يَا لَهُ مِن فَرَحٍ الآنَ أن نَأتي إلى وَقتِ دراسةِ كلمةِ الله! افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مَعِي مِن فَضلِكُم على الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابع. ونحنُ نَصِلُ في هذا الأصحاحِ الأخيرِ مِن رسالةِ بولُس إلى الكنيسةِ في فيلبِّي إلى مَقطعٍ جَديد؛ وهو في الحقيقة المَقطعُ الكبيرُ الأخيرُ قبلَ الاستِنتاجاتِ الأخيرةِ الَّتي يَذكُرُها في الخِتام. ونحنُ نَصِلُ إلى مَقطعٍ مُهمٍّ جدًّا في هذهِ الآياتِ الَّتي سنَتحدَّثُ عنها في يَومِ الرَّبِّ هذا ويَومِ الرَّبِّ المُقبِل. والآن، إذْ نأتي إلى الأصحاحِ الرَّابعِ هذا، أريدُ أن أَجذِبَ أنظارَكُم إلى الأعداد مِن 10 إلى 19. وأريدُ أن نَنظُرَ إلى هَذا المَقطعِ بِوصفِهِ مَقطَعًا واحدًا لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ فِكرة واحدة. وعندما نُفَسِّرُ مَعنى كلمةِ اللهِ، أعتقدُ أنَّكُم ستَجِدونَ هذا المَقطعَ عَمليًّا جدًّا في حَياتِكُم الشَّخصيَّةِ كما وَجدتُهُ أنا في حَياتي الشَّخصيَّة.
وعلى سَبيلِ التَّمهيد، اسمَحوا لي أن أقولَ إنَّ "القَناعة" كلمة غَنيَّة جدًّا جدًّا؛ وهي الكلمةُ الَّتي أريدُ أن أُرَكِّزَ عليها في هذا المَقطَع. والحقيقةُ هي أنَّني إن أردتُ أن أُعَنْوِنَ هذهِ العِظَةَ فإنِّي سَأُسَمِّيها: "سِرُّ القَناعَة". فالقَناعةُ ليست مُجرَّد كَلِمَة غَنيَّة، بل هي كَلِمَة كِتابيَّة أيضًا. والحقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ كثيرًا عن هذا الموضوعِ المُختصِّ بالقَناعَة. فبولسُ يَقولُ في رسالتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 6: 6: "وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ". وَهُوَ يَقولُ أيضًا في العَددِ الثَّامِن: "فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا". ويَقولُ كاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين في الأصحاح 13 والعَدد 5: "كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: «لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ»". لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَكتفي فقط بتَعريفِ القَناعَةِ بأنَّها فَضيلة، بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ القَناعَةِ مِن مُنطَلَقِ أنَّها وَصِيَّة. فيجبُ عليكُم أن تَكتَفوا بما لَديكُم. ويجب عليكم أن تَكتَفوا بما لَديكُم مِن قُوْتٍ وكِسْوَة. ويجب عليكم أن تَكتَفوا بأجرِكُم. ويجب عليكم أن تَكتَفوا لأنَّكُم تُدركونَ أنَّ اللهَ صَاحِبَ الغَنَى المُطلَقِ والكُليِّ والكَامِلِ والخَارقِ للطَّبيعةِ لن يُهمِلَكُم ولن يَترُكَكُم. فالقَناعَةُ فَضيلة. والقَناعَةُ وَصيَّة.
وبصراحَة، إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ ليسوا قَنوعين، وأغلبيَّةَ المَسيحيِّينَ ليسوا قَنوعينَ حَتَّى إنَّ اللهَ يُوصينا بأن نَكونَ قَنوعين. فنحنُ نَميلُ إلى عَدَمِ القَناعَةِ بشكلِ كَبير. وأنا مُقتَنِعٌ شَخصيًّا بأنَّهُ كُلَّما حَصَلتُم على المَزيدِ، زادَ شُعورُكُم بعدمِ الاكتفاء. وإن كانَ هذا صَحيحًا فإنَّهُ يَعني أنَّنا نَعيشُ في واحدٍ مِن أكثرِ المُجتمعاتِ غيرِ المُكتَفِيَة في تاريخِ الجِنسِ البَشريّ. ولكنَّنا دُعينا إلى القَناعَة، ودُعينا إلى الاكتفاء، ودُعينا إلى أن نَرضَى بِما هُوَ لَدينا. ولكنَّ الأغلبيَّة مِنَّا لا يَختبرونَ ذلك.
ولكنَّ بُولسَ كانَ مُكتفيًا. فقد كانَ بولُسُ رَجُلاً قَنوعًا. وقد كانَ رَجُلاً مُكتفيًا. لِنَقرأ عن قَناعَتِهِ ابتداءً مِنَ العَددِ العاشِر: "ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِالرَّبِّ جِدًّا لأَنَّكُمُ الآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضًا مَرَّةً اعْتِنَاؤُكُمْ بِي الَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ، وَلكِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ فُرْصَةٌ. لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي. غَيْرَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ حَسَنًا إِذِ اشْتَرَكْتُمْ فِي ضِيقَتِي. وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ أَيُّهَا الْفِيلِبِّيُّونَ أَنَّهُ فِي بَدَاءَةِ الإِنْجِيلِ، لَمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، لَمْ تُشَارِكْنِي كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حِسَابِ الْعَطَاءِ وَالأَخْذِ إِلاَّ أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ. فَإِنَّكُمْ فِي تَسَالُونِيكِي أَيْضًا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ لِحَاجَتِي. لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ الْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ الثَّمَرَ الْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ. وَلكِنِّي قَدِ اسْتَوْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَاسْتَفْضَلْتُ. قَدِ امْتَلأْتُ إِذْ قَبِلْتُ مِنْ أَبَفْرُودِتُسَ الأَشْيَاءَ الَّتِي مِنْ عِنْدِكُمْ، نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ. فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ".
والآن، عندما تَقرأونَ هذا النَّصَّ، سَيَتَّضح لَكُم حَالاً أنَّ هذا الرَّجُلَ، أي بولسَ، كانَ يَعرِفُ مَعنى أن يَكونَ مُكتفيًا. فقد كانَ رَجُلاً قَنوعًا. وإن نَظرنا بِتَدقيقٍ شَديدٍ إلى هذا المَقطعِ المُحَدَّدِ مِن كلمةِ اللهِ، حيثُ يَتحدَّثُ عن قَناعَتِهِ الشَّخصيَّة، يُمكنُنا أن نَجِدَ سِرَّ قَنَاعَتِنا الشَّخصيَّةِ أيضًا.
والآن، عندما تَقرأونَ هذهِ الكلماتِ يَتَّضِحُ لكُم حالاً أنَّ هذا الرَّجُلَ [أي: بولُس] كانَ يُدرِكُ مَعنى الاكتفاء. فهو رَجُلٌ قَنوع. وإن نَظَرنا عَنْ كَثَبْ إلى هذا المَقطَعِ المُحَدَّدِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ الَّذي يَتحدَّثُ فيهِ عن قَناعَتِهِ الشَّخصيَّةِ، يُمكنُنا أن نَجِدَ سِرَّ القَناعَةِ في حَياتِنا نَحنُ أيضًا.
والآن، اسمَحوا لي أن أضَعَ ذلكَ الكَلامَ في سِياقِهِ. فإن أردنا أن نَكتُبَ رِسالةً إلى شَخصٍ مَا نُحِبُّهُ كَثيرًا فإنَّنا سَنُضَمِّنُها في مَوضِعٍ مَا عِباراتِ شُكرٍ على شَيءٍ فَعلوهُ لأجلِنا. وهذا شَيءٌ مَنطقيٌّ وشَيءٌ مألوفٌ في الرَّسائل. وهذا هُوَ ما يَحدُثُ هُنا. فقبلَ أن يَختِمَ الرَّسولُ بولسُ رِسالَتَهُ إلى مُؤمِني فيلبِّي الَّذينَ كانَ يُحِبُّهُم مَحبَّةً عَميقةً فإنَّهُ يُريدُ أن يُعَبِّرَ لَهُم باستفاضةٍ عن امتِنانِهِ لَهُم على لُطفِهم. فقد أَحَبُّوهُ منذُ البداية. وَمُؤخَّرًا، أُتيحَت لَهُم الفُرصةُ لمُشاركةِ تلكَ المَحبَّة مَعَهُ مِن خِلالِ إرسالِ أَبَفْرُودِتُس المَذكور في العَدد 18. وقد أرسَلوا معَ أَبَفْرُودِتُس مَجموعةً مِنَ العَطايا لِسَدِّ حَاجاتِه. فرُبَّما أرسَلوا مَبلغًا مِنَ المَالِ، وكَميَّةً مِنَ الطَّعامِ، ورُبَّما بِضْعَ قِطَعٍ مِنَ المَلابِس. فقد أرسَلوا إليهِ الأشياء الَّتي كانَ بِحاجةٍ إليها. وهذا المَقطعُ كُلُّهُ (مِنْ بِدايةِ العَدد 10 إلى نِهايةِ العَدد 19) هُوَ في الحَقيقة شُكْرٌ مِنهُ إليهم على ما أَرسَلوهُ إليه. فالنَّصُّ كُلُّهُ هُوَ كَلِمَةُ شُكرٍ خِتاميَّة لَهُم على العَطايا السَّخيَّة الَّتي تَسَلَّمَها مِنهُم مِن خِلالِ أَبَفْرُودِتُس.
والآن، تَذَكَّروا أنَّ بولسَ كانَ في الوقتِ الَّذي كَتَبَ فيهِ هذهِ الرِّسالةِ مَسجونًا. وقد كانَ مُقَيَّدًا إلى جُنديٍّ رُومانِيٍّ. فقد كانَ يَخضَعُ للإقامَةِ الجَبريَّةِ على الأرجحِ في بَيتٍ صَغيرٍ في مَدينةِ رُوما. وقد كانَ يَعيشُ مُنعَزِلاً، ولا يَستطيعُ التَّنقُّلَ. فقد حُرِمَ مِن حُريَّةِ العَملِ والخِدمةِ كما كانَ يَفعلُ في السَّابق. لِذا فقد كانَ في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ، ورُبَّما كانَ يَعيشُ كَفافَ يَومِهِ. وكانَ يُعاني بسببِ صُعوبةِ السِّجْن. وفي وَسْطِ احتياجِهِ هذا، سَمِعَ مُؤمِنو فيلبِّي عن حَاجَتِهِ تلكَ فأرسَلوا إليهِ ما يَسُدُّ حَاجَتَهُ. ولا شَكَّ في أنَّ هذا الجُزءَ كانَ الأكثرَ إحْزانًا في حَياةِ بُولس حَتَّى هذهِ اللَّحظة لا سِيَّما أنَّهُ كانَ مُقَيَّدًا إلى جُنديٍّ، ولا يَستطيعُ التَّواصُلَ إلاَّ معَ عَددٍ قَليلٍ جدًّا مِنَ الأصدقاءِ الَّذينَ يَستطيعونَ العُثورَ عليه، ويَنتظرُ مُحاكَمَتَهُ مِن قِبَلِ نِيرون؛ وهي مُحاكمةٌ قد تُؤدِّي إلى إعدامِه. لِذا فقد كانَ ذلكَ الوَقتُ عَصيبًا جدًّا. وقد كَتَبَ "فريدريك بروذرتون ماير" (F.B. Meyer) قبلَ سَنواتٍ: "لقد كانَ مَحرومًا مِن كُلِّ وَسائلِ الرَّاحةِ، ومَنبوذًا كرَجُلٍ وَحيدٍ على شَواطِئِ تلكَ المَدينةِ العَظيمةِ الغَريبة. ومعَ كُلِّ حَرَكَةٍ مِن يَدِهِ كانَ يَسمَعُ أصواتَ السَّلاسِلِ ولا يَرى أمامَهُ سِوى فَم أَسَدٍ أو سَيف" [نِهايةُ الاقتباس].
فقد كانَ وَقتًا عَصيبًا جدًّا. وكانَت فَترةً كَئيبةً لم يَكُن يَملِكُ فيها شَيئًا مِمَّا يُحْسَبُ في هَذِهِ الحَياةِ أنَّهُ "مَنافِع". وقد سَمِعَ هؤلاءِ المُؤمنونَ الأعزَّاء في فيلبِّي عن حَاجَتِهِ فأرسَلوا إليهِ عَطايا يُعَبِّرُ لَهُم عن شُكرِهِ عليها. لِذا فإنَّ القَصدَ الرَّئيسيَّ مِن هذهِ الآياتِ هُوَ التَّعبيرُ عنِ الشُّكر. ولكنَّها سِمَة رَئيسيَّة جدًّا في رَسائلِ الرَّسول بولُس، وسِمَة رَئيسيَّة بِكُلِّ تأكيد في وَحْيِ الرُّوحِ القُدُس إذْ إنَّنا نَجِدُ تَحتَ سَطْحِ التَّعبيرِ عنِ الشُّكرِ صُورةَ رَجُلٍ قَنوعٍ حَيثُ إنَّ رُوحَ اللهِ يَعملُ عَملاً أعمَقَ مِمَّا نَقرأُ في الظَّاهِرِ لكي يُرينا شَيئًا يُؤثِّرُ تأثيرًا عَميقًا في حَياتِنا الشَّخصيَّة. فنحنُ نَجِدُ هُنا رَجُلاً قَنوعًا، ونَجِدُ نَموذَجًا على القَناعَةِ نَحنُ بحاجَةٍ مُلِحَّةٍ إليهِ إن أردنا أن نَقتَدي بِهِ.
والآن، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ في الآياتِ التِّسعِ الأولى مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ أنَّنا تَحدَّثنا عنِ الثَّباتِ الرُّوحيِّ. وفي العَددِ التَّاسعِ، وَضَعَ بُولسُ نَفسَهُ نَموذجًا لذلكَ الثَّباتِ عندما قال: "وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا". بعبارةٍ أخرى: اسمَحوا لي أن أكونَ قُدوةً لَكُم في الثَّباتِ الرُّوحيِّ. فقد كانت هذهِ هي الجُملةُ الرَّئيسيَّة. والآن، نَرى بطريقةٍ غَيرِ مُباشِرةٍ أنَّهُ فِيما يُعَبِّرُ هُنا عنِ شُكرِهِ فإنَّهُ قُدوةٌ لا فَقط في الثَّباتِ الرُّوحيِّ، بل في القَناعَةِ أيضًا. لاحِظوا العَدد 11 إذْ إنَّهُ يَقولُ فِيه: "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا". فمِن خِلالِ خِبراتِ الحَياةِ، ومِن خِلالِ العِنايةِ الإلهيَّةِ، اجتازَ في عَمليَّةٍ اكتملتِ الآنَ فَتَعَلَّمَ أن يَكونَ مُكتفيًا. ويا لَهُ مِن شَيءٍ رائعٍ يُمكِنُنا أن نَتَعَلَّمَهُ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ هُنا شَهادةَ رَجُلٍ قَنوع. ولا تُوجَدُ طَريقةٌ أفضلُ لرؤيةِ تلكَ القَناعَةِ مِن أن نَرى كيفَ يَتعامَلُ مَعَ ظُروفِهِ الصَّعبةِ والعَطايا الَّتي قَدَّمَها لَهُ آخرون. فقد وَفَّرَتْ لَهُ تلكَ الظُّروفُ وتلكَ العَطايا البِيئَةَ المُناسبةَ تَمامًا لإظهارِ قَناعَتِه.
وبالمُناسَبة، اسمَحوا لي أن أُعَلِّقَ باختصار على الكلمة "مُكتَفِيًا". فهي كلمة رائعة. وهي تَرجمةٌ للفظةٍ يُونانيَّةٍ تَعني أن تَكونَ مُكتفيًا ذاتيًّا، وأن تَكونَ رَاضيًا، وأن يَكونُ لَديكَ ما يَكفيك. واللَّفظةُ تُشيرُ في الحقيقةِ إلى قَدرٍ مِنَ الاستقلالِ، وإلى قَدرٍ مِن عَدمِ الحاجةِ إلى المَعونَةِ أوِ المُساعَدة. والحقيقةُ هي أنَّها لَفظةٌ استُخدِمَت في بِضعَة أماكِن خارجَ الكِتابِ المُقدَّسِ للإشارةِ إلى الإنسانِ الَّذي يُعيلُ نَفسَهُ بنفسِهِ مِن دُونِ مُساعَدةٍ مِن أيِّ شَخصٍ آخر. وبولسُ يَقول: "لقد تَعلَّمتُ أن أكونَ رَاضيًا، وتَعلَّمتُ أن أكونَ مُكتفيًا بِذاتي؛ ولكنْ ليسَ بِذاتي أنا، بَل بِذاتي الَّتي يَسكُنُها المَسيح". فقد كَانَ مُكتفيًا رُوحيًّا.
وهذا الاكتفاءُ الذَّاتيُّ تَحديدًا كانَ فَضيلةً في الثَّقافةِ اليونانيَّةِ عندَ أصحابِ المَذهبِ الرِّواقِيِّ. فقد كانَ الرِّواقيُّونَ يُؤمِنونَ بأنَّكَ تُدركُ مَفهومَ الاكتفاءِ هذا عندما تَصِلُ إلى نُقطةِ عَدمِ المُبالاةِ. فعندما لا تَعودُ تُبالي بأيِّ شَيءٍ فإنَّكَ تَصيرُ حِينئذٍ، وحينئذٍ فقط، شَخصًا مُكتفيًا. بعبارةٍ أخرى، يجبُ عليكَ أن تَصِلَ إلى نُقطةٍ تَقولُ فيها: "أنا لا أُبالي". وقد قالَ أحَدُ الكُتَّابِ القُدماءِ وهو "إبيكتيتوس" (Epictetus): "ابتدِئ بفِنجانٍ أو بإحدى أدواتِ المَطبَخ. فإنِ انكسرَتْ قُل: ’لا أُبالي‘. ثُمَّ افعلِ الشَّيءَ نَفسَهُ مَعَ حِصانِكَ أو كَلبِكَ الأليف. فإن حَدثَ لَهُ مَكروهٌ قُل: ’لا أُبالي‘. ثُمَّ افعلِ الشَّيءَ نَفسَهُ مَعَ ذاتِكَ. فإن جُرِحتَ أو أُصِبْتَ بأيِّ أَذَىً قُل: ’لا أُبالي‘. فإذا فَعلتَ ذلكَ وَقتًا طَويلاً وبَذلتَ جُهدًا كَبيرًا في التَّدرُّبِ على ذلك سَتَصِلُ إلى نُقطةٍ لا تُبالي فيها حَتَّى لو مَرِضَ أو مَاتَ أعَزُّ النَّاسِ إلى قَلبِكَ، بل ستَقولُ: ’لا أُبالي‘".
والآن، إنَّ ما يَتحدَّثُ عنهُ هُنا هُوَ اكتفاءُ عَدمِ المُبالاة. فهذا هُوَ اكتفاءُ الرِّواقيِّينَ الَّذي يُلغي المَشاعِرَ والعَواطِف. أو كما قالَ أحدُ الكُتَّابِ: "لقد جَعَلَ الرِّواقيُّونَ القَلبَ صَحراءَ مُجْدِبَةً وَدَعَوْها سَلامًا". ولكنَّ هذا الاكتفاءَ مُختَلِفٌ عن ذاكَ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ هُنا. فعندما يَتحدَّثُ بولسُ عنِ الاكتفاءِ فإنَّهُ قَد يَستخدِمُ نَفسَ الكلمةِ اليونانيَّة "أوتاركيس" (autarkes) الَّتي استَخدَمَها الرِّواقيُّونَ؛ ولكنَّهُ يَقصِدُ بها شَيئًا مُختلفًا جدًّا. فهو لا يَعني عَدَمَ المُبالاةِ الخَالية مِنَ المَشاعِر، ولا يَعني عَدمَ الاكتِراثِ لأنَّهُ كانَ مُتعاطِفًا جدًّا ويُبالي كَثيرًا. ولكنَّهُ كانَ ما يَزالُ مُكتفيًا. لِذا فإنَّهُ يأخُذُ فِكرةَ الاكتفاءِ إلى نُقطةٍ أبعَد بكثير مِمَّا كانت عليهِ في الثَّقافةِ اليونانيَّةِ حيثُ وَجَدَتِ الكلمةُ مَعناها. فقد كانَ بولسُ مُكتفيًا.
لاحِظوا مَرَّةً أخرى في العَدد 12 أنَّهُ يَقولُ في مُنتصفِ الآية: "قَدْ تَدَرَّبْتُ"، أو "قَد عَرَفْتُ السِّرَّ". وهذا فِعْلٌ مُدهشٌ. فهو فِعْلٌ يُستخدَمُ للتحدُّثِ عن طُقوسِ الانتماءِ إلى الدِّياناتِ السِّريَّةِ أو طُقوسِ الانتماءِ إلى البِدَعِ الوَثنيَّةِ الَّتي تَحْتَفِظُ بأسرارٍ مُعيَّنَةٍ لا يَجوزُ لأحدٍ سِوى الأعضاء أن يَطَّلِعَ عليها. وبولسُ يَستَعيرُ تلكَ الكلمةَ ويقول: "لقد عَرَفْتُ أسرارَ الاكتفاء، وتَعَلَّمتُ أسرارَ الحَياةِ المُكتَفِيَة". وقد كانَ سَلامُ اللهِ [في العَددِ السَّابعِ] هُوَ حَقًّا مِن نَصيبِهِ. وكانَ إلَهُ السَّلامِ [في العَددِ التَّاسِعِ] هُوَ حَقًّا مِن نَصيبِهِ. وقد كانَ حَقًّا [في العَددِ السَّادسِ] لا يَهتَمُّ بشَيءٍ. فقد كانَ رَاضِيًا، وقَنوعًا، وشَبْعانًا، ولَديهِ ما يَكفيه. فقد كانَ مُكتفِيًا.
ويا لَها مِن جُملةٍ رائعة! "أنا مُكْتَفٍ". لماذا يا بولُس؟ "لأنِّي تَعلَّمتُ السِّرَّ". وقد تَقولُ: "بولُس! أَلاَ تُسْدي إلينا مَعروفًا؟" "بِكُلِّ تأكيد. مَا هُوَ؟" "شارِك مَعَنا هذا السِّرَّ". مَا هُوَ سِرُّ الاكتِفاء؟ وهذا هو ما سنَتعلَّمُهُ في هذهِ الآيات. فسوفَ نَتعلَّمُ سِرَّ الاكتفاءِ. فهو يُشارِكُهُ هُنا. وهو يَنبُعُ مِن قَلبِه. وأنا مُتحمِّسٌ جدًّا بسببِ ما يُعَلِّمُني اللهُ إيَّاه في هذا المَقطعِ، وأَعلمُ أنَّكُم ستَتحمَّسونَ أيضًا حينَ تَرَوْنَ ذلكَ السِّرَّ يَتَكَشَّفُ أمامَ أعيُنِكُم. فنحنُ، يا أحبَّائي، نَعيشُ في مُجتمعٍ لا يَعرِفُ البَتَّة مَعنى الاكتفاء. فهذا المُجتمعٌ غَارِقٌ جدًّا في مُستقنَعِ عَدمِ الاكتِفاءِ، ومُصابٌ جدًّا بِمَرَضِ عَدمِ الاكتفاء. فنحنُ نَشعُرُ بعدمِ الاكتفاءِ أكثرَ مِنَ المُجتمعاتِ الفَقيرة. وهُناكَ أسبابٌ لذلك. وسوفَ نُناقِشُ عَددًا مِنها في هذا الصَّباح. فيجبُ علينا أن نَتعلَّمَ كيفَ نَكونُ مُكْتَفين.
اسأل نَفسَكَ: "هل يُمكنُني أن أقولَ إنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عن حَالَتي فإنِّي مُكْتَفٍ؟" هل يُمكنُني أن أقولَ إنَّني مُكْتَفٍ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الظُّروف؟ وأنَّني أتمتَّعُ بالسَّلامِ الكَامِل، والرِّضا، والاكتفاء؟ فإن لم يَكُن بمقدورِكَ أن تَقولَ ذلك فإنَّكَ لم تُطِع وَصيَّةَ اللهِ الَّتي تَدعوكَ إلى أن تَكونَ مُكتفيًا. وقد تَقول: "ولكن كيف؟" اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم الخُيوطَ الَّتي تُشَكِّلُ نَسيجَ الاكتفاء.
الخَيطُ الأوَّلُ هُوَ الثِّقَةُ بالعِنايةِ الإلهيَّة. الثِّقَةُ بالعِنايةِ الإلهيَّة. انظروا إلى العَددِ العاشِر: "ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِالرَّبِّ جِدًّا لأَنَّكُمُ الآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضًا مَرَّةً اعْتِنَاؤُكُمْ بِي الَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ، وَلكِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ فُرْصَةٌ". واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكُم خَلفيَّةً صَغيرة: كانت قد مَرَّتْ عَشْرُ سَنواتٍ على آخِرِ عَطيَّةٍ أرسَلَها إليهِ مُؤمِنو فيلبِّي، أو عَشْرُ سَنواتٍ على وُصولِهِ إلى فيلبِّي، أو عَشْرُ سَنواتٍ على كِرازَتِهِ بالإنجيلِ هُناكَ، أو عَشْرُ سَنواتٍ مُنذُ أن سُجِنَ، أو عَشْرُ سَنواتٍ على حُدوثِ تلكَ الزَّلزلةِ الَّتي حَرَّرَتْ جَميعَ المَساجين، أو عَشْرُ سَنواتٍ على اهتِداءِ سَجَّانِ فيلبِّي إلى المَسيحِ هُوَ وكُلُّ أهلِ بَيتِه، أو عَشْرُ سَنواتٍ على انتقالِ بولسَ مِن هُناكَ إلى تَسالونيكي حيثُ قَدَّمَ إليهِ مُؤمنو فيلبِّي دَعْمًا، أو عَشْرُ سَنواتٍ مُنذُ أن غَادرَ مَكِدونيَّة إلى أَخَائِيَة في أثينا وكورِنثوس حيثُ أرسَلَ إليهِ مُؤمِنو فيلبِّي مُساعدةً أخرى بعدَ مُغادرتِه. فقد مَضَت عَشْرُ سِنينَ على آخِرِ مَرَّةٍ عَبَّروا فيها عن مَحبَّتِهم لَهُ. وقد كانَ هُوَ الَّذي أَسَّسَ كَنيسَتَهُم، وكانَ هُناكَ رِباطُ مَحبَّةٍ يَربُطُهُم بِه. ولكنَّ عَشْرَ سَنواتٍ قد مَرَّتْ مِن دُونِ دَعْم.
ولم يَعتَرِض بُولسُ على ذلك. فقد كانَ يَتَفَهَّمُ ذلك. وهو يَقولُ لَهُم: "أنا أَعلَمُ أنَّ السَّببَ في ذلكَ لا يَرجِعُ إلى عَدمِ مُبالاتِكُم بِي، بل إلى أنَّهُ..." [مَاذا؟] "...لَمْ تَكُنْ لَكُم فُرْصَة" [في نهايةِ الآية]. فَلَمْ تَكُن لَكُم فُرصَةٌ وَحَسْب. والكلمة المُستخدَمَة هُنا هي "كايروس" (kairos) ومَعناها: "فُرصَة". فأنتُم لم تَجِدوا مُناسَبَةُ مُلائمةً، أو فُرصَةً مُواتيةً. فهو لا يَتحدَّثُ عن وَقتٍ زَمنيٍّ مُلائمٍ، بل يَقولُ: "أنتُم لم تَجِدوا الفُرصةَ المُناسبةَ للقيامِ بذلك. ولا نَدري سَببَ ذلك. ولا نَدري لماذا لم يَفعلوا ذلك. ولا نَدري إن كانَ السَّببُ يَرجِعُ إلى فَقرِهِم، أو مَا إذا كانَ يَرجِعُ إلى حَقيقةِ أنَّهُم لم يَكونوا يَعلَمونَ مَا هي حَاجاتُ بولُس، أو إلى أنَّهُم لم يَكونوا يَعلَمونَ مَكانَ بولُس. ولكنْ لِسَببٍ مَا، لم يُرسِلوا إليهِ أيَّ دَعْمٍ طَوالَ عَشْرِ سِنين. وهو يَقولُ لَهُم ببساطَة: لم تَكُن لَكُم فُرصةٌ للقيامِ بذلك. أنا لا أَحْمِلُ هَذا ضِدَّكُم، ولا أُوَبِّخُكُم على ذلك؛ بل أنا أَتفهَّمُ ذلك. فأنتُم لم تَجِدوا الفُرصةَ للقيامِ بذلكَ إلاَّ مُؤخَّرًا. وهو يَقول: "ولكنِّي فَرِحْتُ". مَتى؟ عندما جاءَ أَبَفْرُودِتُس بعدَ عَشْرِ سَنواتٍ حَامِلاً هَديَّةً مِن مُؤمِني فيلبِّي. فقد كانت تلكَ لَحظةً سَعيدةً. فَهُو يَقولُ: "ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِالرَّبِّ جِدًّا". وقد كانَ فَرَحُهُ غَامِرًا عندما رَأى هذا التَّعبيرَ عن مُحَبَّتِهم لَهُ فَقالَ: "لأنَّكُم بعدَ كُلِّ هذا الانتظارِ الطَّويلِ [وهو المَعنى الضِّمنيُّ لِكَلامِهِ]، قَدْ أَزْهَرَ أَيْضًا مَرَّةً اعْتِنَاؤُكُمْ بِي". وهي كلمةٌ جَميلة؛ أيْ تلكَ الكلمة: "أَزْهَرَ". فهي كلمةٌ مُستَعارَةٌ مِن عَالَمِ النَّباتاتِ: "أَزْهَرَ مَرَّةً أخرى". فمحبَّتُكُم أَزْهَرَتْ مَرَّةً أخرى. لقد أَزْهَرَتْ مَحَبَّتُكُم مَرَّةً أخرى. فهي مَوجودةٌ دائمًا، ولكنَّها لم تَجِدِ الفُرصةَ المُناسبةَ للإزهارِ لأنَّ الإزهارَ مَوسِمِيٌّ، وأنتُم لم تَجِدوا المَوسِمَ المُناسِب. وهو يَقولُ في العَددِ العاشِر: "اعتِناؤُكُم بي". والمَعنى الضِّمنيُّ هُوَ: "على الدَّوام"؛ أيْ: "أنا أَعلمُ أنَّكُم تَهتمُّونَ بأحوالي دائمًا، وَلاَ أريدُ أن تُسيئوا فَهمي. فأنا أَعلمُ أنَّكُم تُبالون. ولكنَّ الفُرصةَ لم تَتَيَسَّر لَكُم".
وَقَد تَقول: "وما المَعنى المَقصود؟" المَعنى المَقصودُ هُوَ التَّالي: أنَّ الرَّسولَ بولسَ كانَ وَاثِقًا تَمامًا في العِنايةِ والسِّيادَةِ الإلهيَّة. ويُمكِنُكُم أن تَرَوْا ذلكَ في كُلِّ حَياتِهِ. فقد كانَ بمقدورِهِ أن يَعيشَ مِن دُونِ أيِّ مَصدرِ رِزْقٍ وأن يَنتظرَ الرَّبَّ ويَكونَ مُكتَفِيًا. فقد كانَ يَعلمُ أنَّ كُلَّ شَيءٍ بيَدِ الله. وإنْ وَفَّرَ اللهُ المَوسِمَ المُناسبَ، والوقتَ المُناسبَ، والفُرصةَ المُناسبةَ فإنَّ تلكَ الأشياءِ الَّتي يَنبغي التَّعبيرُ عنها سَيُعَبَّرُ عنها. فَلَمْ يَكُن يَشعُرُ بأيِّ ذُعْرٍ في قَلبِه، وَلَم يَكُن مُضطرًّا إلى استِدرارِ عَطْفِ النَّاسِ، وَلاَ إلى التَّذَلُّلِ إليهم مِن أجلِ الحُصولِ على ما كانَ يَظُنُّ أنَّهُ بحاجةٍ إليهِ أو يُريدُهُ مِنَ الآخرين. بل إنَّهُ كانَ مُتيقِّنًا مِن أنَّ اللهَ سَيَأمُرُ في الوقتِ المُناسبَ الظُّروفَ لكي يَتِمَّ سَدُّ حَاجَتِه. فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ لا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ سَلبيٍّ بينَهُ وبينَ مُؤمِني فيلبِّي. لِذا فهو لم يَكُن يَشعُرُ بأيَّة مَسؤوليَّة بوجوبِ حَلِّ النِّزاع، بل كانَ يَنتظِرُ بِصَبْرٍ وَحَسْب إلى أن يَسْمَحَ اللهُ بِسَدِّ حَاجَتِه.
وأودُّ، يا أحبَّائي، أن آخُذَ هذهِ الآيةَ البَسيطةَ وأن أَصيغَها في هذا المَفهومِ المُختصِّ بالعِنايةِ الإلهيَّةِ وأقولَ لَكُم: أنظروا! إنَّ السَّببَ في شُعورِ هذا الرَّجُلِ بالاكتِفاءِ هُوَ أنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ الأوقاتَ والمَواسِمَ والفُرَصَ في الحَياةِ هي تَحتَ هَيمنةِ اللهِ كُلِّيِّ السِّيادَة. وَمَا لم تَتَعَلَّموا ذلك، لن تَشعُروا يَومًا بالاكتفاءِ إلى أن تَصِلوا إلى النُّقطةِ الَّتي تُدرِكونَ فيها في حَياتِكُم الشَّخصيَّةِ أنَّ اللهَ هُوَ صَاحِبُ السِّيادَةِ، وأنَّهُ هُوَ الَّذي يَأمُرُ بكُلِّ شَيءٍ لأجلِ مَقاصِدِهِ المُقَدَّسَةِ، وأنَّهُ يَعملُ كُلَّ الأشياءِ حَسَبَ مَشيئَتِهِ، وأنَّهُ يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعمَلُ مَعًا للخَير. فَمَا لم تَفهَم ذلكَ، ستَبقى دائمًا غيرَ رَاضٍ لأنَّكَ ستَتَحمَّلُ بِنَفسِكَ مَسؤوليَّةَ إدارةِ حَياتِكَ الشَّخصيَّةِ وَتَنظيمِها، ولأنَّكَ ستَشعُرُ بالإحباطِ مِن نَفسِكَ إن لم تَكُن قادرًا على السَّيطرةِ على كُلِّ شَيء.
ولكنَّ بولسَ كانَ مُكتفيًا بطريقةٍ مُدهشة. وكانَ اكتِفاؤُهُ قائمًا على فِكرةِ أنَّ الفُرصَةَ لم تَسْنَح قَطّ. بعبارةٍ أخرى، لقد كانَ اكتِفاؤُهُ قائمًا على فِكرةِ أنَّ اللهَ لم يَجعلِ الظُّروفَ مُلائمةً. وهُناكَ سَلامٌ في هذا النَّوعِ مِنَ الإيمان. فإن كُنتُ أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ مُهيمِنٌ [وَهُوَ كذلك] وإن كُنتُ أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يَأمُرُ كُلَّ الظُّروفِ بتَنفيذِ مَقاصِدِهِ المُقدَّسةِ، يُمكنُني أن أكونَ مُكتفيًا في كُلِّ شيءٍ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ تَحتَ السَّيطرة. أمَّا عَدمُ الرِّضا فيَنجُمُ عن رَغبتِنا في السَّيطرةِ على كُلِّ شيء. وهذا يَنشأُ مُباشرةً بِسَببِ إخفاقِنا في فَهمِ أنَّ كُلَّ شيءٍ هو أصلاً تَحتَ السَّيطرة، وأنَّ هُناكَ مَنْ هُوَ أقدَرُ مِنكَ على إدارةِ ذلك. إنَّهُ الله. وكما تَرَوْنَ، فقد كانَ بولسُ واثقًا تَمامًا مِن أنَّ اللهَ مُهيمنٌ، ومِن أنَّهُ سيأمُرُ الأحداثَ بِسَدِّ حَاجاتِه.
ونحنُ نُسَمِّي ذلكَ "العِنايَة الإلهيَّة". واسمَحوا لي أن أشرَحَها لَكُم. فالكلمة "عِنايَة" تُشيرُ إلى أنَّ اللهَ يَسُدُّ الاحتياجَ، وهي مُرتبطة بالكلمة: "يُدَبِّر"؛ أيْ أنَّ اللهَ يَسُدَّ الاحتياج. ولكنَّها تَعني في الحَقيقةِ ما هُوَ أكثر مِن ذلك. فهي تَعني أنَّ اللهَ يُديرُ كُلَّ شَيءٍ لتَنفيذِ قَصْدِه. والآن، اسمَحوا لي أن أُريكُم مَعناها مِن خِلالِ المُفارَقَة. فهُناكَ طَريقتانِ يَستطيعُ اللهُ أن يَعملَ مِن خِلالِهما في العالَم. الأولى هي مِن خِلالِ المُعجِزَةِ، والثَّانيةِ هِيَ مِن خِلالِ العِنايةِ الإلهيَّة. حسنًا؟ فإن أرادَ اللهُ أن يَفعلَ شَيئًا في التَّاريخِ البَشريِّ مَثَلاً، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَفعلُ ذلكَ طَوالَ الوقتِ، فإنَّ هُناكَ طَريقتينِ للقيامِ بذلك. الأولى هي مِن خِلالِ مُعجزةٍ. وما هي المُعجزة؟ هُناكَ الحَياةُ الَّتي تَسيرُ سَيْرًا طَبيعيًّا، أو هُناكَ المَسارُ الطَّبيعيُّ للأشياء. ولكنَّ اللهَ يَحصُرُ كِلا الجَانِبَيْنِ، ويُوقِفُ المَسارَ، ويَصنَعُ مُعجِزَةً. والمُعجِزَةُ شَيءٌ لا يُوجَدُ لَهُ تَفسيرٌ طَبيعيٌّ. فهو شَيءٌ لا صِلَةَ لَهُ بالأمورِ الطَّبيعيَّةِ. فهو قد يُقيمُ شَخصًا مِنَ المَوت. وهو قَد يَشفي شَخصًا. فاللهُ يَستطيعُ أن يَتدخَّلَ في التَّاريخ، وأن يُوقِفَ التَّدفُّقَ الطَّبيعيَّ للتَّاريخ، وأن يَصنَعَ مُعجزةً. ثُمَّ يُمكِنُهُ أن يُعيدَ الأمورَ إلى سَابِقِ عَهْدِها كما فَعَلَ عندما أوقَفَ تَدفُّقَ البَحرِ الأحمر إلى أن عَبَرَ شَعبُهُ. فهو يُوقِفُ المَسارَ الطَّبيعيَّ للأشياء، ويَفعلُ شَيئًا خَارِقًا للطَّبيعة، ثُمَّ يَسمَحُ للمَسارِ الطَّبيعيِّ بالاستمرار. هذه هي المُعجزة. فهي اقتِحامٍ للأشياءِ الطَّبيعيَّةِ يَجعلُ شَيئًا طَبيعيًّا يَتوقَّفُ ويُقْتَحَمُ مِن شَيءٍ خَارِقٍ للطَّبيعَة.
أمَّا العِنايةُ الإلهيَّةُ فهي طَريقةٌ يَعمَلُ اللهُ مِن خِلالِها بأن يأخُذَ كُلَّ العَناصِرِ المُختلفةِ الاعتياديَّةِ ويُديرَها لتَحقيقِ قَصْدِهِ. والآن، أيُّ الطَّريقتينِ أصعَب في نَظَرِكُم؟ أنا أرى شَخصيًّا أنَّ العِنايةَ الإلهيَّةَ هي مُعجزةٌ أكبر مِنَ المُعجزة. فَلا بُدَّ أنَّهُ مِنَ السَّهلِ على اللهِ أن يَقول لِشَيءٍ مَا: "تَوقَّف! أريدُ أن أفعلَ هذا"، وأن يَفعلَهُ. فَهذا أَسهلُ جدًّا مِن أن يَقول: "لِنَرَ! لَديَّ 50 مِليارَ ظَرْفٍ يَنبغي أن أُنَسِّقَ بينَها لتَحقيقِ هذا الشَّيء". هذهِ هي العِنايةُ الإلهيَّة. ولكن عندما تَفهمونَ أنَّ اللهَ صَاحِبَ السِّيادةِ لا يَسودُ فقط مِن خِلالِ التَّدخُّلِ الخَارقِ للطَّبيعةِ، بل إنَّهُ يَسودُ أيضًا مِن خِلالِ إدارَتِهِ للأشياءِ الطَّبيعيَّةِ، ستَكونُ لَديكُم الثِّقةُ اللاَّزمةُ، وسَتصيرونَ مُكْتَفين. فالشَّخصُ القَنوعُ هُوَ شَخصٌ يَعلمُ أنَّ اللهَ يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ مِن أجلِ تَحقيقِ قَصدِهِ المُقَدَّس. فحينئذٍ تَكونُ قَنوعًا.
وبولسُ لم يَكُن مُحْبَطًا. فهو يَقولُ: لم تَكُن لَكُم فُرصَةٌ وَحَسْب. وهذا يَعني أنَّ اللهَ لم يَسمَح بحدوثِ ذلك. وإن لم يَشأِ اللهُ أن يَحدُثَ ذلكَ الأمرُ فإنَّهُ لن يَحدث. ولو أرادَ أن يَحدُثَ لَحَدَثَ. وهذا ليسَ إيمانًا بالقَضاءِ والقَدَر، بل هي ثِقَةٌ بالعِنايةِ الإلهيَّة. اقرأوا قِصَّةَ يُوسُف. فهي واحدةٌ مِن أعظمِ القِصَصِ عنِ الإدارةِ الإلهيَّةِ للظُّروفِ مِن أجلِ تَحقيقِ قَصدِه. اقرأوا قِصَّة أستير. فهي بُرهانٌ آخرُ على العِنايةِ الإلهيَّة. اقرأوا قِصَّةَ راعوث. فهي دَليلٌ آخرُ على العِنايةِ الإلهيَّة. والكِتابُ المُقدَّسُ يَزخُرُ بمِثلِ هذهِ الأمثلةِ الإيضاحيَّة.
وقد كانَ بولسُ واثقًا تَمامًا مِن أنَّ اللهَ مُهيمِنٌ. وطَالما أنَّ اللهَ مُهيمنٌ، وطَالما أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يأمُرُ الأشياءَ بالحُدوثِ مِن أجلِ تَحقيقِ مَقاصِدِهِ، سوفَ يَكونُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام. لِذا فقد كانَ مُكتفيًا. واسمَحوا لي أن أقولَ لكُم يا أحبَّائي: مِن هُنا يَبتدئُ الاكتفاء. فلن تَختبرَ الاكتفاءَ في قَلبِكَ إلاَّ عندما تُؤمِنُ بأنَّ اللهَ صَاحِبَ السِّيادَةِ يأمُرُ كُلَّ شيءٍ بالحُدوثِ مِن أجلِ خَيرِكَ وَمَجدِهِ. وحَالَما تَصِلُ إلى تلكَ النَّتيجة، وتَجِدُ تلكَ الحَقيقةُ طَريقَها إلى حَياتِكَ، ستَختبرُ الاكتفاءَ. ولكِن ليسَ قبلَ ذلك. فطالما أنَّكَ تَشعُرُ بأنَّ الأشياءَ خَارجَ السَّيطرةِ، وأنَّهُ يجبُ عليكَ أن تُحْكِمَ السَّيطرةَ عليها وأن تَجعلَ الأشياءَ تَحدُثُ، ستُواجِهُ مُشكلةً لأنَّكَ ستُحبِطُ نَفسكَ بنفسِكَ في أثناءِ مُحاولةِ القيامِ بذلك.
فيجبُ عليكَ أن تَعملَ بكُلِّ جُهدٍ مُمكنٍ وأن تَرضَى بأنَّ اللهَ يُهيمِنُ على النَّتائج. هذا هُوَ الاكتِفاء. وقد كانَ بولسُ مُكتفيًا. وهذا يَظهَرُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّة. فقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ الَّذي يُحِبُّهُ كانَ يَسمَحُ بحدوثِ كُلِّ تلكَ الأمورِ في حَياتِه. وهذهِ الحَقيقة تَظهَرُ قَليلاً في العَددِ العاشِر. ولكنَّها جَوهريَّةٌ فيما يَخُصُّ الاكتفاء. ففي كُلِّ مَرَّةٍ أَرى فيها أشخاصًا غيرَ قَنوعينَ فإنَّ رَدَّ فِعلي الأوَّل هُوَ أن أُعطيهم دَرسًا في سِيادَةِ الله. فأنا لا أُحاوِلُ أن أُبَدِّدَ عَدَمَ رِضاهم مِن خِلالِ تَقديمِ المَشورَةِ إليهم، بل إنِّي أتحدَّثَ عنِ اللهِ الَّذي مِنَ الواضحِ أنَّهُم لا يَتَّكِلونَ عليه، أو لا يَعرفونَهُ، والَّذي يَسمَحُ بحدوثِ كُلِّ شَيءٍ حَسَبَ خُطَّتِه. وهذا هُوَ السَّببُ في أنَّ كُلَّ الأشياءِ تَعمل مَعًا للخَيرِ للَّذينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ لأنَّهُ مُهيمِن.
واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكُم مَبدءًا آخرَ أو خَيْطًا آخرَ في نَسيجِ الاكِتفاء. فقد كانَ بولسُ مُكتفيًا [أوَّلاً] بسببِ ثِقَتِهِ في العِنايةِ الإلهيَّة. ثانيًا، بسببِ اكتِفائِهِ بالقَليل. بسببِ اكتِفائِهِ بالقَليل. انظُروا إلى العَددِ الحادي عَشَر. وكأنَّهُ يُخلي مَسؤوليَّتَهُ بعدَ العَددِ العاشِر. فهو يَقول: "لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ". بعبارةٍ أخرى: "لقد فَرِحتُ عِندما وَصَلَتْ هَدِيَّتُكُم. لقد فَرِحتُ كَثيرًا جدًّا عندما وَصَلَت"؛ ولكِنْ ليسَ لأنِّي كُنتُ بحاجةٍ إليها: "لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ".
حَسَنًا! ما الَّذي نَفهَمُهُ مِن ذلك؟ نَفهمُ مِن ذلكَ أنَّهُ كانَ مُكتفيًا بالقَليل. فقد كانَ لَديهِ الحَدُّ الأدنى الَّذي يَكفيه. فقد كانت لديهِ حَاجَة كبيرة وعَظيمة؛ ولكنَّهُ لم يُظهِر أيَّ عَدَمِ رِضًا. فقد كانَ يَشعُرُ بالسَّلامِ عندما يُفَكِّرُ في عِنايةِ اللهِ صَاحِبِ السِّيادةِ حَتَّى إنَّهُ كانَ يَشعُرُ بالاكتفاء. فقد كانَ رَاضيًا جدًّا بالقليلِ حَتَّى إنَّهُ لم يَكُن يُبالي بأنَّهُ كانَ مَسجونًا. وهذا يَعني أنَّ ذلكَ لم يَحْرِمْهُ مِنَ الشُّعورِ بالاكتفاء. فالسِّجْنُ لم يَحْرِمْهُ مِنهُ. فهو لم يَكُن يُبالي بأنَّهُ كانَ مُقَيَّدًا مَعَ جُنديٍّ رُومانِيٍّ، وبأنَّهُ كانَ يأكُلُ القَليلَ، وبأنَّهُ كانَ يَبقى في مَكانٍ يَفتَقِرُ جدًّا إلى أهَمِّ وَسائلِ الرَّاحة. فهذا كُلُّهُ لم يُؤثِّر سَلبيًّا في شُعورِهِ بالرِّضا. فقد كانَ مُكتفيًا بالقَليل.
والآن، يا أحبَّائي، أريدُ مِنكُم أن تَعلَموا أنَّ هذا الأمرَ يَخُصُّ هذا المُجتمعَ الَّذي نَعيشُ فيهِ تَحديدًا. فنحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ لا يَعرِفُ مَعنى الاكتفاءِ سَواءَ كَانَ يَملِكُ القَليلَ أوِ الكَثير. وأنا مُقتَنِعٌ بأنَّهُ كُلَّما حَصَلَ النَّاسُ على المَزيدِ زَادَ عَدَمُ رِضاهُم. وَمَا أعنيه هو: إن أردتَ أن تُقابِلَ شَخصًا بائسًا، وغيرَ سَعيدٍ، وفي حَالةٍ مُزريةٍ، عَليكَ أن تَجِدَ شَخصًا غَنيًّا في مَكانٍ مَا. فمَوقفُ النَّاسِ اليومَ هُوَ أنَّ حَاجاتِهِم لا يُمكِنُ البَتَّة أن تُسَدَّ. فالنَّاسُ يَسْعَوْنَ دائمًا إلى سَدِّ حَاجاتِهِم. وهو شَغَفٌ يَستَهلِكُ كُلَّ وَقتِهِم وطاقَتِهم حَتَّى إنَّهُم لا يَسُدُّونَ البَتَّةَ حَاجاتِهم. فموقفُ النَّاسِ اليومَ بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عنِ الاكتفاءِ بالقَليل.
فقد أَقنَعنا النَّاسَ في اعتقادي أنَّ الحَاجَةَ هِيَ القيمةُ الأولى في النِّظامِ الأمريكيّ. ويُمكنُني أن أتحدَّثَ مُطَوَّلاً عن ذلك، ولكنِّي سأكتَفي بالتَّحدُّثِ عنهُ قَليلاً لكي أُعطيكُم فِكرةً وَحَسْب. فقد أَوْجَدْنا مَفهومًا في الحياةِ يَقول: "الحَياةُ كُلُّها بِأَسْرِها تَتَمَحْوَرُ حَولَ سَعْيِ الإنسانِ إلى سَدِّ حَاجَاتِه". ومِن أينَ جَاءَ هذا المَفهوم؟ مِن "فرويد" (Freud)، وَ "مَاسلو" (Maslow)، وغَيرهُما مِن عُلماءِ النَّفس، وَمِنَ النَّزعةِ الإنسانيَّة. فحيثُ إنَّهُ لا يوجدُ إلَهٌ، وحيثُ إنَّ الإنسانَ هُوَ الغَايَةُ الأسمَى للوُجود، فإنَّ كُلَّ الوجودِ لا يَرمي إلى إرضاءِ اللهِ، بل إلى إرضاءِ مَن؟ الإنسان. لِذا، عندما تَبتدئُ بالفَرضيَّةِ الإنسانيَّةِ الَّتي تقولُ إنَّ الإنسانَ هُوَ الغَايَةُ الأسمَى للوجود، وإنَّ ذلكَ الإنسانَ يَنبغي أن يَحصُلَ على كُلِّ ما يُريد، وإنَّ الحَياةَ بأسرِها تَتَمَحوَرُ حَولَ سَدِّ حَاجاتِ الإنسان، فإنَّكَ تَضَعُ الإنسانَ على مَسارٍ مُستَحيل. وحينئذٍ سَوفَ يَقضي الإنسانُ كُلَّ حَياتِهِ مُحاولاً أن يَسُدَّ حَاجاتِه. ولا بأسَ في ذلكَ باستثناءِ حَقيقةٍ واحدة وهي: كيفَ سيَعرِفُ ما هِيَ حَاجاتُه؟ لأنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّهُ لم يَتوقَّف عندَ الطَّعامِ والمَلابِس. فَمَنِ الَّذي سيُحَدِّد لَهُ مَا هِيَ حَاجَاتُه؟ المُجتمع. فالمُجتمعُ هُوَ الَّذي يُحَدِّد لَهُ حَاجاتِه. وهذا مُختلفٌ تَمامًا عن بولُس. فقد كانَ بولُسُ مُكتفيًا بالقليلِ جدًّا مِنَ الطَّعامِ، والمَلابسِ، ومَكانٍ يَنامُ فيه. وهذا هُوَ تَحديدًا ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وقد قَرأتُ تلكَ الآياتِ لَكُم: "اكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ"... "فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا"... "وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ". واعلَموا أنَّ ذاكَ الَّذي يَمْلِكُ كُلَّ المَصادِرِ لن يُهمِلَكُم وَلَن يَترُكَكُم. لِذا، اكتَفوا بالأشياءِ الأساسيَّةِ في الحَياة.
وقدِ اختبرَ بولسُ ذلك وكانَ مُكتفيًا لأنَّهُ كانَ رَاضيًا جدًّا بالقليل. وعندما يَقول: "لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ"، فإنَّ مَا قَصَدَهُ بذلك هُوَ: "لَيست لَديَّ في الحَقيقة أيَّة احتياجات لم تُسَدّ. صَحيحٌ أنَّها رُبَّما لم تُسَدّ تَمامًا كما يَنبغي، ولكنَّها سُدَّت. فهو مُرهَفُ الحِسِّ تُجاهَ ذلكَ بطريقةٍ تُدهِشُني. فعندما كَتَبَ رِسالتَهُ الأولى إلى أهلِ كورنثوس، قالَ في الأصحاحِ التَّاسعِ إلى مُؤمِني كورنثوس: "انظُروا! مِنْ حَقِّي أن أعيشَ مِنَ الإنجيلِ لأنِّي أكرِزُ بالإنجيل". وهذا يَعني: "مِن حَقِّي أن أعيشَ مِنَ الوَعظِ وأن أَحصُلَ على الدَّعمِ المَاليِّ مِنَ الكَنائس". وهو يَتحدَّثُ عنِ الجُنودِ الَّذينَ يَحصُلونَ على الدَّعمِ عندما يَخوضونَ حَرْبًا. لِذا، مَا الَّذي يَمنَعُ الكَارِزينَ مِنَ الحُصولِ على الدَّعمِ عندما يَكرِزونَ بالإنجيل. وهو يَقولُ: "مِن حَقِّي أن أحصُلَ على الدَّعمِ المَاليِّ". ولكنَّهُ يَقولُ: "ولكنِّي لن آخُذَ أيَّ شَيءٍ مِنكُم لأنِّي لا أريدُ مِنكُم أن تَدفَعُوا أُجرَةَ مَا أفعَلُهُ". لِذا فإنَّهُ يَقول: "أنا أعمَلُ بِيَدَيَّ، ولا أريدُ أن آخُذَ أُجرةً الكِرازةِ بالإنجيلِ مِنكُم، ولا أريدُ أن أُشَوِّشَ فِكرَكُم بِدوافِعي. لِذا فإنِّي أعمل".
وهو يَقولُ في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 2: 9: "فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ تَعَبَنَا وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللهِ، وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلاً وَنَهَارًا كَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ". فها هُوَ هذا الكَارِزُ يَأتي إلى أهلِ تَسالونيكي. ولِئَلاَّ يَطلُبُ مِنهُم أن يَدعموهُ مَالِيًّا فإنَّهُ يَعملُ لَيلاً ونَهارًا. وعندما حَصَلَ على دَعْمٍ مَاليٍّ... لكي تَرَوْا عَقليَّتَهُ... عندما حَصَلَ على دَعْمٍ مَالِيٍّ في الأصحاحِ الحادي عَشَر مِن رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورنثوس فإنَّهُ يُشيرُ إلى ذلكَ في العَدَدَيْن 8 و 9 قَائِلاً: "سَلَبْتُ كَنَائِسَ أُخْرَى آخِذًا أُجْرَةً لأَجْلِ خِدْمَتِكُمْ". فعندما قَدَّمَت لَهُ كَنائسُ أخرى دَعْمًا مَاليًّا، حَسِبَ أنَّهُ سَلَبَهُم. أليسَ ذلكَ التَّفكيرُ غَريبًا؟ فهو لم يَكُن يُحِبُّ البَتَّة أن يَفعلَ ذلك. فهو يَقول: "وَإِذْ كُنْتُ حَاضِرًا عِنْدَكُمْ وَاحْتَجْتُ، لَمْ أُثَقِّلْ عَلَى أَحَدٍ. لأَنَّ احْتِيَاجِي سَدَّهُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنْ مَكِدُونِيَّةَ. وَفِي كُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتُ نَفْسِي غَيْرَ ثَقِيل عَلَيْكُمْ، وَسَأَحْفَظُهَا". فهذا هُوَ مَا يَقولُهُ لمُؤمِني كورِنثوس. أنا لا أريدُ البَتَّة أن أكونَ ثَقيلاً عَليكُم. أنا أَكتَفي بالقَليل جدًّا. لقد جاءَ أصدِقاءٌ أعِزَّاء وسَدُّوا حَاجَاتي. لِذا، لا حَاجَةَ إلى أن تَفعلوا ذلك. فأنا أشعُرُ أنِّي سَلَبتُهُم. ولا شَكَّ في أنَّ بُولُسَ لا يَصلُحُ البَتَّة أن يَكونَ واعِظًا على شَاشاتِ التِّلفِزيون. فهو يَخْجَلُ حَقًّا مِن طَلَبِ المَالِ أوِ الدَّعمِ المَاليِّ. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ مُكتفيًا جِدًّا بما يُوفِّرُهُ اللهُ لَهُ بِعنايَتِهِ الإلهيَّة. وقد كانَ مُتيقِّنًا مِن أنَّ اللهَ سَيَسُدُّ حَاجاتِهِ. ولأنَّهُ كانَ حَريصًا جدًّا على أَلاَّ يُسيءَ الآخرونَ فَهْمَ دَوافِعِهِ، ولأنَّهُ كانَ مُكتفيًا جدًّا بالقليل. فقد كانَ قَنوعًا.
"فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ". وهو يُؤكِّدُ ذلك. فَالعِبارةُ "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ" تُشيرُ إلى حَقيقةِ أنَّ هذا الدَّرسَ قد حُفِظَ. فقد تَعَلَّمتُ هذا الدَّرسَ: "أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا"؛ أي أن أكونَ قَنوعًا، وأن أَكونَ مُكتفيًا بالمَسيحِ في أيَّة ظُروف. وبالمُناسَبَة، إنَّ الكلمة "مُكتفيًا" هي نَفسُ الكلمة الوارِدَة في رسالة كورنثوس الثَّانية 9: 8 والمُتَرجَمَة: "اكتِفاء". أنا مُكْتَفٍ. أنا لَديَّ اكتِفاءٌ ذَاتِيٌّ، وليسَت لديَّ حَاجاتٌ لم تُسَدّ. وهو لم يَكُن يُنكِرُ الضِّيقَ، ولم يَكُن يُنكِرُ الظُّروفَ الصَّعبة، بل إنَّهُ [ببساطَةٍ] يَجِدُ كُلَّ الكِفايَةِ وَحَسْب في العِنايةِ الإلهيَّةِ، وَيَرضَى بالقَليل جدًّا جدًّا.
ومَا أبعَدَ ذلكَ الفِكر عَّما نَراهُ اليوم. فالاختلافُ صَارِخٌ. فالنَّاسُ الَّذينَ يَكرِزونَ بالإنجيلِ اليوم يَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ يُعطيهم الحَقَّ في أن يَعيشوا نَمَطَ حَياةٍ أفضلَ جدًّا مِنَ الآخرين. وما أبعدَ ذلكَ عَن كارِزي اليومِ الَّذينَ يُرَكِّزونَ كثيرًا على حَاجاتِهم. فبولسُ يَقول: "حَاجات؟ ليست لديَّ أيَّة حاجات. أنا لستُ بحاجةٍ إلى أيِّ شَيء". وقد يَقولُ قَائِلٌ: "يجب عليكَ أن تَعرِفَ ما تَحتاجُ إليهِ يا رَجُل. فأنتَ لا تَعرِفُ حَتَّى ما هي حَاجاتُك! أنتَ في حَالةٍ سَيِّئَة. أَلاَ تَعرِفُ ذلك؟" "لا، بل أعتقدُ أنِّي في حَالةٍ جَيِّدة في الحقيقة. فَلَدَيَّ كَميَّة قَليلة مِنَ الطَّعام، وكَميَّة قَليلة مِنَ الماء، ويُوجدُ لَديَّ مَكانٌ أَنامُ فيهِ، وتُوجدُ لَديَّ بَطَّانيَّةٌ تُدَفِّئُني". وكما تَرَوْنَ فإنَّ المُجتمعَ الَّذي نَعيشُ فيهِ يَتحرَّكُ وَفقًا للحاجاتِ لأنَّ تَعريفَ الإنسانِ هُوَ أنَّهُ الغَايَةُ الأسمَى في الحَياة. لِذا فإنَّ إشباعَ الإنسانِ هُوَ الهَدَفُ الأسمَى للحياة. وعَليهِ، يجبُ على الإنسانِ أن يَسُدَّ كُلَّ حَاجَاتِه. والشَّيءُ الغَريبُ حَقًّا بخصوصِ هذا الأمرِ هُوَ كيفيَّة تَعريف الإنسان لِحاجاتِه. وهُناكَ كِتابٌ بعُنوان: "الحاجَة: الدِّيانَة الجَديدة" (Need, The New Religion). وقد قَرأتُهُ مُنذُ مُدَّة. وقد كَتَبَهُ: "طوني والتر" (Tony Walter). وفِكرَتُهُ الرَّئيسيَّةُ هي أنَّ الفَرقَ الجَوهريَّ بينَ المَسيحيَّةِ والنَّزعَةِ الإنسانيَّةِ يَكْمُنُ في السُّؤالِ المُختصِّ بما إذا كانَ البَشَرُ هُمُ الكائناتُ الوَحيدةُ في الكَون. وهو يَقول: "في المَسيحيَّةِ، الجَوابُ هُوَ: لا. فنحنُ لا نَنظُرُ إلى أنفسِنا فقط، بل نَنظُرُ إلى الخَالِق. أمَّا النَّزعةُ الإنسانيَّةُ فتقولُ إنَّنا نَعيشُ بمُفردِنا في الكَون. لِذا فإنَّنا نَحِدُّ كَثيرًا مِن نَظرتِنا إلى الأُفُقِ وَخِبراتِنا بسببِ تَركيزِنا على البَشَرِ وَحاجاتِهم" [نِهايةُ الاقتباس]. هذه هي الدِّيانةُ الجَديدةُ الَّتي تُرَكِّزُ على سَدِّ الحَاجات.
والحَقيقةُ هي أنَّكُم تَرَوْنَ ذلكَ على شَاشاتِ التِّلِفزيون. فالفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ مِنَ التِّلِفزيون هي أن يَنْقَضَّ عَليكَ ويَجعلكَ شخصًا غيرَ قَنوع. حسنًا؟ فهذهِ هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ مِنه. ولا أدري إن كُنتُم تُدركونَ ذلك. فهل تَعلَمونَ مَا الغَايةُ مِنَ التِّلِفزيون؟ وهل تَفهمونَ أنَّ الهَدفَ مِنَ التِّلِفزيون هُوَ أن يَجعلَكُم غيرَ قَنوعينَ حَتَّى تَظُنُّوا أنَّكُم بحاجةٍ إلى شَيءٍ لا تَملِكونَهُ؟ هل تَفهمونَ ذلك؟ وهل تَعلمونَ أنَّ الهَدفَ مِنَ التِّلِفزيون هو ليسَ أن يَعرِضَ البَرامِجَ؟ بل إنَّ الهَدفَ مِنَ التِّلِفزيون هو أن يَجعلكَ تَشتري أشياءً. لِذا فإنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ مِنَ التِّلِفزيون هي الدِّعاياتُ. أمَّا البَرامِجُ فهي تَهدِفُ إلى إبقائِكَ جَالِسًا هُناكَ لكي تُشاهِدَ الدِّعايات. وإن لم يَنْجَحِ البَرنامَجُ في جَذْبِكَ إليهِ كي تُشاهِدَ الدِّعاياتِ فإنَّهُم يُوقِفونَ بَثَّهُ لأنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ هي زَرْعُ عَدمِ الرِّضا فيكَ، وخَلْقُ الحَاجَةِ لَديكَ بالرَّغمِ مِن عَدَمِ شُعورِكَ بها، ودَفعِكَ مِن خِلالِ شُعورِكَ بتلكَ الحَاجَةِ إلى شِراءِ شَيءٍ مَا. فالبَرامِجُ ثانويَّة. أمَّا الدِّعاياتُ فهي الرَّئيسيَّة.
والشَّيءُ الَّذي يَجعلُ هذا الأمرَ خَبيثًا جدًّا هو التَّالي: أنَّكَ لن تُشاهِد دِعايةً على شَاشَةِ التِّلِفزيون تُخبرُكَ أن تَذهبَ إلى المَتجَرِ وتَشتري طَعامًا لأنَّكَ بحاجةٍ إليه. فأنتَ تَعلمُ ذلك. لِذا فإنَّكُم لن تَرَوْا دِعايةً على شَاشَةِ التِّلِفزيون تُشَجِّعُكَ على شُربِ الماءِ، أو على النَّومِ، أو على شُربِ مَشروبٍ سَاخِنٍ عندما يَكونُ الطَّقسُ بارِدًا. فأنتُم تَعلَمونَ ذلك. فالنَّاسُ يَعثُرونَ دائمًا على حَاجاتِهم الأساسيَّة. وقد فَعلوا ذلكَ في كُلِّ جِيلٍ سَبَقَ هذا الجِيل. ولكنَّنا أمامَ أسلوبٍ جَديدٍ الآن.
فأنا أَذكُرُ أنِّي عندما صِرتُ صَبِيًّا وكنتُ أسمَعُ أبي يَعِظُ كثيرًا عن حَقيقةِ أنَّ المُشكلةَ لدى مُؤمِنينَ كثيرينَ هي أنَّهُم ليسوا قَنوعينَ بِسَدِّ حَاجاتِهم. فَهُم يُريدونَ أن يَحصُلوا على ما يَرغَبونَ فيه. هل سَمِعتُم مِثلَ هذا الشَّيء؟ بكُلِّ تأكيد. فيجبُ عليكم أن تَكتَفوا بِسَدِّ حَاجاتِكُم، لا أن تَرغَبوا في الحُصولِ على ما تَرغَبونَ فيه لأنِّي أَذكُرُ أنَّهُ قالَ: "إنَّ مَا نَرغَبُ فيهِ يَفوقُ دائمًا حَاجاتِنا". هل تَعلَمونَ أنَّ الأمرَ مَعكوسٌ الآن؟ وهل تَعلمونَ أنَّنا نَعيشُ الآنَ في مُجتمعٍ تَفوقُ حَاجاتُنا فيهِ ما نُريدُه؟ وقد تَقول: "مَا الَّذي تَقصِدُهُ بذلك؟" انتَبِهُوا إلى مَا سَأقولُهُ لَكُم. إنَّ التِّلِفزيونَ لا يُغرينا بالقَول: "أَلاَ تَرغَبُ في الحُصولِ على كَذا؟" بل يُغرينا على أساسِ: "أنتَ بِحاجَة إلى كَذا". لِذا فإنَّني أَجِدُ الآنَ أنِّي بحاجةٍ إلى أشياءٍ لا أُريدُها. هل لاحَظتُم ذلك؟ فأنا لم أَكُن أريدُ هذهِ الأشياءَ في المَاضي، ولا أُريدُها الآن؛ ولكنِّي بحاجة إليها. وهذا كُلُّهُ ثَقافَة جَديدة. فلا يُمكنُني أن أقولَ في عِظَةٍ: "لا يُمكنكم أن تَسمَحوا لرَغباتِكُم أن تَفوقَ حَاجاتِكُم". فهذا لم يَعُد صَحيحًا.
فقد صَارَ كُلُّ شَيءٍ حَاجَة. فهل تَعلمونَ أنَّ هُناكَ مَلايينُ النِّساءِ اللاَّتي لم يَرْغَبْنَ في التَّحرُّرِ ثُمَّ اكتَشَفْنَ أنَّهُنَّ بحاجةٍ إلى التَّحرُّر؟ هل تَعلَمونَ ذلك؟ وهل تَعلَمونَ أنَّ هُناكَ مَلايينُ الشَّبابِ الَّذينَ لم يَرغبوا في العَيشِ في الحُريَّةِ الجِنسيَّةِ إلى أنِ اكتشَفوا أنَّهُم بحاجة إلى العَيشِ في الحُريَّةِ الجِنسيَّةِ وإلاَّ فإنَّهُم سَيُؤذونَ رَغْباتِهم المَكبوتَة؟ وكما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ شَيءٍ صَارَ مُشَوَّهًا. فحالَما تُصَدِّق ما تَقولُهُ النَّزعةُ الإنسانيَّةُ وتقولُ إنَّ الهَدفَ مِن حَياةِ الإنسانِ هي سَدُّ حَاجاتِهِ فإنَّكَ بذلكَ تُعطي إبليسَ كُلَّ شيءٍ يَحتاجُ إليهِ للانطلاقِ وإعادةِ تَعريفِ حَاجاتِك. فالمِثليُّونَ الجِنسيُّونَ بحاجةٍ إلى التَّحرُّرِ لكي يَعيشوا مِثلَ المِثليِّينَ الجِنسيِّين. والشَّبابُ بحاجةِ إلى مُمارسةِ الجِنسِ دُونَ قُيودٍ لكي يُحَرِّروا رَغْباتِهم المَكبوتَة. والنِّساءُ بحاجةٍ إلى الثَّورةِ على كَبْتِ أزواجِهِنَّ لَهُنَّ وبحاجةٍ إلى الخُروجِ للعَمل. والنِّساءُ لا يُرِدْنَ أطفالاً؛ ولكنَّهُنَّ بحاجةٍ إلى الأطفال. وأطفالُكَ لا يُريدونَ أمورًا مُعيَّنةً، بل هُم بحاجةٍ إلى التَّعبيرِ عن أنفسِهم. فَهُم بحاجةٍ إلى التَّحرُّرِ مِن عُبوديَّةِ اضطهادِ الوالِدَيْن.
وكَما تَرَوْنَ، فقدِ ابتدأَ المُجتمعُ في تَعريفِ كُلِّ شَيءٍ على أنَّهُ حَاجَة. لِذا، أينَ يَتوقَّفُ ذلك؟ لأنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ هي أنَّنا نُريدُ أن نَسُدَّ الحَاجاتِ لأنَّها سَبَبُ وُجودِنا هُنا: أن نَسُدَّ كُلَّ حَاجاتِنا. وما الَّذي تَفعلُهُ المَسيحيَّة؟ إنَّها تَقترِفُ نَفسَ هذهِ الحَماقةِ بكُلِّ غَباوةٍ وعَمَى وجَهْل قَائِلَةً: "إذًا، هذا هُوَ اللاَّهوت". وَهُم يَنظرونَ إلى شِعارِ "الصِّحَّةِ والغِنَى والرَّخاءِ" ويَقولون: "هذا جَيِّد حيثُ إنَّنا جَميعًا بحاجة إلى أن الغِنَى، وبحاجة إلى النَّجاحِ، وبحاجة إلى التَّحرُّر. لِذا، يجب أن يَكونَ هذا هُوَ الإنجيل. وَعليهِ فإنَّنا نَسعَى إلى ذلك". ولكن ما الَّذي تَجنونَهُ مِن ذلك؟ سوفَ تَجْنونَ مُجتمعًا لا يَعرِفُ مَعنى القَناعَةِ، وكَنيسةً لا تَعرِفُ مَعنى القَناعَة. فالفِكرةُ الإجماليَّةُ مِن هذا الأمرِ هُوَ زَرْعُ عَدَمِ القَناعَةِ في البَشَر. وهذا أمرٌ مُؤسِفٌ حَقًّا.
ولكن كما تَرَوْنَ، لقد كانَ بولسُ يَعرِفُ ذلك. فقد كانَ بولسُ يَعلَمُ أنَّ الغَايةَ الرَّئيسيَّةَ للإنسانِ هي ليست سَدُّ حَاجاتِه، بل إنَّ الغَايةَ الرَّئيسيَّةَ للإنسانِ هي أن يَعبُدَ اللهَ ويَتمتَّعُ بالشَّركة مَعَهُ. وقد كانَ بولُسُ يَعلَمُ أنَّ سَدَّ حَاجاتِ الإنسانِ هو ليسَ النُّقطة الجَوهريَّة، بل إنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هِيَ أن يَعيشَ لأجلِ مَجدِ اللهِ الَّذي خَلَقَهُ. لِذا، فقد كانَ مُكتفيًا بالقليلِ جدًّا مِنَ الأشياءِ الأرضيَّةِ، ومُكتفيًا بما هُوَ بحاجةٍ إليهِ حَقًّا. فقد كانَ هذا يَكفي لإرضائِه.
ويجب أن تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّهُ ليسَ مِنَ السَّهلِ أن تُخْرِجوا أنفَسَكُم مِن هذهِ الوَرطة. فهو ليسَ بالأمرِ الهَيِّنِ على الإطلاق. ولكنَّ أسوأَ مَا في الأمرِ هو أن تُعيدَ تَعريفَ الإنجيلِ وتَجعلَ اللهَ مُجرَّدَ جِنِّيٍّ كَبيرًا يُلَبِّي الطِّلْبات. فأنتَ تَفْرُكُ الفَانوسَ فيَخرُجُ مِنَ الفَانوسِ ويُلَبِّي لكَ كُلَّ طِلْباتِكَ، ويُحَقِّقُ لَكَ كُلَّ أُمنياتِكَ أيًّا كانَـت. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا ذلكَ في عِلْمِ النَّفسِ اليوم. فكُلُّ شَيءٍ يَستَدعي الذَّهابَ وطَلبَ المَشورةِ مِنَ المُشيرِ لأنَّ لَديَّ حَاجاتٌ لا يُمكنُني أن أُلَبِّيها في حَياتي الزَّوجيَّة. ماذا؟ أَلاَ يُوَفِّرُ زَوجُكِ لَكِ الطَّعامَ؟ ألا تَشعُرينَ بالدِّفْءِ في بَيتِكِ؟ "بَلى، ولكنِّي بحاجة إلى التَّعبيرِ عن نَفسي ولديَّ حَاجاتٌ أخرى!" فأنا لم أَكُن أعلَمُ أنِّي بحاجةٍ إلى طُيورِ البُومِ إلاَّ حينَ تَأسَّسَ نَادي سَاييرا (Sierra Club). والآن، أنا بحاجةٍ إلى طُيورِ البُوم. كذلكَ، أنا بحاجةٍ إلى المِساحاتِ الخَضراء؛ ولكنِّي لم أَكُن أعلَمُ أنِّي بحاجةٍ إلى مِساحاتٍ خَضراء. وهُناكَ أُناسٌ كثيرونَ في نيويورك لا يَعلمونَ ما هي المِساحاتُ الخَضراء؛ ولكنَّهُم بحاجةٍ إليها. ويجبُ عليكم أن تُحافِظوا على المِساحاتِ الخَضراء. فأنا بحاجة إلى ذلك. ولا أدري مَنِ الَّذي يُخبرُني ما أنا بحاجةٍ إليه! ففجأةً، صَارت هذهِ الثَّقافةُ تُتَرجِمُ كُلَّ شيءٍ تُريدُهُ إلى حَاجَةٍ وتَقولُ للنَّاس: يجب عليكم أن تُلَبُّوا هذهِ الحاجَة وإلاَّ فإنَّكُم لن تَعيشوا حَياةً مُشبِعَةً. اغرُب عن وَجهي. فأنا أسعَى إلى سَدِّ حَاجاتي.
وكيفَ يُمكنكم أن تَجعَلوا المُؤمِنينَ في وَسْطِ هذا يَقولون: "أنا لا أُبالي إن كانَ لديَّ القَليل، ولا أُبالي إن كانَ لَديَّ الكَثير. فأنا سَعيدٌ تَمامًا، وكُلُّ ما أنا بحاجةٍ إليهِ هُوَ الله"؟ فقد خَسِرنا ذلك. لقد خَسِرنا ذلكَ الشُّعور بالاكتفاءِ بالقليلِ على غِرارِ بولُس. وأريدُ أن أقولَ لكُم يا أحبَّائي إنَّكُم لن تَعرِفوا المَعنى الحَقيقيَّ للاكتفاءِ في قُلوبِكُم إلاَّ عندما تَثِقونَ ثِقَةً كاملةً وتَتَّكِلونَ اتِّكالاً مُطلَقًا على عِنايةِ اللهِ الَّذي يَسمَحُ بكُلِّ ظَرْفٍ في الحَياةِ مِن أجلِ مَجدِهِ. لِذا فإنَّكُم لَستُم بحاجةٍ إلى اللُّجوءِ إلى الأساليبِ المُلتويةِ، ولَستُم بحاجةٍ إلى فُقدانِ عُقولِكُم بسببِ مُحاولةِ السَّيطرةِ على كُلِّ شيء. ثانيا، لن تَعرِفوا مَعنى الاكتفاءَ إلاَّ عندما تَكتَفونَ بالقليلِ لأنَّ شُعورَكُم بالاكتفاءِ لا يَتوقَّفُ على تَعريفِ العالَمِ لِحاجاتِكُم.
واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم خَيْطًا ثالِثًا في نَسيجِ الاكتفاءِ قبلَ أن نَختِمَ حَديثَنا. فالخَيطُ الثَّالثُ في نَسيجِ الاكتفاءِ هُوَ الاستقلالُ عنِ الظُّروف... الاستقلالُ عنِ الظُّروف. وقد لَمَّحَ بولسُ إلى ذلكَ في العَددِ الحادي عشرَ حينَ قال: "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ". وهو يُريدُ الآنَ أن يَتوسَّعَ في الحَديثِ عن ذلك في العَددِ الثَّاني عَشَر. لِذا فإنَّهُ يَقول: "أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاء". وهذهِ هيَ الفِكرةُ الرَّئيسيَّة. "...قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ".
إذًا، ما الَّذي يَقولُهُ هُنا؟ إنَّهُ يَقولُ إنَّ العُنصُرَ الثَّالثَ الَّذي تَرَوْنَهُ يَخرُجُ مِن قَلبِهِ هُنا بِخُصوصِ هذا الاكتِفاء هُوَ أنَّهُ كانَ مُستقلاًّ عنِ الظُّروف. فهو يَقول: "أيًّا كانَ الظَّرْفُ" في العَددِ الحادي عَشَر، ثُمَّ يَقولُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "في أيِّ ظَرْفٍ وكُلِّ ظَرْفٍ، أنا أَبقى كَما أنا... أَبقى كَما أنا". فهو ذلكَ الجُزءُ مِنَ الاكتفاءِ الَّذي يَبقى بِمَنأىً واستقلالٍ عن كُلِّ الظُّروف. واسمَحوا لي أن أقولَ لكُم، يا أحبَّائي، إنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يَسلِبُنا شُعورَنا بالرِّضا في أغلبِ الأحيانِ هُوَ الظُّروفُ السَّيِّئَة. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَنهارُ ونَفقِدُ شُعورَنا بالرِّضا والشِّبَعِ والاكتفاءِ والسَّلامِ لأنَّنا نَقَعُ ضَحِيَّةَ الظُّروف.
وَمَا الَّذي يَقولُهُ بولُس: "أعرِفُ أن". وهو يَقولُ ذلكَ مَرَّتينِ في هذهِ الآية: "أعرِفُ أن"، ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ بعدَ قليل: "أعرِفُ أن". أعرِفُ أن. قد تَدَرَّبتُ". فهو يَقولُ: "لقد عَرَفْتُ السِّرَّ، يا رِفاق، وأنا أَعيشُ ذلكَ هُنا. فأنا أعرِفُ كيفَ أفعلُ ذلك". ماذا تَعني بأنَّكَ تَعرفُ كيفَ تَفعلُ ذلكَ يا بولُس؟ أنا "أَعْرِفُ [أوَّلاً] أَنْ أَتَّضِعَ". ما الَّذي تَقصِدُهُ بذلكَ يا بولُس؟ "أنا أتحدَّثُ عنِ الأشياءِ المَاديَّة". فهو يَتحدَّثُ هُنا عنِ الطَّعامِ والمَلابسِ والحاجيَّاتِ اليَوميَّة. أنا أعرِفُ كيفَ أكتَفي بالقليل. وهو يُشيرُ هُنا إلى الفَقْر. أنا أعرِفُ كيفَ أكونُ فَقيرًا، وأعرِفُ كيفَ أعيشُ على مَوارِد يَوميَّة قَليلة جدًّا جدًّا. وهو يَتحدَّثُ هُنا عنِ الأشياءِ الرَّئيسيَّة جدًّا جدًّا؛ عن أبسطِ الحَاجاتِ الحَياتيَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ" أو أن أعيشَ في وَفْرَة ("بيريسؤو" – ""perisseuo)؛ أي: أن أعيشَ حَياةَ الوَفرةِ والرَّفاهِيَة. وهو يَتحدَّثُ مَرَّةً أخرى عنِ الأشياءِ الأرضيَّةِ والأمورِ الأرضيَّة.
"اسمَعوني! يُمكنُني أن أعيشَ في فَقرٍ، ويُمكنُني أن أعيشَ في رَفاهِيَة. في أيِّ ظَرْفٍ وكُلِّ ظَرفٍ، قَد تَعلَّمتُ السِّرَّ". ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ حَديثَهُ. أيُّ سِرٍّ؟ "سِرُّ أَنْ أَشْبَعَ". وهذهِ كلمة مُدهشة: "كورتاتزو" (chortazo). وقد كانت تُستخدَمُ في تَعليفِ المَاشِيَةِ. فهي تُستخدَمُ في إطعامِ وتَعليفِ المَاشِيَة. فهو يَقولُ: أنا أَعرِفُ كيفَ أستمتِعُ بوجبةٍ كَبيرة. وأنا أَعرفُ مَعنى أن أتناوَلَ وَجبةً شَهيَّةً. وأنا أَعرفُ مَعنى أن آكُلَ بِوَفرة. وأنا أَعرِفُ مَعنى أن أتَغذَّى جَيِّدًا. وأنا أعرِفُ أيضًا ماذا؟ أن أَجوع. فقد عَاشَ أوقاتًا مِنَ الحِرمانِ الشَّديد. وقد عَاشَ أوقاتًا لم يَجِد فيها طَعامًا كَافيًا يأكُلهُ. فقد عَرَفَ ذلك. وقدِ اختبرَ ذلك. ثُمَّ إنَّهُ يَختِمُ العَددَ الثَّاني عشرَ بالقول: "أَعْرِفُ مَعنى الوَفْرَة، وَأَعْرِفُ أَيْضًا مَعنى الشُّحّ. ولكنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ هُوَ مَا يَلي: فِي كُلِّ شَيْءٍ، أنا أشعُرُ بالاكتفاءِ لأنِّي أعيشُ مُستقلاًّ عنِ الظُّروف".
يا للعَجَب! فهو لم يَكُن يَومًا ضَحيَّةَ الظُّروف. فقد كانَ يَثِقُ في وُعودِ الله. وقد كانَ يَعرِفُ مَا قَالَهُ يَسوع: "قد تَبكونَ الآنَ" – هل تَذكرونَ ذلكَ في إنجيل لوقا 6: 21؟ "ولكنَّكُم ستَضحَكونَ لاحقًا. وقد تَجوعونَ الآنَ، ولكنَّكُم ستُشبَعونَ لاحقًا". فقد كانت عَيناهُ تَنظُرانِ في الاتِّجاهِ الصَّحيح. فقد كانَ يَتَطلَّعُ إلى المَجدِ المُستقبليِّ. وهو لم يَسمَح يَومًا لظُروفِ حَياتِهِ أن تُدَمِّرَهُ. فقد تَألَّمَ كَثيرًا في الجَسَد... كَثيرًا. وبالمُناسبة، إنَّهُ أسوأُ مَثَلٍ إيضاحيٍّ مُمكِن على إنجيلِ الرَّخاء. فهو أسوأُ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على ذلك. ولم أَسمَع يَومًا أيَّ شخصٍ يُنادي بإنجيلِ الرَّخاءِ يَعِظُ عن بولُس. فَلا يُمكنُكَ أن تَفعلَ ذلك. فقد عَاشَ حَياةً صَعبةً جدًّا. فإن كُنتَ تُحاولُ أن تُرَوِّجَ للمَسيحيَّةِ استِنادًا إلى خِبراتِ بولُس، لن تَجِدَ أشخاصًا كَثيرينَ يَنجَذبونَ إليها. فهذا هُوَ ما حَدَثَ وَفقًا لما جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 14: 19: "ثُمَّ أَتَى يَهُودٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَقْنَعُوا الْجُمُوعَ، فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ". والآن، قَد يَقولُ قَائِلٌ اليومَ: "حسنًا! لقد حَدَثَ ذلكَ لأنَّهُ لم يُقَيِّدهُم". ثُمَّ إنَّ الأصحاحَ السَّادس عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل يَتحدَّثُ عن بولسَ وسِيلا. فقد قَبَضُوا عَليهِما في العَدد 19 وَجَرُّوهُمَا إِلَى السُّوقِ إِلَى الْحُكَّام. وفي العَدد 22: "فَقَامَ الْجَمْعُ مَعًا عَلَيْهِمَا، وَمَزَّقَ الْوُلاَةُ ثِيَابَهُمَا وَأَمَرُوا أَنْ يُضْرَبَا بِالْعِصِيِّ. فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً وَأَلْقُوهُمَا فِي السِّجْنِ، وَأَوْصَوْا حَافِظَ السِّجْنِ أَنْ يَحْرُسَهُمَا بِضَبْطٍ. وَهُوَ إِذْ أَخَذَ وَصِيَّةً مِثْلَ هذِهِ، أَلْقَاهُمَا فِي السِّجْنِ الدَّاخِلِيِّ، وَضَبَطَ أَرْجُلَهُمَا فِي الْمِقْطَرَةِ". ونَقرأُ في الأصحاح 17 والعَدد 13: "فَلَمَّا عَلِمَ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ تَسَالُونِيكِي أَنَّهُ فِي بِيرِيَّةَ أَيْضًا نَادَى بُولُسُ بِكَلِمَةِ اللهِ، جَاءُوا يُهَيِّجُونَ الْجُمُوعَ هُنَاكَ أَيْضًا". ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاح 18 والعَدد 12: "وَلَمَّا كَانَ غَالِيُونُ يَتَوَلَّى أَخَائِيَةَ، قَامَ الْيَهُودُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى بُولُسَ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ". ونَقرأُ في الأصحاح 20 والعَددِ الثَّالث كيفَ انتَهى الأمر: "فَصَرَفَ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ [في اليُونان]. ثُمَّ إِذْ حَصَلَتْ مَكِيدَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَيْهِ [كَي يَقتُلوه]، وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى سُورِيَّةَ، صَارَ رَأْيٌ أَنْ يَرْجعَ عَلَى طَرِيقِ مَكِدُونِيَّةَ".
فقد اختبرَ ضِيقًا بَعْدَ ضِيقٍ. وأخيرًا، ذَهبَ إلى أورُشَليم وَفقًا لِتَسلسُلِ الأحداثِ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. وقد قَبَضوا عليهِ في الهَيكل ووَضعوهُ في السِّجن. وقد انتَهى بهِ الأمرُ في السِّجنِ في قَيصريَّة مُدَّةً طَويلةً. ثُمَّ إنَّهُم نَقَلوهُ بالسَّفينةِ إلى رُوما. وقد انتَهى بهِ الأمرُ في السِّجنِ في رُوما. فقد عَاشَ هذا الرَّجُلُ حَياةً شَاقَّةً جدًّا جدًّا. وقد عَاشَ حَياةَ الحِرْمانِ مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا. وقد عَانَى بسببِ القِلَّةِ مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا. وَهُوَ يَقولُ في رِسالَتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورنِثوس 4: 11: "لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ". فقد عَاشَ عَلى حَافَةِ المَوتِ طَوالَ الوقت. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ السَّادسِ مُتَتَبِّعًا مَسيرَةَ حَياتِهِ... إنَّهُ يَقولُ في الأصحاح السَّادِسِ مِن رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورنثوس والعَدد 4: "فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ". فقد كانت هذهِ هي حَياته. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الحادي عَشَر مِن رِسالتِهِ الثانيةِ إلى أهلِ كورنثوس... وأنتُم تَعرِفونَ هذا المَقطَعَ... فهو يَقولُ: "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ".
فَهَذا الرَّجُلُ لم يَعِش يَومًا حَياةَ أَحلامٍ، بل عَاشَ حَياةَ كَوابيس. فقد كانَ هذا الرَّجُلُ يَعرِفُ مَعنى العَيشِ في ظُروفٍ صَعبة؛ ولكنَّهُ عَاشَ فَوقَها. وهذا شَيءٌ جَوهريٌّ في الاكتفاء. فكيفَ يُمكِنُكَ أن تَعيشَ فَوقَها؟ بأن تَنظُرَ إلى فَوق وَتُثَبِّتَ عَينيكَ على الأشياءِ الَّتي فَوق؛ لا على الأشياءِ الَّتي على الأرض لأنَّكَ تَحْسَبُهُ كُلَّ فَرَحٍ مِن أَجْلِ فَضْلِ التَّألُّمِ لأجلِ المَسيح. بعبارةٍ أخرى، يجبُ أن تَكونَ لَديكَ رُؤية سَماويَّة، ونَظرة إلى الأبديَّة. ويجب عليكَ أن تَنتظرَ مُكافأتَكَ الأبديَّة. وقد لَخَّصَ بولسُ ذلكَ بقَولِهِ: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ [بماذا؟] بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا". فأنا أعيشُ في ضَوْءِ المَجدِ الآتي، لا في ضَوءِ آلامِ الزَّمانِ الحَاضِر. فقد كانَ رَجُلاً قَنوعًا. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ وَاثِقًا في العِنايةِ الإلهيَّة، وكانَ مُكتفيًا بالقَليل، ولم يَنجَرِف وَراءَ قِيَمِ الحَاجَةِ في مُجتَمَعِه، ولأنَّهُ كانَ مُستَقِلاًّ عنِ الظُّروفِ لأنَّ شَغَفَهُ كانَ مُنحَصِرًا في مَلَكوتٍ آخَر. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ جَزيلَ الشُّكرِ على تَذكيرِنا في هذا الصَّباحِ بحاجَتِنا إلى الاكتفاءِ في أيَّة ظُروف نَجِدُ أنفُسَنا فيها. وليتَكَ تُساعِدَنا، يا رَبُّ، على أن نَثِقَ في عِنايَتِكَ الإلهيَّة. ولَيتَكَ تُساعِدنا على أن نَكتَفي بالقَليل، وأن تُساعِدَنا على أن نَرتَفِعَ فَوقَ الظُّروف، وأن نَعيشَ في السَّماويَّات. يا رَبّ، اجعَلنا قَنوعينَ، واعمَل مِن خِلالِ رُوحِكَ على جَعْلِنا مُكْتَفين. باسمِ مُخَلِّصِنا. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
