Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسةَ في هذا الصَّباحِ ونَستمِع إلى الجُزءِ الأخيرِ مِن سِلسلَتِنا عنِ الثَّباتِ الرُّوحيِّ مِنَ الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي 4: 1-9. فقد طَرَحْنا السُّؤالَ: كيفَ نُحافِظُ على تَوازُنِنا الرُّوحيِّ في وَجْهِ المِحَنِ، والضِّيقاتِ، والضَّعفِ، والتَّجربةِ، والاضطهادِ، والشَّكِّ، وكُلِّ الأشياءِ الَّتي تُهاجِمُنا في هذهِ الحَياة؟ وهذا هُوَ حَقًّا الموضوعُ الَّذي سنَتحدَّثُ عنهُ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح. كيفَ يُمكنُنا أن نَكونَ أقوياءَ رُوحِيًّا وَثَابِتينَ رُوحيًّا؟ وكيفَ يُمكنُنا أن نَختبرَ السَّلامَ، والهُدوءَ، والسُّكونَ، والثِّقةَ، وطُمأنينةَ القَلبِ، والرَّاحةَ، والرِّضَا في وَسَطِ كُلِّ هذا الضِّيقاتِ الَّتي نَختَبِرُها؟

في المَزمور 38، كانَ المُرَنِّمُ يَتعرَّضُ لِضِيقٍ شَديد. وهو يَقولُ: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِسَخَطِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ". فقد كانَ يَشعُرُ بتأديبِ الرَّبِّ. فقد وَقَعَ ضَحِيَّةَ التَّجربة. وقد خَضَعَ جَسَدُهُ لهُجومِ الشَّرِّ. وَهُوَ الآنَ يَشعُرُ بالذَّنْبِ بسببِ الخطيَّةِ. وَهُوَ يَشعُرُ بتأديبِ اللهِ لَهُ إلى جَانِبِ شُعورِهِ بالذَّنب. وهو يَقول: "لأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ انْتَشَبَتْ فِيَّ، وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ". فَحَتَّى إنَّهُ ابتدأَ يَشعُرُ بالتَّأديبِ جَسَدِيًّا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي". ثُمَّ إنَّهُ يَبتدِئُ في التَّفكيرِ في خُطورةِ خَطيَّتِهِ فيقول: "لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي. لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِينًا. لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلأَتَا احْتِرَاقًا، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ".

فقد كانَ يَشعُرُ بألمِ خَطيَّتِهِ، ويَشعُرُ بالذَّنبِ بسببِ خَطيَّتِه، ويَشعُرُ بالتَّأديبِ؛ أيْ بتأديبِ الرَّبِّ. وقد كَانَ تَأديبُ الرَّبِّ لَهُ يُضاعِفُ مِن شُعورِهِ بالذَّنبِ، ويُضاعِفُ مِن شُعورِهِ بالألمِ بسببِ خَطيَّتِه. والحقيقةُ هي أنَّ أَلَمَهُ يَزدادُ حَتَّى إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّامِن: "خَدِرْتُ وَانْسَحَقْتُ إِلَى الْغَايَةِ. كُنْتُ أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي". ثُمَّ يَقولُ في العَددِ العَاشِر: "قَلْبِي خَافِقٌ. قُوَّتِي فَارَقَتْنِي، وَنُورُ عَيْنِي أَيْضًا [أيْ: فَرَحي] لَيْسَ مَعِي". فَلَمْ يَعُد هُناكَ بَريقٌ في عَينيَّ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "أَحِبَّائِي وَأَصْحَابِي يَقِفُونَ تُجَاهَ ضَرْبَتِي، وَأَقَارِبِي وَقَفُوا بَعِيدًا". أيْ: ليسَ هُناكَ مَنْ يُعَزِّيني، أو مَن يَنصَحُني، أو مَن يُساعِدُني؛ بل إنَّني مُحاطٌ بالأعداء. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 12: "وَطَالِبُو نَفْسِي نَصَبُوا شَرَكًا، وَالْمُلْتَمِسُونَ لِيَ الشَّرَّ تَكَلَّمُوا بِالْمَفَاسِدِ، وَالْيَوْمَ كُلَّهُ يَلْهَجُونَ بِالْغِشِّ. وَأَمَّا أَنَا فَكَأَصَمَّ لاَ أَسْمَعُ. وَكَأَبْكَمَ لاَ يَفْتَحُ فَاهُ. وَأَكُونُ مِثْلَ إِنْسَانٍ لاَ يَسْمَعُ، وَلَيْسَ فِي فَمِهِ حُجَّةٌ" (في العَدد 14).

نَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مَكروبٍ جدًّا مِن كُلِّ نَاحِيَة. وَهُوَ مَكْروبٌ بسببِ خَطيَّتِهِ. وَهُوَ مَكروبٌ بسببِ تَأديبِ اللهِ. وَهُوَ مَكروبٌ لأنَّ أصدقاءَهُ لا يَمُدُّونَ لَهُ يَدَ المُساعَدَة. لِذا فإنَّهُ يَشعُرُ بأنَّهُ وَحيدٌ، ومَهْجورٌ ومَتروك. وَهُوَ مَكروبٌ لأنَّ أعداءَهُ هَاجَموهُ ولأنَّهُم يُريدونَ أن يَقتُلوه. وَهُوَ مَكروبٌ أيضًا لأنَّهُ ليست لَديهِ حُجَّة لأنَّهُ يَعلمُ خَطيَّتَهُ. لِذا فإنَّ كُلَّ ما يَستطيعُ فِعلهُ هُوَ الصَّلاة. وكُلُّ ما يَستطيعُ فِعلُهُ هُوَ أن يَصرُخَ إلى الله. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ التَّاسع: "يَا رَبُّ، أَمَامَكَ كُلُّ تَأَوُّهِي، وَتَنَهُّدِي لَيْسَ بِمَسْتُورٍ عَنْكَ". أنتَ تَعرِفُ قَلبي، يا رَبُّ، وتَعرفُ ما مَرَرْتُ بِهِ، وتَعرِفُ أَلَمي، وتَفهَمُ كُلَّ شَيء".

وَهُوَ يَقولُ في العَدد 15: "لأَنِّي لَكَ يَا رَبُّ صَبَرْتُ، أَنْتَ تَسْتَجِيبُ يَا رَبُّ إِلهِي". بعبارةٍ أخرى، لقد صَلَّيتُ إليكَ، وأنا عَالِمٌ أنَّكَ سَتَستَجيب. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 21: "لاَ تَتْرُكْنِي يَا رَبُّ. يَا إِلهِي، لاَ تَبْعُدْ عَنِّي. أَسْرِعْ إِلَى مَعُونَتِي يَا رَبُّ يَا خَلاَصِي". والآن، نحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مِن رِجالِ اللهِ يَتعرَّضُ لِكَرْبٍ شَديد. فهو مَكروهٌ ولديهِ أعداء. ويَبدو أن أصدقاءَهُ لا يُساعِدونَهُ في وَقتِ حَاجَتِه. وقد سَقطَ في الخَطيَّةِ بسببِ شَهوةِ الجَسد. وقد تَعَرَّضَ للتَّأديبِ الإلهيِّ. وَهُوَ يَشعُرُ بالخَدَرِ والانسِحاقِ الشَّديد. وقَلبُهُ يَئِنُّ. وَأقَلُّ ما يُقالُ عنهُ هُوَ أنَّهُ غيرُ مُستقِرّ. فَهُوَ يَرْتَعِدُ ويَشعُرُ أنَّهُ كَوَرَقةٍ تَتطايَرُ في وَجْهِ عَاصِفَةٍ شَديدة.

وهذا النَّوعُ مِن عَدمِ الثَّباتِ هُوَ شَيءٌ يَختَبِرُهُ كُلُّ مُؤمِن. وقد يَكونُ أحيانًا شَديدًا جدًّا حَتَّى إنَّنا نَفقِدُ قُدرتَنا على العَملِ بكفاءةٍ في الحَياة. وقد نَصيرُ مَهمومينَ، ونَشعُرُ بالذَّنبِ، وبالعَداوةِ والاضطهادِ مِنَ الآخرين، وبِنَقصِ المَحبَّةِ والاهتمامِ والرِّعايةِ مِنَ الآخرينَ، وبعَدمِ مُبالاةِ الأصدقاءِ لنا حَتَّى إنَّنا نَفقِدُ تَوازُنَنا تَمامًا.

هُناكَ كِتابٌ صَدَرَ حَديثًا مِن تَأليفِ رَاعي كَنيسةٍ مَعروف يَقولُ فيه: "لقد زُرْتُ مُستشفى الأمراضِ العَقليَّةِ مَرَّاتٍ عَديدة بِجُدرانِهِ الصَّفراءِ وأرضيَّاتِهِ اللاَّمِعَةِ جدًّا الَّتي تُشبِهُ أغلبيَّةَ الأقسامِ النَّفسيَّةِ في مُستشفياتِ الأمراضِ العَقليَّةِ الَّتي ذَهبتُ إليها عندما كنتُ أزورُ أعضاءَ رَعيَّتي الرَّاقدينَ في المُستشفى. فهُناكَ دائمًا شُعورُ مُعَيَّنٌ بالرَّهبةِ يَتَسَلَّلُ إلى ذِهنِ المَرءِ عندما يَسيرُ في تلكَ المَمَرَّاتِ الَّتي يَسودُها الصَّمْتُ وتَفوحُ مِنها رائحةُ مَوادِ التَّعقيم. ووراءَ كُلِّ بَابٍ قِصَّة مُختلِفَة. وقدِ استَمعتُ إليها جَميعًا. فقدِ استمعتُ إلى قِصَصِ المُجرِمينَ المجانين، والأشخاصِ الَّذينَ حَاولوا الانتحارَ، والأشخاصِ المُكتئبين، والمُدمِنينَ على الكُحول، والعِدوانيِّين، والمُدمنينَ على المُخَدِّرات. وفي العَديدِ مِنَ المَرَّاتِ، حَاولتُ أن أتحدَّثَ إلى الأشخاصِ الَّذينَ نَسَوْا كيفَ يَرُدُّون. ولم أشعُر يَومًا بالرَّاحةِ عندما أتحدَّثُ إلى المَرضى النَّفسيِّين. ولكنْ في هذهِ المَرَّة، عِوَضًا عَن عَدمِ الرَّاحَةِ شَعرتُ بالخَوف. وبسببِ شُعوري بالرَّهبةِ شَعَرْتُ بالكآبةِ الوَشيكَةِ، وكانَ الجَوُّ كُلُّهُ مَشحونًا بِكُلِّ ما يُنْذِرُ بالشُّؤْم. وقد شَعرتُ بالاتِّضاعِ والحَرَج. وقد كنتُ أُقاوِمُ شُعورًا بالعَداوَةِ الَّتي تَنتَهِزُ الفُرصةَ للانقضاضِ عَليَّ. ففي هذهِ المَرَّةِ، كُنتُ أسيرُ في أروِقَةِ مُستشفى الأمراضِ النَّفسيَّةِ الهَادِئَةِ لا بِصِفتي رَاعيًا، بل بِصِفتي مَريضًا.

فطَوالَ سَنواتٍ، لم أُدرك خُطورةَ تَقَلُّباتِ المِزاجِ العَشوائيَّةِ الَّتي يُمكِنُ أن تَطرَحَني مِن ذُروةِ الفَرحِ إلى قَاعِ اليأس. فقد كنتُ أَعِظُ بحَماسةٍ وقُوَّة. وكُنتُ أُشارِكُ المَسيحَ بحَماسَةٍ وفَاعليَّة. وقد كُنتُ أُقَدِّمُ المَشورةَ للآخرينَ بنَجاحٍ وأعيشُ حَياةً اجتماعيَّةً مُمتعةً. ولكنِّي لم أُدرك أنَّ أيًّا أو كُلاًّ مِن هذهِ المَشاعرِ الإيجابيَّةِ المُبهِجَةِ قد تَختفي فجأةً لَتَحِلَّ مَحَلَّها مَشاعرُ الكآبةِ وفَتْراتُ الضَّعف. فقد كُنتُ أَنسحِبُ وأشعُرُ بالشَّكّ. وفجأةً، كنتُ أشعرُ بمشاعرَ قَويَّة جدًّا مِنْ عَدمِ الكِفايَةِ والدُّونِيَّة. وفي العَديدِ مِنَ المَرَّاتِ، كُنتُ أُفَكِّرُ في الانتحار" [نِهايةُ الاقتباس].

هَل يُعقَلُ أنْ يَشعُرَ رَاعي كَنيسة بالخَدَرِ والانسِحاقِ الشَّديد؟ وَهَل يُعقَلُ أنْ يَشعُرَ المُرَنِّمَ بالخَدَرِ والانِسحاقِ الشَّديد؟ وَهَل يُعقَلُ أنْ تَتَعَرَّضَ إلى مِحْنَةٍ في حَياتِكَ تَسْحَقُكَ، وتَجعلُكَ تَفقِدُ ثَباتَكَ الرُّوحيَّ، وتَفقِدُ اتِّزانَك؟ الجَوابُ هُوَ: "أجل" كَما هُوَ وَاضِح. فقد شَعَرَ المُرَنِّمُ بذلك. وقد شَعَرَ هذا الرَّاعي بذلك. ونحنُ جَميعًا نَفقِدُ اتَّزانَنا الروحيَّ أحيانًا. ونحنُ جَميعًا نَشعُرُ أحيانًا بالضَّعفِ وعَدَمِ الثَّبات. فإلى مَنْ نَلتَجِئ؟ يجبُ علينا أن نَلتَجِئَ إلى الشَّخصِ الوَحيدِ الَّذي يَستطيعُ أن يُنقذَنا، وإلى الشَّخصِ الوحيدِ الَّذي هُوَ مُخَلِّصُنا، وإلى الشَّخصِ الوحيدِ الَّذي يَعرِفُ قُلوبَنا، وإلى الشَّخصِ الوحيدِ الَّذي يَفهَمُ رَغْباتِنا؛ أيْ إلى الله.

يجبُ علينا أن نَفعلَ ذلك. وهذا هُوَ تَمامًا ما يُريدُنا بولسُ أن نَفعلَهُ في نَصِّنا هذا. فَمِنَ المُهِمِّ جدًّا أن نَعْثُرَ على قُوَّتِنا الرُّوحيَّةِ، وأن نَعثُرَ على ثَباتِنا الرُّوحيِّ لا فقط لأنَّ عَدمَ الثَّباتِ الرُّوحيّ هُوَ أمرٌ لا يُطاق في حَياةِ المُؤمِنِ لأنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّهُ يَسْلِبُنا فَرَحَنا، بل إنَّهُ لا يُطاقُ أيضًا في حَياةِ المُؤمِنِ لأنَّهُ يُؤثِّرُ في الآخرين. فكما تَعلَمونَ فإنَّ المُؤمِنَ غيرَ المُستقرِّ رُوحِيًّا، والَّذي يَشعُرُ بالخَدَرِ والانسِحاقِ هُوَ شَخصٌ يُناقِضُ نَفسَهُ مِنْ وُجهةِ نَظرِ العَالَمِ غيرِ المُؤمِنِ الَّذي لا يَستطيعُ أن يَفهَمَ كيفَ يُمكِنُكَ أن تَعتَرِفَ باللهِ الَّذي فيهِ كُلُّ الكِفايَةِ ولكنَّكَ في الوقتِ نَفسِهِ تَعيشُ كما لو أنَّ اللهَ ليسَ كَافِيًا.

وهذهِ نُقطةُ مُهمَّةٌ جدًّا ينبغي لنا أن نَنْتَبِهَ إليها. فكما تَرَوْنَ، يُمكنُنا جَميعًا أن نَتَّفِقَ على أنَّ النَّاسَ في مُجتمعِنا يُبالونَ كَثيرًا بالنَّفعيَّةِ أكثرَ مِن أيِّ شَيءٍ آخر. فَهُم يُبالونَ كثيرًا بالنَّتائِجِ أكثرَ مِمَّا يُبالونَ بالحَقّ. ولكنَّ العُنصُرَ المُقنِعَ في المَسيحيَّةِ هُوَ ليسَ: "هل هذا الأمرُ مَنطقيًّا؟" بل: "هل هُوَ فَعَّالٌ؟" وهو ليسَ: "هل مِنَ المَعقولِ أن نُؤمِنَ باللهِ؟" بل: "هلِ يَستطيعُ اللهُ حَقًّا أن يُغَيِّرَ حَياتَكَ وأن يُعطيكَ القُوَّةَ في وقتِ الضَّعف؟" وقد كَتَبَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones): "نحنُ نُؤمِنُ بأنَّ اللهَ يَنْشُرُ مَلكوتَهُ جُزئيًّا مِن خِلالِ شَعبِهِ، ونَعلَمُ أنَّهُ كَثيرًا ما فَعَلَ أمورًا رائعةً في تَاريخِ الكنيسةِ مِن خِلالِ الحَياةِ المَسيحيَّةِ البسيطةِ لأشخاصِ عاديِّينَ جدًّا. لِذا فإنَّهُ لا يوجد شَيءٌ يَفوقُ في أهميَّتِهِ أن نَتخلَّصَ مِنَ الحَالةِ الَّتي نُعطي فيها الآخرينَ انطباعًا بأنَّ كَوْنَكَ مَسيحيًّا يَعني أنَّكَ غير سَعيد، وأنَّكَ حَزينٌ، وأنَّكَ مُكتَئِب، وأنَّ المُؤمِنَ يَزدري بالأشياءِ المُبهِجَةِ ويَعيشُ أيَّامًا كئيبةً" [نِهايةُ الاقتباس].

فَلأجلِنا نَحنُ، ولأجلِ العَالَمِ الَّذي يَرانا ويُقَيِّمُ صِحَّةَ رِسالَتِنا مِن خِلالِ عَمَلِها في حَياتِنا، يجبُ علينا أن نَكونَ أقوياءَ رُوحِيًّا. فقد دُعينا إلى أن نَكونَ أقوياء. وقد دُعينا إلى أن نَكونَ ثَابِتين. وقد دُعينا إلى أن نَكونَ غيرُ مُتَقَلقِلين. وقد دُعينا إلى أن نَكونَ غيرُ مُتزعزِعين. وقد دُعينا إلى أن نَكونَ جُنودًا نَقومُ بواجِبِنا على أكملِ وَجْهٍ، ونَقِفُ بثباتٍ لكي نَتبارَكَ ونَفرحَ، ولكي يَرى العَالَمُ قُدرةَ إلهِنا في حَياتِنا.

والسُّؤالُ المَطروحُ هُنا هُوَ: كيفَ يُمكِنُنا أن نَكونَ كذلك؟ كيفَ يُمكنُنا أن نَكونَ أقوياء؟ وبولُسُ يُجيبُ عن هذا السُّؤالِ في نَصِّنا هذا. لِنَرجِع إلى نَصِّنا في رسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابع. فهو يَرْجو مِن مُؤمِني فيلبِّي أن يَكونوا أقوياء، وأن يَكونوا ثَابِتين، وأن يَكونوا مُؤمِنينَ خَالينَ مِنَ الهَمّ، وأن تَكونَ حَياتُهم كُلُّها مُفْعَمَةً بِسَلامِ اللهِ، وأن يَختبروا الطُّمأنينةَ والرَّاحةَ والهُدوءَ والسُّكونَ والرِّضى، وأن يُظهِروا الاكتفاء. وَهُوَ يُريدُ مِنهُم أن يَكونوا قَادِرينَ على العَيشِ بِعِوَزٍ أو باكتفاء. وَهُوَ يُريدُ مِنهُم في كُلِّ ظَرفٍ أن يَعرفوا كيفَ يَعيشونَ في الشِّبَعِ وَفي الجُوع. وهو يُريدُ مِنهم أن يَعرفوا كيفَ يَختبرونَ الوَفرةَ أوِ الحَاجَة. وفي كُلِّ ذلك، وفي أيِّ حَالةٍ يَجِدونَ فيها أنفسَهُم، يجبُ عليهم أن يَكونوا ماذا؟ مُكْتَفين. فهذا هُوَ جَوهَرُ شَهادَةِ كُلِّ مُؤمِنٍ مِنَّا؛ أي أن أكونَ شَهادَةً حَيَّةً على أنِّي "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي". فيجبُ علينا أن نَكونَ شَهادَةً حَيَّةً على قُوَّةِ المَسيح.

لِذا، عندما يَكتُبُ إلى الكَنيسةِ في فيلبِّي فإنَّهُ يَكتُبُ عَنِ الثَّباتِ الرُّوحيّ. وفي الظُّروفِ الَّتي كَانَ يَعيشُ فيها فإنَّهُ يُقَدِّمُ لنا دَليلاً حَيًّا على ذلك. ففي الوقتِ الَّذي كَتَبَ فيهِ هذهِ الكلماتِ، كانَ مَسجونًا في رُوما، ويَخضَعُ للإقامَةِ الجَبريَّةِ، وكانَ مُقَيَّدًا إلى جُنديٍّ رُومانِيٍّ. انظروا إلى العَددِ الأوَّلِ وإلى جُملَتِنا الرَّئيسيَّة: "اثْبُتوا في الرَّبِّ". فهذهِ هي مُناشَدَتُهُ لَنا: "كونوا أقوياءَ رُوحِيًّا، وثابِتينَ رُوحِيًّا". والسُّؤالُ هُوَ: كيف؟ كيفَ يُمكنُنا أن نَفعلَ ذلك؟ وقد دَرَسْنا الآياتِ مِن 1 إلى 8 ولم يَتَبَقَّ أمامَنا سِوى الآية التَّاسِعَة. ولكنِ اسمَحوا لي أن أُراجِعَ مَعَكُم سَريعًا مَا سَبَق.

فهُناكَ عَددٌ مِنَ السِّماتِ، أو عَدَدٌ مِنَ العَناصِرِ، أو عَددٌ مِنَ المُتَطَلَّباتِ للثَّباتِ الرُّوحيِّ. أوَّلاً، الثَّباتُ الرُّوحيُّ يَتطلَّبُ الحِفاظَ على السَّلامِ في الشَّرِكَة. وقد رأينا ذلكَ في العَدَدَيْنِ الثَّاني والثَّالث. السَّلام. ثانيًا، لقد رأينا أنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتطلَّبُ الحِفاظَ على رُوحِ الفَرَح (في العَددِ الرَّابعِ)؛ أيْ أن نَفرحَ في الرَّبِّ كُلَّ حِيْن. ثُمَّ في العَددِ الخَامِسِ، قُلنا إنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتطلَّبُ مِنَّا أن نَتَعَلَّمَ أن نَتَقَبَّلَ أقَلَّ مِمَّا نَسْتَحِقّ. وقد تَحَدَّثنا عَنِ التَّواضُعِ هُنا. ثُمَّ قُلنا في العَددينِ الخَامِسِ والسَّادِسِ إنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتطلَّبُ إيمانًا وَاثِقًا في الرَّبّ. فالرَّبُّ قَريبٌ. لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نَقلَق. خَامِسًا، لقد قُلنا إنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتطلَّبُ مِنَّا أن نَتَجاوبَ مَعَ المَشاكِلِ بِصلاةِ شُكْر. فَعِوَضًا عَنِ القَلقِ، يجبُ علينا أن نُصَلِّي ونَشكُر اللهَ لكي نَختبرَ سَلامَ اللهِ الَّذي يَحفَظُ قُلوبَنا وأذهانَنا.

والآن، لقد لَخَّصْنا تلكَ النِّقاطَ في خَمْسِ فَضائِلَ رَئيسيَّة وقُلنا إنَّهُ لكي يَتمتَّعَ المُؤمِنُ بالثَّباتِ الرُّوحيّ، يجبُ عليهِ أن يَتَحَلَّى بالسَّلامِ، والفَرحِ، والتَّواضُعِ، والإيمانِ، والشُّكر. السَّلام، والفَرح، والتَّواضُع، والإيمان، والشُّكر. لاحِظوا ما يَلي: إنَّ هذِهِ الأمورَ هِيَ مَواقِفُ رُوحيَّة. حسنًا؟ إنَّها مَواقِفُ نَابِعةٌ مِنَ التَّقوى... مَواقفُ نَابِعَةٌ مِنَ التَّقوى. والآن، مَنِ الَّذي يُنْشِئُ فينا المَواقِفُ النَّابِعَةُ مِنَ التَّقوى؟ الرُّوحُ القُدُس. فهي ثَمَرُ الرُّوح. لِذا، عندما تَعيشُ حَياةً رُوحيَّةً مُنضبطةً، فإنَّ رُوحَ اللهِ يُعطيكَ ما تَحتاجُ إليهِ مِنْ سَلامٍ، وفَرَحٍ، وتَواضُعٍ، وإيمانٍ، وشُكرٍ للحِفاظِ على المَواقفِ النَّابعةِ مِن حَياةِ التَّقوى. وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ الحَلَّ لمُشكلةِ القَلقِ، والحَلَّ لمُشكلةِ الاضطرابِ والضِّيقِ والشُّعورِ بالذَّنبِ، والحَلَّ لمُشكلةِ العَداوةِ والوَحدةِ، والحَلَّ لكُلِّ هذهِ الأشياءِ الَّتي تَحدُثُ في الحَياةِ يَتَمَثَّلُ في المَوقِفِ السَّليم. والمَواقِفُ السَّليمةُ المُتَمَثِّلَةُ في السَّلامِ، والفَرحِ، والتَّواضُعِ، والإيمانِ، والشُّكرِ هي فَضائِلُ يَعطيها رُوحُ اللهِ. وهي ثَمَرُ الرُّوحِ القُدُسِ في المُؤمِنِ المُمتلئِ بالرُّوحِ القُدُسِ والذي يُهيمِنُ عليهِ الرُّوحُ القُدُس.

حسنًا! لقد وَصلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إلى الذُّروةِ وقُلنا إنَّ العُنصرَ السَّادِسَ الضَّروريَّ للثَّباتِ الرُّوحيِّ هُوَ أن نُرَكِّزَ أنظارَنا على الفَضائِلِ الرُّوحيَّةِ أو أن نُفَكِّرَ في الفَضائِلِ الرُّوحيَّة. فالعَددُ الثَّامِنُ يَقولُ لنا: "كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا". وقد مَهَّدْنا للسِّمَةِ الثَّانيةِ للشَّخصِ الثَّابِتِ رُوحيًّا وقُلنا إنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ فقط على المَواقِفِ الرُّوحيَّةِ فقط، بل يَنبغي أن يُرافِقَ ذلكَ تَفكيرٌ تَقِيٌّ أيضًا أو أنماطُ تَفكيرٍ تَقِيَّة.... أنماطُ تَفكيرٍ تَقِيَّة. فالطَّريقةُ الَّتي تُفَكِّرُ فيها مُهمَّة جدًّا. وفي يومِ الرَّبِّ الماضي، تَحَدَّثنا بالتَّفصيلِ عَنِ الذِّهْنِ المُنْضَبِط. فيُمكنكَ أن تُبقي كُلَّ خَوفٍ وقَلَقٍ وهَمٍّ واكتئابٍ تحتَ السَّيطرةِ وَفْقًا لطريقةِ تَفكيرِك. فإن فَكَّرتَ في كُلِّ ما هُوَ حَقٌّ، وكُلِّ ما هُوَ جَليلٌ، وكُلِّ ما هُوَ عَادِلٌ، وكُلِّ ما هُوَ طَاهِر، وكُلِّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، وكُلِّ ما صِيْتُهُ حَسَنٌ، سَتُحَصِّنُ نَفسَكَ مِن كُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي قد تُؤذيك. لِذا فقد تَحَدَّثنا عنِ الذِّهنِ، وكيفَ يَنبغي للذِّهنِ أن يَعملَ، وما الأشياءُ الَّتي يَنبغي للذِّهنِ أن يُرَكِّزَ عليها.

والآن، نأتي إلى العُنصرِ الأخير في العَددِ التَّاسع. والنُّقطةُ الأخيرةُ الَّتي أُريدُ أن أَذكُرَها، أوِ السِّمَةُ الأخيرةُ في هذهِ اللاَّئِحَةِ مِنَ العَناصرِ الضَّروريَّةِ للثَّباتِ الرُّوحِيِّ هِيَ: إطاعَةُ مِعيارِ الله. والآن، استَمِعوا إلى مَا أَقول: لكي تَكونَ مُستقرًّا رُوحِيًّا، يجبُ عليكَ أن تَهْتَمَّ بالمَواقفِ التَّقيَّة، والأفكارِ التَّقيَّة. ومَصْدَرُ كُلِّ تلكَ الأفكارِ المَذكورةِ في العَددِ الثَّامِنِ هُوَ كلمةُ الله. وقد ذَكَرنا ذلكَ في المَرَّةِ السَّابقة. كما يَجِبُ عليكَ أن تَهتمَّ بالأعمالِ التَّقيَّة أو بالسُّلوكِ التَّقيِّ. فإن أَرَيْتُموني شَخصًا يُظْهِرُ مَواقِفَ تَقيَّة مُنقادَة بِروحِ اللهِ، وأفكارًا تَقيَّةً نَابعةً مِن كَلمةِ اللهِ، وسُلوكًا تَقيًّا، سَأُريكُم شَخصًا ثَابِتًا رُوحِيًّا. وقد كانَ بولُسُ شخصًا كهذا. لقد كانَ بولُسُ شَخصًا كَهذا. فَلا يُمكنكُم أن تَفصِلوا التَّفكيرَ عَنِ الأعمال.

ويَقولُ أَحَدُ الكُتَّابِ: "كُلُّ الهُمومِ الَّتي لا حَصْرَ لها الَّتي كانت تُثْقِلُ كَاهِلَ أذهانِ مُؤمِني فيلبِّي كانَ يُمكنُ وَضْعُ حَدٍّ لَها لو أنَّهُم استمرُّوا في تَركيزِ انتِباهِهِم، والتَّفكيرِ، والتَّقديرِ السَّليمِ، وَشَغْلِ أذْهانِهم بالأشياءِ الصَّحيحةِ والقَويمةِ، ولو أنَّهُم استَمَرُّوا [كَما يَقولُ] في مُمارسةِ ما يُوصيهِم بهِ الإنجيلُ المَسيحيُّ". وهذهِ هي نُقطتُنا الأخيرةُ المُحَدَّدَة. فَلاَ يُمكِنُ البَتَّة عَزْلُ الأفكارِ عَنِ الأفعال. هَل فَهمتُم ذلك؟ لا يُمكِنُ البَتَّة عَزْلُ الأفكارِ عَنِ الأفعال. وهذهِ هي النُّقطةُ الَّتي نُريدُ أن نُرَكِّزَ عليها اليوم. انظروا إلى العَددِ التَّاسِع: "وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا". والآن، تَوَقَّفوا هُنا.

فهو يَدعو الآنَ إلى المُمارَسَة. فالكلمة "افعَلوا" في اللُّغَةِ اليُونانيَّة هي "براسو" (prasso). فالفِعْلُ في اللُّغَةِ اليونانيَّةِ هُوَ "براسو". وهو ليسَ الفِعْل "يَعْمَل" أو: "بويئو" (poieo) الَّذي هُوَ فِعْلٌ شَائِعٌ، بل هو فِعْلٌ يُشيرُ إلى التَّكرارِ أوِ العَمَلِ المُستمرّ. فنحنُ نَتحدَّثُ مَثَلاً عن مُحامٍ مُمارِسٍ بِمَعنى أنَّهُ يُمارِسُ مِهنَتَهُ باستمرار في حَياتِهِ. والطَّبيبُ أيضًا هُوَ شَخصٌ يُمارِسُ عَمَلَهُ. وهذا مُختلِفٌ عنِ التَّمَرُّنِ على شَيءٍ مَا. فنحنُ نَقولُ إنَّ فُلانًا يَتمرَّنُ على آلَةِ الكَمانِ، أو يَتَمَرَّنُ على كُرَةِ المَضْرِبِ، أو على أيِّ شَيءٍ آخر. وهذا استِخدامٌ للكلمةِ بمعنى التَّمَرُّنِ على شَيءٍ لإتقانِه. وعندما نَستخدِمُها للإشارةِ إلى مُحامٍ أو طَبيبٍ فإنَّنا نَأمُلُ في أنَّها تَعني ما هُوَ أكثرُ مِن ذلك. صَحيحٌ أنَّني أعتقدُ أحيانًا أنَّهُم يَتَمَرَّنونَ عَلينا بهذا المَعنى. ولكِن عندما نَقولُ إنَّ الطَّبيبَ يُمارِسُ مِهنَتَهُ فإنَّنا نَعني بذلكَ أنَّهُ مُعْتادٌ على القِيامِ به. فبَرنامَجُهُ اليَومِيُّ يَقتضي مِنهُ أن يَعيشَ بِصِفَتِهِ طَبيبًا. وهذا هُوَ المَعنى المَقصودُ مِنَ الكلمة "براسو" (prasso).

وبولسُ يَقولُ: "يجبُ أن يَكونَ هَذا هُوَ شُغلُكُم الشَّاغِل"، أو: "يجبُ أن يكونَ هذا هُوَ نَمَطُ حَياتِكُم"؛ أي أن تَفعلوا هذهِ الأشياء. وكَما تَرَوْنَ الآن، فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن كيفيَّةِ السُّلوكِ، أو عنِ المَواقِفِ النَّابعةِ مِنْ حَياةِ التَّقوى مِثلَ السَّلامِ، والفَرحِ، والتَّواضُعِ، والإيمانِ، والشُّكر. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَنِ الأفكارِ النَّابعةِ مِن حَياةِ التَّقوى؛ أيْ عن كُلِّ ما هُوَ حَقّ، وجَليل، وعَادِل، وطَاهِر، وَمُسِرّ، وصِيتُهُ حَسَنٌ. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ المُمارَساتِ التَّقيَّةِ أوِ أفعالِ التَّقوى. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الثَّباتَ الرُّوحيَّ يَتَلَخَّصُ في نِهايةِ المَطافِ في عَيْشِ حَياةٍ مُنضبِطَةٍ لإطاعَةِ مِعيارِ الله.

وكم أرجو أن أتمكَّنَ مِن تَوصيلِ هذهِ الرِّسالةِ إلى هذهِ الثَّقافَةِ الكَنَسِيَّةِ المُعاصِرَة. فالسَّببُ في وُقوعِ النَّاسِ في كُلِّ هذهِ المَشاكِلِ الَّتي تَتَغَلَّبُ عَليهم وتَجعلُهُم يَبحثونَ في كُلِّ الكُتُبِ، ويَلتَجِئونَ إلى المُشيرينَ والمُعالِجينَ النَّفسيِّينَ والأطبَّاءِ النَّفسيِّينَ، ويَخضَعونَ إلى الأساليبِ المُختلفةِ، والعِلاجاتِ، وكُلِّ الأمورِ الأخرى... إنَّ السَّببَ في قِيامِهم بذلكَ هو أنَّهُم لم يُقَيِّموا تَقييمًا صَحيحًا حَقيقةَ أنَّ عَدمَ قُدرتِكَ على الثَّباتِ، وعَدَمِ عَيشِ حَياةٍ مَسيحيَّةٍ مُتوازِنةٍ وثابتةٍ هُوَ شَيءٌ مُرتبطٌ ارتباطًا وَثيقًا بغِيابِ المَواقِفِ التَّقِيَّةِ، والأفكارِ التَّقيَّةِ، والمُمارَساتِ التَّقيَّة. وكيفَ يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يُصْلِحَك؟ فأنتَ الشَّخصُ الوَحيدُ القادِرُ على إصلاحِ هذهِ الجَوانبِ بقوَّةِ الله. فأنتَ مَنْ يَنبغي لَهُ أن تَسلُكَ في الرُّوحِ لكي يُعطيكَ سَلامًا، وفَرَحًا، وتَواضُعًا، وإيمانًا، وَامتِنانًا. وأنتَ مَنْ يَجِبُ عليكَ أن تَلتَجِئَ إلى كلمةِ اللهِ وأن تَبحثَ عن كُلِّ ما هُوَ حَقّ، وجَليل، وعادِل، وطاهِر، وَمُسِرّ، وصِيتُهُ حَسَن. فيجبُ عليكَ أنتَ أن تَفعلَ ذلك. وأنتَ مَن يَجِبُ عليكَ أن تَضْبُطَ حَياتَكَ وتَفعلَ الصَّواب. فإن أَرَيْتُموني شَخصًا مُمتلئًا بالرُّوحِ، ولَديهِ مَواقِف تَقيَّة، وإن أَرَيتُموني شخصًا تَسْكُنُ فيهِ كلمةُ اللهِ بِغِنَىً، ويَفتَكِرُ بأفكارٍ تَقيَّة، وإن أَرَيتُموني شَخصًا يَعيشُ حَياةً مَسيحيَّةً تَتَّسِمُ بالطَّاعة، سَأُريكُم شَخصًا ثَابِتًا رُوحِيًّا.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَنبغي أن نَفعلَهُ هُوَ أن نُشَخِّصَ المُشكلةَ ونَعرِفَ أنَّها في الأصلِ مُشكلةٌ رُوحِيَّة. والآن، أنا أُدركُ أنَّ هُناكَ أوقاتًا قد نُعاني فيها مِن تَحَدِّياتٍ جَسَدِيَّةٍ في حَياتِنا، وأنَّ تلكَ التَّحدِّياتِ قد تَستنزِفُ طَاقَتَنا، وَتُشَوِّشُ أذهانَنا، وَما يُشبِهُ ذلك؛ ولكنَّ هذهِ المُشكلاتُ تَبقى مُشكلاتٍ رُوحِيَّة، ويجبُ علينا أن نُعالِجَها بطريقةٍ رُوحيَّة.

واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكُم مَثَلاً صَغيرًا. كنتُ أَقودُ سَيَّارتي في الصَّباحِ قبلَ السَّاعةِ الثَّامنة صَباحًا في طَريقي إلى الكنيسةِ عندما لاحظتُ شخصًا يَقودُ سَيَّارَتَهُ مِنَ الطَّريقِ السَّريعِ المُقابِلِ بسُرعةٍ كبيرة حَقًّا. وكانت هُناكَ سَيَّارةُ شُرطةٍ باللَّونِ الأسودِ والأبيضِ تُطارِدُهُ بِأضوائِها السَّاطِعَةِ الحَمراءَ وصَوتِها العَالي. وقد كانَ ذلكَ الشَّخصُ يَقودُ سَيَّارَتَهُ على المَسارِ الأيسرِ بأقصى سُرعة. ويبدو إمَّا أنَّهُ لم يَكُن يَعلمُ أنَّ الشُّرطِيَّ يُلاحِقُهُ، وإمَّا أنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَنجو مِنه، أو على الأقلّ أن يُحاوِلَ ذلك. لِذا فقد رَأيتُهُ يَقودُ سَيَّارَتَهُ بسُرعةٍ كَبيرةٍ أَمامي. ولا شَكَّ في أنَّ الوُعَّاظَ يَنظرونَ إلى العَالَمِ كما لو أنَّهُ مَجموعة مِنَ الأمثلةِ الإيضاحِيَّة. لِذا، فقد قَرَّرتُ أن أَستخدِمَ ذلكَ المَشهدَ الصَّغيرَ في عِظَةِ هذا الصَّباح. فَإن رَأى شُرطِيٌّ جَريمةً على وَشْكِ الوُقوعِ، أو رَأى شَخصًا يُخالِفُ القَانونَ، فإنَّهُ يَعتَقِلُهُ. فَهَذا هُوَ ما يَنبغي لرجالِ الشُّرطةِ أن يَفعلوه. فيجبُ عليهم أن يَعتَقِلوا الأشخاصَ الَّذينَ يَتَعَدَّوْنَ على القانون. فهذا هُوَ عَمَلُهم. فَهُم لا يُحاكِموهُم، ولا يُصْدِرونَ الأحْكامَ بِحَقِّهم؛ بل إنَّ المَحكمةَ هي الَّتي تَفعلُ ذلك. ولكنَّهُم يَبحثونَ عنهم، ويُمسكونَ بِهم، ويَقبِضونَ عليهم.

ومِن جِهَة، هذا يُشبِهُ تَمامًا المَبدأَ الَّذي أريدُ مِنكُم أن تَرَوْهُ هُنا. فعندما تَكونُ لَديكُم مَواقِفُ تَقِيَّة نَابِعَة مِن عَملِ الرُّوحِ، وأفكارٌ تَقيَّةٌ نَابِعَةٌ مِنَ الكلمةِ، فإنَّها تَعملُ مَعًا مِثلَ الشُّرطِيِّ الَّذي يَعْتَقِلُ جَسَدَكَ قبلَ أن يَقترِفَ الجَريمَة. فكما تَرَوْنَ، فإنَّ الجسدَ يَتحرَّكُ لكي يَعصِي وَصيَّةَ اللهِ. وَهُوَ يَتحرَّكُ بتلكَ الطَّريقةِ لأنَّهُ في نِهايةِ المَطافِ: جَسَدٌ. وَعندما يَتحرَّكُ بتلكَ الطَّريقةِ فإنَّ الشُّرطِيَّ يَعتَقِلُهُ ويَمنَعُهُ مِنَ التَّعَدِّي على نَاموسِ الله. ويا أحبَّائي، إنْ لم تَكُن مَواقِفُكم تَقيَّةً، ولم تَكُن نَابعةً مِنَ الامتلاءِ بالرُّوحِ، ولم تَكُن أفكارُكم كِتابِيَّةً، أو لم تَكُن نَابعةً مِن كلمةِ اللهِ، فإنَّ هذا يَعني أنَّ الشُّرطِيَّ لا يَعمَل. وإن لم يَكُن الشُّرطِيُّ يَعمَلُ فإنَّهُ لا يَستَطيعُ أن يَعتَقِلَ أيَّ شَخص.

هَل رأيتَ يَومًا شيئًا فقلتُ لنفسِكَ: "يجبُ أن يكونَ هُناكَ شُرطِيٌّ الآنَ لِمَنْعِ ذلك"؟ هذا هُوَ تَمامًا ما يَحدُثُ في نِطاقِ الخِبراتِ الرُّوحيَّة. فإنْ لم يُوجَد شُرطِيٌّ يَعتقِلُ جَسَدَكَ، سَوفَ يَتَعَدَّى جَسَدُكَ على المَعاييرِ الإلهيَّة، وسوفَ يَنتَهِكُ جَسَدَكَ نَاموسَ الله. فالأمرُ يَبتدِئُ بالمواقفِ الصَّحيحةِ الَّتي يُنْشِئُها رُوحُ اللهِ، والأفكارِ الصَّحيحةِ الَّتي تُنْشِئُها كلمةُ اللهِ الَّتي تَحرُسُ الجسدَ وتَقودُ إلى المُمارساتِ الصَّحيحة. لِذا فإنَّنا لا نَقرأُ عَنِ المُمارساتِ إلاَّ عندَ وُصولِنا إلى العَددِ التَّاسِع. فيجبُ عليكَ أن تَبتدئَ بالمواقفِ وأنماطِ التَّفكير.

وكما تَرَوْنَ، هذا هُوَ مَا يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ في رسالتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ العاشِرِ عندما قالَ إنَّ أسلحةَ مُحاربَتِنا ليست جَسديَّة. فإن حَاولتَ أن تَستخدِمَ أسلحةً جَسديَّةً ضِدَّ الجسدِ، لن تَكونَ فَعَّالَةً. فأسلحةُ مُحاربَتِنا رُوحيَّة. فالمَواقفُ الرُّوحيَّةُ، والحَقُّ الرُّوحِيُّ، والأفكارُ الرُّوحيَّةُ هي الَّتي تَستطيعُ أن تَسْتَأسِرَ كُلَّ فِكْرٍ إلى طَاعَةِ المَسيح (كما جاءَ في رسالة كورنثوس الثَّانية 10: 5). وهذا حَقٌّ عَظيم. فهي تَستأسِرُ كُلَّ شَيءٍ إلى طَاعَةِ المَسيح. وهذهِ فِكرةٌ عَظيمة. ويجبُ عليكَ أن تَرغَبَ في أن تَقْبِضَ المَواقِفُ التَّقيَّةُ والأفكارُ التَّقيَّةُ على جَسَدِكَ. أليسَ كذلك؟ وفي أن تَسْتَأسِرَهُ إلى طَاعَةِ المَسيح. وهذا هُوَ مَا يَقولُهُ بولسُ هُنا.

فالخَطيَّةُ في سُلوكِكَ تُنشِئُ عَدمَ ثَباتٍ رُوحِيٍّ. والخطيَّةُ في مُمارَساتِكَ تُنشِئُ قَلَقًا رُوحِيًّا. أمَّا الطَّهارةُ في السُّلوكِ فَتُنشِئُ سَلامًا وثَباتًا. وقد عَبَّرَتِ الآيةُ إشَعْياء 32: 17 عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلاَمًا...إِلَى الأَبَد". إلى الأبد. فإن أَرَيتُموني شَخصًا يَعيشُ حَياةً طَاهرةً وبَارَّةً، سَأُريكُم شَخصًا يَختبِرُ ماذا؟ سَلامًا. ثُمَّ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 32: 17: "وَعَمَلُ الْعَدْلِ [يُنْشِئُ] سُكُونًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى الأَبَدِ". وهذا يَصِحُّ لا فقط في المَملكةِ الألفيَّةِ المُستقبليَّة حيثُ يَسودُ البِرُّ [أيْ: بِرُّ المَسيحِ] في العَالَمِ فَيَحِلُّ السَّلامَ، بل يَصِحُّ أيضًا في حَياتِكَ. فهذهِ حَقيقةٌ بَديهيَّة. فالبِرُّ يُنشِئُ سَلامًا. والبِرُّ يُنشِئُ سُكونًا وَطُمأنينةً. ثُمَّ إنَّ إشعياءَ يَقولُ: "وَيَسْكُنُ شَعْبِي فِي مَسْكَنِ السَّلاَمِ". فالبِرُّ يُنشِئُ سَلامًا.

فَعَلى الصَّليبِ تَلاقَى البِرُّ والسَّلام. والحِكمةُ الَّتي مِن فَوق هِيَ مُسالِمَة؛ أيِ الحِكمةُ الحَقيقيَّة. فالحِكمةُ الإلهيَّةُ البَارَّةُ تُنشِئُ سَلامًا. ونَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب 3: 18: "وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلاَمَ". فَعَلى الصَّليبِ، تَلاثَمَ البِرُّ والسَّلام. فحيثُ وُجِدَتْ مُمارَسَةٌ للبِرِّ سيَكونُ هُناكَ رِضا، وستَكونُ هُناكَ رَاحة، وسيَكونُ هُناكَ سُكونٌ، وطُمأنينةٌ، وسَلامٌ وأمْنٌ واستِقرار.

لِذا، كانَ يَنبغي لمُؤمِني فيلبِّي أن يَستمرُّوا في مُمارسةِ نَاموسِ اللهِ، وأنْ يَسْلُكوا بِولاءٍ فيهِ، وأنْ يَعْتَنِقوهُ دُونَ مُساومةٍ، وأنْ يَسمَحوا لسُلوكِهم أنْ يَخضَعَ دَائمًا لِناموسِ الله. لِذا فإنَّ الفَضيلةَ تَغلِبُ الرَّذيلَة. هَل تَذكرونَ ما جَاءَ في رِسالة رُومية 12: 21؟ "اغْلِبِ الشَّرَّ [بِماذا؟] بِالْخَيْر". بالخَير. لِذا فإنَّ كلماتِ بولُس مُباشِرة جدًّا. فيجبُ عليكُم أن تُمارِسوا هذهِ الأشياءَ وَتَجعلوها نَهْجَ حَياة. فهذهِ الأمورُ يَنبغي أن تَصيرَ عَادَةً لَديكُم. وهذا يَتطلَّبُ انضِباطًا. وكم كُنتُ أتَمَنَّى أن يَكونَ لدينا الوقتُ الكافي للتحدُّثِ عن كيفيَّةِ عَيْشِ حَياةٍ مُنضبطةٍ؛ ولكِنْ يَكفي أن نَقولَ إنَّ انضباطَ حَياتِكَ هُوَ الَّذي يَجْعَلُ تلكَ الأشياءَ عَادَةً لديكَ.

وإن أردتُ أن أَصِفَ النُّموَّ الرُّوحيَّ مِن جَانِبِ خِبرتي الشَّخصيَّةِ، يُمكنُني القولُ إنَّ النُّموَّ الرُّوحيَّ يَنْجُمُ عَنِ العَاداتِ التَّقيَّة. بعبارةٍ أخرى، عندما تَنمو بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا فإنَّكَ تَبتدئُ في مُلاحظةِ أنَّ العَاداتِ المَوجودةَ في حَياتِكَ صَحيحة. فقد تَغَلَّبْتَ على العَاداتِ السَّيِّئةِ وتَبَنَّيْتَ عَاداتٍ جَيِّدة. وهذا أمرٌ يَتطلَّبُ انضباطًا ذَاتِيًّا بقوَّةِ الله. فعندما تَضْبِطُ حَياتَكَ ستَبتدئُ في حَصْدِ عَاداتٍ حَميدَة، وتَجعلُ حَياتَكَ تَحتَ السَّيطرة.

والآن، لِنَنظُر تَحديدًا إلى الآية ونَرى ما يُشيرُ إليهِ بولُس. فهو يَقولُ إنَّهُ يجب عليكم أن تُمارِسوا هذهِ الأشياءَ وأن تَعْتادُوا على فِعْلِ هذهِ الأشياء. أيَّة أشياء؟ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ". يا لها مِن جُملةٍ رائعة: "مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ".

والآن، إلى أينَ كانَ المُؤمِنُ في فيلبِّي يَلتَجِئُ للحُصولِ على المَعلوماتِ حَولَ كيفَ يَنبغي لَهُ أن يَعيش؟ قد تَقول: "لقد كانَ يَلتَجِئُ إلى الكتابِ المقدَّس". هذا صَحيح؛ ولكنَّ كُلَّ ما كانَ لَديهِ هُوَ ماذا؟ العهدُ القديم. فأسفارُ العهدِ الجديدِ لم تَكُن قد جُمِعَتْ مَعًا كما هي لَدينا الآن، ولم تَكُنْ بَعْدُ أسفارًا قَانونيَّةً. فهي لم تَكُن مِعياريَّةً أو قِياسيَّةً أو كِتابًا واحِدًا يَضُمُّ العَهدَ الجَديدَ كُلَّهُ ويَحوي الحَقَّ كُلَّهُ بَعْد. فهذا لم يَحْدُثْ إلى حِيْن. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ كُلَّ أسفارِ العهدِ الجديدِ لم تَكُن قد كُتِبَتْ بَعْد في ذلكَ الوقت. فرُبَّما كانت لَديهم بِضْعَةُ أسفارٍ مَكتوبة مِن أسفارِ العهدِ الجديدِ المُوحَى بها. فقد كُتِبَتِ الأسفارُ الأخرى لاحِقًا. لِذا، إنْ أرادوا أن يَعرفوا مَعاييرَ اللهِ للحياةِ، إلى أينَ كانوا يَذهبونَ؟ وإلى مَنْ كانوا يَلتَجِئونَ؟ إلى الرُّسُل.

هَل تَذكرونَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّنا نَقرأُ أنَّ بُطرسَ وَعَظَ في يَومِ الخَمسين؟ وقد آمَنَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ واعْتَمَدوا. ونَقرأُ أنَّهُم كانوا يُواظِبونَ كُلَّ يَوْمَ على تَعليمِ الرُّسل. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ مَصدرُ الحَقِّ لَديهم إلى أنْ جُمِعَتْ كُلُّ تلكَ الأسفارِ الكِتابيَّةِ مَعًا. لِذا، قبلَ جَمْعِ العَهدِ الجَديدِ وَقَبولِهِ كِتابًا مُقَدَّسًا جَديرًا بالثِّقةِ، كانَ مِعيارُ الإيمانِ المَسيحيِّ ومِعيارُ السُّلوكِ المَسيحيِّ يَتَجَسَّدُ في تَعليمِ الرُّسُلِ وَقُدوَتِهم. فقد كانوا الأشخاصَ الَّذينَ حَصَلوا على سُلطانِ المَسيحِ ويُمارِسونَ مَعاييرَ المَسيح. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ [بِمَنْ؟] بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيح".

لِذا، مَا الَّذي يَقولُهُ الآن؟ هل تُريدونَ أن تَعلَموا كيفَ تَعيشونَ؟ لا يُمكِنُكَ أن تَقولَ لَهُم أن يَلتَجِئوا إلى العهدِ الجديدِ لأنَّهُ لم يَكُنْ قد جُمِعَ بَعْد. لِذا فإنَّهُ يَقول: "وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا". افعلوا هذهِ الأشياءِ بهذهِ الطَّريقة. وَمِنَ المُهِمِّ أن نَقولَ، يا أحبَّائي، إنَّ الرُّسُلَ كانوا يَعيشونَ حَقًّا بينَ النَّاس. فقد كانوا يَأكُلونَ مَعَهُم، ويَنامونَ في وَسْطِهم، ويَعيشونَ في وَسْطِهم. فقد كانَ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن تَكونَ حَياتُهُم كُلُّها، مِن بِدايَتِها إلى نِهايَتِها، مَكشوفَةً للنَّاسِ لكي يَتَعَلَّموا مِنهُم كيفَ يَعيشون.

والآن، لِنَنظُر إلى هذهِ الكلماتِ الأربَع: "تَعَلَّمْتُمُوه"، وَ "تَسَلَّمْتُمُوه"، وَ "سَمِعْتُمُوه"، وَ "رَأَيْتُمُوه". فَكُلُّ كَلِمَةٍ مِنها تُشيرُ إلى جَانِبٍ مُهِمٍّ جدًّا. فالكلمةُ الأولى هي: "تَعَلَّمتُموه"، وهي تَرجمةٌ لِفِعْلٍ يُونانيٍّ يَعني: "تِلميذ"، وهي كلمةٌ تُشيرُ إلى فِكرةِ التَّعليمِ، أوِ التَّعلُّمِ، أو التَّلمَذَة. فالكلمة "ماثيتيس" (mathetes) تَعني: "مُتَعَلِّم"، أو تُشيرُ إلى الشَّخصِ الَّذي يَتَلَقَّى تَعليمًا. لِذا فإنَّ بولسَ يُشيرُ هُنا إلى تَعليمِهِ الشَّخصيِّ لَهُم. فقد كَانَ يَعِظُ أحيانًا مُؤمِني فيلبِّي. وكانَ أحيانًا يُعَلِّمُهم في صَفٍّ رَسْمِيٍّ. وكانَ أحيانًا يَتحدَّثُ إليهم ويُناقِشُهم. وكانَ أحيانًا يُتَلمِذُهم فَردِيًّا.

ففي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20، نَقرأُ أنَّهُ عندما كانَ يَخدِمُ، كانَ يَذهبُ مِن بَيتٍ إلى بَيت. وأحيانًا، كانَ يَتحدَّثُ وَحَسْب إلى العائلةِ في أثناءِ تَناوُلِ الطَّعام. ولكنَّهُ يَقول: "كُلُّ الأشياءِ الَّتي تَعَلَّمُتموها مِنِّي عندما كُنتُ أُعَلِّمُكُم بطَرائقَ مُختلفة، جَهْرًا وَفِي كُلِّ بَيْتٍ، [كما يَقولُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 20: 20]، مَارِسوا تلكَ الأشياء؛ أيْ تلكَ الأشياءَ الَّتي عَلَّمتُكُم إيَّاها". فقد كانَ يُعَلِّمُهم ويَشرَحُ لَهُم الحَقائقَ المَوجودةَ في العهدِ القديمِ، ويَشرَحُ لَهُم مَعاني إعلانِ العهدِ الجديدِ الَّذي تَسَلَّمَهُ مِنَ اللهِ، ويَشرَحُ لَهُم كيفَ يُطَبِّقونَهُ في حَياتِهم. فَهُوَ يَتحدَّثُ عن تَعليمِهِ وَشَرْحِهِ الشَّخصيِّ إليهم. وقد كانَ هذا الأمرُ شَائِعًا.

وبالمُناسَبة، عندما كَتَبَ بولسُ إلى تيموثاوس، نَقرأُ أنَّهُ قالَ في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 3: 10: "وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ تَبِعْتَ تَعْلِيمِي، وَسِيرَتِي، وَقَصْدِي، وَإِيمَانِي، وَأَنَاتِي، وَمَحَبَّتِي، وَصَبْرِي، وَاضْطِهَادَاتِي، وَآلاَمِي". لَقَدْ تَبِعْتَ كُلَّ شَيءٍ في حَياتي. فهذا هُوَ المَكانُ الوَحيدُ الَّذي كانَ بمقدورِ تيموثاوس أن يَلتَجِئَ إليهِ كي يَتَعلَّم. لِذا، عندما كانَ تيموثاوسُ يُسافِرُ مَعَ بولُس، كانَ يَقْتَدي تَمامًا في حَياتِهِ ببولُس. فحيثُ إنَّهُ لم يَكُن لَديهِ عَهْدٌ جَديدٌ، كانَ يَتَمَثَّلُ في حَياتِهِ تَمامًا ببولُس. وكانت هَذِهِ هِيَ المَهمَّةُ الرَّئيسيَّةُ للرُّسُل: لا فقط أن يُعلِنوا الحَقَّ، بل أن يَعيشوهُ لكي يُوْجَد لدى الكَنيسةِ الأولى نَموذَجٌ يَحْتَذونَ به. وقد قالَ بولسُ في العَديدِ مِنَ المُناسَبات: "تَمَثَّلوا بِي". فقد قالَ ذلكَ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي 3: 17 إذْ نَقرأ: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، وَلاَحِظُوا الَّذِينَ يَسِيرُونَ هكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ". بعبارةٍ أخرى: تَمَثَّلوا بي وبالأشخاصِ الَّذينَ يَتَمَثَّلونَ بي. فقد كانَ هذا هُوَ ما يَحدُثُ في تلكَ الأيَّام. فقد كانَ يَنبغي لَهُم أن يَقتَدوا بنَموذَجٍ بَشريٍّ.

لِذا فإنَّ الشَّيءَ الأوَّلَ هُوَ: يجبُ عَليكُم أن تُمارِسوا في حَياتِكُم الأشياءَ الَّتي عَلَّمتُكُم إيَّاها؛ أيِ الأشياءَ الَّتي تَعَلَّمتُموهَا مِنِّي. ثانيًا، إنَّهُ يَقولُ: "وَمَا...تَسَلَّمْتُمُوهُ". والآن، قَد يَقولُ قَائِلٌ: "إنَّهُ لا يَعني أيَّ شَيءٍ مُختلفٍ هُنا، بل هُوَ يَستخدِمُ كلمةً أُخرى وَحَسْب. إنَّها كَلِمَةٌ مُرادِفَةٌ وَحَسْب". هذا جَائِزٌ. مِن نَاحيةٍ أخرى، الكلمة "تَسَلَّمْتُموه" لَها استِخداماتٌ مُدهشةٌ في العهدِ الجديد. ويَتَّفِقُ أغلبيَّةُ الشُّرَّاحِ على أنَّ الكلمةَ "تَسَلَّمْتُموه" قد تُستخدَمُ بالمَعنى الاصْطِلاحِيِّ للإشارةِ إلى الإعلانِ الَّذي جاءَ مِنَ اللهِ مُباشَرةً. وأنا أُفَضِّلُ أن نَستخدِمَها بهذا المَعنى فيما نَتأمَّلُ في هذهِ الآية. فبولسُ، في اعتقادي، يُفَكِّرُ في الكلمةِ الَّتي تَسَلَّمَها؛ لا ما عَلَّمَهُ لَهُم مِن خِلالِ شَرحِهِ وتَفسيرِهِ للكِتابِ المُقَدَّسِ، بل ما سَلَّمَهُ اللهُ إيَّاه وأعطاهُ هُوَ لَهُم؛ أيِ الأسفارَ المُقدَّسَةَ الَّتي تَسَلَّموها.

ولكي أُريكُم كيفَيَّةَ استخدامِ هَذهِ الكلمة (أيْ: "تَسَلَّمْتُموه")، إليكُم بِضْعَة أمثلة على ذلك. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ كورنثوسَ الأولى 11: 1-2: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيح". فهي نَفسُ الفِكرة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ". إنَّهُ يَتحدَّثُ هُنا عن شَيءٍ مُختَلِف. فَهُوَ يَقول: "لا تَكْتَفوا بالتَّمَثُّلِ بي، ولا تَكْتَفوا بالاستماعِ إلى ما أقول، بل احْفَظُوا التَّعاليمَ كما سَلَّمتُها لَكُم. فقد سَلَّمتُكُم شَيئًا فَتَسَلَّمتُموه". لِذا، أعتقدُ أنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ هُنا في أمورٍ أخرى كثيرة، وتَحديدًا في ذاتِ إعلانِ الله.

وفي رسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاح 15، يَقولُ جُملةً مُشابِهَةً جدًّا. فهو يَتحدَّثُ عَنِ الإنجيلِ في العَددِ الأوَّل فيقول: "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّالث: "فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا". ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ قَائِلاً: "أنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. والآن، أعتقدُ أنَّهُ يَستخدِمُ لَفْظَةً اصْطِلاحِيَّةً هُنا. فهو يَقول: "أريدُ مِنكُم أن تَعمَلوا ما تَعَلَّمتُموهُ مِنِّي"؛ وهذهِ كلماتُ عَامَّةٌ جدًّا بِمَعنى "كُلّ ما عَلَّمتُكُم إيَّاه"؛ وهذا يَضُمُّ الكتابَ المقدَّس. ولكنَّهُ الآنَ يَقول: "وأُريدُ مِنكُم أن تُمارِسُوا تَحديدًا ما تَسَلَّمتُموه. فَما أَعْطاني اللهُ إيَّاهُ تَسَلَّمتُهُ. وَما أَعطيتُكُم إيَّاهُ تَسَلَّمتُموه". فهو يَتحدَّثُ عن كَنْزِ الكتابِ المقدَّس. وأعتقدُ أنَّنا نَستطيعُ أن نَستخدِمَ ذلكَ بالمَعنى الاصْطِلاحِيِّ؛ أي أنَّهُ يُشيرُ إلى الكِتابِ المُقدَّسِ الَّذي تَسَلَّمُوه.

وَهُوَ يَقولُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ غَلاطيَّة 1: 9: "كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!" ويَبدو هُنا أنَّهُ يُوَجِّهُ فِكرَهُ إلى الإعلانِ الإلهيِّ فِعليًّا. وَهُوَ يَقولُ أيضًا في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي والأصحاحِ الرَّابع: "فَمِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَسْأَلُكُمْ وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ يَسُوعَ، أَنَّكُمْ كَمَا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَسْلُكُوا وَتُرْضُوا اللهَ، تَزْدَادُونَ أَكْثَرَ". ومَرَّةً أخرى، إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الإعلانِ الذي تَسَلَّمَهُ مِنَ اللهِ وَسَلَّمَهُم إيَّاه. فهذا هُوَ الكَنْزُ الَّذي يَنبغي لَهُم أن يَحفَظوه. أو كَما قالَ لتيموثاوس في رِسالَتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 6: 19-20: "احْفَظِ الْوَدِيعَةَ [الَّتي ائْتُمِنْتَ عليها]".

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "انظروا! أريدُ مِنكُم أن تُمارِسوا في حَياتِكُم ما عَلَّمتُكم إيَّاه. وأريدُ مِنكُم أن تُمارِسوا في حَياتِكُم ما سَلَّمتُكُم إيَّاه مِن كلمةِ اللهِ ذاتِها. أيِ الكلمة، وَشَرْحي لَها، وتَعليمي مِنها". وهذا هُوَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ ما كانَ يَدورُ في ذِهْنِ بولسَ عندما قالَ لتيموثاوس في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 2: 2: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا". فقد تَسَلَّمْتَ ذلك. لِذا، سَلِّمْهُ لآخرين". أو: "لقد تَسَلَّمتَ ذلكَ مِنِّي. وَسوفَ يَتَسَلَّمونَهُ مِنكَ. وسوفَ يُسَلِّمونَهُ بِدورِهم للجيلِ القادِم". لِذا فإنَّهُ يُسَلِّمُ [إنْ جَازَ التَّعبير] رَايَةَ التَّقليدِ المُعلَنِ حَتَّى يَنْتَقِلَ مِن جِيلٍ إلى جِيل. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ [مِن خِلالِ الإعلانِ العَامِّ]"، وَ "مَا تَعَلَّمتُموهُ مِن خِلالِ الإعلانِ الخَاصِّ]".

والآن، لاحِظوا اللَّفظةَ الثَّالثةَ الَّتي يَستخدِمُها هُنا وهي: "سَمِعْتُمُوه". "وَما...سَمِعْتُمُوهُ". هُناكَ مَن يَقولُ إنَّ هذهِ الكلمة تَحْمِلُ نَفسَ مَعنى الكلمةِ "تَعَلَّمْتُمُوهُ" وَالكلمةِ "تَسَلَّمْتُمُوهُ". فالكلماتُ: "تَعَلَّمْتُمُوهُ"، وَ "تَسَلَّمْتُمُوهُ"، وَ "سَمِعْتُمُوهُ" تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. ولكنِّي أعتقدُ أنَّنا سَنَجني فَائدةً أعظَم إن فَهِمْنا حَقًّا العِنايةَ الشَّديدةَ الَّتي يَختارُ فيها الرُّوحُ القُدُسُ الكلمات. وهذا يَقتَضي مِنَّا أنْ نَفتَرِضَ أنَّ الكلمةَ "سَمِعْتُمُوهُ" المَذكورة هُنا تَنْقِلُ هذا الحَديثَ إلى بُعدٍ آخر. فقد تَحَدَّثَ للتَّوّ عَمَّا قالَهُ لَهُم مِن خِلالِ استِخدامِ الكلمةِ "تَعَلَّمْتُمُوهُ". وقد تَحَدَّثَ للتَّوّ عَمَّا قالَهُ اللهُ لَهُم مِن خِلالِ استِخدامِ الكلمةِ "تَسَلَّمْتُمُوهُ". والآن، أعتقدُ أنَّهُ يُشيرُ إلى مَا "سَمِعُوهُ" مِن مَصادِرَ أخرى غَيرَهُ وَغيرَ الله. بعبارةٍ أخرى، "مَا سَمِعتُموهُ عَنِّي ويَصِحُّ عَلَيَّ". فقد كانتِ الأخبارُ تَنتشرُ في كُلِّ مَكانٍ عن هذا الرَّجُلِ الَّذي يُدعَى "بولُس". وقد كانت سُمْعَتُهُ مُمتازَة. ولا شَكَّ في أنَّهُم سَمِعوا مِنَ الآخرينَ الكَثيرَ عن خِدمَتِهِ، وعن شَخصيَّتِهِ، وعن نَمَطِ حَياتِهِ، وعن وَعْظِهِ. لِذا فإنَّهُ لا يَخشَى مِن أن يَكتشِفوا عَنهُ شَيئًا سَلبيًّا. وَعليهِ فإنَّهُ يَقول: "مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ [أيْ: ما عَلَّمتُكُم إيَّاه شَخصيًّا]، وَما تَسَلَّمْتُمُوهُ [أيْ: ما سَلَّمَكُمْ اللهُ إيَّاه مِن خِلالي بواسِطَةِ إعلانِهِ]، وَما سَمِعْتُمُوهُ [أيْ: ما سَمِعتُموهُ عَنِّي مِن مَصادر عَديدة]، مَارِسوا هذهِ الأشياء".

ثُمَّ رَابِعًا، إنَّهُ يَقولُ: "وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ". والآن، نَحنُ نَتحدَّثُ هُنا عَنِ الخِبرةِ الشَّخصيَّة. فهو لا يَعني: "ما سَمِعتُموهُ مِنِّي نَقْلاً عن غَيري"، ولا يَعني: "ما سَلَّمتُكُم إيَّاه مِنَ اللهِ"، ولا: "مَا سَمِعتُموهُ مِنَ النَّاسِ"؛ بل ما رَأيتُموهُ فِيَّ". بعبارةٍ أخرى: "لقد رأيتُم حَياتي، وراقَبتُموني. فقد عِشْتُ بَينَكُم. وقد عِشْتُم مَعي. لِذا، مَارِسوا هذهِ الأشياء". ويا لَها مِنْ دَعوةٍ رائعةٍ إلى إتمامِ وَاجِبِ المُؤمِن. فكُلُّ ما تَعَلَّمتُموهُ، وكُلُّ ما أَعلَنَهُ اللهُ، وكُلُّ ما سَمِعتُم أنَّهُ صَحيحٌ عن نَمَطِ حَياتي، وكُلُّ ما رأيتُموهُ فِيَّ، افعَلوا ذلكَ واجعَلوهُ نَمَطًا لِحَياتِكُم.

فهو لا يَشْعُرُ بالحَرَجِ في قَولِ ذلكَ لأنَّهُ كانَ يَعرِفُ دَعوَتَهُ. ويا أحبَّائي، لقد دُعِيَ الرُّسُلُ لا فقط لكي يَسيروا مَعَ المَسيحِ، بل دُعُوا أيضًا لكي يَكونوا نَمَاذِجَ حَيَّةً لِمَسيحيَّةِ العهدِ الجديدِ أمامَ الكَنيسةِ الأولى. فقد كانت تلكَ هي دَعوتُهم. وقد كَانَ بولسُ نَموذَجًا لَهُم. فقد كانَ يَتمتَّعُ بالسَّلامِ، والفَرَحِ، والتَّواضُعِ، والإيمانِ، والشُّكر. وقد كانَ يُفَكِّرُ في كُلِّ ما هُوَ حَقٌّ، وجَليلٌ، وعَادِلٌ، وطَاهِرٌ، ومُسِرٌّ، وصِيْتُهُ حَسَنٌ. وقد كانَ يَسلُكُ بِحَسَبِ الحَقِّ المُعلَن. وَهُوَ يَقولُ: "يَجِبُ عليكُم أن تَعيشوا هَكذا. تَمَثَّلوا بي. أنا قُدوَتُكم".

وعندما جاءَ العهدُ الجديدُ، مِنَ الواضحِ أنَّهُ كانَ قد كُتِب. والآن، صَارَ النَّموذَجُ هُوَ العهدُ الجديد. ولكنِّي أريدُ أن أقولَ إنَّ ذلكَ لا يَعني أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَكرِزونَ بالكلمةِ ويُعَلِّمونَ الكَلِمَةَ ويُمَثِّلونَ العهدَ الجديدَ يَستطيعونَ أن يَعيشوا بأيَّة طَريقةٍ قَديمةٍ يَشاؤون. فأعتقدُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ ذلك. ولكِنْ إنْ لم نَكُن رُسُلاً فإنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ لا يُمكِنُ للآخرينَ أنْ يَتَمَثَّلوا بِنا إنْ كُنَّا نَقْتَدي بالمَسيح. فقد قالَ يَسوعُ، إنْ كُنتُم تَذكرونَ، في نِهايةِ العِظَةِ على الجَبَلِ (عندما تَحدَّثَ عنِ الرَّجُلِ الَّذي بَنى بَيتَهُ على الصَّخرِ والرَّجُلِ الَّذي بَنى بَيتَهُ على الرَّمل) إنَّ الرَّجُلَ الَّذي بَنَى بَيتَهُ على الصَّخرِ يُشبِهُ إنسانًا يَسمَعُ الكلمةَ ويَعمَلُ بها، وإنَّ الرَّجُلَ الَّذي بَنَى بَيتَهُ على الرَّملِ يُشبِهُ إنسانًا يَسمَعُ الكلمةَ ولا يَعمَلُ بها. وبولسُ يَقولُ: "مَارِسُوا ما تَعَلَّمتُموه".

وَهَل تَذكُرونَ ما قالَهُ يَعقوبُ في رِسالة يَعقوب 1: 22؟ "وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ [ماذا؟] سَامِعِينَ فَقَطْ". فَهِيَ نَفسُ الفِكرةِ تَمامًا. وَهُوَ نَفسُ النَّمَطِ تَمامًا. "مَارِسوا هذهِ الأشياءَ المَوجودةَ في حَياتي. مَارِسوا نَفسَ نَمَطِ الحَياةِ الَّذي أُمارِسُهُ أنا". لماذا؟ "لأنِّي أعيشُ حَسَبَ كَلمةِ اللهِ المُعلَنَةِ ومَشيئَةِ الله". هذا هُوَ ما يَقولُهُ بولُس. ويجبُ علينا أن نَكونَ قادِرينَ على قَولِ ذلكَ أيضًا. "تَمَثَّلوا بِحَياتي لأنِّي أَسْلُكُ حَسَبَ إعلانِ الله". "تَمَثَّلوا بي لأنِّي أَسلُكُ حَسَبَ إعلانِ الله".

وما هُوَ الوَعدُ الَّذي يُرافِقُ ذلكَ وَفقًا لِما جَاءَ في نِهايةِ العَددِ التَّاسِع؟ ما هُوَ؟ "وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ". فاللهُ هُوَ إلَهُ الكَثيرِ مِنَ الأشياء. فَهُوَ إلَهُ المَحبَّة، وإلَهُ النِّعمةِ، وإلَهُ الرَّحمةِ، وإلَهُ العَطْفِ، وإلَهُ التَّعزيةِ، وإلَهُ العَدْلِ، وإلَهُ القُوَّةِ، وإلَهُ النُّورِ، وإلَهُ الحَياة. فَهُوَ إلَهُ الكَثيرِ مِنَ الأشياء. ولكِن لماذا يَقولُ بولسُ إنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ السَّلام؟ لأنَّهُ يَتحدَّثُ عَن ماذا هُنا؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ أهميَّةِ أن نَكونَ أقوياءَ رُوحيًّا، وراسِخينَ، وثابِتينَ، وهَادِئينَ، ورَاضينَ في خِضَمِّ المِحَن. فَهُوَ يَتحدَّثُ عن الكِفايةِ في الحَياة. وهو يَتحدَّثُ عَنِ الاكتفاءِ في كُلِّ الضِّيقات. وَهُوَ يَتحدَّثُ عن أن نَكونَ قادِرينَ على القيامِ بكُلِّ شَيءٍ في المَسيحِ الَّذي يُقوِّينا. وهو يَتحدَّثُ عنِ الاكتفاءِ في أيِّ شَيءٍ وكُلِّ شيء. لِذا فإنَّهُ يُدعوهُ إلَهَ السَّلام. وهذا هو السَّببُ في أنَّهُ يَتحدَّثُ في العَددِ السَّابعِ عن سَلامِ الله.

والآن، رَكِّزوا مَعي: إنْ كانت مَواقِفُكَ بَارَّةً، وأفكارُكَ بَارَّةً، وأفعالُكَ بَارَّةً، سَتَكونُ مَحفوظًا بِسَلامِ اللهِ وإلَهِ السَّلام. يا لها مِن جُملةٍ رائعة! فهُناكَ تَكْمُنُ رَاحَتُكَ، وطُمأنينَتُكَ، وَهُدوءُكَ، وَسُكونُكَ، وثِقَتُكَ. وقد كانَ كُلُّ هذا حَقيقيًّا جدًّا في حَياةِ بولُس، ووَاقِعِيًّا جدًّا بالنِّسبةِ إليهِ حَتَّى إنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ في اللهِ على أنَّهُ إلَهُ السَّلام. وهذا يُشيرُ إلى أنَّ اللهَ يَتَّصِفُ بالسَّلامِ، وأنَّهُ اللهُ الَّذي يُعطي السَّلام. فَهُوَ مَصْدَرُ السَّلامِ وَنَبْعُ السَّلام. فقدِ ابتدأَ في التَّفكيرِ بتلكَ الطَّريقة. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ يَقَعُ في المَتاعِبِ طَوالَ الوقت. اقرأوا رسالة كورنثوس الثَّانية 11: 23-33. فقد كانَ يَمُرُّ دائمًا في ضيقاتٍ، وفي ظُروفٍ صَعبة، ويُواجِهُ دائمًا المِحَنَ، والعَداوةَ مِنَ الآخرينَ، والاضطهادَ، والتَّجاربَ، والمِحَنَ، وما إلى ذلك. وقد وَجَدَ أنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ السَّلام. لماذا؟ لأنَّ الرُّوحَ وَهَبَهُ مَواقفَ تَقِيَّة، ولأنَّ الكلمةَ وَهَبَتْهُ أفكارًا تَقِيَّة، ولأنَّهُ رَاقَبَ حَياتَهُ بهذهِ الوَسائلِ وَعَمِلَ أعمالاً تَقِيَّةً. لِذا فقد عَرَفَ سَلامَ الله.

وقد صَارَ سَلامُ اللهِ الشَّيءَ المُفَضَّلَ لَديه. وَغالبًا ما يُشيرُ في رَسائِلِهِ إلى اللهِ بتلكَ الطَّريقة. فهو يَقولُ في رِسالة رُومية 15: 33: "إِلهُ السَّلاَمِ مَعَكُمْ أَجْمَعِين". وبعدَ ذلكَ بِعشرينَ آية: "وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا". وفي نِهايةِ رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس؛ وتَحديدًا في العَددِ الحَادي عَشَر مِنَ الأصحاحِ الثَّالث عَشَر: "وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ". وفي نِهايةِ رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي 5: 23: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَام". وفي نِهايةِ رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 3: 16: "وَرَبُّ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُعْطِيكُمُ السَّلاَمَ دَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ". فقد صَارَ سَلامُ اللهِ الشَّيءَ المُفَضَّلَ لَديه. فَهُوَ إلَهُ السَّلام.

إذًا كيفَ يُمكِنُكَ أن تَعرِفَ إلَهَ السَّلامِ وَسَلامَ الله؟ كيفَ تَكونُ هَادِئًا؟ وكيفَ تَكونُ مُطمئِنًّا في وَسَطِ كُلِّ شَيءٍ سواءَ في التَّجاربِ أوِ الهَجَماتِ أوِ الشُّكوكِ أوِ المَخاوِفِ أوِ المَتاعِب؟ بأن تَعيشَ حَسَبَ النَّموذَجِ الإلهيِّ، وبأن تُفَكِّرَ حَسَبَ النَّموذَجِ الإلهيِّ، وبأن تَشعُرَ حَسَبَ النَّموذَجِ الإلهيِّ؛ أيْ مِن خِلالِ المَواقفِ الصَّحيحةِ، والأفكارِ الصَّحيحةِ، والأفعالِ الصَّحيحة. فيجبُ عليكَ أن تُراقِبَ حَياتَكَ. وأفعالُكَ هي الَّتي سَتَتحكَّمُ في ثَباتِك. وهذا يَعني أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَكونَ مُنضبِطًا. وقد كَتَبَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyed-Jones) في كِتابٍ لَهُ بعُنوان: "الاكتئابُ الرُّوحِيُّ" (Spiritual Depression) الشَّهادَةَ التَّالِيَةَ فَقال: "أَتَحَدَّاكَ أن تَقرأَ حَياةَ أيِّ قِدِّيسٍ زَيَّنَ حَياةَ الكَنيسةِ مِن دُونِ أن تَرى حَالاً أنَّ أعظمَ سِمَةٍ في حَياةِ ذلكَ القِدِّيسِ كانتِ الانضباطَ والنِّظام. فَلا شَكَّ في أنَّها السِّمَةَ المُشتركةَ بينَ جَميعِ رِجالِ ونِساءِ اللهِ المُمَيَّزين. اقرأ عن هنري مارتن (Henry Martyn)، أو ديفيد برينرد (David Brainerd)، أو جوناثان إدواردز (Jonathan Edwards)، أوِ الأخَوَيْن وِيسلي (Wesley)، أو ويتفيلد (Whitfield). اقرأ كِتاباتِهم. فَلا يَهُمُّ ما الطَّائِفَةُ الَّتي كانوا يَنْتَمون إليها لأنَّهُم جَميعًا قد ضَبَطُوا حَياتَهُم وَأَصَرُّوا على الحَاجَةِ إلى هذا الشَّيء. وَمِنَ الواضحِ أنَّهُ شَيءٌ كِتابِيٌّ جِدًّا وَمُهِمٌّ جدا" [نِهايةُ الاقتباس].

فيجبُ علينا أن نَكونَ مُنْضَبِطينَ لكي نُضيفَ إلى إيمانِنا فَضيلة: سُلوكًا طَاهِرًا، وأنماطًا حَياتيَّةً، ومُمارساتٍ تَقِيَّة. وهذا يَجعلُنا قادِرينَ على أن نَكونَ مُكْتَفينَ في أيِّ ظَرْفٍ وأنْ نَحصُلَ على قُوَّةِ المَسيح. وهذهِ هي بِكُلِّ تَأكيدٍ صَلاتي لأجلِكُم. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا:

يا أبانا، نَشكُرُكَ على كَلِمَتِكَ الطَّيِّبة، وعلى الحِكمةِ العَظيمةِ المُقدَّسةِ والإلهيَّةِ الَّتي وَهَبْتَها لَنا مِن خِلالِ هذا النَّصِّ وَمِن خِلالِ حَياةِ بولُس المُدهشة. ساعِدنا، يا رَبُّ، على أنْ نَتَبَنَّى هذهِ المَواقِفَ والمَشاعِرَ، وهذهِ الأفكارَ، وهذهِ الأفعالَ الَّتي تَقودُ إلى الثَّباتِ الرُّوحيّ. ويا أبانا، عندما لا نَكونُ ثَابِتينَ، بل مُتزعزِعينَ وخَدِرينَ ومُنْسَحِقينَ جدًّا كَما كانَ المُرَنِّمُ، وعندما تَكونُ قُلوبُنا مُضطربةً، سَاعِدنا يا رَبُّ على أن نَسألَ أنفسَنا: "مَاذا عَن مَواقِفي؟ مَاذا عن أفكاري؟ مَاذا عَن مُمارَساتي؟" وساعِدنا على أن نَكتَشِفَ المُشكلةَ، وأن نَجِدَ فيكَ الحَلّ. املأنا بِروحِكَ لكي نَشعُرَ كما يَنبغي لنا أن نَشعُر. واملأنا بكلمتِكَ لكي نُفَكِّرَ كما يَنبغي لنا أن نُفَكِّر. واستَخدِم هَذينِ الشَّيئينِ لمُراقبةِ جَسَدِنا لكي نَعيشَ بالطَّريقةِ الَّتي يَنبغي لنا أن نَعيشَ بها لكي نَتمتَّع بسلامِ اللهِ وإلَهِ السَّلام. أَعْطِنا تلكَ البَرَكَةَ العَظيمةَ جدًّا المُتَمَثِّلةَ في سَلامِك. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize