النَّظرة إلى الخدمة ضروريَّة جدًّا لأيِّ شخصٍ يَخدم الرَّبَّ. فإن اقترنتَ بالنَّاس سيُخيِّبون أَملَك. وإن اقترنتَ بالكنيسة، سيُخيِّبون أَملَك في الكنيسة. أمَّا إن اقترنتَ بالرَّبِّ لن يَخيبَ أَمَلُكَ يومًا. وإن قَرَّرتَ أن تُقَيِّم خدمتك استنادًا إلى رأي النَّاس، سَتَضِلُّ. أو على أساس رأي أو نجاح الكنيسة، سَتَضِلُّ. أمَّا إن اخترتَ أن تُقَيِّم حياتك والخدمة بينك وبينَ الرَّبِّ فإنَّك لن تَضِلَّ يومًا لأنَّك ستَعلم دائمًا أين تقف.

إنَّ خدمة المسيح هي الحُريَّة الكاملة. إنَّ خدمة المسيح هي الحُريَّة الكاملة. فبولس يقول في العدد 7: "فِي وُثُقِي". وَهُوَ يقول في العدد 13: "وُثُقِي"، وفي العدد 14: "وُثُقِي"، وفي العدد 16: "وُثُقي" أو "سَلاسِلي" أو "قُيودي". وبالرَّغم مِن هذا كُلِّه، لم يكن عبدًا لروما، بل كان عبدَ يسوعَ المسيح. فقد كان يسوعُ المسيحُ هو الَّذي يَسُدُّ كلَّ احتياجاته. وكان يسوعُ المسيحُ هو الَّذي يَختار كلَّ واجباته (كما جاء في سِفْر صموئيل الثَّاني 15: 15) حيث نقرأ هذه الكلمات الجميلة جدًّا: "حَسَبَ كُلِّ مَا يَخْتَارُهُ سَيِّدُنَا الْمَلِكُ نَحْنُ عَبِيدُهُ". وكان يسوعُ هو الَّذي يَسُدُّ كلَّ احتياجاته إذ قال: "تَكفيك نَعمتي". فقد كان يَخدم يسوعَ المسيح.

والآن، لقد كان بولس سجينًا في هذا الوقت. وفي فترة سِجنه، كَتبَ أربع رسائل. ونحن نَعرف هذه الرَّسائل برسائل السِّجن. وهي تُسمَّى هكذا لأنَّه مِن الواضح أنَّها كُتبت مِن السِّجن؛ وهي: رسالة أفسُس، وكولوسي، وفيلبِّي، وفِلِيمون (تلك الرِّسالة القصيرة). فإن قرأتم رسالة فيلبِّي فإنَّه يقول إنَّه في السِّجن. وإن قرأتم رسالة أفسُس فإنَّه يقول إنَّه في السِّجن. وإن قرأتم رسالة كولوسي فإنَّه يقول إنَّه في السِّجن. وإن قرأتم رسالة فِليمون فإنَّه يقول إنَّه في السِّجن. فلا توجد صعوبة في معرفة مكانه عندما يكتب – أربع رسائل. والآن، هناك مَن يقول إنَّه ربَّما كان في السِّجن في أفسُس. ولكنَّ هذا الرَّأي لا يَصمُد أمام الفحص. وهناك مَن يقول إنَّه كان مسجونًا في قيصريَّة. وهذا لا يَصمُد أمام الفحص. فلا أعتقد ذلك أيضًا. فالأفضل هو أن نَرى أنَّه كان مسجونًا في روما عندما كَتَبَ كلَّ هذه الرَّسائل الأربع. ولماذا رُوما؟ نقرأ في الأصحاح الأوَّل والعدد 13: "فِي كُلِّ دَارِ الْوِلاَيَة". وأفضلُ تفسيرٍ لذلك هو أنَّه يُشير إلى رُوما؛ لا إلى أفسُس أو قيصريَّة. ثُمَّ نقرأ في الأصحاح الرَّابع والعدد 22: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَر". وأفضل تفسيرٍ لهذا أيضًا هو "روما". فهناك يوجد بيت قيصر.

كذلك، في الأصحاح الأوَّل والأعداد 14-18، يَتحدَّث بولس عن جميعِ المُبشِّرين الَّذينَ يَكرزون بالمسيح إمَّا بنزاهة وإمَّا بِتحزُّب... إمَّا يُساعدون بولس وإمَّا يُضيفون ضِيقًا إلى وضعه الحاليِّ الصَّعب. وحقيقةُ وجود مُبشِّرين كثيرين تُشير بطريقةٍ ما إلى مدينة كبيرة مِثل روما؛ لا إلى مكانٍ أصغر. فضلاً عن ذلك، في الأصحاح الأوَّل، يبدو أنَّه كان ينتظر حُكمًا نهائيًّا. فهو يقول: "رُبَّما أعيشُ، ورُبَّما أموت. لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ... وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ". فيبدو أنَّه كان على وشكِ سَماع قرارٍ مَا بخصوص مَصيره. وَهُوَ يقول في الأصحاح الثَّاني والعدد 17: "لكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضًا عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ". بعبارة أخرى، "إن كان قد آنَ أوانُ موتي، لا بأس في ذلك". ومِن جهة أخرى [في العدد 24] "وَأَثِقُ بِالرَّبِّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعًا". ويبدو لي أنَّه كان يُشير إلى أنَّه إمَّا سيموت وإمَّا سيُطلَق سراحُه سريعًا جدًّا. وإن كان هذا صحيحًا، مِن الأفضل أن نَرى أنَّه كان مسجونًا في روما لأنَّ روما هي المكان الَّذي يمكن أن تحدث فيه مِثل هذه المحاكمة حيث يَتِمُّ اتِّخاذ قرارٍ نهائيّ. فحينئذٍ سيَتِمُّ إطلاقُ سراحِه مِن قِبَل المحكمة الرُّومانيَّة.

لِذا، مِن الأفضل أن نَفترِض أنَّه في روما. فهو مُقيَّدٌ ومسجونٌ بطريقةٍ ما، ولكنَّه كان حُرًّا بالقدر الَّذي يَسمح له باستقبال أيِّ أشخاصٍ يَرغبون في المجيء والخدمة معه؛ وفي هذه الحالة تحديدًا: تيموثاوس. وهو يَتوقَّع أن يَتِمَّ إطلاقُ سَراحِه سريعًا وأن يتمكَّن مِن المجيء لزيارتهم في حال أنَّهم لم يُعدموه. لذا فإنَّنا نَفترِض أنَّ هذه الرِّسالة كُتبت في نحو سنة 64 ميلاديَّة، وأنَّها آخِر رسائل السِّجن الأربع الَّتي يَتوقَّع فيها إمَّا الموت وإمَّا إطلاق سَراحِه. لِذا، هذا هو بولس، وهذا هو تيموثاوس، وهذا هو الموقف: العَبْدان.

وماذا عن القِدِّيسين؟ استمعوا بعناية الآن. ماذا عن القِدِّيسين. مَن هُم؟ نَقرأ في العددِ الأوَّل: "إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ". فَهو يَضُمُّ قادة الكنيسة؛ أي قُوَّة الإرشاد الرُّوحيَّة والمجموعة الخادِمة في الكنيسة. ولكنَّه يكتب [أرجو أن تُلاحظوا ذلك]: "إِلَى الْقِدِّيسِينَ"... إِلَى الْقِدِّيسِينَ. وهذه الكلمة الرَّائعة صارت ضَبابيَّة جدًّا بسبب فَهمِنا الثَّقافيِّ لها حتَّى إنَّنا فَقدنا المعنى الحقيقيَّ للكلمة "قِدِّيس". فهناك أشخاص يَظُنُّون أنَّ القدِّيس شخصٌ يَجعل الآخرين يَصنعون له تِمثالاً، أو شخصًا طَوباويًّا، أو كما قالَ طِفلٌ صغير: "إنَّهم أشخاصٌ أمواتٌ تَضعهم على زُجاج الكنيسة لتمنع النُّور مِن النَّفاذ منه". وقد يكون هذا صحيحًا أكثر مِمَّا نعترف به. فأحيانًا نكون نحن الَّذينَ نُدعى "قِدِّيسين" مُجرَّد أمواتٍ يَمنعون النُّور مِن النَّفاذ". ولكنَّ كلَّ تلك الأشياء تُمَثِّل فَهمًا ثقافيًّا مُعيَّنًا للكلمة "قِدِّيس". فنحن نَتحدَّث عن القِدِّيس فُلان والقِدِّيس فُلان. وفي هذا الشَّارع، هناك كنيسة القدِّيس جينيفيف (Saint Genevieve Church). وما لا يَعرفه الأشخاص هناك هو أنَّه يوجد آلاف القدِّيسين الَّذينَ يعيشون هنا. وربَّما لا يَعرفونَنا على حقيقتنا.

والحقيقة هي أنَّ الكلمة "قِدِّيس" لَقبٌ مُستخدَم في الكتاب المقدَّس للإشارة إلى كُلِّ وجميعِ الأشخاص الَّذينَ نالوا الحياةَ الجديدة في المسيح. فالمؤمنون جميعًا قِدِّيسون. فنحن نقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل 9: 13: "فَأَجَابَ حَنَانِيَّا: يَارَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ [وَهُوَ يتحدَّث عن شاول أو بولس]، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيم". وهذه كلمة مُرادفة للكلمة "مَسيحيّ"، أو مُرادفة للكلمة "مُؤمِن". ونقرأ في العدد 32: "وَحَدَثَ أَنَّ بُطْرُسَ وَهُوَ يَجْتَازُ بِالْجَمِيعِ، نَزَلَ أَيْضًا إِلَى الْقِدِّيسِينَ السَّاكِنِينَ فِي لُدَّة". فهي كلمة أخرى مُرادفة للكلمة "مَسيحيّ". فنحن جميعًا قِدِّيسون. وقد كان جَدِّي يقول: "هناك نوعانِ فقط مِن النَّاس في العالَم: القِدِّيسون وغير القِدِّيسين". فأنت إمَّا قدِّيسٌ، وإمَّا لستَ قِدِّيسًا. والآن، إنَّ الكلمة "قِدِّيس" تعني: "مُنفصِل" أو "فَريد" أو "مُختلف" أو "مُفْرَز". وفي الأصل، فإنَّ الكلمة يُمكن أن تُترجَم: "مُقَدَّس". فهي تَقترن بالكلمة العِبريَّة "كاداش" (qadosh) الَّتي تَعني الشَّيءَ نفسَه: "فَريد" أو "مُختلف" أو "مُفرَز". فهي لا تعني شُهداءَ أمواتًا، ولا أشخاصًا طَوباوِيِّين، ولا أشخاصًا خَارِقي التَّقوى، بل تُشيرُ إلى جميع المؤمنين. فالرِّسالة إلى أهل كورنثوس...استمعوا جَيِّدًا: فالرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس كُتبت إلى القِدِّيسين المَدعُوِّين. وإن كان أهل كورنثوس قدِّيسين، يا أحبَّائي، فإنَّ هذا اللَّفظَ فَضْفاض ... فَضْفاضٌ جدًّا. ونقرأ في رسالة أفسُس 1: 1 أنَّ هذه الرِّسالة كُتبت إلى القِدِّيسين في أفسُس.

والآن، كيف تُعرِّفون القِدِّيس؟ "إلى...الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فنحن مُقدَّسون؛ أي صِرنا مُقدَّسين بخلاصِ المسيح. فقد صِرنا أبرارًا. وقد وُهِبنا حياةَ الله. وقد صِرنا مُنفصلين ومُميَّزين ومُختلفين عن بقيَّة العالَم. فنحن هُمُ القدِّيسون. ونحن نَملِك كلَّ الحقِّ في أن نُسَمَّى "قِدِّيسين". فنحن قِدِّيسون في المسيحِ يَسوع. وهذه عبارة يُحِبُّها بولس جدًّا. فأنت لا تَلتقي شخصًا بُوذيًّا يقول: "أنا في بوذا". فقد يَعبُد بُوذا، ولكنَّه ليس في بُوذا. ولا يُمكن أن تَلتقي مُسلمًا يقول: "أنا في مُحَمَّد". وأنت لا تَلتقي شَخصًا مِن جَماعة العِلم المَسيحيِّ يقول: "أنا في ميري بيكر إدي" (Mary Baker Eddy). وأنت لا تَلتقي شخصًا مِن جماعة المُورمون يقول: "أنا في جوزف سميث" (Joseph Smith) أو "أنا في "بريغام يونغ" (Brigham Young). صحيحٌ أنَّهم قد يَتبعون تعليم قائدٍ مُعيَّن، ولكنَّنا نحن فقط "في المسيح". فقد صُهِرْنا معًا في ذاتِ حياته. لِذا فإنَّنا مُفرَزون. فقد دُفِنَّا معه في موته، وقُمنا معه لِنَسلُك في جِدَّة الحياة. وحياتُنا هي حياتُه: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". ونحن جميعًا نرتبط معًا في حياةٍ واحدة هي حياة المسيح.

لذا فإنَّه يكتب إلى المؤمنين الَّذينَ هُم في المسيح، والَّذين يُدعَون بِحَقّ "قِدِّيسين" لأنَّهم أُفرِزوا وتَقدَّسوا وفُصِلوا عن بقيَّة العالَم مِن خلال عَمل الله المُخَلِّص. وأين كانوا يعيشون؟ في فيلبِّي. وهل هذا مُهمٌّ؟ أجل. فقد كانت تلك المدينة مُمَيَّزة نَوعًا ما. اسمعوني الآن. منذ زمن الفِينيقيِّين، كانت تحوي مَناجم ضخمة لاستخراج الذَّهب والفضَّة. وعندما اكتشفوا في البداية الذَّهب والفضَّة، لا شَكَّ أنّها صارت مدينة مشهورة. وقد تَدافع النَّاس إلى تلك المنطقة قبل حتَّى أن تكون هناك مدينة فيها، وابتدأوا في استخراج المعادِن من تلك المنطقة. وبسبب الاكتشاف المُذهل للذَّهب والفضَّة هناك، صار المكان مَركِزًا تجاريًّا في العالَم القديم... مَركِزًا تجاريًّا ضخمًا. وقد كان موقعُها استراتيجيًّا جدًّا. فهي تقع في الجُزءِ العُلويِّ مِن بحر إيجة (Aegean Sea)، بل في أعلى جُزءٍ منه. وكما تَعلمونَ فإنَّ أَسيَّا الصُّغرى تقع على شاطئ البحر المتوسِّط، وأنَّ اليونان تَقع على شاطئ البحر المتوسِّط، وأنَّ إيطاليا تقع على شاطئ البحر المتوسِّط. لذا فإنَّ أيَّ طريقٍ يَمتدُّ مِن الشَّرق إلى الغرب ينبغي أن يَمُرَّ مِن أعلى بحر إيجة والبحر الأدرياتيكي الَّذي يَمتدُّ صُعودًا بين اليونان وإيطاليا وأَسيَّا الصُّغرى. لذا فقد كانت جميعُ الطُّرق الرئيسيَّة تَمُرُّ مِن عند الحافة العُليا لبحر إيجة والبحر الأدرياتيكي؛ أي أنَّها كانت تَمُرُّ عبر فيلبِّي تمامًا.

كذلك، كانت هناك سلسلة مِن الجبال. وكان المَعبر مِن آسيا إلى أوروبا يَمُرُّ عَبر المَعابر الَّتي تَتَخَلَّل تلك الجبال. فقد كانت تلك هي الطريقة الوحيدة للعبور مِن دون تَسَلُّق كلِّ القِمَم. وكان هذا المَعبَر هو فيلبِّي. فقد كانت تَتبوَّأُ موقعًا استراتيجيًّا لأنَّها تقع تمامًا عند المَعبَر بين آسيا وأوروبا؛ أي بين الشَّرقِ والغَرب. وكانَ يَمُرُّ مِن ذلك المَعبر (على امتداد مسافة 500 ميل مِن اليونان إلى إيطاليا) طَريق يُعرَف بالطَّريقُ الأغناطيّ. وعندما يَصِل هذا الطَّريق إلى إيطاليا ويَتَّجِه نحو روما، فإنَّه يُعرَف بالطَّريق الأبيانِيّ؛ وهو طريق يَعرفه جميع مَن يدرسون التَّاريخ الرُّومانيّ. وقد بُني في سنة 146 قبل الميلاد. وكان الطَّريق الأغناطيّ هو طريق التِّجارة بين الشَّرق والغرب. وكانت فيلبِّي تقع في وسط الطَّريق التِّجاريّ. وكانت موقعًا استراتيجيًّا في أوروبًا؛ أي موقعًا استراتيجيًّا لبناء مدينة. وقد بُنيت المدينة نفسُها مِن قِبَل "فيليب المَقدونيّ" (Philip of Macedon) أَبو "الإسكندر الكبير" (Alexander the Great). والسَّبب في أنَّه بَناها هو أنَّه أرادَ أن يُسيطر على المَعبَر؛ أي أن يُسيطر على الطَّريق. وقد وقعت واحدة مِن أَهَمِّ المعارك في التَّاريخ في ذلك المكان. وفي وقتٍ لاحق، كانت فيلبِّي هي المكان الَّذي أَلْحَقَ "مارك أنتوني" (Mark Antony) الهَزيمة بِـ "بروتوس" (Brutus) و "كاسيوس" (Cassius) فَتَقَرَّرَ بذلك مُستقبل الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة كُلُّه. فهي مدينة استراتيجيَّة جدًّا.

ثالثًا، كانت مُستعمَرة رومانيَّة. فالأمر لم يَقتصر فقط على أنَّها كانت تَحوي مَناجم ذهبٍ وفضَّة. وبالمناسبة، كانت تلك المناجم في زمن الرَّسول بولس قد استُنزِفَت ولم تعد مُستخدمة. ولكنَّها كانت بالرَّغم مِن ذلك الأساسَ الَّذي قامت عليه المؤسَّسات التِّجاريَّة. وكانت المؤسَّسات التِّجاريَّة ما تزال قائمة آنذاك. ولم يكن الأمر يَقتصر على موقعها الاستراتيجيِّ الرَّئيسيِّ؛ بل ثالثًا: كانت مُستعمرةً رومانيَّة. وإن تَمَّ اختيارُ أيِّ مدينة لتكون مُستعمرةً رومانيَّة فإنَّ ذلك هو أعلى شَرَف يمكن أن تَحظى به أيُّ مدينة. فقد كانت المُستعمرات الرُّومانيَّة تَحظى بأهميَّة عسكريَّة. وكانت جزءًا مِن الاستيطان الرُّومانيِّ لإحلالِ ما يُعرف بـِ "باكس رومانا" (Pax Romana)؛ أَي: السَّلام الرُّومانيّ. فالطَّريقة الَّتي استخدمتها روما لتأسيس مدينة فيلبِّي هي نفس الطَّريقة الَّتي أَسَّست فيها أغلبيَّة المُدن. فقد كانوا يَعثرون على مدينة ذات موقعٍ استراتيجيٍّ بالنِّسبة إليهم. وكانت في الأصل مدينة يونانيَّة، ولكنَّهم أرادوا أن تكون مُستعمرة رومانيَّة. لذا فقد كانوا يأخذون نحو ثلاثمئة جُنديٍّ مِن المحاربين القَدامى الَّذينَ شارَفوا على التَّقاعُد، ويَجمعوهم هُم وعائلاتهم، ويُرسلوهم للاستقرار في وسط تلك المدينة لكي يبتدئوا في حُكم تلك المدينة، وقيادة تلك المدينة، وجَعلها مُستعمرةً رومانيَّة. وهذا هو ما حدث. فقد جاء عددٌ مِن الجنود الرُّومان مع عائلاتهم، وربَّما برفقة آخرين أيضًا، واستقرُّوا هناك بثقافتهم الرُّومانيَّة ونمط حياتهم الرُّومانيّ.

وكان النَّاس في المستعمرات الرُّومانيَّة يَتَمَتَّعون بثلاثة حقوق: فقد كانوا يَتَمَتَّعون بما يُسَمَّى في اللُّغة اللاَّتينيَّة: "ليبرتاس" (libertas) ومعناها: "الحُكْم الذَّاتيّ". فَهُم لم يكونوا خاضعين لروما، بل كانوا يَحكمون أنفسهم بأنفسهم. فقد كانت الحكومة الرُّومانيَّة تَمنحهم ذلك الامتياز إذْ كانت تَمنحهم حُكمهم الذَّاتيَّ مِن خلال وجود هؤلاء الجنود. ثانيًا، كانوا يَتمتَّعون بما يُسَمَّى في اللُّغة اللاَّتينيَّة "إميونيتاس" (immunitas) أَي: الحَصانة. وهذا يعني أنَّه لن تُفرَض عليهم الضَّرائب مِن قِبَل روما. لذا فقد كانوا يَتمتَّعون بإعفاءٍ ضَريبيٍّ، وكانوا مُتحرِّرين مِن حُكم روما. ثالثًا، كانوا يَتمتَّعون بما يُسَمَّى "إيوس إيتاليكوم" أي: "حقوق المُواطَنة الرُّومانيَّة". فقد كانوا يتمتَّعون بكُلِّ الحقوق الَّتي يَتمتَّع بها أيُّ شخصٍ يعيش في روما.

وكان يُطلَق على وُلاة المدينة الاسم "برايتورز" (praetors) وتَرجمتُها هي: "حُكَّام". وكان يُطلَق على أفراد الشُّرطة الاسم "ليكتورز" (lictors)؛ وكانوا الأشخاص الَّذينَ يَتولَّون أمر مَن يُخالفون القانون. وكانوا يُقَلِّدون نَمط الحياة الرُّومانيّ، ويُقلِّدون الثَّقافة الرُّومانيَّة بكلِّ معنى الكلمة. ويقول "وليام باركلي" (William Barclay): "كانت تلك المستعمرات تَمتاز بخاصيَّة عظيمة. فحيثما وُجدت، كانت تُعَدُّ أجزاءً صغيرةً مِن روما. وكان اعتزازُها بجنسيَّتها الرُّومانيَّة هو سِمَتُها البارزة. فقد كانت اللُّغة الرُّومانيَّة هي لُغة التَّخاطُب فيها، وكانت الملابس الرُّومانيَّة هي الدَّارجة، والعادات الرُّومانيَّة هي المَرعيَّة، وكان حُكَّامها يَحملون ألقابًا رومانيَّة، وكانت تُمارس فيها نفس الطُّقوس الَّتي كانت تُمارَس في روما نفسِها. فحيثما وُجدت تلك المُستعمرات، كانت تحتفظ بإصرارٍ وعِنادٍ على الطَّابع الرُّومانيّ. فهي لم تكن تَحلم يومًا بأن تصير شبيهةً بالنَّاس الَّذينَ يعيشون في وسطهم. فقد كانت أجزاءً من روما. وكانت نُسخًا مُصَغَّرةً مِن روما. وَهُم لم يَنسَوْا ذلك يومًا" [نهاية الاقتباس]. فقد كانوا يَفتخرون بأنَّهم مواطنون رومان.

والآن، بالرَّغم مِن كلِّ تلك الأشياء المُختصَّة بفيلبِّي، لم يكن هذا هو ما جَعلها مَشهورة. فهذا لم يَضَع تلك المدينة بصورة دائمة على خريطة العالَم وخريطة التَّاريخ. صحيحٌ أنَّها كانت مدينة مَرموقة، وأنَّ اسمَها الرَّسميَّ كان "كولونيا جوليا أوغسط فيليبينسيس" (Colonia Julia August Philippensis). وهو اسمٌ كبيرٌ جدًّا على مدينة صغيرة كهذه! فقد كانت لها مكانة مرموقة جدًّا، ولكنَّ هذا لم يكن السَّبب في اشتهارها. فهناك مُدن تَشتهر بسبب مكانتها المَرموقة. فقد كَتب "بول ريس" (Paul Rees): "مِن جهة الاستمراريَّة على مَدى القُرون، كان هذا هو ما يُمَيِّز روما. ومِن جهة المجد المِعماريِّ والفَخامة المُتْرَفَة، كان هذا هو شِعار بابل للخُلود. ومِن جهة الرُّقِيِّ الثَّقافيِّ، كانت هذه هي صُورة أثينا في أعين العالم. ومِن جهة الرُّقِيِّ الَّذي يُمَيِّز مُواطنيها، كان هذا هو ما تَشتهر به دائمًا إسبارطة. ومِن جهة التَّقليد الَّذي لا يُضاهَى في الإيمان والتَّكريس الدِّينيّ، كانت هذه هي السُّمعة الَّتي لا تَنقرض لأورُشليم. ولكن في مَكِدونِيَّة القديمة، في مكانٍ لا يبعد كثيرًا عن السَّاحل الغربيِّ لبحر إيجة، كانت هناك مدينة ظَلَّت حَيَّةً في ذاكرة البشر ولكن ليس لأيٍّ مِن هذه الأسباب" [نهاية الاقتباس].

إذًا، لماذا بقيت حَيَّةً؟ سوف أقول لكم السَّبب: لأنَّ الرَّسول بولس، بوحيٍ مِن الرُّوح القُدُس، كَتَبَ هذه الرِّسالة الصَّغيرة إلى تلك المدينة فَخَلَّدَها... فَخَلَّدَها. فهذا هو سبب بقاء شُهرتها. بسبب هذه الرِّسالة الصَّغيرة... رسالة الفَرح هذه. وكيف ابتدأَ الأمر كُلُّه؟ لنرجِع إلى سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 16 بإيجازٍ شديد. وقد كنتُ أُخَطِّطُ لصرفِ مزيدٍ من الوقت كي أُبيِّن لكم كيف ابتدأت الكنيسة. ولكنَّ الوقت المُتبقِّي لدينا قصير. لذا، سوف ننظر إلى ذلك بإيجازٍ شديد. ففي أعمال الرُّسُل 16، كان بولس قد أخذ تيموثاوس معه (في الأعداد 1-3). وقد تَنَقَّلا في خدمتهما، وذهبا مِن مكانٍ إلى مكان إلى أن وَصلا أخيرًا إلى تَرُواس الَّتي كانت آخر بُقعة يمكنهما أن يُسافِرا إليها بَرًّا. وقد وقفا هناك أمام بحر إيجة، ونَظرا إلى البحر وقالا: "إلى أين نذهب؟" ثُمَّ إنَّنا نقرأ عن تلك الرُّؤيا الرَّائعة في العدد 9: "رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: «اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا!»". فقد كان اللهُ يَدعو المسيحيَّة إلى الانتشار مِن آسيا إلى أوروبَّا. لقد كان اللهُ يَدعو إلى نَشْر المسيحيَّة في أوروبَّا. لذا فقد جاءت تلك الدَّعوة المَكِدونيَّة في تَرُواس الَّتي تُعرَف أيضًا باسم "تَرُواس الإسكندريَّة" والتي تَأسَّست في القرن الرَّابع قبل الميلاد؛ وهي مدينة يونانيَّة تَمتَّعت بالحُريَّة إلى أن جَعلها أغسطُس مُستعمرةً رومانيَّة. وكانت تبعد نحو عشرة أميال عن مدينة "طروادة" الشَّهيرة الَّتي نَسمع عنها.

إذًا، فقد كانوا في تَرُواس. وقد جاءت الدَّعوة بالذَّهاب إلى أوروبَّا. لذا فقد أَقلَعوا إليها في سفينة. ونقرأ في العدد 11 أنَّهم أَقلَعوا مِن تَرُواس. وكانت الطَّريق المُستقيمة المُتَّجهة إلى الشَّمال الغَربيِّ تقودك إلى "سَامُوثْرَاكِي"؛ وهي جزيرة... جَزيرة تَرتفع نحو خمسة آلاف قَدَم عن مستوى سطح البحر. وهي جزيرة جَبليَّة. وقد ذهبوا إلى هناك في اليوم الأوَّل. وفي اليوم الثَّاني ذَهبوا مِن سَامُوثْرَاكِي إلى نِيَابُولِيس. ونيابوليس هي ميناء فيلبِّي. فمدينة فيلبِّي هي أرضٌ مساحتها عشرة أميال. لذا فقد ذهبوا [بحسب العدد 12] مِن نيابوليس وقطعوا تلك الأميال العشرة "إِلَى فِيلِبِّي، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ مِنْ مُقَاطَعَةِ مَكِدُونِيَّةَ [وإليكم هذه التَّسمية]، وَهِيَ كُولُونِيَّةُ [أي: مُستعمرةً رُومانيَّة]. فَأَقَمْنَا فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ أَيَّامًا. والحديثُ هنا هو عن بولس، وسيلا، وتيموثاوس، ولوقا.

"وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ"، بكلِّ تأكيد، كانت عادة بولس عندما يَذهب إلى أيَّة مدينة هي أن يذهب إلى أين؟ إلى المَجمَع. ولكن لم يكن هناك مَجمَع. فقد كان ينبغي وجود عشرة رجال يهود لتأسيس مَجمَع. فلم يكن يَحِقُّ لأيَّة مدينة أن تُقيم مَجمَعًا إلاَّ إذا كان يعيش فيها عشرة رجال يهود. وبحسب معرفتنا، لم يكن يوجد في هذه المدينة أيُّ رجال يهود يَرِد ذِكرُهم. فربَّما كانوا قليلين جدًّا. ولكنَّ الأمر كان يتطلَّب عشرة رجال لتأسيس مَجمَع. فإن جَمعتَ عشرة رجال، يمكنك أن تُؤسِّس مَجمَعًا. ولكنَّهم لم يكونوا عشرة رجال. لذا، "وفي يومِ السَّبتِ، خَرَجْنَا إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ نَهْرٍ". ولكن لماذا ذهبوا إلى ضَفَّة النَّهر؟ لأنَّه إن كان يوجد أيُّ يهود، فإنَّهم يَعلمون أنَّ اليهود سيذهبون في يوم السَّبت إلى النَّهر. لماذا؟ لأنَّ المزمور 137 يقول إنَّ الشَّعبَ، عندما كانوا مَسبيِّين في بابل، ذهبوا إلى ضَفَّة النَّهر وبَكَوْا. وصار مِن عادة اليهود في السَّبي، وفي المَنفى، أن يذهبوا إلى ضَفَّة النَّهر ويبكوا لأنَّهم كانوا بعيدين عن أرضهم. وصار مَعروفًا في التَّقليد أنَّه حيث لا يوجد هيكل ولا يوجد مَجمع فإنَّ اليهود يذهبون إلى ضَفَّة أحد الأنهر، كما كانوا يفعلون في السَّبي، ويَبكون على بَلِيَّتِهم لأنَّه لا يوجد هيكل، ولأنَّهم ليسوا في أورُشليم، ولأنَّه لا يوجد حَتَّى مَجمع يمكنهم أن يذهبوا إليه. لذا فقد كان بولس يَعلم أنَّه إن أراد العثور على يهود، فإنَّه سيجدهم [إن كانوا موجودين أصلاً] عند ضَفَّة النَّهر في يوم السَّبت. وهذا هو ما وَجدَه.

فقد كان يوجد هناك اجتماعُ صلاة حيث كان هذا هو ما اعتادوا أن يَفعلوه عند ضَفَّة النَّهر. وقد جلسوا وابتدأوا يُكلِّمون النِّسَاءَ اللَّوَاتِي اجْتَمَعْنَ. ويبدو أنَّه لم يكن هناك رجال. فقد كانت هناك مجموعة مِن النِّساء اليهوديَّات يَعِشن في تلك المدينة. وكانت واحدة مِنهُنَّ تُدعى "لِيدِيَّة" مِن مَدينة "ثَيَاتِيرَا". وكانت تَاجرةً تُتاجِرُ بالقُماش الأُرجوانيّ. وكانت مُتَعَبِّدَةً حقيقيَّةً لله. "فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ". وقد "اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا". إذًا فقد تأسَّست تلك الكنيسة هناك. فقد ابتدأت بمجموعة مِن النِّساء المُجتمعات عند ضَفَّة النَّهر. اسمعوني: لقد كان أوَّلُ شخصٍ كَشَفَ لهُ الرَّبُّ عن مَسيحانيَّته هو امرأة سامريَّة. وأوَّل شخصٍ أوروبيٍّ اهتدى للمسيح كان امرأةً. فقد انتشر الإنجيل في أوروبَّا مِن خلال هذه المرأة "ليديَّة" الَّتي هي أوَّل شخصٍ أوروبيٍّ يَهتدي إلى المسيح. وقد طَلَبَتْ قَائِلَةً: "إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا". إذا كنتم تعتقدون أنَّ اهتدائي حقيقي... ويبدو أنَّ هذا الموضوع كان موضوعَ جِدالٍ حتَّى في تلك الأيَّام. "فَأَلْزَمَتْنَا". ولا بُدَّ أنَّها كانت امرأةً ماهرةً في إقناع الآخرين. وربَّما كانت تاجرةً ناجحةً بسبب قدرتها على الإقناع. وقد مَكثوا عندها. وهكذا، فقد وُلدت الكنيسة هناك بامرأة يهوديَّة دَخيلة (عند ضَفَّة نهر) وأهل بيتِها.

بعد ذلك مباشرةً، كانوا "ذَاهِبِينَ إِلَى الصَّلاَةِ" (كما يقول العدد 16)، رُبَّما في يوم السَّبت التَّالي. ولكنَّنا لا نَعرف مَتى تحديدًا. فقد كانوا عائدين إلى ضَفَّة النَّهر فَحَدَثَ "أَنَّ جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ [أي جارية تَسكُنها الشَّياطين وتَعملُ عَرَّافةً] اسْتَقْبَلَتْنَا". فقد كان يَسكُنها رُوحٌ نَجِس. ويمكنني أن أتحدَّث مُطَوَّلاً عن كُلِّ التَّفاصيل المُختصَّة بِسُكنى الأرواح الشِّرِّيرة فيها. فهذا أمرٌ مُدهش. ويمكنكم الاستماع إلى العِظة المُسَجَّلة عن سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16، وأن تقرأوا هذا الأصحاح وتستمتعوا إلى ذلك بأنفسكم. ولكنَّه موضوعٌ يُنيرُ العَقل حَقًّا. فقد كان ذلك العالَم يحوي عددًا هائلاً مِن البِدَع. وكانت هذه الجارية [كما جاء في نهاية العدد؛ أي العدد 16] "تُكْسِبُ مَوَالِيَهَا مَكْسَبًا كَثِيرًا بِعِرَافَتِهَا". والكلمة الحقيقيَّة تَعني: "بِنَوباتِ صَرَعِها". فقد كانت تُصاب بنوباتِ صَرَع عندما تُسيطر الأرواحُ الشِّرِّيرة عليها، وكانت تُدِرُّ رِبحًا على سَادَتِها. "هذِهِ اتَّبَعَتْ بُولُسَ...وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: «هؤُلاَءِ النَّاسُ هُمْ عَبِيدُ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ الْخَلاَصِ»".

وهل كان كلامُها صحيحًا؟ إنَّه صحيحٌ جدًّا ... صحيحٌ جدًّا. فكلُّ ما قالته كان صحيحًا. وأريد منكم أن تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّ أخطر ساعة في حياة الكنيسة هي السَّاعة الَّتي يقول فيها الشَّيطان الحقيقة. فهو خَطَرٌ دَاهِم. وهذا هو ما يجعل المُعلِّمين الكَذَبة مُدَمِّرين جدًّا وخَطِرين جدًّا. فَهُم خَطرون وحسب عندما يقولون الحقَّ. أليس كذلك؟ فَهُم ليسوا خَطِرين عندما يَكذبون لأنَّنا نَعلم أنَّهم يَكذبون. ولكنَّهم خطرون عندما يقولون الحقيقة. لذا فإنَّ المِفتاح في أن تكون مُعلِّمًا كاذبًا هو أن تقول أكبر قدر ممكن مِن الحقيقة. ولكنَّ بولس لا يحتاج إلى ذلك، ولا يسوع. لذا فقد ضَجِرَ بُولسُ وَأَخرجَ الشَّياطين منها.

وقد أَغضبَ ذلك سَادَتَها لأنَّهم فقدوا مَورِد رِبحهم (في العدد 19): "فَلَمَّا رَأَى مَوَالِيهَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ رَجَاءُ مَكْسَبِهِمْ، أَمْسَكُوا بُولُسَ وَسِيلاَ وَجَرُّوهُمَا إِلَى السُّوقِ إِلَى الْحُكَّام". ومِن الواضح أنَّهم لم يُمسكوا تيموثاوس ولوقا لسببٍ ما. ولكنَّهم أمسكوا هَذين الشَّخصين اللَّذان كانا يَتكلَّمان. وقَالُوا: "هذَانِ الرَّجُلاَنِ يُبَلْبِلاَنِ مَدِينَتَنَا، وَهُمَا يَهُودِيَّان". إنَّها عَداوة لليهود... عَداوة لليهود. "وَيُنَادِيَانِ بِعَوَائِدَ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْبَلَهَا وَلاَ نَعْمَلَ بِهَا، إِذْ نَحْنُ رُومَانِيُّون". وهُنا تَظهر هذه العقليَّة الرُّومانيَّة الاستعماريَّة المُتعجرفة. "إنَّهما يَتعدَّيان على عاداتنا الرُّومانيَّة". ثُمَّ سادَ الحُكمُ التَّعَسُّفِيُّ. فَهُم مُجرَّد غَوغاءٍ يُريدون أن يُعاقبوهما مِن دون مُحاكمة. "فَقَامَ الْجَمْعُ مَعًا عَلَيْهِمَا، وَمَزَّقَ الْوُلاَةُ [أيِ الحُكَّامُ] ثِيَابَهُمَا وَأَمَرُوا أَنْ يُضْرَبَا بِالْعِصِيِّ". فقد سَلَّموهُما للجَلاَّدين. "فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً وَأَلْقُوهُمَا فِي السِّجْنِ، وَأَوْصَوْا حَافِظَ السِّجْنِ أَنْ يَحْرُسَهُمَا بِضَبْطٍ". ولا شَكَّ في أنَّه كان سيَخسر حياتَهُ إن هَرَبا. "وَهُوَ إِذْ أَخَذَ وَصِيَّةً مِثْلَ هذِهِ، أَلْقَاهُمَا فِي السِّجْنِ الدَّاخِلِيِّ، وَضَبَطَ أَرْجُلَهُمَا فِي الْمِقْطَرَة".

والآن، يجب أن تَفهموا ما حدث هنا. فقد تَمَّ ضَربهما للتَّوّ بقسوة شديدة بحُزمة مِن العِصِيِّ بأيدي جَلاَّدين مُحترفين حتَّى تَفَسَّخَ ظَهراهما. فقد كان ذلك الضَّربُ يؤدِّي إلى نَزفٍ شديدٍ، ويؤدِّي غالبًا إلى إلحاق الأذى بالأعضاء، ويؤدِّي غالبًا إلى تَكَسُّر فِقراتِ الظَّهر، وتَحَطُّم الأضلاع، ويمكن أن يؤدِّي إلى الموت. لذا فقد أخذوا هذين الرَّجُلَيْن المُتألِّمَيْن والنَّازِفَيْن وَهُما يَعجزان عن المشي، وطَرحوهما في زنزانة داخليَّة مُظلمة في السِّجن الدَّاخليِّ، ثُمَّ ضَبطوا أَرْجُلَهُمَا في المِقْطَرَة. وهي ليست المِقطرة الَّتي نُفَكِّر فيها. فنحن نُفَكِّر في المِقطرة الإنجليزيَّة حيث يُقحِمون يديكَ في فُتحتَيْن، ويُقحِمون رِجليكَ في فُتحتَيْن، ويُقحِمون رأسك في فُتحة فتجلس هكذا. بل إنَّ المِقطرة الَّتي كان الرُّومان يَستخدمونها كانت تَحوي مجموعة مِن الفُتحات المُتباعدة أكثر فأكثر. فبحسب حجم الشَّخص، كانوا يَسحَبون السَّاقين إلى أقصى مَدىً مُمكن ويُثَبِّتونهما في هاتين الفُتحتَيْن. ثُمَّ كانوا يَسحبون الذِّراعين إلى أقصى مَدىً مُمكن ويُثَبِّتونهما في هاتين الفُتحتين. وقد وَضعوهُما في تلك الوضعيَّة في السِّجن الدَّاخليِّ وَهُما يَتألَّمان، ويَنزفان، ويَقبعان في زنزانةٍ مُظلمة، ويُعانيان تَشَنُّجاتٍ نَعجز حتَّى عن تَخَيُّلِها. هذا عَدا عن قَذارةِ الزِّنزانة، والجُرذان بكلِّ قذارتها (أيًّا كانت). فقد كانت تلك هي الحالة. ولماذا؟ لأنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ فَقدوا رِبحهم عندما فَقدوا جاريتهم الَّتي يَسكُنها رُوحٌ نَجِس.

وبالمناسبة، هناك شَيءٌ مَا في أعماقي يَدفعني إلى الاعتقاد بأنَّ الفتاة الَّتي يَسكنها رُوحٌ نَجِس لم تَخلص جُزئيًّا، ولم تَتَحَرَّر فقط مِن رُوحٍ نَجِسٍ، بل عَرَفَت المسيح. وأرجو أن أَلتقيها في السَّماء. إذًا، لقد وَضعوهما في السِّجن. وما هو موقفهما في السِّجن؟ نقرأ في العدد 25: "وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ [وماذا؟] وَيُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا". إذًا، هل تَظُنُّ أنَّ لديك مشاكل؟ لقد وُلِدَت الكنيسة في فيلبِّي في وسط الفَرح. لقد وُلِدَت في وسط الفَرح. وسوف أقول لكم شيئًا: إنَّه فَرح لا صِلَة له بالظُّروف. فقد كانا بمفردهما. وقد كانا يَشعران بالألم. وقد أَوشَكا أن يَخسرا حياتهما. وقد كانا فَرِحَيْن. وهذا هو الفَرح. فهو ليس السَّعادة، بل هو الفَرح. إنَّه الفرح. فهو عميقٌ جدًّا وراسخٌ جدًّا حتَّى إنَّه لا يمكن لأيِّ شيءٍ أن يَمَسَّهُ. فقد اختبرا الفَرح الَّذي يَهبه الله للَّذين يؤمنون. وقد أُنشئ فيهما بواسطة الرُّوح القُدُس لأنَّهما أَظهرا استعدادَهما لإطاعة الله. وَهُوَ فَرح مُختلط بالتَّجارب. وقد كان رجاؤهُما قائمًا على المجد المُستقبليّ. لِذا فقد اختبرا ذلك الفرح.

وفي نِصف اللَّيل، بينما كانا يُسَبِّحان والمَسجونون يَسمعونَهُما، قَرَّرَ الرَّبُّ أن يَهُزَّ المكان. فقد هَزَّ المكان كُلَّه "فَانْفَتَحَتْ فِي الْحَالِ الأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَانْفَكَّتْ قُيُودُ الْجَمِيعِ" وانفتحت جميعُ المَقاطر وتَحَرَّر الجميع. وقد أدركَ السَّجَّانُ ذلك (في العدد 27) فقَرَّر أن يَقتُل نفسه عِوضًا عن يُذَلَّ أمام النَّاس عند مُحاكمته بسبب هُروب المَسجونين. وقد شَرَعَ في الانتحار، ولكنَّ بولسَ صَرَخَ بصوتٍ عظيمٍ (في العدد 28) قائلاً: "لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا! لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا!" يا له مِن قائد! يا له مِن قائد! فقد أَمَّنَ المكانَ كُلَّهُ. "فَطَلَبَ ضَوْءًا وَانْدَفَعَ إِلَى دَاخِل، وَخَرَّ لِبُولُسَ وَسِيلاَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟»" وقد تقول: "وكيفَ عَلِمَ حَتَّى كيف يَطلُب ذلك؟" رُبَّما كان قد سَمِعَ بولس يَكرِز. أو رُبَّما سَمِعَ، بل مِن المؤكَّد أنَّه سَمِعَ بولس يُرَنِّم. ومِن المؤكَّد أنَّهما كانا يُرَنِّمان مِن الكتاب المقدَّس. فهل تَعلمون ماذا كانت تلك التَّراتيل القديمة؟ لقد كانت تُشبِهُ تَرتيل قانون إيمان الرُّسُل. فهي لم تكن تلك التَّرانيم الرُّوحيَّة الَّتي تَقْشَعِرُّ لها الأبدان، بل كانت تُشبه ترنيمة "اللهُ مَلجأٌ لنا" (A Mighty Fortress is Our God) الَّتي رَنَّمناها في هذا الصَّباح. فَمِنَ المُرجَّح أنَّهما كانا يُسَبِّحانِ اللهَ بآياتٍ مِن الكتاب المقدَّس.

فقد سمع ذلك. وقد عَرَف ما يكفي. فقال: "مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟" فَقَالاَ: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ»". وهناك أشخاص يقولون: "أَترى! إنَّ الأمر بسيطٌ جدًّا. آمِن وحسب". ولكن هناك أمورًا كثيرةً في ذلك الإيمان. فما هو نوع الإيمان؟ ومَن هو الربُّ يسوع؟ والعدد 32 يقول: "وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ". فقد كان ينبغي لهما أن يُقَدِّما لهم شَرحًا كاملاً. "فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ". وقد اعتَمدوا في الحال. فقد عَمَّدَ السَّجَّانَ وكلَّ أهل بيتِه. "وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ". وهذه هي ولادة الكنيسة في فيلبِّي. إنَّها ولادة مُمَيَّزة. أليست كذلك؟ فقد ابتدأت بسيِّدة فَتحت بيتها لهم بعد أن التقوها عند ضَفَّة النَّهر، وبسجَّانٍ وعائلته في زنزانة فصاروا كنيسةً.

ونقرأ في العدد 40: "فَخَرَجَا مِنَ السِّجْن". وهل تَعلمون لماذا أطلَقوا سَراحهما؟ لأنَّهم اكتشفوا أنَّ بولس رُومانيّ فارتَعبوا بشدَّة. فقد كان رُومانيًّا. فقد كان يمكن أن يقعوا في ورطة حقيقيَّة بسبب ما فعلوه بهذا المواطِن الرُّومانِيّ. لِذا فقد قالوا: "اخرُجا وحسب مِن المدينة. رجاءً! اخرجا مِن المدينة" (في العدد 39). "اخرجا مِن المدينة. لا نُريد أن يَصِل الخَبر إلى روما". "فَخَرَجَا مِنَ السِّجْنِ وَدَخَلاَ عِنْدَ لِيدِيَّةَ، فَأَبْصَرَا الإِخْوَةَ وَعَزَّيَاهُمْ ثُمَّ خَرَجَا". فقد كانت الكنيسة الآن تَجتمع في بيت لِيديَّة. وهذه هي ولادة الكنيسة. وقد كانت تربطهم ببولس علاقة وطيدة رائعة. وقد رأوه في حالةٍ مُريعة. وقد أَحَبُّوا بولس. وقد أَحَبَّتهُ ليديَّة وأهلُ بيتها. وقد أَحَبَّ السَّجانُ وأهلُ بيتِه بولس. فقد كانت هناك علاقة وطيدة بينهم. ولم يكن هناك يهود كثيرون في ذلك المكان. لذا، لم يُضطرُّوا إلى مُعالجة مُشكلة التَّهويد. ورُبَّما كان هو السَّبب في عدم تَطَرُّق بولس إلى أيَّة مشاكل في رسالته إلى أهل فيلبِّي لأنَّ الكنيسة لم تكن تحت رَحمة المُهَوِّدين. فقد كانوا مُجَرَّد جماعة مِن المؤمنين في وسط مُجتمعٍ وَثنيٍّ. فقد كانت الخُطوطُ مَرسومة بوضوحٍ شديد. وفي كلِّ أجزاءِ هذه الرِّسالة، هناك مجموعة مِن التَّحذيرات، ومجموعة مِن النَّصائح والتَّشجيع؛ ولكنَّه لم يَتطرَّق البتَّة إلى أيِّ مشاكل. وربَّما يَرجع السَّبب في ذلك جُزئيًّا إلى حقيقة أنَّه لم يكن يوجد مَجمعٌ يهوديٌّ هناك يُهَدِّد الكنيسة.

إذًا، فقد وُلدت الكنيسة هكذا. فقد وُلدت في فَرح. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ بولس يريد أن يكتب إليهم ويقول: "والآن، انظروا! لقد ابتدأنا بفرح، وأريد أن تَعلموا أنَّه ما يزال ينبغي لنا أن نُحافظ على ذلك الفرح. لذا أريد مِن القِدِّيسين و [أرجوا أن تُلاحظوا] "والأساقفة والشَّمامسة"؛ وهُما الدَّوران اللَّذان كانا موجودين في الكنيسة مِن جهة القيادة والخدمة بحسب ما جاء في العهد الجديد. فهناك الأساقفة أو الشُّيوخ أو الرُّعاة (إذْ إنَّ المَعنى هو نفسه)، والشَّمامسة (أي جميع الَّذينَ يَخدمون بأيِّ صِفة). ولن أتطرَّق إلى ذلك. فقد تَحَدَّثنا عنه بتَفصيلٍ شديد في دراستنا لرسالتيّ تيموثاوس الأولى والثَّانية. ولكنَّه يكتب إلى هؤلاء القِدِّيسين الأحبَّاء. فقد نَمَت الكنيسة وصار يوجد فيها شيوخ وشمامسة. فقد انقضت بِضعُ سنوات، وكانت الكنيسة تَزدهر. فقد صارت لها هَيكليَّة، وصارت لها قيادة. فهناك قادة (أَي الأساقفة)، وهناك الخُدَّام (أَي الشَّمامسة). لذا فإنَّه يقول ببساطة: "أشكرُ اللهَ لأجلكم. وأنا أكتُب إليكم لأنِّي أريد أن تَعلموا عن اشتياقي وفَرحي".

وبعد ذلك بسنتين، كَتَب بولس رِسالتيه الأولى والثَّانية إلى تيموثاوس. وفي رسالتيه الأولى والثَّانية إلى تيموثاوس، يُبَيِّن بالتَّفصيل الشُّروط الَّتي ينبغي أن تَتوفَّر في الأساقفة والشَّمامسة. أمَّا هنا فيَكتفي بتقديم التَّحيَّة لهم... يَكتفي بتقديم التَّحيَّة لهم. إذًا، هؤلاءِ هُم القِدِّيسون في فيلبِّي. فقد كانوا أشخاصًا مَحبوبين. واسمحوا لي أن أتحدَّث بإيجازٍ شديدٍ وحسب عن العلاقة بينهما قبل أن أَختم حديثي. أَلا نَظرتم إلى الأصحاح الرَّابع قليلاً؟ وسوف أتحدَّث بإيجازٍ شديدٍ عن هذا الأمر. فهو يقول في العدد 10: "ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِالرَّبِّ جِدًّا لأَنَّكُمُ الآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضًا مَرَّةً اعْتِنَاؤُكُمْ بِي الَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ". فقد أرسلوا إليهِ عَطِيَّةً. فقد أَرسلوا إليهِ عَطِيَّةً. ولكنَّهم كانوا يفعلون ذلك دائمًا. انظروا إلى العدد 16: "فَإِنَّكُمْ فِي تَسَالُونِيكِي أَيْضًا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ [عَطِيَّةً]... لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ الْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ الثَّمَرَ الْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ". فقد كانت هذه الكنيسة تُرسل إليه دائمًا عَطايا. فمؤمنو فيلبِّي هُمُ الوحيدون الَّذينَ كانوا يُرسلون إليه العَطايا عندما انتقلَ ووصل إلى كورِنثوس عن طريق أثينا (في رسالة كورِنثوس الثَّانية 11: 9). ومؤمنو فيلبِّي هُمُ الَّذينَ أرسلوا إليه عَطِيَّةً في تسالونيكي. ومؤمنو فيلبِّي هُمُ الَّذينَ أرسلوا إليه عَطيَّة الآن؛ رُبَّما مع وصول أَبَفْرُودِتُس. فقد كانوا يُحِبُّوه. وقد عَبَّروا عن محبَّتهم بتقديم العطايا إليه.

وقد مَرَّت سنوات منذ وُصول آخر عَطِيَّة. وهناك مَن يعتقد أنَّها سِتُّ سنوات. وَهُوَ يَتَسَلَّم عَطيَّةً أخرى. وَهُوَ يَكتب هذه الرِّسالة لكي يَشكرهم على العطيَّة، ولكي يقول لهم: "لا تَقلوا عليَّ. فأنا فَرِح... أنا فَرِح". فقد كانوا كنيسةً سَخِيَّة. وربَّما كانوا مِن بين أفقر النَّاس في مَكِدونيَّة مِمَّن يُعطون بالرَّغم مِن فَقرهم الشَّديد (كما نَرى مِن خلال رسالة كورِنثوس الثَّانية 8: 1-5). فمِن المؤكَّد أنَّهم كانوا كذلك. وقد كان يُحِبُّ هؤلاء الأشخاص محبَّةً شديدة. وَهُوَ يقول في الأصحاح الثَّاني والعدد 24: "عندما أَخرج مِن السِّجن، سآتي لزيارتكم". وأعتقد أنَّه فعل ذلك. فمِن الواضح أنَّه فعل ذلك. فعندما خَرج مِن سِجنه، أي مِن هذا السِّجن، ذهب إلى أفسُس، وأَوصى تيموثاوس أن يَهتمَّ بأحوال كنيسة أفسُس، وانطلقَ وذهبَ إلى فيلبِّي. وأعتقد أنَّه كَتَبَ مِن فيلبِّي رسالته الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تِيطُس. ثُمَّ إنَّه كَتبَ رسالته الثَّانية إلى تيموثاوس عندما قبضوا عليه وسَجنوه. وكان أَبَفْرُودِتُس قد جاء وَهُوَ يَحمل العَطيَّة. ومِن المؤسف أنَّ أَبَفْرُودِتُس قد أُرسِل لتشجيع بولس، ولكنَّ بولس كان قلقًا على أَبَفْرُودِتُس ومؤمني فيلبِّي حتَّى إنَّه أَرسله إليهم مَرَّةً أخرى؛ رُبَّما حامِلاً هذه الرِّسالة. فقد أراد أن يَعلموا وحسب أنَّه على ما يُرام ... أنَّه على ما يُرام.

وهذا يَقودُنا إلى التَّحيَّة الافتتاحيَّة. ولسنا في حاجة إلى التَّحدُّث مُطَوَّلاً عنها. هل تَرونَها؟ "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهذه مُجرَّد تَحيَّة. نِعمةٌ ("كاريس" – “charis”)، وسَلامٌ ("إيريني" – “Eirene”)؛ وفي العِبريَّة: "شَلوم" (shalom). أَتمنَّى لكم النِّعمة، وأتمنَّى لكم السَّلام. والنِّعمة هي هِبَة مِن الله. والسَّلام هو النَّتيجة. فبسبب النِّعمة، نَنعُم بالسَّلام. أتمنَّى لكم النِّعمة، وأتمنَّى لكم السَّلام. والمَصدرُ هو اللهُ الآبُ. والمَصدرُ هو الربُّ يسوعُ المسيح. أتَمنَّى لكم الأفضل. وهي تَحيَّة مألوفة. فهو يَستخدمها في رسالة رومية 1: 7، ويَستخدمها في رسالة كورنثوس الأولى 1: 3، وفي رسالة كورنثوس الثَّانية 1: 2، وفي رسالة كولوسي 1: 3، وفي رسالة أفسُس 1: 2، وفي رسالة تسالونيكي الثَّانية 1: 1، وفي رسالته إلى فِليمون 1: 2 و 3. فهي تَحيَّة مألوفة. ولكنَّه يقول فيها باختصار: أريدُ الأفضل لكم... أريد الأفضل لكم... أفضل ما اختارَهُ اللهُ لكم. وكما تَرون، نحنُ هنا أمام رَجُلٍ يَهتمُّ بالآخرين، ويَنسى نَفسَه بسبب اهتمامه بالآخرين. وهو يَكتُب إليهم ليقول: "شكرًا لكم على عَطيَّتكم. أنا لستُ بحاجة إليها، ولكنِّي مسرورٌ جدًّا لأنَّكم تُحِبُّونَني كلَّ هذا الحُبّ. أشكركم لأجل إرسال أَبَفْرُودِتُس، ولكنِّي أُرسله إليكم مَرَّةً أخرى لأنَّكم بحاجة إليه أكثر مِنِّي أنا. لا تَقلقوا عَليَّ. فأنا فَرِح".

استمعوا إلى هذا. فهو يقول في الأصحاح الأوَّل: "لقد خَيَّبَ أُناسٌ ظَنِّي، ولكنِّي فَرِح". وَهُوَ يقول في الأصحاح الثَّاني: "لقد أَحبَطَتني الخُطط نوعًا ما. سوف أُرسِل أَبَفْرُودِتُس، وسوف أُرسِل تيموثاوس. وسوف أبقى بمفردي. ولكنِّي ما زلتُ فَرِحًا". وفي الأصحاح الثَّالث: "لقد فَقدتُ كُلَّ ما أَملِك؛ ولكنِّي ما زلتُ فَرِحًا". وفي الأصحاح الرَّابع: "أنا أَمُرُّ بظروفٍ قاسية جدًّا؛ ولكنِّي ما زلتُ فَرِحًا". فهذه هي رسالتُه. وسوف نَعلَم مِن خلال هذه الأصحاحات الأربعة أنَّ النَّاسَ سيُخَيِّبون أَمَلَك، وأنَّ الخُططَ ستُحبطُك، وأنَّ المُمتلكاتِ ستُحبطُك، وأنَّ الظُّروفَ ستُحبطُك. ولكنَّ هذا كُلَّه لا يعني البتَّة أن تفقد فَرَحَك. وقبل أن نَنتهي، ستَفهم السَّبب. دعونا نَحني رؤوسَنا معًا لكي نُصَلِّي:

يا أبانا، نَحن نؤمن في قلوبنا بأنَّ هذه هي أَرَقُّ رسالة مِن بين جميع الرَّسائل. فهي رسالة مُفعَمة بالفَرح. وصلاتي، يا رَبُّ، هي أن تَنشُرَ الفَرح في كنيستنا. نَرجوك أن تَمْنَحنا ذلك لكي نَفرح فَرَحًا لا يُنطَق به، ولا يُعَبَّر عنه، ومَجيدًا جدًّا. باسم المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize