Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسةَ على الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي 2: 14-16. وهذه هي العِظَة الثَّانية والأخيرة في سِلسِلتِنا القَصيرةِ بعُنوان: "تَوَقَّفوا عَنِ التَّذَمُّر". ونحنُ ما زِلنا نَدرُسُ رسالةَ فيلبِّي الرائعة هذهِ. وقد وَصلنا إلى الأعدادِ مِن 14 إلى 16. وقد سَمِعنا وَصيَّةً بَسيطةً جدًّا مِنَ الرَّسولِ بولُس في العَدد 14 يَقولُ فيها: "اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ". وهذا هُوَ بِكُلِّ تأكيدٍ جَوهرُ وأساسُ عِظَتِنا مِن هذا النَّصّ. وقد تَأمَّلنا في هذهِ الكلماتِ في الأسبوعِ المَاضي. وأريدُ اليومَ أن أَذكُرَ لكُمُ الأسبابَ الَّتي تَدعونا إلى إطاعَةِ تلكَ الوصيَّة؛ وَهِيَ أسبابٌ مَذكورةٌ في العَدَدَيْن 15 و16. لِذا فإنَّ الوَصيَّةَ مَذكورةٌ في العَدد 14، والأسبابَ مَذكورةٌ في العَدَدَيْن 15 و16. ولكِن قبلَ أن نَتأمَّلَ في هذهِ الأسباب، اسمَحوا لي أن أرجِعَ وأتحدَّثَ قَليلاً عن مَوضوعِ التَّذَمُّرِ هذا.

كَتَبَ النَّاقِدُ الاجتِماعِيُّ "كريستوفر لاش" (Christopher Lasch)، وأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ: "كُلُّ عَصْرٍ يَصُوغُ أشكالاً مُعَيَّنةً خَاصَّةً بِهِ مِنَ الأمراضِ الَّتي تُعَبِّرُ بِصُورةٍ مُبالَغٍ فيها عن بُنيَتِهِ التَّحتيَّةِ الأساسيَّة" [نِهايةُ الاقتباس]. وأعتقدُ أنَّهُ يُوافِقُنا الرَّأيَ بأنَّ المَرَضَ المُتَفَشِّي في وَقتِنا هذا هُوَ الانغِماسُ الذَّاتِيُّ النَّرْجِسِيُّ. فنحنُ مُجتمَعٌ يَتصرَّفُ على غِرارِ الشَّابِّ اليونانِيِّ الأسطوريِّ "نَرسيس" (Narcissus) الَّذي كانَ يَنظُرُ إلى بُحيرةٍ ذاتَ يومٍ فرأى انعِكاسَ صُورَتِهِ وَوَقَعَ في حُبِّ نَفسِهِ. وقد أَحَبَّ نَفسهُ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ استمرَّ في التَّحديقِ في البُحيرةِ والتَّأمُّلِ في صُورَتِهِ الَّتي عَشِقَها. وقد كانَ حُبُّهُ لِنَفسِه مُبهِجًا جِدًّا لَهُ. ويبدو أنَّنا أُصِبْنا بِمَرضِ النَّرجِسِيَّةِ في مُجتمعِنا. وكُلَّما استمرَّينا في حُبِّ أنفُسِنا، واستمرَّينا في الانغماسِ في أنفُسِنا، فإنَّنا سنَستمرُّ في الشُّعورِ في ذَواتِنا بِمشاعِرَ عَميقةٍ مِن عَدَمِ الرِّضا، وسنَستمرُّ في إضافَةِ العَالَمِ الخَيالِيِّ مِن حَولِنا؛ وَهُوَ العالَمُ الخَياليُّ الَّذي يُرينا أنَّهُ يَنبغي أن يُوجَدُ جَمالٌ كامِلٌ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ زَائفًا. فنحنُ نَرى ذلكَ الجَمالَ على شَاشَةِ التِّلفازِ؛ ولكنَّنا لا نَستطيعُ أن نَبلُغَهُ. لِذا فإنَّ نَرْجِسِيَّتَنا لا تُفيدُنا في شَيءٍ، بل إنَّها تَطْرَحُنا في غَياهِبِ اليَأس. ونحنُ نُغَذِّي انغِماسَنا الذَّاتيَّ. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّنا نَملِكُ كُلَّ شَيءٍ فإنَّنا ما زِلنا نَنظُرُ إلى تلكَ الأشياءِ الَّتي لا نَملِكُها. ونحنُ نَتذمَّرُ كثيرًا جدًّا حتَّى إنَّنا نَادرًا جدًّا ما نَشعُرُ بالرِّضَا.

وأعتقدُ أنَّهُ يُوجدُ عُنصرٌ آخرُ لِتَذَمُّرِنا. في "مَعهَد ماساشوستس للتَّكنولوجيا" (MIT)، هُناكَ عَالِمُ نَفسٍ اسمُهُ "كينيث كينغستون" (Kenneth Kingston). وقد قالَ جُملةً مُثيرةً للاهتمام. استَمِعوا إلى ما قَالَهُ: "إذا كُنتَ تَعيشُ في مُجتمعٍ تَعتقدُ فيهِ أنَّ المُؤسَّساتِ العَامَّةَ فَاسِدَة جدًّا ولا يُمكِنُ إصلاحُها بِسُهولة، فإنَّ ذلكَ الاعتقادَ سيَجعَلُ السَّعيَ إلى السَّعادةِ الفَرديَّةِ بطريقةٍ خَاصَّةٍ شُغلَكَ الشَّاغِل" [نِهاية الاقتباس]. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا أنَّنا نَعيشُ في ذلكَ الزَّمَنِ اليوم. فأنا أعتقدُ أنَّنا مُجتمعُ مُتذمِّرٌ أكثرَ مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى؛ لا فقط لأنَّنا مُنغَمِسونَ في ذَواتِنا أكثرَ مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى لأنَّنا تَعَرَّضْنا أكثرَ مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى للعَالَمِ الوَهميِّ الَّذي لا يُمكِنُنا بُلوغُهُ، بل أيضًا لأنَّنا أُصْبِنا بِخيبةِ أَملٍ مِنَ الأشياءِ الاجتماعيَّةِ الَّتي كانت تَلمَسُ قُلوبَنا في وَقتٍ مَضَى، ولم نَعُد نُفَكِّرُ في شَيءٍ سِوى السَّعادة الشَّخصيَّة.

وأفضلُ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على ذلكَ هُوَ أن نُقارِنَ بينَ النَّاسِ في السِّتِّينيَّاتِ والسَّبعينيَّاتِ والثَّمانينات. فالطَّلَبة في السِّتِّينيَّاتِ كانوا مُحْتَجِّينَ. فقد كانوا يَحْتَجُّونَ كَثيرًا حَتَّى إنِّي أَذكُرُ أنَّني قَرأتُ عن مَجموعةٍ مِن طَلبةِ جَامعةِ هَارفرد (Harvard) جَاءوا إلى أُستاذِهم وقالوا: "لَدينا مَجموعة تَرغبُ في الاحتِجاج. هل تَعرِفُ سَبَبًا جَيِّدًا للاحتجاج؟" فكأنَّ عَقليَّةَ الاحتِجاجِ جَاءَت قبلَ المَسألةِ الَّتي سيَحْتَجُّونَ عليها. ولكن ما الَّذي حَدَث؟ في السِّتِّينيَّاتِ، كانَ لَدينا عَددٌ كَبيرٌ مِنَ الطَّلبةِ المُحْتَجِّين. وقد حَاوَلوا تَغييرَ المُؤسَّساتِ الفَاسِدَةِ في مُجتمعِنا؛ وَلكنَّهُم فَشِلوا. وعندما أدرَكُوا أنَّ كُلَّ جُهودِهم وكُلَّ طَاقَتِهم لا تَستطيعُ أن تُغَيِّرَ الفَسادَ المَوجودَ في المُؤسَّساتِ الاجتماعيَّةِ، صَاروا الطَّبقةَ المُتْرَفَةَ الَّتي تَسْعَى في المَقامِ الأوَّلِ إلى الحُصولِ على الأشياءِ المَاديَّةِ والمَالِ في السَّبعينيَّاتِ والثَّمانينيَّاتِ، والَّذينَ قَالُوا: "لا يُمكِنُنا أن نُغَيِّرَ المُؤسَّساتِ الاجتماعيَّةَ. لِذا، سَنَبذُلُ كُلَّ طَاقاتِنا في إسعادِ أنفُسِنا بأنفُسِنا".

وهذا هُوَ مَا حَلَّ بمُجتمعِنا. فنحنُ نَسعَى كالمَسعورينَ وَراءَ الأشياءِ، ووراءَ تَحقيقِ ذَواتِنا وإسعادِ أنفُسِنا. ونحنُ نَنظُرُ نَظرةً نَرجِسيَّة إلى ذَواتِنا ونَسعى إلى الحُصولِ على المُتعةِ لأنَّنا نُدركُ أنَّنا لا نَستطيعُ أن نَفعلَ الكَثيرَ لِتَغييرِ المُؤسَّساتِ الاجتماعيَّة. لِذا فإنَّنا نُفَكِّرُ كَثيرًا في الانغِماسِ الذَّاتِيِّ مِن خِلالِ التَّركيزِ الدَّائمِ على ذلك. وهذا يَقودُ إلى شُعورٍ رَهيبٍ ومُريعٍ مِن خَيبةِ الأمل. لِذا فإنَّنا أُناسٌ مُتَذمِّرون!

ويُمكِنُني أن أرَى ذلكَ في كُلِّ مَكان. ويُمكنكُم أن تَرَوْا ذلكَ في كُلِّ مَكان. وأنتُم جُزءٌ مِن ذلك. اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكُم بِضعةَ أمورٍ يَتذمَّرُ مِنها النَّاس. ويجب عليكم أن تُفَكِّروا في ذلك، وأن تُفَكِّروا في تَفاهَةِ ذلكَ، وأن تَرَوْا إن كُنتُم تُمَيِّزونَها. إليكُم الأشياءَ المألوفةَ الَّتي تُؤدِّي إلى ارتفاعِ ضَغطِ النَّاسِ، والَّتي تَجعلُهم يَغضَبونَ ويَميلونَ إلى العِدائيَّة. وحَتَّى إنَّهُم قد يَتصرَّفونَ أحيانًا بِعُنف. إنَّها أُمورٌ مِثلَ الاختِناقاتِ المُروريَّة الَّتي تَجعلُ النَّاسَ عِدائيِّينَ وغَاضِبينَ ومُتذمِّرين. فيَكفي أن تَقودَ سَيَّارَتَكَ خَلفَ سَائِقٍ بَطيءٍ حَتَّى تَفقِدَ قَداسَتَكَ. وهُناكَ السَّائقونَ الَّذينَ يُقْحِمونَ سَيَّاراتِهم أمامَكَ فَجأةً. وهُناكَ الأشخاصُ الثَّرثارونَ الَّذينَ يُثيرونَ غَضَبَكَ. وهُناكَ الطَّوابيرُ الطَّويلة، والطَّوابيرُ القصيرة، وأيَّةُ طَوابير، ووُجودُ شَخصٍ واحدٍ أمامَكَ قد يَجعلُكَ تَتذمَّر. فأنتَ تُريدُ أن يَسيرَ كُلُّ شَيءٍ كَما تُريدُ أنتَ، وأن يَتحقَّقَ حَالاً. وهُناكَ الأطفالُ البَاكُون. وإن كُنتَ لا تُصَدِّقُ أنَّ هُناكَ استياءً كَبيرًا جدًّا مِنَ الأطفالِ البَاكينَ اسأل نَفسَكَ عن سَببِ وُجودِ كُلِّ هذهِ الحَالاتِ المُتزايِدَةِ والمُريعةِ مِن إساءةِ مُعاملةِ الأطفالِ بسببِ بُكائِهم. فقد كانَ الأطفالُ في يَومٍ مِنَ الأيَّامِ يَجِدونَ أُمًّا تَحتَضِنُهُم إلى صَدرِها عندما يَبكونَ؛ ولكنَّهُم يُضرَبونَ الآنَ بالمِكواةِ أوِ المِقلاةِ أو لا أدري بماذا! وهُناكَ تَلَقِّي مُكالَماتٍ هَاتفيَّةٍ في أوقاتٍ غيرِ مُناسِبَة، وأنْ تَنسَى أينَ وَضَعتَ مَفاتيحَكَ، إن كُنتُم تُصَدِّقونَ ذلك! فالنَّاسُ يَغضبونَ جدًّا بِسَببِ ذلك؟ وهُناكَ الكِلابُ غيرُ الأليفَة. وما أعنيه هُوَ أنَّنا نَنزعِجُ مِن الأمورِ التَّافِهَة. أليسَ كذلك؟

ولكِن كما تَرَوْنَ إنَّهُ المِزاجُ السَّيِّءُ، أوْ أنْ يَعْلَقَ سَحَّابُ بِنْطالِكَ ولا سِيَّما إذا كانَ لَديكَ مَوعِدٌ مُهمٌّ. أو قد نَتذمَّرُ مِنَ الطَّعامِ البَارِدِ الَّذي نَرفُضُ أن نَأكُلَهُ لأنَّنا نُريدُهُ بدرجةِ حَرارةٍ مُعيَّنة. وهُناكَ الأشخاصُ الَّذينَ يُقاطِعونَكَ في أثناءِ حَديثِك، والجِيرانُ المُزعِجونَ، والزَّوجُ المِلْحَاحُ، والطَّائراتُ الَّتي تَتأخَّرُ عن مَوعِدِها، والمَلابسُ الضَّيِّقَةُ، وحِمْياتُ الطَّعامِ غير النَّاجِحَة، وتَقشيرُ البَصَل، والأبوابُ الَّتي تُصْدِرُ أصواتًا مُزعِجَة، والأشخاصُ غَيْرُ الأكْفاءِ مِن حَولِكَ، وتَسَرُّبُ الهَواءِ مِن إطارِ سَيَّارَتِكَ عندما تَكونُ في عَجَلَةٍ مِن أمرِك. فهناكَ أشخاصٌ يَتذمَّرونَ دائمًا لأنَّهُ يجبُ عليهم أن يُتابِعوا رِصيدَهُم في دَفترِ الشِّيكاتِ خَاصَّتِهم. وأنا لن أطلُبَ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَفعلونَ ذلكَ أن يَرفَعُوا أيديهم. فأنا لا أريدُ أن أعرفَ مَن هُم. وهُناكَ غَسيلُ الأطباقِ، والتَّعامُلُ مَع حَماتِكَ، وإزالَةُ الأعشابِ الضَّارَّةِ، والأسعارُ المُرتفعَة. هذهِ هي الأشياءُ... تَخَيَّلوا ذلك... هذهِ هي الأشياءُ الَّتي تُثيرُ رُوحَ العَداوةَ عندَ النَّاسِ، وتُؤدِّي إلى مَشاكِلَ مُريعَة في الزَّواج. فنحنُ نَتذمَّرُ بسببِ كُلِّ هذهِ الأشياء. فيا لَهُ مِن أمرٍ سَخيف!

والآن، إن كُنتَ تَسكُنُ في هيروشيما في سَنَةِ 1945، ستكونُ لديكَ مُشكلةٌ تَستوجِبُ القَلَق. أمَّا إنْ لَمْ تَحصُل على التَّرقيةِ الَّتي كُنتَ تَنتظرُها، أو إنْ خَسِرْتَ صَفْقَةً تِجاريَّةً، أو إنْ قالت ابنَتُكَ في الأسبوعِ الماضي إنَّها تَكرَهُ غُرفَتَها، أو إنْ أَخبرَكَ المَصرِفُ في هذا الصَّباحِ أنَّ حِسابَكَ المَصرِفِيَّ صَارَ مَكشوفًا، فإنِّي على يَقينٍ بأنَّكَ سَتَنجو. اهدَأ، وافحَصِ المَوقِف، وفَكِّر فيهِ مَلِيًّا. فأنا أَسمَعُ كَثيرًا عن أزمَةِ مُنتصفِ العُمر. هل تَعلَمونَ أنَّ هُناكَ أُناسًا في العَالَمِ لا يَمُرُّونَ بأزمةٍ مُنتصفِ العُمرِ لأنَّهُم لا يَعيشونَ طَويلاً؟ فهُناكَ أشخاصٌ لا يُبالونَ بمثلِ هذهِ الأمورِ البَتَّة. فهُناكَ أجزاءٌ مِنَ العالَمِ يَبلُغُ فيهِ مُتَوسِّطُ عُمرِ الإنسانِ 37 سَنة فقط. لِذا فإنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ لا يُفَكِّرونَ في المَشاكِلِ الَّتي ستَحدُثُ بعدَ سِنِّ الأربعين. وهُناكَ أشخاصٌ يَتذمَّرونَ مِن أسعارِ السِّلَعِ الغِذائيَّةِ في حينِ أنَّ أكثرَ مِن مِئةِ ألفِ شخصٍ يَموتونَ جُوعًا كُلَّ يَومٍ. أمَّا أنتَ فتَتذمَّرُ مِنَ ارتفاعِ أسعارِ السِّلَعِ الغِذائيَّة! وهُناكَ مَلايينُ النَّاسِ الَّذينَ يُعانونَ بسببِ سُوءِ التَّغذية. وهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ إنَّهُم يَتذمَّرونَ مِنَ ارتفاعِ الإيجارات. إذًا، رُبَّما تُريدُ أن تَسكُنَ على الرَّصيفِ في كالكوتا. فَهُم لا يَدفعونَ الإيجاراتِ هُناك. فَهُم يُولَدونَ ويَعيشونَ ويَموتونَ على الرَّصيف. والشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يَقلَقونَ بشأنِهِ هُوَ ما إذا كانوا سيَعثُرونَ على سِجَّادَةٍ بَالِيَةٍ يَضَعونَها تَحت رُؤوسِهم عندما يَنامون.

وكما تَرَوْنَ، في الوقتِ الَّذي تَحدُثُ فيهِ هذهِ الأمورُ المُريعَةُ في العَالَمِ بِسُرعَةٍ مَقبولةٍ، فإنَّنا نَتذمَّرُ لأنَّنا لم نَجلِس على الطَّاولةِ الَّتي نُريد في ذلكَ المَطعَمِ الفَاخِر. أو قد نَشعُرُ بالإحباطِ لأنَّنا عَاجِزونَ عن فُقدانِ خَمسة كيلوغرامات مِن وَزْنِنا، أو نَتذمَّرُ بسببِ دُيونِنا الشَّهريَّة. فأنتَ تَظُنُّ أنَّ لَديكَ مَشاكِل بالمُقارنةِ بِماذا؟ وكما تَرَوْنَ، لقد صَارَ النَّاسُ مُعتادينَ على التَّذمُّر. كذلكَ، فإنَّ الثَّقافةَ الاستِهلاكيَّةَ المُغْرِقَةَ في النَّظرةِ المِثاليَّةِ الوَهميَّةِ تُعَزِّزُ لَدينا خَطيَّةَ عَدمِ القَناعَة. ولكن كيفَ يَسَعُنا أن نَتذمَّر؟ هل تَذْكُرونَ مَا جَاءَ في مَراثي إرْميا 3: 39: "لِمَاذَا يَشْتَكِي الإِنْسَانُ الْحَيُّ، الرَّجُلُ مِنْ قِصَاصِ خَطَايَاهُ؟" فما الَّذي نَشتَكي بشأنِهِ؟ لِذا فإنَّ بولسَ يُقَدِّمُ لنا مَبدأً عَامًّا في العَدد 14. وهو يُخاطِبُنا في وَقتٍ نَعيشُ فيهِ في ثَقافةِ التَّذَمُّرِ قَائِلاً: "اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَة". "اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَة". وَمَا الَّذي تُشيرُ إليهِ العِبارَةُ "كُلُّ شَيء؟" تَتْميمُ خَلاصِكُم. تَتْميمُ خَلاصِكُم. فيجبُ أن يَكونَ هذا هُوَ المَوقِفُ الدَّائمُ للمُؤمِن. فعندما نُتَمِّمُ خَلاصَنا، وعندما نَعيشُ حَياتَنا البَارَّةَ، يجبُ علينا أن نَفعلَ ذلكَ مِن دُونِ تَذَمُّرٍ على الظُّروفِ الَّتي وَضَعَها اللهُ مِن حَولِنا. بل يجبُ علينا أن نَعيشَ حَياتَنا مِن دُونِ تَذَمُّر. ويجبُ علينا أن نَفرحَ دائمًا، أو كَما قَالَ بولسُ في آيةٍ لاحِقَة: "وأقولُ أيضًا: افرَحُوا". ويجبُ علينا أن نَكونَ قَنوعينَ سَواءَ في الانخفاضِ أَم في الارتفاع، وسَواءَ كُنَّا نَملِكُ الكَثيرَ أَمِ القَليل، وسَواءَ كُنَّا نُحِبُّ الظُّروفَ أَم لا نُحِبُّها. فَلا يُوجَدُ مَكانٌ للتَّذَمُّر.

وأريدُ أن أقولَ لكُم إنَّ الأمرَ على ما يَبدو أكثر صُعوبةً في هذهِ الثَّقافةِ مِمَّا هي عليهِ في ثَقافاتٍ أخرى لأنَّنا نُنْشِئُ مُجتَمَعًا مِنَ الأشخاصِ المُتذمِّرين... فهو مُجتَمَعٌ يعِجُّ بالمُتذَمِّرين. لِذا فإنَّ بولسَ يُقَدِّمُ لنا مَبدأً عَامًّا يُخاطِبُنا بطريقةٍ مُباشَرَةٍ جدًّا.

والآن لاحِظوا، كما ذَكَرتُ في المَرَّةِ السَّابقةِ، أنَّ هذا الأمرَ المُختصَّ بالقيامِ بكُلِّ شَيءٍ بِلاَ دَمدمةٍ وَلا مُجادَلة يَختصُّ بالله. فهو لا يَتحدَّثُ عنِ الدَّمدمةِ والمُجادلةِ معَ الآخرينَ مَعَ أنَّ هذا أيضًا خَطيَّة؛ ولكنَّ الفِكرةَ هُنا هي أن تَتَقَبَّلَ الخُطَّةَ الإلهيَّةَ الَّتي وَضَعَها اللهُ لِحياتِك، وأن تُتَمِّمَ خَلاصَكَ مِن دُونِ أيِّ تَذَمُّرٍ مُوَجَّهٍ إليه. فيجبُ عليكَ أن تَرْعَى قَلبًا فَرِحًا، وقَلبًا شَكورًا، وألاَّ تَتذمَّرَ قَلبيًّا مِن خِلالِ الدَّمدَمَة، وألاَّ تَتَخاصَمَ أو تَتَجادِلَ فِكريًّا معَ الله؛ بل بالحَرِيِّ ألاَّ نَتذمَّرَ، بل أن نَكونَ شَكورينَ فيما نُتَمِّم خَلاصَنا. فهذا هُوَ ما يَدعو بولسُ المُؤمِنينَ إلى القيامِ بهِ مِن جِهَةِ المَوقفِ الَّذي يَسودُ كُلَّ حَياتِهم.

والآن، يُقَدِّمُ لنا بولسُ ثَلاثةَ أسبابٍ لذلك. حسنًا؟ وسوفَ أَذكُرُ هذهِ الأسبابَ لَكُم. وهي ليست جَديدةً، بل هي مُجرَّدُ مُراجَعَةٍ مُقتَضَبَة أو مُجَرَّدُ مُلَخَّص. وأنا أَعلَمُ أنَّكُم تَعرِفونَها جَيِّدًا. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك فإنَّها كَلمةُ رُوحِ اللهِ إلينا اليوم. السَّببُ الأوَّلُ مَذكورٌ في العَدد 15: "لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا للهِ بِلاَ عَيْبٍ". إذًا، لِنَقُل أوَّلاً أنَّهُ يجبُ علينا أن نَتوقَّفَ عنِ التَّذَمُّرِ مِن أجلِنا نَحنُ... مِن أجلِنا نَحنُ، لكي نَكونَ الأبناءَ الَّذينَ يُريدُنا اللهُ أن نَكون. فالأمرُ يَبتدِئُ بِنا نَحن. وَبالمُناسَبَة، مِنَ الواضحِ أنَّ هذهِ العِبارَة تُرَكِّزُ على القَصْد. فعندما تُستخدَمُ الأداة "هينا" (hina) بهذهِ الصِّيغةِ النَّحْوِيَّةِ فإنَّها تُشيرُ دائمًا إلى القَصد. لِذا فإنَّها قد تُتَرجَمُ: "لِكَيْ"، أو: "بُغْيَةَ أن"، أو: "بِقَصْدِ أن". بعبارةٍ أخرى، هذا هُوَ السَّببُ الرَّئيسيُّ لِقيامِكُم بذلك: "لِكَي تَكونوا بِلا لَوْمٍ، وبُسَطاءَ، أولادًا للهِ بِلاَ عَيْب". فقد دُعِيتُم لكي تَتَّصِفُوا بكُلِّ صِفاتِ أولادِ الله. وفي رسالة أفسُس 5: 1، نَقرأُ وَصيَّةَ بولسَ المُهمَّة جدًّا جدًّا إذْ يَقول: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ". "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ". فإن كانَ اللهُ أَبًا لَكُم، تَمَثَّلوا باللهِ، واقتَدُوا في حَياتِكُم بِهِ. وإن كُنتُم حَقًّا أولادَ اللهِ، عِيشوا كما يَليقُ بأولادِ اللهِ، وأَظهِروا صِفاتِ الله، أو كما جَاءَ في رِسَالة تِيطُس والأصحاحِ الثَّاني: "زَيِّنُوا تَعْلِيمَ مُخَلِّصِنَا اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ".

لِذا، لاحِظوا مَرَّةً أخرى أنَّنا نَتأمَّلُ في هذهِ الآيةِ تَحديدًا. فيجبُ عليكُم أن تَتوقَّفوا عنِ التَّذَمُّر، وأن تَفعلوا كُلَّ شَيءٍ بِلاَ دَمدَمةٍ وَلاَ مُجادَلة "لكي تَكونوا...". والنَّصُّ اليونانيُّ يَقولُ حَرفيًّا: "لكي تَصيروا..." – "لكي تَصيروا". وأعتقد أنَّهُ يُشيرُ إلى حُدوثِ عَمليَّةٍ هُنا. فيجب عليكَ أن تَخضعَ لتلكَ العمليَّة الَّتي تُصَيِّرُكَ بِلا لَوْمٍ، وبسيطًا، وَلدًا للهِ بِلا عَيْب. لِذا، تَجَنَّبِ التَّذَمُّرَ لكي تَنجَحَ تلكَ العَمليَّة، ولكي تَدخُلَ في العَمليَّةِ الَّتي ستَجعلُكَ بِلا لَوْمٍ، بَسيطًا، ولَدًا للهِ بِلا عَيْب.

وَاللَّفْظَتانِ "بِلا لَوْم" وَ "بُسَطاء"، أو كما جاءَ في إحدى التَّرجَماتِ: "بِلا لَوْم" وَ "بِلا أَذَى" لا تَختلفان كثيرًا في المَعنى. فَهُما تُشيرانِ إلى الطَّهارةِ الأخلاقيَّة. فاللَّفظَة "بِلا لَوْم" تُشيرُ إلى الحَياةِ الَّتي هِيَ بِمَنأى عنِ النَّقد، أوِ الحَياةِ الَّتي لا تَشُوبُها شَائِبَة إذْ لا يُوجَدُ فيها ما يُمكِنُ انتقادُهُ بسببِ أيَّةِ خَطيَّة أو أيِّ شَرٍّ أو إثم. فهي حَياةٌ لا تَشوبُها شَائِبَة، أو حَياةٌ لا عَيبَ فيها، أو لا عِلَّةَ فيها، أو لا خَطيَّةَ فيها يُمكِنُ للنَّاسِ أن يُلاحِظوها ويَرَوْها.

أمَّا الكلمة "بُسَطاء" فيُمكنُ أن تُتَرجَمَ "بِلا أذَى". وهي تُتَرجَم "بَسَطاء" في إنجيل مَتَّى 10: 16 إذْ إنَّ يَسوعَ يَقول: "فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَام". وهي تُتَرجَم أيضًا: "بُسَطاء" في رسالة رُومية 16: 19 على ما أَظّنُّ إذْ إنَّ بولسَ يَقولُ إنَّهُ يجبُ علينا أن نَكونَ "بُسَطاءَ للشَّرِّ". وهي تُشيرُ إلى أن نَكونَ طَاهِرين، وإلى أن نَكونَ أنقياء، وغير نَجِسين، وغير دَنِسين. وهي تُستخدَمُ مَثَلاً للإشارةِ إلى الخَمْرِ غيرِ المَمزوجَةِ والمَعادِنِ الخَاليةِ مِنَ الشَّوائِب. لِذا فإنَّهُ يَستخدِمُ لَفْظَتانِ رَئيسيَّتانِ ويقولُ إنَّ حَياتَكُم يَنبغي أن تَكونَ حَياةً بَعيدةً عَن أيِّ نَقْدٍ مِن جِهَةِ الخَطيَّة، وحَياةً طَاهِرَةً وغيرَ نَجِسَةٍ وغيرَ دَنِسَةٍ وغيرَ مُختلِطَةٍ بالشَّرّ. لِذا فإنَّهما طَريقتانِ للإشارةِ إلى الحَياةِ الطَّاهرةِ، والحَياةِ الخَاليةِ مِنَ الأخطاءِ، والحَياةِ الخَاليةِ مِنَ الأغلاط. فهذا هُوَ ما يُريدُهُ اللهُ مِن شَعبِه؛ أي أن تَكونَ شَخصيَّتُهُم طَاهرةً، وأن يَكونَ سُلوكُهم طَاهِرًا حَتَّى يَكونوا بِمَنأى عن أيِّ اتِّهامٍ مَشروعٍ، وحَتَّى يَكونوا بِمَنأى عنِ النَّقدِ المَشروع، وحَتَّى يَتجنَّبوا وُجودَ أيِّ شَيءٍ غَريبٍ قد يُلَوِّثُ حَياتَهُم. فيجبُ علينا أن نَكونَ [بِحَسَبِ ما جاءَ في رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاح 11] "عَذراءَ عَفيفَة"، أو "عَذراءَ طَاهِرَة"، أو [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِس]، يجب على الكنيسةِ أن تَكونَ عَروسًا "لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ، وَبِلاَ عَيْبٍ". فهي نَفسُ الفِكرة.

ثُمَّ إنَّكُم تُلاحِظونَ أيضًا في العَدد 15 أنَّهُ يَستخدِمُ العبارة "بِلا عَيْب". وهذهِ أيضًا كلمة واحدة في اللُّغةِ اليُونانِيَّة. فهُناكَ الكلمة "أَميمبتوس" (amemptos)، والكلمة "أكيرايوس" (akeraios)، والكلمة "أموموس" (amomos)؛ وهي جَميعُها تَشترِك في وُجودِ الحَرْف "أَلفْا" (alpha) النَّافِي في أوَّلِها. وهذا يَعني أنَّها ألفاظٌ تُفيدُ النَّفي. لِذا فإنَّها تَعني "بِلا عَيب"، أو "بِلا خَطأ"، أو "بِلا عِلَّة" أو "بِلا شَائِبَة" أو "بِلا وَصْمَة". وهذهِ الكلمة، بالمُناسَبَة، تُستخدَمُ في التَّرجمةِ اليُونانيَّةِ للعهدِ القَديمِ في سِفْرِ العَدد بِضعَ مَرَّاتٍ مِثلَ سِفْر العَدد 6: 14، وسِفر العَدد 19: 2. فقد عَثَرتُ عليها في كِلتا هَاتينِ الآيتين. وهي تُشيرُ هُناكَ إلى ذَبيحةٍ صَحيحةٍ لا عَيْبَ فيها؛ وهي الذَّبيحة الَّتي يَنبغي أن تُقَدَّمَ للرَّبِّ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في الحَقيقةِ الشَّيءَ نَفسَهُ بثلاثِ طَرائِق: لكي تَكونوا بِلا عَيب، أو بِلا دَنَس، أو بِلا عِلَّة، أو بِلا خَطأ، أو بِلا خَطيَّة، أو طَاهرين. فهذا هو ما يُريدُهُ. لماذا؟ يَكْمُنُ المِفتاحُ في العِبارةِ التَّالية: "أولادًا للهِ". فيجبُ عليكم أن تَصيروا أولادَ اللهِ كَما يَنبغي. بعبارة أخرى، يجبُ عليكم أن تَصيروا أشخاصًا يُمَثِّلونَ اللهَ تَمثيلاً صَحيحًا، وأن تَكونَ شَخصًا جَديرًا بالتَّصديقِ حينَ تَقولُ إنَّكَ تَنتَمي إلى اللهِ، وإنَّكَ وَاحدٌ مِن أولادِهِ، وإنَّكَ ابنٌ لَهُ. فيجبُ علينا أن نَكونَ أولادَ اللهِ بِحَقّ، لا مِن خلالِ المَرسومِ الإلهيِّ فقط، بل مِن خِلالِ شَهادَتِنا أيضًا. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني عشر أنَّهُ يجبُ علينا أن نُقَدِّمَ أجسادَنا ذَبيحةً حَيَّةً مُقدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله. لِذا، فإنَّنا نُشبِهُ الذَّبيحةَ ويَنبغي لنا أن نَكونَ بِلا عَيبٍ، وبلا دَنَسٍ، وبلا وَصْمَةِ عَارٍ، وبِلا نَجاسَةٍ، بل طَاهِرين. فنحنُ أولادُ الله.

فيجبُ علينا أن نُراعي ذلك. فَمَن هُوَ الإلهُ الَّذي تَنتَمي إليه؟ وابنُ مَن أنتَ؟ ومَن يَمْلِكُكَ؟ واسمُ مَن تَحمِل؟ ومَا هي هُويَّتُكَ؟ وما هي الحَياةُ الَّتي تَشترِك فيها؟ إنَّها حَياةُ الله. لِذا، يجبُ على كُلِّ مُؤمِنٍ أن يَعيشَ حَياةً مُتوافِقَةً مَعَ هُوِيَّتِه.

ويُقَدِّمُ لنا بُطرسُ دَافِعًا جَيِّدًا في اعتقادي في رسالةِ بُطرسَ الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث. فهو يَتحدَّثُ عنِ المَجيءِ الثَّاني للمسيحِ، أو عن يَومِ الرَّبّ. وهو يَقولُ في العَدد 14: "لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ...". بعبارةٍ أخرى، إذْ أنتُم تَنتظرونَ مَجِيءَ يَومِ الرَّبِّ، أو تَدَخُّلَ المَسيحِ في العالَم، أوِ المَجيءَ الثَّاني. حيثُ إنَّكُم تَنتَظِرونَ هذهِ الأشياءَ: "اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ". بعبارةٍ أخرى، حيثُ إنَّكُم تَعلَمونَ أنَّ المسيحَ آتٍ، يجبُ أن يَدفعَكُم ذلكَ إلى تَطهيرِ حَياتِكُم. فإن كُنتُم تَعلمونَ أنَّ مَجيئَهُ قَريبٌ، يجب أن يَدفعَكُم ذلكَ إلى تَطهيرِ حَياتِكُم. فأنتُم تَعيشونَ في ضَوْءِ مَجيءِ المَسيح. وأنتُم أولادُهُ. ويسوعُ آتٍ مِن أجلِكُم. لِذا، يجبُ عليكم أن تَتصَرَّفوا تَصَرُّفاتٍ تَليقٌ بأولادِ الله. فَلأنَّنا أولادُهُ، فإنَّنا نَحمِلُ اسمَ الآبِ. ويجبُ علينا أن نَتيقَّنَ مِن أنَّنا نَعيشُ حَياةً تَنسَجِمُ معَ الاسمِ الَّذي نَحمِلُه. وهذا يَعني أنَّهُ لا يَجوزُ لنا أن نَتذمَّرَ في هذا السِّياق.

لا يَجوزُ لنا أن نَتذمَّر. فإن كُنتَ شَخصًا مُتذَمِّرًا، أو كَثيرَ الشَّكوى، أو كَثيرَ الدَّمدمَة، أو كَثيرَ الأنين، وإن كُنتَ تُجادِلُ اللهَ، وتخاصِمُهُ، ولم تَكُن شَخصًا قَنوعًا، وإن كانت أَتْفَهُ الأشياءِ في الحَياةِ [سَواءٌ أَكانَت سَحَّابًا عَالِقًا، أَمْ سَائِقًا بَطيئًا، أَمْ غيرَ ذلك] تَجعلُكَ غَاضِبًا ونَاقِمًا ومُتذمِّرًا، وَمَا إلى ذلك، فإنَّكَ قَد شَوَّهتَ الصُّورةَ الَّتي يَراها أُناسٌ في أولادِ الله. فقد أخطأتَ، وأنتَ لستَ بِلا عَيبٍ. وهذهِ مَأساة.

لِذا، مِن أجلِكَ أنتَ، وبسببِ هُوِيَّتِكَ، يجبُ عليكَ أن تُطيعَ الوَصيَّةَ المَذكورةَ في العَدد 14 لكي تُمَثِّلَ تَمثيلاً جَيِّدًا أولادَ الله. فأنا أَذكُرُ أنِّي عندما كُنتُ صَبِيًّا [وقد ذَكرتُ ذلكَ لَكُم قبلَ بِضعِ سَنوات] أَذكُرُ أنِّي أُمْسِكْتُ في مَوقفٍ لا أُحسَدُ عليه فقالَ لي أحدُ الشَّمَامِسَةِ في الكنيسةِ الَّتي كانَ يَرعاها أبي: "أَلاَ تَعلَمُ مَن هُوَ أبوكَ؟ كيفَ تَقترِفُ فِعلاً كَهذا؟" وقد لَمَسَني ذلكَ الحَقُّ الرُّوحِيُّ بِقوَّة. فأنا لا أريدُ أن أتصرَّفَ أو أَسلُكَ بأيَّة طَريقة تَجعلُ أيَّ شخصٍ يَقول: "أَلاَ تَدري مَن هُوَ أبوك؟ كيفَ تَتصرَّف هَكذا؟"

النُّقطةُ الثَّانية بخصوصِ الأسبابِ المُوجِبَةِ للطَّاعة هي ليست فقط أنَّنا نَفعلُ ذلكَ مِن أجلِنا نحنُ وَحَسْب، بل أيضًا مِن أجلِ غيرِ المُخَلَّصِين. وهذا مَبدأٌ جَوهريٌّ جدًّا هُنا: مِن أجلِ غيرِ المُخَلَّصين. فهو يَقولُ في العَدد 15: "لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا للهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاة...". فهو يَقولُ هُنا إنَّ الطَّريقةَ الَّتي نَسلُكُ فيها في الحَياةِ تَعكِسُ لا فقط حَقيقةَ كَوْنِنا أولادَ اللهِ، بل إنَّها تَعكِسُ أيضًا مَدى تَأثيرِنا في العالَمِ الَّذي يَنبغي أن نَكونَ نُورًا فيه. ونحنُ نَتحدَّثُ الآنَ عن غيرِ المُخَلَّصين، ونَتحدَّثُ عن شَهادَتِنا، ونَتحدَّثُ عن وَصيَّةِ اللهِ لنا بأن نَكرِز. وهذا هُوَ، بالمُناسَبة، جَوهَرُ هذهِ الوَصيَّة. فالجُزءُ الأوَّلُ مِنها يَبتدئُ هذهِ النُّقطة، والجُزءُ الأخيرُ مِنها يَخْتِمُها. لِذا فإنَّ هذهِ هي المَسألةُ الجَوهريَّة. فالكِرازَةُ تُشيرُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى كيفيَّةِ إنارةِ أولادِ اللهِ في عَالَمٍ مُظلِم. ولكنَّ القِيامَ بذلكَ بفاعليَّة يَتلخَّصُ في شَيئَيْن: الشَّخصيَّة والمُحتَوى. الشَّخصيَّة والمُحتَوى، أو: الشَّخصيَّة والإعلان. فالأمرُ لا يَقتصِرُ فقط على ما تَقولُهُ، بل هُناكَ أيضًا شَخصيَّتُك. ونحنُ نَعلَمُ ذلك. ولكنَّهُ تَذكيرٌ جَيِّدٌ لنا.

والآن، أَلاَ لاحَظتُم ما جاءَ في العَدد 15 إذْ إنَّنا نُريدُ أن نُدَقِّقَ قَليلاً في التَّفاصيل. فَهُوَ يَقول: "فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ". وَهُوَ يَستَعيرُ هُنا بعِبارة وَرَدَتْ في تَرنيمةِ مُوسَى المُدَوَّنَة في سِفْرِ التَّثنية 32: 5. فقد كانَ مُوسَى يُخاطِبُ بَني إسرائيلَ المُرتَدِّينَ ويقولُ لَهُم: أنتُم لم تَعودوا أولادَ اللهِ لأنَّكُم "جِيلٌ أَعْوَجُ مُلْتوٍ". لِذا فإنَّ بولسَ يَقتبِسُ نَفسَ تلكَ العِبارَة؛ ولكنَّهُ في هذهِ المَرَّة لا يُخاطِبُ بَني إسرائيلَ المُرتدِّينَ، بل إنَّ كَاتِبَ هذهِ الرِّسالة يُخاطِبُ الآنَ أُناسًا في العَالَمِ الَّذي تُوجَدُ فيهِ الكنيسة. ففي الأصحاحِ الثَّاني والثَّلاثين مِن سِفْر التَّثنية، يَصِفُ مُوسَى بَني إسرائيلَ المُرتدِّينَ بأنَّهُم "جِيلٌ أَعْوَجُ مُلْتوٍ". وهُنا، يَستَعيرُ بولسُ تلكَ العِبارةَ لِيَصِفَ كُلَّ العالَمِ الَّذي تُوجَدُ فيهِ الكَنيسة. فنحنُ نَعيشُ "فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ". وهذا شَيءٌ يَنبغي أن نَفهَمَهُ جَيِّدًا.

وقد فَكَّرتُ في أنَّهُ رُبَّما يَنبغي لنا أن نُخَصِّصَ وَقتًا للتحدُّثِ عن ضَلالِ أُمَّتِنا؛ ولكنِّي عُدْتُ وقُلتُ: "لا! فالجَميعُ يَعرفُ مَدى ضَلالِها. وهل هُناكَ مَن يَحتاجُ إلى أيَّةِ مَعلوماتٍ عن ذلك؟" لا أظُنُّ ذلك. فنحنُ نَعيشُ في جِيلٍ أعوجٍ مُلْتَوٍ. وأرجو أن تُلاحِظوا أنَّنا في وَسَطِهِ. فقد قالَ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 عندما صَلَّى إلى الآب: "لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ في العَالَم". فنحنُ أَنوارٌ في العَالَم. وهو عَالَمٌ يَعِجُّ بالأشخاصِ الرَّافضينَ لله. وهو عَالَمٌ يَعِجُّ بالأشخاصِ الَّذينَ يُبغِضونَ المَسيح. وهو عَالَمٌ مَأساوِيٌّ، وعَالَمٌ فَاسِدٌ أخلاقيًّا، وعالَمٌ مُنحرِفٌ رُوحِيًّا. فهو يَرفُضُ رِسالةَ اللهِ كما فَعَلَ بَنو إسرائيلَ في القَديم. أَلاَ لاحظتُم هَاتينِ الكلمتَيْن: "مُعَوَّج" وَ "مُلْتَوٍ"؟ فالكلمة "جِيْل" هي "غينيا" (genea)، ويُمكِنُ أن تُتَرجَمَ "أُمَّة" أيضًا. ولكنَّ الكلمتين "مُعَوَّج" وَ "مُلْتَوٍ" مُدهشتان. فالكلمة "مُعْوَجّ" هي تَرجمَة للكلمة اليونانيَّة "سكوليوس". هل سَمِعتُم يَومًا بمَرضٍ يُدعَى "سكوليوسيس" في العَمودِ الفِقريّ؟ إنَّهُ اعوِجاجٌ في العَمودِ الفِقريِّ. وهي كلمة مُشتقَّة مِن هذهِ الكلمة لأنَّها تَعني: "مُعْوَجّ" أو "غير مُستقيم". وهي تَصِفُ شَيئًا غيرَ مُستقيمٍ، بل هُوَ على الأرجَحِ مُعْوَجٌّ ومُنحرفٌ عَنِ المِعيار. والآية أمثال 2: 15 تَصِفُ الجيلَ المَوجودَ في هذا العَالَمِ بالكلماتِ التَّالية: "الَّذِينَ طُرُقُهُمْ مُعْوَجَّةٌ، وَهُمْ مُلْتَوُونَ فِي سُبُلِهِمْ". ونَقرأُ في سِفْر إشعياء 53: 6: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ [مَاذا؟] ضَلَلْنَا". لِذا فإنَّ الإنسانَ مُصابٌ بمَرضٍ رُوحيٍّ، أو باعوجاجٍ في قَلبِه إذْ إنَّهُ مُنحَرِفٌ عنِ اللهِ، وبَعيد عَن مِعيارِهِ، ومُنحَرِفٌ عنِ الخَطِّ المُستقيمِ للبِرّ.

ثُمَّ إنَّ الكلمةَ الثَّانيةَ أقوى مِنها؛ وهي الكلمة "مُلْتَوٍ". وهذهِ الكلمةُ تُشيرُ إلى الانحرافِ الشَّديد أوِ التَّشويهِ الشَّديد. لِذا فقدِ انحَرَفَ الإنسانُ عنِ الطَّريقِ المُستقيم وصَارَ بسببِ انحرافِهِ هذا مُلْتَوٍ ومُشَوَّهٌ جدًّا. وهي حَالةٌ غير طَبيعيَّة. وبالمُناسبة، لقدِ استَخدمَ رَبُّنا أيضًا هذهِ اللَّفظةَ الرَّئيسيَّةَ في إنجيل لُوقا والعَدد 9. فقد قالَ يَسوع: "أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، الْمُلْتَوِي، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟" لِذا فإنَّهُما صِفَتانِ لهذا الجيل. وقد رأينا ذلكَ في العهدِ القديم، ورأينا ذلكَ في الأناجيل، ورأينا كاتبَ هذهِ الرِّسالة يَستخدِمُهما لوَصفِ أشخاصٍ انحَرفوا عن طَريقِ البِرِّ، وَزَاغُوا عن خُطَّةِ اللهِ، وصَاروا مُعْوَجِّينَ ومُنحَرِفين.

والآن، سوفَ تُلاحِظونَ هُنا أنَّ الآيةَ تَقول: "فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ"، ثُمَّ تَقول: "تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَم". لِذا فإنَّ الكلمةَ "جِيْل" والكلمة "عَالَم" تُذَكرانِ مَعًا. فالكلمة "جِيْل" تُشيرُ بصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى النَّاسِ، والكلمة "عَالَم" تُشيرُ إلى النِّظامِ الأدبيِّ أوِ الأخلاقيِّ الخَاطئِ الَّذي يُفَكِّرونَ مِن خِلالِهِ ويُديرونَ مِن خِلالِهِ حَياتَهُم وسُلوكَهُم. لِذا فإنَّنا نُواجِهُ عَالَمًا مُعْوَجًّا ومُنحَرِفًا. وهذا يُذَكِّرُني دائمًا بالواقعِ الَّذي نَعيشُه. فهو عَالَمٌ مُعْوَجٌّ ومُلْتَوٍ. فالعُهْرُ صَارَ فَضيلةً، والزِّنا صَارَ فَضيلةً، والمِثليَّةُ الجِنسيَّةُ صَارت فَضيلةً، والكَذِبُ صَارَ فَضيلةً، والغِشُّ صَارَ فَضيلةً، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكنَّها ليست كذلكَ بالنِّسبةِ إلى كلمةِ الله. لِذا فإنَّ المُجتمعَ كُلَّهُ مُنحرِفٌ عن مِعيارِ البِرِّ. وبسببِ انحِرافِهِ عنهُ صَارَ مُعْوَجًّا ومُلتويًا. وقد صَارَ تَفكيرُهُم مُنحرفًا جدًّا حتَّى إنَّنا لا نَتوقَّعُ البَتَّة مِنَ الإنسانِ الطَّبيعيِّ أن يَفهمَ الأمورَ المُختصَّةَ بالله. فَهي في نَظَرِهِم ماذا؟ جَهَالَة.

والآن، لقد تَبَقَّى لَدينا شَيئان مُهمَّان جدًّا. فيجبُ علينا أن نَكرِزَ لهذا العَالَمِ المُعْوَجِّ وأن نَكرِزَ لهذا العَالَمِ المُلْتَوي. وهُناكَ طَريقتان: الأولى هِيَ مِن خِلالِ شَخصيَّتِنا، والثَّانية هي مِن خِلالِ أقوالِنا. لِنَنظُر أوَّلاً إلى شَخصيَّتِنا. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 15: "لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَم". فهذهِ هي شَخصيَّتُنا. هذهِ هي شَخصيَّتُنا. فنحنُ نُضيءٌ في وَسَطِهم. وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا الكلمة اليونانيَّة "فينوماي" (phainomai) الَّتي يُمكِنُ أن تُتَرجَمَ: "تُشِعُّونَ" أو "يَنبغي أن تُشِعُّوا". وهو يَقولُ: "يجبُ عليكُم أن تُضيئُوا". وهو لا يَتحَدَّثُ الآنَ عمَّا نَقولُهُ، بل عن هُوَّيَّتِنا... عن هُوِيَّتِنا. يجبُ عليكم أن تُضيئوا. وهذا هو التَّشبيهُ: "كأنوارٍ" ("فوستير" – "phoster")؛ وهي كَلِمَة تَرِدُ بالمَعنى المَجازِيِّ ويُمكِنُ أن تُشيرَ إلى أنوارٍ مُختلفة. ولكن عندما تُستخدَمُ بالمَعنى غيرِ المَجازِيِّ فإنَّها تُشيرُ دائمًا إلى الشَّمسِ أوِ القَمرِ أوِ النُّجوم. وأعتقدُ أنَّ هذا هُوَ على الأرجَح ما يَقولُهُ بولسُ هُنا.

فنحنُ نَجِدُ، على سَبيلِ المِثالِ، استِخدامًا كهذا لهذهِ الكلمة في التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ للآية تكوين 1: 14 وتَكوين 1: 16. وهُناكَ العَديدُ مِنَ المَراجِعِ غيرِ الكِتابيَّةِ الَّتي تُستخدَمُ فيها هذهِ الكلمة للإشارة إلى الشَّمسِ والقَمرِ والنُّجوم. وَمَا يَقولُهُ هُنا ببساطَة هُوَ إنَّكُم تَعيشونَ في عَالَمٍ مُظلِمٍ، وإنَّكُم النُّجومُ والشَّمسُ والقَمرُ. فأنتُم النُّورُ الوَحيدُ في هذا العَالَم. فكما أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجومَ تُضيءُ في السَّماواتِ، وكما أنَّها تُنيرُ السَّماءَ المُعْتِمَةَ، كذلكَ يجبُ عليكم أن تُضيئوا في العَالَمِ، وأن تُنيروا هذا المُجتمعَ المُعتِمَ تَمامًا. فنحنُ نُضيء.

والآن، ما الَّذي يَعنيهِ بالكلمة "تُضيئونَ"؟ أي أنَّنا نَعكِسُ نُورَ الله. وما هُوَ ذلكَ النُّور؟ إنَّهُ حَياةُ الله. ونحنُ لن نَدرُسَ ذلكَ بالتَّفصيل؛ ولكنَّ النُّورَ وَالحَياةَ شَيءٌ واحدٌ. فالحَياةُ، أيْ حَياةُ اللهِ فينا يَنبغي أن تَعكِسَ طَبيعةَ تلكَ الحَياة. فحياةُ اللهِ فينا كَنورٍ تَعكِسُ تَأثيرَ تلكَ الحَياة. ويُمكنكم أن تَرَوْا أنَّ يوحنَّا يَستَخدِمُ هذهِ المَفاهيمِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة: النُّور والحَياة. وكذلكَ هي الحَالُ بالنِّسبةِ إلى بولُس أحيانًا. ويَسوعُ يَقولُ في العِظةِ على الجَبل: "أنتُم نُورُ العَالَم". أنتُمُ الآنيةُ الَّتي سُكِبَ فيها نُورُ اللهِ وَحياةُ اللهِ. والآن، لقد صِرتُم تَملِكونَ تلكَ الحَياةَ وتَعكِسونَ ذلكَ النُّور. فهي حَياةٌ مُضيئَة. وهو نُورٌ حَيٌّ. لِذا، فقد دُعينا إلى أن نَكونَ الشَّيءَ الَّذي أَخفَقَ بَنو إسرائيلَ فيه. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة رُومية 2: 19 إذْ يَقولُ بولس: "وَتَثِقُ أَنَّكَ قَائِدٌ لِلْعُمْيَانِ، وَنُورٌ لِلَّذِينَ فِي الظُّلْمَةِ"؛ ولكنَّكَ لستَ كذلك! فقد كانَ بَنو إسرائيلَ أوِ اليَهودُ أوِ القادَةُ اليَهودُ في زَمَنِ بولُس يَظُنُّونَ أنَّهُم أنوارٌ؛ ولكنَّهُم لم يَكونوا كذلك. لِذا فقد دُعُوا عُميانًا يَقودونَ عُميانًا. والفَريقانِ سيَسقُطانِ في الحُفرة. ولكنَّنا نَحنُ أنوارٌ في العَالَم. لماذا؟ لأنَّ نُورَ الحَياةِ يُضيءُ فينا. ونُورُ حَياةِ المَسيحِ يُشِعُّ مِنَّا. فنحنُ آنِيَة.

وفي رسالة كورِنثوس الثانية 4: 6، يَقولُ بولسُ: "لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا". لِذا، يُمكنُنا الآنَ أن نُنيرَ البَشَرَ مِن خِلالِ إطلاعِهم على مَجدِ اللهِ الَّذي يُشِعُّ مِن خِلالِ إنجيلِ يَسوعَ المَسيح. فنحنُ أنوارٌ. ونحنُ أبناءُ نُور. ونَقرأُ في رسالة أفسُس 5: 8 هذا التَّذكيرَ الجَيِّدَ بهذهِ الحَقيقةِ؛ وأنتُم تَعرِفونَهُ جَيِّدًا جدًّا: "لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ". ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عن ثَمَرِ النُّور. وما هُوَ؟ "لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ [أوِ النُّورِ] هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ. مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ. وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ". فَنُورُنا يُشِعُّ مِن خِلالِ أعمالِنا: الصَّلاح، والبِرّ، والحَقّ. فهذهِ هي صِفاتُنا. وهكَذا يُضيءُ النُّور.

فأنتُم تُنيرونَ النَّاسَ في الحَقيقةِ بطريقةٍ أو بأخرى. فأنتَ تُشِعُّ نُورًا قَويًّا بِصِفَتِكَ ابنًا لله. فَلاَ يُمكنكَ أن تَختَلِطَ بالنَّاسِ في هذا الجِيلِ المُعْوَجِّ والمُلْتَوي مِن دُونِ أن تُؤثِّرَ فيهِم بطريقةٍ مَا. وإن كُنتَ مُؤمِنًا تَقيًّا ومُقدَّسًا ومُطيعًا، سوفَ تَترُكُ تأثيرًا عَظيمًا في أغلبيَّةِ النَّاس. وسوفَ يَشعُرونَ بالنُّورِ، وَحَتَّى إنَّهُم قد يَهرُبونَ مِنَ النُّورِ لأنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّكَ تَمْلِكُ شَيئًا لا يَملِكونَهُ. وإنْ جَازَ القَولُ، قَد يَشعُرونَ بإشعاعاتِ قَداسَتِكَ، أو يَشعُرونَ بِرَغبةٍ في أن يَكونوا شَيئًا أفضلَ مِمَّا هُمْ عَليه. وحَتَّى إنَّهُم قد يَشعُرونَ بالشَّهيَّةِ والجُوعِ والعَطَشِ إلى الأشياءِ الَّتي لا تُرى والأبديَّة الَّتي يَعرِفونَ أنَّهُم لا يَملِكونَها. كذلكَ، لا نُجانِبُ الصَّوابَ أيضًا إن قُلنا إنَّكَ إن كُنتَ شَخصًا سَيِّئًا فإنَّكَ ستُشِعُّ إشعاعاتٍ قَاتِمَةً، وأنَّ حَياتَكَ ستَلمَسُ شَخصًا آخرَ وتَترُكُ تأثيرًا أيضًا. لِذا فإنَّكَ تُؤثِّرُ في النَّاسِ إمَّا بطريقةٍ إيجابيَّةٍ وإمَّا بِطريقةٍ سَلبيَّة. فالجَميعُ يَفعلونَ ذلك.

وَقَد يَكونُ مِنَ المُريع أن نُفَكِّرَ في ذلك. فقد كَتَبَ "فريدريك بروذرتون ماير" (F.B. Meyer): "إنَّ هذهِ الأفكارَ تُلِحُّ على قَلبِ المَرءِ حَتَّى إنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَقولُ كَلِمَةً، ولا أن يَفعلَ أيَّ شَيءٍ مِن دُونِ أن يَرى الآخرونَ أنَّ وَجهَهُ يُشِعُّ بِنورِ اللهِ أو أنَّهُ مُتَجَهِّمُ وكَئيبٌ، أو مِن دُونِ أن يَجعلَ مِنَ الأصعبِ أوِ الأسهلِ على هؤلاءِ الأشخاصِ أن يَعيشوا حَياةً صَالحةً. ففي كُلِّ يَومٍ، إمَّا أن نَتَشَبَّهَ بِيَرُبْعام بْن نَابَاط الَّذي كانَ يَجعَلُ الآخرينَ يُخطِئون، وإمَّا أن نَرفَعَ الآخرينَ لِيَرَوْا نُورَ اللهِ وَسلامَهُ وفَرَحَهُ. فَلاَ أَحَدَ يَعيشُ لنَفسِهِ فقط، وَلاَ أَحَدَ يَموتُ فقط لنَفسِهِ، بل إنَّ حَياةَ كُلِّ شَخصٍ تُخبِرُ عَدَدًا مُتزايِدًا مِنَ النَّاسِ عَن عَظَمَةِ المَسؤوليَّةِ في أن يَعيشُوا". ونحنُ نَتحمَّلُ تلكَ المَسؤوليَّة. فأنتُم نُور. وقد دُعيتُم لكي تُنيروا العالَمَ المُظلِم. وقَداسَةُ حَياتِكُم هي المِنَصَّةُ الَّتي تَقِفونَ عَليها وتُقَدِّمونَ شَهَادَتَكُم الشَّخصيَّة. ويجبُ عليكم أن تَفهَموا ذلك. فمِن خِلالِ نَوعيَّةِ الحَياةِ الَّتي تَعيشونَها فإنَّكُم تَبْنونَ مِنَصَّةً يُصَدِّقُ النَّاسُ مَا تَقولونَهُ مِن فَوقِها. أمَّا إن لم تَكُن لَديكَ مِنَصَّةٌ بسببِ حَياتِكَ فإنَّ رِسالَتَكَ لن تَكونَ جَديرةً بالتَّصديق. والمُؤمِنُ الَّذي يُكثِرُ مِنَ الدَّمدَمَةِ تَعبيرًا عن عَدَمِ رِضَاه، أو شَكواه، أو تَأفُّفِه أو تَذَمُّرِه لن يَترُكَ يَومًا تَأثيرًا إيجابيًّا في الآخرين. فَلاَ يُمكِنَكَ أن تَتحدَّثَ عنِ الإنجيلِ أوِ الغُفرانِ أوِ الفَرحِ أوِ السَّلامِ أوِ الابتِهاجِ أوِ الطُّمأنينةِ وأن تَكونَ في الوقتِ نَفسِهِ نَائِحًا ومُدَمْدِمًا ومُتذمِّرًا طَوالَ الوقت. فالنَّاسُ لن يُصَدِّقوا أنَّ الإنجيلَ سيَفعلُ مَا تُحاوِلُ أن تَقولَ إنَّهُ سَيَفعلُهُ. لِذا فقد قالَ الفَيلسوفُ الألمانِيُّ "هاين" (Heine): "أَروني حَياتَكُم المَفدِيَّة لَعَلِّي أُوْمِنُ بفَاديكُم".

ولكِن إلى جَانِبِ شَخصيَّتِنا هُناكَ المُحتوى؛ أيْ مَا نَقول. انظروا إلى العَدد 16. فهو يُضيفُ أيضًا أنَّهُ في أثناءِ عَمليَّةِ إشعاعِ النُّورِ في العالَمِ، يجبُ عليكم أن تُقَدِموا إليهِم كلمةَ الحَياة. والآن، هُناكَ تَرجَماتُ تَقول: "مُتَمَسِّكينَ بكلمةِ الحَياة". ولكنَّني أعتقدُ لو أنَّ بولسَ أرادَ أن يَقولَ "مُتَمَسِّكينَ بكلمةِ الحياةِ" لرُبَّما استَخدَمَ الكلمة "كاتيكو" (katecho)؛ ولكنَّهُ استَخدَمَ الكلمة "إيبيكو" (epecho) ومَعناها: "مُقَدِّمينَ" أو "عَارِضينَ". والفِعلُ نَفسُهُ المُستخدَمُ هُنا استُخدِمَ أيضًا في المَلْحَمَةِ الشِّعريَّةِ "الأوديسَّة" (Odyssey) لهوميروس (Homer) للإشارةِ إلى تَقديمِ هَديَّةٍ مِنَ الخَمْرِ لشخصٍ كي يأخُذَها ويَشربَها. لِذا فإنَّها تُشبِهُ العَرْضَ. وهي قد تَعني: يَتَمَسَّكُ بِقوَّة" أو "يَتَمَسَّكُ بِشِدَّة"؛ ولكنَّ السِّياقَ هُنا هُوَ الإنارة في عَالَمٍ مُظلِم. وهو سِياقٌ يُشيرُ إلى إشعاعِ النُّورِ في عَالَمٍ مُظلِم. لِذا، يَبدو لي مِن خِلالِ النَّظرِ إلى هذهِ الكلمةِ، وطريقةِ استِخدامِها، ومُقارَنَتِها بألفاظٍ أخرى، والسِّياقِ الَّذي وَرَدَت فيه أنَّ المَعنى المُرَجَّح هُوَ: "يُقَدِّم" أو "يَعرِض". فنحنُ نُشِعُّ كالأنوارِ مِن نَاحيةِ شَخصيَّتِنا. ونحنُ نُقَدِّمُ للآخرينَ كَلمةَ الحَياة. وما مَعنى ذلك؟ أيِ الكلمة الَّتي تَهَبُ الحَياةَ. وما هي الكلمةُ الَّتي تَهَبُ الحَياةَ؟ إنَّها الإنجيل... الإنجيل. فهي الرِّسالةُ الَّتي تَهَبُ الحَياةَ. وهو إنجيلُ الخَلاصِ الَّذي يُعطي حَياةً؛ أيْ يُعطي حَياةَ اللهِ للنَّفس... نَفسِ الإنسان. فالنَّاسُ أمواتٌ بالذُّنوبِ والخَطايا (كما جَاءَ في رسالة أفسُس 2: 1). وَهُم بِحَاجة إلى الحَياة. ونحنُ نُقَدِّمُ لهُم تلكَ الحَياة، ونَعرِضُ عَليهِم تلكَ الحَياة. وهذا إعلان. لِذا، هُناكَ الشَّخصيَّةُ مِن جِهَة، وهُناكَ الإعلانُ مِن جِهةٍ أخرى. فهُناكَ الشَّخصيَّةُ والمُحتَوى. أو هُناكَ هُوِيَّتُنا، وهناكَ أقوالُنا.

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "تَوقَّفوا عنِ الدَّمدمَة، وتَوقَّفوا عنِ التَّذمُّر، وتَوقَّفوا عنِ المُجادلةِ معَ اللهِ، وأَطِيعُوا اللهَ بفَرح، وتَمِّمُوا خَلاصَكُم مِن دُونِ تَذَمُّر. وفي أثناءِ إشعاعِكُم كأنوارٍ في العالَم، قَدِّموا الإنجيلَ الَّذي يُخَلِّصُ. وحينئذٍ ستَجِدونَ أنَّ هُناكَ قَبولاً لَهُ لأنَّ الحَياةَ الَّتي اختَبَرَتِ التَّغييرَ هي أعظمُ إعلانٍ عنِ الإنجيل. فَلا فَائدةَ تُرجَى مِنَ الرُّوحِ السَّلبيَّةِ الَّتي تُكثِرُ مِنَ الشَّكوى والتَّذمُّر. لِذا فإنَّ طَاعَتَكَ للهِ بفَرحٍ وشُكرٍ وإيجابيَّةٍ وحَماسَةٍ، واتِّكالَكَ عليهِ، ورَغبتَكَ الشَّديدةَ في طَاعَتِه هي الَّتي تَجعلُ شَهادَتَكَ فَعَّالةً.

النُّقطةُ الثَّالثةُ والأخيرة، وقدِ احْتَفَظْتُ بهذهِ النُّقطةِ حَتَّى النِّهاية وأريدُ أن أُعَلِّقَ عَليها تَعليقًا مُختَصَرًا أوِ تَعليقَيْنِ لأنِّي لا أريدُ أن تَظُنُّوا أنَّكُم تَفعلُونَ ذلكَ مِن أجلِ المَنفعةِ الشَّخصيَّةِ فقط. وهذه نُقطةٌ مُدهشةٌ جدًّا. فقد قُلنا [أوَّلاً]: تَوقَّفُوا عنِ التَّذمُّرِ مِن أجلِكُم أنتُم شَخصيًّا. [ثانيًا]: تَوقَّفوا عنِ التَّذمُّرِ مِن أجلِ الضَّالِّينَ أو غيرِ المُخَلَّصين. [ثالثًا]: تَوقَّفوا عَنِ التَّذَمُّرِ مِن أجلِ رَاعي كنيسَتِكُم. هَل فَهِمتُم ذلك؟ وقد تَقول: "مَهلاً! هَل هَذا مَذكورٌ في الكتابِ المقدَّس؟" أجل، أجل. انظروا إلى العَدد 16: "لافْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلاً". فهو يَقول: "انظُروا! إن أَطعتُم هذهِ الوَصيَّة، سوفَ أَفرحُ في يَومِ المَسيح. وسوفَ أنظُرُ إلى حَياتي وأقولُ إنِّي لم أَسْعَ باطِلاً ولم أتعب باطِلاً". لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "افعَلوا ذلكَ مِن أجلي". وَهُوَ يُعَبِّرُ عن مَشاعِرِهِ بِصِفَتِهِ رَاعيًا لَهُم هُنا. فهو يَقول: "كُونوا أنقياءَ، وأتقياءَ، ولا تَتذمَّروا. وافعَلوا ذلكَ مِن أجلِ ذاكَ الَّذي وَهَبَ حَياتَهُ لِخدمتِكُم، ومِن أجلِ ذاكَ الَّذي دُعِيَ مِنَ اللهِ، ومِن أجلِ ذلكَ الَّذي أُرسِلَ مِنَ اللهِ، ومِن أجلِ ذاكَ الَّذي قَدَّمَ نَفسَهُ لِخِدمتِكُم. أرجوكُم أن تَفعلوا ذلكَ مِن أجلي؛ لا مِن أجلي في هذهِ الحَياةِ فقط، بل مِن أجلي في الحَياةِ الأبديَّةِ أيضًا". فهذا هو ما يَقولُهُ. فهو لا يَقولُ لَهُم: "افعَلوا ذلكَ لكي أحِبَّ خِدمَتي أكثر". لا، بل: "امنَحوني فَرَحًا أعظمَ في الأبديَّة". لماذا؟ أعتقدُ أنَّ الجَوابَ بَسيطٌ جدًّا. فهذا ليسَ افتِخارًا، وهي ليسَت مَصلحةً شَخصيَّةً، بل إنَّ بولسَ يَقولُ الآتي: "أنا أُحِبُّ اللهَ. أنا أُحِبُّ اللهَ مِن كُلِّ قَلبي ونَفسي وعَقلي وقُوَّتي. وأنا أعيشُ في هذهِ الحَياةِ لكي أَخدِمَ اللهَ. وأنا أَتطلَّعُ إلى السَّماءِ لِسببٍ واحدٍ فقط: أنِّي أريدُ أن أُمَجِّدَ اللهَ. وكُلَّما زادَت فَعاليَّةُ خِدمَتي في هذا العَالَم، زادَت قُدرتي على تَمجيدِهِ في العالَمِ الآتي. لِذا، لا تُقَيِّدُوا قُدرتي على تَمجيدِهِ في العَالَمِ الآتي مِن خِلالِ جَعْلِ تَعبي هُنا بَاطِلاً لأنَّكُم لم تُطيعوا وَصَاياي".

لِذا، هَذا هُوَ دَافِعُهُ الثَّالثُ القَويُّ. أوَّلاً، افعَلوا ذلكَ مِن أجلِكُم أنتُم لكي تَكونوا أولادَ اللهِ. وافعَلوا ذلكَ مِن أجلِ الضَّالِّينَ بأن تُنيروا كأنوارٍ في العالَمِ وتُقدِّموا لَهُم كلمةَ الحَياة. وافعَلوا ذلكَ مِن أجلي بِدافعِ حُبِّكُم لي، وتَقديرِكُم لي، ورَغبتِكُم في أن تَرَوْني قادرًا تَمامًا على تَمجيدِ اللهِ في الأبديَّة. افعَلوا ذلك. وهذهِ نُقطةٌ رائعة. أليسَ كذلك؟ فقد وَهَبَ حَياتَهُ لأجلِهم. وقد كانَ الأداةَ البَشريَّةَ في خَلاصِهم. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16 كيفَ وُلِدَتِ الكنيسةُ في فيلبِّي. والآن، إنَّهُ في السِّجن. وهو لا يَعلَمُ كَمِ الوَقتُ المُتَبَقِّي لَهُ. فكُلُّ ما كانَ يَعرِفُهُ حَتَّى تلكَ اللَّحظةِ هُوَ أنَّهُ قد يَموت. ولكنَّهُ لم يَمُت إلاَّ في وقتٍ لاحقٍ عندما سُجِنَ مَرَّةً أخرى. ولكنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ آنذاكَ في هذا الاحتمال. وهو يَتطلَّعُ إلى لِقاءِ الرَّبِّ ويقول: "عندما ألتَقى الرَّبَّ"، أو كَما يَقولُ في العَدد 16: "في يَومِ المَسيح". وهذا [بالمُناسَبة] يَختلفُ عن يَومِ الرَّبّ. فالتَّركيزُ هُنا مُختلِفٌ. فيومُ الربِّ يُرَكِّزُ على الدَّينونة؛ أمَّا يومُ المسيحِ فيُركِّزُ على المُكافآت. فيومُ الرَّبِّ يُرَكِّزُ على غيرِ المُؤمِنين. أمَّا يومُ المسيحِ فيُركِّزُ على المُؤمِنين. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "في يَومِ المَسيح". وبالمُناسَبة، لقد قُمْنا بدراسةٍ مُفَصَّلةٍ عن ذلكَ في عِظَتِنا عنِ الأصحاحِ الأوَّل والعَدَدان 6 و10. فهو يَقول: "عندما أنظرُ إلى اليومِ الَّذي أَرَى فيهِ المَسيحَ وأحصُلُ على مُكافأتي، سأجِدُ سَببًا للافتخارِ، أو بالحَرِيِّ: سَبَبًا للابتهاج... سَبَبًا للابتِهاج". ولماذا سأَبتهِجُ؟ لأنِّي سأعلمُ أنِّي "لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً". وهو يَستخدِمُ هُنا كلمةً تُشيرُ إلى العَدَّائينَ في السِّباقِ حيثُ إنَّهُم يَبذُلونَ أقصَى جُهدٍ مُمكنٍ للفَوزِ في سِباقٍ كَبير. "وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلاً". والكلمة المُستخدمة هُنا هي "كوبييئو" (kopiao)، وهي تُشيرُ إلى العَمَلِ حَتَّى التَّعرُّقِ والإجهاد. بعبارةٍ أخرى: أريدُ أن أَصِلَ إلى خَطِّ النِّهاية، وأريدُ أن أرى المَسيحَ وأن أَعلمَ أنَّ كُلَّ تَعبي الَّذي تَعِبتُهُ لم يَذْهَبْ هَباءً.

لِذا، أَلاَ شَجَّعتُم قَلبي طَوالَ الأبديَّة مِن خِلالِ كَونِكُم أُمَناء؟ لا أَظُنُّ أنَّ شخصًا آخرَ فَكَّرَ بهذهِ الفِكرة. هل فَكَّرتَ يَومًا بهذهِ الفِكرة؟ وهل قُلت يَومًا: "أريدُ أن أكونَ مُؤمِنًا أمينًا لكي يَحصُلَ جون ماك آرثر على المُكافأةِ الكامِلَة"؟ أجل، إنَّها فِكرةٌ غَريبةٌ جدًّا حَتَّى إنَّكُم لم تُفَكِّروا فيها يَومًا. ولكنَّكُم تَعلَمونَ ذلكَ الآن. أليسَ كذلك؟ فهذهِ الكلماتُ مَكتوبة هُنا. وأنا لا أقولُ ذلكَ مِن مُنطلقِ الأنانِيَّة. فهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ أفضلَ شَيءٍ يُمكِنُهم القيامُ بهِ لأجلِ الواعِظِ هُوَ أن يَدْعوهُ إلى الطَّعامِ أو أن يُرسِلوا لَهُ بِطاقَةً أو أن يَكتُبوا لَهُ رِسالةً مُشَجِّعَةً. ولا شَكَّ في أنَّ هذهِ الأشياءَ مُشَجِّعَةٌ جدًّا. ولكنَّ أفضلَ شَيءٍ يُمكنُكم القيامُ بهِ لأجلِ الرَّاعي أوِ الرُّعاةِ أو جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقودونَكُم هُنا أو في أيَّةِ كَنيسةٍ أخرى تَذهبونَ إليها... إنَّ أفضلَ شَيءٍ يُمكنكم القيامُ بهِ هُوَ أن تُطَبِّقوا كُلَّ شَيءٍ عَلَّموكُم إيَّاه حَتَّى عندما يَذهبونَ إلى المَجدِ سيَحصُلونَ على مِلْءِ القُدرةِ على تَسبيحِ وتَمجيدِ اللهِ الَّذي خَدَموهُ طَوالَ الأبديَّة. فأنا لا أريدُ أيَّ شَيءٍ في هذهِ الحَياة. ولم يَكُن بولُسُ يُريدُ أيَّ شَيءٍ أيضًا. وهذا أمرٌ مُدهش. فيجبُ عليكُم أن تَعْتَبرِوهُم كَثيرًا جدًّا في المَحبَّةِ (كما جاءَ في الرسالةِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 5: 13) مِن أجلِ عَمَلِهم. ويجبُ عليكم أن تَتبَعُوا إيمانَهُم (كما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 13: 17). وهل تَعلَمونَ ماذا قالَ يوحنَّا في رسالة يوحنَّا الثالثة والعَددِ الرَّابع؟ استَمِعوا إلى ما يَلي. فقد قال: "لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلاَدِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالْحَقِّ". فأعظمُ فَرَحٍ لأيِّ خَادمٍ مِن خُدَّامِ اللهِ هُوَ أن يَرى طَاعَةَ رَعيَّتِهِ. فهذا هُوَ أعظمُ فَرَح. فسوفَ تَمضي إلى يومِ المَسيحِ وتَعلمُ أنَّكَ لم تَسْعَ باطِلاً، ولم تَتعَب باطِلاً. فأنتَ لم تَعرَق وتَتعَب وَتَركُض السِّباقَ إلى خَطِّ النِّهايةِ هَباءً لأنَّ الرَّعيَّةَ كانت أمينةً.

والأمرُ ليسَ نَابِعًا مِن أنانيَّة، بل إنَّكَ تُقَدِّرُ مَسؤوليَّةَ الخِدمةِ تَقديرًا كَبيرًا جدًّا حتَّى إنَّكَ تُريدُ مِنَ اللهِ أن يَعلمَ أنَّكَ بَذلتَ أقصى جُهدٍ مُمكِن. وبولسُ يَقولُ في الأصحاحِ الخَامِس عَشَر مِن رِسَالَتِهِ إلى أهلِ رُومية: "فَلِي افْتِخَارٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَةِ مَا للهِ. لأَنِّي لاَ أَجْسُرُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَسِيحُ بِوَاسِطَتِي". فهو يَعلَمُ ذلك. فأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي نَفتَخِرُ بِهِ فإنَّ المَسيحَ هُوَ الَّذي عَمِلَهُ. وأيًّا كانَ الصَّلاحُ الَّذي حَدَثَ في حَياتِكُم فإنَّ المَسيحَ هُوَ الَّذي صَنَعَهُ. ولكن كُونوا أُمَناءَ مِن أجلِ الأشخاصِ الَّذينَ سَكَبوا حَياتَهُم فيكُم. وكُونوا أُمناءَ مِن أجلِ الأشخاصِ الَّذينَ زَرَعُوا البُذورَ، وأولئكَ الَّذينَ سَقَوْها.

على النَّقيضِ مِن ذلكَ، في الخِتام، انظروا إلى ما جاءَ في الأصحاحِ التَّاسعِ والأربَعين مِن سِفْر إشعياء. استَمِعوا إلى إشعياء. استَمِعوا إلى ما قَالَهُ. ففي الأصحاحِ السَّادِسِ تَلَقَّى الدَّعوةَ إلى الخِدمَة. وهو يَنظُرُ الآنَ إلى الوَراء ويَقولُ في العَددِ الرَّابع: "أَمَّا أَنَا فَقُلْتُ: عَبَثًا تَعِبْتُ. بَاطِلاً وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي". أليست هذهِ الكلماتُ مُحزِنَة؟ "عَبَثًا تَعِبْتُ. بَاطِلاً وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي". فقد كانَ نَبيًّا مَكسورَ القَلب. ولكنَّ بُولُسَ كانَ يَعلمُ أنَّ النَّتيجةَ النِّهائيَّةَ لن تَكونَ سَيِّئةً. وكذلكَ هي الحَالُ بالنِّسبةِ إلى إشعياء. فقد كانت هُناكَ مُكافأةٌ تَنتظرُ إشعياء. وكانَ بولسُ يَعلمُ أنَّ تَعَبَهُ لن يَذهَبَ هَباءً لأنَّهُ قالَ في رِسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 15: 58 إنَّهُ يَعلمُ أنَّ تَعَبَهُ في الرَّبِّ ليسَ باطِلاً. ولكنَّ ما يَقولُهُ هُنا هُوَ: "أريدُ تَجاوُبًا كَامِلاً، وأريدُ مُكافأةً كاملةً لكي أفرحَ فَرَحًا عَظيمًا ولكي أَمتَلِكَ قُدرةً كاملةً على تَمجيدِ الله".

لِذا فإنِّي أقولُ لكم، يا أحبَّائي الأعزَّاء: كُونوا أُمناءَ لهذهِ الوَصيَّةِ مِن أجلِكُم، ومِن أجلِ غيرِ المُخَلَّصينَ، ومِن أجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يَخدِمونَكُم ويَرعونَكُم. دَعونا نَحني رُؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، لقد كُنَّا بحاجةٍ إلى هذا التَّذكيرِ مَرَّةً أخرى لأنَّنا نَميلُ كَثيرًا إلى رُوحِ التَّذَمُّر. ولكنَّنا نَتذكَّرُ كلماتِ إشعياء 45: 9: "وَيْلٌ لِمَنْ يُخَاصِمُ جَابِلَهُ. خَزَفٌ بَيْنَ أَخْزَافِ الأَرْضِ. هَلْ يَقُولُ الطِّينُ لِجَابِلِهِ: مَاذَا تَصْنَعُ؟ أَوْ يَقُولُ: عَمَلُكَ لَيْسَ لَهُ يَدَانِ؟" فَهَل سَنَتذمَّرُ عَليكَ؟ وَهَل سنَنتقِدُكَ على الخِلْقَةِ الَّتي خَلقتَنا عليها؟ أو على حَياتِنا؟ ساعِدنا يا رَبُّ على أن نَعملَ كُلَّ الأشياءِ في أثناءِ تَتميمِنا لخَلاصِنا، وكُلَّ الأشياءِ الأخرى مِن دُونِ تَذَمُّر؛ بل بِفَرَحٍ وشُكرٍ لكي نَكونَ أولادًا يُمَجِّدونَ أَبَاهُم، ولكي نَكونَ أنوارًا مُضيئةً في عَالَمٍ مُظلِم، ولكي نُدخِلَ الفَرحَ والابتهاجَ الأبديَّ إلى قُلوبِ الأشخاصِ الَّذينَ تَعِبوا مِن أجلِنا. ونحنُ جَميعًا، يا أبانا، لَنا رُعاةٌ أعِزَّاءُ قَدَّمُوا أجزاءً مِن حَياتِهم لأجلِنا. لِذا، لَيتَنا نَكونُ أُمناء حَتَّى يَأتوا في يَومِ المسيحِ ويَرَوْا أنَّ تَعَبَهُم لم يَكُن باطِلاً. نَشكُرُكَ يا رَبُّ على كُلِّ ما تَصْنَعُهُ في رَعيَّتِنا. ونَشكُرُكَ على الطَّريقةِ الأمينةِ الَّتي تُظهِرُ فيها دائمًا نِعمَتَكَ مِن نَحوِنا. سَامِحنا على تَذَمُّرِنا، وَثَبِّت أقدامَنا في طَريقِ الطَّاعة. باسمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize