لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسةَ الآنَ على رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني. فقد تأمَّلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ في العَدَدَيْن 12 و 13؛ رسالة فيلبِّي 2: 12 و 13. وهذا جُزءٌ مِن دِراستِنا لهذهِ الرِّسالةِ العَظيمة. وإذْ نَتأمَّلُ في هذا النَّصِّ، اسمَحوا لي أن أُعطيكُم فِكرةً سَريعةً عنِ السِّياقِ كي أُساعِدَكُم على تَركيزِ أفكارِكُم في هذا الصَّباح. لقد كُنتُ وَما زِلْتُ مَفتونًا عَبْرَ السِّنين بالدِّياناتِ المَوجودةِ في العَالَم. وما زِلتُ أَذكُرُ عندما كُنتُ في المَرحلةِ الإعداديَّةِ العُليا في المَدرسةِ أنِّي كُنتُ أرغبُ في كِتابةِ بَحثٍ عنِ العَالَمِ البُوذِيِّ لأنِّي كُنتُ أشعُرُ بفُضولٍ شَديدٍ بشأنِ الدِّياناتِ الباطِلَة. وخِلالَ أيَّامِ دِراسَتي في الجامِعَةِ وكُليَّةِ اللاَّهوتِ، ومُنذُ ذلكَ الحِين فِصاعِدًا، صِرْتُ مُهتمًّا جدًّا وبصورةٍ دائمةٍ بالأنظمةِ الدِّينيَّةِ الزَّائفة.
وواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي اتَّضَحَتْ لي عَبْرَ السِّنين هُوَ أنَّ الشَّيءَ الَّذي تَتَّسِمُ بِهِ الآلهةُ البَاطِلَةُ في هذا العالَمِ هُوَ أنَّها بَعيدة، ونَائِيَة، ومَعزولَة، وغير شَخصيَّة. فأغلبيَّةُ هذهِ الآلِهَة تَقومُ في الحَقيقة على فِكرةِ الخَوفِ حيثُ إنَّها ليست آلِهَة حَقيقيَّة، وحيثُ إنَّها غير مَوجودَة في الحَقيقة. فهي مِنَ ابتِكارِ البَشَر. وحيثُ إنَّ البَشرَ يَعيشونَ كُلَّ حَياتِهم في عُبوديَّةٍ للخَوفِ مِنَ المَوتِ، فإنَّ تلكَ الآلِهَةَ هي في أغلبِ الأحيانِ مِنَ ابتِكارِ أُناسٍ يَعيشونَ في خَوف. ويُخبرُنا العهدُ القديمُ أنَّهُ عندما يَصْنَعُ النَّاسُ آلِهَتَهُم فإنَّ الشَّياطينَ تُجَسِّدُ تلكَ الآلِهَةَ الَّتي صَنَعَها البَشَرُ وتَفعلُ العَديدَ مِنَ الأشياءِ الخَارقةِ للطَّبيعةِ مِن أجلِ إبقاءِ النَّاسِ مُستعبَدينَ للآلهةِ الَّتي صَنَعوها بأيديهِم. ولكنَّ السِّمَةَ المُشترَكَةَ بينَ هذهِ الآلِهَةِ الَّتي هِيَ مِنْ صُنْعِ البَشَرِ في الدِّياناتِ الكُبرَى في العَالَمِ هي أنَّها غير شَخصيَّة. ولأنَّ وُجودَها قائِمٌ على عَامِلِ الخَوف، لا يُعقَلُ أن يَكونَ هُناكَ شَوقٌ مِن جَانبِ المُتَعَبِّدِ في وُجودِ عَلاقةٍ بينَهُ وبينَ ذلكَ الإلَه. فالقَلبُ لا يَتوقُ إلى وُجودِ شَرِكَة معَ ذلكَ الإلَه. فالإلَهُ لا يُصَوَّرُ بأنَّهُ إلَهٌ يَسعَى إلى أيَّةِ عَلاقَة بينَهُ وبينَ المَخلوق. لِذا فإنَّ الآلِهَةَ تُصْنَعُ بِدافعٍ واحدٍ فقط وَهُوَ الاستِرضاء لكي يَتجنَّبَ البَشَرُ المَوتَ المَحتومَ الَّذي يَخافونَ مِنهُ كَثيرًا جدًّا.
ورُبَّما كانَ أَوضَحُ مَثَلٍ على ذلكَ مَوجودًا في الدِّيانةِ الهِندوسيَّةِ الَّتي تَستَعبِدُ نَحوَ مِليارِ شَخصٍ حَولَ العالَم. وفي تَعليمِ الهِندوسيَّة المُدَوَّن في "الفيدا" (veda)؛ وهي أقدَمُ الكِتاباتِ المُقدَّسةِ الهِندوسيَّةِ، فإنَّ اللهَ الخَالِقَ المُطلَقَ يُسَمَّى "براهمان" (Brahman). فهذا هو الإلَهُ الأعلَى الَّذي يَنبُعُ مِنهُ كُلُّ شَيءٍ في الهِندوسيَّة. ورُبَّما تَرغبونَ في مَعرفةِ القليلِ عن "براهمان" أو "براهما"؛ وَهُما اسمانِ لإلَهٍ واحِد.
أوَّلاً، إنَّ "براهمان" ليسَ شَخصًا. فبراهمان ليسَ رُوحًا شَخصيًّا، بل هو واقِعٌ مُجَرَّدٌ غيرُ قابِلٍ للمَعرفة. وبراهمان مَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ في كُلَّ الأوقاتِ؛ ولكن لا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يَراهُ، أو يَمَسَّهُ، أو يَسمَعَهُ، أو يَذوقَهُ، أو يَشُمَّهُ، أو يَختبرَ حُضورَ براهمان. وتُخبرُنا الأسفارُ الهِندوسيَّة أيضًا أنَّ براهمان لا يُمكِنُ مَعرفتُه؛ لِذا فإنَّهُ غيرُ مَعروف. وعليهِ فإنَّ كُلَّ الطُّرُقِ المُؤدِّيةِ إلى الإلَهِ هي طُرُقٌ ناقِصَة، وكُلَّ المُحاولاتِ لِوَصفِ الإلهِ هي مُحاولاتٌ غير مُجدِيَة وَعَقيمَة. فهو لا يُمكِنُ وَصفُهُ، أو يَعسُرُ وَصفُهُ وتَعسُرُ مَعرفتُه. ولا تُوجَدُ صِفاتٌ أدبيَّةٌ لبراهمان. فيُمكنُني أن أقولَ لكم إنَّ براهمان لا يَمْلِكُ أيَّ صِفاتٍ البَتَّة. وكيفَ يُمكِنُ لأيِّ شَيءٍ مَوجود وليسَت لَهُ صِفات أن يَكونَ مَفهومًا بالنِّسبةِ إليَّ! ولن أَنْسَ مَا حَيِيت اللاَّفتةَ الَّتي رأيتُها في مَعبَدٍ هِندوسِيٍّ في "دِلهي" (Delhi) والَّتي تَقول: "اللهُ عَديمُ الصِّفات". لِذا فإنَّ براهمان لا شَيء. فَلا تُوجَد لَهُ سِماتٌ، ولا مَزايا، ولا صِفات.
كذلكَ فإنَّ الأسفارَ المُقَدَّسَةَ الهِندوسيَّةَ تُعَلِّمُ أنَّ براهمان ليسَ مُقَدَّسًا وليسَ غيرَ مُقَدَّس، وليسَ مُحِبًّا وليسَ غيرَ مُحِبٍّ، وليسَ عَادِلاً وليسَ غيرَ عَادِلٍ. ويَرتبِطُ بذلكَ الإلَهِ الزَّائلِ وغيرِ الأدبيِّ الَّذي يُدعَى براهمان إلهانِ آخرانِ؛ الأمرُ الَّذي يَعني وُجودَ ثَالوثٍ هِندوسِيٍّ. فهُناكَ أيضًا "فيشنو" (Vishnu) الَّذي يُدعَى "الحَافِظ"، وَ "شيفا" (Shiva) الَّذي يُدعَى: "المُدَمِّر". ومِن تلكَ الآلهةِ يَتَفَرَّعُ نَحو 330 مَليونَ إلَهٍ آخَر. والخَالِقُ بَراهمان [الَّذي هُوَ مَصدرُ كُلِّ هذا] هو إلَهُ غيرُ شَخصيٍّ. فهو إلَهٌ غيرُ شَخصيٍّ البَتَّة، ويَتفرَّعُ مِنهُ بَقيَّةُ الآلهةِ الَّذينَ هُم غيرُ شَخصيِّينَ، ولا يَرتَبِطونَ بالنَّاسِ، ولا يُبالونَ بأحدٍ، ومُنعَزِلونَ تَمامًا عنِ العَالَمِ المَخلوق.
والآن، إنَّ مَا يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إلى الشَّخصِ الهِندوسِيِّ هُوَ أنَّ هذهِ الآلهةَ الَّتي يُفترَضُ أنَّ لَديها مَشيئَة، والَّتي يُفتَرَضُ أنَّها تُهَيمِنُ إلى حَدٍّ مَا، ولديها قَواعِد سُلوكيَّة للبَشَر لا تَتدخَّل البَتَّة في مُساعدةِ البَشرِ على القيامِ بما يَنبغي لَهُم القيامُ بِهِ. لِذا فإنَّ الخُلاصَةَ هي أنَّ الهِندوسِيِّينَ يُشبِهونَ بَقيَّةَ النَّاسِ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى الدِّياناتِ الباطلةِ في العَالَمِ في أنَّهُم مَتروكونَ لِعَيشِ حَياتِهِم مِن دُونِ أيَّة مُساعَدة مِن أيِّ إلَه. وأفضلُ شَيءٍ يُمكِنُكَ القِيامُ بِهِ هُوَ إرضاءُ الإلهِ على أَملِ أَلاَّ يَعْمَدَ ذلكَ الإلَهُ إلى إهلاكِكَ أو قَتْلِك. ولكنَّ الشَّيءَ المُؤكَّدَ هو أنَّكَ لن تَتمكَّنَ مِن الارتباطِ بأيَّة عَلاقَة بالإلَهِ ولا أن تَتوقَّعَ مِنهُ أن يُساعِدَكَ في التَّغَلُّبِ على المُشكلاتِ في حَياتِك.
وهذا مُناقِضٌ تَمامًا لإلَهِ الكتابِ المقدَّس. فإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ هُوَ أُقنومٌ. وإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ هُوَ رُوحٌ شَخصيٌّ. وإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ يَعمل شَخصيًّا معَ مَخلوقاتِه. وإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ يَسعى إلى الارتباطِ بعَلاقةٍ شَخصيَّةٍ معَ الرِّجالِ والنِّساء. وإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ يأتي ليَسكُنَ في داخلِ المؤمنينَ حيثُ يَتَّخِذ لَهُ مَكانًا وبَيتًا. وإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ يَجِدُ شِبَعًا عَميقًا وفَرَحًا عَظيمًا في مُساعدةِ المؤمنِ على تَنفيذِ مَشيئتِه. لِذا فإنَّ المَسيحيَّةَ مُختلفةٌ كُلَّ الاختلافِ عن كُلِّ تلكَ الدِّياناتِ الَّتي نَرى فيها أنَّ الآلهةَ ليسَت شَخصيَّةً البتَّة، وأنَّها مُنفصلة عنِ النَّاسِ، وأنَّ أحدًا لا يَطلُبُ مُساعَدَتَها ولا يَسعى إليها.
ولكنَّ إلَهَ الكتابَ المقدَّسِ على العَكسِ تَمامًا. فهو يُحِبُّ، ويَهتمُّ، ويَسكُنُ في داخلِ المُؤمِنِ ليَجعلَ حَياةَ ذلكَ المُؤمن تُعَبِّرُ تَعبيرًا حَقيقيًّا عَن مَشيئَتِهِ. وإلَهُ الكتابِ المقدَّسِ ليسَ قُوَّةً وحَسْب، وليسَ صَنَمًا مِن صُنعِ البَشَر، وليسَ إلهًا يَطلُبُ مِنَ النَّاسِ الضُّعَفاءِ أن يَفعلوا أمورًا لا يَستطيعونَ فِعلَها، ثُمَّ يَسحَقُهُم بسببِ عَدمِ انصِياعِهِم لَهُ. بل إنَّ إلَهَ الكتابِ المقدَّسِ إلَهٌ مُحِبٌّ، وإلَهُ يَهتمُّ بمَخلوقاتِهِ، وإلَهُ شَخصيٌّ يَطلُبُ مِنَ البَشرِ أن يَفعلوا أمورًا لا يَقدِرونَ عليها؛ ولكنَّهُ يأتي ويَسكُنُ فيهم لكي يُنَفِّذَ طِلباتِهِ مِن خِلالِ نَفسِ الأشخاصِ الَّذينَ طَلَبَ ذلكَ مِنهُم.
لِذا فإنَّنا نَحنُ المَسيحيِّينَ مُختلفونَ عن بَقيَّةِ العَالَمِ [أيْ عن بَقيَّةِ العَالَمِ المُتَدَيِّن] لأنَّ لَدينا امتيازًا عَظيمًا يَتَمَثَّلُ لا فقط في أنَّنا نَعبُدُ إلهَنا، بل لأنَّ إلَهَنا يَسكُنُ فينا، ولأنَّنا نَرتبِط بعلاقةٍ حَميمةٍ بإلَهِ الكَونِ الحَقيقيِّ. فهو يَسكُنُ مَعَنا وفينا. ونحنُ نَتحدَّثُ إليه. ونحنُ نَسمَعُهُ يَتكلَّم. ونحنُ نَختبِرُ التَّعزِيةَ والتَّشجيعَ والإرشادَ والتَّوجيهَ النَّابِعَ مِن حُضورِه. والعَهدُ القَديمُ يُعلِنُ أنَّ هذا الإلَهَ هُوَ إلهُنا. وعندما يَصِفُ العهدُ القديمُ اللهَ فإنَّهُ يَصِفُهُ عَامَّةً كَما لو كانَ شَخصًا. وأفضلُ طَريقةٍ يَعرِفُها الإنسانُ لِفَهمِ أيِّ شَخصٍ هي أن يُطلِقَ على ذلكَ الشَّخص صِفاتٍ شَبيهةً بصِفاتِ الإنسان. ونحنُ نُسَمِّي ذلكَ: "التَّأنيسيَّة"؛ أيْ وَصْفُ اللهِ بِصِفاتٍ بَشريَّة. وقد قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ: "إن قَرأتَ العهدَ القديمَ، قد تَستنتِجُ أنَّ اللهَ هُوَ ’إنسانٌ خَارِق‘ لأنَّ الاحِتفاءَ بِشَخصِهِ يَتِمُّ باستخدامِ ألفاظٍ تَربِطُهُ بالبَشرِ لأنَّهُ إلَهٌ مُرتَبِطٌ جدًّا بالبَشر". فمثلاً، يَتحدَّثُ كُتَّابُ العهدِ القديمِ عنِ اللهِ ويقولونَ إنَّهُ يَتكلَّم، وإنَّهُ يَسمَع، وإنَّهُ يَرى، وإنَّهُ يَشُمُّ، وإنَّهُ يَتَنفَّس. وحَتَّى إنَّ الآية إشعياء 5: 26 تَتحدَّثُ عنِ اللهِ وتقولُ إنَّهُ يَصْفِرُ. وَهُم يَتحدَّثونَ عنِ اللهِ ويقولونَ إنَّ لَهُ قَلبٌ، ويَتحدَّثونَ عن وَجهِ اللهِ، وعَينيِّ اللهِ، وأُذُنَيِّ اللهِ، وأنفِ اللهِ، ويَديِّ اللهِ، وسَاقَيِّ اللهِ، وقَدَمَيِّ اللهِ، وذِراعَيِّ اللهِ. وَهُم يَقولونَ إنَّهُ يَمشي. وهو يَذهبُ إلى الحَرب. وَهُم يَقولونَ إنَّهُ يُحِبُّ، ويَكرَهُ، ويَطلُبُ، ويَدينُ، ويَبكي، ويَضحكُ، ويُعَزِّي، ويَهتمُّ. وكُلُّ ذلكَ يَضَعُ اللهَ في خَانَةِ الشَّخص. فاللهُ شَخص. لِذا فإنَّهُ يُوصَفُ تَقريبًا كما لو أنَّهُ إنسانٌ عَظيم. وحَتَّى إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخبرُنا أنَّ مُوسَى تَكَلَّمَ إلى اللهِ وَجهًا لِوَجه، وأنَّهُ تَكَلَّمَ إليهِ فَمًا لِفَمٍ. ونَقرأُ في سِفْر الخُروج 33: 11 أنَّ مُوسَى كانَ يُكَلِّمُ اللهَ "كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ". فهو شَخصيٌّ جدًّا، وحَميمٌ جدًّا.
وفي المَزمور 18 (على ما أَظُنّ)، نَجِدُ دَليلاً مِنَ الأَدِلَّةِ الرَّائعةِ والعَظيمةِ والبَديعةِ على انخِراطِ اللهِ الشَّخصيِّ في حَياةِ خَاصَّتِه. انظروا مَعي إلى المَزمور 18 لأنِّي أعتقدُ أنَّ هذا الحَقَّ هُوَ حَقٌّ غَنِيٌّ يَنبغي لَكُم أن تُدركوهُ في قُلوبِكُم وأذهانِكُم. ففي المَزمور 18، ابتداءً مِنَ العَددِ السَّادسِ، نَجِدُ أنَّ المُرَنِّمَ كانَ في ضِيقٍ شَديد. وهو يَقولُ في ضِيقِهِ: "دَعَوْتُ الرَّبَّ". فهذه ليسَت عَلاقةٌ قائمةٌ على الخَوف، بل هي عَلاقة قائمة على المَحبَّة والعَوْن. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ دَعا الرَّبَّ وصَرَخَ إلى إلَهِهِ. "فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ". فصُراخي إليهِ طَلَبًا للعَونِ دَخَلَ أُذُنَيْه. والآن، ها هُوَ المُرَنِّمُ في ضِيق، ويُحاولُ أن يُرَتِّبَ أُمورَ حَياتِهِ. وهو يَصرُخُ إلى اللهِ طَلَبًا للعَون. والآن، أَلاَ لاحَظتُم مِن فَضلِكُم التَّجاوُب: "فَارْتَجَّتِ الأَرْضُ وَارْتَعَشَتْ، أُسُسُ الْجِبَالِ ارْتَعَدَتْ وَارْتَجَّتْ لأَنَّهُ غَضِبَ. صَعِدَ دُخَانٌ مِنْ أَنْفِهِ، وَنَارٌ مِنْ فَمِهِ أَكَلَتْ. جَمْرٌ اشْتَعَلَتْ مِنْهُ. طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيَاحِ. جَعَلَ الظُّلْمَةَ سِتْرَهُ. حَوْلَهُ مِظَلَّتَهُ ضَبَابَ الْمِيَاهِ وَظَلاَمَ الْغَمَامِ. مِنَ الشُّعَاعِ قُدَّامَهُ عَبَرَتْ سُحُبُهُ. بَرَدٌ وَجَمْرُ نَارٍ. أَرْعَدَ الرَّبُّ مِنَ السَّمَاوَاتِ، وَالْعَلِيُّ أَعْطَى صَوْتَهُ، بَرَدًا وَجَمْرَ نَارٍ. أَرْسَلَ سِهَامَهُ فَشَتَّتَهُمْ، وَبُرُوقًا كَثِيرَةً فَأَزْعَجَهُمْ، فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْمِيَاهِ، وَانْكَشَفَتْ أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِكَ يَا رَبُّ، مِنْ نَسْمَةِ رِيحِ أَنْفِكَ. أَرْسَلَ مِنَ الْعُلَى فَأَخَذَنِي. نَشَلَنِي مِنْ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. أَنْقَذَنِي مِنْ عَدُوِّي الْقَوِيِّ، وَمِنْ مُبْغِضِيَّ لأَنَّهُمْ أَقْوَى مِنِّي. أَصَابُونِي فِي يَوْمِ بَلِيَّتِي، وَكَانَ الرَّبُّ سَنَدِي. أَخْرَجَنِي إِلَى الرُّحْبِ. خَلَّصَنِي..." [ثُمَّ إليكُم الفِكرة الرَّئيسيَّة] "...لأَنَّهُ سُرَّ بِي".
هذهِ هي العَلاقَة. فَنحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ مُرتبِطًا باللهِ. وعندما صَرَخَ ذلكَ الرَّجُلُ إلى اللهِ، تَأثَّرَ الكَونُ كُلُّهُ لأنَّ اللهَ يَعملُ نِيابَةً عنِ ابنِهِ المَحبوب. هذا هُوَ إلهُنا! فهو ليسَ إلهًا مِن دُونِ صِفات، وليسَ إلهًا لا يُبالي ولا يُوجَد كِيانٌ لَهُ؛ بل هُوَ إلَهٌ مُحِبٌّ يَعتني جدًّا بأولادِهِ حَتَّى إنَّهُ يُزَعزِعُ السَّماواتِ والأرضَ إنِ اقتَضى الأمرُ ذلكَ لكي يَرفَعَ واحِدًا مِن أولادِهِ الأحبَّاء.
وفي المَزمورِ السَّادسِ والخَمسين والعَددِ الثَّامِن، نَقرأُ أنَّ المُرَنِّمَ قالَ إنَّ اللهَ يَجعَلُ دُموعَهُ في زُجاجَة. والكلمة المُستخدَمَة هُنا بمَعنى زُجاجة تَعني زِقَّ خَمْر. وقد كانَ زِقُّ الخَمْرِ وِعاءَ كَبيرًا. فالمُرَنِّمُ يَقولُ: إنَّ اللهَ يَتَحَنَّنُ كثيرًا عَلَيَّ حَتَّى إنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ دُموعي ويَحفظُها في زِقٍّ. ولا بُدَّ أنَّهُ كانَ زِقًّا كَبيرًا لأنَّ المُرَنِّمَ ذَرَفَ دُموعًا كَثيرة. ومنْ هُوَ هذا الإلَهُ الَّذي يَجمَعُ دُموعَ أبنائِهِ الأحبَّاء ويَحفظُها ذِكرى لآلامِهم وحُزنِهم وكَرْبِهم؟ إنَّهُ إلَهٌ شَفوق. وهو إلَهٌ يُبالي. وهو إلَهٌ مُحِبٍّ. وهو إلَهٌ شَخصِيٌّ. ومعَ أنَّهُ ليسَ إنسانًا عَظيمًا، يُمكنُنا أن نَتحدَّثَ عنهُ بألفاظٍ تُعَبِّرُ عن لَمْسَتِهِ الشَّخصيَّة.
فاللهُ شَخصيٌّ. وهو يَرتبطُ بعَلاقةٍ ثابتةٍ بِنا. ونحنُ نَختبِرُ مِلْءَ تلكَ العَلاقةِ في كُلِّ يَومٍ مِن أيَّامِ حَياتِنا، وفي كُلِّ صَلاحٍ نَعمَلُه. فلو لم يَكُنِ اللهُ يَعمَلُ فينا لَما كُنَّا نَستطيعُ أن نَعملَ كُلَّ ذلكَ لِمَجدِهِ وَتَسبيحِه. والحقيقةُ هي أنَّ كُلَّ الجُهدِ المُشار إليهِ في العَدد 12، إنْ نَظرنا إلى رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني، أنَّ كُلَّ الجُهدِ المُشار إليه في العدد 12 سيكونُ بِلا فائدة لَولا ما جاءَ في العَدد 13. فَلَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في العَدد 12: "إِذًا [يا إخوَتي، أو] يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ". وهذا التَّتميمُ لن يَكُنْ مُمكِنًا لولا أنَّ العَددَ 13 يَقول: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ". والتَّوازُنُ البَديعُ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ والنُّموِّ الرُّوحيِّ والقَداسةِ يَكْمُنُ في أنَّ المُؤمِنَ يَعمَلُ على الخَارِج، وأنَّ اللهَ يَعمَلُ في الدَّاخِل. وهذا تَوازُنٌ رَائعٌ. فهو يَتطلَّبُ مِنِّي أن أبذُلَ كُلَّ جُهدٍ لَديَّ [كما رأينا]؛ ولكنَّهُ يَتطلَّبُ مِنهُ أن يُقَدِّمَ كُلَّ ما عِندَهُ أيضًا. ولو أرَدنا أن نَعملَ بمُفردِنا لما حَقَّقنا أيَّ شيءٍ البَتَّة.
ولكِنْ ما أروعَ أن يَعملَ اللهُ فينا لتَتميمِ مَسَرَّتِهِ، ولِتَنفيذِ ما يَطلُبُهُ مِنَّا. فهذا هُوَ مَجْدُ الحَياةِ المَسيحيَّةِ؛ أيْ أنَّ اللهَ يَدعونا إلى الطَّاعَةِ ثُمَّ يَحْفِزُ تلكَ الطَّاعةَ فينا. واللهُ يَدعونا إلى القَداسَةِ ثُمَّ يَحْفِزُ تلكَ القَداسَةَ فينا. واللهُ يَدعونا إلى الخِدمةِ ثُمَّ يَحْفِزُ تلكَ الخِدمة فينا مِن خلالِ قُوَّتِهِ وحُضورِه. فنُمَوُّكم الرُّوحيُّ، ونُضْجُكُم الرُّوحيُّ، وقَداسَتُكُم، وتَشَبُّهُكم المُستمرُّ بالمَسيحِ يَتطلَّبُ مِنكُم أن تَبذُلوا كُلَّ جُهدٍ مُمكِنٍ؛ ولكنَّهُ يَتطلَّبُ أيضًا أن يَعملَ اللهُ عَمَلَهُ الكَامِلَ فيكُم. وهذا هُوَ تَفَرُّدُ المَسيحيَّة: "المَسيحُ فيكُم رَجاءُ المَجد". فاللهُ يَسكُنُ في المُؤمِن. وهكذا نَعيشُ حَياتَنا المسيحيَّة.
والآن، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ العَددَ الثَّاني عشرَ تَحَدَّثَ عنْ تَتميمِ المُؤمِنِ خَلاصَهُ. والآن، نَأتي إلى العَدد 13 إذْ سنَتحدَّثُ عن عَمَلِ اللهِ فينا. وعندما نَتأمَّلُ في العَدد 13، يبدو أنَّ الجُملةَ هُنا جُملةٌ بسيطة؛ ولكنَّها تَزْخُرُ بالحَقِّ العَميق. فكُلُّ ما تَقولُهُ هُوَ: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". لقد نَظرتُ إلى هذهِ الآية المَرَّة تِلو المَرَّة فابتدأتُ أَرى أنَّها تَحوي خَمسَ حَقائق جَوهريَّة على الأقل عنِ اللهِ يَنبغي لنا أن نَفهمَها لأنَّها ستَجعلُ هذهِ الجُملةَ حَيَّة حَقًّا. "لأنَّ اللهَ هُوَ العَامِلُ فيكُم". يا لَها مِن جُملةٍ رائعة! ويا لها مِن حَقيقةٍ عَظيمة! فاللهُ يَقول: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" – لا شَيءَ البَتَّة. فاللهُ هو الَّذي يَفعلُ كُلَّ شَيء. وفي إنجيل يوحنَّا 15: 4، قالَ يَسوع مَا مَعناه: "إن حاولتُم أن تَفعلوا شَيئًا مُثمِرًا، ينبغي أن تَكونوا ثابتينَ في الكَرْمَة لأنَّكُم إن لم تَثبُتوا في الكَرمة لن تَحصُلوا على مَصدرِ الحياةِ الَّذي يُعطي ثَمَرًا. بِدوني لا تَقدرونَ أن تَفعَلوا شَيئًا". وفي الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورنثوسَ والأصحاحِ الثَّاني عشر، بينما كانَ بولسُ يَتلقَّى وَحْيًا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ بشأنِ مَواهبِ وخدماتِ الرُّوحِ القُدُس، فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ السَّادس: "وَأَنْوَاعُ أَعْمَال مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ". فأيُّ شَيءٍ يَعملُ في حَياتِكُم لِمَجدِهِ هُوَ مِنهُ. فهو يَعملُ فيكُم، وفِيَّ، وفي جَميعِ أولادِهِ. لِذا فإنَّ الآية 2كورنثوس 3: 5 تَقول: "لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا... بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللهِ". فَهُوَ الَّذي يَعملُ فينا. يا لها مِن فِكرةٍ رائعة!
والآن، أريدُ منكم أن تُرَكِّزوا على خَمسةِ عَناصِر في تلكَ الفِكرة. وهي بسيطة جدًّا وتُرَكِّزُ على ذاكَ الَّذي يَعملُ فِينا. أولاً، لنُلاحِظ شَخصَهُ... شَخصَهُ. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 13 أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَعمَل. إنَّهُ اللهُ. والنَّصُّ الحَرفيُّ يَقولُ في اللُّغةِ اليونانيَّة: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ". فالعامِلُ هُوَ اللهُ. والتَّركيزُ على الله. فالحقيقةُ الدَّامغةُ والعَجيبةُ هي أنَّ الَّذي يَعملُ فينا هُوَ اللهُ؛ أيْ نَفْسُ اللهِ الَّذي خَلَقَ الكَون. فهو شَخصيٌّ إلى هذا الحَدِّ، وقَريبٌ إلى هذا الحَدِّ، ويَهتمُّ إلى هذا الحَدِّ حَتَّى إنَّهُ يَعملُ حَرفيًّا فينا. فنحنُ لا نَستطيعُ أن نَتَّكِلَ على مَوارِدِنا البَشريَّة على الرَّغمِ مِن أنَّ اللهَ أعطانا الكَثيرَ مِن جِهةِ الخَليقةِ، والكَثيرَ مِن جِهةِ الخَليقةِ المَفديَّةِ للعملِ فينا. ولكنَّنا لا نَستطيعُ أن نَتَّكِلَ على مَوارِدِنا البَشريَّة. وحَتَّى إنَّنا لا نَستطيعُ أن نَتَّكِلَ على إخوتِنا وأخواتِنا في المَسيحِ على الرَّغمِ مِن أنَّ جَسدَ المسيحِ يَخدِمُ بَعضُهُ بَعضًا خِدمةً رائعةً. ونحنُ مَدينونَ كثيرًا للأشخاصِ الَّذينَ يَخدِمونَنا في الجَسدِ مِن خلالِ استِخدامِ مَواهِبهم، ومِن خِلالِ الشَّركةِ والخِدمةِ الَّتي تَحفِزُنا على المحبَّةِ والأعمالِ الصَّالحة. كما أنَّنا لا نَتَّكِلُ على المَلائكةِ القِدِّيسينَ الَّذينَ يُرسَلونَ بِصفتِهم أرواحًا خَادمةً لكي يَخدِموا أولادَ اللهِ (حَسَبَ الآية عِبرانيِّين 1: 14).
فَعَلَى الرَّغمِ مِن رَوعةِ أن نَمتَلِكَ مَواهبَ بَشريَّة، وعلى الرَّغمِ مِن رَوعةِ أن نَكونَ جُزءًا مِن جَسدِ المَسيحِ وأن نَحصُلَ على مَعونَةٍ مِنَ المَلائكة، فإنَّ ذلكَ كُلَّهُ لا يَكفي. ولا يَكفي أن نَتَّكِلَ على الرُّعاةِ والمُعَلِّمينَ البَشريِّينَ الَّذينَ يُعَلِّمونَنا كلمةَ اللهِ، ويَهتمُّونَ بنا كما يَهتمُّ الرَّاعي بالخِراف، ويَقودونَنا كما يَفعلُ الرَّعاةُ. فَعَلَى الرَّغمِ مِن رَوعةِ ذلك، وعلى الرَّغمِ مِن أنَّها بَرَكَةٌ عَظيمةٌ أن يَكونَ هُناكَ أشخاصٌ مِثلَ هؤلاءِ يَخدمونَنا، فإنَّ مِفتاحَ نُمُوِّنا الرُّوحيِّ هُوَ أنَّ اللهَ يَعمَلُ فينا. وأنا مُمْتَنٌّ لِحَقيقةِ أنَّ هُناكَ مُؤمِنينَ آخرينَ يَعملونَ على بُنيانِنا. وأنا مُمتَنٌّ لحقيقةِ أنَّ هُناكَ مَلائكةً تَخدِمُنا. وأنا مُمْتَنٌّ لأجلِ الرُّعاةِ والمُعَلِّمينَ الَّذينَ يَعملونَ على تَشكليِنا؛ ولكنَّ أكثرَ شَيءٍ مُدهش هُوَ أنَّ اللهَ هُوَ العَامِلُ فينا. فاللهُ نَفسُهُ يَعملُ على تَقديسِنا.
لِذا، لا يُمكِنُ لأيِّ شَيءٍ أن يُعيقَ عَمليَّةَ التَّقديس. فاللهُ نَفسُهُ الَّذي يُبَرِّرُ، أيِ الَّذي بَرَّرَنا، هُوَ الَّذي يُقَدِّسُنا. فهُناكَ حَتميَّة لا يُمكِنُ إنكارُها هُنا وهي أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَعمَل. فاللهُ الثَّابتُ الَّذي لا يَتغيَّرُ، والمَجيدُ، وصَاحِبُ السِّيادَةِ والجَلالِ، واللهُ البارُّ والمُقدَّسُ والمُنعِمُ والرَّحيمُ، واللهُ الَّذي يَسودُ على كُلِّ شَيءٍ ويُحَقِّقُ دائمًا مَشيئتَهُ لا يُمكِنُ أن يَفشلَ، بل إنَّهُ يُحَقِّقُ دائمًا مَشيئَتَهُ. فاللهُ الَّذي لا يُمكنُ أن يَفشَلَ هُوَ الَّذي يَعملُ فينا.
وكما تَرَوْنَ، هذا هُوَ ما دَفَعَ المُرَنِّمَ إلى القَولِ في المَزمورِ الثَّالثِ والعِشرين: "الرَّبُّ رَاعِيَّ". فيجبُ علينا أن نُرَكِّزَ على تلكَ الكلمة تَحديدًا. لا أن نَقولَ: "الرَّبُّ رَاعِيَّ" [أيْ أَلاَّ نُرَكِّزَ على الكلمة "رَاعِيَّ"]، بل أن نَقولَ: "الرَّبُّ رَاعِيَّ" [مُرَكِّزينَ على الكلمة "الرَّبُّ"]. فهُناكَ رُعاةٌ كَثيرونَ في هذا العَالَم؛ ولكنَّ المُرَنِّمَ يَقولُ: "الرَّبُّ رَاعِيَّ...". أيِ اللهُ هُوَ العَامِلُ فِيَّ. "...فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي". فكُلُّ حَاجَةٍ تُسَدُّ لأنَّ الرَّبَّ هُوَ رَاعِيَّ. وهذهِ حَقيقةٌ عَظيمةٌ في المَسيحيَّة. وفي المَزمور 27، يَقولُ المُرَنِّمُ: "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ الكَلماتِ التَّاليةِ الَّتي أُحِبُّها: "الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي". فالرَّبُّ هُوَ حِصْنُ حَياتي. لِذا، هُناكَ شَخصُهُ. وهذهِ هي النُّقطةُ الَّتي يَبتدئُ مِنها بولُس. فاللهُ هُوَ العَامِلُ فيكُم. ويَجِبُ علينا أن نَضَعَ عَلامَةً عندَ هذهِ الكلماتِ، وأن نَضَعَ خَطًّا تَحتَها، وثلاثَ عَلاماتِ تَعَجُّب.
وهذا حَقٌّ لا يُمكِنُ أن يَتخيَّلَهُ العالَمُ الوَثنيُّ. فَلا يُمكنُهم أن يَتخيَّلوا مَعنى الجُملة: "اللهُ هُوَ العامِلُ فيكُم". فاللهُ الَّذي يُحِبُّنا مَحبَّةً أبديَّة، واللهُ الَّذي يُعامِلُنا بِلُطْفٍ لا مَثيلَ لَهُ، واللهُ الَّذي يَحفظُنا بِعَهدٍ أبديٍّ قائمٍ على وُعودٍ أبديَّة، واللهُ الَّذي هِباتُهُ ودَعْوَتُهُ هِيَ بِلا نَدامَة، واللهُ الَّذي يَقولُ إنَّ الَّذينَ يُبَرِّرُهُم فإنَّهُ يُمَجِّدُهم، واللهُ الَّذي يَجعلُنا نَبلُغُ خَطَّ النِّهاية، واللهُ الَّذي يَتَعَهَّدُ أَلاَّ يَتوقَّفَ عن وأَلاَّ يَتردَّدَ في سَدِّ كُلِّ احتياجاتِنا في المَسيحِ يَسوعَ هُوَ اللهُ الَّذي يَعمَلُ فينا. فهو مَصدرُ القُوَّةِ في حَياتِنا، وَهُوَ اللهُ الَّذي خَلَقَ العَالَمَ، واللهُ الَّذي يُمسِكُ العالَمَ بكلمةِ قُدرتِه، واللهُ صَاحِبُ السِّيادةِ على كُلِّ شيءٍ إلى أبدِ الآبدينَ يَحيا فينا. وهذه حَقيقةٌ مُذهِلَةٌ حَقًّا.
وأنا أُحِبُّ تلكَ الفِقْرةَ الصَّغيرةَ الَّتي كَتَبَها "وليام هنري غريفيث توماس" (WH Griffith Thomas). فهو يَقولُ ما يَلي: "اللهُ هُوَ الجَوابُ على كُلِّ سُؤالٍ يَخطُرُ في الذِّهن، وعلى كُلِّ خَوفٍ مُرعِبٍ يَملأُ القلبَ، وعلى كُلِّ ضُعفٍ في الشَّهيَّةِ، وعلى كُلِّ إعصارٍ قَويٍّ في التَّجارِب. فالنَّفسُ، نَفسُ الإنسانِ الوَحيدة، لا تَعلَمُ مَتى جاءت، ولا تَعلمُ إلى أينَ تَمضي، بل تُواجِهُ مُعضِلةَ الضَعفِ والخطيَّةِ والمَوتِ والأبديَّة. والمشاكلُ العَويصةُ للشَّرِّ الأدبيِّ لا يُمكِنُ حَلُّها إلاَّ مِن خِلالِ اللهِ الَّذي فيهِ كُلُّ الكِفاية، وكُلُّ الشِّبَع. فهذا هُوَ مَلاذُنا. فاللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَنا. واللهُ يَعرِفُ جِبْلَتَنا. واللهُ يَعرِفُ بيئتَنا. واللهُ يَعرفُ تَجاربَنا؛ أيِ التَّجاربَ الَّتي يُمكِنُ أن نَسقُطَ فيها. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ اللهَ فَدانا لِنَفسِهِ وجَعَلنا خَاصَّتَهُ مِن خِلالِ دَمِ المَسيح. ولكنَّ اللهَ صَاحِبَ الإحسانِ الكَامِلِ لم يَكُن ليفعلَ كُلَّ هذا مِن دُونِ أن يَتحمَّلَ مَسؤوليَّةَ الدُّموعِ والأشواقِ والصَّلواتِ الَّتي وَضَعها بنفسِهِ في طَبيعتِنا. لِذا، يجبُ علينا أن نَطْرَحَ أنفسَنا عليهِ ونُطالِبَهُ بألاَّ نَتعرَّضَ لِلَّومِ أوِ التَّأديبِ أوِ التَّوبيخِ أمامَهُ". [نِهايةُ الاقتباس]
يا لَهُ مِن شَخصٍ يَعيشُ فينا. وكما قالَ "غريفيث توماس"، فإنَّ اللهَ الَّذي خَلَقَنا، واللهَ الَّذي جَعَلَنا خَاصَّتَهُ يَتحمَّلُ مَسؤوليَّةَ جَعْلِنا مَا يُريدُ مِنَّا أن نَكون. إذًا، مَن هُوَ؟ إنَّهُ اللهُ العِاملُ فينا.
ثانيًا، يَتأمَّلُ بُولسُ في قُدرَةِ اللهِ؛ لا فقط في شَخصِه. فهو يَقولُ إنَّ اللهَ هُوَ العامِلُ فيكُم. وهو يَستخدِمُ هُنا الكلمة اليونانيَّة الَّتي اشتُقَّتْ مِنها الكلمة "طَاقَة"؛ وهي تَعني أن يُوَظِّفَ الطَّاقةَ أو أن يَعملَ بفاعليَّة. وببساطَة، إنَّها تَعني: "يَمُدُّ بالطَّاقَة". فاللهُ هُوَ الَّذي يَمُدُّنا بالطَّاقَة. "لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَمُدُّكُم بالطَّاقَة". فهو اللهُ الَّذي تَدفَعُنا قُوَّتَهُ إلى القَداسَة. وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا لا نَستطيعُ أن نَفعلَ أيَّ شَيءٍ بالجَسَد؛ ولكنَّ قُدرَتَهُ هي الَّتي تَحْفِزُنا على التَّمَثُّلِ بالمَسيح. وقُدرَتُهُ هي الَّتي تَحْفِزُنا على حَياةِ البِرِّ وَتَرْكِ الخَطيَّة. فهذا هُوَ ما يَحفظُنا. وهذا هُوَ ما يَجعلُنا قادِرينَ على القَولِ إنَّنا مَضمونونَ إلى الأبدِ في المَسيح. لماذا؟ لأنَّ قُدرتَهُ تَستمرُّ في دَفْعِنا إلى التَّمجيد. فقُدرَتُهُ تَطرُدُ الخَطيَّةَ وتَجلِبُ القَداسَةَ. ونحنُ نُثابِرُ لأنَّنا نَستمدُّ الطَّاقَةَ مِنه. وكم هُوَ قَوِيٌّ؟ إنَّهُ كُلِّيُّ القُدرة. فهو اللهُ القادِرُ على كُلِّ شَيء. وهل هُناكَ شَيءٌ يَعسُرُ عليه؟ إنَّهُ كُلِّيُّ القُدرة. وقدِ استَودَعَ تلكَ القُدرةَ في المسيح. فقد قَالَ المسيحُ: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْض". لِذا، يجبُ علينا أن نُدركَ هذهِ الحَقيقةَ العَظيمةَ الَّتي تَقولُ إنَّنا نَستمدُّ قُوَّتَنا مِنَ اللهِ، وإنَّهُ لا تُوجَدُ حُدودٌ لقُوَّتِهِ، وإنَّهُ طَالَما أنَّهُ خَلَّصَنا لكي يُقَدِّسَنا فإنَّ ذلكَ سيَحدُث. فهو سيَجعلُنا مُشابِهينَ صُورةَ المَسيح. فقُوَّتُهُ ستُحَقِّقُ ذلك. هذا هُوَ وَعدُهُ.
وهُناكَ قُوَّةٌ هَائِلَةٌ مُتاحَةٌ لَنا حَتَّى إنَّ بولسَ يَقولُ في رِسَالَتِهِ إلى أهلِ أفسُس 3: 20: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ [أين؟] فِينَا". ورُبَّما كُنَّا سنَفهمُ الآية بسهولة أكبر لو أنَّها تَقول: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ في السَّماءِ، أو بِحَسَبِ القُوَّةِ الَّتي تَعملُ في المَسيحِ، أو بِحَسَبِ القُوَّةِ الَّتي تَعملُ في الرُّوحِ القُدُس"؛ ولكنَّهُ يَقولُ: "بِحَسَبِ القُوَّةِ الَّتي تَعمَلُ فِينَا". فاللهُ قَادِرٌ أن يَفعلَ [ويَفعلُ] مِن خِلالِنا أمورًا لا يَتخيَّلُها عَقلٌ، ولا يَستوعِبُها عَقلٌ، ولا نَستطيعُ نَحنُ أن نُخَطِّطَ لها أو نُفَكِّرَ فيها أو نَحلُمَ بها. فهو يَقومُ بعمليَّةِ التَّقديس.
وهُناكَ سِيادَة مُعيَّنة في ذلك. وهُناكَ نِقاطٌ مُختلفة على طُولِ الطَّريقِ نَجِدُ أنَّنا وَصَلنا إليها. ونحنُ لا نَعرِفُ كُلَّ الأسبابِ الإلهيَّةِ الَّتي تَسْمَحُ بحُدوثِ مَتاعِبَ في الطَّريقِ لدى بَعضٍ مِنَّا في أثناءِ ذلك. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّني على يَقينٍ تامٍّ بأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَحْفِزُ التَّقديسَ في الحَياة، وبأنَّ هُناكَ نَمَطًا للتَّقَدُّمِ يَحرِصُ اللهُ على الحِفاظِ عليه لأجلِ مَسَرَّتِهِ [كما سنَرى بعدَ قليل]، وأنَّهُ القُوَّةُ الَّتي تَصنَعُ ذلك. فبولُس يَقولُ: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" [كَما جاءَ في رسالتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابع]. واسمَحوا لي أن أُعطيكُم مَثلاً إيضاحِيًّا على ذلك. ارجِعوا إلى سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الثَّاني والأصحاح 29 إذْ أُريدُ أن أُريكُم لَحظةً مُدهشةً في تاريخِ شَعبِ اللهِ [أي: يَهوذا]، وأن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحيًّا يُساعِدُكم على رُؤيةِ هذهِ الصُّورةِ عن كيفيَّةِ عَملِ الله. فقد صَارَ حَزَقِيَّا مَلِكًا (بِحَسَبِ العَددِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الثَّاني والأصحاح 29). فقد صَارَ مَلِكًا على يَهوذا. وكانَ في سِنِّ الخَامسةِ والعِشرينَ عندما صَارَ مَلِكًا. وقد مَلَكَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيم. والعَدَدُ الثَّاني يَتحدَّثُ عن حَياتِهِ. فقد كانَ مَلِكًا صَالِحًا إذْ نَقرأُ أنَّهُ: "عَمِلَ الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَ دَاوُدُ أَبُوهُ". فقد كانَ مَلِكًا صَالِحًا، وكانَ مَلِكًا شَريفًا، وكانَ رَجُلاً تَقِيًّا. وعندما صَارَ مَلِكًا على شَعبِ اللهِ، رَأَى أنَّهُ مِنَ المُهمِّ أن يُصْلِحُوا حَياتَهُم الرُّوحيَّة.
لِذا فقدِ ابتدأَ بالشَّيءِ الأكثر أهميَّةً إذْ نَقرأُ: "فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ مُلْكِهِ [في العَددِ الثَّالثِ] فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ فَتَحَ أَبْوَابَ بَيْتِ الرَّبِّ وَرَمَّمَهَا". فقد كانَ هُناكَ إهمالٌ حَقيقيٌّ للأمورِ المُختصَّةِ باللهِ، وكانَ كُلُّ شَعبِ اللهِ قد سَقَطَ في الخَطيَّةِ وراحَ يَعبُدُ الأوثان. فهو تَاريخٌ مُؤسِفٌ. ولكنَّ حَزَقِيَّا جاءَ، وَهُوَ رَجُلٌ تَقِيٌّ، وفَتَحَ أبوابَ بيتِ الرَّبِّ ورَمَّمَها، وأعادَ العِبادَةَ، ثُمَّ إنَّهُ فَعَلَ مَا يَلي: "وَأَدْخَلَ الْكَهَنَةَ وَاللاَّوِيِّينَ وَجَمَعَهُمْ إِلَى السَّاحَةِ الشَّرْقِيَّةِ". فقد جَمَعَ كُلَّ الأشخاصِ المَسؤولينَ عنِ القِيادةِ الدِّينيَّةِ في الأُمَّةِ، وجَلَبَهُم مَعًا، وَقَالَ لَهُمُ: "اسْمَعُوا لِي أَيُّهَا اللاَّوِيُّونَ، تَقَدَّسُوا الآنَ وَقَدِّسُوا بَيْتَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِكُمْ، وَأَخْرِجُوا النَّجَاسَةَ مِنَ الْقُدْس". طَهِّروا هذا المَكانَ وطَهِّروا حَياتَكُم. وهذا أسلوبٌ مُباشِرٌ جدًّا مِن دُونِ لَفٍّ أو دَوَران. وقدِ ابتدأَ بالقِيادةِ الدِّينيَّة. وَهُوَ يَقول: "لأَنَّ آبَاءَنَا خَانُوا وَعَمِلُوا الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلهِنَا وَتَرَكُوهُ، وَحَوَّلُوا وُجُوهَهُمْ عَنْ مَسْكَنِ الرَّبِّ وَأَعْطَوْا قَفًا، وَأَغْلَقُوا أَيْضًا أَبْوَابَ الرِّوَاقِ وَأَطْفَأُوا السُّرُجَ وَلَمْ يُوقِدُوا بَخُورًا وَلَمْ يُصْعِدُوا مُحْرَقَةً فِي الْقُدْسِ لإِلهِ إِسْرَائِيلَ. فَكَانَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ، وَأَسْلَمَهُمْ لِلْقَلَقِ وَالدَّهْشِ وَالصَّفِيرِ كَمَا أَنْتُمْ رَاؤُونَ بِأَعْيُنِكُمْ. وَهُوَذَا قَدْ سَقَطَ آبَاؤُنَا بِالسَّيْفِ، وَبَنُونَا وَبَنَاتُنَا وَنِسَاؤُنَا فِي السَّبْيِ لأَجْلِ هذَا. فَالآنَ فِي قَلْبِي أَنْ أَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ فَيَرُدُّ عَنَّا حُمُوَّ غَضَبِهِ".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "يَا بَنِيَّ، لاَ تَضِلُّوا الآنَ لأَنَّ الرَّبَّ اخْتَارَكُمْ لِكَيْ تَقِفُوا أَمَامَهُ وَتَخْدِمُوهُ وَتَكُونُوا خَادِمِينَ وَمُوقِدِينَ لَهُ". إذًا، لقد جَمَعَ كُلَّ الكَهَنَةِ وكُلَّ اللاَّويِّينَ وأَخبرَهُم أنَّ الوقتَ قد حَانَ للتَّقديسِ الرُّوحيِّ. وقد فَعلوا ذلك. فقد شَرَعُوا في القيامِ بذلكَ [وَفقًا لِما جاءَ في العَدد 17]: "فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الأَوَّل". وإذا نَظرتُم إلى العَدد 20، بعدَ تَقديسِ الكَهنةِ واللاَّويِّينَ، نَقرأُ أنَّ المَلِكَ حَزَقِيَّا: "بَكَّرَ وَجَمَعَ رُؤَسَاءَ الْمَدِينَةِ وَصَعِدَ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ". فهو يَنتقلُ الآنَ مِنَ القادةِ الدِّينيِّينَ إلى القادَةِ المَحَلِّيينَ؛ أيْ إلى بَقيَّةِ القادَة. وَهُوَ يَقولُ إنَّ الوقتَ قد حَانَ لِتَقويمِ عَلاقَتِكُم الرُّوحيَّةِ بالرَّبِّ، وإنَّ الوقتَ قد حَانَ لتقديمِ القَرابينِ وذَبائحِ الخَطيَّة. وقد قَدَّموا عَدَدًا هائلاً مِنَ الذَّبائح. وإن أردتُم أن تَعرِفوا عَظَمَةَ هذا التَّقديسِ، يُمكنُكم أن تَنظُروا وَحَسْب إلى العَدد 32. فقد تَمَّ تَقديسُ اللاَّويِّينَ والكَهَنة للرَّبِّ، وتَمَّ تَقديسُ كُلِّ القَادة. وَنَقرأُ: "وَكَانَ عَدَدُ الْمُحْرَقَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا الْجَمَاعَةُ سَبْعِينَ ثَوْرًا وَمِئَةَ كَبْشٍ وَمِئَتَيْ خَرُوفٍ. كُلُّ هذِهِ مُحْرَقَةٌ لِلرَّبِّ. وَالأَقْدَاسُ سِتُّ مِئَةٍ مِنَ الْبَقَرِ وَثَلاَثَةُ آلاَفٍ مِنَ الضَّأْنِ". فقد تَمَّ تَقديمُ عَددٍ هائلٍ مِنَ الحَيَواناتِ. "إِلاَّ إِنَّ الْكَهَنَةَ كَانُوا قَلِيلِينَ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَسْلُخُوا كُلَّ الْمُحْرَقَاتِ، فَسَاعَدَهُمْ إِخْوَتُهُمُ اللاَّوِيُّونَ حَتَّى كَمَلَ الْعَمَلُ وَحَتَّى تَقَدَّسَ الْكَهَنَةُ. لأَنَّ اللاَّوِيِّينَ كَانُوا أَكْثَرَ اسْتِقَامَةَ قَلْبٍ مِنَ الْكَهَنَةِ فِي التَّقَدُّسِ. وَأَيْضًا كَانَتِ الْمُحْرَقَاتُ كَثِيرَةً بِشَحْمِ ذَبَائِحِ السَّلاَمَةِ وَسَكَائِبِ الْمُحْرَقَاتِ. فَاسْتَقَامَتْ خِدْمَةُ بَيْتِ الرَّبِّ. وَفَرِحَ حَزَقِيَّا وَكُلُّ الشَّعْبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ أَعَدَّ الشَّعْبَ، لأَنَّ الأَمْرَ كَانَ بَغْتَةً". والمقصودُ هُنا هُوَ أنَّ تلكَ كانت نَهضَة حَدَثَتْ حَالاً.
والآن، لقد تَمَّ تَقديسُ القَادَة. وعندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثَّلاثين، تَابِعوا القِراءَة: "وَأَرْسَلَ حَزَقِيَّا إِلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا [أيْ: إلى الجَميع]، وَكَتَبَ أَيْضًا رَسَائِلَ إِلَى أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى أَنْ يَأْتُوا إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ فِي أُورُشَلِيمَ لِيَعْمَلُوا فِصْحًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ". فهو يَدعو في الحَقيقةِ إلى إعادَةِ تأسيسِ عيدِ الفِصْحِ بكُلِّ مِلئِهِ. فقد كانوا يَحتفلونَ بهِ احتِفالاً عَابِرًا في السَّنواتِ السَّابقة؛ ولكنَّهُ أرادَ مِنَ الأُمَّةِ كُلِّها أن تَحتَفِلَ بهِ كَما أَوصَى الرَّبُّ. وهذا هوَ حقًّا عَمَلُ الرَّبّ. فقد عَمِلَ اللهُ مِن خِلالِ حَزَقِيَّا على دَعوةِ جَميعِ الشَّعب. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ السَّادس: "فَذَهَبَ السُّعَاةُ بِالرَّسَائِلِ... وَحَسَبَ وَصِيَّةِ الْمَلِكِ كَانُوا يَقُولُونَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، ارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ". فقد كانت هذهِ دَعوة إلى نَهضَةٍ رُوحيَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّامِن: "الآنَ لاَ تُصَلِّبُوا رِقَابَكُمْ". ثُمَّ في العَددِ التَّاسِع: "لأَنَّهُ بِرُجُوعِكُمْ إِلَى الرَّبِّ يَجِدُ إِخْوَتُكُمْ وَبَنُوكُمْ رَحْمَةً أَمَامَ الَّذِينَ يَسْبُونَهُمْ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، وَلاَ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ عَنْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِ". إذًا، فإنَّهُ يَدعوهُم إلى نَهضَة.
والآن، لاحِظُوا ما يَلي. فهذا هُوَ المِفتاحُ: لقد ذَهبَ السُّعاةُ في العَددِ العاشِرِ إلى كُلِّ مَكان. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني ما يَلي: "وَكَانَتْ يَدُ اللهِ فِي يَهُوذَا أَيْضًا، فَأَعْطَاهُمْ قَلْبًا وَاحِدًا لِيَعْمَلُوا بِأَمْرِ الْمَلِكِ وَالرُّؤَسَاءِ، حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ". أَلاَ تَجِدونَهُ أمرًا مُدهِشًا؟ أليست هذهِ الجُملة رائعة؟ فقد أَمَرَ المَلِكُ والرُّؤساءُ الشَّعبَ بالعَودةِ إلى اللهِ لأنَّ هذا هُوَ ما تَقولُهُ كلمةُ اللهِ لَهُم. فاللهُ يَقولُ: "قُولوا للنَّاسِ أن يَرجِعوا إليَّ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 12 أنَّ اللهَ أعطاهُم قَلبًا لِيَفعلُوا ذلك. وهذا أمرٌ مُدهِش. أليسَ كذلك؟ لِذا فقد أعطاهُمُ اللهُ القُوَّةَ لتَتميمِ وَصيَّتِه. ويا لَهُ مِن أُنموذَجٍ رائع! فاللهُ يَتحرَّكُ بقوَّةٍ لِيَجعلَنا نَفعلُ مَا يُوصينا به. وهذا هُوَ السِّرُّ العَجيبُ في الحَياةِ المَسيحيَّة: أنَّ اللهَ يُعطي المُؤمِنَ قُوَّةً داخليَّةً كي يَعملَ ما يُوصيهِ بِه. وقد تَقول: "كيفَ تَفهَمُ ذلك؟" أنا لا أَفهَمُهُ سِوى لأنَّ هذا هُوَ ما تَقولُهُ الآية. فَلا يُمكنُني أن أَفهَمَ ذلك. ولا يُمكنُني أن أرسُمَ خَطًّا يَفصلُ بينَ ما يَفعلُهُ اللهُ وما أفعلُهُ أنا، ولا أن أَفهمَ مِقدارَ عَمَلِ اللهِ إن تَعاونتُ مَعَهُ، ولا الأشياءَ الَّتي لن يَفعلَها إن لم أتعاوَن. فهذا سِرٌّ. ولكنْ مِنَ الواضحِ في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ كُلَّ ما يَنبغي لي أن أفعلَهُ لإطاعَةِ وَصاياه سيَكونُ مَصحُوبًا بالقُوَّةِ مِنهُ. فهو قَويٌّ. وَهُوَ قَديرٌ. وقُوَّتُهُ تَعملُ على إتمامِ مَا يُوصيني بِه.
ارجِعوا الآنَ إلى رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني، ولنَنظُر إلى العَامِلِ الثَّالِثِ المُهمِّ جدًّا جدًّا في فَهْمِ اللهِ العَامِلِ فينا. فقد رأينا [أوَّلاً] شَخصَهُ بِصِفَتِهِ الله. ورأينا [ثانيًا] قُدرَتَهُ إذْ إنَّهُ هُوَ الَّذي يُعطينا القُدرةَ الَّتي تَجعلُنا نَنمو رُوحيًّا. ونَنتقلُ [ثَالِثًا] مِن قُدرتِهِ إلى حُضورِهِ. وهذا مُرتَبِطٌ بما ذَكَرناهُ في التَّمهيد. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 13: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ". يا لها مِن جُملةٍ رائعة! "اللهُ هُوَ العامِلُ فيكُم". فهو لا يَعمَلُ عَليكُم، ولا يَعمَلُ نِيابَةً عنكُم، بل يَعمَلُ فيكُم. يا لَها مِن حَقيقةٍ رائعة!
هَل تَذكُرونَ ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 8 حينَ قالَ يَسوعُ للرُّسُل: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ". فعندما يَسكُنُ رُوحُ اللهِ فيكُم، ستَنالونَ قُوَّةً. فاللهُ يَسكُنُ فينا بِروحِهِ. وقد كانت هذهِ الحَقيقةُ العَظيمةُ، في اعتقادي، مُهِمَّةً جدًّا بِصورةٍ خَاصَّةٍ للكنيسةِ في كورِنثوس لأنَّ بولسَ قالَها لَهُم على أقَلِّ تَقدير ثَلاثَ مَرَّات. فهو يَقولُ في رسالة كورنثوس الأولى 3: 17: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ". أنتُم هَيكلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُم. يا لها مِن فِكرةٍ رائعة! فَهُوَ يَقولُ: "لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ". وفي العَدد 16: "أنتُم هَيكلُ اللهِ". هذا هُوَ أنتُم. فاللهُ يَسكُنُ فيكُم. والعَدد 17 يُكَرِّرُ نَفسَ الفِكرة.
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدد 19: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ الله...؟" فهو يَتحدَّثُ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحِ الثَّالثِ بِصيغةِ الجَمعِ مُشيرًا إلى أنَّ الكَنيسةَ كُلَّها هي هَيكلُ اللهِ. وهو يَتحدَّثُ في رسالة كورنثوسَ الأولى 6: 19 بصيغةِ المُفردِ مُشيرًا إلى أنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ فَرْدٍ هُوَ هَيكلُ اللهِ. فاللهُ يَسكُنُ فينا بِوَصْفِنا أفرادًا كما يَسكُنُ فينا بِوَصْفِنا جَماعَةً. ثُمَّ إنَّ بُولُسَ يَقولُ في رسالتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس 6: 16 ما يَلي: "فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا". يا لها مِن فِكرةٍ رائعة! فاللهُ يَقولُ: "لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ". واللهُ يَقولُ: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر". وبولُس يَقول: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ". لِماذا؟ لأنَّ الرَّبَّ قَريبٌ. فهو حَاضِرٌ وقَريب.
هَل تَفهمونَ ما كانَ يَدورُ في ذِهنِ المُرَنِّمِ حينَ قالَ عنِ الله: "مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ" (في المَزمور 139: 3)؟ يا رَبُّ، أنتَ حَاضِرٌ دائمًا. أنتَ حاضِرٌ دائمًا وتَسكُنُ فِيَّ. فَلاَ تُوجد لَحظةٌ في حَياتِكَ مُنذُ أن سَلَّمْتَ حَياتَكَ للمَسيحِ إلى أن تَلتقيهِ وَجهًا لوجه لن يَكونَ اللهُ حَاضِرًا فيها مَعَكَ، أو لن يَكونَ فيها مَوجودًا. فأنتَ تَختبرُ حُضورَهُ. وهُناكَ جَانِبٌ سَلبيٌّ لهذا الحُضور في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحِ السَّادسِ إذْ إنَّ بولسَ يَقول: "إذا اقتَرنتَ بِزانيةٍ فإنَّكَ تَجعلُ المَسيحَ يَقتَرِنُ بزانِيَة". وقد تقول: "هلِ المَسيحُ هُوَ الَّذي يَسكُنُ فِيَّ أَم أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَسكُنُ فِيَّ؟" والجَوابُ هُوَ: "أجل". فَرُوْحُ المَسيحِ هُوَ الله. وقد تَقول: "أَلاَ يَسكُنُ فِيَّ الرُّوحُ القُدُسُ؟" أجل؛ ولكنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ رُوحُ الله. وَرُوحُ المسيحِ هُوَ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي هُوَ رُوحُ اللهِ الَّذي هُوَ الله. فهو نَفسُهُ. فاللهُ يَسكُنُ [بِروحِهِ] فيكَ. وهو حَاضِرٌ دائمًا، ويَدعَمُكَ دائمًا، ويَحفظُكَ دائِمًا، ويَسُدُّ احتياجاتِكَ دائمًا، ويُقوِّيكَ دائمًا، ويَحرُسُكَ دائمًا، ولا يَحرِمَكَ البَتَّة مِن رِعايَتِهِ، بل يَجعلُكَ مُثمِرًا دائمًا ويَعملُ عَملَ التَّقديسِ في حَياتِكَ. لِذا فإنَّهُ يَستحقُّ كُلَّ الشُّكرِ لأنَّهُ هُوَ الَّذي يَقومُ بكُلِّ العَمل.
ونَقرأُ في رسالة رُومية 11: 33: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" فاللهُ يَعملُ باستقلالٍ. واللهُ يَعملُ بطَرائِقَ تَفوقُ قُدرتَنا على الفَهم. وَهُوَ يَسكُنُ دائمًا وأبدًا فينا، ويَسُدُّ كُلَّ حَاجَاتِنا. وحُضورُهُ مُطْلَقٌ. وفَهمُهُ مُطلَقٌ. وحِكمَتُهُ مُطلَقَة. وَهُوَ يَسكُنُ فينا. وَهُوَ قُدُّوسٌ؛ لِذا فإنَّهُ يَفعلُ دائمًا الصَّواب. وَهُوَ مُحِبٌّ؛ لِذا فإنَّهُ يَهتمُّ دائمًا بِما هُوَ لِخَيرِنا. وَهُوَ مُنْعِمٌ؛ لِذا فإنَّهُ غَفورٌ. وَهُوَ رَحيمٌ؛ لِذا فإنَّهُ يحْجُبُ دائمًا دَينونَتَهُ الكَامِلَة. وَهُوَ عَادِلٌ؛ لِذا فإنَّهُ مُنصِفٌ دائمًا. وَهُوَ سَخِيٌّ؛ لِذا فإنَّهُ يُعطينا دائمًا ما يَفوقُ حَاجَتَنا. فَهُوَ حَاضِرٌ دائمًا. فاللهُ ليسَ بَعيدًا. فهو لا يُوجَدُ بَعيدًا جدًّا على غِرارِ آلهةِ الوَثنيِّينَ، بل إنَّهُ حَاضِرٌ هُنا ويَسكُنُ فينا.
وأريدُ أن أقولَ لَكُم شَيئًا يا أحبَّائي: فاللهُ لم يَفعل كُلَّ ما فَعَلَهُ لِتَبريرِنا لكي يَترُكَنا في النِّهايةِ بِمُفردِنا. فبَعدَما ابتَدأنا بالرُّوحِ، لا يَجوزُ أن نُكَمِّلَ بالجَسَد (كما جاءَ في رسالة غلاطيَّة 3: 3). لِذا، حيثُ إنَّنا ابتدأنا بقُوَّةِ اللهِ، سَنُكَمَّلُ بقوَّةِ الله. وحيثُ إنَّنا تَبَرَّرنا بقُوَّةِ اللهِ، سوفَ نَتقدَّسُ بقوَّةِ الله. وَهُوَ يَسكُنُ فينا. لِذا فإنِّي أُوْمِنُ بأنَّ العَمليَّةَ لا يُمكِنُ... لا يُمكِنُ أن تَتوقَّف. صَحيحٌ أنَّ الخَطيَّةَ المَوجودةَ في حَياتِنا قَد تُبطِئُ العَمليَّةَ بطريقةٍ مَا؛ ولكنَّ اللهَ يُتَمِّمُ العَمَلَ المُستمرَّ مِن خِلالِ مُبارَكَتِهِ لَنا أو مِن خِلالِ تَأديبِهِ لَنا. فالأصحاحُ الثَّاني عشر مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين يَقولُ إنَّ اللهَ يُضطَرُّ أحيانًا إلى تَأديبِنا. ولكنَّهُ يَفعلُ ذلكَ لأجلِنا لِكَي نَشترِكَ في قَداسَتِهِ، وَلِكَي يُنشِئَ فينا ثَمَرَ بِرٍّ للسَّلام. لِذا، سَواءٌ استَخْدَمَ اللهُ البَرَكَةَ أوِ التَّأديبَ فإنَّهُ يَرمي إلى الحِفاظِ على عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يَقومُ بِهِ مِن خِلالِ حُضورِهِ لكي يُساعِدَنا على النُّموِّ رُوحيًّا أكثرَ فأكثر. لِذا، هُناكَ شَخصُهُ، وقُوَّتُهُ، وحُضورُهُ.
رابعًا، يَتحدَّثُ بولسُ عن قَصدِ اللهِ؛ وهذا هو جَوهرُ ما أريدُ مِنكُم أن تَفهموهُ مِنَ الزَّاويةِ التَّطبيقيَّةِ في هذا الصَّباح. فما هُوَ قَصدُ الله؟ إنَّهُ يُحاولُ أن يُنشِئَ شَيئًا مُحَدَّدًا جدًّا فينا. ما هُوَ؟ إنَّهُ العَامِلُ فِينَا أن نُريدَ وَأن نَعملَ، أو أن نُريدَ وأن نَفعلَ. والآن، ما المَقصودُ بذلك؟ إنَّ تلكَ العِبارةَ: "أن تُريدوا وأن تَعمَلوا" تُشيرُ إلينا نَحنُ؛ لا إلى الله. فهو يَعملُ فِيكُم لكي يَجعَلَكُم تُريدون وتَعمَلونَ مِن أجلِ مَسَرَّتِه. بعبارةٍ أخرى، هُناكَ شَيئانِ يُريدُ اللهُ أن يَحْفِزَهُما فينا: إرادَتَنا وعَمَلَنا. الرَّغبةُ والعَمل. وهذانِ شَيئانِ مُهمَّانِ جدًّا ورَئيسيَّانِ جدًّا.
أولاً، لِنَتحدَّثَ عن فِكرةِ العَملِ فِينا كي نُريد. فهو يُريدُ مِنَّا أن نُريدَ ما هُوَ صَحيح، وأن نَرغبَ في ما هُوَ صَحيح، وأن نَتوقَ إلى ما هُوَ صَحيح. لِذا فإنَّهُ يَعملُ على إرادَتِنا، وعلى مَشيئتِنا، وعلى رَغْباتِنا. ولعَلَّكُم تَذكُرونَ ما يَقولُهُ المَزمور 110: 3 إذْ نَقرأ: "شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ". فعندما تَعملُ قُوَّتُهُ فينا فإنَّها تَجعلُنا مُستعدِّين. فهو يَعملُ لكي يَجعلنا مُستعدِّينَ لِعَملِ ما هُوَ صَواب. فكُلُّ سُلوكٍ يَنبُعُ مِن إرادَتِكَ، ويَنبُعُ مِن رَغبتِكَ، وتَوقِكَ، وشَوقِكَ، ونِيَّتِكَ. والحقيقةُ هي أنَّ الفِعلَ "تُريدوا" هُوَ "ثيلو" (thelo)؛ وهو فِعلٌ مَعناهُ: "قَصْد" أو "مَيْل". ويَقولُ أحدُ المَعاجِمِ إنَّها إرادَة غَير مُتَحَمِّسَة. أعتقد أنَّهُ صَاغَها بهذهِ الطَّريقة. بعبارةٍ أخرى، إنَّها ليست رَغبة نَابِعَة مِن شَغَفٍ. وهي ليست رَغبة نَابِعَة مِن شَهوة، وهي ليست رغبة نَابِعَة مِن نَزوة عَابِرَة؛ بل هي الإرادَة غير المُتَحَمِّسَة الَّتي تُعَبِّرُ عنِ النِّيَّة المَدروسَة والمُخَطَّط لَها. فاللهُ يُريدُ أن يُنشِئَ فينا النِّيَّةَ الصَّحيحةَ، والمَيلَ الصَّحيحَ، والرَّغبةَ الصَّحيحةَ في ما هُوَ صَواب.
وهذا ليسَ بالأمرِ الجَديد. فيُمكنكم أن تَرجِعوا مَرَّةً أخرى إلى العهدِ القديم. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ سِفْرَ عَزْرا 1: 5 يَقول: "فَقَامَ رُؤُوسُ آبَاءِ يَهُوذَا وَبَنْيَامِينَ، وَالْكَهَنَةُ وَاللاَّوِيُّونَ، مَعَ كُلِّ مَنْ نَبَّهَ اللهُ رُوحَهُ، لِيَصْعَدُوا لِيَبْنُوا بَيْتَ الرَّبِّ". فقدِ ابتدأَ الرَّبُّ في تَنبيهِ إرادَتِهم، وفي حَفْزِ رَغبتِهم. وهذا جُزءٌ مِن إمدادِ اللهِ لَنا بالطَّاقَة. وفي الأصحاحِ السَّابعِ، تُستخدَمُ الفِكرةُ نَفسُها في سِفْرِ عَزْرا والعَدد 27: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِنَا الَّذِي جَعَلَ مِثْلَ هذَا فِي قَلْبِ الْمَلِكِ". فاللهُ يَعملُ على حَفْزِ إرادَتِكَ، وعلى إيجادِ النِّيَّةِ والمَيْلِ والإرادةِ لَديكَ للقيامِ بما يُريدُ مِنكَ أن تَقومَ به. وهُنا يَبتدئُ اللهُ بالعملِ في الدَّاخل؛ أيْ بالعَملِ على رَغباتِكَ لأنَّ ما تَفعلونَهُ وَمَا أفعلُهُ أنا يَنبُعُ مِن رَغباتِنا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ مَا جاءَ في سِفْرِ الأمثال 21: 1 إذْ نَقرأُ: "قَلْبُ الْمَلِكِ فِي يَدِ الرَّبِّ كَجَدَاوِلِ مِيَاهٍ، حَيْثُمَا شَاءَ يُمِيلُهُ". فهو يأخُذُ قَلبَكَ ويُميلُهُ ليَجعلَكَ تَرغبُ في ما هُوَ صَواب، وتَرغبُ في ما هُوَ صَالِح، وتَرغبُ في ما يَرغَبُ هُوَ فيه.
ولكِن كيفَ يَفعلُ اللهُ ذلك؟ كيفَ يَفعلُ ذلك؟ اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم عَامِلَيْن. حَسَنًا؟ وهذا مُهمٌّ جدًّا. فأنا أعتقدُ أنَّ هُناكَ شَيئَيْنِ يُنشِئُهُما اللهُ فيكَ لِحَفْزِ إرادَتِك: أوَّلاً: عَدَمُ الرِّضا المُقَدَّس... عَدَمُ الرِّضَا المُقَدَّس. وما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يَعني ببساطَة أَلاَّ تَكونَ رَاضيًا عن قَداسَتِكَ. فهُناكَ عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس. ونحنُ لا نَتحدَّثُ هُنا عنْ عَدَمِ الرِّضا غيرِ المُقَدَّس؛ فَهُوَ خَطيَّة. بل نَتحدَّثُ عن عَدَمِ الرِّضا المُقَدَّسِ عن حَالَتِكَ الرُّوحيَّةِ الحَالِيَّة. بعبارةٍ أخرى فإنَّ اللهَ يَجعلُكَ لا تُحِبُّ ضَعفَكَ الرُّوحيَّ الحَاليَّ. هلِ اختَبرتَ يَومًا ذلك؟ وبولُس يُعَبِّرُ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ" (في رسالة رُومية 7: 24). فهذا عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس. فهو ليسَ تَبَرُّمًا مِن ظُروفِ حَياتِكَ أو مِنَ الظُّروفِ الَّتي سَمَحَ اللهُ بها في حَياتِكَ، بل هُوَ عَدَمُ رِضًا عن خَطاياك. وأعتقدُ أنَّ عَملَ التَّبكيتِ الإلهيِّ في حَياتِكَ هُوَ حَفْزٌ لعَدَمِ الرِّضا المُقَدَّس عن خَطاياك.
هلِ اغتَظْتَ يَومًا مِن خَطاياكَ؟ هل شَعرتَ يَومًا بالحُزنِ وبأنَّ الدُّموعَ تَملأُ عَينيكَ بسببِ استيائِكَ الشَّديد مِن اقترافِ نَفسِ الخَطيَّة؟ أو هل شَعرتَ يَومًا بالاشمئزازِ والتَّعبِ مِن خَوْضِ نَفسِ المَعاركِ على نَفسِ الجَبْهات؟ هذا عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس يُنشِئُهُ اللهُ فيكَ فيما يَعملُ على إرادَتِك. فهو يُريدُ مِنكَ أن تُبغِضَ الخَطيَّة.
أمَّا الشَّيءُ الثَّاني الَّذي يُنشِئُهُ اللهُ في أثناءِ عَمَلِهِ على إرادَتِكَ وَهُوَ الطُّموحُ المُقَدَّس. وهذا هُوَ الجَانبُ المُعاكِس. فهو تَوْقٌ إلى شَيءٍ أفضل، وتَوقٌ إلى شَيءٍ أَطهَر، وتَوقٌ إلى شَيءٍ مُقَدَّس، وتَوقٌ إلى شَيءٍ بَارّ، وتَوقٌ إلى شَيءٍ صَحيح، وتَوقٌ إلى أن تَصيرَ مِثلَ المَسيح، وتَوقٌ إلى أن تَصيرَ بارًّا، وتَوقٌ إلى أن تَصيرَ إنسانًا فَاضِلاً، وتَوقٌ إلى أن تَكونَ مُنتصِرًا. فأحيانًا تَقرأُ عن شَخصيَّةٍ مِن شَخصيَّاتِ الكتابِ المقدَّسِ فيَمتلئُ قَلبُكَ بالرَّغبةِ في أن تَصيرَ مِثلَ بولُس، أو في أن تَصيرَ مِثلَ بُطرس، أو في أن تَصيرَ مِثلَ يوحنَّا. أو قد تَقرأُ أحيانًا السِّيرةَ الذَّاتيَّةَ لواحدٍ مِنَ المُرسَلينَ فتَشعُرُ بأنَّكَ رَخيصٌ جدًّا وَضَحْلٌ جدًّا لأنَّ مُستوى تَكريسِكَ يَبدو مُنخفضًا جدًّا إذا ما قُورِنَ بمُستوى التَّكريسِ عندَ عَددٍ مِنَ الأشخاصِ العُظماءِ الَّذينَ استَخدَمَهُم اللهُ. وحينئذٍ فإنَّ تلكَ المَشاعِرَ تَصيرُ طُموحًا مُقدَّسًا. فهُناكَ عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس، وطُموحٌ مُقَدَّس.
ومِن هُنا يَبتدئُ كُلُّ شَيء. وأعتقدُ أنَّ هذا هُوَ عَملُ اللهِ فيكَ إذْ إنَّهُ يُنشِئُ ذلك. وببساطَة، إنَّهُ يَجعلُكَ تُبغِضُ الخَطيَّةَ وتُحِبُّ البِرَّ. لِذا، إن أردتُم أن تَعرفوا ما إذا كانَ أحدُ الأشخاصِ مُؤمِنًا حَقيقيًّا أَم لا، يُمكنكُم أن تَنظُروا إلى شَيئين: هل يُبغِضُ خَطاياهُ ويُحِبُّ البِرَّ؟ وهل هُناكَ عَدَمُ رِضًا مُقدَّس لديهِ وتَوْقٌ إلى شَيءٍ أطهَر مِمَّا لَديه؟ هذا هُوَ عَملُ اللهِ السَّاكِنِ فيكَ إذْ إنَّ رُوحَ اللهِ يَعملُ على حَفْزِ إرادَتِكَ.
وإن أردتُم أن تَرَوْا مَثَلاً إيضاحيًّا رائعًا على ذلك، انظُروا إلى رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالث. فسوفَ تَرَوْنَ هُنا عَدَمَ رِضًا مُقَدَّسًا وطُموحًا مُقدَّسًا في الوقتِ نَفسِه. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني عشر أنَّ بولسَ يَقول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ"؛ أيْ: ليسَ أَنِّي قد بَلَغْتُ الكَمالَ الرُّوحيَّ، وأنِّي وَصَلتُ إلى المَعرفةِ الكاملةِ بالمسيح، أوِ اختَبرتُ كُلَّ قُدرتِه، أوِ اختَبرتُ الشَّركةَ الكَاملةَ لآلامِهِ، أو تَشَبَّهتُ تَمامًا بِمَوتِهِ، أو نِلْتُ تَمامًا القِيامَة، لا! فهو يَقولُ: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً". لا! وهذا عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس. أنا لم أَصِرْ كَامِلاً. وفي العَدد 13: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ". أنا لم أَصِل إلى هذا المُستوى بَعد. وهذا عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ العاشِر: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ". ولكنِّي لم أبلُغ ذلكَ بَعد. وهذا عَدَمُ رِضًا مُقدَّس.
ولكنِ انظُروا إلى الطُّموحِ المُقدَّسِ في العَدد 12: "وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ". وفي العَدد 13: "وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ [أيْ: أَنسَى كُلَّ ما هُوَ جُزءٌ مِن عَدَمِ الرِّضا المُقَدَّسِ ذاكَ]، وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فهُناكَ عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس يَتَمَثَّلُ في قَولِهِ: "أنا لم أبلُغ ذلكَ المُستوى بَعد، ولم أُحَقِّق ذلكَ بَعد". وهُناكَ طُموحٌ مُقَدَّسٌ يَتَمَثَّلُ في قَولِهِ: "أنا أسعَى إلى ذلك... أسعَى إلى ذلك". وهذا هُوَ ما يُريدُ اللهُ أن يَصنَعَهُ بإرادَتِكَ لكي تُريدَ ما هُوَ صَواب مِن خِلالِ النُّفورِ مِمَّا هُوَ خَطأ، والتَّوقِ إلى ما هُوَ صَواب.
لِذا فإنَّ قَصدَ اللهِ هُوَ أن يَعملَ على إرادَتِكَ. ولكنَّهُ يَعملُ [ثانيًا] فيكَ ويَحْفِزُكَ على أن تُريدُ، ثُمَّ أن تَعملَ، أو حَرفيًّا: تَفعلَ. وهو يَستخدِمُ الكلمةَ "إنيرغي" (energeo) مَرَّةً أخرى؛ وهي نَفسُ الكلمة المُتَرجمَة "تَعْمَلُوا" هُنا. فهو يَحْفِزُكُم على أن تَكونوا مُفْعَمينَ بالنَّشاط. فهو يَحْفِزُكُم، ويَعمَلُ فيكم لكي تُريدوا أن تَعمَلوا؛ أيْ لا فقط أن تُريدوا، بل أيضًا أن تَعملوا. وهذا سُلوكٌ مُقَدَّس. فأنتُم تَبتدئونَ بعَدمِ الرِّضا المُقَدَّس. وهذا يَقودُ إلى طُموحٍ مُقَدَّسٍ يُؤدِّي إلى قَرارٍ مُقدَّسٍ يَعني أنَّني سأفعلُ الآنَ ما هُوَ صَواب. وهذا يُؤدِّي إلى عَملٍ مُقدَّس. هَذهِ هي العَمليَّة. هَذهِ هي العَمليَّة. فهُناكَ عَدَمُ رِضًا مُقَدَّس، وطُموحٌ مُقدَّس، وقَرارٌ مُقدَّسٌ حيثُ يُؤدِّي التَّكريسُ إلى عَملٍ مُقدَّس. وهذا هُوَ ما يَفعلُهُ اللهُ فيكُم. فهو يَعملُ على إرادَتِكُم، ويَعملُ على أن تَعمَلوا لكي تُريدوا وتَعمَلوا ما هُوَ صَواب. ويا لَهُ مِن وَعدٍ رائعٌ يا أحبَّائي. فاللهُ يَعملُ فينا. هل تَذكُرونَ تلكَ العِبارة الَّتي كُنتُم تَرَوْنَها قبلَ سَنواتٍ، والَّتي تَقول: "تَمَهَّل عَليَّ مِن فَضلِكَ لأنَّ اللهَ لم يَفْرُغْ مِنِّي بَعد"؟ إنَّها حَقيقةٌ عَظيمة! والحقيقةُ العَظيمةُ هي أنَّ اللهَ يَعمَلُ فينا. واللهُ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يَحْفِزَنا على تَحقيقِ غَاياتٍ رُوحيَّة ونَتائجَ رُوحيَّة.
لِذا فإنَّنا نَرى شَخصَهُ، وقُدرَتَهُ، وحُضورَهُ، وقَصدَهُ، وأخيرًا: سُرورَهُ. وهذا رَائعٌ جدًّا! فهذا أمرٌ مُذهلٌ جدًّا. لماذا يَفعلُ اللهُ ذلك؟ نَقرأُ في نِهايةِ العَدد 13: "مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". هل تُدركونَ أنَّهُ عندما تريدونَ وتَعملونَ ما هُوَ صَوابٌ فإنَّ ذلكَ يُسِرُّ اللهَ؟ وهل تُدركونَ أنَّ هُناكَ صِلَةً وَثيقةً بينَكَ وبينَ اللهِ حَتَّى إنَّهُ يُمكِنُكَ أن تَجعَلَهُ يُسَرُّ؟ فالكلمة "يودوكيا" (eudokia) تَعني: سُرور. فاللهُ هُوَ العَامِلُ فينا أنْ نُريدَ وأن نَعملَ مِن أجلِ مَسَرَّتِهِ. فهو يُريدُ أن يَجعلَنا نَعملَ ما يَؤولُ إلى سُرورِه. هذا هُوَ المَعنى هُنا. فهو يُريدُ أن يَجعلنا نَرغبُ في القيامِ بما يُرضيه. والشَّيءُ الَّذي لَمَسَ قَلبي هُنا هُوَ أنَّ أيَّ شَيءٍ قد أفعلُهُ يُمكِنُ أن يُسِرَّهُ. ولكن أَلاَ يُفتَرَضُ بِهِ أن يَكونَ مَسرورًا سُرورًا كامِلاً ومُطلَقًا وكُليًّا أصلاً؟ مِنَ الواضحِ أنَّ هُناكَ طَريقةً تَجعَلُهُ يُسَرُّ باستعدادي وعَمَلي نِيابَةً عَنهُ.
هل تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل لوقا 12: 32؟ فقد نَظَرَ يَسوعُ إلى تلكَ المَجموعةِ غيرِ المُتناغِمَةِ مِنَ التَّلاميذِ ضَعيفي الإيمانِ وَقال: "لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ". أليست هذهِ الجُملة رائعة؟ وقد كُنتُم ستَتَفَهَّمونَ الأمرَ لو أنَّهُ قال: "لقد استَسلَمَ الآبُ وقَرَّرَ أن يُعطِيَكُم المَلكوتَ بأيَّةِ حَال؛ ولكنَّهُ مُستاءٌ مِن ذلك". ولكنَّهُ لا يَقولُ ذلك، بل يَقولُ إنَّ أباكُم سُرَّ أن يُعطِيَكُم المَلكوتَ. فهو إلَهٌ مُحِبٌّ. وهو إلَهٌ حَنَّان. وهو إلَهُ كُلِّ نِعمةٍ ورَحمَة. وأنتُم أعِزَّاء جِدًّا على قَلبِه. وعندما تُريدونَ وتَعمَلونَ ما يُريدُهُ هُوَ فإنَّهُ يُسَرُّ. وأليسَ هذا هُوَ جَوهرُ العَلاقَة؟ أي أن يُعطي كُلُّ واحدٍ الآخرَ ما يُدخِلُ السُّرورَ إلى نَفسِه؟ فهو يُريدُ الأفضلَ لَكُم لأنَّ الأفضلَ لَكُم هُوَ ما يُسِرُّهُ أكثرَ مِن أيِّ شَيءٍ آخر. فهو يُسَرُّ بِكُم. وهو يُسَرُّ بي. وما يُريدُ أن يُنشِئَهُ فينا هُوَ لأجلِ مِسَرَّتِهِ.
أَلاَ تَجِدونَها فِكرةً رائعةً حينَ تُفَكِّرونَ في أنِّي أستطيعُ أن أجلِبَ السُّرورَ إلى قَلبِ الله؟ فَكِّروا في ذلك. جون ماك آرثر، يُمكِنُكَ أن تَفعلَ شَيئًا، ويُمكنُكَ أن تُريدَ شَيئًا، ويُمكِنُكَ أن تَكونَ الشَّخصَ الَّذي يَجلِبُ السُّرورَ إلى قَلبِ الله. اسمَعوني: لا يُمكنُني أن أفعلَ ذلكَ في جَسَدي. ولكنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يَعملَ فِيَّ لكي أُريدَ وأعملَ مَا سَيَؤولُ إلى إدخالِ السُّرورِ إلى قَلبِه. ولا أدري كيفَ تَنظرونَ أنتُم إلى ذلك، ولكنِّي أعتقدُ أنَّ أروعَ شَيءٍ في أيَّةِ عَلاقةٍ هو أن تَجلِبَ السُّرورَ إلى قَلبِ الشَّخصِ الَّذي تُحِبُّه. أليسَ كذلك؟ فما نَفعُ العَلاقةِ إن كانَ كُلُّ ما تُحْدِثُهُ هُوَ الألم؟ ومَن يَحتاجُ إلى عَلاقةٍ كهذه إن كانَ كُلُّ ما يُمكِنُكَ أن تُحْدِثَهَ هُوَ الحُزن؟ ولكنَّ ما يُريدُهُ كُلُّ شخصٍ مِن أيَّة عَلاقة هُوَ الرِّضا والسُّرور. واللهُ يَقولُ إنَّكُم تَستطيعونَ أن تُدخِلوا السُّرورَ إلى نَفسي. لِذا فإنَّ ما يَقولُهُ بولسُ هُنا رائعٌ جدًّا. فالمُؤمِنُ يَعملُ بأقصَى طَاقَتِهِ، واللهُ يَعملُ في دَاخِلِهِ لِتَتميمِ مَسَرَّتِهِ.
اسمَعوني: سوفَ أَختِمُ كَلامي. نَحنُ، مِن بَينِ كُلِّ النَّاسِ الَّذينَ يَعيشونَ على سَطحِ هذهِ الأرضِ، مُبارَكونَ بَرَكَةً فَريدةً لأنَّ اللهَ يَعمَلُ فينا. ويا لها مِن فِكرَةٍ رائعة! فهذهِ هِيَ السِّمَةُ الَّتي تُمَيِّزُ المَسيحيَّة. وهذا هُوَ التَّوازُن. فالأمرُ يَتطلَّبُ مِنَّا كُلَّ شَيءٍ، ويَتطلَّبُ مِنَ اللهِ كُلَّ شَيء. والإنسانُ الَّذي تَجَدَّدَ بواسِطةِ رُوحِ اللهِ ليسَ في حَالةِ تَسليمٍ سَلبيٍّ، بل إنَّهُ يَشتركُ بفاعليَّة في الخِدمةِ، والعَملِ، ولَبْسِ الإنسانِ الجَديدِ، وَصَلْبِ الجَسَد. والحياةُ المَسيحيَّةُ تُوصَفُ بأنَّها سِباقٌ، وبأنَّها سَاحَةُ مَعرَكة، وبأنَّها قِتال. وَقَد دُعينا إلى الاهتمامِ بمُمارسةِ الأعمالِ الحَسَنة (في الرِّسالةِ إلى تِيطُس 3: 8). ونَقرأُ أنَّ إبليسَ عَدُوٌّ يَنبغي لنا أن نُقاوِمَهُ (في رسالة يَعقوب 4: 7). ويجبُ علينا أن نَقمعَ أجسادَنا ونُخضِعَها لِئلاَّ نَصيرَ مَرفوضينَ مِنَ الخِدمةِ الرُّوحيَّة. وحَتَّى عندَما يَتِمُّ التَّحدُّثُ عنِ الرَّاحةِ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ 4: 11 فإنَّنا نَقرأُ: "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَة". فالأمرُ يَتطلَّبُ مِنكُم أن تَبذُلوا كُلَّ جُهدٍ مُمكِنٍ بصِفَتِكُم مُؤمنينَ... كُلَّ جُهدٍ مُمكِن. فأنتَ لَستَ قِطعةَ طِينٍ لا تَفعلُ أيَّ شَيء. ولا يَجوزُ أن تَقولوا: "لِنَجلسَ صَامِتينَ ونَدَعِ اللهَ يَعمَل". فكلمةُ اللهِ تَقول: "فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ" (في رسالة أفسُس 5: 15).
وقد أبدَعَ "توماس تشاترتون هاموند" (TC Hammond) في تَلخيصِ ذلكَ بالكلماتِ المُقتَضَبَةِ التَّالية: "في حينِ أنَّ العهدَ الجديدَ يُرَكِّزُ في المَقامِ الأوَّلِ على أنَّ عَملَ النِّعمةِ هُوَ مِنَ اللهِ وليسَ مِن قُدرتِنا الذَّاتيَّة، وبذلكَ فإنَّهُ يُؤيِّدُ المَذهبَ السُّكونيَّ، فإنَّ هُناكَ تَركيزًا مُماثِلاً على حَقيقةِ أنَّ اللهَ يَعملُ فينا أو مَعَنا؛ وعَليهِ فإنَّهُ يُنصِفُ الحَقَّ الكَامِنَ في المَذهبِ التَّقَوِيِّ. فعندَ الدَّمجِ بينَ المَذهَبَيْنِ فإنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى تَصحيحِ الأخطاءِ المَوجودةِ في كُلٍّ مِنهُما". هل تَذكرونَ كيفَ ابتدأنا حَديثَنا هذا؟ فالسُّكونيُّونَ يَقولونَ: "لا تَفعل شَيئًا". والتَّقَوِيُّونَ يَقولونَ: "افعل كُلَّ شَيء". واللهُ يَقولُ: افعَل كُلَّ شيءٍ وأنا سأفعلُ كُلَّ شَيءٍ. وسوفَ نُحَقِّقُ معًا القَداسَةَ".
وفي الخِتام، اسمَحوا لي أن أَطرحَ عَليكَ سُؤالاً شَخصيًّا جدًّا لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ آخرَ أن يُجيبَ عنهُ. إنَّ اللهَ يَعمَلُ فيكَ الآنَ إن كُنتَ مُؤمِنًا. مَا الَّذي يَعملُ عليهِ لِجَعلِكَ تُريدُ وتَعمَل؟ هل فَكَّرتَ يَومًا في ذلك؟ ما الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تُريدَهُ؟ وما الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تَفعلَهُ؟ وما العَادَةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تُغَيِّرَها؟ وما العَلاقةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تُعيدَها إلى مَسارِها؟ وما العَلاقَةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تَقطَعَها؟ وما العَلاقةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تُؤسِّسَها؟ وما المَوقفُ الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تُغَيِّرَهُ؟ وما الرَّغبةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تَتَجاهَلَها؟ وما الرَّغبةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تُفَكِّرَ فيها؟ وما الخِدمةُ الَّتي يُريدُ مِنكَ أن تَقومَ بها؟ وما الواجبُ الرُّوحيُّ الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تُريدَهُ؟ وما الجَانِبُ الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تَكونَ أمينًا فيه؟ وما الخطأُ الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تُصَحِّحَهُ؟ فهو يَعملُ فيكَ لكي يَجعلَكَ تُريدُ وتَعملُ مِن أجلِ مَسَرَّتِهِ. فهل تَعلمُ ما الشَّيءُ الَّذي يُريدُ مِنكَ أن تُريدَهُ وأن تَعمَلَهُ؟
دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي ونَقولَ للرَّبِّ: يا رَبُّ، ما هُوَ الشَّيءُ الَّذي تَعمَلُهُ فِيَّ كي أُريدَ وكي أعملَ؟ ما الَّذي تُريدُ مِنِّي أن أُريدَهُ؟ وما الشَّيءُ الَّذي تُريدُ مِنِّي أن أرغبَ فيه؟ وما الشَّيءُ الَّذي تُريدُ مِنِّي أن أَتوقَ إليه؟ وما الشَّيءُ الَّذي تُريدُ مِنِّي أن أَعمَلَهُ؟ وما العَمَلُ الَّذي تُريدُ مِنِّي أن أقومَ بِهِ؟ أَرِني ذلك. يا رَبُّ، اسمَع تلكَ الصَّلاةَ مِن كُلِّ قَلبٍ يُصَلِّي. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
