Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، نأتي أخيرًا إلى النَّصِّ العَظيمِ مِن رسالة تسالونيكي الأولى 4: 13-18. أرجو أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على ذلكَ النَّصِّ الكِتابيِّ تَحديدًا؛ وهو نَصٌّ لا شَكَّ في أنَّهُ مألوفٌ جدًّا لأغلبيَّةِ المؤمنين. ونحنُ نَعرِفُهُ بأنَّهُ المقطعُ الَّذي يَتحدَّثُ عنِ الاختِطافِ، أوِ المَقطعُ الَّذي يَصِفُ اختِطافَ الكنيسة. وهو، بِطُرُقٍ مُختلفة، النَّصُّ المُفَضَّلُ في هذه الرِّسالة الرَّائعة الَّتي نَعكِفُ على دِراستِها مُنذُ أشهُر وأشهُر وأشهُر. وأخيرًا، ها قد وَصلنا إلى هذا النَّصِّ الَّذي طَالَ انتظارُهُ لمُناقشةِ هذا الحَدَثِ العظيم. وإذْ نأتي إلى النَّصِّ فإنَّني وَضَعتُ لَهُ عُنوانًا هُوَ: "مَا الَّذي يَحدُثُ للمُؤمِنِينَ الَّذينَ يَموتون؟" مَا الَّذي يَحدُثُ للمُؤمِنِينَ الَّذينَ يَموتون؟ فهذا السُّؤالُ يُطرَحُ عليَّ غالبًا حَتَّى مِنَ المؤمنين؛ أو في الحَقيقة: خُصوصًا مِنَ المُؤمنين. فَهُم يَطرحونَ عَليَّ أسئلةً كهذه: بعدَ أن نَموت، هل نَذهبُ مُباشرةً إلى السَّماء؟ أو: ماذا يَحدُثُ لأجسادِنا؟ وتفاصيلُ هذهِ الأنواعِ مِنَ الأسئلةِ مُهمَّة جدًّا جدًّا لنا. وهي قد تُؤرِقُنا إن لم نَعرِف أجوبتَها. فنحنُ نُريدُ أن نَعرِفَ ما يَحدُثُ بعدَ أن نَموت. ونحنُ نُريدُ أن نَعرفَ ماذا يَحدُثُ لأجساد أحبَّائِنا عندما يُوضَعونَ في القَبر. فهذه مَواضيع مُلِحَّة. وقد كانت مَواضيع مُلِحَّة لدى المَسيحيِّينَ حَديثي الإيمان في تسالونيكي.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ الآنَ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كَتَبَ بولُسُ إليهم هذهِ الرِّسالة كانوا قد آمَنوا بالمسيحِ قبلَ بِضعة أشهُر فقط، وأنَّهُ كانت قد مَرَّت أسابيع قليلة فقط على خِدمةِ بولُس لهم. لِذا فقد كانوا حَقًّا أطفالاً. وقد اضطَربوا حَقًّا بشأنِ هذه المسألة المُختصَّة بما يَحدُثُ للمسيحيِّينَ بعدَ مَوتِهم. فقد كانوا يُؤمِنونَ بلا شَكٍّ في الحياةِ بعدَ الموتِ لأنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعددِ الثَّالث أنَّهُ كانَ لَديهم رَجاء. فلا شَكَّ في أنَّ بولسَ كانَ قد أخبرَهُم عنِ الحياةِ الأبديَّةِ لأنَّهُ كَرَزَ لهُم بالإنجيلِ فآمَنوا بِهِ وتَرَكُوا عِبادةَ الأوثان. لِذا، نحنُ نَعلمُ أنَّهُم كانوا يَعرِفونَ عنِ الحياةِ الأبديَّة. فقد كانوا يَعرِفونَ أنَّ الخَلاصَ مُرادِفٌ للحياةِ إلى الأبد معَ اللهِ في السَّماء. وكانوا يَعرفونَ أيضًا عن مَجيءِ يَسوعَ؛ أي أنَّ يَسوعَ سيَعودُ ذاتَ يَومٍ ويَجمَعُ شَعبَهُ معًا ويأخُذُهم ليكونوا مَعَهُ. فقد كانوا يَعرِفونَ عن ذلكَ الحَدَثِ العَظيم المُختصِّ بِجَمْعِ المُؤمِنين.

لِذا، كانت هناكَ أسئلة مُحَدَّدة في أذهانِهم عن ذلكَ المَوضوع مِثْل: إذا مُتَّ الآنَ، هل سَيَفوتُكُ الاجتماع؟ ومِنَ الواضحِ أنَّ بولسَ قالَ إنَّ ذلكَ الاجتماعَ سيكونُ مَجيدًا جدًّا، وأنَّهُ قالَ إنَّ ذلكَ الاجتماعَ سيكونُ رائعًا جدًّا حَتَّى إنَّهُم كانوا قَلِقينَ جدًّا مِن أنَّ بعضًا مِنهُم سيُفَوِّتُ ذلك. فبالرَّغمِ مِن مَعرفتهم بأنَّهُم سيَحصُلونَ على الحَياةِ الأبديَّة، فإنَّهُم كانوا قَلِقينَ مِن أنَّهُم سَيُفَوِّتونَ ذلكَ الاجتماع. والحقيقةُ هي أنَّ هذا الموضوعَ كانَ يَشغَلُ أذهانَهُم كثيرًا كما هو واضحٌ مِن خِلالِ الأصحاحِ الأوَّل والعَددَيْن 9 و 10 إذْ إنَّ بُولسَ وَصَفَهُم قَائِلاً إنَّهُم رَجَعوا إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ، لِيَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ وَيَنتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاء. والآن، تَجِدونَ هُنا الأبعادَ الثَّلاثةَ لخَلاصِهم: الماضي إذْ إنَّهُم تَرَكوا عِبادةَ الأوثانِ في الماضي؛ والحاضِر إذْ إنَّهُم صَاروا يَعبدونَ اللهَ الحَيَّ الحَقيقيَّ؛ والمُستقبَل إذْ إنَّهُم يَنتظرونَ ابنَهُ مِنَ السَّماء. فقد كانت هذهِ مَجموعة مُنتَظِرَة. وفي الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 19، يُشيرُ إليهم بولُس بأنَّهُم رَجَاؤُهُ وَفَرَحُهُ وَإِكْلِيلُ افْتِخَارِه أَمَامَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي مَجِيئِه. لِذا، لا شَكَّ في أنَّهم كانوا يَعرِفونَ أنَّ المَجيءَ شيءٌ خَاصٌّ جدًّا. فأوَّلاً، سوفَ يَلتقونَ يَسوعَ. وقد كانوا يَنتظرونَهُ. ثانيًا، سيكونونَ إكليلَ افتِخارِ الرَّسولِ، وفَرَحَهُ، وابتِهاجَهُ. وقد كانوا مُتَحَمِّسينَ جدًّا بسببِ ذلك.

عَدا عن ذلك، كانوا يَعرفونَ أشياءَ أخرى. انظروا إلى الأصحاحِ الخامسِ والعَددين الأوَّل والثَّاني. فبولُس يَقول: "وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ [أوِ المَواسِمُ] فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ". فقد كانوا يَعلَمونَ أيضًا عن يَومِ الرَّبّ. فقد كانوا يَعلمونَ عنِ وقتِ مَجيءِ الدَّينونةِ على غيرِ المُؤمِنين. وكانوا يَعلمونَ أنَّهُ عندما يأتي يسوعُ فإنَّهُم سيَجمَعُهُم ليكونوا مَعَهُ، وأنَّهُ سيَدينُ أيضًا غيرَ المُؤمنين. وقد كانوا يَنتظرونَ مَجيءَ يَسوع. وكانوا يَنتظرونَ وقتَ اجتِماعِهم به.

ولكِنَّهُم في أثناءِ انتِظارِهم اضطَربوا قليلاً. ورُبَّما خَشِيَ بَعضٌ مِنهُم مِن أنَّهُم فَوَّتُوا تلك الفُرصة، وإنَّ ذلكَ الحَدَثَ قد حَدَثَ مِن دُونِهم. ولكن كيف؟ لقد كانوا يَتعرَّضونَ للاضطِهادِ والضِّيقات. ورُبَّما ظَنٌّ بَعضٌ مِنهُم أنَّهُ سَيَتِمُّ جَمْعُهُم قبلَ حُدوثِ ذلك. لِذا، كانَ لا بُدَّ لبولُس في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددين 3 و 4 أن يَقولَ لَهُم: "كَيْ لاَ يَتَزَعْزَعَ أَحَدٌ فِي هذِهِ الضِّيقَاتِ. فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا مَوْضُوعُونَ لِهذَا. لأَنَّنَا لَمَّا كُنَّا عِنْدَكُمْ، سَبَقْنَا فَقُلْنَا لَكُمْ: إِنَّنَا عَتِيدُونَ أَنْ نَتَضَايَقَ، كَمَا حَصَلَ أَيْضًا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". فهو يُذَكِّرُهم قائلاً: مَهلاً! لا يَنبغي أن تُصْدَموا بسببِ الضِّيقِ والاضطهاد. فقد أخبرتُكم أنَّ هذا سيَحدُث. ولكن رُبَّما ظَنَّ بَعضٌ مِنهُم أنَّهُ سَيَتِمُّ جَمْعُهُم معًا قبلَ أن يَحدُثَ ذلكَ حَقًّا. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهم كانوا يَعيشونَ في تَرَقُّبٍ شَديدٍ ويَخْشَوْنَ أن يُفَوِّتوا ذلكَ الحَدَثَ العَظيم. والحقيقةُ هي أنَّ بولسَ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالةِ تسالونيكي الثَّانية: "ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَر".

فقد كانَ هُناكَ أشخاصٌ يَنشُرونَ ذلكَ الخَبَرَ إمَّا مِن خِلالِ رَسولٍ مَلائِكِيٍّ مَزعوم (أيْ مِن خلالِ رُوحٍ)، وإمَّا مِن خِلالِ رسالة زائفة قالوا إنَّ بولسَ كَتَبَها وقالَ فيها إنَّ ذلكَ الحَدثَ العَظيمَ قد حَدث، وإنَّ يومَ الرَّبِّ قد حَضَر. لِذا فقد كانَ هُناكَ قَلَقٌ شَديد، واضطِرابٌ، وانزِعاج. هل ابتدأَ يومُ الرَّبِّ حَقًّا؟ هل فَوَّتوا فُرصةَ الاجتماعِ معًا؟ ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ المُلِحَّ الَّذي طَرحوه هو: ماذا عنِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ يَموتون؟ هل سَيُفَوِّتونَ ذلك؟ وهذا لا يَعني أنَّهم لم يكونوا يُؤمِنونَ بأنَّهُم سيَذهبونَ إلى السَّماء؛ بل كانَ يعني: هل سَيُفَوِّتونَ ذلكَ الحَدثَ العَظيم؟ وهل سيَصيرونَ مُواطِنينَ مِنَ الدَّرجة الثَّانية في المُستقبَل؟ وهل سَنَعرِفُهم في الأبديَّة كأرواحٍ مُمَجَّدة مِن دونِ أجسادٍ في حينِ أنَّنا سنَذهبُ بأجسادِنا المُمَجَّدة؛ وعليهِ فإنَّهُم سيكونونَ ثانَويِّين؟ أو رُبَّما لن نَكونَ في شَرِكة مَعهم أصلاً، ولن يَكونَ هُناكَ لَمُّ شَمْلٍ بينَ هاتينِ الفِئتينِ مِنَ النَّاس! فكُلُّ تلكَ الأسئلة كانت تَدورُ في أذهانِهم. ولا يُمكنُنا أن نُفَكِّرَ في شيءٍ أكثر تَحديدًا مِن ذلك.

ولكنَّهُم كانوا يَعيشونَ مُترقِّبينَ عَودةَ المسيح. وكانوا مُتحمِّسينَ جدًّا لذلك حتَّى إنَّ أفضلَ طريقة لوصفِ رَجائِهم هي أنَّهُم كانوا يَنتظرونَ ابنَهُ. فقد أرادوا مِنَ الرَّبِّ أن يأتي. وكانوا يَعلمونَ أنَّ هذهِ هي الذُّروة، وأنَّ هذا هو الأَوْج، وأنَّ هذا هو الحَدثَ العظيمَ الَّذي يُشيرُ إلى ذُروةِ تاريخِ الفِداء. وَهُم لم يُريدوا أن يُفَوِّتوه.

ومِنَ المُدهشِ أيضًا أن نُلاحِظَ أنَّهم أحبُّوا بعضُهم بعضًا بشدَّة حتَّى إنَّهم لم يَرغبوا في أن يُفَوِّتَ أحدٌ مِنهُم تلكَ الفُرصَة. لِذا، مِنَ الواضحِ أنَّهُم كانوا يَشعرونَ بالحُزنِ عندَ مَوتٍ أيٍّ مِنَ المُؤمِنينَ خَشيةَ أن يُفَوِّتَ هؤلاءِ هذا الحَدثَ العَظيم. وبسببِ حُزنِهم وتَشويشِهم، قَرَّرَ بولسُ أن يَتطرَّقَ إلى هذا الموضوع. وإذا نَظرتُم إلى النَّصِّ في العَدد 13 فإنَّهُ يُشيرُ إلى أنَّهُم كانوا يَجهلونَ ذلكَ أو لا يَعرفونَ شيئًا عن ذلك، وإلى حقيقةِ أنَّهم حَزينونَ بسببِ ذلك. ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ في العدد 18 الكلمة "عَزُّوا". فهَدَفُهُ هو أن يُزيلَ جَهْلَهُم لأنَّ ذلكَ سيُساعِدُ في تَبديدِ حُزنِهِم وتَعزِيَتِهم. وتَلخيصًا لذلك، اسمَحوا لي أن أقولَ ما يَلي: إنَّ هذا المَقطَعَ رَاعَوِيٌّ أكثرَ مِمَّا هُوَ لاهُوتِيٌّ. فهو يَهدِفُ إلى إزالَةِ التَّشويشِ والحُزنِ والكَرْبِ، وجَلْبِ التَّعزيةِ أكثرَ مِمَّا يَهدِفُ إلى تَقديمِ تَعريفٍ لاهُوتِيٍّ أو أُخْرَوِيٍّ لكُلِّ عُنصُرٍ مِنْ عَناصِرِ جَمْعِنا مَعًا.

فقد كانوا مُضطرِبينَ، ومُشَوَّشينَ، ومُحتارينَ، وقَلِقينَ، وخائِفين. ففي نِهايةِ المَطاف، إنَّهُم أطفالٌ في الإيمان، ولا يَعرفونَ الكثير، ويَعيشونَ كُلَّ يَومٍ بانتظارِ مَجيءِ الابن. وعندما مَاتَ بَضعٌ مِنهُم في الأشهُرِ الَّتي تَرَكَهُم بولسُ فيها، كانَ سُؤالُهم هُوَ: ماذا سيَحدُثُ لهؤلاءِ الأشخاص؟ هل فَاتَهُم ذلكَ الحَدَث؟ فقد كانت مَحبَّتُهم بَعضُهم لبعض شَديدة جدًّا إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ التَّاسع: "وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. فَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذلِكَ أَيْضًا لِجَمِيعِ الإِخْوَة". فقد كانوا يُحبُّونَ بعضُهم بعضًا مَحبَّةً شَديدةً حتَّى إنَّهُم حَزِنوا لأنَّ بعضًا منهم قد يُفَوِّت هذا الحَدَثَ العَظيم.

لِذا فإنَّ بولسَ يَكتُب لتَخفيفِ حُزنِهم، ولتَعزِيَتِهم تَعزيةً كبيرة. فقد كانَ تَرَقُّبُهم عاليًا جدًّا جدًّا بخصوصِ عَودةِ المسيح. وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ الإنصافِ أن نَقولَ إنَّ بولسَ كانَ قد أخبرَهُم أنَّ يَسوعَ قد يأتي في أثناءِ حَياتِهم. فلو لم يَكُن هذا هو ما يُؤمِنونَ به، لما كانَ لهذا السُّؤال أيُّ مَعنى. فقد كانَ مَصدَرُ قَلَقِهم هو التَّالي: لقد كانوا يؤمنونَ بأنَّ يسوعَ سيأتي في أيَّةِ لَحظة. وعندما ماتَ عَددٌ مِنهُم، خَافوا مِن أنَّهُم سَيُفَوِّتونَ ذلك. والسَّببُ الوحيدُ لِخوفِهم ذاكَ وتَرَقُّبِهِم ذاكَ هو أنَّهُم كانوا يُؤمنونَ بأنَّهُ قد يَحدُثُ قريبًا. لِذا فإنَّ السُّؤالَ الكبيرَ هُوَ: ماذا يَحدُثُ للمؤمنينَ الَّذينَ يَموتونَ قبلَ عَودةِ الرَّبّ؟ وحيثُ إنَّهُم كانوا يَشعُرونَ أنَّهُ قد يأتي في أيَّة لَحظة، كانوا قَلِقينَ جدًّا بسببِ هذا الأمر. ورُبَّما قالَ أحَدُهم: "وَفقًا للمبدأ المَذكور في رسالة كورنثوس الأولى 11: 30، إن وَقَعَ بَعضٌ مِنَ المُؤمِنينَ في خَطيَّة فإنَّهم قد يَضعُفونَ أو يَمرضونَ أو يَرقُدونَ [أي: يَموتون]. وهذا يعني أنَّهُ رُبَّما يَموتُ أُناسٌ مِنهُم بسببِ وُجودِ خَطيَّةٍ في حَياتِهم لا نَعرِفُ عنها. فاللهُ يُرسِلُهُم إلى القَبْرِ بسببِ خَطاياهُم. والأشخاصُ الَّذينَ يَعيشونَ حَياةً طَاهرةً هُمُ الوحيدونَ الَّذينَ سيَعيشونَ إلى وَقتِ مَجيءِ يَسوع. وإن قَامُوا في المُستقبَل، رُبَّما سيَحدُثُ ذلكَ بعدَ ذلكَ الحَدَث، وفي ظُروفٍ أخرى"، وما إلى ذلك.

لِذا فإنَّ بولُسَ يُكتُبُ هذهِ الآيات. فلنبتدِئ بالعدد 13: "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ". فهو يَقول: لا أريدُ أن تَجهلوا وأن يُؤدِّي جَهلُكُم إلى حُزنِكُم. ولا أريدُ مِنكُم أن تَقلقوا بشأنِ أولئكَ الَّذينَ مَاتوا ولم يَشهَدوا عَودةَ الرَّبّ. وقد تَقول: "وكيفَ عَلِمَ بولُس أنَّهُم كانوا يُفَكِّرونَ بهذه الطَّريقة؟" إذا رَجعتُم إلى الأصحاحِ الثَّالث والعددِ الأوَّل، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ قالَ إنَّهُ لم يَكُن يَحتَمِلُ فِكرةَ أنَّهُ لا يَعرِفُ شيئًا عنهم. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العددِ الثَّاني إنَّنا أرسَلنا تيموثاوس، ثُمَّ يَقولُ في العددِ السَّادسِ إنَّ تيموثاوسَ عادَ. وعندما عادَ تيموثاوس، نَقرأُ أنَّهُ جَلَبَ أخبارًا طَيِّبَةً عن إيمانِهم ومُحبَّتِهم. وأنا أُحِبُّ ذلك لأنَّ بولسَ في الأصحاحِ الأوَّل مَدَحَهُم على إيمانِهم ومَحبَّتِهم ورَجائِهم. ولكن عندما عادَ تيموثاوس، مِنَ الواضحِ أنَّهُ حَمَلَ إليهِ أخبارًا طَيِّبَةً عن إيمانِهم ومَحبَّتِهم لأنَّ رَجاءَهُم كانَ مَهزوزًا قليلاً وبحاجة إلى الإنعاشِ قليلاً لأنَّهُم كانوا مُشَوَّشين. لِذا فإنَّ بُولسَ يَكتُبُ لمُعالجةِ ذلكَ التَّشويشِ وما نَجَمَ عنهُ مِن حُزن.

والآن، أرجو أن تُلاحِظوا ما جاءَ في بدايةِ العدد 13. وسوفَ نُخَصِّصُ وَقتًا طويلاً للحديثِ عن ذلك. وسوفَ نُكمِل في الأسبوعِ القادِم ورُبَّما نُنهي حَديثَنا عن ذلك. ولكِن أريدُ أن نَفعلَ ذلكَ بحِرْصٍ شَديدٍ لأنَّ هذا المَقطعَ مُهمٌّ جدًّا جدًّا، ولأنَّ هذا الموضوعَ مُهمٌّ جدًّا. فسوفَ تُلاحِظونَ في البدايةِ أنَّهُ يَقول: "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ". وهذهِ الجُملةُ الافتتاحِيَّةُ هي طَريقةُ بولُس المُفَضَّلة في تَغييرِ المَوضوع. فهذه هي طَريقَتُهُ المُفَضَّلة (إمَّا بالصِّيغةِ الإيجابيَّةِ أوِ السَّلبيَّةِ) لتَغييرِ المَوضوع. فهو يَقولُ أحيانًا: "لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا" كما هي الحَالُ هُنا وفي رسالة رُومية 1: 13، وفي رسالة كورنثوس الأولى 10: 1، وَهَلُمَّ جَرَّا. وهو يَقولُ أيضًا في أحيان أخرى: "أريدُ أن تَفهَموا" أو "أُريدُ أن تَعلَموا" كما هي الحالُ في رسالة كورنثوس الأولى 11: 3، ورسالة فيلبِّي 1: 12 ومَواضِع أخرى. ولكن سَواءَ قالَ: "أريدُ أن تَعلَموا" (أي مِنَ الجانبِ الإيجابيِّ)، أو "لا أريدُ أن تَجهَلوا، فإنَّ ذلكَ يُشيرُ إلى تَغييرِ المَوضوع إلى مَوضوعٍ جَديدٍ مِن دُونِ وُجودِ رابِطٍ مُباشِرٍ بالموضوعِ السَّابق. ولكنَّها لَهجَة تَوكيديَّة. فالكلمة "ثُمَّ" تُشيرُ إلى تَغييرِ المَسار. والكلمة "إخوة" هي دَعوة إلى الانتباهِ لأنَّها تَدُلُّ على شَيءٍ يَنبغي أن يَنتَبِهوا إليه. فقدِ انتهينا مِن ذلكَ الموضوع، وأنا أدعوكُم مَرَّةً أخرى إلى مَوضوعٍ جَديد أيُّها الإخوة. وهي لَفظَة تَدُلُّ على عَاطِفة كما هو واضحٌ. وقد كانَ يُحِبُّهم مَحبَّةً شَديدةً كما هو مُشارٌ إليه في نِهايةِ الأصحاحِ الثَّاني عندما يَقولُ إنَّهُ كانَ مُثَقَّلاً أو مُلْتَاعًا بسببِ شَوقِهِ الشَّديدِ في أن يَرى وَجهَهُم. لِذا فإنَّهُ يُديرُ الدَّفَّةَ باستخدامِ الكلمة "ثُمَّ" ويَجذِبُ انتباهَهُم إلى الموضوعِ الجَديدِ بالكلمة "إخوة"، ثُمَّ يَقول: "لاَ نُريدُ أن تَكونوا غَافِلينَ أو أَنْ تَجْهَلُوا". لِذا فإنَّ هذهِ العِبارةَ تُمَهِّدُ لموضوعٍ جَديد. وهي تُمَهِّدُ لا فقط لموضوعٍ جَديدٍ، بل في هذه الحالةِ لتَعليمٍ جَديد وإعلانٍ جَديد يُشارُ إليهِ في العدد 15 "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ". فهو إعلانٌ تَلَقَّاه.

لِذا، سوفَ يَتحدَّثُ هنا عن جَهلِهم الَّذي قادَ إلى تَشويشِهم، وحُزنِهم، وقَلَقِهم، وعَدَمِ شُعورِهم بالطُّمأنينة. وما هو المَوضوعُ الَّذي سَيتحدَّثُ عنه؟ "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِين". ولكِن لماذا يَستخدِمُ الكلمة "راقِدين" ولا يَقولُ وَحَسْب: "الأموات"؟ لأنَّ الكلمة "رَاقِدينَ" هي طَريقة فَريدة للإشارةِ إلى المَسيحيِّينَ الرَّاقِدين... الرَّاقِدينَ مُؤقَّتًا. وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "راقِدينَ" ("كويماؤو" – "koimao") هي نَفسُ الكلمة الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "مَقبرة"؛ وهي الاسمُ الَّذي أطلَقَهُ المَسيحيُّونَ الأوائلُ المُتفائِلونَ على المَوضِعِ الَّذي يُدفَنُ فيهِ الأمواتُ. وقد كانت تَعني في الحقيقة: "مَهْجَع". فقد كانت في الحقيقة كَلِمَة مُرادِفة للمَنامَة؛ أيِ المَكانِ الَّذي يَنامُ فيهِ النَّاس.

والآن، كيفَ يُوصَفُ المؤمنونَ بأنَّهُم رَاقِدون؟ ستُلاحِظونَ قبلَ كُلِّ شيءٍ عندَ إجابَتي عن هذا السُّؤال أنَّ الكلمة المُستخدمة هُنا تَرِدُ بصيغةِ المُضارع، وهي تُشيرُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ كانوا في حالَةِ رُقادٍ مُستمرَّة. فهي تُشيرُ إلى المُؤمِنينَ الَّذينَ يَرقُدونَ بينَ الحينِ والآخر كَشَيءٍ دائِمِ الحُدوثِ في الكنيسة. فَهُم يَقولونَ: "ماذا عن أولئكَ المسيحيِّينَ الَّذينَ يَستمرُّونَ في المَوت؟" فهذه هي سُنَّةُ الحَياةِ. فهي حَياةٌ لَها نِهاية. أليسَ كذلك؟ وَهُم يَستمرُّونَ في المَوت. وهو يَقول: "لا أريدُ أن تَجهَلوا ما يَحدُثُ للنَّاسِ بعدَ أن يَموتوا". والكلمة "راقِدون" في الكتاب المقدَّس تُستخدَمُ للإشارة إلى النَّومِ العاديِّ الَّذي هو عَمليَّة انتِعاشٍ يَحصُلُ فيها الجِسْمُ على راحَةٍ مُؤقَّتة. والآيةُ يُوحنَّا 11: 12 تَستخدِمُها بمعناها العاديِّ. ولكنَّ الكلمة "رَاقدون" تُستخدَمُ أيضًا تَحديدًا للإشارةِ إلى المسيحيِّين. فهي تُستخدَمُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ للإشارة إلى المسيحيِّين. والآن اسمَعوني جيِّدًا: فهي تُشيرُ دائمًا إلى أجسادِهم. فهي تُشيرُ دائمًا إلى أجسادِهم. فالجُزءُ الوحيدُ مِنَّا الَّذي يَصيرُ في حالةِ عَدَمِ وَعْيٍ عندَ الموتِ هو الجسد. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 11: 11: "لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ..." [كما قالَ يَسوعُ] "... لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ". وقد كانَ الجَميعُ يَعلمونَ أنَّ لِعازَرَ كانَ ماذا؟ أنَّهُ كانَ مَيِّتًا. فقد كانَ قد مَضى على مَوتِهِ ثلاثَةُ أيَّام. وقد قالت أُختُهُ: "قَدْ أَنْتَنَ". فقد عَمِلَ التَّحَلُّلُ عَمَلَهُ فيه. فقد دُفِنَ. وهو مَيِّت. ولكن مِن وُجهةِ نَظرِ يسوعَ، كانَ لِعازَر نائِمًا وَحَسْب. فقد كانَ رُوحُهُ حَيًّا وليسَ مَدفونًا في القَبر. ونحنُ لا نَدري أينَ هُوَ أو ما الَّذي اختَبَرَهُ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُخبرُنا بذلك؛ ولكنَّهُ لم يَمُتْ لأنَّهُ أبديٌّ وسيَبقى في حَالةِ وَعْيٍ إلى الأبد. ولكنَّ جَسَدَهُ كانَ راقدًا. وقد رأى يسوعُ أنَّ ذلكَ الرُّقادَ مُوقَّت. لِذا فإنَّهُ يَقولُ عنهُ إنَّهُ نائِم. والنَّومُ هو شَيءٌ تُوقِظُ الآخرينَ مِنهُ. فإن لم تَستيقِظ فإنَّكَ مَيِّتٌ، أو سَتَموتُ في النّهاية. لِذا فقد رأى يَسوعُ أنَّ مَوتَ لِعازَرَ هو استراحَة مؤقَّتة لجسدِه.

انظروا إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ السَّابع حَتَّى أُساعِدَكُم على فَهمِ هذا الأمرِ فَهمًا كامِلاً. لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندما تَمَّ رَجْمُ استفانوس فإنَّ النَّصَّ يَقولُ في العدد 60: "ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ". فقد رَقَد. فقد كانَ مَوتًا مِن وُجهةِ النَّظرِ البَشريَّة، ومَوتًا مِن وُجهةِ النَّظرِ السَّريريَّة؛ ولكنَّهُ كانَ نَومًا لأنَّهُ كانَ استراحةً مُؤقَّتةً لجسدِه. فَرُوحُهُ لم يَدخُل في حالةِ عَدمِ وَعْي. وإن لم تُصَدِّقوا ذلك، انظروا إلى العدد 59. فهو يَقول: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ..." [ماذا؟] "...اقْبَلْ رُوحِي". فجَسَدُهُ هو الَّذي كانَ سيَرتاح أو يَنام. وَبالمُناسَبة، لقد كانَ ذلكَ رُقادًا سيَقومُ مِنهُ جَسَدُهُ. وهذه هي النُّقطةُ الَّتي أُريدُ منكم أن تَفهموها. فعندما يَقولُ بولُس في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس 11: 30 عنِ المؤمنين: "مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ" فإنَّهُ يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى مَوتِ المؤمنينَ بأنَّهُ رُقادٌ لأنَّهُ استراحة مُؤقَّتة للجسدِ الماديّ. وفي رسالة كورنثوس الأولى 15: 6، يَتحدَّثُ النَّصُّ عنِ المؤمنينَ الَّذينَ رَأَوْا المَسيحَ المُقامَ ويقولُ إنَّ "أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ". وهذا يَعني: إلى وَقتِ كِتابةِ هذه الرِّسالة. "وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا". ونَجِدُ هُنا نَفسَ الفِكرةِ المألوفة. ونَقرأُ في العدد 18 العِبارَة: "الَّذِينَ رَقَدُوا فِي الْمَسِيح". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 51: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا". وهو يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى المُؤمنينَ في مَوتِهم. والآيةُ 2بُطرس 3: 4 تَذكُرُها: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَة". فهي تُشيرُ هُنا إلى تَرَقُّبِ غيرِ المُؤمِنينَ المُختَلِط بالحُزن لأنَّ الَّذينَ مَاتُوا إنَّما مَاتُوا مَوتًا مُؤقَّتًا وَحَسْب.

ولكن بالنِّسبةِ إلى المؤمنينَ فإنَّ اللَّفظَة صَحيحة لأنَّها شيءٌ مُؤقَّت. وحتَّى بالنِّسبةِ إلى الوَثنيِّينَ كانَت هناكَ قِيامَة. فبِمَعنى مِنَ المَعاني، كانت أجسادُ الوَثنيِّينَ تَرقُدُ وَحَسْب لأنَّهم أيضًا سيَقومون. ولكنَّهم سيَقومونَ إلى الدَّينونةِ الأبديَّة والموت. لِذا، مِن غَيرِ المُلائِمِ أن نَتحدَّثَ عن مَوتِ هَؤلاءِ كما لو أنَّهُ مَوتٌ مُؤقَّتٌ أو رُقادٌ؛ بل هُوَ مَوتٌ دائمٌ وليسَ رُقادًا البَتَّة.

والآن، اسمَحوا لي أن أَخطُو خُطوةً أخرى. فاللَّفظةُ "رُقاد" أو فِكرةُ الرُّقاد لا تُشيرُ إلى النَّفس. فَلا يوجد شيء يُسَمَّى "رُقاد النَّفس". فعندما كانَ استفانوس على وَشْكِ المَوتِ قال: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي". وقد كانَ يَنتظِرُ أن يَدخُلَ إلى الحُضورِ الوَاعي ليسوعَ المسيح. فلا يوجد مَوضِعٌ البَتَّة في الكتابِ المقدَّسِ يُعَلِّمُ أنَّ رُوحَ الإنسانِ يُمكِنُ أن يَفقِدَ الوَعي. وهذا هو ما يَجعلُ جَهنَّمَ مُريعَة جدًّا. فهو واعٍ في حَضرةِ اللهِ إلى الأبد. وهذا هو ما يَجعلُ السَّماءَ رائعةً جدًّا. فهو واعٍ لحُضورِ اللهِ إلى الأبد. ولَعَلَّكُم تُدركونَ في إنجيل لوقا والأصحاح 16 أنَّ يَسوعَ حكَى قِصَّةَ لِعازَر المُتَسَوِّل والرَّجُل الغَنِيّ. فعندما ماتَ لِعازَر صَارَ حَالاً وبصورةٍ واعيةٍ في حِضْنِ إبراهيمَ وكانَ يَتعَزَّى. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندما ماتَ الغَنِيُّ فإنَّهُ صَارَ حَالاً وبصورةٍ واعيةٍ في العَذابِ يَصرُخُ عَسَى أن يَجِدَ شخصًا يُعطيهِ ماءً أو حَتَّى يَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانَهُ. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاحِ الخامسِ إذ إنَّ الرَّسولَ بولُسَ يَنظُرُ إلى مَوتِ المؤمنِ ويَقولُ في العددِ الثَّامن: "نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ". فلا يُوجَد مَطْهَر، ولا تُوجَد حَالة مُؤقَّتة، ولا تُوجَد حَالة مِن عَدَمِ الوعيِ أوِ الوَعيِ الجُزئيِّ، ولا تُوجَد غَيبوبَة رُوحيَّة؛ بل بالأحرَى: "نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ". وفي رسالة فيلبِّي 1: 23، يَقولُ الرَّسولُ بولُس: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا". فأنتَ إمَّا أن تكونَ هُنا وإمَّا أن تكونَ معَ المسيح. فلا توجد حالة مُتَوَسِّطَة للمُخَلَّصين. فَهُم يَذهبونَ ليكونوا في حَضرةِ يسوعَ المسيح. ولا يوجد مَكانٌ مُتَوَسِّطٌ لغيرِ المُؤمِنين لأنَّهم سيَذهبونَ إلى العِقابِ والعَذابِ وَهُم في حَالةِ وَعي. ولكن بالرَّغمِ مِن أنَّ رُوحَ ذلكَ المُؤمِن المَيِّت يَذهبُ حالاً ليكونَ في حَضرةِ المسيح فإنَّ ذلكَ الجَسَدَ يَرقُد. فهو هَاجِعٌ، ومُستريحٌ، ونائِمٌ [إن جازَ القَول]. فالمُؤمِنُ الَّذي يَرقُدُ في القَبرِ هو مُجَرَّدُ شخصٍ نَائِمٍ في المَهْجَعِ وَحَسْب.

ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ الَّذي يُطرَح هُوَ: لماذا يُبالي بولسُ كثيرًا بإخبارِهم عن أولئكَ المؤمنينَ الَّذينَ مَاتُوا؟ نَقرأُ في العدد 13: "لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا". فقد كانوا حَزانَى بسببِ ذلك. وقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! إنَّ جَميعَ النَّاسِ يَحزَنونَ عندما يَموتُ مُؤمِنٌ يَعرِفونَهُ ويُحِبُّونَهُ ويَهتمُّونَ به. أَلاَ يَحزَنُ المؤمنون؟ ألا يَشعرونَ بالحُزن؟ ألا يَنوحون؟ ألا يَذرِفونَ الدُّموعَ عندما يَموتُ أحِبَّاؤُهم؟ هذا شيءٌ طَبيعيٌّ. أليسَ كذلك؟" أجل، إنَّهُ طَبيعيٌّ جدًّا. ولا شَكَّ في أنَّ رُوحَ اللهِ يُوصينا في رسالة رُومية 12: 15 بأن نَبكي معَ الباكين. فهُناكَ حُزنٌ طَبيعيٌّ ومَعقولٌ ومُتَّزِن يُعَبِّرُ فيهِ الإنسانُ عن أَلَمِ الفُراقِ والوَحدة؛ وهو حُزنٌ وَضَعَهُ اللهُ فينا لمَنفعتِنا. ولكنَّهُ لا يَتحدَّثُ عن ذلك. تابِعوا ما تَقولُهُ الآية. فهو يَقول: "لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ [ماذا؟] لاَ رَجَاءَ لَهُمْ". لا أريدُ أن يَكونَ حُزنُكُم مِن ذلكَ النَّوعِ الدَّائم، أو مِن ذاكَ النَّوعِ الَّذي يَشعُرُ بهِ النَّاسُ لأنَّهُ لا يوجد أَمَلٌ في اللِّقاءِ مِن جَديد. وأنا لا أريدُ مِنكُم أن تَظُنُّوا أنَّ المسيحيِّينَ يُوَدِّعونَنا إلى الأبد لأنَّ هذا غير صَحيح. وهذه فِكرةٌ عَظيمة. أليسَت كذلك؟ فأنتَ لا تُوَدِّعُ البَتَّةَ مُؤمِنًا وَداعًا أخيرًا، بل إنَّهُ سيكونُ هناكَ لِقاءٌ آخر. أنا لا أريدُ منكم أن تَحزنوا كما يَحزَنُ الوَثنيُّونَ الَّذينَ لا رَجاءَ لَهُم.

وفي رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني، فيما يَتحدَّثُ بولسُ عن المَعنى الحَقيقيِّ لأن يكونَ الإنسانُ هَالِكًا فإنَّهُ يَقول إنَّهُم: "بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَم". فمِن بين سِماتِ الهالِكينَ نَقرأُ تلكَ العِبارة: "لا رَجاءَ لَهُم". فلا رَجاءَ لَهُم في الحياةِ بعدَ الموت. ولا رَجاءَ لَهُم في لَمِّ الشَّمْل. خِلالَ سَنواتِ حَياتي، حَضرتُ جَنازاتٍ كثيرة، واستمرَّيتُ في حُضورِ جَنازاتِ أشخاصٍ غير مُؤمِنين، أو جَنازاتِ أشخاصٍ مُؤمِنينَ بحُضورِ أشخاصٍ غير مُؤمِنينَ مِنَ العائلة. وقد كانَ عَدَمُ الرَّجاءٍ مُريعًا. فهُناكَ إحساسٌ مُريعٌ بالنِّهاية: فلن يَكونُ هُناكَ لِقاءٌ مِن جَديد، ولن يَكونَ هُناكَ مُستقبَل، ولن تَتلامَسَ أيديهم بعدَ ذلك، ولن يَسمعوا صَوتَ أحبَّائهم بعدَ ذلك. إنَّها النِّهاية. فعندما تَكونُ مُعتادًا جدًّا على وُجودِ شَخصٍ مُعيَّن ثُمَّ تُسْدَلُ السِّتارةُ تَمامًا وكُليًّا وإلى النِّهاية، لا شَكَّ في أنَّكَ ستَشعُرُ بيأسٍ شَديد. وكُلَّما زادتِ المحبَّة، زادَ الشُّعورُ بالألم. وهو أَلَمُ عَدَمُ وُجودِ رَجاء.

وقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! أَلَم يَكُن يوجدُ وَثنيُّونَ يُحسَبونَ في عِدادِ البَقيَّةِ وكانوا يُعَلِّمونَ عن وُجودِ حَياةٍ بعدَ الموت؟" بَلى! فقد كانَت توجدُ دِياناتٌ سِرِّيَّة تُعَلِّمُ ذلك. وكانت تُوجدُ بِدَعٌ قديمةٌ تُعَلِّمُ ذلك. وكانَ يُوجدُ فَلاسِفةٌ في الأزمنةِ القديمةِ يُعَلِّمونَ أنَّهُ توجدُ حَياةٌ آخِرَة. ولكن بالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ التَّعليمَ السَّائدَ كانَ يَقولُ إنَّ الحياةَ على الأرض هي كُلُّ ما في الأمر. فهي كُلُّ ما في الأمر. وقد كَتَبَ "كاتولُّوس" (Catullus) عنِ الرَّأيِ الشَّائعِ فقال: "الشَّمسُ تَستطيعُ أن تَغرُبَ وتُشرِقَ مَرَّةً أخرى. أمَّا عندما يَغيبُ نُورُنا الوَجيزُ، سيكونُ هُناكَ لَيلٌ لا يَنتهي يَنبغي فيهِ أن نَبقى نِيامًا" [نِهايةُ الاقتباس]. فالنَّاسُ يَعيشونَ بلا رَجاءٍ في أغلبِ الأوقات. ويُمكنُني أن أُضيفَ أنَّ حَتَّى الأشخاصَ الَّذينَ كانوا فَلاسفةً مُؤمِنينَ يُعَلِّمونَ عن وُجودِ حَياةٍ آخِرَة أو كانوا يَنتمونَ إلى الدِّياناتِ السِّريَّةِ الَّتي تُعَلِّمُ عنِ الحياةِ الآخِرَةِ، فإنَّهُم لم يكونوا واثقينَ بخصوصِ أُمنيتِهم بخصوصِ وُجودَ حَياةٍ آخِرةٍ بسببِ عدمِ سُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ فيهم لكي يُعطيهم هذا اليَقين. لِذا، كانَ رَجاؤُهم خاضِعًا لنَزواتِهِم الجسديَّة. والرَّجاءُ المُتَقَلِّبُ الَّذي يَتَّكِلُ على الجسدِ هو ليسَ رَجاءً راسِخًا، وليسَ رَجاءً سَليمًا. لِذا، مِنَ الأسلَمِ أن نَقول إنَّهُم بلا رَجاء. فالأشخاصُ غيرُ المُؤمِنينَ [حَتَّى لو كانوا مُتدَيِّنينَ] الَّذينَ تَعَلَّموا أنَّهُ توجدُ حَياةٌ بعدَ الموتِ، قد يَتمسَّكونَ بتلكَ الرَّغبة ولكن مِن دُونِ وُجودِ تأكيدٍ مِنَ اللهِ بأنَّ هذا صَحيح. لِذا، في بِضْعِ حالاتٍ، قد يَكونُ وُجودُ رَجاءٍ لدى هؤلاءِ أسوأ مِن عَدمِ وُجودِ رَجاءٍ لأنَّهُ يَظهَرُ ويَختفي، ثُمَّ يَظهَرُ ويَختفي، ثُمَّ يَظهَرُ ويَختفي. فهو رَجاءٌ مُتَذَبذِب. فَمِنَ الأفضلِ أن تَقتنِعَ بأنَّ هذهِ هي النِّهاية وأن تَمضي في حَياتِك. لِذا فإنَّ الأشخاصَ يَعيشونَ بلا رَجاء، وبلا أَمَل، بل بِخَوفٍ مِن عَدمِ اللِّقاءِ مُجَدَّدًا، وبِعَدمِ لَمِّ الشَّمْل.

وبولُس يَقول: "انظُروا! أنا أَعلمُ أنَّكُم قَلِقونَ بشأنِ أولئكَ المؤمنينَ الَّذينَ يَموتونَ بينَ الحينِ والآخر، وأعلمُ أنَّكُم قَلِقونَ بشأنِ أنَّهُم سيُضَيِّعونَ فُرصةَ اللِّقاءِ بالمسيح، وأنَّكُم تُحِبُّونَهُم وتَرغبونَ في رُؤيتِهم مُجَدَّدًا، وأنَّكُم تَرغبونَ في أن يكونوا هُناكَ، وتَخْشَوْنَ مِن ألاَّ يَكونوا هُناك. وأنتُم تَتساءلونَ: أينَ يَذهبون؟ وأينُ هُمُ الآن؟ وكيفَ سنَتمَّكنُ مِن تَمييزِهم إن لم يَكونوا حَاضرينَ هُناكَ بهيئتِهم الجسديَّة؟ ولن يكونَ جَسَدُهم كما كان. وهل سنَلتقي بهم مِن جَديد؟" وهو يَقول: "انظروا! لا أريدُ أن تَحزَنوا مِثلَ الوَثنيِّينَ الَّذينَ هُم بلا رَجاء وبلا تَعزية في الوَعدِ باللِّقاءِ ثانيةً". فاللِّقاءُ مِن جَديد سيَحدُثُ يا أحبَّائي، أجل! وقد عَبَّرَ عن ذلكَ أيضًا في تلكَ الكلماتِ الَّتي كَتَبَها في رسالتهِ الثَّانية إلى أهلِ تسالونيكي 2: 1 عندما قال: "وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ". فعندما نَجتمِعُ إليهِ، سَنجتَمِعُ أيضًا معًا. فسوفَ يكونُ هُناكَ لَمُّ شَمْل. وسوفَ نَجتَمِعً معًا. وهو يَقولُ: لا مُبَرِّرَ لِخَوفِكُم ولا لِحُزنِكُم بهذا الخُصوصِ كما هي حالُ الأشخاصِ الَّذينَ يَحسَبونَ أنَّ المَوتَ هُوَ النِّهاية. ويجب علينا أن نُثَبِّتَ هذا التَّعليمَ عَميقًا في قُلوبِنا. أليسَ كذلك؟ فهذا هو رَجاؤُنا الرَّاسِخ. فالفُراقُ سيكونُ إلى فَترةٍ وَجيزةٍ فقط.

ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "أنا لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ المُؤمِنينَ الرَّاقِدِينَ، وَلاَ أريدُ أن تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. والآن، لكي أُزيلَ ذلك وأُعَزِّيكُم، سوفَ أُخبرُكم عنِ اجتِماعِنا معًا". وهذا هو الأمرُ الَّذي دَفَعَهُ إلى التَّحَدُّثِ عن هذا الحَدثِ العَظيم. وبالمُناسبة، هذا واحدٌ مِن ثَلاثة مَقاطع في العهدِ الجديد تَتحدَّثُ بصورة رئيسيَّة عن هذا الحَدَث وهي: إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14، ورسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 15، ورسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الرَّابع. وسوفَ نُشيرُ إلى كُلِّ هذهِ المَقاطِعِ الثَّلاثة في أثناءِ دراسَتِنا لهذا النَّصِّ العَظيم.

وبالمُناسبة، في كُلِّ مَرَّة يُعَلِّمُ فيها رَبُّنا مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُس، وفي كلِّ مَرَّة نقرأُ فيها هذا التَّعليمَ عنِ اجتماعِنا معًا عندَ مَجيءِ المسيح، كانَ ذلكَ رَدًّا على قَلَقٍ مُعَيَّن. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14، كانَ التَّلاميذُ خائِفينَ ومُتَحَيِّرينَ ومُضطرِبين. لماذا؟ لأنَّ يسوعَ كانَ ماذا؟ كانَ سيُغادِر. وفي غَمْرَةِ تَوتُّرِهم، كانوا يَتساءلونَ عَمَّا سيَحدُثُ لنا. لِذا فقد قالَ يَسوع: دَعوني أُطمئِنُكم. سوفَ آتي ثانيةً. وفي حالةِ أهلِ كورِنثوس، كانَ هُناكَ أشخاصٌ يُنكِرونَ تَمامًا القيامَةَ، ويُنكرونَ أنَّنا سنَجتمِعُ معًا. وقد تَحَيَّرَ أهلُ كورنثوس. هل سَنجتمعُ معًا؟ هل ستَجمَعُنا يومًا معًا؟ هل ستكونُ هناكَ قيامة؟ لِذا فإنَّهُ يَكتُبُ الأصحاحَ الخامس عشر مِن رسالة كورنثوس الأولى عنِ القيامة، ويَكتُبُ الأعداد 51-58 عنِ الاجتماع معًا تَحديدًا. وهُنا تَرَوْنَ الشَّيءَ نَفسَهُ. فقد كانَ أهلُ تسالونيكي مُتوتِّرينَ ومُضطَرِبينَ، رُبَّما بسببِ نَقصِ مَعلوماتِهم، وأيضًا بسببِ المَعلوماتِ المُغلوطَةِ الَّتي قُدِّمَت لهم. لِذا، في كُلِّ حالة، كانَ هُناكَ تَوتُّر، وشَكّ، وتشويش، وحتَّى إنكار جَعَلَ رُوحَ اللهِ يَكتُب هذهِ الكلمات.

وأنا أقولُ هذا لكي أقولَ إنَّهُ في كُلِّ الحالاتِ الثَّلاث، جاءَت هذهِ الكلماتُ للتَّعزية. فقد جاءت رسالةً رَاعَويَّةً، لا بَحثًا أكاديميًّا عنِ الأمورِ الأخيرة. والمُدهشُ في الأمر هو أنَّكُم إذا نَظرتُم إلى المَقاطِعِ العَظيمةِ الَّتي تَتحدَّثُ عنِ الأمورِ الأخيرةِ في العهدِ الجديد (في إنجيل مَتَّى والأصحاحَيْن 24 و 25، وفي سِفْر الرُّؤيا)، لن تَجِدوا حَديثًا عنِ اجتماعِنا معًا هُناك، أو عن هذا الحَدثِ تَحديدًا في أيِّ مِنها. فكأنَّ هذا الكَلامَ جاءَ خِصِّيصًا لتَعزيتِهم. صَحيحٌ أنَّهُ كَلامٌ يُلائِمُ السِّياقَ كُلَّهُ، ولكنَّ هذهِ الأسفارَ الَّتي تُعطيكُم تَسلسُلاً زَمنيًّا للأحداثِ الأخيرة لا تُرَكِّزُ على هذا الحَدثِ تَحديدًا. أمَّا هُنا فإنَّها تَرِدُ بطريقةٍ رَاعَويَّة. فهي خِدمة خاصَّة جدًّا، وحَميمة جدًّا، وشَخصيَّة جدًّا مِن رُوحِ اللهِ لِتَعزيةِ المؤمنينَ القَلِقينَ بشأنِ مُستقبلِهم.

لِذا، كانَ هذا هوَ مَا دَفَعَ بولُسَ إلى مُناقشةِ هذا الحَدَث الَّذي نُسَمِّيه: "الاختِطاف". وقد تَقول: "مِن أينَ جِئتَ بتلكَ الفكرة: الاختطاف؟" انظروا إلى العدد 17. فالفِعلُ المُستخدَمُ هُنا وَهُوَ "سَنُخطَفُ" هو الفِعل: "هارباتزو" (harpazo) ومَعناهُ: "نُخطَف" – "نُخطَف". وهو يَعني: "يَنتَشِل" أو "يَأخُذ". وهو يَعني: "يأخُذ بالقوَّة". وهو يَنطوي على فِكرةِ وُجودِ قُوَّةٍ مُفاجِئةٍ تَعسُرُ مُقاومتُها تَخطَفُنا. ومِنَ الكلمةِ اللاَّتينيَّةِ المُشتقَّةِ مِن هذهِ الكلمة جاءتِ الكلمة "يَغتَصِب" للإشارة إلى فِكرةِ القُوَّة، والاستِحواذ، والخَطف. لِذا، سوفَ يَحدُثُ اختِطافٌ أو انتشالٌ بالقوَّة، أو أَخْذٌ لنا، أو جَمْعٌ لنا معًا إلى الرَّبِّ في المستقبل. وبولُس يَقول إنَّهُ مِن أجلِ التَّخلُّصِ مِن جَهلِكُم وما يُفْضِي إليهِ مِن حُزن، ومِن أجلِ تَعزيتِكُم، سوفَ أُخبرُكم عن ذلك.

والآن، سوفَ يُخبرُنا أربعةَ أشياءٍ عن ذلك: الأُسُسُ الَّتي يَقومُ عليها الاختِطاف، والمُشارِكونَ في الاختِطاف، وخُطَّةُ الاختِطاف، والمَنفعة [أوِ الفائدة] مِنَ الاختِطاف. فلننظُر على الأقلِّ نَظرة أوليَّة إلى الشَّيءِ الأوَّل في هذا الصَّباح: الأُسُسُ الَّتي يَقومُ عليها الاختِطاف. فما هو الأساسُ الَّذي يُبنَى عليه؟ فلا بُدَّ مِن وُجودِ أساسٍ لهذا الشَّيء. فهو ليسَ افتراضًا فَلسفيًّا، وليسَ أُسطورةً دينيَّةً، وليسَ حِكايةً مُلَفَّقةً مِن قِبَلِ أشخاصٍ يُريدونَ بِحُسْنِ نِيَّةٍ أن يَجعلوا الآخرينَ يَشعرونَ بمشاعر طَيِّبة بسببِ حُزنِهم. فما هو الأساسُ الَّذي يُبنَى عليهِ هذا الوعدُ العظيمُ الَّذي يَقولُ إنَّ يسوعَ سيأتي ليَجمَعَنا كُلَّنا؟ يُقَدِّمُ لنا بولسُ ثلاثةَ عَناصِرَ أو ثلاثة أُسُس في الحقيقة: مَوت المسيح، وقيامة المسيح، وإعلان المسيح.

لِنَنظُر إلى مَوتِ المسيح في العدد 14: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ...". تَوقَّفوا هُنا. في هذهِ الحالة، قد تُؤدِّي الأداة "إنْ" إلى تَشويشِنا. ولكنَّها لا تُوحي بوجودِ أيِّ شَكّ، بل هي مَذكورة هُنا فقط للإشارة إلى التَّسلسُلِ المَنطِقِيِّ؛ أيِ التَّسلسُلِ المَنطِقِيِّ للإيمان: "إن كُنتُم تُؤمِنون" - وفي هذه الحالة فإنَّ ذلكَ الشَّرط قد تَحَقَّق. لِذا يُمكنكُم أن تَقولوا: "حيثُ إنَّكُم تُؤمِنونَ بأنَّ يسوعَ قد ماتَ"، أو "استِنادًا إلى حَقيقةِ أنَّ يسوعَ قد ماتَ". فالقصدُ مِنها هو ذِكْرُ الافتراض: "حيثُ إنَّكُم تُؤمنونَ بموتِ المسيحِ، فإنَّ كذا وكذا وكذا". فهو يُتابِعُ حَديثَهُ. إذًا، "إن كُنتُم تُؤمِنونَ..."، أو: "إن كُنَّا نُؤمِنُ أنَّ يسوعَ مَاتَ...". فالأمرُ كُلُّهُ يَبتدئُ مِن هُنا. فلكي تُؤمِنوا بالاختِطافِ، ولكي تَفهموا مَجيءَ يَسوعَ لاختطافِ كَنيستِه، يجب أن تُؤمِنوا بموتِ المسيح. ولكن ما الَّذي يَعنيه بذلك؟ لقد كانَ مَوتُ المسيحِ هو الَّذي دَفَعَ أُجرةَ ماذا؟ خَطايانا. لِذا فإنَّ مَوتَ المسيحِ هو الَّذي جَعَلَنا نَحصُلُ على الحياةِ الأبديَّة. فلأنَّ يسوعَ حَمَلَ خَطايانا في جَسَدِه، ولأنَّهُ صَارَ خَطيَّةً لأجلِنا، ولأنَّ مَوتَهُ تَمَّمَ كُلَّ الشُّروطِ الَّتي طَلَبَها اللهُ لِدَفعُ أُجرةِ الخطيَّة، بسببِ ذلكَ، صارَ بمقدورنا أن نَجتمعَ معًا بواسطةِ المسيحِ في حَضرةِ الله. أليسَ كذلك؟

لِذا، يجب علينا أن نَبتدئَ بتلكَ النُّقطة. فمِن خلالِ مَوتِهِ تَمَّمَ كُلَّ الشُّروط. لِذا، عندما يَقولُ بولسُ: "إن كُنَّا نُؤمِنُ أنَّ يسوعَ مَاتَ"، فإنَّهُ لا يَتحدَّثُ ببساطة عن مَوتِ يسوعَ بعَقليَّةِ الشَّهيدِ المُتَحَجِّرَةِ ذاتِ البُعدِ الواحد؛ بل إنَّهُ يُلَخِّصُ فيهِ كُلَّ عَملِ الفِداء. "فإن كُنَّا نُؤمِنُ [وهذا صَحيح] بالمَفاعيلِ الكامِلةِ لموتِ المسيحِ، لا شَكَّ في أنَّنا نَعرِفُ أنَّ أُجرةَ الخطيَّةِ قد دُفِعَت". أليسَ كذلك؟ ونحنُ نَعرِفُ أيضًا أنَّنا صِرنا بسببِ ذلك مَقبولينَ لَدى الله. وإن صِرنا مَقبولينَ لدى اللهِ، هُناكَ أساسٌ يُمكِنُ لاجتماعِنا معًا أن يَستَنِدَ إليه. فلو لم نَكُن مَقبولينَ لدى اللهِ فإنَّهُ لن يَجمَعَنا إليه. أو إن لم نَكُن نَنتمي إلى ابنِهِ مِن خلالِ المَوتِ البَدَلِيِّ والإيمانِ بذلكَ الشَّخصِ وبعملِهِ، فإنَّهُ لن يَجمَعَنا معًا. ولكن حيثُ إنَّنا خَلُصنا بِمَوتِهِ فإنَّنا نُؤمِنُ باجتماعِنا معًا. والحقيقةُ هي أنَّ يسوعَ مَاتَ... ويُمكنكُم أن تُلاحِظوا أنَّهُ لا يُشيرُ إلى يسوعَ مُستخدِمًا الكلمةَ "رَقَد" لأنَّ يَسوعَ مَاتَ وشَعَرَ بكُلِّ غَضَبِ الموتِ بكُلِّ أبعادِهِ لأنَّهُ حَمَلَ في جَسَدِهِ خَطايانا لكي يَجعلَ المَوتَ بالنِّسبةِ إلينا رُقادًا.

وقد عَبَّرَ أحدُ الكُتَّابِ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "لقد تَمَّ تَحويلُ الموتِ إلى رُقادٍ مِن خِلالِ مَوتِ المسيح. وهي استِعارَة مُوَفَّقة تَغَيَّرت فيها كُلُّ فِكرةِ الموت. فالمسيحُ جَعَلَ الرُّقادَ كِنايَةً للموتِ في مُفرداتِ الكنيسة" [نِهايةُ الاقتباس]. فالمسيحُ جَعَلَ الرُّقادَ كِنايَةً للموتِ في مُفرداتِ الكنيسة. لماذا؟ لأنَّهُ دَفَعُ أُجرةَ خَطايانا. وقد تَقول: "وما شأنُ ذلكَ بهذا الأمر؟" لأنَّ أُجرةَ الخطيَّةِ هي مَوت. فإن كانتِ الأُجرةُ قد دُفِعَت فإنَّنا لن نُواجِهَ المَوتَ، بل سنَرقُدُ مُؤقَّتًا فقط. فشَوكَةُ المَوتِ هي ماذا؟ الخطيَّة (رسالة كورنثوس الأولى 15: 56). فهي مِثلُ نَحلَة. فعندما قَرَصَتِ النَّحلةُ يَسوعَ ومَاتَ، بَقِيَت إبْرَتُها فيه ولم يَعُد هُناكَ مَزيدٌ مِنَ اللَّسْعات. لِذا، لم يَعُد هُناكَ مَوت. ويجب علينا أن نَقولَ لا إنَّ فُلانًا مَاتَ، بل إنَّ فُلانًا حَيٌّ في الرُّوحِ معَ يسوعَ المسيحِ وجَسَدُهُ راقِدٌ بانتظارِ اجتماعِنا معًا. فهذا هو ما يَحدُثُ للمُؤمِنينَ عندما يَموتون. فأرواحُهم تَذهبُ حالاً لتكونَ معَ الرَّبِّ في شَرِكَة. أمَّا أجسادُهم فَتَذهبُ لِتَنامَ أو تَرقُد. هذا هو الأساسُ العَظيمُ الأوَّل. وهذا الرَّجاءُ قد تَحَقَّقَ لأجلِنا مِن خِلالِ مَوتِه.

الأساسُ الثَّاني في العَدد 14: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ [ثانيةً]". هذا هو الأساسُ الثَّاني. فعندما أُقيمُ يسوعُ مِنَ الأمواتِ مِن قِبَلِ الآبِ، كانَ ذلكَ بُرهانًا على أنَّ الآبَ قَبِلَ ذَبيحةَ المسيحِ، وأنَّهُ أعلَنَ مِن خِلالِ إقامَتِهِ للَمسيحِ أنَّهُ سيُقيمُ أولئكَ الَّذينَ هُم فيه. فعندما أقامَ الآبُ المسيحَ مِنَ الأمواتِ، أَعلنَ أنَّ يسوعَ المسيحَ انتصرَ على الموتِ لا فقط لأجلِهِ هُوَ، بل أيضًا لأجلِ كُلِّ مُؤمِن. لِذا فإنَّ بولسَ يَمضي ويقولُ إنَّهُ إن كُنَّا نُؤمِنُ بأنَّ يسوعَ ماتَ وقامَ، "فَكَذلِكَ...". والآن، يُمكِنُنا أن نَرى أداةَ الرَّبْطِ في هذهِ الكلمة؛ أي إنَّ اللهَ سيُحضِرُ مَعَهُ أولئكَ الَّذينَ رَقَدُوا بِيَسُوع. فكما تَرَوْنَ فإنَّ قِيامَتَنا واجتِماعَنا معًا عندَ مَجيئِهِ يَتوقَّفُ على قِيامَتِه.

وأنا أُحِبُّ ما كَتَبَهُ "إيان هوارد مارشال" (I. Howard Marshal) مِن جامعة "آيبردين" (Aberdeen) بأُسكُتلندا (Scotland). فقد قالَ ما يَلي: "سوفَ يُعامِلُ اللهُ الأشخاصَ الَّذينَ مَاتُوا مُؤمِنينَ بيسوعَ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي عامَلَ بها يَسوعَ نَفسَهُ؛ أي أنَّهُ سيُقيمِهُم". فهو سيُعامِلُنا بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي عامَلَ بها يَسوع. وعندما ماتَ يَسوعُ أينَ ذَهبَ رُوحُهُ؟ لقد كانَ رُوحُهُ حَيًّا. وقد أَعلنَ النُّصرةَ والغَلَبَةَ في الوقتِ الَّذي كانَ فيهِ جَسَدُهُ في القَبر. ولكنَّ اللهَ أقامَ ذلكَ الجسدَ وجَمَعَهُ بتلكَ النَّفس الأبديَّة للأقنومِ الثَّاني في الثَّالوث. وهذا هو تَمامًا ما سيَفعلُهُ بِكَ. فعندما تَموتُ فإنَّ رُوحَكَ يَذهبُ ليكونَ معَ الآبِ، ومعَ الابن. أمَّا جَسَدُكَ فسيكونُ في القَبر. ولكنَّ اللهَ سيُقيمُ ذلكَ الجسدَ مِنَ القَبرِ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي أقامَ فيها يَسوع. فسوفَ يُقيمُكَ لكي تَنضَمَّ إلى ذلكَ الرُّوح الأبديّ في ذلكَ الشَّكلِ الأخيرِ لتكونَ مُشابهًا للمسيح. فسوفَ تَكونُ مِثلَهُ لأنَّكَ ستَراهُ كما هُوَ (كما يَقولُ يوحنَّا).

لِذا فإنَّ الكلمة "فَكَذَلِكَ" هي الرَّابط بينَ مَوتِ المسيحِ وقيامَتِهِ مِن جِهَة، وبينَ مَا يَحدُثُ للمؤمنينَ عندَ مَجيئِه. فقيامَتُنا جميعًا مُرتبطة بقيامةِ المسيح. ونحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى 15: 23: "الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِه". فكما أَقامَهُ اللهُ [كما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 13: 20] فإنَّ اللهَ سيُقيمُنا نحنُ أيضًا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ يسوعَ قالَ في إنجيل يوحنَّا 14: 19: "إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْن". والآية 1كورنثوس 6: 14 تَقولُ ذلكَ مُباشَرةً: "وَاللهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ". والآية 2كورنثوس 4: 14 تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ، وَيُحْضِرُنَا مَعَكُمْ". هذا هو رَجاؤُنا. فأساسُ اجتِماعِنا مَعًا هو مَوتُ المسيح لأنَّ أُجرةَ خَطايانا قد دُفِعَت، ولأنَّ اللهَ رَضِيَ بذلكَ وحَسَبَنا أبرارًا في المسيح، وارتضَى أن يَقبَلَنا لِنَفسِه. والأساسُ الثَّاني لاجتِماعِنا هو القِيامة لأنَّها شَهادَةُ قَبولٍ مِنَ اللهِ للعملِ الكاملِ الَّذي عَمِلَهُ المسيحُ، ولأنَّها الضَّمانَةُ بقيامتِنا نحنُ الَّذي هُم في المَسيح لأنَّهُ سيُعامِلُنا بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي عَامَلَ بها المسيح إذْ إنَّهُ سيُقيمُنا مِنَ الأموات.

ثُمَّ إنَّ بولسَ يَقولُ ذلكَ تَحديدًا في العدد 14: "فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ". مَا الَّذي يَقولُهُ؟ إنَّهُ يَقول: "انظروا يا أصدقائي: لن يَفوتَكُم شَيء. وحتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَموتونَ لن يَفوتَهُم شَيء. فاستِنادًا إلى مَوتِ المسيحِ وعَمَلِهِ الكامِل، واستِنادًا إلى قِيامةِ المسيحِ ومَشيئةِ الآبِ، سوفَ يُحضِرُ اللهُ مَعَهُ أولئكَ الَّذينَ رَقَدوا في يَسوع". والكلمة "مَعَهُ" تَعني: "مَعَ المَسيح". فعندما يأتي المسيحُ في مَجدِهِ ليَجمَعَ شَعبَهُ، سوفَ يَكونُ الرَّاقِدونَ هُناك. هذا هو الجَوابُ على السُّؤال. والآن، ما مَعنى هذه الجُملة القصيرة: "سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ"؟ إنَّ الكلمة "مَعَهُ" تَعني: "مَعَ المَسيح". ولكن ما مَعنى أنَّ اللهَ سَيُحضِر؟ يَقولُ بَعضٌ إنَّها تَعني أنَّ اللهَ سيُحضِرُ معَ المسيحِ مِنَ السَّماءِ إلى أسفَل أرواحَ المَسيحيِّينَ الأموات كي تَتَّحِدَ بأجسادِهم. فكما تَعلمونَ فإنَّ النَّصَّ يَقولُ لاحقًا إنَّنا سنُلاقيهِ في الهَواء. لِذا فإنَّ اللهَ سيُحضِرُ مِنَ السَّماءِ إلى أسفَل أرواحَهُم لكي تَتَّحِدَ بأجسادِهم الصَّاعِدَة فَتَتَّحِدُ تلكَ الأجسادُ والأرواحُ معًا في تلك النُّقطة. وهُناكَ مَن يَقولُ: "لا، بل إنَّ المَعنى هو أنَّ اللهَ سيُحضِرُ معَ المسيحِ إلى المَجدِ كُلَّ أولئكَ المُجتمِعينَ معًا مِنَ الأحياءِ والأموات. فحالَ اجتِماعِهم معًا، سيُحضِرُهُم اللهُ إلى المَجد.

وقد تَقول: وأيُّ الرَّأيَيْنِ صَائِب؟ مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ كِليهِما صَائبٌ. ولا أعتقدُ أنَّنا بحاجة إلى تَعقيدِ الأمر كثيرًا. وحَتَّى إنَّ آخرينَ قالوا إنَّها تَعني أنَّ اللهَ سيُحضِرُ أرواحَ هؤلاءِ المؤمنينَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ وأنَّهُم سيَظَلُّونَ على الأرض. فهذا واحدٌ مِنَ الآراء. ولكنَّ هذا الرَّأيَ غيرُ مَعقول. فإن كُنتُم ستَأتونَ إلى الأرضِ، لماذا سنَلتقي في الهواء؟ فهذه رِحلة لا مُبَرِّرَ لها إن كُنَّا سنَرجِع. ثانيًا، هذا لا يَنسَجِمُ معَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وقد تَقول: ماذا تَقصِد؟ انظروا قليلاً إلى إنجيل يوحنَّا 14: 1: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي". فقدِ اضطَربَ التَّلاميذُ مَرَّةً أخرى لأنَّ يسوعَ كانَ على وَشْكِ المُغادرة. وَهُم لم يكونوا يَعلَمونَ ماذا سيَحدُثُ لهُم. وهو يَقول: "سوفَ أَمضي. هذا صَحيح". "فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ [ماذا؟] مَكَانًا" أين؟ في السَّماءِ، في بيتِ الآب. "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا..." [هُناكَ استِنتاجٌ مَنطقيٌّ] "...آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ". هل هذا الأمرُ مَعقولاً؟ إنَّهُ مَعقولٌ في نَظري. "آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". سوفَ أذهبُ إلى السَّماءِ إلى بيتِ الآبِ. وسوفَ أُعِدُّ مَكانًا لَكُم. ثُمَّ إنَّني سَآتي وآخُذُكم. سوفَ آخُذُكم إلى المَكانِ الَّذي أعددتُهُ لَكُم حيثُ أكونُ أنا. ولا شَكَّ في أنَّ هذا المَكانَ هو السَّماء. لِذا، نَستنتِجُ أنَّهُ عندما يَجمَعُ يَسوعُ المؤمنينَ معًا، بأيِّ اتِّجاهٍ سنَذهب؟ إلى أعلى. فسوفَ نَلتقي في الهَواء ونَستمرُّ في طَريقِنا إلى السَّماء. صَحيحٌ أنَّنا لا نُجاوِبُ الصَّوابَ إن قُلنا إنَّ أرواحَنا [أيْ أرواحَ المؤمنينَ الَّذينَ ماتوا] ستَنزِلُ لمُلاقاةِ تلكَ الأجساد؛ ولكن حالَ حُدوثِ ذلكَ اللِّقاء سنَجتمِع بالمسيح. فهو سيَجمَعُنا إليه ويأخُذنا إلى المَكانِ الَّذي هُوَ فيه. ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا المَكانُ هو في بيتِ الآبِ في السَّماءِ حيثُ يُعِدُّ مَكانًا لنا. لِذا، لا بُدَّ مِن وُجودِ وقتٍ فَاصِلٍ قبلَ أن يَعودَ إلى الأرضِ لتأسيسِ مَلكوتِه. لِذا، عندما يأتي يَسوعُ فإنَّهُ يَقولُ إنَّ اللهَ سَيُحضِر كُلَّ المُجتمِعينَ معًا بمَن في ذلكَ أولئكَ الرَّاقدين. فاللهُ سيُحضرهم جميعًا إليه معَ يسوعَ المسيح. هذا هو الاجتماعُ معًا. وهذا هو الحَدَث. وهو يَقولُ إنَّ أولئكَ الرَّاقِدينَ لن يُفَوِّتوا الفُرصة. لِذا، لا تَحزَن على الأشخاصِ الَّذينَ يَموتونَ، ولا على نَفسِكَ لأنَّكَ ستَموت.

وأُذَكِّرُكُم مَرَّةً أخرى بأنَّهُ مِنَ الواضحِ حَقًّا أنَّهُ كانت توجدُ لديهم أسبابٌ تَدعوهم إلى الاعتقادِ بأنَّ يَسوعَ يُمكِنُ أن يأتي في فَترةِ حَياتِهم. أليسَ كذلك؟ وإلاَّ لما كانت تلكَ الأسئلة قد طُرِحَت لو كانوا يَعتقدونَ أنَّ ذلكَ الحَدثَ سيَحدُثُ بعدَ آلافِ السِّنين. فقد أعطاهُم بولُسُ انطباعًا بأنَّ ذلكَ قد يَحدُثُ في فَترةِ حَياتِهم.

وهُناكَ مُلاحظة أخرى ذَكرتُها لَكُم للتَّوّ. ففي نهايةِ العدد 14 نَقرأُ العِبارة: "فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوع". وأفضلُ طَريقةٍ لِفَهمِ تلكَ العِبارةِ هي أنَّها عِبارة يُمكِنُنا أن نُسَمِّيها: "ظَرْفيَّة". فاستِخدامُ حَرفِ الجَرِّ "الباء" هُنا يُمكِنُ أن يَعني أنَّهم مَاتُوا في ظَرفٍ جَعَلَهُم مُرتبطينَ بيسوعَ المسيح. فقد مَاتُوا في مَوقفٍ كانوا فيهِ مُرتَبِطينَ بيسوعَ المسيح. لِذا فإنَّ كُلَّ الَّذينَ رَقَدوا مُؤقَّتًا في القُبورِ مِن جِهَةِ أجسادِهم الماديَّة بسببِ عَلاقتِهم بيسوعَ المسيحِ سيَكونونَ هُناكَ في ذلكَ الجَمْع. وأنا أريدُ مِنكُم وَحَسْب أن تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّكُم إذا كُنتُم يَومًا في المسيحِ فستكونونَ دائمًا في المسيح. ويُمكِنُ القَولُ إنَّكُم في المَسيح حتَّى لو كُنتُم راقِدينَ؛ أي حَتَّى لو كانت أجسادُكم رَاقدةً. فهو مَقامٌ دائم. فقد رَقَدْنا في يسوعَ (كما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى 15: 18). فالَّذينَ مَاتُوا في المسيحِ يَبْقَوْنَ في المسيحِ إلى أبدِ الآبِدين، وسوفَ يَقومونَ في المَسيح ويُجمَعونَ معَ بَقيَّةِ الأحياء. والآن، هذا هو فقط الجُزءُ الأوَّل. والجُزءُ المُشَجِّعُ سَيَتَكَشَّفُ عندما نَرى الأساسَ الأخيرَ، ثُمَّ الخُطَّةَ والمُشاركينَ والفائدةَ مِن ذلك. ولكنَّنا سنَفعل ذلكَ في المرَّة القادمة. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

فيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم قَليلاً، كنتُ أقرأُ في هذا الأسبوعِ عن فتاة صَغيرة عُمرها خَمسُ سِنين كانت تُراقبُ أخيها وَهُوَ يُحْتَضَر بسببِ مَرضٍ مُؤلمٍ جدًّا جدًّا. وقد كانَ أكبر مِنها بكثير، وكانت تُحِبُّهُ كثيرًا. وبعدَ أن ماتَ وانتهى الدَّفنُ، قالت لأُمِّها: "أُمِّي! أينَ ذَهبَ أخي؟" رَدَّتِ الأُمُّ وقالت: "لقد ذَهبَ إلى السَّماءِ ليكونَ معَ يَسوع". قالت: "حسنًا!" فقد كانَ ذلكَ الجَوابُ مُشبِعًا لعَقلِها الصَّغير. وبعدَ فترة ليست طَويلة، سَمِعَت أُمَّها تَتحدَّثُ إلى صَديقةٍ لها. وكانت أُمُّها تَبكي وتقول: "لقد فَقَدتُ ابني! لقد فَقَدتُ ابني! لقد فَقَدتُ ابني!" وفي وقتٍ لاحِقٍ مِن ذلكَ اليوم، جاءتِ الفتاةُ ذاتُ الأعوامِ الخمسة إلى أُمِّها وقالت: "أُمِّي! هل يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّنا فَقَدنا شَخصًا إن كُنَّا نَعلَمُ أينَ هُوَ؟" والجَوابُ عن هذا السُّؤالِ هو: لا! لا يُمكِنُنا أن نَقولَ عن شخصٍ إنَّهُ مَفقودُ إن كُنَّا نَعلَمُ أينَ هُوَ. لِذا فإنَّنا لا نَحزَنُ كَمَن هُم بِلا رَجاء. فأرواحُ الأشخاصِ الَّذين مَاتوا في المسيحِ هي في حَضرةِ اللهِ، وأجسادُهُم رَاقِدَةً. وَهُم لن يُفَوِّتوا الحَدَثَ العَظيمَ لاجتماعِهم معًا معَ الكنيسةِ عندما يأتي يَسوع. فهذا هو وَعدُ الكتابِ المقدَّس.

نَشكُرُكَ يا أبانا على هذا الوَعدِ وهذا الرَّجاء. ونحنُ نُصَلِّي في هذا اليوم ألاَّ يَكونَ هُناكَ أيُّ شَخصٍ يَسمَعُ هذهِ الرِّسالة ولا يَعيشُ في ذلكَ الرَّجاء. يا أبانا، نحنُ نُصَلِّي لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ بِلا رَجاء، والَّذينَ يَنظرونَ إلى الموتِ كما لو كانَ زُقاقًا مُظلِمًا، أو طَريقًا مُظلِمًا، أو شَارِعًا باتِّجاهٍ واحد لأنَّهُ ليسَ لَهُم رَجاءٌ بلِقاءِ أحبَّتِهم، وليسَ لهُم رَجاءٌ بالقيامة، وليسَ لَهُم رَجاءٌ بالفَرحِ الأبديّ. يا رَبّ، اجذِبهُم إلى المُخَلِّصِ في هذا اليوم. خَلِّصهُم يا رَبّ. خَلِّصهُم بنِعمتِك لكي يَتمتَّعوا بالرَّجاءِ الَّذي يَتمتَّعُ بِهِ أولئكَ الَّذينَ هُم في المسيحِ بأنَّ الأحياءَ والرَّاقدينَ سيَجتمعونَ معًا ذاتَ يومٍ ليكونوا إلى الأبد معَ المسيح، وبأنَّهم سيَذهبونَ إلى المَسكَنِ الَّذي أُعِدَّ لنا في بيتِ الآبِ لنكونَ حيثُ يَكونُ مُخَلِّصُنا. كم نَشكُرُكَ، يا أبانا، لأنَّ ذلكَ الرَّجاءَ مُتاحٌ لكُلِّ الَّذينَ يُؤمِنونَ بيسوعَ المسيحِ الَّذي نُصَلِّي هذا باسمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize