نأتي مَرَّةً أخرى في دراستنا لكنز اللهِ الثَّمينِ المُتَمَثِّل في كَلِمَتِه إلى رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل. رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل؛ وتحديدًا إلى الدِّراسة الَّتي سنُجريها خلال هذا الأسبوع والأسبوع القادم ونتأمَّل فيها في الأعداد مِن 9 إلى 11. وقد وَضعتُ عُنوانًا لهذه الآيات هو: "مُقوِّماتُ النُّموِّ في التَّقوى". في نظر الكثيرين منكم، سوف تكون الأشياء الَّتي سنتحدَّث عنها مُجرَّد مُراجعة لأنَّ هذه هي العناصر الأساسيَّة للحياة الروحيَّة. اسمحوا لي أن أقرأ الأعداد 9 و10 و11، وتابعوني في أثناء قراءتي: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ".
يُصلِّي بولسُ هُنا بصورة رئيسيَّة مِن أجل النُّموِّ الرُّوحيِّ المُستمرِّ لِمؤمِني فيلبِّي. فكما أنَّه يُتوقَّع مِن حديثي الولادة أن ينموا ويصيروا ناضجين، هذا هو المُتوقَّع أيضًا مِن الأطفال الرُّوحيِّين الجُدُد. وقد كان اهتمامُ بولس الدَّائم يَنْصَبُّ على نُضْجِ الأشخاصُ الَّذينَ وَضعهم اللهُ في دَرْبِ خدمته. والحقيقة هي أنَّه يُشير مِرارًا إلى ذلك. فإن رجعنا إلى رسالة غلاطيَّة والأصحاح الرَّابع، نجد واحدةً مِن الآياتِ المُفضَّلة لديَّ والَّتي تَكشف قلبَ بولس إذ إنَّه يقول في العدد 19: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ". فقد قال: "أنا أَتَمَخَّض"؛ أي: "أنا أتألَّم مِن شِدَّة القلق على نُموِّكم الرُّوحيِّ".
وفي رسالة أفسُس والأصحاح الرَّابع، عندما يكتب إلى القدِّيسين في أفسُس، فإنَّه يُشيرُ أيضًا إلى شَوقِ قلبه في أن يَنْتَهي جَميعُ الأشخاصِ الَّذينَ هُم في المسيح "إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل... [في العدد 13] ... إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيح". وَهُوَ يُتابع قائلاً في العدد 15 إنَّهُ يَتوقُ إلى أن يَراهُم يَنْمونَ "فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ". وَهُوَ يقول في الرِّسالة إلى أهل كولوسي 1: 28: "الَّذِي نُنَادِي بِهِ [أي: بالمَسيح] مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فقد كانت تلك الرَّغبة في النُّموِّ والكمالِ الرُّوحِيِّ موجودة دائمًا في قلبه. وقد عَبَّرَ بطرس عن ذلك أيضًا في رسالته الثَّانية 3: 18 حين قال: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح".
إذًا فقد كان بولس شَغوفًا بالنُّموِّ الرُّوحيِّ لشعبه. فقد كان هذا هو كُلُّ ما يَكترث به. ونحن نَرى ذلك الشَّغف ظَاهرًا لا في كِرازته وتَعليمه وكتاباته فحسب، بل تحديدًا في حياة الصَّلاة لديه. فعندما تَتصفَّحونَ العهدَ الجديدَ وتقرأون الصَّلواتِ العديدةَ الَّتي صَلاَّها الرَّسولُ بولس، ستلاحظون أنَّها تُركِّز على ذلك الأمر بصورة خاصَّة. فمثلاً، إن رجعنا مَرَّةً أخرى وألقينا نَظرةً على عَددٍ مِن رسائله، سنجد في رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل أنَّه يُصلِّي. فهو يُصلِّي مِن أجل شعبه.
وَهُوَ يقول في العدد 15: "لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِين". بعبارة أخرى، أريد منكم أن تستمرُّوا في النُّموِّ في الحكمة، وفي المعرفة، وفي المحبَّة، وفي القُدرة، وفي الإيمان. فهو يُعبِّر عن اهتمامه العميق بِنُموِّهم.
ونقرأ في الأصحاح الثَّالث مِن الرِّسالة نفسها والعدد 14: "بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي". وما الَّذي تُصلِّي لأجله يا بولس؟ أُصلِّي [في العدد 16] "أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ... وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا". ومَرَّةً أخرى، أودُّ أن ألفتَ أنظاركم إلى أنَّ التَّركيزَ في صلواته يَنْصَبُّ على نُموِّهِم الرُّوحيِّ، وتَقدُّمِهم الرُّوحيِّ، وقُوَّتِهم وقُدرتِهم الرُّوحيَّة.
وعندما يكتب إلى أهل كولوسي فإنَّهُ يُصلِّي لأجلهم قائلاً: "لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ... مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ" [كولوسي 1: 10]. وَهُوَ يُضيفُ قائلاً: "وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ، مُتَقَوِّينَ بِكُلِّ قُوَّةٍ بِحَسَبِ قُدْرَةِ مَجْدِهِ، لِكُلِّ صَبْرٍ وَطُولِ أَنَاةٍ بِفَرَحٍ، شَاكِرِينَ الآبَ". النُّموُّ الرُّوحيُّ، والنُّضجُ الرُّوحيُّ، والتَّقدُّمُ الرُّوحيُّ. وعندما يَكتب إلى أهل تسالونيكي فإنَّه يقول: "نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا". ولا شَكَّ في أنَّ الشَّغفَ في صلواتِه كان يَتركَّز على النُّموِّ في حياتهم الرُّوحيَّة.
ونجدُ الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالته إلى تيموثاوس إذ نقرأ في رسالته الثانية إلى تيموثاوس 1: 3: "إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ... بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ، كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلاً وَنَهَارًا". ولا شَكَّ في أنَّه كان يُصلِّي مِن أجل قُوَّة تيموثاوس الرُّوحيَّة. وَهُوَ يقول في تلك الرِّسالة الصَّغيرة إلى فِليمون والعدد 4: "أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي، سَامِعًا بِمَحَبَّتِكَ، وَالإِيمَانِ الَّذِي لَكَ نَحْوَ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَلِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً". فهو يُصلِّي لأجل تَقدُّمهم الرُّوحيِّ. فقد كان هذا هو شَغَفُه. وقد كان هذا هو ما يَشغل تفكيره. ونحن نجد ذلك الشَّغف في مُستهلِّ كلِّ تلك الرَّسائل.
ولا يوجد فَرق هنا في رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل إذ إنَّه يُقدِّم إليهم التَّحيَّة الافتتاحيَّة في الأعداد الثَّمانية الأولى ويقول لهم إنَّه يُصلِّي لأجلهم في العدد 4: "دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي...بفرح". وهو يُخبرهم الآن بِفَحوى صلاتِه تلك. وفَحوى تلك الصَّلاة هو لأجل احتياجاتهم الرُّوحيَّة. فلا يمكننا العثور على أمثلة تُبِّين أنَّه صَلَّى لأجل احتياجاتٍ جسديَّة، أو لأجل نَجاح الكنيسة وبركتها عَامَّةً. فهو يَربط الصَّلوات مباشرةً بالحاجة الرُّوحيَّة. فقد كان هذا هو شَغَفُه، وكان هذا هو ما يَشغل فِكره دائمًا. وأودُّ أن ألفت أنظاركم إلى نُقطة (وسوف أعود إليها بعد دقيقة أو دقيقتين)، وهي أنَّه لا يوجد شيء يُبَيِّن الحياة الرُّوحيَّة الحقيقيَّة للإنسان أكثر مِن طبيعة حياة الصَّلاة لديه. وقد كان بولس عاكِفًا على الصَّلاة بسبب عمل روح الله العظيم في قلبه. انظروا إلى الطَّريقة الَّتي يَبتدئ فيها العدد 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ" – "وَهذَا أُصَلِّيهِ".
والآن، اسمحوا لي أن أقول لكم هنا إنَّني أعتقد أنَّه مِن المُهمِّ لنا أن نُدرك أنَّه يجب علينا أن ننظر إلى الصَّلاة بطريقتين. حسنًا؟ الأولى، أنا أُقِرُّ بأنَّ الصَّلاة واجب. فهي واجب. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في رسالة فيلبِّي 4: 6: "فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله". فهي واجب. فهي شيء مَفروض علينا كمسؤوليَّة روحيَّة. ونقرأ في رسالة رومية 12: 12 إنَّه يجب علينا أن نُواظِب على الصَّلاة. ونقرأ في إنجيل لوقا 18: 1 أنَّ يسوعَ قال: "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ". ونقرأ في رسالة بطرس الأولى 4: 7 أنَّه ينبغي لنا أن نُصلِّي بحرارة بعضُنا لبعض كتعبيرٍ عن محبَّتنا الَّتي هي مَحبَّة حارَّة. لذا، لا جِدالَ في أنَّ الكتاب المقدَّس يُعلِّمنا أنَّه يجب علينا أن نُصلِّي. فهناك واجب يُحَتِّم علينا أن نُصلِّي.
ولكن يوجد شيء أعمق بكثير مِن ذلك ينبغي أن يَسير جنبًا إلى جنب مع ذلك الواجب وَهُوَ أنَّه يجب علينا أن ننظر إلى الصَّلاة لا فقط على أنَّها واجب، بل أيضًا على أنَّها شَيءٌ مُلِحٌّ .... شَيءٌ مُلِحٌّ. والحقيقة هي أنَّه لا توجد سوى آيات قليلة جدًّا تُوصينا مباشرةً أن نُصلِّي، ولكن توجد آيات كثيرة تُخبرنا كيف نُصلِّي. فقد قال يسوع: "عندما تُصَلُّونَ، صَلُّوا هكذا". وقد قال بولس: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَة". فهناك وصايا كثيرة مُوجَّهة إلينا بخصوص كيف ينبغي أن نُصلِّي، ومَتى ينبغي أن نُصلِّي إذ يَنبغي أن نُصلِّي بلا انقطاع. ولكنَّ الصَّلاة هي ليست واجبًا فحسب، بل هي أيضًا إلحَاح. وهذا يعني أنَّها لا تَنشأ فقط بسبب مَطلبٍ خارجيٍّ، بل إنَّها تنشأ أيضًا بسبب عاطفة داخليَّة. والحقيقة هي أنَّ أعمق أشواق القلب المُمتلئ بالرُّوح تَتدفَّق مِن خلال الصَّلاة. ونحن نَرى ذلك الإلحاحَ في كلِّ الكتاب المقدَّس. ففي سِفْر المزامير، يُقدِّم لنا المزمور 55 جُملةً قالها المُرنِّم يقول فيها لله: "اِصْغَ يَا اَللهُ إِلَى صَلاَتِي، وَلاَ تَتَغَاضَ عَنْ تَضَرُّعِي. اسْتَمِعْ لِي وَاسْتَجِبْ لِي". بعبارة أخرى، لا يوجد أحد هنا يُوصيه بأن يُصلِّي، ولكنَّه مَحْصورٌ بأن يُصلِّي. وَهُوَ يَصرخ راجيًا أن يَسمع اللهُ الصَّلاة الَّتي يُلِحُّ قلبُهُ عليهِ أن يَرفعها.
ونقرأ في المزمور 61: 1: "اِسْمَعْ يَا اَللهُ صُرَاخِي، وَاصْغَ إِلَى صَلاَتِي. مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ أَدْعُوكَ إِذَا غُشِيَ عَلَى قَلْبِي". ونَرى مَرَّةً أخرى أنَّ الصَّلاة هي إلحَاح. وفي ذلك المزمور المئة والتَّاسع عشر الرَّائع، والعدد 58، نَقرأُ كلماتِ المُرنِّم: "تَرَضَّيْتُ وَجْهَكَ بِكُلِّ قَلْبِي". وَهُوَ يقول في العدد 145: "صَرَخْتُ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. اسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ". لِذا فإنَّ الصَّلاة إلحَاح. فهي تُشبه التَّنَفُّس. فأنت لست بحاجة إلى مَن يُوصيكَ بأن تَتنفَّس. فضغطُ الهواء النَّاشئ على رِئتيك يُرغمك على التَّنفُّس. والمؤمن يعيش في نوعٍ مِن ضغط الصَّلاة الَّذي يَجعل الصَّلاة استجابةً طبيعيَّةً لبيئته.
وفي العهد الجديد، نجد نفس الشَّيء. ففي سِفْر أعمالِ الرُّسُل 9: 11 (في اعتقادي)، نَقرأُ عن شاولَ الطَّرسوسيَّ: "فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ [أي: لِحَنانِيَّا]: قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ. لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي". فبعدَ اهتدائه مباشرةً، لا أعتقد أنَّ أيَّ أحدٍ أوصاهُ بأن يُصلِّي، بل أعتقد أنَّه كان يُصلِّي بدافع الإلحاح في قلبه. وفي رسالة رومية 8: 15 ورسالة غلاطيَّة 4: 6، نقرأ أنَّ الرُّوحَ السَّاكِن فينا هو الَّذي يَجعلنا نَصرُخ: "يَا أَبَا الآب" إذ نَصْرُخ مُصَلِّين إلى الله. ونقرأ في رسالة تسالونيكي الأولى 3: 10: "طَالِبِينَ لَيْلاً وَنَهَارًا أَوْفَرَ طَلَبٍ، أَنْ نَرَى وُجُوهَكُمْ". فكيف يُعقَل أن تُصلِّي ليلاً ونهارًا؟ كيفَ يُعقَل أن تُصلِّي ليلاً ونهارًا بحرارة؟ فقط عندما يكون هناك إلحاحٌ داخليّ. وفي رسالة تيموثاوس الأولى 5: 5، يقولُ بولس: "وَهِيَ تُواظِبُ الطِّلِبَاتِ وَالصَّلَوَاتِ لَيْلاً وَنَهَارًا".
والآن، إنَّ ما أقوله لكم هو حقيقة بسيطة جدًّا، ولكنَّها حقيقة ينبغي أن تَفهموها. فالصَّلاة واجب مِن جهة؛ ونحن لا نُنكر ذلك. ولكِن مِن جهة أخرى، الصَّلاة إلحاحٌ. فالصَّلاة هي شيءٌ يُلِحُّ علينا مِن أعماقِنا. وقد تقول: "ومِن أين يأتي هذا الإلحاح"؟ إنَّه يَنشأ مِن روح الله. إنَّه يَنشأ مِن الرُّوحِ القُدُس السَّاكِن فينا. والآن، استمعوا جيِّدًا لأنَّ هذا الأمر شيءٌ ينبغي أن تَفهموه. إنَّ مِقياسَ النُّضجِ الرُّوحيِّ للإنسان – افهموا هذه النُّقطة – إنَّ مِقياسَ النُّضجِ الرُّوحيِّ للإنسان لا يُقاسُ بمدى انصياعِه للوصيَّة المُختصَّة بالصَّلاة، بل بمدى الإلحاح الدَّاخليِّ الَّذي يَدفعه إلى الصَّلاة لِمُجرَّد أنَّ مشاعره تُجاه الآخرين في ملكوت الله قويَّة جدًّا. وهذا أمرٌ أساسيّ. فيجب أن نَشعُر بالإلحاحِ مِن الدَّاخل.
واسمحوا لي أن أقول هذا لكم بطريقة أخرى بسيطة: إنَّ أعمق أشواقِ قلبك ستَتَجلَّى في صَلواتِك. لِذا، إذا نَظرتَ إلى صلواتك فوجدتَ أنَّها جميعها تَتمحور حولك، وحول حاجاتِك، ومشاكلك، وطلباتك، وصراعاتك، اعلَم أنَّ هذا هو شَوقُ قلبك. أمَّا إن كنتَ تُصلِّي في أوقاتٍ مُتباعدة، وبإيجازٍ شديد، وصلواتٍ ضَحلة جدًّا، فإنَّ ذلك يعني أنَّ قلبكَ بارد لأنَّ الصَّلاة إلحاح. وسوف أقول لكم شيئًا بسيطًا جدًّا: كُلُّ الدَّعواتِ إلى واجب الصَّلاة لا تستطيعُ أن تَتغلَّب على قلبٍ بارد. فهي لا تستطيع ذلك. كُلُّ الدَّعواتِ إلى واجب الصَّلاة لا تستطيعُ أن تَتغلَّب على قلبٍ بارد. لِذا، إن لم تكن تُصلِّي فإنَّ الأمر ليسَ عِصيانًا فحسب، بل إنَّك أنانيٌّ وقَلبُك بارد.
وإن نظرتم إلى الرُّسُل في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 6: 4، تَقرأون: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى خِدْمَةِ الْكَلِمَةِ والصَّلاة"، أو حَرفيًّا بالعَكس: "عَلى الصَّلاةِ وخِدمةِ الكَلِمَة". فقد كان ذلك إلحاحًا. فقد كان هناك شيءٌ يُلِحُّ عليهم بأن يُعلِّموا كلمة الله. وكان هناك شيءٌ يُلِحُّ عليهم بأن يُصلُّوا. فهذه دِيناميكيَّة تَعمل في المؤمن. وقد كان بولس يَمتلك تلك الدِّيناميكيَّة. وما هذه سِوى مُقدِّمة وحسب، ولكنَّ بولس كان يَشعر بذلك الإلحاح. فقد كان يوجد في أعماقه شيء هو تحديدًا: عمل رُوح الله. فقد كان خاضعًا تمامًا للرُّوح، ونَقيًّا جدًّا في حياته حتَّى إنَّ نَبضات الرُّوح في قلبه كانت تُعطيه شَغفًا يَدفعه إلى الصَّلاةِ مِن أجل النَّاس. فقد كان يُصلِّي ليلاً ونهارًا – ليلاً ونهارًا... يُصلِّي بلا انقطاع، وفي كلِّ الأوقات، وفي كلِّ المُناسبات؛ لا لأنَّه كان يحاول القيام بواجب مِثل الفِرِّيسيِّين، بل لأنَّ قلبَه كان يُلِحُّ عليه أن يَفعل ذلك مِن أعماق كِيانه.
والآن، ما الشَّكل الَّذي كانت تأخُذُه صَلاتُه؟ ما هي طبيعة صلاته؟ لننظر إليها في الأعداد 9-11. فعندما كان يُصلِّي لأجل التَّقدُّم الروحيِّ لشعبه (وأُذكِّركم مَرَّةً أخرى بأنَّ هذا هو واجب القائد أو الرَّاعي – أن يُصلِّي لأجل التَّقدُّم الرُّوحيِّ لرعيَّته)، عندما كان يُصلِّي لأجلهم، ما الأمور الَّتي كانت على قلبه؟ نجد هنا خمسة أمور يُصلِّي لأجلها: المحبَّة، والتَّمييز، والاستقامة، والأعمال الصَّالحة، والمجد. فهو يُصلِّي مِن أجل حصولهم وحصولِنا على هذه الأشياء. والآن، نحن لن نَصِل يومًا إلى المحبَّة الكاملة، أو التَّمييز الكامل، أو الاستقامة الكاملة، أو الأعمال الصَّالحة الكاملة، أو تمجيدِ اللهِ تَمجيدًا كاملاً؛ ولكنَّ هذا هو ما نَسعى إليه في حياتِنا. لذا فإنَّه يُقدِّم لنا هذه الأمور الخمسة الَّتي هي مُقوِّمات الحياة الرُّوحيَّة أو مُقوِّمات التَّقوى.
والآن، أريد منكم أن تُلاحظوا بعينِ أذهانكم (ونحنُ لن نَدرسها جميعَها اليوم، بل سننظر فقط إلى النُّقطة الأولى لأنَّها مُهمَّة جدًّا)، ولكنِّي أريد منكم أن تُلاحظوا أنَّها مُتعاقبة. فالمحبَّة تُنشِئُ تَمييزًا، وهذا يُنشِئُ استقامةً، وهذهِ تُنشئُ أعمالاً صالحةً، وهذه تُنشئُ تَمجيدًا. فكلٌّ منها يَضَعُ الأساسَ لِلَّذي يَليه. وإن أردتم طريقةً لحِفظها في أذهانكم، فإنَّها مُقوِّماتُ الصِّحَّة الرُّوحيَّة السَّليمة. حسنًا؟ مُقوِّماتُ التَّقوى، أوِ التَّمَثُّلِ بالمسيح، أوِ النُّموِّ الروحيِّ، أوِ الصِّحَّة الروحيَّةِ، أو أيِ مُسَمّى آخر يُساعدكم في استيعاب الفكرة. والآن تَذكَّروا أنَّ بولس كان يُكِنُّ مَحبَّةً شديدةً لمؤمني فيلبِّي. فهو يقول: "أنا حافِظُكم في قلبي. أنتُم أعِزَّاء لديَّ. أنتُم غَالينَ عندي. وبدافعِ تلك المحبَّة فإنِّي أُصلِّي لأجلكم". فقد كان يَهتمُّ جدًّا بهؤلاء الأشخاص الَّذينَ خَدموه في فترة سِجنه، وفي مُحاكمته، والَّذين أظهروا له حُبًّا جَمًّا ولُطفًا شديدًا في العديد مِن المناسبات المختلفة. لذا فإنَّ صلاته لأجلهم تَنطوي على خمسة مُقوِّمات رئيسيَّة ينبغي لهم أن يَهتمُّوا بها إن أرادوا أن يكونوا كُلَّ ما يريد اللهُ منهم أن يكونوا عليه.
ولننظُر إلى النُّقطة الأولى. وهي نُقطة أساسيَّة... أساسيَّة جدًّا جدًّا: المحبَّة. فنحن نقرأ في العدد 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ [الحقيقيَّة] وَفِي كُلِّ فَهْمٍ". والآن، نحن لا نَتعجَّب مِن أنَّ بولس يَتحدَّث عن المحبَّة في البداية، ولكن رُبَّما تَتعجَّبون قليلاً مِمَّا سأقوله عن المحبَّة. فموضوعُ المحبَّة مَعروف تمامًا لدينا، وكان مَعروفًا بكلِّ تأكيد في الكثير مِمَّا كَتَبَهُ بولس. ففي افتتاحيَّته لرسالة أفسُس، يَتحدَّث عن المحبَّة. وفي افتتاحيَّته لرسالة كولوسي، يَتحدَّث عن المحبَّة. وفي افتتاحيَّته لرسالة تسالونيكي الأولى، يَتحدَّث عن المحبَّة. وفي افتتاحيَّته لرسالة تسالونيكي الثَّانية، يَتحدَّث عن المحبَّة. وفي الكثير مِن المواضِع الأخرى، يَتحدَّث عن المحبَّة.
وفي هذه الافتتاحيَّات في رسائله، غالبًا ما يَربط المحبَّة بشيئين آخرين: الإيمان وماذا؟ الرَّجاء - كَما يفعل في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13 إذ يقول: "أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ [ماذا؟] الْمَحَبَّةُ". فقد كانت هناك الكثير مِن الفضائل الروحيَّة العظيمة. فالإيمانُ واحدة منها، والرَّجاءُ واحدة منها، ولكنَّ الفضيلة الأعظم هي المحبَّة. لذا، بسبب تأكيده على أنَّ المحبَّة هي أعظم شيء، فإنَّنا لا نَتعجَّب مِن وجود المحبَّة في قمَّة لائحة الصَّلاة لديه لأجل الأشخاص الَّذينَ يَنمون في المسيح لكي يَنضجوا رُوحيًّا.
وأودُّ فقط أن أُشير إلى أنَّه يقول في رسالة كولوسي 3: 14 إنَّ المحبَّة هي رِباطُ الوَحدة. فالمحبَّة هي ذلك الرِّباطُ الفريدُ الَّذي يَربطنا بعضُنا ببعض. وهو يقول في رسالة كورنثوس الأولى 13: 7 إنَّ المَحبَّة: "تُصَدِّقُ كُلَّ شَيْء"، وإنَّ المحبَّة "تَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ". وهذا يعني أنَّ الإيمان والرَّجاء يَتجسَّدان في المحبَّة. لِذا فإنَّ المحبَّة هي الأعظم. فهي الفضيلة الأسمَى. وهي العامل الأهمُّ في الحياة الروحيَّة. هل فَهمتم ذلك؟ لأنَّه بِغَضِّ النَّظر عَمَّا تفعله (كما جاء في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13)، وبِغَضِّ النَّظر عَمَّا تَعرفه، وبِغَضِّ النَّظر عن تَضحياتك (حتَّى لو سَلَّمتَ جسدكَ حَتَّى يَحترق)، إن لم تكن مُحبًّا فإنَّك ماذا؟ لا شيء – لا شيء البتَّة. وهذا كلامٌ مُباشرٌ جدًّا جدًّا. فأعظمُ فضيلة في الحياة الروحيَّة هي المحبَّة. ولا أعتقد أنَّه يتحدَّث هنا تحديدًا عن محبَّتنا لله، مع أنَّها بكلِّ تأكيد مَشمولة، ولكنَّه يُركِّز هنا على محبَّتنا بعضُنا لبعض؛ وهي نفس تلك المحبَّة الَّتي يَذكرها في الأصحاح الثَّاني والعدد الثَّاني: "وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا". فأعظم صِفة يَمتلكها المؤمن هي المحبَّة. والآن، لنتحدَّث عن هذه المحبَّة في هذه الآية المُنفردة. فهي عميقة جدًّا، بل شديدة العُمق. فهو يُقدِّم لنا العديدَ مِن العوامل المُختصَّة بهذه النُّقطة الأساسيَّة الأولى. فيجب علينا أن نُحِبَّ. وَهُوَ يُعرِّف المحبَّة لنا بطريقة مُميَّزة جدًّا جدًّا جدًّا.
أوَّلاً، سوف أُقدِّم لكم مجموعةً مِن الأوصاف الَّتي يمكنكم أن تُدوِّنوها. فهي مَحبَّة "إلهيَّة". فهو يتحدَّث هنا عن محبَّة إلهيَّة؟ وكيف نَعلمُ ذلك؟ نقرأ في العدد 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ". والآن، إنَّه يَسألُ اللهَ أن تَزدادَ هذه المحبَّة. لذا، يمكننا أن نَستنتج أنَّ اللهَ هو مَصدرُها. لذا فإنَّنا نقول إنَّها محبَّة إلهيَّة. فلا بُدَّ أنَّها محبَّة إلهيَّة؛ وإلاَّ لما صَلَّى إلى الله كي يُعطيها. ونقرأ في رسالة رومية 5: 5: "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا". وفي رسالة غلاطيَّة والأصحاح الخامس: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ...". وكلُّ شيءٍ آخر يَنْبَثِق مِن المحبَّة: "فَرَحٌ، سَلاَمٌ، ... لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ". ولكنَّها هِبَة مِن الله. ونحن نُحبُّه لأنَّه ماذا؟ أحَبَّنا أوَّلاً. ونحن نَمتلك القدرة على أن نُحِبَّ لأنَّه أعطانا إيَّاها.
لِذا فإنَّ الصَّلاة هنا تَنطوي على الحقِّ العظيمِ القائل إنَّ الله هو مَصدر المحبَّة. فنحن نتحدَّث، يا أحبَّائي، عن مَحبَّةٍ إلهيَّة؛ لا عن محبَّة بشريَّة. فنحن لا نَتحدَّث عن نوعٍ مِن الانجذاب إلى شيء. ونحن لا نتحدَّث عن تأثُّرٍ عاطفيٍّ. ونحن لا نتحدَّث عن إحساس. ونحن لا نتحدَّث عن شعور، بل إنَّنا نتحدَّث عن فضيلة إلهيَّة يُعطيها الله. وهي ليست خالية مِن المشاعر، وليست خالية مِن العاطفة؛ ولكنَّ ذلك لا يَصلُح تعريفًا لها كما سنَرى. لذا فإنَّ ما يَدعو إليه هو المحبَّة الإلهيَّة.
وقد صارت تلك المحبَّة الإلهيَّة معروفة لأنَّها ليست نابعة مِن انجذابٍ قائمٍ على المشاعر. فهي ليست كذلك. فالله لم يُحِبَّنا بسبب جاذبيَّتِنا الشَّديدة. فهذه ليست النُّقطة المقصودة البتَّة. يجب عليكم أن تُدركوا إذًا أنَّ ما يُصلِّي لأجله هو شيءٌ إلهيّ. فهو لا يَطلب منكم أن تُضرِموا نارَ محبَّتكم البشريَّة، ولا يَطلب مِن مؤمني فيلبِّي أن يحاولوا أن يُضرِموا مزيدًا مِن العاطفة، أو مَزيدًا مِن المشاعر، أو أن يُظهروا رَهافةَ حِسٍّ أكبر للنَّاس على المستوى البشريّ. فهذه ليست الفكرة البتَّة. بل إنَّه يَسأل الله أن يُعطيهم المزيد والمزيد مِن المحبَّة مِن عنده هو. فهي محبَّة إلهيَّة مِن ذات نوع المحبَّة الموجودة لدى الله والموجودة لدى المسيح.
وهناك صِفة ثانية أودُّ أن أَذكرها لكم في هذه اللاَّئحة الصَّغيرة وهي: "حَقيقيَّة". فهي محبَّة حقيقيَّة. وما الَّذي نعنيه بذلك؟ لاحظوا مَرَّةً أخرى العدد 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ". فحقيقة أنَّه يقول "أن تَزداد مَحبَّتُكم" تُشير إلى أنَّهم كانوا مُحِبِّين أصلاً. وهو يَدعو إلى تعبيرٍ أعظم عن تلك المحبَّة. فصيغة كلماته تُشير إلى أنَّهم كانوا يَملكون قَدرًا مُعيَّنا مِن المحبَّة. فقد كانت لديهم محبَّة إلهيَّة (كما قلتُ) إذ نقرأ في رسالة رومية 5: 5: "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا". فهي موجودة. والمسألةُ لا تَختصُّ بالحصول عليها، بل تَختصُّ برؤية الله يَزيدها. فكلُّ مؤمنٍ يَمتلك مَحبَّةً إلهيَّةً. فهذه حقيقة. فهي موجودة. وهي حاضرة. وهي أمرٌ بَديهيّ.
استمعوا إلى رسالة يوحنَّا الأولى 3: 14: "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ". فالأمرُ بسيطٌ جدًّا. فكيف تَعلم أنَّك مؤمن؟ مِن خلال محبَّتِك لإخوتك في المسيح. "مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ. كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ...". فإن كنتَ تُحبُّ، ستكون لك الحياة الأبديَّة. وإن لم تكن تُحبُّ، لن تكون لك الحياة الأبديَّة. وَهُوَ لا يتحدَّث عن المحبَّة البشريَّة، بل يتحدَّث عن المحبَّة الإلهيَّة. فهي حقيقيَّة، وهي موجودة. فهي موجودة في حياتك. والأمرُ لا يَعني أن تَطلبَها قائلاً: "أنا لا أَملكُ أيَّة محبَّة يا رَبّ. أعطِني شَيئًا منها"، بل ينبغي أن تكون صَلاتُكَ [ببساطة]: "أعطِني المزيد...أعطِني مِقدارًا أكبر أو نَصيبًا أكثر مِن المحبَّة الموجودة أصلاً لديَّ".
وأقول لكم مَرَّةً أخرى إنَّ هذه هي أعظم فضيلة في الكنيسة. فنحن نقرأ في إنجيل يوحنَّا 13: 34 و 35: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ [ماذا؟] حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ". فهي أعظم شهادة نُقدِّمها إلى العالم بأن يُحبَّ بعضُنا بعضًا. أمَّا إن لم نكن نُحِبُّ بعضُنا بعضًا فإنَّنا في مُشكلة حقيقيَّة. والحقيقة هي أنَّ اللاَّهوتيَّ الألمانيَّ "راينولد نيبور" (Reinhold Niebuhr) قال ذات مَرَّة إنَّ الكنيسة تُذكِّرُه بالفُلْك. فلا يُمكنك أن تَحتمل الرَّائحة الكَريهة في الدَّاخل لولا العاصفة في الخارج. ولكن يجب على الكنيسة أن تكون أفضل مِن مُجرَّد الخِيار الأفضل مِن خِيارَيْنِ سَيِّئَيْنِ أصلاً. فإن كانت هناك رائحة كَريهة في الدَّاخل أفضل قليلاً مِن العاصفة في الخارج فإنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّ الكنيسة لم تَعُد تُدرك حقيقة أنَّها بحاجة إلى المحبَّة.
لِذا فإنَّ صلاة بولس تُشير إلى أنَّه يتحدَّث عن محبَّة إلهيَّة (أي أن يكون الله هو مَصدَرُها)، وعن محبَّة حقيقيَّة. ونحن نَمتلك مقدارًا مِن تلك المحبَّة فينا. ثالثًا: مَحبَّة "جازِمَة" – مَحبَّة جازِمَة. وأنا أقول ذلك وفقًا للَّفظة المُستخدمة للإشارة إلى المحبَّة في العدد 9. فهي اللَّفظة "أغابي" (agape)؛ وهي تُشير إلى أعلى وأسمى نوعٍ مِن المحبَّة... اسمعوني جيِّدًا... وهي محبَّة نابعة مِن الاختيار، أو مَحبَّة نابعة مِن الإرادة. فهي ليست مُنساقة وراء المحبوب، وهي ليست اندفاعًا، وليست عاطفةً، وليست شعورًا، وليست مُنجرفة وراء شيءٍ ما بسبب جماله أو جاذبيَّته. فهذه هي محبَّة العالَم. فالعالَم يقول: "أنا أُحبُّك لأنَّك تَفعل شيئًا مِن أجلي". والعالَم يقول: "أنا أُحبُّك لأنِّي أشعر بشيءٍ ما مِن نحوِك". ولكنَّ هذه ليست مَحبَّة اختياريَّة، بل هي محبَّة مُنجرفة. وهي ليست محبَّة نابعة مِن الإرادة. والحقيقة هي أنَّ النَّاس يقولون: "لقد وَقعتُ في الحُبِّ وخَرجَ الأمرُ عن سيطرتي". فهناك شخص يأتي إلى البيت ويقول لزوجته: "سوف أُطَلِّقُكِ". لماذا؟ لماذا؟ "لقد خَرجَ الأمرُ عن سَيطرتي. فقد وقعتُ في الحُبّ".
ولكنَّ هذه ليست مَحبَّة إلهيَّة. فالمحبَّة الإلهيَّة تستطيعُ أن تَضبُطَ نَفسَها. والمحبَّة الإلهيَّة هي محبَّة نابعة مِن الإرادة. وهي مَحبَّة اختياريَّة. وهي محبَّة جازمة. "لأنَّهُ هكذا أَحبَّ اللهُ العالَم". وهو لم يفعل ذلك بسبب جاذبيَّتنا الشَّديدة حتَّى إنَّ عواطفه خَرجت عن السَّيطرة فوقعَ في حُبِّنا جميعًا. فهذه فكرة غريبة. فالفكرة ليست كذلك، بل إنَّها محبَّة اختياريَّة، ومحبَّة نابعة مِن الإرادة. وهي تقول: "سوف أُحبُّكَ سواء كنتَ صديقي أو عَدُوِّي. سوف أُحبُّكَ سواء كنتَ صالحًا أو شِرِّيرًا. سوف أُحبُّكَ سواء كان بمقدورك أن تُعطيني شيئًا ما أو أن تأخذَ مِنِّي كلَّ شيء. سوف أُحبُّك". وقد عَرَّفَ يسوعُ المحبَّة حين قال: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ".
إنَّها مَحبَّة مُضحِّية. وهي مَحبَّة اختياريَّة. فهي المحبَّة الَّتي تختار أن تُحبَّ الأشخاص الَّذينَ مِن الصَّعب أن يُحَبُّوا، والأشخاص غير الرَّائعين. فهي اختياريَّة. ويجب عليك أن تَختار تلك المحبَّة المَرَّة تلو المَرَّة. فلطالما قلتُ لنفسي مَرَّاتٍ عديدة: "أنا أختار أن أُحبَّ ذلك الشَّخص بِغَضِّ النَّظر عَمَّا قد يفعله. وأنا أختار أن أُحبَّ ذلك الشَّخص بِغَضِّ النَّظر عَمَّا قد يقوله. وأنا أختار أن أُحبَّ ذلك الشَّخص بِغَضِّ النَّظر عنِ الأذى الَّذي قد يُلحِقُه بي". إنَّها محبَّة اختياريَّة. وهي مَحبَّة تُعَبِّرُ عن ذاتِها مِن خلالِ سَدِّ حاجة، والقيامِ بعملٍ لطيف، والعناية بشخصٍ ما بطريقة عمليَّة، وخدمة الآخرين باتِّضاع. فهذا هو نوع هذه المحبَّة. فهي ليست محبَّة نابعة مِن المشاعر، بل هي محبَّة عمليَّة. وهي ليست قائمة على العاطفة، مع أنَّ العاطفة موجودة.
فإن قرأتم رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13 (وهو أعظم أصحاحٌ في الكتاب المقدَّس عن المحبَّة)، تجدون وَصفًا للمحبَّة. وهو يقول: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". وكلُّ كلمة مِن هذه الكلمات هي فِعلٌ في اللُّغة اليونانيَّة. فالمحبَّة فِعْل. فالمحبَّة هي سِلسلة مِن الأفعال. فهي ليست موقفًا ساكِنًا. إنَّها شيءٌ تَفعلُه، وليست شيئًا تَشعر به. وهي شيءٌ تقولُه، وليست شيئًا تُفكِّر فيه. فهي فِعل. إنَّها تلك المحبَّة الَّتي تَتدفَّق لكي تَسُدَّ احتياجًا.
وقد قال يسوع: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". وقد جاءَ السُّؤال: "مَن هو قَريبي؟" وقد سَرَدَ يسوعُ قصَّةً عن رَجُلٍ كانَ مَطروحًا أرضًا ولديه حاجة. وقد قال: "هذا هو قريبُك. إنَّه أيُّ شخصٍ تَراهُ مُحتاجًا". وهذه هي المحبَّة النَّابعة مِن الإرادة. وهذه هي الشَّخصيَّة الَّتي تقول: "بِغَضِّ النَّظر عَمَّا تفعله، وعَمَّن تكون، سوف أخدمك بكلِّ تضحية لأجل خيرك وبَركتك". ويا أحبَّائي، لن تتمكَّن الكنيسةُ مِن النَّجاة مِن دون هذه المحبَّة. فيجب أن تكون هذه المحبَّة هي صِفَتُنا البارزة. وكما تَرون، فإنَّها مُختلفة جدًّا عن محبَّة العالَم. فمحبَّةُ العالَم هي محبَّة قائمة تمامًا على المشاعر، ومحبَّة نابعة تمامًا مِن انجذابٍ عاطفيّ. ولكنَّها لا تعرف شيئًا عن المحبَّة النَّابعة مِن الإرادة. فحتَّى في أَسْمَى معانيها الإنسانيَّة، فإنَّها تَلعبُ على المشاعر.
فمثلاً، عندما يُريدون منك أن تُرسل مالاً إلى مَجموعةٍ مِن دُور الأيتام أو إلى أُناسٍ فُقراء في جُزءٍ مِن العالَم فإنَّهم يُصَوِّرونَ أطفالاً يَظهرُ الحُزن في أعيُنهم. لماذا؟ لأنَّهم يريدون أن يَلمَسوا مشاعرك لا عَقلَك، ولأنَّ كلَّ ما تَعرفه تلك المحبَّة البشريَّة هو التَّجاوب مع المشاعر. ولكنَّ الله أعطانا مَحَبَّة "أغابي" جازمة تَفوق ذلك بما لا يُقاس إذ إنَّها تُحِبُّ شخصًا بَغيضًا وتَسُدُّ حاجاته كما تُحِبُّ طفلاً صغيرًا مسكينًا. فهذه هي المحبَّة الكتابيَّة أو الإلهيَّة. وأنت تَمتلكها في الحقيقة. فهي موجودة فيك مِن خلالِ سُكنَى الرُّوح القُدُس ومحبَّة الله الَّتي انسكبَت في قلبك. وهي تُفَعَّل باختيارِك وبإرادتِك.
وهي أَعظم فضيلة في الحياة المسيحيَّة؛ على أقلِّ تقدير بسبب ما جاء في رسالة رومية 13: 8-10 إذ نقرأ إنَّك إن أحببتَ فإنَّكَ تُكَمِّلُ النَّاموس. أليسَ كذلك؟ فإن أحببتَ فإنَّكَ تُكَمِّلُ النَّاموسَ كُلَّه. وهل ينبغي أن يكون هناك ناموسٌ يقولُ لك "لا تَقتُل" إن كُنتَ تُحبُّ الآخرين؟ فأنتَ لن تَقتُل شخصًا تُحِبُّه. وهل ينبغي أن يكون هناك ناموس يقولُ لكَ "لا تَشْتَهِ"؟ إن كنتَ تُحبُّ النَّاسَ لن تَشْتَهِ ما يَملِكون. ولن تكون بحاجة إلى تَعليق مجموعة مِن الوصايا في بيتك إن كنتَ تُحِبُّ كلَّ شخصٍ موجود فيه لأنَك ستَعمل لأجلهم، ولخيرهم، ولِسَدِّ حاجاتهم. فالمحبَّة تُكَمِّل النَّاموسَ كُلَّهُ (رومية 13: 8). فهي خُلاصةُ كلِّ شيء.
ويا أحبَّائي، إنَّ الوَصيَّة المُعطاة للكنيسة والتَّركيزَ الأكبر في حياة الصَّلاة لدى بولس هو أن تَختبر الكنيسة في فيلبِّي، وكنيستُنا، وجميعُ الكنائسِ الأخرى هذا النَّوعَ مِن المحبَّة الإلهيَّة إذ نَختارُ أن نُحبَّ بعضُنا بعضًا بِغَضِّ النَّظر عَمَّا نَفعله أو لا نَفعله. وقد لَخَّصَ يسوعُ ذلك بقوله: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. ... أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ". أحبُّوا أعداءَكُم... أحبُّوا الأشخاص الَّذينَ لا يُحَبُّون. ما الَّذي تَعنيه بأن نُحِبَّهم؟ أي أن أشعُرَ بشيءٍ مِن نَحوهم؟ لا، بل افعل شيئًا لهم. سُدَّ حاجتهم أيًّا كانت تلك الحاجة. فقد تكون حاجة عاطفيَّة، أو حاجة ماديَّة، أو حاجة روحيَّة، أو حاجة ماليَّة، أو أيًّا كانت. فهذا هو مِفتاح الحياة والنُّموِّ والفاعليَّة في الكنيسة – المحبَّة النَّابعة مِن قَرار؛ أي أن نَختارَ أن نُحِبّ. فهي اختيار. وإن كانت لديك شخصيَّة روحيَّة وعُمقٌ روحيٌّ، سوف تَختارُ أن تُحِبّ. ولكنَّ الحال ليست كذلك في الكنيسة، بل إنَّها حال مُحزنة جدًّا. فإن قال أحدهم شيئًا لا يُعجبكَ فإنَّك تَرُدُّ عليه. وهذا يُؤدِّي إلى تَصَدُّعاتٍ وخلافات. وهذا مُحزِن جدًّا. وهناك أشخاص يِقِفونَ نِدًّا لآخرين. ولكنَّ المحبَّة هي الحَلُّ لكلِّ ذلك.
واسمحوا لي أن أَذكُر لكم كلمةً رابعةً. فالمحبَّة الَّتي يُصلِّي لأجلها بولس هنا هي "ديناميكيَّة". فهي ليست ساكِنة، بل هي ديناميكيَّة. فهو يقول: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ". لقد كانت مَحبَّةً فَيَّاضةً أصلاً، ولكنَّه يريد لها أن تَزدادَ أكثر فأكثر. فلا يجوز أن تبقى ساكِنةً، ولا يجوزُ أن تبقى على حالِها. فهو يقول: "أنا أرى أنَّ مَحبَّتكم فَيَّاضة". وهو يَستخدمُ هنا الكلمة "بيريسيو" (perisseuo) ومعناها: "فَائِضَة" أو "غامِرَة"، أو "مُنهمرة كالشَّلاَّل". فهو يقول: "أنا أرى أنَّ مَحبَّتَكم ديناميكيَّة، وأنَّها نامية، وأنَّها مُتقدِّمة، وأنَّها مُتَّسِعَة، وأنَّها مُتنامية؛ ولكنِّي أريد لها أن تَزدادَ أكثر فأكثر". فهي ديناميكيَّة. فلا يُمكنكَ أن تَرضى بما أنت عليه. وصلاتُه هي أن تَزدادَ مَحبَّتُهم أكثر فأكثر فأكثر مِن خلال الكنيسة.
وبالمناسبة، إنَّ الفعل المُضارع في اللُّغة اليونانيَّة يُشير إلى التَّقدُّم المُستمرّ، وإلى زيادة القدرة مِن أجل ما هو أكثر مِن المقياس العاديِّ للمحبَّة. أُصلِّي أن تَزدادَ مَحبَّتُكم، وتَزداد، وتَزداد، وتَزداد، وتَزداد. والآن، يجب عليكم أن تَعملوا على ذلك. فكما تَرون، أعتقد أنَّ القانون الثَّاني في الدِّيناميكا الحَراريَّة يَعمل في الفضيلة الروحيَّة بقدر ما يعمل في الطَّبيعة. فالقانون الثَّاني يقول إنَّ كلَّ الأشياءِ آخِذة في الانحلال. إنَّه قانون القُصورُ الحَراريُّ. وأعتقد أنَّ هذا لا يَسري فقط عِلميًّا، بل أعتقد أنَّه صحيحٌ أيضًا روحيًّا. فيمكننا أن نَفعل أفضل ما لدينا لكي نُحِبَّ، ولكن إن لم نَبذل جُهدًا في ذلك ونُكَرِّس أنفُسَنا يوميًّا لقوَّة روح الله فإنَّ ديناميكيَّةَ الحُبِّ نفسَها تلك ستَتراجَعُ، وتَتراجَعُ، وتَتراجَعُ، وتَتراجَع. لِذا يجب أن تَتقوَّى باستمرار، وأن تُرعَى وتُعَزَّزَ باستمرار.
إنَّها أَهَمُّ عُنصرٍ في التَّقوى: المحبَّة – المحبَّة. ولا شَكَّ في أنَّ المسيحَ وَضعَ المِعيار. فنحن نقرأ في رسالة أفسُس والأصحاح الرَّابع أنَّه يجب علينا أن نكون لُطَفَاءَ بَعْضُنا نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَنا اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح. ثُمَّ نقرأ في العدد الأوَّل مِن الأصحاح الخامس: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ". فهو يقول: "أحِبُّوا الجميعَ كما أحبَّكُم المسيح". وكيفَ أحبَّكُم المسيح؟ لقد أحبَّكم بأن بَذلَ حياتَهُ ذَبيحةً. أَحِبُّوا مَحبَّةً مُضحِّية - أَحِبُّوا مَحبَّةً مُضحِّية. هل تَذكرون عندما غَسلَ يسوعُ أَرجُلَ التَّلاميذ؟ فقد قال حينئذٍ: "كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". وكيف أَحبَّهُم؟ بأن غَسَلَ أرجُلَهُم المُتَّسِخة. فهي خِدمة مُتواضعة وتَضحية مُتواضعة. فالمسيحُ هو مِثالُنا.
وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ هذه ليست عاطفة وحسب، بل هي محبَّة مُنضبطة جدًّا. ولنتعمَّق أكثر في العدد 9 لنرى هذه الدِّيناميكيَّة في المحبَّة. فهو يقول: "أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ..."، والآن لاحظوا ما يلي: "...فِي الْمَعْرِفَة [الحَقيقيَّة]" (كما تقولُ التَّرجمة الأمريكيَّة الجديدة). "في المَعرفة الحقيقيَّة"؛ أو التَّرجمة الأكثر دِقَّةً: "في المَعرفة الكاملة"، أو التَّرجمة الأدَقّ: "في المعرفة المُتقدِّمة". والآن استمعوا إلى هذه الفكرة: إنَّ المحبَّة ليست عاطفة خارجة عن السَّيطرة. والمحبَّة ليست شعورًا وَقتيًّا طائشًا، بل إنَّها مُرتبطة بالحقِّ المذكور في العدد 9؛ أي أنَّ محبَّتكم يمكن أن تزداد أكثر وأكثر، وأن تَفيضَ أكثر فأكثر في المعرفة الحقيقيَّة. فالشَّيءُ الَّذي يُغَلِّفُ المحبَّة ويُشَكِّلُها هو المعرفة الحقيقيَّة ("إيبيغنوسيز" – “epignosis”)؛ أي: المعرفة المُتقدِّمة، أو المعرفة الحقيقيَّة، أو المعرفة الحَقَّة، أو المعرفة الكاملة. بماذا؟ بالإعلانِ الإلهيِّ، أو بالحقِّ الإلهيِّ، أو بالكتابِ المُقدَّس.
لِذا، لِتَكُن محبَّتُكم خاضعة للكتاب المقدَّس. وهذه قاعدة أساسيَّة جدًّا. فالمحبَّة ليست عاطفةً خارجة عن السَّيطرة، بل هي خاضعة للحَقّ؛ أي المحبَّة المسيحيَّة. فلا يمكنك أن تقول: "لقد حاولتُ أن أُحبَّهم ولكنَّهم ليسوا لُطفاء البَتَّة معي ولا يُمكنني أن أحتملَهم". فلا يَحِقُّ لكَ أن تفعل ذلك لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ: "أحِبُّوا أعداءَكم". لذا فإنَّ مَحبَّتك تَخضع لقوانين الكتاب المقدَّس. فقد سَمعتُ امرأةً تقول في هذا الأسبوع... أو في الحقيقة أنا لم أسمعها تقول ذلك، بل سمعتُ شخصًا قال إنَّها قالت ذلك. فقد قالت: "أنا على علاقةٍ جِنسيَّةٍ بِرَجُل، ولكنَّها مشيئةُ اللهِ لأنَّه هو الَّذي أعطانا الحُبَّ". كَلاَّ! فهو لم يُعطيكُما هذا الحُبَّ. فمحبَّتُه تَخضعُ للحقِّ. والحقُّ يقول إنَّه لا يمكنكما أن تَزنِيا.
فالحُبُّ ليس عاطفةً خارجة عن السَّيطرة. فالنَّاس يقولون: "لقد وَقعتُ في الحُبِّ ولم أتمكَّن مِن مَنْعِ ذلك. لم أتمكَّن وحسب مِن مَنْعِ ذلك. فقد وقعتُ في الحُبِّ وفَقدتُ السَّيطرة تمامًا". هذا هو نوعُ الحُبِّ الَّذي يَعرفُه عالَمُنا. فالأمرُ خارجٌ تمامًا عن سَيطرتهم... خارجٌ تمامًا عن سَيطرتهم. وَهُم يقولون: "إنَّهُ الحُبّ! وعندما تَقَعُ في الحُبِّ فإنَّك تَفقد السَّيطرة". هذا صحيح عندما نَتحدَّث عن الحُبِّ البشريِّ. فهو خارجٌ تمامًا عن السَّيطرة. وَهُوَ قائمٌ تمامًا على العاطفة، وقائمٌ تمامًا على المشاعر، وقائمٌ تمامًا على الانجذابِ العاطفيِّ، ولكن لا صِلة له البتَّة بالمحبَّة الكتابيَّة الَّتي تَخضع للحقِّ وتَحتَكِمُ إليه. ولا عَجَبَ في أنَّ جميعَ مَن في العالَم فاقِدون السَّيطرة لأنَّهم لا يَعرفون شيئًا آخر سوى تَعريفَهم الشخصيَّ للمحبَّة.
لِذا، لِنُضِف صِفةً أخرى إلى لائحتنا الصَّغيرة وهي أنَّ المحبَّة "عَميقة". فالمحبَّة الَّتي نتحدَّث عنها عميقة. وأنا أعني بذلك أنَّها قائمة على القناعة الرَّاسخة في الحقّ. ومِن البَديهيِّ هنا أن نعود إلى المقطعِ الَّذي ذَكرتُه لكم للتَّوّ مِن رسالة أفسُس حيثُ نَقرأ: "اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّة". ثُمَّ إنَّه يقولُ مُباشرةً، أي بعد أن يقول في العدد الثَّاني "اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ"، فإنَّه يقول في العدد الثَّالث: "وأمَّا...النَّجاسَةُ فلا يُذكَرُ بينَكُم حتَّى اسمُها". بعبارة أخرى، لا تَدعوا مَحبَّتَكم تَخرج عن السَّيطرة. وقد تقول: "سوف أَسلُك في المحبَّة. وأنا أريدُ أن أَسلُكَ في المحبَّة معها". أترون! وقد تَبتدئ في السُّلوك في ما تَظُنُّ أنَّه مَحبَّة معها فيتحوَّل الأمر إلى زَنا أو فُجور. والكتابُ المُقدَّسُ يقول: "تَوقَّفوا". فهذه ليست المحبَّة الَّتي نَتحدَّث عنها. فهي محبَّة مُضَحِّية بالذَّات ومُتواضعة، وهي موقف خِدمة يَتَشَكَّل ويَتقيَّد بمبادئ كلمة الله. فهي ليست مشاعر خارجة عن السَّيطرة، بل هي تَصَرُّف مُنضبطٌ يَخضعُ للحقِّ الإلهيِّ.
والآية بُطرس الأولى 1: 22 تَربط كلَّ ذلك معًا إذ تقول: "طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ". ويا لها مِن جُملةٍ رائعة! حيثُ أنَّكُم بِدافعِ إطاعَتِكُم للحقِّ قد طَهَّرتم نُفوسَكم؛ أو حيث أنَّكُم تُطيعون الحقَّ وقد تَطهَّرَت نفوسُكم، فإنَّكم تَمتلكون الآن محبَّة حقيقيَّة وصادقة وخالية مِن الرِّياء للإخوة. وَهُوَ يقول: اسعوا إليها، وأحبُّوا بعضُكم بعضًا مَحبَّةً شديدةً مِن القلب. فَطالما أنَّها مَحبَّة خاضعة لإطاعة الحقّ، يمكنكم أن تُحبُّوا إلى الحَدِّ الأقصى. والكلمة "بِشدَّة" هي "إكتينوس" (ektenos). وهي تُستخَدم لوصف عَضلة مَشدودة إلى الحَدِّ الأقصى. فطالما أنَّ مَحبَّتكم خاضعة لطاعة الحقِّ، يمكنكم أن تُحبُّوا إلى الحدِّ الأقصى. فالقلبُ المُطيعُ هو العُنصُرُ المُسيطِر.
لِذا فإنَّ المحبَّة الَّتي نَتحدَّث عنها هنا هي محبَّة عميقة جدًّا. وهي قائمة على القناعة والحقّ. وهذا الحقُّ يأتي مِن كلمة الله. وهذا هو ما يَضبِطُ محبَّتَك. وهذا هو ما يُحرِّك مَحبَّتك. فكلَّما زادت معرفتك بكلمة الله، وزاد تكريسُك لكلمة الله، وزادت طاعتُك لكلمة الله، زادت مَحبَّتُك، وزاد تَعبيرُك عنها، وزاد طُهْرُها أيضًا. لذا فإنَّ المحبَّة الَّتي يَكتُب عنها الرَّسول بولس ويُصلِّي لأجلها هي محبَّة إلهيَّة؛ أي أنَّها ليست بَشريَّة، بل نابعة مِن الله. وهي محبَّة حقيقيَّة؛ أي أنَّها موجودة مِن خلال سُكنى الرُّوح. وهي جازمة بمعنى أنَّها ليست نابعة مِن نَزوةٍ مَا، بل هي اختيار. وهي ديناميكيَّة بمعنى أنَّها تَنمو، وتَزدهر، وتَزداد، وتَتعاظَم بقوَّة الرُّوح كما أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُخرِجَ مِن بَطنِكَ أنهارَ مَاءٍ حَيٍّ (كما يقولُ إنجيل يوحنَّا والأصحاح 7). ثُمَّ إنَّها مَحبَّة عميقة. فهي راسخة في الحقِّ الَّذي يَتحكَّم بها ويُشكِّلها. فإن قلتُ لشخصٍ ما: "أنا أُحِبُّك. أنا أُحِبُّكَ في المسيح"، ثُمَّ رأيتُه يَقترِف كلَّ أنواع الخطيَّة، ما هو موقفي؟ هل أقول: "أنا أُحِبُّكَ" أو: "أنا أُحِبُّه كثيرًا ولا أستطيعُ أن أكونَ قاسيًا معه؟" كَلَّا! فَيجب عليك أن تُمسكَهُ مِن كَتِفَيه وأن تَهُزَّهُ وتقول له: "تَوقَّف عن خطيَّتِك". لماذا؟ لأنَّ تعبيرَكَ عن المحبَّة يَخضع للطَّهارة والقَداسة اللَّتين يُوصي بهما الكتابُ المقدَّس. والآن، هذا مَثَلٌ على كيف أنَّ المحبَّة تَخضَعُ للمعرفة الحقيقيَّة أو المعرفة المُتقدِّمة. ففي أثناء تَعلُّمِكَ لكلمة الله ونُموِّكَ في الكلمة، سوف يُؤثِّرُ ذلك في محبَّتِك.
ثُمَّ إنَّ هناك كلمة أخرى وهي أنَّها مَحبَّة "مُمَيِّزَة" - مُمَيِّزَة. فهذه المَحبَّة هي أيضًا "مُمَيِّزَة". ففي رسالة فيلبِّي 1: 9، نَقرأ في نهاية الآية أنَّ هذه المحبَّة قائمة لا فقط على المعرفة الحقيقيَّة، بل وأيضًا على "كُلِّ فَهْمٍ" – على كُلِّ فهم. وهذه كلمة يونانيَّة مُدهشة جدًّا "آيسثيساي" (aesthesis) ومَعناها ... أو كان يَجدُرُ بي أن أقول: "آيسثيسيه"؛ وهي الكلمة الَّتي تُشتقُّ منها الكلمة الإنجليزيَّة "إيسثيتيك" (aesthetic). وهي المَرَّة الوحيدة الَّتي تُستخدَم فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدَّس، وهي تَعني: "تَبَصُّر" أو "إدراك". وهي تُشير إلى الإدراكِ الأخلاقيِّ أو التَّبَصُّر الأخلاقيّ. وهي تُشيرُ إلى التَّطبيقِ العمليِّ لتلك المعرفة العميقة. حسنًا؟ لذا فإنَّه يقول إنَّ محبَّتكم ينبغي أن تَخضعَ لِلاَهوتِكم ولِتَبَصُّركُم في تطبيقِ ذلك اللاَّهوت؛ أي كيفيَّة تطبيقكم له. فهو الحقُّ التَّطبيقيُّ.
يا أصدقائي، إنَّ المحبَّة ليست عَمياء. فقد تقول: "الحُبُّ أَعمى". ولكنَّ المحبَّة ليست عمياء؛ أو على الأقلِّ ليست المحبَّة الكِتابيَّة. فالمحبَّة الكِتابيَّة مُتَبَصِّرة جدًّا، ومُدرِكَة جدًّا. فهي تَعلم تمامًا ما هو صَواب وما هو خطأ، أو الفَرقَ بين ما هو زائف وما هو حقيقيّ. وهي قادرة على تطبيق الشَّيء المُناسب في اللَّحظة المُناسبة في الحياة. إنَّها ذلك الاتِّضاع الخَدوم والمُضَحِّي والمُتّواضِع الَّذي يَسُدُّ حاجاتِ الآخرين كما يَراها ويُميِّزها ويَفهمها. وصَدِّقوني أنَّ المحبَّة النَّابعة مِن عواطف غير مُنضبطة هي محبَّة خَطِرة، ومُتقلِّبة، ومُميتة. أمَّا المحبَّة الإلهيَّة الَّتي تَخضعُ للتَّفكير الجَادِّ، والتَّمحيصِ الدَّقيقِ، والتَّمييزِ المُرهَفِ، والَّتي تَخضعُ لكلمةِ اللهِ وتُطَبَّق في ضَوء التَّمييزِ والإدراكِ فإنَّها المحبَّة الَّتي يُشيرُ إليها بولسُ حقًّا. فهي مَحبَّة مُمَيِّزَة كِتابيًّا وتَخضعُ للذِّهنِ الرُّوحيِّ والمَنطِقِ الرُّوحيِّ لأنَّها مَحبَّة حكيمة ومُتَّزِنة.
وقد كَتبَ "وليام هندريكسِن" (William Hendriksen)، على سبيل المِثال: "الشَّخصُ الَّذي يَملِك مَحبَّةً ولكنَّه يَفتقِر إلى التَّمييز قد يُبدي قَدرًا كبيرًا مِن الشَّوقِ والحَماسة. وقد يَتبرَّع لجميعِ أنواعِ المُؤسَّسات. وقد تكون دوافِعُهُ نَقيَّة ومَقاصِدُهُ نَبيلة؛ ولكنَّه قد يُحدِث ضَررًا أكثرَ مِمَّا يَفعل خَيرًا". لأنَّه يَفتقر إلى التَّمييز. وأنا مُندهش (في ضوء المَثَل الَّذي ذَكرَهُ هندريكسن) كيف أنَّ الكثير مِن الأشخاص ذوي النَّوايا الحسنة يحاولون أن يُظهروا محبَّتهم لله، ولكنَّهم يَتبرَّعون بالمال لأشخاصٍ يَعملونَ ضِدَّ مَلكوته لأنَّهم لا يُحسنونَ التَّمييز. فَهُم لم يَتعلَّموا يومًا كيف يُطبِّقون مَعرفتهم. ولكن يجب علينا... يجب علينا أن نُحسن التَّمييز.
والآن، لنَربط كلَّ هذه النِّقاط معًا: فقد دُعينا إلى أن يُحِبَّ بعضُنا بعضًا. فهذه هي صَلاة بولس الحارَّة. هل تَعلمون عُمْقَ حاجتنا إلى هذا الأمر؛ أي أن نَنظر إلى المحبَّة لا مِن زاوية المُحِبِّ، بل مِن زاوية المَحبوب ولو قليلاً؟ لقد كنتُ أقرأُ في هذا الأسبوع شيئًا مُدهشًا في كِتابٍ يُحَلِّلُ نَوعًا مَا جُزءًا مِن ثقافتنا. فهو يقول: "خلال الحرب العالميَّة الثَّانية، تَمَّ وَضْعُ الأطفال اليَتامَى في مُؤسَّسة ضَخمة. كانت أماكنُ السَّكن مُبهِجَة: أثاثٌ جديد، وألعابٌ زاهية الألوان، وطعامٌ شَهيّ. وبالرَّغم مِن ذلك، ابتدأت صِحَّة الأطفال تَتراجع بسرعة. ومع أنَّه لم تكن هناك مُؤشِّرات على وجود مَرض فإنَّهم توقَّفوا عن الأكل واللَّعِب. ثُمَّ إنَّه صاروا ضُعفاء وابتدأوا يَموتون". ونحن نتحدَّث هنا عن أطفالٍ حَديثي الولادة. حَضرَ أطبَّاءُ الأُمم المُتَّحدة للتَّحقيق. وكانت تَوصيَتُهم هي: يجب تخصيص عشر دقائق في كلِّ ساعة لِحَمل جميع الأطفال، ومُعانقتهم، وتَقبيلهم، واللَّعب معهم، والتَّحدُّث إليهم. تَمَّت إطاعةُ الأوامر. وخلال وقتٍ قصير اختفى الموت الغريب. فقد انتعشَ الأطفالُ الصِّغار، واستعادوا شَهِيَّتَهُم، وعادوا إلى اللَّعِب بألعابهم. وعندما كان الوقتُ يحين لتخصيص تلك الدَّقائق العشر لهم، كانوا يَمُدُّون أذرعهم الصَّغيرة بحماسة لكي تَحملهم المُمرِّضات القادمات إليهم".
"عَرَّفَ الأطبَّاءُ سُباتَهُم المُميت بأنَّه هُزالٌ، ووَصفوه بأنَّه ضُمورٌ غَامضٌ وتَدريجيٌّ يُصيب الجسد ويبدو أنَّه يَحدث عندما لا يُخَصِّص الآخرون وقتًا لإظهار المحبَّة الكافية" [نهاية الاقتباس]. ثُمَّ إنَّ الكاتب يقول: "إنَّ نفس المبدأ يَصِحُّ على كِبارِ السِّنّ. فالعُزلة الاجتماعيَّة تقود إلى الشُّعور بالوَحدة والموت في نهاية المطاف. وكِبارُ السِّنِّ لدينا يَشعرون بتأثيرات هذه الوَحدة رُبَّما أكثر مِن أيِّ مجموعة أخرى في مُجتمعنا. ولا شَكَّ في أنَّ هذا هو السَّبب في انتشار الخَرَف بهذه الكثرة..." ثُمَّ اسمعوا ما يقول: "ولماذا لا يَزيدُ مُعَدَّل الحياة بعد سِنِّ التَّقاعُد عن أربع سنوات. وقد سَمِعتُ صَرخةَ أغلبيَّة كِبار السِّنِّ مِن خلال أبي بعد فترة قصيرة مِن تَقاعُده إذ قالَ لي: ’يا بُنَيّ، يُمكنكَ أن تَنتقدني، وأن تَتَّهمني، وأن تأخذَ أموالي، وأن تَسخر مِنِّي، ولكن لا تَتركني وحيدًا" [نهاية الاقتباس].
وقد أَجرَى "جيمس جيه. لينش" (James J. Lynch) بَحثًا على حياةِ سبعة آلاف شخصٍ تَتراوح أعمارُهم بين 30 و 69 سنة مُدَّةَ تسع سنوات. وقد استنتج أنَّ "الأفراد الاجتماعيِّين يعيشون وقتًا أطول وبصحَّة أفضل مِن الأشخاص الَّذينَ يَنعزلون عن الآخرين. فالفئة الثَّانية أكثر مُقاومةً لأمراض القلب والأوعية الدَّمويَّة، والسَّرطان، والسَّكتات الدِّماغيَّة، وحتَّى إنَّهم أَقَلُّ مَيلاً إلى الانتحار. والنَّاسُ يُشيرون إلى هذه الظَّاهرة بطرق عديدة: الاندماج، أو الانخراط، أو الارتباط، أو الشَّبكة الاجتماعيَّة، أو الشَّركة. فهي تَصُبُّ جميعُها في فكرة مُهمَّة واحدة وهي أنَّنا نولد جميعًا ونحن نَشعر بحاجة داخليَّة لا تَرتوي إلى التَّفاعُل جيِّدًا مع الآخرين. وهذه الحاجة تَبدأ منذ اليوم الأوَّل مِن حياتنا وتَستمرُّ إلى أن نَلفظ أنفاسنا الأخيرة".
هل تَفهمون ما نقول؟ لقد خَلَقنا اللهُ لنَشعر بالشِّبَع الكامل في البيئة المُحِبَّة للكنيسة. وقد تقول: "مَهلاً مِن فضلك. فنحن لدينا مجموعتنا الصَّغيرة". أنا واثقٌ مِن أنَّ لديكم مجموعتكم الصَّغيرة. "نحن لدينا شَبكتنا الصَّغيرة مِن الأصدقاء". اسمحوا لي أن أتحدَّث عن ذلك قليلاً. مَرَّةً أخرى، أنتم تَعلمون ما يحدث، وقانون القُصور الحَراريّ، وكيف أنَّ الأشياء تَبتدئ في الانحلال. فأنتم تبتدئون بهذه الشَّركة الرَّائعة والمُحِبَّة وتَظُنُّون أنَّها مَحبَّة "أغابي" (agape)، وتَتمتَّعون بها. ولكن عندما تَصرفون فيها وقتًا أطول، تَبتدئ مجموعتكم الصَّغيرة في وضع مَعايير. وبوجود تلك المعايير فإنَّكم تَجتذبون أشخاصًا وتُقْصونَ آخرين. وإن لم يُراعوا هذه المَعايير فإنَّهم لا يُقبَلون في المجموعة. لذا فإنَّكم تُشَكِّلونَ مجموعتكم الصَّغيرة. وأسوأُ ما في الأمر هو مُحاباة الأقارب حيث تكون المجموعة الصَّغيرة مُؤلَّفة كُلُّها مِن نفس العائلة. ولكن هناك شكل آخر لها مِثل مُحاباة الأصدقاء حيثُ إنَّكم تَلتفُّونَ حول أصدقائكم ورُفقائكم.
وهي شَبكة صغيرة وقليلة مِن الأشخاص الَّذينَ تَرتبط بهم طَوال الوقت، وتَهتمُّ بهم طَوال الوقت، ويَهتمُّون بك طَوال الوقت. فَهُم يُشبهون العائلة المُمتدَّة. فهذه هي الشَّبكة الصَّغيرة الَّتي تَنتمون إليها. وأنتَ تَحصُل على التَّشجيعِ هناك، وتَشعر بالأمان هناك، وحتَّى إنَّهم يُجاملونك هناك، وتَشعر بالقَبول مِن دون مُخاطرة. فكلُّ شيءٍ مُتوقَّع تمامًا. والحقيقة هي أنَّ الأحاديث مُتشابهة غالبًا في كلِّ مَرَّة تَجتمعون فيها معًا. فأنتم لا تَتعرَّفون إلى أشخاصٍ آخرين لا يُمكن التَّنبُّؤ بهم، ولا تُخاطرونَ ولو قليلاً، ولا تَسمحون للدُخلاء الأقلِّ شأنًا أن يَقتحموا شَبكتكم الصَّغيرة. وأنتم تَقولونَ إنَّ تلك مَحبَّة. وأودُّ أن أقول لكم إنَّهُ كلَّما زادَ مُستوى الرَّاحة في شَبكتكم، زاد ارتفاعُ الجُدران الَّتي تُبقي النَّاسَ خارجًا. هذا صحيح. فكُّلَّما زاد مُستوى الرَّاحة في شَبكتكم، زاد ارتفاعُ الجُدران الَّتي تُبقي النَّاس خارجًا. وغالبًا، هناك جُزءٌ مِن شبكتكم الصَّغيرة يَتحدَّث عن الأشخاص الموجودين في الجانب الآخر مِن الجدار، وكيف أنَّهم لن يُقبَلوا يومًا في مجموعتكم. ولكنَّكم تَشعرون بمشاعر طَيِّبة تُجاه شبكتكم الصَّغيرة، وتُسمُّون ذلك مَحبَّة؛ ولكنَّكم تتجاهلون تمامًا المحبَّة الحقيقيَّة.
وما أَحوجَنا إلى الخُروج مِن هذه الجُدران والعمل على إظهار المحبَّة لجميع الأشخاص الَّذينَ نُلاقيهم في طريقنا بِغَضِّ النَّظر عن الخطورة المُحتملَة. وأعتقد أنَّه يمكنك أن تَعلَم مَتى تَصِل إلى النُّقطة الصَّحيحة في هذا الأمر وهي عندما تَنتظر مُكافأتَكَ مِن الله وَحدَه. فيمكنك أن تَعرف مَتى ابتدأتَ حَقًّا في بناء علاقاتٍ على المستوى الصَّحيح عندما لا تَنتظر أيَّ شيءٍ مِن العلاقة، بل تَنظر فقط إلى الله لمُكافأتِك. فهذا شيء ينبغي لك أن تُرَكِّز عليه. قَلبٌ مُحِبٌّ! هذا هو ما يُريدُ مِنَّا بولس أن نَمتلكَه. وليَكُن اللهُ في عَونِنا لأنَّ الرُّوحَ أعطانا مَحبَّةً لكي نُعبِّر عنها بعضُنا لبعض. وسوف نَعودُ إلى هذا الموضوع ونَتحدَّث عن النُّقطة الثَّانية في المَرَّة القادمة. دَعونا نَحني رؤوسَنا معًا في الخِتام:
أريد منكم أن تَفهموا في خِتام خِدمتِنا أنَّنا جميعًا نُصارِع في هذه الأمور بِمَن فيكم أنا. فنحن جميعًا نَميلُ إلى البقاء في نِطاق الرَّاحة ذاك. ونحن جميعًا نَتجنَّب العلاقات الَّتي تَنطوي على خُطورة عالية ولا يُمكن التَّنبُّؤ بها. فنحنُ نَخشى مِن أن تُقتَحَم خُصوصيَّتُنا مِن قِبَل أشخاص لا يَعرفونَنا جيِّدًا. ونحنُ نُحبُّ أن نكون مُرتاحين جدًّا جدًّا دون أن نكون حَذرينَ دائمًا. ونحن لا نُحبُّ فكرةَ أنَّنا قد نَخسر جُزءًا مِن سَيطرتنا على وقتنا وموارِدنا لأنَّ شخصًا مَا بحاجة إليها.
ولكنَّ هذا هو ما يَدعونا اللهُ إلى القيام به – أن نَخرج خارج الشَّبَكةِ وخارج الجِدارِ لكي نُحبَّ النَّاسَ الَّذينَ لا نَجدهم بالضَّرورة جَذَّابين، بل الَّذينَ لديهم حاجات. وأنا أَعني جَميعَ الأشخاصِ الَّذينَ يَضعُهم اللهُ في دَربِنا أيًّا كانت حاجتُهم، عَالِمينَ أنَّ النَّاس قد يَستغلُّون ذلك، ولكنَّنا نَنظر إلى الله ونَتوقَّع منه هو مُكافأتَنا. ويجب علينا أن نَنظر إلى العلاقات لا مِن مُنطلق ما يمكننا أن نَحصُل عليه من الشَّخص، بل مِن مُنطلق مَا يمكننا أن نَحصل عليه مِن الربِّ مِن خلال القيام بما هو صَواب. وصلاتي لأجلكم هي أن تَعرفوا المحبَّة الَّتي أرادَ بولسُ مِن مُؤمني فيلبِّي أن يَعرفوها، وأن تَعرفوها أنتُم أيضًا بِأكملِ مَعانيها. وإن ابتدأت كنيستُنا في التَّعبيرِ عن الحُبِّ بهذه الطَّريقة سوف يُلاحظُنا العالَم. نَشكُرك يا أبانا على وقتِنا في هذا الصَّباح. ثَبِّتْ حَقَّكَ في قلوبنا، وَشَكِّل حياتَنا وَفقًا لذلك الحقِّ لِما يَؤولُ إلى مَجدكَ أنت. آمين.
This article is also available and sold as a booklet.
