بَعضُكُم يَعلمُ أنَّهُ قبلَ أسبوعٍ، حَظَيْنا أنا وزوجَتي "باتريشا" (Patricia) بفُرصةٍ رائعةٍ للسَّفَرِ في رِحلةٍ بَحريَّةٍ إلى ألاسكا نَظَّمَتْها هَيئةُ "ماسترز كوميونيكيشن" (Master's Communication)؛ وهي الهَيئةُ المَسؤولةُ عن خِدمةِ الإذاعةِ والتَّسجيلات. وكانَ هُناكَ نَحو مِئتينِ وسَبعينَ شخصًا على مَتْنِ هذهِ السِّفينةِ جَاءوا لأنَّهم يُريدونَ أن يَدرُسوا كَلمةَ اللهِ في جَمالِ خَليقةِ الله. لِذا فقد أَبْحَرْنا إلى ألاسكا عَبْرَ مَضيقٍ دَاخِلِيٍّ في الجَنوبِ الشَّرقِيِّ مِن مَنطقةِ ألاسكا. وقد كُنَّا نُعَلِّمُ كلمةَ الله، وكانت لدينا خِدمةٌ كُلَّ يَوم، وكُنَّا نَصرِفُ وَقتًا في الكلمةِ والشَّركةِ الرَّائعةِ فيما استَمتعنا بهذهِ الأيَّامِ معًا.
وقد جاءَ هؤلاءِ النَّاسُ مِن جَميعِ أنحاءِ أمريكا. وَهُمْ في الحَقيقةِ جُزءٌ مِن خِدمَتِنا الإذاعِيَّة. وكانَت هُناكَ مَجموعةٌ مِنَ الأصدقاءِ الأعِزَّاءِ مِن كَنيسةِ غريس (Grace Church) الَّذينَ رافَقونا أيضًا. ولكنَّنا تبارَكْنا بعَددٍ مِنَ الصَّداقاتِ الرَّائعة. فبعدَ نَحوِ يَومَيْنِ مِنَ انطلاقِ السَّفينة، تَصَادَقْنا معَ بِضعةِ أشخاصٍ مِن بَينِهم رَجُلٌ وزوجَتُهُ كانا يَجلسانِ مُقابِلَنا في الصَّالة. وقد حَظَيْنا بفُرصةٍ رائعةٍ للجلوسِ مَعَهُما والاستماعِ إلى شَهادَتِهما وكيفَ أنَّهُما كانا يَعيشانِ حَياتَهُما مِن دُونِ المَسيحِ سَنواتٍ طَويلة قبلَ أن يُؤمِنا منذُ أربعِ سَنواتٍ بيسوعَ المسيح. وبعدَ إيمانِهما بيسوعَ المسيحِ وَقَعا في فَخِّ التَّعليمِ الزَّائفِ إلى أنِ انتَشَلَتَهُما نِعمةُ اللهِ في النِّهايةِ وَقادَتْهُما إلى دِراسةٍ صَحيحةٍ للكِتابِ المُقدَّس. وفي الآوِنَةِ الأخيرةِ ابتدآ يَستمعانِ إلى إذاعَةِ "غريس تو يو" (Grace To You) ويَحصُلانِ على العِظاتِ على أشرطةٍ مُسَجَّلة.
وقد جَاءا إلى هذهِ الرِّحلةِ البَحريَّةِ لأنَّهما أرادا أن يَلتقياني وأن يَعْرِفَا إن كانت هُناكَ طَريقةٌ للنُّموِّ أكثرَ فأكثر في التَّشَبُّهِ بالمَسيح. فَهُما قَلبانِ جائِعانِ جدًّا وَحَسْب. وهذانِ الزَّوجانِ هُما مِن كولورادو (Colorado). لِذا فقد حَظَيْنا بشركةٍ قصيرةٍ رائعةٍ معهما في ذلكَ الأسبوع. وقد كانا مَصدرَ تَشجيعٍ عَظيمٍ لنا بسببِ حَماستِهِما للرَّبّ. وقد قَالاَ لي إنَّ ابنتَهُما سَتَلتَحِقُ بِكُلِّيَّةِ اللاَّهوتِ (The Master's College) في الخَريفِ القادِمِ، وأخبراني أنَّهُما مُتَحَمِّسانِ ومَسرورانِ جدًّا بذلكَ؛ لا سِيَّما بعدَ زِيَارَتِهم للكُليَّة.
وفي يومِ الجُمُعة، جَلستُ لتَناوُلِ العَشاء. وكانَتِ السَّاعةُ هي الثَّامنة مَساءً عندما تَمَكَّنَّا مِن تَناوُلِ العَشاء. وعندما جَلَسْنا، جاءَ واحِدٌ مِنَ العَامِلينَ وقالَ لي: "سَيِّدي! يجب أن تأتي حالاً". قُلتُ: "لماذا؟" وقد كانَ مِن إندونيسيا. لِذا، لم أتمكَّن مِنْ فَهْمِ ما يَقول تَمامًا؛ ولكنَّهُ قال: "يجب أن تَأتي". فهذا كُلُّ ما استطاعَ أن يَقولَهُ. لِذا فقد قلتُ: "حسنًا"، واعتَذرتُ مِنَ الحَاضِرينَ وتَبِعتُهُ. وقد أَخَذَني إلى الجُزءِ الخَلفيِّ مِن تلكَ السَّفينةِ الضَّخمةِ الَّتي يَبلُغُ وَزنُها خَمسةً وأربعينَ ألفَ طُنٍّ إلى أن وَصَلْنا إلى العِياداتِ الطِّبيَّة. وقد دَخَلْتُ مِن بابِ العِيادةِ فرأيتُ مَشْهَدًا صَادِمًا أمامي.
كانَت تلكَ العِيادَةُ مُخَصَّصَةً للحَالاتِ الطِّبيَّةِ الطَّارئةِ الَّتي تَحدُثُ في أثناءِ الرِّحلةِ البَحريَّة، وغالبًا ما يُعالِجونَ فيها الأشخاصَ الَّذينَ يُصابونَ بِدُوارِ البَحرِ، أوِ الدَّوخَةِ، أوِ الَّذينَ يَتعرَّضونَ لحادثٍ بَسيطٍ، أو مَا شَابَهَ ذلك. ولكن عندما دَخلتُ إلى تلكَ العِيادَة، أخبَرني الطَّبيبُ حَالاً، أي طَبيبُ الطَّوارِئِ الَّذي كانَ على مَتْنِ تلكَ السَّفينة، أنَّ هُناكَ ثَلاثَةَ أشخاصٍ تَعَرَّضوا لِنَوباتٍ قَلبيَّةٍ، وأنَّ الثَّلاثةَ على وَشْكِ المَوتِ وفي حَالةٍ حَرِجَة. وكانت هُناكَ ثَلاثُ مُمَرِّضاتٍ يَعْمَلْنَ في غُرفةِ الطَّوارِئِ ويَتحرَّكنَ بأقصى سُرعةٍ مُمكنةٍ ما بينَ تلكَ الغُرَفِ الثَّلاثِ، ويَعتنينَ بهؤلاءِ المَرضى الثَّلاثةِ المُصابينَ بِجَلْطاتٍ قَلبيَّة خَطِرَة. ولم تَكُن لديهم مُعَدَّاتٌ كافية للتَّعامُلِ معَ تلكَ الحَالات. لِذا فقد عَرَضْتُ عَليهم أن أَطلُبَ مِن طَبيبٍ صَديقٍ لي يُرافِقُنا في الرِّحلةِ أن يَأتي لمُساعَدتِهم، وصَعِدْتُ إلى أعلى، واستَدعيتُهُ مِن قَاعَةِ الطَّعامِ فنَزَلَ إلى هُناكَ، وجَلَسَ، وَراحَ يُراقِبُ يَدَوِيًّا واحِدًا مِن هؤلاءِ المَرضَى.
وكانَ واحِدٌ مِن هؤلاءِ المَرضى هُوَ ذلكَ الرَّجُلُ الَّذي التَقيتُهُ مِن قَبل. وَهُوَ رَجُلٌ عَزيزٌ مُمتلئٌ نِعمةً يَحْمِلُ اسمًا رائعًا وَهُوَ: "ثاديوس" (Thaddeus). وعندما دَخلتُ قَالَ لي الطَّبيبُ: "لقد أَشرَفَ على المَوتِ، ونحنُ نُحاولُ أن نُنقِذَهُ". ثُمَّ قال: "أنا أُوْمِنُ جدًّا بقوَّةِ الذِّهن. لِذا، يجب عليكَ أن تَذهبَ إليهِ وأن تُقَوِّيه". لِذا، فقد دَخلتُ إلى تلكَ الغُرفةِ، وأمسكتُ بيدِهِ، ورُحْتُ أُصَلِّي لأجلِهِ. وكانت زَوجَتُهُ تُصَلِّي وتَتَضَرَّعُ إلى الرَّبِّ فيما كانت تَقِفُ إلى جَانِبِه. وقد أَظْهَرَتْ إيمانًا عَظيمًا وثِقَةً عَظيمةً في الرَّبّ. ثُمَّ جاءَ أشخاصٌ آخرون. فقد كانَ "جيم ريكارد" (Jim Rickard) هُناكَ، وَ "دون هاسكوت" (Don Hascott)، وآخرونَ مِمَّن كانوا مَعَنا، و "ميل هانكينسون" (Mel Hankinson) مُدَرِّبُ الرِّياضةِ لَدينا في كُليَّةِ اللاَّهوت. لِذا فقد سَهِرْنا في العِيادةِ، وجاءت زَوْجاتٌ أُخرَياتٌ وأُناسٌ آخرونَ، وكانَ الجَميعُ يُصَلُّونَ مِن أجلِ هذا الرَّجُلِ العَزيزِ ومِن أجلِ حَياتِهِ لأنَّهُ كانَ في حَالَةٍ حَرِجَةٍ جدًّا.
وكما تَعلَمونَ، لقد حَقَنوهُ بأدويةٍ كما يَفعلونَ عَادَةً مِثلَ اللاَّيدوكين (Lidocaine) والمورفين (Morphine)، وأعطوهُ أوكسُجين، وكانوا يُحاولونَ أن يُنَظِّموا عَمَلَ قَلبِهِ الَّذي لم يَكُن مُستقرًّا البَتَّة. وكانَ قد خَضَعَ لِعَمَلِيَّتَيِّ قَلبٍ مِن قَبل. لِذا فقد كانَ قَلبُهُ في حَالةٍ غير مُستقرَّة البَتَّة. والآن، كانت تلكَ الجَلطَةُ تُهَدِّدُ حَياتَهُ.
وبعدَ أن استقرَّتْ حَالَتُهُ قَليلاً وابتدأَ في استِعادَةِ لَونِهِ، أَنْعَمَ اللهُ عَليهِ فاجتازَ مَرحلةَ الخَطَرِ بعدَ أن ظَنُّوا حَقًّا أنَّهُ سيَموت. فقد هَمَسَ الطَّبيبُ في أُذُني في المَمَرِّ بأنَّهُم لا يَظُنُّونَ أنَّهُ سَيَنجو. ولكنَّهُ نَجا مِن تلكَ الجَلطَة. وكانَ مِنَ المُدهِشِ أنَّ الطَّبيبَ قالَ لي: "لقد كَانَ تَأثيرُكَ جَيِّدًا على هذا الرَّجُل. اذهب إلى الرَّجُلِ الآخر وَصَلِّ لأجلِهِ". لِذا فقد ذَهبتُ إلى الغُرفةِ الأخرى وقُلتُ لِزوجةِ ذلكَ الرَّجُلِ الَّتي كانت تَجلسُ هُناكَ، قُلتُ لها: "أنا خَادِمٌ للرَّبِّ وأريدُ فقط أن أُصَلِّي لأجلِ زَوجِك". ثُمَّ قُلتُ: "هل لَديكِ أيَّة خَلفيَّة دِينيَّة، أو مَا هي عَلاقَتُكِ بالرَّبّ؟" قالت: "آه، نحنُ مِنَ الكنيسةِ الميثودِيَّة".
قُلتُ: "هل تَعتقدينَ أنَّ زَوجَكِ يُؤمِنُ بأنَّ المَسيحَ خَلَّصَهُ؟" قالت: "أجل، إنَّهُ يُؤمِنُ بكُلِّ تلكَ الأمورِ الرَّائعة. نحنُ نُؤمِنُ بكُلِّ تلكَ الأمورِ الرَّائعة". حينئذٍ، أدركتُ أنَّها لا تَدري ما الَّذي يَجري؛ ولكنِّي دَخلتُ وتَحَدَّثتُ إليهِ بِضعَ دَقائق وأخبرتُهُ أنِّي أريدُ أن أُصَلِّي لأجلِه. والمُدهشُ في الأمرِ هُوَ أنَّ حَالَتَهُ ابتدأت تَتَحَسَّن. فقد كانَ تأثيرُ الصَّلاةِ رائعًا جدًّا في اعتقادي. فقد ابتدأَ في التَّحَسُّن. وكانَ المَريضُ الثَّالثُ الَّذي أُصيبَ بنوبةٍ قَلبيَّةٍ هُوَ الشَّخصُ الَّذي كانَ صَديقي الطَّبيبُ يُراقِبُهُ شَخصيًّا ويُصَلِّي لأجلِهِ. وقد تَحَسَّنَ واستقرَّتْ حَالَتُهُ.
وكانَ كُلُّ ما جَرى مُهِمًّا جدًّا لأنَّهُ كانَ تَمهيدًا لتَقديمِ البِشارةِ لطبيبِ السَّفينةِ الَّذي كانَ يُراقبُ كُلَّ ما يَجري ويُقَيِّمُنا. فقد قال: "أتَدري أنَّني أطلُبُ مِنَ النَّاسِ أن يُغادروا غُرفةَ الطَّوارئِ في مِثلِ هذهِ الحَالاتِ لأنِّي أُضْطَرُّ إلى مُراقَبَتِهم جَميعًا بسببِ اضطرابِهم وَقَلَقِهم". ولكنَّهُ قال: "أريدُ مِنكم جَميعًا أن تَبقوا هُنا وأن تَستمرُّوا في القِيامِ بِما تَقومونَ بِه".
وبعدَ أنِ استقرَّت حَالةُ "ثاديوس"؛ أيْ بعدَ كُلِّ ذلكَ الوقتِ الَّذي كانَ فيهِ يُصارِعُ المَوتَ، كنتُ أُصَلِّي مَعَهُ وأتحدَّثُ مَعَهُ. وكانَ يَقولُ لي: "لا تَقلق يا جون. ستكونُ الأمورُ على ما يُرام. لا تَقلق. ستكونُ الأمورُ على ما يُرام. سيكونُ كُلُّ شيءٍ بخير. الرَّبُّ مُهَيمِنٌ". وكانَ يَقولُ لزوجتِه: "والآن يا عَزيزتي، أنتِ تَعلمينَ أنَّهُ يجبُ علينا أن نَقِفَ معَ جون. إن ذَهبتُ إلى السَّماء، يجبُ عليكِ أن تَقفي مَعَهُ". وكانت تَقولُ لَهُ: "أجل يا عَزيزي. سوفَ أقفُ مَعَهُ"، وكانت تُوافِقُهُ على كُلِّ شَيءٍ يَقولُهُ. وأخيرًا، جاءتِ المُمَرِّضةُ الَّتي كانت تَعتني بهِ فقالَ لها شَيئًا. حينئذٍ مَدَّتْ يَدَها ونَزَعَتْ عَنْهُ قِناعُ الأوكسجين فقال: "ماري! هل تَعرِفينَ الرَّبَّ؟" قَالت بطريقةٍ مِنَ الواضِحِ أنَّها كانت تُسايِرُهُ فيها: "أجل". ولكنَّ الكَلامَ الَّذي قِيْلَ بعدَ ذلكَ يُشيرُ إلى أنَّها رُبَّما لم تَكُن مُؤمِنَة.
ثُمَّ إنَّهُ استَدعى الطَّبيبَ وأرادَ أن يَتحدَّثَ إلى الطَّبيب. جاءَ الطَّبيبُ فابتدأَ في تَبشيرِ الطَّبيبِ وتَقديمِ الإنجيلِ لَهُ وَسُؤالِهِ عَمَّا إذا كانَ مُخَلَّصًا. وقد كانَ ذلكَ المَوقِفُ مُدهشًا حَقًّا. ثُمَّ إنَّهُ دَعاني وأرادَ أن يُكَلِّمَني. وقد قَدَّمَ لي نَصائحَ عنِ البَقاءِ أمينًا في الخِدمةِ، ثُمَّ قال: "أريدُ مِنكَ أن تَأخُذَ المَادَّةَ الَّتي كَتَبْتَها عن رُبوبِيَّةِ المَسيحِ وأن تُقَدِّمَها على شَكْلِ عِظاتٍ مُصَوَّرةٍ وَتَبُثَّها في جَميعِ أنحاءِ أمريكا. فهذهِ هي الرِّسالةُ الَّتي تَحتاجُ إليها هذهِ الأُمَّة". وقد كانَ مُتَحَمِّسًا جدًّا. فقد كانَ ذِهنُهُ صَاحِيًا، وكانت مَدارِكُهُ الرُّوحِيَّةُ تَعمَلُ بِكُلِّ طَاقَتِها معَ أنَّهُ كانَ على وَشْكِ المَوت. وَحَتَّى إنَّهُ دَخَلَ في وَقتٍ مَا في حَالةِ صَدمةٍ فاستدعاني الطَّبيبُ إلى الغُرفةِ لِتَدليكِ رِجْلَيْه. لِذا فقد صَرفنا اللَّيلَ كُلَّهُ في الصَّلاة. ولكنَّهُ كانَ مُنهَمِكًا في التَّخطيطِ لِمُستقبلِ الخِدمةِ ويقولُ لزَوجَتِهِ أنْ تُكْمِلَ المِشوارَ إنْ مَاتَ، أو إنَّهُ سَيَفعلُ ذلكَ بنفسِهِ إن عَاش.
والشَّيءُ المُدهِشُ حَقًّا هو أنَّهُ كانَ ثَابِتًا جدًّا رُوحِيًّا. فمعَ أنَّهُ كانَ يَمُرُّ بأعظمِ أزمةٍ في حَياتِهِ على الرَّغمِ مِن كَونِهِ في سِنِّ الثَّانيةِ والخَمسين، فإنَّهُ كانَ على الرَّغمِ مِن تلكَ الأزمةِ الأكبرِ في حَياتِهِ يَتَمَتَّعُ بالسَّلامِ الكَامِلِ، والهُدوءِ الكَامِلِ، وطُمأنينةِ القلبِ، وكانَ مُستعدًّا لمُلاقاةِ المَسيحِ، ورَاضِيًا بما سَمَحَ اللهُ بِحُدوثِهِ، ومُهتمٌّ جدًّا بِخلاصِ كُلِّ شَخصٍ هُناكَ، ومُهتمٌّ جدًّا بأن أبقى أمينًا للرَّبِّ، وبأن تَتَعَهَّدَ زَوجَتُهُ لَهُ بأن تُساعِدَ في دَعْمِ الخِدمةِ، ومُرتاحٌ جدًّا في حَضرةِ الرَّبّ. وحَتَّى إنَّهُ قالَ لي في وقتٍ لاحقٍ: "كانَ مِنَ الرَّائعِ أنَّ يَحدُثَ كُلُّ مَا حَدَثَ لأنَّ قَصْدَ اللهِ تَحَقَّقَ مِن خِلالي".
وبالمُناسبة، لقد كانَ اللهُ مُنْعِمًا جدًّا حيثُ إنَّ قُبطانَ السَّفينةِ قَرَّرَ أن يُبْحِرَ بأقصى سُرعة. لِذا فقد أَبْحَرَ بأقصى سُرعةٍ مُمكنةٍ؛ وَهُوَ شَيءٌ لا يُفَضِّلونَ القيامَ بهِ لأسبابٍ عَديدةٍ أوَّلُها أنَّ ذلكَ يَضَعُ حِمْلاً كَبيرًا على المُحَرِّك، ثانيًا: لأنَّهُ حينَ تَشُقُّ طَريقَكَ بينَ الجُزُرِ في تلكَ المَمَرَّاتِ البَحريَّةِ الدَّاخليَّةِ، قد يَكونُ الأمرُ خَطيرًا جدًّا. وقد كُنَّا نَسمَعُ صَوتَ المُحَرِّكاتِ تَهدُرُ بقوَّة طَوالَ اللَّيل.
وقد بَقينا مَعَهُ طَوالَ اللَّيل. وفي الصَّباحِ، تَمَّ نَقلُهُ في سَيَّارةِ إسعافٍ وذَهبتُ مَعَهُ إلى المُستشفى. وقد استَقبلوهُ في المُستشفى. أمَّا أنا فقد تَأخَّرتُ عَنِ الحَافِلَةِ، وتَأخَّرتُ عنِ الطَّائرةِ، وتَأخَّرتُ عن كُلِّ شَيء. ولكنِّي شَعرتُ أنِّي لا أستطيعُ المُغادرةَ لأنَّهُ أَصَرَّ أن أبقَى مَعَهُ، وأن أُصَلِّي مَعَهُ، وأن أكونَ في شَرِكَةٍ مَعَهُ. وقد كانَ ذلكَ الأمرُ مُدهشًا بِحَقّ. وكانَ يومُ أمسٍ أوَّلَ يَومٍ أَتَمَكَّنُ فيهِ مِنَ التَّحدُّثِ إليهِ عَبْرَ الهَاتِف. وهو في حَالةٍ أفضل بكثير الآن، وكُلُّ شَيءٍ مُستقرّ. فهو في طَريقِهِ إلى التَّعافِي. وسوفَ يُغادِرُ المُستشفى في الأسبوعِ القادِم. وَهُوَ يُسَبِّحُ الرَّبَّ. وحَالَما يَستَرِدُّ عَافِيَتَهُ، سوفَ يأتي إلى هُنا ويَصرِفُ وقتًا في الشَّركةِ مَعي، ويُخَطِّطُ كيفَ سيَستخدِمُ اللهُ حَياتَهُ بطريقةٍ أعظَم.
ولكنَّني أُعْجِبْتُ جدًّا برؤيةِ ثَباتِ هذا الرَّجُل. وقد تَمَكَّنَ الطَّبيبُ مِن رُؤيةِ ذلك. فقد تَمَكَّنَ الطَّبيبُ مِن رُؤيةِ الثِّقةِ الفَريدةِ الَّتي لَديهِ، والقُوَّةِ الَّتي يَتَحَلَّى بها. وفي مُنتصفِ اللَّيلِ في نُقطةٍ مُحَدَّدةٍ، كُنتُ أقِفُ أنا ومَجموعةٌ مِنَ الأشخاصِ حَولَهُ. ولا شَكَّ في أنَّ "دون" (Don) يَذْكُرُ ذلك. وقدِ رَاحَ الطَّبيبُ يُشيرُ إلى بَطْنِ كُلِّ شَخصٍ مِنَّا. فقد كانَ الطَّبيبُ رَجُلاً يَتمتَّعُ بلِياقةٍ بَدنيَّةٍ عَالية. أعتقدُ أنَّهُ كانَ في أواخِرِ الخَمسيناتِ، وأنَّ طُولَهُ كانَ نَحوَ مِئةٍ وتِسعينَ سنتمترًا، ويَزِنُ نَحوَ مِئةِ كيلو غرام، ولكنَّ مُحيطَ خَصْرِهِ لم يَكُن يَتجاوَزُ الثَّلاثينَ بُوصة. فقد كانَ رَجُلاً يَتَمَتَّعُ بلِياقَةٍ بَدنيَّةٍ عَالية. وكانَ يُدَرِّبُ المُسْعِفينَ الَّذينَ يَعملونَ تَحتَ الماءِ مَعَ الغَطَّاسينَ، والمُسعِفينَ الَّذينَ يَعملونَ معَ المَظَلِّيِّينَ لإنقاذِ المُصابينَ في البَحرِ أوِ الجَوِّ في مَنطقةِ "يوكون" (Yukon) في الشِّتاءِ ويَهبِطونَ بالطَّائراتِ المُعَدَّةِ للهُبوطِ على الجَليدِ لمُعالجةِ القَبائلِ الهِنديَّةِ هُناك. فقد كانَ رَجُلاً صُلبًا حَقًّا ومُدهشًا. وعلى أيَّةِ حالٍ، راحَ الطَّبيبُ يُشيرُ إلى بَطْنِ كُلٍّ مِنَّا ويقول: "يجب عليكَ أن تَتَخَلَّصَ مِن هذ السِمْنَة. يجب عليكَ أن تَتَخَلَّصَ مِن هذهِ السِّمْنَة. يجب عليكَ أن تَتَخَلَّصَ مِن هذهِ السِّمْنَة". وقد قال: "هل تَرَوْنَ كُلَّ هؤلاءِ الأشخاصِ الرَّاقِدينَ هُنا؟ هذا هُوَ ما يَحدُثُ بسببِ هذهِ السِّمْنَة. أَتَرَوْن؟ فأنتُم مُعَرَّضونَ لِخَطَرِ الجَلْطاتِ بنسبةٍ تَزيدُ عن أربعينَ بالمِئة إن كُنتُم مِن أصحابِ الوَزْنِ الزَّائد". لِذا فقد قَدَّمَ لنا هذهِ النَّصيحة.
وبعدَ قَليلٍ، بينما كنتُ أتحدَّثُ مَعَهُ... وفي هذا الوقتُ كُنَّا قد تَصادَقْنا لأنَّنا كُنَّا نَعمَلُ مَعًا في غُرفةِ الطَّوارِئ... قُلتُ لَهُ: "أتَدري كيفَ أنَّكَ تُبالي بِصِحَّتِنا الجَسديَّة؟" قال: "أجل يا سَيِّدي". قلتُ: "أنا أُبالي بالقَدرِ نَفسِهِ بِصِحَّتِكَ الرُّوحيَّة". وقد قالَ لي: "مَعَكَ حَقٌّ. مَعَكَ حَقٌّ". ثُمَّ قال: "لِنَتحدَّث عن ذلك. لِنَتحدَّث عن ذلك. أريدُ أن أُخبِرَكَ عن رِحْلَتي الرُّوحيَّة". لِذا فقد فَعَلَ ذلكَ، ثُمَّ قال: "أنا مَا زِلتُ أبحثُ عَنِ الله. ما زِلتُ أبحثُ عَنِ الله". وقد دَارَ بَيننا نِقاشٌ رائع. وفي هذا الوقتِ، لا بُدَّ أنَّهُ تَسَلَّمَ عُلْبَةً مِنَ العِظاتِ المُسَجَّلةِ الَّتي أعتقدُ أنَّها وَصَلَتْهُ الآن. ولكنَّ الشَّيءَ الَّذي شَجَّعَني جدًّا هو الثَّباتُ الرُّوحيُّ الَّذي أَظْهَرَهُ "ثاديوس"، والشَّهادةُ الَّتي قَدَّمَها لذلكَ الطَّبيب، والقوَّةُ الَّتي أَظْهَرَها، والقُوَّةُ الَّتي أَظْهَرَتْها زَوجَتُهُ، والقُوَّةُ الَّتي أَظْهَرها جَميعُ الأشخاصِ الَّذينَ كانوا حَاضِرينَ هُناك. وبعدَ ذلكَ، عَلَّقَ مُطَوَّلاً على ذلك.
نحنُ جَميعًا نَتَمَنَّى أن نَكونَ قادِرينَ على مُواجَهَةِ المَوتِ، وعلى مُواجَهِة أصعبِ ظَرفٍ في حَياتِنا بثَباتٍ رُوحِيٍّ. أليسَ كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّنا نَتَمَنَّى أن نَمْتَلِكَ القُوَّةَ الَّتي تُتيحُ لنا أن نَفعلَ ذلك. ولكن كيفَ نَستطيعُ أن نَكونَ ثَابِتينَ رُوحِيًّا في أَحْلَكِ الأوقات؟ أعتقدُ أنَّ الجَوابَ يَكمُنُ في رسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابع. دَعونا نَفتَحُ كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ على هذا الأصحاح.
فنحنُ نَدرُسُ الأصحاحَ الرَّابعَ مِن رسالة فيلبِّي، ونَتعلَّمُ عَنِ الثَّباتِ الرُّوحيِّ، وعَمَّا يَتطلَّبُهُ الأمرُ لكي نَبقى أقوياءَ في الأوقاتِ العَصيبةِ، وأوقاتِ التَّجربةِ الصَّعبةِ، وأوقاتِ التَّجربةِ الشَّديدةِ، وأوقاتِ الاضطهادِ، والأوقاتِ الَّتي قد نَفقِدُ فيها أحدَ أفرادِ عَائِلَتِنا، وأوقاتِ التَّشويشِ، وأوقاتِ القَلَقِ والمَرَض. فكيفَ نَستطيعُ أن نَكونَ أقوياءَ رُوحِيًّا؟ وكيفَ نَستطيعُ أن نَتَحَلَّى بذلكَ الثَّباتِ الَّذي يَجعلُنا نَنظُرُ إلى المَوتِ مُباشَرَةً دُونَ أن نَخافَ، ودُونَ أن نَتزعزعَ، ودُونَ أن نَرتَجِفَ، ودُونَ أن نَشُكّ؟ كيفَ يُمكنُنا أن نَكونَ بِمثلِ هذا الهُدوءِ، وذلكَ الرِّضا، وذلكَ السَّلامِ في وَسَطِ المَشاكِلِ العَويصَة؟ أعتقدُ أنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ يَتوقُ إلى ذلك. وهذا هُوَ السَّببُ الَّذي يُحَتِّمُ على كُلِّ شَخصٍ مِنَّا أن يَتَعلَّمَ الحَقائقَ العَظيمَةَ الكَامِنَةَ في هذا الأصحاحِ الرَّابع.
والآن، إنَّ المِفتاحَ مَوجودٌ في العَددِ الأوَّل. هل تَذكرونَ الجُملةَ الرَّئيسيَّة؟ هذا هُو الجُزءُ الرَّابعُ مِن دِراسَتِنا لهذهِ الآياتِ التِّسعِ الأولى. والجُملةُ الرَّئيسيَّةُ هِيَ: "اثْبُتُوا في الرَّبّ"... "اثْبُتُوا في الرَّبّ". فهذا هُوَ مَا يُريدُ الرَّسولُ بولُسُ أن يَقولَهُ لِمُؤمِني فيلبِّي. فهو يُريدُ مِنهم أن يَكونوا أقوياء، ويُريدُ مِنهم أن يَكونوا مُتَأصِّلينَ وَراسِخين. وَهُوَ يُريدُ مِنهم أن يَتصرَّفوا تَصَرُّفاتٍ رُجولِيَّةٍ، وأن يَكونُوا شُجعانًا وجَريئينَ وأقوياءَ في مَوقِفِهم تُجاهَ الرَّبّ. ثُمَّ إنَّكُم تُلاحِظونَ الكلمةَ الصَّغيرةَ "هَكذا". "اثْبُتُوا هكَذَا". وهذا يَعني: "إذًا"، أو "بهذهِ الطَّريقة"، أو "إليكُم كيفَ أريدُ مِنكُم أن تَثبُتوا"، أو "إليكُم عَناصِرَ الحَياةِ الثَّابِتَة"، أو: "إليكُم مَا يَتَطَلَّبُهُ الأمرُ لكي تَصْمُدوا في وَجهِ كُلِّ ما قد تُواجِهونَهُ".
والآن، عندما ابتدأنا بدراسةِ العَددِ الثَّاني، ابتدأنا في رُؤيةِ مَبادئِ الثَّباتِ الرُّوحيّ. والمبدأُ الأوَّلُ (وهذهِ، بالمُناسَبة، مُراجَعَة): الشَّيءُ الأوَّلُ المَطلوبُ لكي تَكونوا ثَابِتينَ رُوحِيًّا هُوَ أن تُوْجَدُوا في بِيئةٍ مِنَ السَّلامِ، أو في بِيئةٍ مِنَ المَحبَّةِ في الشَّركة. فيجبُ عليكم أن تَكونوا صَانِعي سَلامٍ، وأن تَحْفَظُوا السَّلامَ في شَرِكَةِ المَحبَّة. ولن أَعودَ إلى هذهِ النُّقطة في هذا المَساء؛ ولكنِّي أريدُ فقط أن أقولَ إنَّ العَددَيْن الثَّاني والثَّالث يَدْعُوانِ إلى الوِئامِ في الكنيسة. لماذا؟ لأنَّ الوِئامَ القائِمَ على المَحبَّةِ والسَّلامِ يَمْنَحُ ثَباتًا. فعندما تُوْجَدونَ في بِيئةٍ مِنَ الوِئامِ، وبيئةٍ مِنَ المَحبَّةِ، وبيئةٍ مِنَ السَّلامِ في الكنيسةِ، ستَكونونَ ثَابِتينَ في تلكَ البيئة.
على النَّقيضِ مِن ذلكَ فإنَّ الشِّقاقَ والخِلافَ والفَوضَى والانقسامَ في الكنيسةِ هي أُمورٌ تُؤدِّي إلى زَعزعةِ الثَّباتِ بِصورةٍ كبيرةٍ. ومِن شَأنِ هذا أن يُزعزِعَ الرَّعيَّة. وقد تَحدَّثنا عن ذلكَ بالتَّفصيل. لِذا فإنَّ الشَّيءَ الأوَّلَ الَّذي يَنبغي أن تَجْنيهِ إن أردتَ أن تَكونَ مُؤمِنًا ثَابِتًا هُوَ أنْ تَحْفَظَ السَّلامَ في شَرِكةِ المَحَبَّة. بعبارة أخرى، يجب عليكَ أن تَتَمَتَّعَ بوَحدةِ الكنيسةِ، وأن تَفعلَ كُلَّ ما يُمكِنُكَ فِعلُهُ مِن أجلِ أن تَكونَ صَانِعَ سَلامٍ لكي تَجِدَ في السَّلامِ السَّائِدِ في الكنيسةِ، وفي رِباطِ المَحبَّةِ السَّائِدِ في الكنيسةِ قُوَّةً رُوحيَّة.
ثانيًا، أوِ العُنصُرُ الثَّاني في الثَّباتِ الرُّوحيِّ هُوَ الحِفاظُ على رُوحِ الفَرَح. فالعَددُ الرَّابعُ يَقولُ: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". وهذا الفَرَحُ قَائمٌ على عَلاقَتِنا بالرَّبِّ، لا على الظُّروف. فيجبُ علينا أن نَفرحَ بالرَّبّ. بعبارةٍ أخرى، إنَّ فَرَحَنا نَابِعٌ مِن وَحْدَتِنا الدَّائمةِ المُمَيَّزَةِ مَعَ الرَّبّ. فَهُوَ فَرَحٌ أَقوى مِنَ الظُّروف، وأَقوى مِنَ الصُّعوباتِ، والمِحَنِ، والتَّجارِبِ، والاضطهادِ، وكُلِّ شَيءٍ آخر. لِذا، يجبُ علينا أن نَفرحَ ذلكَ الفَرحَ العَميقَ الَّذي يَنبُعُ مِنْ فَهْمِنا وَتأمُّلِنا وَحَياتِنا في ضَوْءِ امتيازِ وَحْدَتِنا بالرَّبِّ الحَيِّ يَسوعَ المَسيح.
إذًا، الثَّباتُ الرُّوحيُّ هُوَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحْفَظونَ السَّلامَ والمَحبَّةَ في الشَّرِكَة. وهو مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحفظونَ رُوحَ الفَرَحِ بِغَضِّ النَّظَرِ عنِ الصُّعوباتِ لأنَّهُم يَستطيعونَ أن يُرَكِّزوا على عَلاقَتِهم بالرَّبِّ لأنَّها دائمًا سَببُ فَرَحٍ لَهُم أيًّا كانتِ الظُّروف.
ثالثًا، الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ مِنَّا أن نَتَعَلَّمَ أن نَحصُلَ على أقَلِّ مِمَّا نَستَحِقُّ، وأن نَتَعَلَّمَ أن نَحصُلَ على أقَلِّ مِمَّا هُوَ مِنْ حَقِّنا. وهُنا تَكْمُنُ النِّعمةُ الرُّوحيَّةُ للتَّواضُع. وهُنا يَكمُنُ الرِّضَا. فالعَددُ الخَامِسُ يَقول: "لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ". وهذا يُشيرُ إلى رِضاكُم، وإلى نِعْمَةِ التَّواضُعِ لَديكُم. والفِكرةُ هُنا هي أَلاَّ تَتوقَّعَ أيَّ شَيءٍ، وأَلاَّ تَطلُبَ أيَّ شَيءٍ. فإن كُنتَ لا تَتوقَّعُ أيَّ شَيءٍ وَلاَ تُطالِبُ بأيِّ شَيءٍ، وإن كُنتَ تَنظُرُ نَظرةً صَحيحةً إلى خَطِيَّتِكَ وتُدركُ أنَّكَ لا تَستَحِقُّ أيَّ شَيءٍ، لن تُمانِعَ عندما لا تَحصُلُ على أيَّ شَيء. هذهِ هي الخُلاصَة. وهذا هُوَ جَوهرُ التَّواضُع. أمَّا إذا كُنتَ أَنظُرُ نَظرةً مَغلوطَةً إلى استِحقاقِي، وأَظُنُّ أنِّي أَسْتَحِقُّ الكَثيرَ وَجَديرٌ بالكَثير، ولكنِّي لم أحصُل على الكَثير، سوفَ أنزعِجُ وأكونُ غيرَ مُستقِرٍّ.
ولكِنَّ التَّواضُعَ الحَقيقيَّ يَظْهَرُ عندما لا أُطالِبُ بأيِّ شَيءٍ ولا أتوقَّعُ أيَّ شَيءٍ لنفسي، وعندما أُدركُ أنِّي لا أستَحِقُّ أيَّ شَيءٍ. فحينئذٍ لن أُصابَ بخيبةِ الأملِ حينِ لا أحصُلُ على أيِّ شيءٍ لنفسي، وعندما يُسيءُ الآخرينَ مُعامَلتي. فيُمكِنُكَ أن تَكونَ ثابِتًا رُوحِيًّا في أَحْلَكِ الأوقاتِ، وعندما يُبغِضُكَ الآخرونَ، وعندما يَحتقرونَكَ، وعندما يَرفُضونَكَ، وعندما يَضطهدونَكَ إنْ كُنتَ تَفهمُ أنَّكَ خَاطِئٌ لا يَستَحِقُّ أيَّ شَيءٍ وليسَ جَديرًا بأيِّ شَيءٍ، وأنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَكونَ مُمْتَنًّا لنِعمةِ اللهِ الَّتي أَسْبَغَها عليكَ دُونَ أن تَتوقَّعَ أيَّ شَيءٍ سِوى ذلك.
رابعًا، وقد تَحَدَّثنا عن هذهِ النُّقطةِ في المَرَّةِ السَّابقةِ بشيءٍ مِنَ التَّفصيل: الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ مِنِّي إيمانًا وَاثِقًا في الرَّبّ. فهو يَتطلَّبُ مِنِّي إيمانًا وَاثِقًا في الرَّبّ. فالعَددُ الخَامِسُ يَقول: "الرَّبُّ قَريبٌ". والعَددُ السَّادسُ يَقولُ: "لا تَهْتَمُّوا بِشيءٍ". وَهُما شَيئانِ مُتَعاقِبان. ونحنُ نَتحدَّثُ هُنا عنِ القُرْبِ بالمَعنى المَكانِيِّ، لا بالمَعنى الزَّمَنِيِّ. صَحيحٌ أنَّ الرَّبَّ قَريبٌ مِن جِهَةِ مَجيئِهِ الثَّاني؛ ولكنَّ الأولويَّةَ لا تُعطَى لهذا المَعنى هُنا؛ بل إنَّ الرَّبَّ قَريبٌ مِن جِهَةِ حُضورِهِ. ولأنَّ الرَّبَّ قَريبٌ، لا يَجوزُ لنا أن نَهْتَمَّ بِشَيءٍ. لِذا فإنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتوقَّفُ على الإيمانِ الوَاثِقِ بالرَّبِّ. هذه هي الخُلاصَة.
هَل تَذكرونَ ما قُلناه؟ فالطَّريقةُ الَّتي تُعالِجُ بها المَشاكِلَ والتَّجاربَ والمِحَنَ والضِّيقاتِ تَعْكِسُ نَظرَتَكَ إلى الله. فإن كُنتَ تَفهمُ الرَّبَّ، وتَفهَمُ صِفاتِهِ، وتُدركُ قُوَّتَهُ وَوُعودَهُ، وتُدرِكُ كُلَّ مَوارِدِهِ وَمَقاصِدِهِ وخُطَطِهُ مِنْ نَحْوِكَ، وإن كُنتَ تَفهمُ أيضًا أنَّهُ قَريبٌ دَائمًا، مِن أينَ سيَأتي القَلَق؟ وَمَا الَّذي سَتَقلَقُ بِشأنِه؟
فإن كُنتَ تَفهمُ أنَّ اللهَ هُوَ صَاحِبُ السِّيادَةِ، وأنَّ اللهَ مُحِبٌّ، وإن كُنتَ تُدركُ أنَّ اللهَ هُوَ المُهَيمِنُ على كُلِّ شَيءٍ في حَياتِكَ لأجلِ مَجدِهِ وَخَيْرِكَ، وإن كُنتَ تَفهمُ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ يَخرُجُ عَن هَيمنَةِ اللهِ، وإن كُنتَ تَفهمُ أنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ مِن أجلِ تَحقيقِ قَصْدِهِ الأزَلِيِّ وَتَجِدُ طُمَأنينَتَكَ في ذلكَ الإيمانِ الوَاثِقِ، سَتَكونُ ثَابِتًا في أَحْلَكِ الأوقات. والحقيقةُ هي أنَّ "ثَادِيوس" (Thaddeus) كانَ يَقولُ: "هُناكَ قَصْدٌ إلَهِيٌّ مِمَّا يَحدُث. هَذا عَمَلٌ إلَهِيٌّ. فاللهُ لَديهِ قَصْدٌ مِمَّا يَجري. ويجبُ علينا أن نَرى قَصْدَ الله". وهذا صَحيحٌ تَمامًا. وهذا النَّوعُ مِنَ الإيمانِ سَيَمنَحُكَ ثَباتًا في أَحْلَكِ الأوقات.
والحقيقةُ هي أنَّ المُرَنِّمَ يُسَبِّحُ اللهَ على حِمايَتِهِ العَظيمةِ ويُؤكِّدُ إيمانَهُ بِهِ في العَديدِ مِنَ المَزامير. ورُبَّما لم يَفعل ذلكَ بصورةٍ قَويَّةٍ وَجَازِمَةٍ أكثرَ مِمَّا فَعَلَ في المَزمورِ الحَادي والثَّلاثين إذْ يَقول: "عَلَيْكَ يَا رَبُّ تَوَكَّلْتُ. لاَ تَدَعْنِي أَخْزَى مَدَى الدَّهْرِ. بِعَدْلِكَ نَجِّنِي. أَمِلْ إِلَيَّ أُذُنَكَ. سَرِيعًا أَنْقِذْنِي. كُنْ لِي صَخْرَةَ حِصْنٍ، بَيْتَ مَلْجَإٍ لِتَخْلِيصِي. لأَنَّ صَخْرَتِي وَمَعْقِلِي أَنْتَ. مِنْ أَجْلِ اسْمِكَ تَهْدِينِي وَتَقُودُنِي. أَخْرِجْنِي مِنَ الشَّبَكَةِ الَّتِي خَبَّأُوهَا لِي، لأَنَّكَ أَنْتَ حِصْنِي. فِي يَدِكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلهَ الْحَقِّ". بعبارةٍ أخرى: "أنتَ صَادِقٌ في ما تَقولُهُ، وأنا أَثِقُ بِكَ". فهذا الإيمانُ الوَاثِقُ هُوَ أساسُ قُدرَتِكَ على الصُّمودِ في الأوقاتِ العَصيبَة.
فعندما يُواجِهُ النَّاسُ ظُروفًا صَعبةً يَعجَزونَ عن مُعالَجَتِها، وعندما يَقعونَ في مَشاكِلَ تَستنزِفُ طَاقَتَهُم فيَزيدُ مُستوى القَلقِ لَديهم ويَتعرَّضونَ لكُلِّ أنواعِ الصَّدْماتِ الشَّخصيَّةِ، فإنَّ الحَلَّ هُوَ ليسَ أن تَقولَ لَهُم: "يجبُ أن تَذهبوا لِشَخصٍ مَا وأن تُحَدِّثوهُ عن مُشكلتِكُم". فهذا ليسَ الحَلُّ الصَّحيح، بل إنَّ الحَلَّ الصَّحيحَ هُوَ: "أنتَ بحاجة إلى أن تَفهَمَ اللهَ فَهْمًا أفضلَ لأنَّهُ هُوَ المُهيمِنُ على مُشكلتِك". هذا هُوَ الحَلّ. فَمِنَ الخَطأِ أن نَفترِضَ أنَّ التَّحليلَ البَشريَّ الدَّقيقَ للمُشكلةِ سَيُوفِّرُ الحَلَّ؛ بل إنَّ الحَلَّ يَكمُنُ في أنْ أَفْهَمَ أنِّي إنسانٌ سَاقِطٌ، وأنِّي أعيشُ في عَالَمٍ سَاقِطٍ ومَلعونٍ، وأنِّي أَحمِلُ سِمَةَ تلكَ اللَّعنةِ في جَسَدي السَّاقط. فهذا هُوَ ما يَنبغي لي أن أَتوقَّعَهُ. وسوفَ أَثِقُ ثِقَةً مُطلَقةً بأنَّ إلهي مُهيمِنٌ على كُلِّ هذا السُّقوطِ وأنَّهُ سَيَستخدِمُهُ لِتَحقيقِ مَقاصِدِهِ الأزليَّة. هذا هُوَ الحَلُّ للمُشكلة: أن تَكونَ لدينا تلكَ النَّظرة. فالفَهْمُ السَّليمُ للهِ مُهِمٌّ جدًّا في مَسألةِ الثَّباتِ الرُّوحيّ.
فالكِتابُ المُقَدَّسُ، على سَبيلِ المِثالِ، هُوَ إعلانُ اللهِ. لِذا، عندما نَعرِفُ الكتابَ المقدَّسَ فإنَّنا نَعرِفُ اللهَ. وعندما نَعرِفُ اللهَ يُمكنُنا أن نَتَوقَّعَ كيفَ سيَتصرَّف، ويُمكنُنا أن نَتوقَّعَ ما هي مَقاصِدُهُ. وحينئذٍ سنَكونُ مُطْمَئِنِّين. والحَقيقُ هي أنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن رِسالةِ أفسُس أنَّهُ عندما يَخوضُ المُؤمِنُ مَعركةً رُوحيَّةً شَرِسَةً مَعَ قُوى العَدُوِّ، أو مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، وَمَعَ الرُّؤَسَاءِ والسَّلاَطِينِ، وعندما نَشْتَبِكُ في القِتالِ مَعَ الشَّياطينِ، نَقرأُ أنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نَحْذو أرجُلَنا بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَم. فقد كانَ يَنبغي للجُنديِّ الرُّومانِيِّ أن يَرْتَدي حِذاءً مُناسِبًا للقِتال. لِذا فقد كانوا يَنْتَعِلونَ حِذاءً بِهِ مَسامير.
فقد كانَ هذا الحِذاءُ يُصنَعُ مِنَ الجِلْدِ ثُمَّ تُدَقُّ بِهِ المَساميرُ مِنَ الدَّاخل. وكانت هذهِ المَساميرُ تَبرُزُ مِنَ الخَارجِ وتَنغَرِزُ في الأرضِ مِثلَما تَفعلُ أحذيةُ كُرَةِ القَدَمِ أو أحذيةُ كُرةِ القَاعِدَةِ أو أحذيةُ الرَّكضِ ذاتِ النُّتوءاتِ البَارِزَةِ الَّتي يَرتديها الرِّياضِيُّونَ وَتَثْبُتُ في الأرض. ولكِنَّكَ في هذهِ الحَالَةِ تَخوضُ مَعركةً حَامِيَةً قد تُؤدِّي إلى الحَياةِ أوِ المَوت. فهي ليست لُعبة، بل هي مَعركةٌ حَقيقيَّة. لِذا فقد كانوا يَنْتَعِلونَ تلكَ الأحذية لكي يَتَمَكَّنوا مِنَ الثَّباتِ في الأرضِ دُونَ أن يَنزَلِقوا أو يَتَعَثَّروا أو يَكونوا في مَوقِفٍ ضَعيف.
وَمَا يَقولُهُ بولسُ هُنا هُوَ أنَّ مَا يَجعَلُكَ تَقِفُ بِثَباتٍ، ومَا يَجْعَلُكَ تُثَبِّتُ قَدَمَيْكَ هُوَ إنجيلُ السَّلام. مَا الَّذي تَعنيهِ بذلكَ يا بولُس؟ مَا أعنيهِ بذلكَ هُوَ أنَّكَ تُشارِكُ في الخَبَرِ السَّارِّ بأنَّكَ في سَلامٍ مَعَ الله. بعبارةٍ أخرى، فإنَّ اللهَ في صَفِّكَ. فالشَّيءُ الَّذي يَمْنَحُكَ ثَباتًا في المَعركةِ هُوَ الثِّقَةُ بأنَّ اللهَ في صَفِّكَ. فهو ليسَ عَدُوًّا لَكَ؛ بل إنَّهُ صَديقُكَ، وَهُوَ أَهَمُّ مَصدَرٍ لَكَ، وَهُوَ قُوَّتُكَ. لِذا فإنِّي رَاسِخٌ في المَعركةِ الرُّوحيَّةِ بسببِ ثِقَتي بأنَّني في سَلامٍ مَعَ اللهِ. لِذا فإنَّ اللهَ في سَلامٍ مَعي. وَلِذا فإنَّ اللهَ يَقِفُ إلى جَانِبي ويُحَامِي عَنِّي، أو كَما يَقولُ المُرَنِّمُ فإنَّهُ صَخْرَتي وَحِصْني الحَصين. هذا هُوَ الثَّباتُ. ويُمكِنُكَ أن تَكونَ ثَابِتًا في أيِّ مَوقِفٍ إنْ فَهمتَ إلَهَكَ، وإن فَهِمتَ سِيادَتَهُ المُطلَقَةَ، ومَقاصِدَهُ الإلهيَّةَ، وقُدرَتَهُ المُطلَقَةَ الَّتي تَستطيعُ أن تَتَغَلَّبَ على أيِّ شَيء.
والآن، اسمَحوا لي أن أَحِيْدَ قَليلاً عَنِ المَوضوعِ وأن أُشارِكَ مَعَكُم شَيئًا في قَلبي. إنَّ واحِدةً مِنْ لَعْناتِ هذهِ الثَّقافةِ، أيْ هذهِ الثَّقافةِ المَسيحيَّةِ الَّتي نَعيشُ فيها في أمريكا اليوم، هي في الحقيقةِ لَعنةٌ نَاجِمَةٌ عَنِ اللاَّهوتِ الأرمينيِّ التَّقليديّ. فَمِن نَاحيةِ التَّقليدِ، على مَرِّ السِّنين كانَ اللاَّهوتُ الأرمينيُّ واللاَّهوتُ الكَالفِنِيُّ مُتعارِضَيْن. فاللاَّهوتُ الأرمينيُّ يَختلِفُ عَنِ اللاَّهوتِ الكَالفِنيِّ مِن جِهَةِ المَبدأ. فمثلاً، يَقولُ اللاَّهوتُ المُصْلِحُ التَّقليديُّ الَّذي نُسَمِّيهِ "الكالفِنيَّة" إنَّ اللهَ هُوَ صَاحِبُ السُّلطان. أمَّا اللاَّهوتُ الأرمينيُّ فيقولُ في الحقيقةِ إنَّ الإنسانَ هُوَ صَاحِبُ السُّلطان. وهذا هُوَ الاختلافُ الرَّئيسيُّ بَينَهُما.
واللاَّهوتُ الأرمينيُّ مُنتَشِرٌ جدًّا في ثَقافَتِنا اليوم. فهو مُنتشِرٌ في الكنيسةِ، ومُنتشرٌ حَتَّى في الكَنائسِ الَّتي لا تَقولُ إنَّها تُؤمِنُ بِهِ. فهو ما يَزالُ مُنتشرًا. صَحيحٌ أنَّهُ يَعمَلُ بطريقةٍ أكثر دَهاءً؛ ولكنَّهُ مَوجود. فاللاَّهوتُ الأرمينيُّ يَقولُ إنَّ الإنسانَ هُوَ صَاحِبُ السُّلطان. صَحيحٌ أنَّ اللهَ لَديهِ آمالٌ، وأنَّ اللهَ مُفيدٌ؛ ولكنَّ الإنسانَ هُوَ صَاحِبُ السُّلطان. فيجبُ عليكَ أن تَتَّكِلَ على نَفسِكَ كي تَأتي إلى المَسيح. ويجبُ عليكَ أن تَتَّكِلَ على نَفسِكَ كي تُحافِظَ على إيمانِكَ بالمَسيح. ويجب عليكَ أن تَتَّكِلَ على نَفسِكَ كي تُحَقِّقَ أهدافَكَ الرُّوحيَّة، وتُحْرِزَ انتصاراتِكَ الرُّوحيَّة عَالِمًا أنَّ اللهَ يَأمُلُ في أن تَفعلُ ذلكَ لأنَّهُ يُحِبُّ أن يَراكَ في السَّماءِ إنِ استطعتَ أن تَنْجَحَ في مَسْعاكَ. وَهُوَ قد يُساعِدُكَ أيضًا. فإن تَوافَرَتِ الشُّروطُ المُناسبةُ فِيْكَ، سَوفَ يَتحرَّكُ ويُقَدِّمُ لكَ يَدَ المُساعَدَة.
لِذا، ما الَّذي يَحدُثُ في هذا النَّوعِ مِنَ اللاَّهوت؟ إنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَحدُثُ هُوَ أنَّ الإنسانَ قد يَعْتَرِف بالمَسيحِ ويَظُنُّ أنَّهُ مُؤمِنٌ؛ ولكنَّهُ لا يَتوقَّفُ يَومًا عَنِ الاتِّكالِ على نَفسِه. بعبارةٍ أخرى، فإنَّ الشَّخصَ الأرمينيَّ التَّقليديَّ (وأنا لا أقولُ ذلكَ بالمَعنى العُنْصُرِيِّ للكلمة، بل بالمَعنى اللاَّهُوتِيِّ) فإنَّ الشَّخصَ الأرمينيَّ التَّقليديَّ الَّذي يُؤمِنُ بأنَّ الخَلاصَ هُوَ شَيءٌ يَختارُ بنفسِهِ أن يَفعلَهُ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ سَيَأتي إلى نُقطةِ الخَلاصِ ويقول: "أَلَمْ أَكُنْ [ماذا؟] ذَكِيًّا لأنِّي خَلَّصْتُ نَفسي؟" فقد سمِعْتُ شَهادةَ شَخصٍ قبلَ بِضعةِ أشهُر قالَ فيها: "لقد شَعَرتُ بأنَّهُ يَنبغي لي أن أُكَرِّسَ حَياتي للمَسيح". لقد فَعلتَ ذلكَ بنفسِك. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ ما يَحدُثُ هُوَ أنَّ هذا الشَّخصَ يَعتَرِفُ الآنَ بالمَسيحِ مِن دُونِ حَتَّى أن يَختبرَ انعِدامَ ثِقَتِهِ بنفسِه. فهو يُؤمِنُ بأنَّهُ يَمْلِكُ القُدرةَ على اختيارِ الخَلاص. وهو يُؤمِنُ بأنَّهُ يَملِكُ القُدرةَ أيضًا، بالمُناسَبة، على نَقْضِ خَلاصِه. فهو ضَعيفٌ وقد يَفقِدُ خَلاصَهُ.
هل تَتَخَيَّلونَ كيفَ ستُواجِهونَ المَوتِ في هذهِ الحَالة؟ أيْ أن تَكونَ على فِراشِ المَوتِ، وأن تُدركَ أنَّهُ كانَ بمقدورِكَ أن تَختارَ المَسيحَ إنْ أردتَ ذلكَ، أو أن تُفَكِّرَ في أنَّ ذلكَ التَّعليمَ صَحيحٌ، وأنَّكَ قد تَفقِدَ خَلاصَكَ إنْ أَخْفَقْتَ، ثُمَّ أن تَتساءَلَ كيفَ ستُواجِهُ اللهَ في تلكَ اللَّحظةِ الحَرِجَة؟ هَل يُمكنكم أن تَتَخَيَّلوا تلكَ المَعركة الَّتي ستَدورُ رَحَاها في قَلبِكَ بسببِ شُعورِكَ بأنَّكَ قد تَنالُ الخَلاصَ، أو قد لا تَنالُ الخَلاصَ إنِ اقترفتَ خَطايا كثيرة فَلاَ تَعودُ مُؤهَّلاً لذلك. فلن يَكونَ هُناكَ ضَمانٌ كَبيرٌ في ذلك، بل سيكونُ هُناكَ الكثيرُ مِنَ القَلَق. ولكن كَما تَرَوْنَ، فإنَّ هذا الشَّخصَ الَّذي يُؤمِنُ بأنَّهُ يَستطيعُ أن يُخَلِّصَ نَفسَهُ بنفسِهِ، وأنَّ الأمرَ يَعودُ إليهِ هُوَ في أن يَبقى مُخَلَّصًا وأن يَخوضَ مَعارِكَهُ الرُّوحيَّةَ بِمُفردِهِ لم يَختَبِر يَومًا تَحطيمَ ثِقَتِهِ بنفسِه. لِذا فإنَّهُ لا يَفهمُ مَعنى الاتِّكالَ الكَامِلَ على الله.
فَضلاً عن ذلك، لأنَّهُ يَعرِفُ اللهَ في الواقِعِ بِصِفَتِهِ إلَهًا لَديهِ آمال، وبِصِفَتِهِ إلَهًا قد يُقَدِّمُ يَدَ العَونِ أحيانًا؛ لا بِصِفَتِهِ اللهَ صَاحِبَ السِّيادَة، فإنَّهُ لا يَتَّكِلُ اتِّكالاً كَامِلاً على الله. وبسببِ ذلكَ فإنَّهُ يَعيشُ في قَلَقٍ شَديد. فَهُوَ لا يَفهَمُ اللهَ صَاحِبَ السِّيادَة. لِذا فإنَّهُ لا يَفهمُ النِّعمَةَ النَّابعةَ مِن سِيادَتِه. وهو لا يَفهَمُ القُوَّةَ الإلهيَّةَ العَامِلَةَ لَدى اللهِ السَّرمديِّ نِيابةً عنهُ. وهو لا يَفهمُ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي اختارَهُ، وأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي فَداهُ، وأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَحفَظُهُ، وأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي سَيُمَجِّدُهُ، وأنَّ كُلَّ تَجربةٍ في حَياتِهِ هي تَحتَ هَيمنةِ اللهِ الكَامِلَة. وإن وَقَعَ في وَرطةٍ بسببِ خَطيَّةٍ اقتَرَفَها، فإنَّ مَا حَدَثَ لَهُ هُوَ تَأديبٌ إلهيٌّ لكي يَصيرَ كَامِلاً. وإنْ لم تَكُن وَرْطَتُهُ ناجِمَةً عن خَطيَّةٍ اقتَرَفَها، فإنَّها ما تَزالُ تَخْدِمُ قَصْدَ اللهِ وتَعْمَلُ لِخَيرِهِ ولأجلِ مَجدِ اللهِ بطريقةٍ قد لا يَفهَمُها في تلكَ اللَّحظة. ولكنَّ كُلَّ ذلكَ هُوَ جُزءٌ مِن خُطَّةِ الله.
ولكِنْ كما تَرَوْنَ، إن لم تَفهموا أهميَّةَ التَّوقُّفِ عَنِ الاتِّكالِ على أنفسِكُم، وأهميَّةَ أن تَتَّكِلوا تَمامًا على اللهِ، لن تَتَّكِلوا عليهِ كَما يَنبغي. وهذا هو السَّببُ في أنِّي أقولُ هذا طَوالَ الوقت: إن أردتَ أن تَكونَ ثَابِتًا في الأوقاتِ العَصيبةِ في الحَياة فإنَّ ذلكَ يَتوقَّفُ على عَدَمِ اتِّكالِكَ البَتَّة على نَفسِكَ، واتِّكالِكَ المُطلَقِ على اللهِ صَاحِبِ السِّيادَةِ والنِّعمةِ والقُدرة. فإنِ اتَّكلتَ على اللهِ ستكونُ ثَابِتًا.
لِذا، بِاستطاعَةِ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعرِفونَ إلَهُم مَعرفةً حَقيقيَّةً أن يَقُولُوا: "إنَّ إلَهي يَعمَلُ في هذا الظَّرفِ وَلَهُ مَقاصِد". وقد قالَ "سبيرجن" (Spurgeon) ذاتَ مَرَّة: "إذا كُنتَ تُؤمِنُ بأنَّ كُلَّ شَيءٍ يَتوقَّفُ على إرادَةِ الإنسانِ الحُرَّة، فإنَّ هذا يَعني أنَّ الإنسانَ هُوَ الشَّخصيَّة الرَّئيسيَّة في حَياتِك" [نِهايةُ الاقتباس]. وهذا يَعني أنَّكَ ستَقَعُ في وَرطةٍ لأنَّكَ تَعلمُ مَدى ضُعفِ الإنسانِ، ومَدى هَشاشَةِ الإنسان. لِذا، ستكونُ لديكَ أسبابٌ كَثيرةٌ للقَلق. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ لَديهم لاهوتٌ سَليمٌ فَلاَ يَجْدُرُ بهم أن يَقلَقُوا؛ أيِ الأشخاصُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بالحَقّ. فأنا أُوْمِنُ حَقًّا أنَّ هذا اللاَّهوتَ الأرمينيَّ المُتَفَشِّي في الكنيسةِ اليومَ هُوَ المَصدرُ الرَّئيسيُّ لكُلِّ هذا القَلَقِ الَّذي يُعاني مِنهُ النَّاسُ الَّذينَ ما زَالوا يُؤمنونَ بأنَّهُم يَستطيعونَ أن يُديروا حَياتَهُم بأنفسِهم. ولا شَكَّ في أنَّ هَؤلاءِ يُحاولونَ أن يَفعلوا ذلكَ بمُساعدةِ أشخاصٍ مُقْتَدِرينَ يَدَّعونَ أنَّهُمْ يَمْتَلِكونَ وَصْفاتٍ للنَّجاح. ولكنَّ هذهِ جَهالَة.
وواحِدٌ مِن مَظاهِرِ ذلكَ هُوَ هذهِ البِدعةِ الجَديدةِ المُختصَّةِ بتَقييدِ الشَّيطانِ أو تَقييدِ الأرواحِ الشرِّيرة. ما الَّذي تَفعلونَهُ؟ فالنَّاسُ يَجولونَ هُنا وهُناكَ قائِلين: "أنا أُقَيِّدُكَ يا شَيطان... أنا آمُرُكَ بالخُروجِ يا شَيطان". فأنا أَسمَعُهم يَقولونَ ذلكَ طَوالَ الوقت. وأنا أقرأُ ذلكَ في الكُتُب، وأراهُ على شَاشاتِ التِّلفزيون، وأسمَعُهُ في الإذاعاتِ المَسيحيَّةِ إذْ إنَّ الوُعَّاظَ يُقَيِّدونَ الشَّيطان. اسمعوني. اسمَحوا لي أن أقولَ لكُم شَيئَيْن: أوَّلاً، الشَّيطانُ لا يُصغي إليكُم. ما الَّذي تَظُنُّونَ أنَّكُم تَفعلونَهُ؟ أنتُم لا تَملِكونَ أيَّ سُلْطانٍ في أن تَقولوا لَهُ أن يَفعلَ أيَّ شَيء. ولماذا سَيفعلُ ذلكَ بأيَّةِ حَال؟ فَمَنْ تَكونُ أنتَ؟ فأنتَ لا تَستطيعُ حَتَّى أن تَجعلَ أبناءَكَ يَفعلونَ مَا تَقولُهُ لَهُم. فَمَنْ تَظُنُّ نَفسَكَ حَتَّى تَقولَ للشَّيطانِ ما يَنبغي أن يَفعلَ، أو أن تَقولَ للأرواحِ الشِّرِّيرةِ ما يَنبغي أن تَفعل؟
هل تَعلمونَ أنَّ حَتَّى مِيخائيلَ رَئيسَ المَلائكةِ (كما جاءَ في رسالةِ يَهوذا) "لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُورِدَ حُكْمَ افْتِرَاءٍ" على الشَّيطان؟ فذلكَ النِّطاقُ لم يَكُن مِنَ اختِصاصِهِ. وهذهِ جَهالَة. مَنْ تَظُنُّ نَفسَكَ؟ وكما تَرَوْنَ، فإنَّ ذَلكَ يَنبُعُ مِنَ اللاَّهوتِ القائلِ إنَّ الإنسانَ قَوِيٌّ. وهذا نَابِعٌ مَرَّةً أخرى مِنَ اللاَّهوتِ الأرمينيِّ الَّذي لا يُؤمِنُ بأنَّهُ يَنبغي للإنسانِ أن يَتَخَلَّى عن اتِّكالِهِ على نَفسِهِ. فليسَ لديَّ ما أقولُهُ للأرواحِ الشِّرِّيرة، وليسَ لَديَّ ما أقولُهُ للشَّيطان. والحقيقةُ هي أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ في الكِتابِ المُقدَّسِ أوِ العهدِ الجديدِ يُشيرُ إلى أنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يَتَحَدَّثَ إلى الشَّيطان. فنحنُ لا نَقرأُ عن أيِّ شخصٍ راحَ يَجولُ ويقولُ: "أيُّها الشَّيطانُ، ابتَعِد"، أو: "أيُّها الشَّيطانُ، افعل هذا"، أو: "أنا آمُرُكُ أَلاَّ تَفعلَ كَذا". فهذا سُخْفٌ.
كذلكَ، إنَّ قِيامَكَ بذلكَ يَعني أنَّكَ قَوِيٌّ جدًّا لأنَّ الشَّخصَ الَّذي يَستطيعُ أن يَتَحَكَّمَ في الشَّيطانِ هُوَ مَنْ؟ الله. فإن كُنتَ تَجولُ وتأخُذُ مَكانَ اللهِ، لا بُدَّ أنَّكَ مَغرورٌ جدًّا بنفسِك. لِذا، يجبُ عليكَ أن تَعودَ إلى المَسارِ الصَّحيحِ يا صَديقي. ويجبُ عليكَ أن تَتوقَّفَ عَنِ الاتِّكالِ على جَسَدِكَ، وأن تَبتدئَ في الاتِّكالِ تَمامًا على اللهِ صَاحِبِ السُّلطانِ المُطلَق. وإن كانت لديكَ شَكوى على سَلاطينِ الظُّلمةِ، يجبُ عليكَ أن تَلتجِئَ إلى ذاكَ الَّذي يَملِكُ سُلطانًا عَليها؛ أي إلى إلَهِنا الحَيِّ. فَمِنَ الحَماقَةِ أن يَفعلَ هؤلاءِ الأشخاصُ هذا الأمر. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهم لا يَفهمونَ ضَعفَ الإنسان، بل يَظُنُّونَ أنَّهُم يَمْلِكونَ سُلطانًا عَظيمًا. وَهُم يَجولونَ ويقولونَ تلكَ العِباراتِ ظَنًّا مِنهُم أنَّ الأرواحَ الشِّرِّيرةَ سَتُطيعُ أوامِرَهُم. ولكنَّ هذهِ جَهالَة. فَهُم لا يَفهمونَ ضَعفَ الإنسانِ ولا يَفهمونَ قُدرةَ اللهِ الفائِقَةِ وسُلطانَهُ. وَهُم يَلْعَبونَ ألعابًا سَخيفةً باستخدامِ لاهُوتٍ هَشٍّ. ولكنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ هُوَ مِن نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَفهمونَ إلَهَهُم، ويَفهمونَ أنَّهُ قَريبٌ، وأنَّ كُلَّ شَيءٍ هُوَ في نِطاقِ خُطَّتِهِ، وأنَّهُ لا مُوجِبَ للقَلَق.
لِذا فإنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَنْجُمُ عَنِ الحِفاظِ على السَّلامِ القَويِّ في شَركةِ المَحبَّة، ويَنْجُمُ عَنِ القلبِ الفَرِحِ في كُلِّ المَواقفِ بسببِ عَلاقَتِهِ بالمَسيح، ويَنْجُمُ عَنِ القَبولِ المُتواضِعِ لكُلِّ ضِيْقٍ وَكَرْبٍ لأنَّنا نَعلمُ أنَّنا لا نَسْتَحِقُّ أيَّ شَيءٍ في مُطْلَقِ الأحوال، ويَنْجُمُ عن الإيمانِ القَويِّ والوَاثِقِ بإلهِنا العَظيم.
خَامسًا، وهي نُقطةٌ تَأتي في مَكانِها الصَّحيح. فقد تَحَدَّثنا عنِ الفضائِلِ كالسَّلامِ، والمَحبَّةِ، والفَرحِ، والاتِّضاعِ، والإيمان. وإليكُم فَضيلة أخرى يَتَحَلَّى بها المُؤمِنُ الثَّابِتُ وهي: الشُّكْر. وهذهِ النُّقطةُ تَعني أنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتطلَّبُ مِنَّا أن نَتجاوَبَ مَعَ المَشاكِلِ بصَلاةِ شُكْر... أن نَتجاوَبَ مَعَ المَشاكِلِ بصَلاةِ شُكْر. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّادس: "بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله". وسوفَ نَتوقَّفُ عندَ هذهِ النُّقطة. فهذا هُوَ تِرْياقُ القَلق. وهذا هُوَ الحَلُّ الجَذريُّ للقَلَق.
وبالمُناسبة، إنَّ هذا المَقطعَ لا يُرَكِّزُ على لاهوتِ الصَّلاة، بل يُرَكِّزُ على أهميَّةِ الصَّلاةِ ومَوقِفُ الصَّلاة. فهي ليست دراسة عن لاهوتِ الصَّلاة. وهناكَ ثلاثُ كلماتٍ مُختلفة للصَّلاة تُستخدَمُ هُنا. وهي تُتَرجَمُ: الصَّلاة، والدُّعاء، والطِّلْبَة. وهي تَختصُّ جَميعُها بالتَّضَرُّعِ إلى الله. والافتراضُ المَنطِقِيُّ هُنا هو أنَّكَ حينَ تَقَعُ في وَرطةٍ فإنَّكَ ستَصرُخُ إلى الله. أليسَ كذلك؟ وما أعنيه هُوَ أنَّ هذا هُوَ التَّصَرُّفُ الطَّبيعيّ. فسوفَ تَصرُخُ إلى الله.
ولكِنَّ ما يَقولُهُ بولسُ هُوَ: عِوَضًا عن أن تَصرُخوا إلى اللهِ في الأوقاتِ العَصيبةِ مِن حَياتِكُم وأنتُم في حَالَةِ شَكٍّ، وفي حَالَةِ تَساؤُل، وفي حَالَةِ عَدَمِ رِضا، وفي حَالَةِ عَدَمِ قَناعَة، وعِوَضًا عن أن تَلوموا اللهَ، اصْرُخوا إلى اللهِ كيف؟ بِشُكْر. بِشُكْر. وقد تَقول: "لماذا؟" لأنَّكَ تَعلمُ أنَّهُ إلَهٌ أَمينٌ في تَنفيذِ وُعودِهِ، وأنَّهُ وَعَدَ بأنَّهُ لن يَحدُثَ في حَياتِكَ أيُّ شَيءٍ يَفوقُ قُدرَتَكَ على التَّحَمُّل، وبأنَّهُ إلَهٌ أمينٌ في وَعْدِهِ بأنَّهُ سيَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ مَعًا لِخَيرِك. وهو إلَهٌ أمينٌ في وَعْدِهِ بأنَّهُ قد يَسمَحُ بأن تَتألَّمَ يَسيرًا لكي يُكَمِّلَكَ، وَيُثَبِّتَكَ، وَيُقَوِّيكَ (كما جاءَ في رسالة بُطرس الأولى 5: 10).
بعبارةٍ أخرى، سوفَ تَرى في كُلِّ ضِيقاتِكَ قَصْدَ اللهَ وتَشكُرُهُ على ذلكَ، وتَشكُرُهُ على القُوَّةِ المُتاحَةِ الَّتي تَعلَمُ أنَّها مَوجودة. وسوفَ تَشكُرُه على الوُعودِ الَّتي لن يَنْكُثَ بِها يَومًا عَوِضًا عن أن تَفقِدَ ثِقَتَكَ باللهِ، وأن تَشُكَّ بِهِ، وأن تُلَوِّحَ بِقَبْضَتِكَ في وَجهِهِ. وبولسُ يَقولُ: "في كُلِّ شَيءٍ". وهذا يُشبِهُ ما جَاءَ في رسالة بُطرس الأولى 5: 7 إذْ نَقرأُ: "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ". "في كُلِّ شَيءٍ". فعندما تُصَلِّي وتَتَضَرَّعُ وتَطلُبُ مِنَ اللهِ، في أثناءِ قِيامِكَ بذلك، افعل ذلكَ بامْتِنانٍ، واشْكُرْهُ على مَقاصِدِهِ، واشْكُرْهُ على عِنايَتِهِ الإلهيَّةِ، واشْكُرْهُ على قُدرَتِهِ، واشْكُرْهُ على وَعْدِهِ، واشْكُرْهُ على عَمَلِ التَّكميلِ الَّذي يَعْمَلُهُ، واشْكُرْهُ على الرِّجاءِ في أنَّهُ سيكونُ هُناكَ حَلٌّ، واشْكُرْهُ على رَجاءِ المَجد، واشْكُرْهُ على أنَّ ما حَدَثَ قد حَدَثَ بِمِشيئَتِهِ، واشْكُرْهُ على أنَّهُ يَفعلُ تَمامًا ما يُريدُ أن يَفعلَهُ في حَياتِكَ لِتَحقيقِ ما يُريد، واشْكُرْهُ على مَراحِمِهِ السَّابقةِ القائمةِ على أساسِ البَرَكاتِ المُستقبليَّة.
وكما تَرَوْنَ، يَنبغي أن تَكونَ الصَّلاةُ مَقرونَةً دائِمًا بالشُّكر. وهذا يُحَرِّرُني حَالاً مِنَ الخَوفِ والقَلقِ لأنِّي أرى قَصْدَ اللهِ في ما يَحدُث. وأنا لا أَشُكُّ البَتَّةَ في قَصْدِه، بل أَعلَمُ أنَّ إلَهِي هُوَ صَاحِبُ السُّلطانِ المُطلَق، وأعلَمُ أنَّهُ يُديرُ كُلَّ الأشياءِ لِخَيري (كما جاءَ في رِسالة رُومية 8: 28)، وَلِمَجدِهِ. فأنا أَعلمُ ذلك. فَبِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا قد يَحدُثُ، يَستطيعُ اللهُ أن يَجعلَ ذلكَ يَعملُ لِمَجدِهِ وَنُمُوِّي. وهذا يَدفَعُني إلى تَقديمِ الشُّكرِ لَهُ. فأنا شَكورٌ لأنَّهُ يَعرِفُ مُشكلتي. وأنا شَكورٌ لأنَّهُ يَستطيعُ أن يُعالِجَ مُشكلتي. وأنا شَكورٌ على مَعرفَتِهِ، وقُدرَتِهِ، وَوَعْدِهِ – على كُلِّ ذلك. وجَميعُ هذهِ الكلماتِ الثَّلاثِ تُشيرُ بالمُناسبة إلى طِلْبَة مُباشِرة ومُحَدَّدَة: الصَّلاة، والدُّعاء، والطِّلْبات. فهي جَميعُها تَفتَرِضُ أنَّكَ سَتَلتَجِئُ في أوقاتِ الضِّيق إلى اللهِ. ولكنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هُنا هي القَلبُ الشَّكور. فإن كُنتَ تَعلَمُ حَقًّا إلَهَكَ، وتَستطيعُ أن تَشكُرَهُ في وَسَطِ كُلِّ ذلك، فإنَّكَ شَخصٌ ثَابِتٌ رُوحِيًّا.
وهذا شَيءٌ أساسِيٌّ جدًّا يا أحبَّائي. فأنا أُراقِبُ الأشخاصَ الَّذينَ يَقلَقونَ ويَخافونَ وَيَهْلَعونَ ويَضطربونَ بسببِ كُلِّ شَيءٍ. والسَّببُ الرَّئيسيُّ في ذلكَ هُوَ أنَّهم لا يَثِقونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ هُوَ تَحتَ سَيطرةِ اللهِ، وأنَّهُ يَعمَلُ لِخَيرِهِم وَمَجدِهِ. فَهُم لا يَستطيعونَ أن يَتَّكِلوا عليه. وهذا يَرجِعُ إمَّا إلى عَدَمِ فَهمِهِم لإلَهِهم، وإمَّا إلى حَقيقةِ أنَّ وُجودَ خَطيَّةٍ في حَياتِهم جَعَلَ إيمانَهُم ضَعيفًا في اللهِ الَّذي يَعلَمونَ أنَّهُ صَاحِبُ السُّلطان. ولكِن إن كُنتَ تُدركُ أنَّ اللهَ سَيَملأُ كُلَّ احتياجاتِكَ، وإن كُنتَ تُدركُ أنَّ اللهَ يَعرِفُ كُلَّ شَيءٍ في حَياتِكَ ويَهتمُّ بِكَ، وإن كُنتَ تُدركُ أنَّ اللهَ قادِرٌ على التَّعامُلِ مَعَ كُلِّ مُعضِلَة، وإن كُنتَ تُدركُ أنَّ اللهَ يُريدُ أن يُكَمِّلَكَ لكي تَصيرَ مُشابِهًا للمسيحِ، وإن كُنتَ تُدركُ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ يَغيبُ عَن عَينيِّ اللهِ، وأنَّهُ لا يُوجدُ شَيءٌ يَخرُجُ عن سَيطرتِهِ ومَقاصِدِهِ، مَا الَّذي سيَجعلُكَ تَخافُ وتَقلَقُ على أيِّ شيء؟ وما أعنيه هو أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تُؤمِنَ بذلك.
والآن، ما هي نَتيجةُ القَلبِ الشَّكور؟ إنَّها مَذكورة في العَددِ السَّابع. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". وأودُّ أن أقولَ إنَّ كُلَّ شَخصٍ لَديهِ مُشكلةٌ يَتَمَنَّى أن يَجِدَ السَّلامَ. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَتَمَنَّى أنْ نَجِدَ الطُّمأنينةَ، وأن نَجِدَ الرِّضا، وأن نَجِدَ السَّلامَ الدَّاخِلِيَّ في وَسْطِ الضِّيقات. أَلاَ لاحَظتُم مِن فَضلِكُم أنَّ هذا هُوَ تَمامًا مَا تَعِدُ بهِ الآيةُ السَّابعة؟ والآن، أريدُ وَحَسْب أن أُقَدِّمَ إليكُم فِكرةً هُنا. في وَسَطِ الضِّيقِ، عندما تَتَضَرَّعُ وتَطلُبُ وتُصَلِّي إلى اللهِ بِقَلبٍ شَكورٍ، لا تَظُنَّ أنَّ الجَوابَ هُوَ النُّقطةُ الجَوهريَّة. هل سَمِعتُم ذلك؟ لا تَظُنَّ أنَّ الجَوابَ هُوَ النُّقطةُ الجَوهريَّة. فالآيةُ لا تَقولُ إنَّكَ إن صَلَّيتَ إلى اللهِ، وتَضَرَّعتَ إليهِ، وَطَلَبْتَ مِنهُ بِشُكْرٍ فإنَّ اللهَ سيُجيبُ صَلاتَكَ بالطَّريقةِ الَّتي تُريد. فالآيةُ لا تَقولُ ذلك. وهي لا تَقولُ أيَّ شَيءٍ عَنِ استِجابَتِه، بل تَقولُ إنَّهُ أيَّا كانَ الجَوابُ، وحينَ يأتي الجَوابُ، سَوفَ يُعطيكَ اللهُ ماذا؟ سَلامًا. هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة.
وَمَا هُوَ سَلامُ اللهِ؟ إنَّهُ السَّلامُ الَّذي يَمْلِكُهُ اللهُ ويُعطيهِ لَنا. فَهُوَ سَلامٌ دَاخِلِيٌّ، وَسَلامٌ إلَهِيٌّ يُعطيهِ اللهُ لَنا. وهذا هُوَ ما يُعطينا طُمأنينةً. أَلاَ لاحظتُم مَرَّةً أخرى أنَّ هذا السَّلامَ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ للشَّخصِ الَّذي يُصَلِّي بِشُكر؟ ويُمكنُنا هُنا أن نَرى تَصاعُدًا رُوحِيًّا. فعندما تَعيشُ في جَوٍّ مِنَ المَحبَّةِ والسَّلام، وَتَكونُ صَانِعَ سَلام، وعندما تُرَكِّزُ على عَلاقَتِكَ بالمَسيحِ الحَيِّ، وعندما يَكونُ قَلبُكَ مُتواضِعًا، ولا تَطلُبُ أيَّ شَيءٍ، وعندما تَبتَدِئُ في مَعرفةِ إلَهِكَ، وتَفهَمُ إلَهَكَ، وتَثِقُ بإلَهِكَ في وَسَطِ الظُّروفِ العَصيبةِ الَّتي تَسكُبُ فيها صَلواتِكَ أمامَ ذلكَ الإلَه، يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ بِروحِ الشُّكر. وبسببِ هذا القلبِ الشَّكورِ، سوفَ يُعطيكَ اللهُ سَلامَهُ. هذا هُوَ الوَعد. فهو يُعطيكَ سَلامَهُ.
استَمِعوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ إشعياء 26: 3: "ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ". هذا هُوَ المِفتاحُ: فإنِ اتَّكلتَ على الرَّبِّ، وكُنتَ مِن ذُوي الرَّأيِ المُمَكَّنِ، فإنَّ اللهَ سَيَحْفَظُكَ في سَلام. فهكذا تُواجِهُ الحَياةَ بِثَبات.
ولكنَّ النَّصائحَ المَغلوطَةَ مُنتشرةٌ بكَثرة. وهُناكَ اتِّكالٌ كبيرٌ على قُدرةِ الإنسان، وثِقَةٌ مَهزوزةٌ جدًّا بِسِيادَةِ اللهِ حَتَّى إنَّنا نَقودُ النَّاسَ في الطَّريقِ غيرِ السَّليم. ولكن يا أحبَّائي، بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ المُشكلةِ الَّتي تُعاني مِنها في حَياتِكَ، وَبِغَضِّ النَّظرِ عنِ الصُّعوباتِ الَّتي تَجْعَلُكَ قَلِقًا، أو مُكتئبًا، أو مُصَابًا بالعُصَابِ؛ أيَّا كانَ ذلكَ، إن كُنتَ تَفهمُ مَنْ هُوَ اللهُ، وإن كُنتَ تَستطيعُ أن تَتعامَلَ مَع كُلِّ مُشكلةٍ في حَياتِكَ بقلبٍ شَكورٍ فيما تُصَلِّي إلى اللهِ وتَطلُبُ مِنهُ أن يُنَجِّيكَ، سَتَرى في وَسَطِ كُلِّ ذلكَ أنَّ كلمةَ اللهِ تَعِدُ بأنَّ اللهَ سيُعطيكَ سَلامًا. والآن، ما نَوعُ ذلكَ السَّلام؟ أرجو أن تُلاحِظوا العَددَ السَّابع. فهو سَلامٌ يَفوقُ كُلَّ عَقْل. مَا مَعنى ذلك؟ إي أنَّهُ ليسَ سَلامًا بَشريًّا، وليسَ سَلامًا مَنطِقيًّا؛ بل هُوَ سَلامٌ يَفوقُ القُدرةَ العَقليَّةَ، ويَفوقُ التَّحليلَ، ويَفوقُ تَبَصُّرَ الإنسانِ، ويَفوقُ فَهْمَ الإنسانِ، وتَعريفَ الإنسانِ، وَتَفسيرَ الإنسان. فهو ليسَ سَلامًا بَشريًّا. فأنتَ لا تَلتَجِئُ إلى أيِّ إنسانٍ مِن أجلِ الحُصولِ عليه. هل سَمعتُم ذلك؟ بل يَنبغي أن تَلتجئَ إلى اللهِ مِن أجلِ الحُصولِ عليه.
فَلاَ يُوجَد مُشيرٌ في العَالَمِ يَستطيعُ أن يُعطيهِ لَكَ. ولا يُوجَد عِلاجٌ في العَالَمِ يَستطيعُ أن يُعطيهِ لَكَ. ولا يُوجَد اختِصاصِيٌّ في العَالَمِ يَستطيعُ أن يُعطيهِ لَكَ؛ بل هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ للمُؤمِنِ الَّذي يَعرِفُ إلَهَهُ جَيِّدًا، ويَتَّكِلُ على إلَهِهِ، ويَشكُرُهُ في الضِّيقات. وبسببِ شُكرِهِ فإنَّ اللهَ يَتجاوَبُ بأن يُعطيهِ سَلامًا – سَلامًا خَارِقًا للطَّبيعة.
وما أكثرَ البَدائلَ الرَّخيصةَ الَّتي تَعِدُ بذلكَ اليوم. ولكنَّ هذا يَفوقُ أيَّ مُحاولاتٍ للعُثورِ على حُلولٍ عَقلانيَّةٍ لِمَشاكِلِكَ. فهذا الحَلُّ يَفوقُ أيَّ خُطَطٍ بَشريَّة، ويَفوقُ أيَّ أدواتٍ بَشريَّة، ويَفوقُ أيَّ حُلولٍ بَشريَّة، ويَفوقُ مَا يُسَمَّى بالضَّمانِ البَشَرِيِّ. ويُمكنُني ببساطَةٍ أن أُلَخِّصَ ذلكَ بالقولِ إنَّ التَّحَدِّي الحَقيقيَّ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ... أرجو أن تُلاحِظوا ما سأقولُ لأنَّهُ مُسْتَفْحِلٌ في مُجتمعِنا... إنَّ التَّحدِّي الحَقيقيَّ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ هُوَ ليسَ أن تَرى إن كانَ بِمَقدورِكَ أن تَتَخَلَّصَ مِن كُلِّ شَيءٍ مُزعِجٍ في حَياتِكَ، بل إنَّ التَّحدِّي الحَقيقيَّ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ هُوَ أن تَرى إنْ كانَ بِمَقدورِكَ أن تَثِقَ بإلَهِكَ القُدُّوسِ والقَديرِ وَصَاحِبِ السُّلْطانِ في وَسَطِ كُلِّ مَوقفٍ وأن تَحصُلَ على سَلامَهُ الكَامِل.
فالنَّاسُ يُحاولونَ جَاهِدينَ أن يُوْجِدوا عَالَمًا كَامِلاً لكي يَكونوا سُعداء. فَهُم لا يُحِبُّونَ شَكْلَهُم، ولا يُحِبُّونَ مَظهَرَهُم، ولا يُحِبُّونَ الطَّريقةَ الَّتي تُعامِلُهم بِها أُمَّهاتُهُم، ولا يُحِبُّونَ الطَّريقةَ الَّتي يُعامِلُهم بِها آباؤُهُم. فَقد تَعَرَّضُوا لِسُوءِ المُعامَلة، وَلِسوءِ الفَهمِ، ولم يَحصُلوا على المُعاملةِ اللاَّئِقَة. وَالزَّوجاتُ لا يُطِقْنَ الطَّريقةَ الَّتي يُعامِلُهنَّ بِها أزواجُهُنَّ. والأزواجُ لا يُحِبُّونَ الطَّريقةَ الَّتي تُعامِلُهم بِها زَوجاتُهم. وَالآباءُ والأُمَّهاتُ لا يُحِبُّونَ الطَّريقةَ الَّتي يُعامِلُهم بِها أبناؤُهم. والنَّاسُ لا يُحِبُّونَ المَكانَ الَّذي يَعيشونَ فيه. وَهُم يَكرَهونَ أعمالَهُم. وبسببِ كُلِّ تلكَ الأشياءِ فإنَّهُم يَشعرونَ بالقَلق. ولكِنْ سُرعانَ ما نُدركُ أنَّنا أُناسٌ سَاقِطونَ، وأنَّنا نَعيشُ في عَالَمٍ سَاقِط. فهذا هُوَ ما يَحدُث. والحَقيقةُ العَظيمةُ هي أنَّ إلَهَنا العَظيمَ وَصاحِبَ السُّلطانِ قد أَلْغَى سُقوطَنا. فهذا هُوَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في إنجيلِ يوحنَّا 16: 33: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا..." [في ماذا؟] "...أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَم".
فَمَتى سنَبتدئُ في العَيشِ في المُستوى الخَارِقِ للطَّبيعةِ، ونَقبَلُ أنَّنا نَعيشُ في عَالَمٍ سَاقِطٍ، ونَنتَظِرُ مِنَ اللهِ الغَالِبِ أن يُتَمِّمَ عَمَلَهُ الكَامِلَ فينا هُنا، وفي يومٍ مَا في المَجدِ الآتي؟ فينبغي لي أن أَقبلَ حَقيقةَ أنَّني إنسانٌ سَاقِطٌ يَعيشُ مَعَ أُناسٍ سَاقِطينَ في عَالَمٍ سَاقِطٍ، وأنَّ هُناكَ دَلالاتٍ على ذلكَ السُّقوطِ في كُلِّ مَكان، وأنَّهُ لن يَسودَ ذلكَ السَّلامُ الَّذي أَصْبُو إليهِ ظَرْفِيًّا في هذا العَالَمِ، ولكنِّي سأَحصُلُ على سَلامي مِنَ اللهِ عندما أُسَلِّمُ لَهُ كُلَّ شَيءٍ بِثِقَةٍ وأَضَعُهُ بينَ يَديه.
والآن، لاحِظوا ما يَفعلُهُ هذا السَّلامِ إذْ إنَّنا نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". يَحفَظُكُم مِن ماذا؟ مِنَ القَلَقِ، وَمِنَ الشَّكِّ، وَمِنَ الخَوفِ، وَمِنَ التَّوتُّر. وهذا حَقٌّ عَظيم. والكلمة "يَحْفَظُ" هي لَفْظَةٌ عَسكريَّة. وهي تَعني حَرفيًّا: "يَحرُسُ" أو: "يَحمِي". فقد كانَ أهلُ فيلبِّي يَعيشونَ في مَحْمِيَّةٍ رُومانِيَّةٍ يُوجَدُ فيها جُنودٌ رُومان يَحرُسونَ المَصالِحَ الرُّومانِيَّةَ في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالَم. وقد كانوا يَعرِفونَ مَعنى الحِراسَة، ومَعنى الحَارِس، ومَعنى المَحْمِيَّة أوِ القُوَّاتِ الحَامِيَة. وما يَقولُهُ بولسُ هُوَ التَّالي. اسمعوني! إنَّهُ يَقولُ: إن كُنتُم تَعرِفونَ إلَهَكُم، وتَعلَمونَ أنَّ إلَهَكُم قَريبٌ، وتَتَّكِلونَ على إلَهِكُم بِثِقَةٍ في وَسَطِ أيَّة تَجربة عَالِمينَ أنَّ تلكَ التَّجربةَ هي جُزءٌ مِن قَصْدِه، ثُمَّ كُنتُم شَاكِرينَ في وَسَطِ ذلكَ لأجلِ تَحقيقِ قَصْدِ اللهِ على الرَّغمِ مِنَ الضِّيق، ستَحصُلونَ على سَلامِ الله. وسوفَ يَحميكُم ذلكَ السَّلامُ ويَحفظُكُم مِنَ القَلقِ، والضِّيقِ، والهَمِّ، والتَّذَمُّرِ، وعَدَمِ الرِّضا، والشَّكّ.
وقد صَوَّرَ "بَنْيان" (Bunyan) ذلكَ بطريقةٍ رائعة. فَلَعَلَّكُم تَذكرونَ رِوايةِ "الحَرْبِ المُقَدَّسة" (Holy War) الَّتي يُصَوِّرُ فيها مَدينةً تُدعَى "مانسول" (Mansoul) الَّتي تَرمِزُ إلى نَفسِ الإنسان. وهو يُصَوِّرُ الأميرَ، الأميرَ "عِمَّانوئيل" (Emmanuel) الَّذي يَرمِزُ بِكُلِّ تأكيدٍ إلى المَسيح. ثُمَّ إنَّهُ يُصَوِّرُ هذا الشَّخصَ الخَاصَّ الَّذي يُدعَى السَّيِّد "سَلامُ الله" (Godspeace). وقد كانَ السَّيِّدُ "سَلامُ اللهِ يَعيشُ في مَدينةِ "مَانسول" ويَجَولُ فيها. وكانَ عَمَلُهُ يَقتضي مِنهُ أن يَحمي المَدينة. ويَكتُبُ "بَنْيان": "لم يَكُن يُسْمَحُ بوجودِ أيِّ شَيءٍ سِوى الوِئام، والسَّعادة، والفَرَح، والصِّحَّة طَوالَ الوقتِ الَّذي كانَ فيهِ ’سَلامُ اللهِ‘ يَقومُ بعملِه". ويتحدَّثُ "بَنْيان" عن كيفَ أنَّ مَدينةَ مَانسول أَحْزَنَتْ قَلبَ الأمير عِمَّانوئيل. لِذا فقد تَرَكَ الأميرُ عِمَّانوئيلُ المَدينةَ، وتَوقَّفَ السَّيِّدُ "سَلامُ اللهِ" عنِ القيامِ بعملِه فَعَمَّتِ الفَوضَى. وهذا هُوَ ما يَحدُثُ في الحَياةِ المَسيحيَّة.
فعندما يَكونُ المَسيحُ خَارِجَ أفكارِنا، وعندما لا نَعودُ نَرى الأشياءَ كَما يَراها هُوَ، وعندما لا نَعودُ نَثِقُ بِسيادَتِهِ فإنَّ سَلامَ اللهِ سَيَتوقَّفُ فَجأةً عَنِ العَمل. وحينئذٍ سنَعيشُ بأذهانٍ مُضطَرِبةٍ وقُلوبٍ مُضطَرِبَة. أمَّا عندما نَتَّكِلُ على الرَّبِّ كَما يَليقُ ونَشكُرهُ في وَسَطِ تَضَرُّعاتِنا، سيَعمَلُ سَلامُ اللهِ فينا. فَهُوَ حَامِي سَلامِ نُفوسِنا. ولا تُوجَدُ صُورةٌ أوضحُ مِن هذهِ يَنبغي لنا جَميعًا أن نَفهَمَها.
والآن، لماذا يَذكُرُ بولسُ القُلوبَ والأفكار؟ هُناكَ مَن يَقولُ: "هُناكَ فَرْقٌ بينَ الاثنين". ولكنِّي لا أَظُنُّ ذلك. فَلا أَظُنُّ أنَّهُ يُحاولُ أن يُفَرِّقَ بينَ القلبِ والفِكر، بل يُحاولُ فقط أن يَجعلَ جُمْلَتَهُ شَامِلَةً. فيُمكنُنا أن نَقولَ إنَّ القلبَ هُوَ مَوطِنُ المَشاعِرِ وإنَّ العَقلَ هُوَ مَوطِنُ الأفكار أو مَا شَابَهَ ذلك؛ ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ عن قُلوبِكُم وأفكارِكُم بالمَعنى العَامِّ بِمَعنى أنَّ سَلامَ اللهَ سَيَحفَظُ كُلَّ كِيانِكُم الدَّاخِلِيِّ. فَسلامُ اللهِ سَيَحفَظُكُم في المَسيحِ يَسوع. فلأنَّكُم مُتَّحِدونَ بالمَسيحِ، ستَحصُلونَ على هذهِ الحِمايَة.
إذًا، هذا هُوَ الثَّباتُ الرُّوحِيُّ. وكيفَ يُمكنُنا أن نُواجِهَ يَومَ مَوتِنا المَحتوم؟ وماذا سَتفعلُ إنْ أُصِبْتَ بِجَلطةٍ؟ وماذا إنْ أَخبروكَ أنَّكَ مُصابٌ بالسَّرطان؟ وماذا ستَفعلُ إنْ حُرِمْتَ مِن أحدِ أبنائِكَ؟ وماذا عنِ الضِّيقاتِ الَّتي تُواجِهُها الآنَ في حَياتِكَ. كيفَ ستُواجِهُ مِثلَ هذهِ الظُّروفِ بثَباتٍ رُوحِيٍ؟ وكيفَ ستَصمُد؟
أوَّلاً، إنَّ هذا يَتطلَّبُ في اعتقادي ثَباتَ الكَنيسة. فأنا أعتقدُ أنَّهُ يجبُ علينا جَميعًا أن نَسنِدَ بَعضُنا بَعضًا. فحيثُ تُوجَدُ كَنيسةٌ قَويَّةٌ ومُتَّحِدَةٌ ومُسالِمَةٌ وَمُحِبَّةٌ، سَتَجِدونَ قُوَّةً عَظيمةً عندَ أعضائِها الأفراد. ثانيًا، يجبُ عليكم أن تُحافِظوا على رُوحِ الفَرَح. وهذا يَعني أن تُحافِظوا دائمًا على عَلاقَتِكُم بالمَسيحِ الحَيِّ لأنَّ ذلكَ سيكونُ مَصدرَ فَرَحِكُم طَوالَ الوقتِ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا قد يَجري مِن حَولِكُم. ثَالِثًا، يجبُ عليكم أن تَتعلَّموا أن تَكونوا مُتواضِعينَ وألاَّ تَتوقَّعوا أيَّ شَيءٍ لأنَّنا لا نَسْتَحِقُّ أيَّ شَيءٍ بأيَّةِ حَال. ويجبُ علينا أن نَفعلَ ذلكَ دُونَ أن نَشعُرَ بأنَّنا خُدِعْنا أو تَعَرَّضنا لِسوءِ المُعاملةِ، أو أنَّ اللهَ كَانَ ظَالِمًا لَنا نحنُ الَّذينَ لا نَستَحِقُّ أيَّ شَيء. كذلكَ، يجبُ عليكم أن تَتَحَلُّوا بالإيمانِ الوَاثِقِ بالرَّبِّ الَّذي تَفهَمونَهُ وَتَتَّكِلونَ عليهِ مِنْ مُنطَلَقِ أنَّهُ لا يُمكِنُ أن يُناقِضَ صِفاتِهِ المُعلنةَ في الكتابِ المقدَّسِ. ويجبُ عليكم أن تُعالِجوا مَشاكِلَكُم بِصلاةِ الشُّكرِ. فاللهُ يَعِدُ بأنَّ سَلامَهُ سيَحفَظُكم ويُعطيكُم شُعورًا بالطُّمأنينةِ والأمانِ والرِّضا. وهُناكَ أمورٌ أخرى يُريدُ بولسُ أن يَقولَها؛ ولكنَّهُ لن يَقولَها إلاَّ في الأسبوعِ القادِم. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على الثِّقةِ الَّتي لَنا؛ أيْ ثِقَتِنا بِك. ونَشكُرُكَ على ضَعْفِ ثِقَتِنا بأنفسِنا. ونَشكُرُكَ على انعِدامِ ثِقَتِنا بأنفسِنا لأنَّ ذلكَ يَجعَلُنا نَتَّكِلُ تَمامًا عليكَ أنت. يا رَبُّ، نحنُ نُكَرِّسُ حَياتَنا لَكَ، ونَتوقُ إلى أن نُصَلِّي بالشُّكر بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الضِّيقاتِ الَّتي نَمُرُّ بِها لأنَّنا نَعلمُ أنَّ لَكَ قَصْدٌ عَظيمٌ يَنبغي أن يَتِمَّ لِخَيرِنا وَلِمَجدِكَ لكي نَخْتَبِرَ السَّلامَ الَّذي لا يَستطيعُ أحدٌ سِواكَ أن يُعطيه. يا لَيتَنا نَعيشُ في هذا السَّلامِ القَلبيِّ حَتَّى يُدْهَشُ العَالَمُ مِن حَولِنا كما دُهِشَ ذلكَ الطَّبيبُ على مَتْنِ السَّفينةِ مِنَ السَّلامِ الَّذي كانَ يَملأُ قَلبَ ذلكَ الرَّجُلِ الَّذي كانَ على وَشْكِ المَوت. أَعْطِنْا ذلكَ الثَّباتَ لكي نَصْمُدَ بثِقَةٍ وَفَرَحٍ وَشُكرِ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الظُّروف. نحنُ نُحِبُّكَ ونَضَعُ أنفُسَنا مَرَّةً أخرى بينَ يَديكَ كي تُتَمِّمَ قَصْدَكَ المُقَدَّسَ. باسمِ المُخَلِّص. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
