Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَعودُ الآن إلى الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ تسالونيكي 5: 4-11 ونَتقدَّمُ سَريعًا إلى الذُّروةِ المُتَقَطِّعَةِ في هذهِ الرِّسالةِ العظيمةِ والَّتي نَجِدُها في الأعداد مِن 12 إلى 28 والَّتي ستُغنينا جميعًا جدًّا. ولكن إذْ نَنظرُ مَرَّةً أخرى إلى هذا النَّصِّ تَحديدًا، لا بُدَّ أنَّكُم تَذكُرونَ [إن كُنتُم معنا في الأسبوعينِ المَاضِيَيْن] أنَّني عَنْوَنْتُ هذهِ العِظَة: "أبناءُ اللَّيلِ وأبناءُ النَّهار". وقد ذَكرنا ذلكَ لأنَّ بولسَ يَذْكُرُ ذلكَ ويقولُ إنَّ كُلَّ العالَمِ يَنقسِمُ إلى نَوعينِ مِنَ النَّاس: أبناءُ اللَّيلِ وأبناءُ النَّهار؛ أيِ الأشخاصُ المُقترنونَ بالظَّلامِ والأشخاصُ المُقترنونَ بالنَّهار. واسمَحوا لي أن أقرأَ النَّصَّ وَحَسْب على مَسامِعِكُم ابتداءً مِنَ العددِ الرَّابع: "وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ كَلِصٍّ. جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْل وَلاَ ظُلْمَةٍ. فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ. لأَنَّ الَّذِينَ يَنَامُونَ فَبِاللَّيْلِ يَنَامُونَ، وَالَّذِينَ يَسْكَرُونَ فَبِاللَّيْلِ يَسْكَرُونَ. وَأَمَّا نَحْنُ الَّذِينَ مِنْ نَهَارٍ، فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ. لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لاقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا، حَتَّى إِذَا سَهِرْنَا أَوْ نِمْنَا نَحْيَا جَمِيعًا مَعَهُ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَابْنُوا أَحَدُكُمُ الآخَرَ، كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضًا".

في ذلكَ النَّصِّ، مِنَ الواضحِ أنَّ بولسَ يَتحدَّثُ عن أبناءِ النَّهارِ وأبناءِ اللَّيل. وهو ليسَ الشَّخصَ الَّذي قَدَّمَ هذهِ الفكرة، بل إنَّها فِكرةٌ تَرجِعُ حَتَّى إلى زَمَنِ العهدِ القديم. واسمَحوا لي أن أرى إن كُنتُ أستطيعُ أن أُقَدِّمَ لكم جُزءًا مِن تاريخِ التَّركيزِ على هذهِ الفِكرةِ تَحديدًا. ففي المَزمور 107 والعدد 10، نَقرأُ: "الْجُلُوسَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، مُوثَقِينَ بِالذُّلِّ وَالْحَدِيدِ. لأَنَّهُمْ عَصَوْا كَلاَمَ اللهِ، وَأَهَانُوا مَشُورَةَ الْعَلِيِّ". والآن، هذا وَصْفٌ لأشخاصٍ يَنتمونَ إلى اللَّيلِ، ووَصفٌ لأشخاصٍ في الظَّلام. فَهُم يَمكُثونَ في الظُّلمة. وَهُم يَمكُثونَ في ظِلالِ الموت. وَهُم مُوْثَقونَ بالذُّلِّ، ومُوْثَقونَ بخطاياهُم [كما يُشيرُ المَعنى هُنا] لأنَّهم تَمرَّدوا على كلامِ اللهِ واستهانُوا بمشورةِ العَلِيِّ. والآيةُ الَّتي تَلي ذلكَ تَقولُ إنَّ اللهَ: "أَذَلَّ قُلُوبَهُمْ بِتَعَبٍ". أي أنَّهُم بَذَلُوا الكثيرَ مِنَ الجُهدِ المُهينِ دُونَ جَدوى. "عَثَرُوا وَلاَ مَعِينَ". فهذه هي بَلِيَّةُ بَني اللَّيل.

ثُمَّ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العدد 13 عن إنقاذِهم مِنَ الظُّلمة، وجَلبِهم إلى النَّهارِ إذْ نَقرأُ: "ثُمَّ صَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، فَخَلَّصَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ. أَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، وَقَطَّعَ قُيُودَهُمْ". أيْ مِن قُيودِ الخطيَّةِ والإثمِ والبُؤسِ الَّتي جَعَلَتهُم أَسرى. "فَلْيَحْمَدُوا الرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ. لأَنَّهُ كَسَّرَ مَصَارِيعَ نُحَاسٍ، وَقَطَّعَ عَوَارِضَ حَدِيدٍ". لِذا تَجِدونَ هُنا هذهِ المُقدِّمة عن أبناءِ اللَّيلِ والعُبوديَّةِ المُريعةِ الَّتي يَعيشونَها بسببِ حَياتِهم في اللَّيلِ وفي الظُّلمة. ونَقرأُ تلكَ المُلاحظةَ عن تَحريرِهم مِن خلالِ رَحْمةِ اللهِ ونِعمتِهِ العَجيبةِ لبني آدَم إذْ إنَّهُ أَخرجَهُم مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّور. لِذا، نَجِدُ أنَّ اللهَ يَرغبُ في إخراجِ النَّاسِ مِنَ اللَّيل إلى النَّهار.

وقد تَحدَّثَ إشعياءُ بعباراتٍ أكثر تَحديدًا عن هذهِ الرَّغبةِ الإلهيَّةِ عندما كَتَبَ عنِ المَسيَّا إذْ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 9: 2: "اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ". ومَنِ الَّذي يَستطيعُ أن يُخرجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلمة؟ ومَنْ هُوَ هذا النُّورُ الَّذي يُشرِق؟ نَقرأُ في العددِ السَّادس: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ. غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هذَا". ولا شَكَّ في أنَّ الولدَ الَّذي يُشيرُ إليهِ إشعياءُ هو المَسيَّا.

لِذا فإنَّ شَوقَ قَلبِ اللهِ في المَزمور 107 هو أن يأخُذَ النَّاسَ الَّذينَ يَعيشونَ في الظُّلمة ويُخرجهم إلى النُّور. وقد جاءَ المَسيَّا بهدفِ جَلْبِ النُّورِ وإشراقِهِ في الظُّلمة. وإن رَجَعنا إلى العهدِ الجديد، قبلَ التَّحدُّثِ عنِ المَسيح، نَجِدُ أنَّ إنجيلَ لُوقا والأصحاحَ الأوَّل يَتحدَّث عن يُوحنَّا المَعمدان. وفي إنجيل لُوقا والأصحاحِ الأوَّل، نَقرأُ أنَّ أَبَا يُوحنَّا المَعمدان، وهو كاهنٌ يُدعَى زَكريَّا، زَوج أليصابات، سَمِعَ أنَّ ابنَهُ سيُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَ المَسيَّا. فامتلأَ زَكريَّا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وتَنبَّأ. وفي إنجيل لُوقا 1: 68 وما يَليه، تَقرأونَ عَمَّا خَرَجَ مِن شَفتيِّ زَكريَّا بوَحْيٍ إلَهِيٍّ عندما سَمِعَ الوعدَ بأنَّهُ سيكونُ لَهُ ابنٌ، أيْ يُوحَنَّا المَعمَدان، يُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَ المَسيَّا. وفي العَدد 76، يُمكنُنا أن نَقرأَ مَا قَالَهُ عنِ ابنِهِ يوحنَّا المَعمدان: "وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ. لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ، بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ [أيِ المَسيحُ] مِنَ الْعَلاَءِ لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَم". لِذا فقد فَرِحَ زَكريَّا وسَبَّحَ اللهَ لأنَّهُ عَلِمَ أنَّ ابنَهُ سَيُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَ الفَجْرِ المُشْرَقِ أو نُورِ الشَّمسِ أو "شَمْسِ البِرِّ" كما يُسَمِّيهِ نَبيُّ العهدِ القديمِ إذْ إنَّهُ سيَجعلُ النُّورَ يُشرِقُ في الظَّلامِ ويُحَوِّلُ أبناءَ اللَّيلِ إلى أبناءِ نَهار.

لِذا فإنَّكُم تَبتدئونَ برغبةِ اللهِ في إخراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّورِ، وتَنتقلونَ إلى نُبوءةِ النَّبيِ إشعياءَ الَّذي قالَ إنَّهُ سيكونُ المَسيَّا، ثُمَّ تَنتقلونَ إلى يُوحنَّا المَعمدان الَّذي جاءَ ليُعلِنَ للعالَمِ أنَّ الفَجْرَ المُشْرَقَ سيأتي ويُنيرُ الظُّلمة. ثُمَّ تَسمَعونَ الكلماتِ الرَّائعةَ جدًّا الَّتي كُتِبَت في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الرَّابعِ ابتداءً مِنَ العدد 12 إذْ نَقرأُ أنَّ يَسوعَ: "انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ. وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ. الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ»". فقد قالَ إشعياءُ إنَّ ذلكَ سيَحدُث. وقد قالَ زَكريَّا إنَّ ابنَهُ سيُعلِنُ ذلك. والآن، ها هُوَ يَسوعُ يَقولُ إنَّ ذلكَ تَحَقَّق... إنَّ ذلكَ تَحَقَّق. أنا هُنا. فقد أشرقَ النُّور. "مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ»".

ومَرَّةً أخرى، نَقرأُ في إنجيل يُوحنَّا والأصحاحِ الثَّامنِ تلكَ الكلماتِ الرَّائعةَ إذْ إنَّ يَسوعَ قال: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاة". لِذا فإنَّ هذهِ الفِكرةَ عن أبناءِ اللَّيلِ وأبناءِ النَّهارِ هي فِكرة قَديمة. ويُمكنكُم أن تَجِدوها في العهدِ القديمِ إذْ إنَّ اللهَ يَرى الخَاطئَ غيرَ التَّائب بأنَّهُ شَخصٌ يَعيشُ في اللَّيل، ويَرى القِدِّيسَ المُؤمنَ بأنَّهُ شخصٌ يَعيشٌ في النَّهار. ويَسوعُ المَسيحُ، المَسِيَّا المُخَلِّصُ، هُوَ الوسيلةُ الَّتي تَنقِلُ النَّاسَ مِنَ الظُّلمة إلى النُّور.

ولكن كيف؟ ما الَّذي يَجعلُ ذلكَ يَحدُث؟ نحنُ نَعلمُ أنَّ المَسيحَ هو الَّذي يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلكَ؛ ولكِنْ بأيَّة وَسيلة؟ نَجِدُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 26 تلكَ الجُملةَ العظيمةَ الَّتي قالها اللهُ نَفسُهُ مِن خلالِ المسيحِ عندما كانَ يُخاطِبُ الرَّسولَ بولسَ الَّذي كانَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق وَفْقًا لشَهادةِ بولُس. ففي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 26: 15، قالَ الرَّبُّ: "أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ [وإليكُم المِفتاح:] بِالإِيمَانِ بِي". فقد قالَ الرَّبُّ يَسوعُ نَفسُهُ لبولُس: "إنَّ مَهَمَّتَكَ تَقتضي مِنكَ أن تَفتحَ عُيونَهُم كي يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ؛ وهو شَيءٌ مُرادِفٌ للانتقالِ مِن سُلطانِ الشَّيطانِ إلى الله، حَتَّى يَنالُوا غُفْرَانَ الْخَطَايَا ومِيراثًا. ولكنَّ ذلكَ يَحدُثُ للأشخاصِ الَّذينَ فُرِزوا مِن خِلالِ إيمانِهم بي". فلكي تَصيرَ ابنَ نَهار، يجب عليكَ أن تُؤمِنَ بالرّبِّ يسوعَ المسيح. والأشخاصُ الَّذينَ فُرِزوا للهِ كأبناءِ نَهارٍ بالإيمانِ بالمسيح قدِ انتقلوا مِن سُلطانِ الظُّلمةِ إلى مَلكوتِ ابنِ مَحبَّةِ اللهِ؛ أيْ مَلكوتِ النُّور. فذلكَ يَحدُثُ بالإيمان... بالإيمان.

ونَقرأُ في رسالة كولوسي 1: 13: "الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ، الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا". وكيفَ ذلك؟ بالإيمان؛ أيْ بأن تُؤمِنَ بالربِّ يسوعَ المسيح. ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِس: "لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ". لِذا، يُمكنُنا أن نَرى تَسلسُلَ الأحداث. فاللهُ لَديهِ شَوقٌ في قَلبِهِ إلى إخراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلمة. وقد تَنبَّأ النَّبيُّ بأنَّهُ سيأتي وَلَدٌ ويكونُ الشَّخصَ الَّذي يُشرِقُ حَقًّا في الظَّلام. ويُخبرُنا العهدُ الجديدُ أنَّهُ سيأتي شخصٌ يُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَهُ ويُعلِنُ عن مَجيئِه. ثُمَّ إنَّهُ يأتي ويُعلِنُ أنَّهُ هو نُورُ العَالَم. ثُمَّ نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ عن كَارِزٍ تَمَّ إرسالُهُ ليقولَ إنَّهُ لن تَكونَ هُناكَ ظُلمةٌ في الأماكِنِ الَّتي يُؤمِنُ النَّاسُ بهِ. ثُمَّ نَجِدُ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ آمَنوا بهِ انتقلوا حَقًّا مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّورِ وصَاروا أبناءَ نَهار. فقد كانوا قَبلاً ظُلمةٌ، ولكنَّهُم الآنَ نُورٌ ويَسكُنُ فيهم نُورُ الحَياة.

لِذا، عندما نَصِلُ إلى رسالة تسالونيكي الأولى نَجِدُ الكثيرَ مِن هذا. فقد سَمِعنا الكثيرَ مِن هذا. ونحنُ نَفهمُ الفَرقَ بينَ أبناءِ اللَّيلِ وأبناءِ النَّهار. لِذا فإنَّ العالَمَ يَنقسِمُ إلى هَذينِ الفَريقَيْنِ مِنَ النَّاس: أبناءُ اللَّيلِ وأبناءُ النَّهار. وهذا تَقسيمٌ يَستمرُّ إلى الأبد. فجَهنَّمُ هي الظُّلمةُ الأبديَّةُ والظَّلامُ الأبديُّ الَّذي يَسكُنُهُ أبناءُ اللَّيل. أمَّا السَّماءُ فهي النُّورُ الأبديُّ والنَّهارُ الأبديُّ الَّذي يَسكُنُهُ أبناءُ النَّهار. لِذا فإنَّ فِكرةَ هذا التَّفريقِ بينَ اللَّيلِ والنَّهارِ مَألوفَةٌ في الكتابِ المقدَّس. فأبناءُ اللَّيلِ (كما يَقولُ بولسُ – لِنَعُد إلى نَصِّنا الآن – في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي والأصحاحِ الخامِس) يَقترنونَ بالظُّلمةِ والنَّومِ والسُّكْر. أمَّا أبناءُ النَّهارِ فيَقترنونَ بالنُّورِ والسَّهَرِ والصَّحْو. ثُمَّ إنَّ الرَّسولَ يَرسُمُ خَطًّا واضحًا جدًّا بينهُما، ويُبيِّنُ المُفارقةَ الصَّارخةَ والتَّامَّةَ بينَ أولئكَ الَّذينَ نَالوا الخَلاصَ بيسوعَ المسيحِ بالإيمانِ بِهِ وبينَ أولئكَ الَّذينَ لَيسُوا كذلك.

والآن، لماذا يَعْقِدُ هذهِ المُفارقةَ هُنا في نِهايةِ هذهِ الرِّسالة؟ ببساطة: لكي يُشَجِّعَ مُؤمني تسالونيكي. فهو يَقولُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 18: "لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَم". وهو يَقولُ في الأصحاحِ الخامسِ والعدد 11: "لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" أو "شَجِّعوا بَعضُكُم بَعضًا". فهي نَفسُ الكلمة. "وَابْنُوا أَحَدُكُمُ الآخَرَ، كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضًا". لِذا فإنَّ هذا المَقطعَ الَّذي نَتأمَّلُ فيهِ يَقعُ بينَ جُملتينِ عنِ التَّعزية. فقَصْدُهُ هُنا هو أن يُعَزِّي مَجموعةً مِنَ المُؤمنينَ الخَائفين. فقد كانَ مُؤمنو تسالونيكي أشخاصًا آمَنوا حَديثًا. وقد كانوا أحداثًا في الرَّبّ. وأنا لا أَشُكُّ البَتَّةَ في أنَّهُم عندما بُشِّروا في الأصلِ مِن قِبَلِ الرَّسول بولُس، كانت رسالتُهُ تَتضمَّنُ دَينونةً قويَّةً جدًّا جدًّا. فقد كَرَزَ عنِ الدَّينونة. وقد كَرَزَ عن غضبِ الله. وقد كَرَزَ عنِ الدَّينونةِ الأبديَّةِ في جَهنَّم. وعندما كانَ يُبَشِّرُ النَّاسَ في تسالونيكي، لا شَكَّ في أنَّهُ رَكَّزَ كثيرًا على الدَّينونةِ المُستقبليَّة. ولا بُدَّ أنَّهُ قالَ الكثيرَ عن يومِ الرَّبِّ، وعن يومِ النَّقمةِ الأخير، وعن غَضبِ اللهِ عندما يَسكُبُ كُلَّ غَضَبِهِ على الخُطاةِ غيرِ المُؤمنينَ ويُرسلُهم إلى جَهنَّمَ الأبديَّة. ولا شَكَّ في أنَّهُ تَحدَّثَ عنِ النِّهايةِ المَحتومةِ للخطيَّةِ والطَّريقِ الَّذي تَقودُ إليهِ عندما بَشَّرَهُم أوَّلاً. وبعدَ أن نَالوا الخَلاصَ، رُبَّما أخبرَهُم المَزيدَ عن يومِ الرَّبِّ. فعلى أقَلِّ تَقدير، يَبدو أنَّ هذا هو ما تُشيرُ إليهِ الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ تسالونيكي.

لِذا فقد كانوا يَشعرونَ بخَوفٍ طَبيعيٍّ مِن دَينونةِ الله. ورُبَّما كانَ ذلكَ الخَوفُ هو العامِلُ الرَّئيسيُّ الَّذي دَفَعَهُم إلى التَّفكيرِ في أقوالِ يسوعَ المَسيحِ، وفي عَمَلِهِ على الصَّليبِ، وفي قِيامتِه. لِذا، لقد كانَ لَديهم هذا الشُّعورُ القويُّ جدًّا بخطورةِ الدَّينونةِ الأبديَّة. وبسببِ ذلك، نَشأَ قَلَقٌ في قُلوبِهم وخَافُوا مِن أنَّ بَعضًا مِنَ المُؤمنينَ سيُفَوِّتونَ الاختطافَ ويَنتهي المَطافُ بهم في الدَّينونة، ومِن أنَّهُ إنْ مَاتَ مُؤمِنٌ أو تَمَّ نِسيانُه فإنَّهُ قد يَكونُ مُعَرَّضًا لِحُلولِ غَضبِ اللهِ عليه.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ في أثناءِ تأمُّلِنا في الأصحاحِ الرَّابعِ والأعداد مِن 13 إلى 18 أنَّهُم كانوا يَتساءلونَ قائلينَ: إن ماتَ مُؤمِنٌ قبلَ أن يأتي يَسوعُ، هل سيُفَوِّتُ الاختِطاف؟ فقد ظَنُّوا أنَّهُ رُبَّما إنْ فَوَّتَ الاختِطافَ فإنَّ المَطافَ سيَنتهي بهِ في الغَضَبِ الأبديِّ، وأنَّ المُؤمنينَ الأحياءَ عندما يأتي يسوعُ هُمُ الوحيدونَ الَّذينَ سيُختَطَفون. أمَّا البقيَّةُ فَسيُدانون. لِذا فقد كانوا خائِفين. وكان وَاحِدٌ مِن مَخاوِفِهم يَتَمَثَّلُ في أنَّهُم إنْ فَوَّتُوا الاختطافَ فإنَّهُم سيَعْلَقونَ في يومِ الرَّبّ. فقد لا يَتذكَّرُهم اللهُ. أو قد يَنساهُم اللهُ. أو رُبَّما يَخسرونَ تلكَ الفُرصةَ بسببِ مَوتِهم. لِذا فقد كانوا خَائفين. وقد كُتِبَ هذا المَقطعُ لِتَعزيتِهم، ولتَبديدِ مَخاوِفِهم، ولتَشجيعِهم بحقيقةِ أنَّهُ يوجدُ فَرقٌ واضحٌ بينَ أبناءِ النَّهارِ وأبناءِ اللَّيل. فاللهُ يَعرفُ ذلكَ الفَرق. وهو يَعرِفُ الَّذينَ يَنتَمونَ إليه. والطَّريقةُ الَّتي سيُعامِلُ بها أبناءَ اللَّيلِ والطَّريقةُ الَّتي سيُعاملُ بها أبناءَ النَّهارِ هُما طَريقتانِ مُختلِفتانِ تَمامًا. فَلاَ مَكانَ في الأحداثِ المُختصَّةِ بأبناءِ اللَّيلِ لأبناءِ النَّهار. ولا مَكانَ للأحداثِ المُختصَّةِ بأبناءِ النَّهارِ لأبناءِ اللَّيل. واللهُ يَعرِفُ الفَرقَ. ويُمكنُكم أن تَطْمَئِنُّوا بهذا الشَّأن.

وهذا يُذَكِّرُنا جدًّا جدًّا بمَجموعةٍ سابقةٍ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ كانت لديهم مَخاوِف مُشابِهَة. فإذا نَظرتُم إلى السِّفْرِ الأخيرِ في العهدِ القديمِ، أيْ إلى النُّبوءةِ الَّتي كَتَبَها مَلاخي، ستَجِدونَ شَبَهًا مُدهشًا جدًّا هُناك. فنحنُ نَقرأُ هُنا عن جَماعةٍ مِنَ اليهودِ في إسرائيل كانت لديهم نَفسُ المَخاوِف. فقد كُرِزَ برسالةٍ مُهمَّةٍ على فَمِ مَلاخي عن يَومِ الرَّبّ. والحقيقةُ هي أنَّهُ يَستخدِمُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعددِ الخامسِ العبارةَ: "مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوف". لِذا فقد كانت رسالةُ مَلاخي هي عن يَومِ الرَّبِّ، أو مَجيءِ القَضاءِ، أو مَجيءِ الدَّينونةِ، أو حُلولِ الغَضَبِ الأخيرِ مِنَ اللهِ؛ وَهُوَ غَضَبٌ مُلْتَهِبٌ مِثلَ الأَتُونِ الَّذي يَلتَهِمُ الخُطاة. وقد أدَّى ذلكَ إلى قَلَقٍ عندَ مَجموعةٍ مِن أولادِ الله.

وإذا نَظرتُم إلى سِفْر مَلاخي 3: 16 فإنَّهُ يَقولُ: "حِينَئِذٍ كَلَّمَ مُتَّقُو الرَّبِّ...". والمَعنى المَقصودُ هُنا هوَ أولئكَ الَّذينَ يُوَقِّرونَ الرَّبَّ، أو أولئكَ الَّذينَ يَعرِفونَ الرَّبَّ، أو أولئكَ الَّذينَ كانوا قِدِّيسينَ ويَتمتَّعونَ بشركةٍ حَقيقيَّةٍ بالرَّب. فقد كَلَّمُوا "...كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ". وَمَا الَّذي قَالوه؟ لا يُخبرُنا النَّصُّ ما قَالوه، ولكنَّنا نَستطيعُ أن نُخَمِّنَ ذلكَ بِدِقَّةٍ عالية. فقد كانوا يَتحدَّثونَ فيما بَينهُم عَمَّا يُقلِقُهم ويقولونَ: "يا تُرَى، هل سنُطرَحُ في ذلكَ الأَتون إنْ كُنَّا سَنَعلَقُ في غَضَبِ الله؟ هل سنَعْلَقُ في العَدالةِ الصَّارمةِ للهِ القُدُّوسِ عندما يَأتي لمُعاقبةِ الخُطاة؟ ونَقرأُ أنَ اللهَ سَمِعَ حَديثَهُم، وأَصغَى إليهِ، وأنَّهُ "كُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسْمِهِ. فهو لَديهِ سِفْر. وأسماءُ الأشخاصِ الَّذينَ يُحبُّونَهُ حقًّا ويَتَّقونَهُ ويُؤمنونَ بِهِ قد كُتِبَت في ذلكَ السِّفْر. ونَقرأُ في العدد 17: "وَيَكُونُونَ لِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً، وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ". فَلاَ يُعقَلُ أن يَعْلَقوا في الغَضَب. ولا يُعقَلُ أن يَعْلَقوا في سَخَطي. ولا يُعْقَلُ أن يَعْلَقوا في يومِ الرَّبِّ، أو يَومِ النَّقمة. لا! فأنا أعرِفُ مَن هُمْ، ولديَّ سِفْرٌ، وأسماؤُهم مَكتوبة. وَقد عَيَّنْتُ لَهُم يَومًا مُختلِفًا؛ يَومًا أَصْنَعُ فيهِ خَاصَّةً لي. وسوفَ أُنَجِّي أولئكَ الَّذينَ يَخدِمونَني.

ونَقرأُ في العَدد 18: "فَتَعُودُونَ وَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصِّدِّيقِ وَالشِّرِّيرِ، بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَمَنْ لاَ يَعْبُدُهُ". فاللهُ لا يَعجَزُ عن تَمييزِ الفَرق. والنَّبيُّ يَقولُ إنَّهُ لا يَجْدُرُ بكم أن تَعجَزوا عن ذلكَ أنتُم أيضًا. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ... رَكِّزوا مَعي: "فَهُوَذَا يَأتِي الْيَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ، وَكُلُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشًّا". فقد كانَ ذلكَ هُوَ الجُزءُ الَّذي يَنْتُجُ عن تَنقيةِ الحِنْطَةِ ويَتِمُّ حَرقُهُ إلى أن يَصيرَ رَمادًا. فغيرُ المُؤمنينَ، وفَعَلَةُ الشَّرِّ، والمُستكبِرينَ سيُحرَقون. "وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعًا. وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ [ونَجِدُ هُنا تلكَ الصُّورةَ عنِ النُّورِ مَرَّةً أخرى] وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا، فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأُونَ كَعُجُولِ الصِّيرَةِ. وَتَدُوسُونَ الأَشْرَارَ لأَنَّهُمْ يَكُونُونَ رَمَادًا تَحْتَ بُطُونِ أَقْدَامِكُمْ يَوْمَ أَفْعَلُ هذَا". فهو يَمضي ويقولُ إنَّ ذلكَ سيَحدُثُ في يومِ الرَّبِّ العَظيمِ والمَخوف.

وهُناكَ شَيءٌ واحدٌ نَعرِفُ عنهُ وَهُوَ أنَّهُ في أثناءِ فَترةِ الضِّيقة، سوفَ يَهْتَدي يَهودٌ كَثيرونَ، وسيَخلُصُ إسرائيل. ولا شَكَّ في أنَّ كَثيرينَ مِن هؤلاءِ اليهودِ سيَكرِزونَ للآخرينَ في العالَمِ وأنَّهُ سيكونُ هُناكَ جَمْعٌ كبيرٌ مِنَ الأُممِ الَّذينَ سيَخلُصون. وسوفَ يَنْجو هؤلاءِ جَميعًا مِنَ الهَلاكِ العَظيمِ في يومِ الرَّبِّ ويَمشونَ على رَمادِ أولئكَ الَّذينَ احتَرقوا. فاللهُ يَعرِفُ الفَرقَ. وَهُوَ لن يَحرِقَ خَاصَّتَهُ، بل إنَّهُ يُنَجِّي خَاصَّتَهُ. وقد أعَدَّ يَومًا لَهُم. وسوفَ يَثِبُونَ كَالأيائِلِ ويَدخُلونَ المَلكوتَ حيثُ سيَمْلِكونَ بِصِفتِهم أشخاصًا يَعرفونَ اللهَ ويُحبُّونَهُ، ويَعرفونَ ويُحبُّونَ ابنَهُ المَسيَّا. واللهُ يَعِدُ دائمًا بأنَّهُ سيُنَجِّي الأبرار. وَهُم سَيَنْجونَ مِن غَضَبِهِ تَمامًا.

لِذا، نَجِدُ في هذهِ الرِّسالةِ إلى هؤلاءِ المُؤمنينَ الأحداث المُضطرِبين أنَّ بولسَ يُقَدِّمُ ضَمانةً عَظيمةً بأنَّهُم لن يُدانوا معَ العالَمِ غيرِ المُؤمِن، وبأنَّهُم لا يُمْكِنُ أن يُفَوِّتوا الاختِطافَ ولن تَنتهي الحالُ بهم في يومِ الرَّبِّ، وبأنَّهُ لا يُمْكِنُ البتَّة أن يُفَوِّتوا السَّماءَ ولن تَنتهي الحالُ بهمِ في جَهنَّم. فهذا مُستحيل. ولكي يَجعلَ هذا التَّشجيعَ راسِخًا فإنَّهُ يُوَضِّحُهُ مِن خلالِ سِلسلةٍ مِنَ المُفارَقاتِ الصَّارِخَة. وقد ابتدأنا في التَّأمُّلِ في هذهِ المُفارَقات.

فهُناكَ المُفارَقَةُ بينَ الاختطافِ ويومِ الرَّبِّ، أيْ بينَ الاختطافِ إلى السَّماءِ والهَلاكِ على الأرض. وهُناكَ المُفارَقَةُ بينَ الخَلاصِ والغَضب، وبينَ الحياةِ والمَوت، وبينَ الرَّجاءِ وعَدمِ الرَّجاء، وبينَ النَّهارِ واللَّيل، وبينَ النُّورِ والظُّلمة، وبينَ السَّهرِ والنَّوم، وبينَ الصَّحْوِ والسُّكْر، وبينَ العَيشِ إلى الأبد معَ الرَّبِّ والعَيشِ إلى الأبد مِن دُونِ الرَّبّ. وكُلُّ هذه هي مُفارَقاتٌ واضحةٌ جدًّا في كُلِّ هذا النَّصِّ ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 13. وهي تُبَيِّنُ الفَصْلَ التَّامَّ بينَ المؤمنينَ وغيرِ المُؤمنين، وبينَ المَسيحيِّينَ وغيرِ المَسيحيِّين، وبينَ المُخلَّصينَ والهَالِكين. ويُمكِنُ لأيِّ مُؤمِنٍ خائفٍ أن يَتأمَّلَ بعُمْقٍ في هذا المَقطعِ فتَسْكُنُ مَخاوِفُهُ. فنحنُ لن نَختبرَ الغَضَبَ ولن نَكونَ في يومِ الرَّبِّ لأنَّنا مُختلِفونَ عن أولئكَ الَّذينَ سيكونونَ هُناك، ولأنَّنا سنَشْهَدُ الاختطافَ ونكونُ في المَجدِ لأنَّنا أبناءُ نَهارٍ وأبناءُ نُور.

والآن، عندَ النَّظر إلى الآيات مِن 4 إلى 11 نَجِدُ أنَّ بولسَ يَقولُ إنَّهُ ينبغي لنا أن نَتشَجَّعَ بسببِ اختلافِنا في ثَلاثةِ أشياء: طَبيعتِنا، وسُلوكِنا، ومَصيرِنا. طَبيعتِنا، وسُلوكِنا، ومَصيرِنا. وإن فَهِمنا كيفَ أنَّنا في هذهِ الأبعادِ الثَّلاثةِ مُختلفونَ تمامًا عن غيرِ المُؤمنين، لا بُدَّ أنَّنا لن نَشعُرُ بأيِّ خَوف.

والآن، لِنُراجِع بإيجازٍ شَديد. أوَّلاً، لقد تَحدَّثنا عن تَمَيُّزِ طَبيعتِنا. انظروا إلى العَددينِ الرَّابع والخامس: "وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ كَلِصٍّ. جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْل وَلاَ ظُلْمَةٍ". بعبارةٍ أخرى، هُناكَ فَرْقُ مُتأصِّل. فنحنُ لا نَعيشُ حَتَى في ذلكَ النِّطاق. ونحنُ لا نَنتمي حتَّى إلى تلكَ الفِئة، بل نحنُ أبناءُ نَهار؛ لا أبناء لَيل. فنحنُ نَعيشُ في نُوْرِ حَياةِ المسيح. وهو يَحيا فينا. ونحنُ في اللهِ الَّذي ليسَ فيهِ ظُلمةٌ البتَّة (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 5-7). ونحنُ لسنا في نِطاقِ الظُّلمة. ونحنُ لسنا في نِطاقِ اللَّيل. ونحنُ لسنا في نِطاقِ السُّكْر. فالظُّلمةُ، والخطيَّةُ، والجَهلُ، والمَوتُ هي نِطاقُ السَّاقِطينَ والمَلعونينَ والأمواتِ الَّذينَ هُم في آدَم؛ أمَّا نَحْنُ ففي المَسيح. فنحنُ نَمْلِكُ طَبيعةً جَديدة، ونَعيشُ في نِطاقٍ جَديد، وإطارٍ جَديدٍ في الحياة، ومَلكوتٍ جَديد. وبسببِ ذلك فإنَّ ذلكَ اليومَ لن يُباغِتَنا كَلِصٍّ. فيومُ الرَّبِّ لن يَدخُلَ نِطاقَ حَياتِنا، ولن يُؤثِّرَ فينا. وكما قُلنا مِرارًا فإنَّ الكنيسةَ ستُخطَفُ قبلَ يومِ الرَّبِّ. أمَّا الَّذين يَنتمونَ إلى شَعبِ إسرائيلَ والَّذين يَخلُصونَ بعدَ ذلكَ مِنَ العالَمِ الأُمَمِيِّ فسيُحفَظونَ في يَومِ الرَّبِّ ويَدوسونَ على رَمادِ غيرِ المُؤمنينَ الَّذينَ احترقوا وصَاروا رَمادًا. فلا صِلَةَ ليومِ الرَّبِّ بنِطاقِ حَياتِنا. ولا صِلَةَ لنا بِه. وليسَ للخطيَّة أيَّةُ صِلَةٍ أو دَينونةٍ فيما يَخُصُّ أبناءَ النَّهار.

ثانيًا، لقد رأينا لا فقط اختلافَ طَبيعتِنا، بل رأينا أيضًا اختلافَ سُلوكِنا. فهو يَقولُ في العَددينِ السَّادس والسَّابع: "فَلاَ نَنَمْ". بعبارة أخرى: بِناءً على الفَرقِ في طَبيعتِكم، إليكُم هذهِ الكلماتِ عن سُلوكِكُم. فالهُويَّةُ والسُّلوكُ لا يَنفَصِلان. ويجب عليكم أن تَعكِسوا طَبيعتَكُم: "فلا ننم ِإذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ. لأَنَّ الَّذِينَ يَنَامُونَ فَبِاللَّيْلِ يَنَامُونَ، وَالَّذِينَ يَسْكَرُونَ فَبِاللَّيْلِ يَسْكَرُون". وبالمُناسبة، إنَّ أبناءَ اللَّيلِ لا يَستطيعونَ إلاَّ أن يَكونوا أبناءَ ليل. فَهُم لا يَستطيعونَ أن يَكونوا أبناءَ نَهار. وأبناءُ اللَّيلِ لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا أعمالَ النَّهار. ولكنَّ أبناءَ النَّهارِ يَستطيعونَ أن يَفعلوا أعمالَ اللَّيل. فيُمكنُنا أن نَعودَ إلى أنماطِنا السُّلوكِيَّةِ القديمة. ونحنُ لَسنا مُضطريِّنَ إلى ذلك لأنَّ ذلكَ لا يُوافِقُ طَبيعتَنا الجديدة، وهُويَّتَنا الجديدة، ونِطاقَ حَياتِنا الجَديد. فنحنُ أبناء نَهار نَعيشُ في النُّور؛ ولكنَّنا نَستطيعُ أن نَعملَ أعمالَ الظَّلام. وإن فَعلنا ذلكَ فإنَّنا نَفعلُها في وَضَحِ النَّهار. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَفعلُها بإدراكٍ كاملٍ، ونَفعلُها على المَلأ.

ولكنَّهُ يَقولُ هُنا: لا يوجَد مَكانٌ لحياةِ اللَّيلِ بينَ أبناءِ النَّهار. فسُلوكُنا مُختلِف. فَنَمَطُ سُلوكِنا مُختلِف. ويُمكِنُنا أن نَقولَ ببساطة إنَّ غيرَ المُؤمِنَ يَفعلُ الشَّرَّ فقط... الشَّرَّ فقط. فهو ابنُ لَيل. وهو يَعيشُ في اللَّيل. وهو يَعملُ أعمالَ اللَّيل في جَهْلِ النَّائمينَ، وبعدمِ مُبالاةٍ، وبعُدوانيَّة، وبوقاحَة، وعَدمِ أخلاقٍ وسُكْر. أمَّا ابنُ النَّهارِ فمُعتادٌ على فِعْلِ الصَّواب؛ ولكنَّهُ قد يَزِلُّ ويَعملُ الخطأ. فابنُ النَّهارِ قد يَعملُ أعمالَ اللَّيل. والوَصيَّةُ المُوَجَّهَةُ إلى المُؤمنينَ هُنا تُشيرُ إلى أنَّنا قد نَعملُ أعمالَ الظُّلمة. وإن فَعلتَ ذلكَ فإنَّكَ تَفعلُ شيئًا مُناقضًا لطبيعتِك. وأنتَ تُخالِفُ هُويَّتَك. ولكنَّنا لا نُريدُ أن يَحدُثَ ذلكَ الأمر. فسُلوكُنا ينبغي أن يَكونَ مُتوافقًا معَ طَبيعتِنا. وسُلوكُنا ينبغي أن يَكونَ مُمَيَّزًا جدًّا حَتَّى إنَّنا نَعلمُ أنَّنا أبناءُ نَهار. ولأنَّنا نَعلَمُ أنَّنا أبناءُ نَهار فإنَّنا لا نَخافُ مِنَ الغَضبِ والقَضاءِ والدَّينونة.

وهذا هو ما يَقولُهُ في العَددِ الثَّامن. انظروا إلى بدايةِ العددِ الثَّامن: "وَأَمَّا نَحْنُ الَّذِينَ مِنْ نَهَار". فهذه هي هُويَّتُنا. وهذا يُعيدُنا إلى العَددِ الخامِس. فنحنُ أبناءُ نَهار. ونحنُ أبناءُ نُور. فنحنُ لَسنا مِن لَيلٍ أو ظُلمة. وحيثُ إنَّ هذا صَحيح، وحيثُ إنَّ طَبيعتَنا هكذا، وأنَّ نَمَطَ سُلوكِنا هَكذا، لِنَصْحُ. ما مَعنى ذلك؟ لِنَكُن يَقِظين، ولنَكُن حَذِرين لِئلاَّ نَنجَرِفَ ونَعملَ أعمالَ اللَّيل. هذا هو المَعنى الَّذي يَقصِدُه. فمعَ أنَّ تلكَ الأعمال لا تُوافِقُ طَبيعتَنا فإنَّها قد تَحدُث. ويجب عليكم أن تَحذَروا. ويجب عليكم أن تَحمُوا أنفسَكُم مِنْ تَجربةِ القيامِ بأعمالِ اللَّيل. وإن فَعلتُم ذلك، سَتَرَوْنَ دائمًا أمامَ أعيُنِكُم أنَّكُم مُختلِفون. وهذا سيُعطيكُم يَقينًا عَظيمًا حينَ تَنظرونَ إلى المُستقبلِ فَلاَ تَخْشَوْنَ شَيئًا. مِن جِهةٍ أخرى، إن انساقَ المُؤمِنُ وراءَ الخطيَّةِ فإنَّهُ يَفقِدُ يَقينَهُ، ويَفقِدُ ثِقَتَهُ، ويَفقِدُ رَجاءَهُ، وقد يَخافُ مِن أنَّهُ قد يُباغَتُ بيَومِ الرَّبّ.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: حيثُ إنَّكُم أبناءُ نَهار... حيثُ إنَّنا مِنْ نَهَارٍ، لِنَصْحُ. وفِكرةُ الصَّحْوِ هي اليَقَظة والحَذر. ولا شَكَّ في أنَّهُ عندما قالَ بولسُ ذلكَ فإنَّ فِكرةَ اليَقظةِ أَوْحَتْ إليهِ بصورةِ جُنديٍّ يَقومُ بواجِبِهِ لأنَّهُ يَنتقلُ حَالاً إلى وَصْفِ جُنديٍّ: "فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَص". وهذه جُملة مُدهشة ورئيسيَّة جدًّا جدًّا. فعندما يُفَكِّرُ في المُؤمنِ الَّذي هو مِن نَهار، وابنُ نَهار، وابنُ نُور، وعندما يُفَكِّرُ في أنَّ ذلكَ الشَّخصَ يَقِظٌ وحَذِرٌ حَتَّى لا يُجَرَّبَ بالقيامِ بأعمالِ اللَّيل، فإنَّ ذِهنَهُ يُذَكِّرُهُ بالشَّخصِ الأكثر حَذَرًا وصَحْوًا ويَقظةً وهو: الجُنديُّ الَّذي يَقومُ بواجِبِه. وهو يَراهُ يَرتدي سِلاحًا وَاقِيًا. وبولُس يُسَمِّي هذا السِّلاحَ في رسالة رُومية 13: 12 "أسلِحَةَ النُّور". فابنُ النَّهارِ هذا [الَّذي هو في النُّور] يَقِظٌ، وصَاحٍ، ومُتأهِّبٌ، ومُتَسَلِّحٌ بأسلحةِ الحِمايةِ والحِفْظ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّامن: "لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَان". فيجب عليكم أن تَلبَسوهُ دائمًا... أن تَلبَسوهُ دائمًا. فهو يُلائِمُ الفِعْلَ المُضارِع: "لِنَصْحُ". ففِكرةُ الصَّحْوِ تُوافِقُ فِكرةَ التَّسَلُّحِ الدَّائِم.

والآن، إنَّ الجُنديَّ المُستعدَّ جَيِّدًا يَرتدي قِطْعَتَيْنِ رَئيسيَّتينِ لحِمايتِه: الأولى هي الدِّرْع، والثَّانية هي الخُوذَة. فهاتانِ هُما المَنطقتانِ الحَيويَّتان. فالدِّرعُ يُغَطِّي كُلَّ الأعضاءِ الحَيويَّة. ولا شَكَّ في أنَّ الخُوذةَ تُغَطِّي الرَّأس. ولَعَلَّكُم تُلاحِظونَ أنَّهُ لا يوجدُ سَيفٌ هُنا لأنَّ بولُسَ لا يُبالي بذلكَ هُنا. فهو يُبالي بأن يكونَ المَرءُ مُتأهِّبًا مِن هُجومِ اللَّيلِ وأن يُدافعَ عن نَفسِه. فهو ليسَ مُهتمًّا بالهُجومِ بالسَّيف. وهو لا يَقولُ لأبناءِ النَّهارِ أن يُهاجِموا أبناءَ اللَّيل. فهذه ليست الصُّورة هُنا. بل إنَّ ما يَقولُهُ هُنا هو: يجب عليكم أن تَحْمُوا أنفسَكُم. وهو يَتحدَّثُ فقط عن قِطعتينِ تُستخدَمانِ للحِماية وَهُما: الدِّرعُ والخُوذَة.

والآن، مِنَ الواضحِ أنَّ الدِّرعَ كانَ جُزءًا مِن سِلاحِ الجُنديِّ الرُّومانيّ. فقد كانَ يُغَطِّي المَنطقةَ الضَّعيفةَ لديه، أيِ الأعضاءَ الحَيويَّةَ الَّتي قد يُقتَل مِنها بسهولة. وكانَ الدِّرعُ يُصنَعُ مِنَ زَرَد، أو قد يُصنَعُ مِنَ الذَّهب. وكانت هُناكَ دُروعٌ تُصنَعُ مِنَ القُماشِ الثَّقيل. وكانَت هُناكَ دُروعٌ تُصنَعُ مِنَ النُّحاس. وكانَ بَعضٌ مِنها يُصنَعُ مِنَ الحَديد. وكانَ بَعضٌ مِنها يُصنَعُ مِنَ الجِلْد أو أيَّةِ مادَّةٍ أخرى. وكانَ الدِّرعُ يُشبِهُ السُّترةَ الواقيةَ مِنَ الرَّصاصِ بصورةٍ رَئيسيَّة. وأفضلُ تَشبيهٍ لِفَهْمِ الخُوذَةِ هو خُوذةُ كُرَة القاعِدَة أو خُوذةُ الدَّرَّاجَةِ البُخاريَّةِ الَّتي يُمكِنُ أن تَحمي مُستخدِمَها مِن أيَّة ضَرَباتٍ قد تَسْحَقُ الجُمجُمة. وهو يَتحدَّثُ هُنا عنِ الجُنديِّ المَحْمِيِّ مِن هُجومِ التَّجربة.

وبالمُناسَبة، لم تَكُن هذهِ الصُّورةُ مِنْ بَناتِ أفكارِ بولُس، بل إنَّهُ استَعارَها مِن سِفْرِ إشعياء 59: 17. فهناكَ جُملة بَديعَة في ذلكَ الأصحاح رُبَّما لم تَقرأوها إذْ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 59: 17: "فَلَبِسَ الْبِرَّ كَدِرْعٍ، وَخُوذَةَ الْخَلاَصِ عَلَى رَأسِهِ. وَلَبِسَ ثِيَابَ الانْتِقَامِ كَلِبَاسٍ، وَاكْتَسَى بِالْغَيْرَةِ كَرِدَاءٍ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. فهذا هو أوَّلُ ذِكْرٍ لدِرْعِ البِرِّ وخُوذَةِ الخَلاصِ في سِفْر إشعياء والأصحاح 59. ونَجِدُ ذلكَ يَتكرَّر في رسالة أفسُس 6: 13 بِكُلِّ تأكيد عندما يَصِفُ بولسُ سِلاحَ المُؤمِنِ في ذلكَ المَقطعِ مِنْ رِسالَتِهِ إلى أهلِ أفسُس.

والآن، ليسَ مِنَ المُهِمِّ أن نَتَعَمَّقَ في كُلِّ التَّفاصيلِ في هذا التَّشبيهِ المَادِّيِّ المُختصِّ بالدِّرعِ والخُوذَة، بل إنَّ المُهمَّ هو أن تُلاحِظوا ما تُمَثِّلُهُ. فالدِّرعُ يَرمِزُ إلى الإيمانِ والمحبَّة. والخُوذةُ تَرمِزُ إلى رَجاءِ الخَلاص. اسمَعوني جَيِّدًا جدًّا: إن كُنتُم تَعرِفونَ أيَّ شيءٍ عنِ العهدِ الجديد، لا بُدَّ أنَّكُم تَعرِفونَ أنَّ هذهِ الأشياءَ الثَّلاثةَ تَرِدُ معًا مَرَّاتٍ كثيرة. ففي الأصحاحِ الأوَّل مِن هذهِ الرسالةِ والعَددِ الثَّالث، تَجِدونَ ذِكْرًا للإيمانِ والرَّجاءِ والمَحبَّة. وهذا استِخدامٌ شائعٌ جدًّا في رسالة كورنثوس الأولى 13: 13 إذْ نَقرأُ: "أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ". فهذا هو مُثَلَّثُ الفَضائلِ المَسيحيَّةِ الفائِقَة.

ولكنَّ الشَّيءَ الَّذي أريدُ أن أقولَهُ لكم، وَهُوَ شَيءٌ مِنَ المُهِمِّ جدًّا جدًّا أن تَفهَموه هو أنَّ هذهِ هي أقوى ثَلاثِ وَسائِل دِفاعيَّة ضِدَّ التَّجربة. حسنًا؟ فإن أردتُم أن تُقاوِموا التَّجربةَ في حَياتِكُم فإنَّ هذهِ هي الأشياء الثَّلاثةَ الَّتي يَنبغي أن تَفهَموها وتُطَبِّقوها. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم الآنَ أكثرَ تَعليمٍ عَمَلِيٍّ يُمكنُ لأيِّ مُؤمِنٍ أن يَتَلَقَّاهُ بخصوصِ التَّعامُلِ معَ الخطيَّةِ في حَياتِكُم. لِذا، إن كُنتَ قَلِقًا بخصوصِ كيفيَّةِ التَّعامُلِ معَ الخطيَّةِ في حَياتِكَ وكيفيَّةِ التَّغلُّبِ على التَّجربة، يجب عليكَ أن تَعرفَ هذهِ الأشياء.

أوَّلاً، الإيمان. وَهُوَ دِفاعٌ ضِدَّ التَّجربة. بأيِّ مَعنى؟ اسمَحوا لي أن أقولَ ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: الخَطيَّةُ تَنْجُمُ عن عَدمِ الثِّقةِ بالله. فالخطيَّةُ تَنجُمُ عن عَدمِ الثِّقةِ بالله. فهذه هي أوضحُ طَريقةٍ لديَّ للتَّعبيرِ عن ذلك. فاللهُ جَديرٌ بثِقَتِكَ. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم كيف. يُمكِنُكَ أن تَثِقَ في شَخصِه. فهو ثابِتٌ في صِفاتِه. وهو لا يَحيدُ يَومًا عن صِفاتِه – البَتَّة. فهو لا يَحيدُ يَومًا عن صِفاتِه. فهو كَامِلُ النَّزاهَة. ويُمكِنُكَ أن تَثِقَ في شَخصِه. وهو سيَفعلُ ما يُوافِقُ طَبيعَتَهُ. ثانيًا، يُمكِنُكَ أن تَثِقَ في قُدرتِه. فلا يُوجَد شَيءٌ يَعسُرُ عليه. ولا يُوجَد شَيءٌ صَعْبٌ عَليه. ولا يُوجَد شَيءٌ قد يُفاجِئُهُ. ولا يَستطيعُ أحدٌ أن يَغلِبَهُ. ولا يُمكِنُ لأيِّ ظُروفٍ مَهما كانت عَظيمةً ومُجتمِعَةً أن تَفوقَ قُدرَتَهُ على مُعالجتِها والتَّغلُّبِ عليها. لِذا، يُمكنُكَ أن تَثِقَ في شَخصِهِ، ويُمكِنُكَ أن تَثِقَ في طَبيعَتِهِ. ثالثًا، يُمكِنُكَ أن تَثِقَ في وُعودِه. فإن قالَ شَيئًا فإنَّهُ سيَفعلُهُ. وإن قَطَعَ وَعْدًا فإنَّهُ سَيَفي بِه. رابعًا، يُمكِنُكَ أن تَثِقَ في خُطَّتِه. فهو عَاكِفٌ على تَنفيذٍ خُطَّتِهِ بسُلطانٍ كامِلٍ وَفقًا لِجَدوَلِهِ الزَّمنيّ. ولا يوجد شَيءٌ خَارِج نِطاقِ تلكَ الخُطَّة.

لِذا، إذا كُنتُ أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ ثابتٌ في طَبيعتِهِ، وبأنَّ اللهَ قَادِرٌ على كُلِّ شيء، وبأنَّ اللهَ يَحفَظُ دائمًا كلمتَهُ ووَعدَهُ، وبأنَّ اللهَ يُنَفِّذُ خُطَّتَهُ فإنَّني لن أُبالي مَهما حَدَثَ في حَياتِي إن كُنتُ أثِقُ باللهِ ولن أسقُطَ في تَجرِبَةِ الشَّكِّ في مِصداقيَّةِ الله.

فكُلُّ تَجْربَةٍ تُشَكِّكٌ في مِصداقيَّتِه. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم لماذا. على سَبيلِ المِثال، إن جُرِّبْتَ بأن تَقلَق، ما مَعنى ذلك؟ إنْ قَلِقْتَ، فإنَّ لِسانَ حَالِكَ هُوَ: "أجل يا رَبّ، أنا أعلَمُ أنَّكَ قُلتَ إنَّكَ صَاحِبُ السُّلطان، وأَعلمُ أنَّكَ قُلتَ إنَّ هذا الأمرَ لا يَعسُرُ عليكَ، وأعلَمُ أنَّكَ قُلتَ إنَّكَ تَستطيعُ أن تُعالِجَهُ، وأَعلمُ أنَّ لَديكَ خُطَّة؛ ولكنِّي لا أُصَدِّقُك!" أليسَ كذلك؟ فسوفَ أقلق. وهذا يَعني: "يا رَبّ، أنا أَعلمُ أنَّكَ تَقولُ إنَّهُ يُمكنُني أن أثِقَ بِكَ، ولكنِّي لستُ واثقًا مِن ذلك!" وعندما أكذبُ، مَا هُوَ لِسانُ حَالي؟ إنَّ اللهَ يَقول: "أطِعْني وافعل ما هُوَ صَواب، وسوفَ أُبارِكُكَ". ولكنِّي أقول: "ولكن مِن أجلِ حُصولي على ما أريد، يجب عليَّ أن أكذِبَ لأنَّهُ إن عُرِفَتِ الحَقيقةُ لن أحصُل على ما أُريد". لِذا فإنَّ لِسانَ حَالِكَ هُوَ: "يا رَبّ، أنا أَعلمُ أنَّكَ قُلتَ إنَّكَ ستُبارِكُني إن قُلتُ الحقيقة؛ ولكنَّكَ على خطأ. فهذا لن يَنجَحَ بالطَّريقةِ الَّتي أُريد إن فَعلتُ الصَّوابَ. لِذا، سوفَ أفعلُ الخطأ". وأنتَ بذلكَ تُنكِرُ على اللهِ نَزاهَتَهُ.

وإنِ اقترفتُ الزِّنى فإنَّ لِسانَ حَالي هُوَ: "اسمَع يا رَبّ، لقد قُلتَ إنَّني إن كُنْتُ أَمينًا لزوجتي فإنَّكَ ستُبارِك زَواجي، وإنَّني إنْ أحببتُ شَريكَةَ حَياتي فإنَّكَ ستُبارك ذلكَ الاتِّحادَ وستُشبعني. ولكن هل تَعلمُ شيئًا يا رَبّ؟ أنتَ على خطأ. أنا لا أُصَدِّقُكَ! بل أعتقدُ أنَّ مُتعةَ العَلاقاتِ الَّتي تَنهاني عَنها هي أكبر مِن مُتعةِ العَلاقةِ الَّتي أعطيتني إيَّاها". وهذا فِعْلٌ يَدُلُّ على عَدمِ الثِّقةِ بالله. فالإيمانُ يَلبَسُ دائمًا الدِّرْعَ. وهو يَجعلُكَ غيرَ قابلٍ للاختراق إنْ كُنتَ تُصَدِّقُ اللهَ لأنَّ الخطيَّةَ هي دائمًا تَجربةُ عَدَمِ تَصديقِ الله. فاللهُ يَقولُ: افعَلِ الصَّوابَ فأُبارِكُكَ". ولكنَّ الشَّيطانَ يَقولُ: "افعل كَذا فتَستمتِع". مَن تُصَدِّق؟ افعل كذا فتَشعُر بمشاعِر جَيِّدة! مَن تُصَدِّق؟ فالأمرُ يَتَلَخَّص في ذلك.

لِذا، هذا هو السَّببُ الَّذي يَدعوني دائمًا إلى القولِ بأنَّ الكَيفيَّةَ الَّتي تَعيشُ بها حَياتَكَ المَسيحيَّةَ مُرتبطةٌ ارتباطًا مُباشِرًا قبلَ كُلِّ شيءٍ بفَهمِكَ للهِ وثِقَتِكَ بأنَّهُ صَادِقٌ في ما يَقولُهُ عن نَفسِه. لِذا فإنَّ أهَمَّ شَيءٍ يُمكِنُكَ أن تَتَعَلَّمَهُ بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا لا يأتي على شَكْلٍ صِيغةٍ مُعيَّنةٍ لمُحاربةِ التَّجربة، بل إنَّ أهَمَّ شَيءٍ يُمكِنُكَ أن تَتَعَلَّمَهُ بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا هو كَمالُ شَخصِ اللهِ، ثُمَّ أن تَستمرَّ في النُّموِّ وتَصديقِ ذلك. فإن كُنتَ تَثِقُ حَقًّا بالله فإنَّ تلكَ الأشياءِ الأخرى لن تَحدُث. فأنتَ لن تَقَعَ ضَحيَّةَ تلك التَّجارِب. فإن كُنتُ أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ مُهيمِنٌ، وبأنَّ اللهَ بارٌّ تَمامًا، وأنَّ اللهَ كُلِّيُّ القُدرة، وبأنَّ اللهَ أَمينٌ لِوَعْدِه، وبأنَّ لدى اللهِ خُطَّة كاملة لحياتي، وبأنَّ كُلَّ عُنصرٍ فيها هو تَحتَ سَيطرتِه، لن أَشُكَّ في أيِّ شيء، ولن أُجادِلَ بشأنِ أيِّ شيء، ولن أَتَعَدَّى على أيِّ شَيء لأنِّي أُصَدِّقُ الله. فالإيمانُ يُشبِهُ الدِّرْع.

والآن، هذا هو الجانبُ الصَّلْب. ولكنَّ أيَّ دِرْعٍ رُومانِيٍّ كانَ يَحْوي جَانِبًا طَرِيًّا. فأسفلَ ذلكَ الدِّرع القاسي كانَ هُناكَ قُماشٌ نَاعِمٌ يُدَفِّئُ الجِسْم. وهو يَقولُ إنَّ ذلكَ الجُزءَ هو المَحبَّة. فهو دِرْعُ الإيمانِ والمَحبَّة. وهذا هو الجَانبُ الآخرُ فيه. فكُلُّ خَطيَّة تَعكِسُ إخفاقَنا في حُبِّ الله. كُلُّ خَطيَّة تَعكِسُ إخفاقَنا في حُبِّ الله. وما الَّذي نَعنيهِ بالمحبَّة؟ أن أَتَلذَّذَ... اسمَعوني بعناية: أن أَتَلذَّذَ باللهِ وبعبادَتِي لَهُ بِصِفَتِهِ أَسمَى غَايةٍ تَرُومُ إليها عَواطِفي. أن أَتَلذَّذَ باللهِ وبعبادَتِي لَهُ بِصِفَتِهِ أَسمَى غَايةٍ تَرُومُ إليها عَواطِفي. والآن، استمِعوا إلى ما يَلي بعنايةٍ فائقة: أيًّا كانَ الشَّيءُ أوِ الكائنُ الَّذي تَرومُ إليهِ عَواطِفي فإنَّهُ سيُسيطِرُ على أفعالي. فإن أخطأتُ فإنَّ لِسانَ حَالي هُوَ: "آسِفٌ يا الله! أنا أَسمَى غايةٍ لعواطِفي". أليسَ كذلك؟ فسوفَ أفعلُ ما أَشاء. وسوفَ أفعلُ ما أرغَبُ فيه. أنتَ لستَ الغايةَ الأسمَى لعواطِفي. أمَّا إن كنتُ أُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ أو شخصٍ آخر فإنَّ بولسَ يَقولُ في رسالةِ رُومية والأصحاح 13 إنَّ المحبَّةَ هي تَكْميلُ كُلِّ مَاذا؟ كُلِّ النَّاموس. فأنا لستُ بحاجةٍ إلى نَاموسٍ يَقولُ لي: "لا تَصْنَع تِمْثالاً مَنحُوتًا" لأنِّي إنْ كُنتُ أُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ أو شخصٍ آخر فإنِّي لن أصنَعَ تِمثالاً. وأنا لستُ بحاجةٍ إلى نَاموسٍ يَقولُ: "لا تَحلِف باسمِ الرَّبِّ إلهِكَ باطِلاً". فإنْ كُنتُ أُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ أو شخصٍ آخر فإنِّي لن أحلِفَ باسمِهِ باطِلاً. وأنا لستُ بحاجةٍ إلى نَاموسٍ يَقولُ: "لا تَفعل كَذا" أو "لا تَفعل كَذا" لأنَّهُ ضِدَّ مَشيئةِ اللهِ. فإن كُنتُ أُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ أو شخصٍ آخرَ فإنِّي لن أفعلَ أيًّا مِن هذهِ الأشياء.

لِذا فإنَّ الجَانبَ الصَّلْبَ مِنَ دِرعي [أيْ ذلكَ الجانبَ الصَّلْبَ والقويَّ] هو أنِّي أُوْمِنُ بالله. أمَّا الجانبُ الطَّرِيُّ مِنهُ فهو أنِّي أُحِبُّ الله. وما بينَ مَحبَّتي لَهُ [والَّتي هي مَحبَّة فَائقة]، وثِقتي بِهِ [والَّتي هي ثِقَة فَائقة]، أصيرُ مُحَصَّنًا. وكما تَرَوْنَ، عندما تُخطئُ فإنَّ ذلكَ يَعني أنَّكَ لم تُؤمِن باللهِ ولم تُحِبَّ الله. فأنتَ لم تُؤمِن بِهِ لأنَّكَ صَدَّقتَ أكاذيبَ الشَّيطان، وأكاذيبَ دَوافِعِكَ الخاطئة. وأنت لم تُحِبُّه لأنَّكَ أحببتَ نَفسكَ أكثر، ولأنَّكَ أردتَ أن تُلَبِّي رَغباتِكَ الشخصيَّة. أمَّا الثِّقةُ الكاملةُ في اللهِ والمَحبَّةُ الكاملةٌ للهِ فإنَّهُما تَقوداكَ إلى الطَّاعةِ الكامِلة.

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "انظروا! إنَّ سُلوكَكُم، أو نَمَطَ سُلوكِكُم هو الآنَ نُور. فأنتُم أبناءُ نَهارٍ. لِذا، احذروا، والبَسوا دِرْعَكُم، وثِقوا باللهِ بكُلِّ قُلوبِكُم، ولا تَعْتَمِدوا على فَهْمِكُم. أحبُّوا الرَّبَّ الإلهَ بكُلِّ قَلبِكُم، ونَفسِكُم، وفِكرِكُم، وقُوَّتِكُم. وحينئذٍ ستَتمكَّنونَ مِن مُواجهةِ هُجومِ التَّجاربِ في اللَّيل". فالسَّطْحُ الخارجيُّ يُشِعُّ إيمانًا. والسَّطحُ الدَّاخليُّ مُغَلَّفٌ بالمحبَّة.

ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ حِمايةً أخرى يَنبغي أن يَحصُلَ عليها الجُنديُّ: خُوذَةَ رَجاءِ الخَلاص. وقد تَقول: "لماذا ينبغي للمؤمنِ أن يَلبَسَ خُوذةَ الخلاص؟ وأن يَستمرَّ في ارتِدائِها؟ ألم نَنَلِ الخَلاصَ؟" بَلَى! ولكنَّهُ يَتحدَّثُ عن رَجاءِ الجانبِ المُستقبليِّ مِن خَلاصِنا. فهو يأتي في ثلاثةِ أبعاد. فقد نِلْنا الخلاصَ في الماضي يَومَ آمَنَّا. ونحنُ مُخَلَّصونَ في الحاضِر لأنَّنا نَسْتَمِرُّ في كَونِنا مُخَلَّصينَ بواسطةِ النِّعمةِ المُستمرَّةِ وغُفرانِ الله. وذاتَ يومٍ، هُناكَ عُنصرٌ مُستقبليٌّ للخلاصِ إذْ إنَّنا سنَتحرَّرُ مِن هذهِ الأجسادِ حيثُ إنَّ هذهِ الأجسادَ ستُفدَى وتَصيرُ جَديدة؛ أيْ أجسادًا مُمَجَّدَةً. وسوفَ نَدخُلُ إلى الحالةِ الكاملةِ إذْ إنَّنا سنَصيرُ مُشابهينَ ليسوعَ المسيح. وهذا هو البُعدُ النِّهائيُّ لخلاصِنا. فهذا هو ما كانَ يَدورُ في ذِهنِهِ هُنا. وهذه نُقطة بسيطة جدًّا. فهو يَقولُ إنَّكُم ستَحْمونَ أنفسَكُم مِنَ التَّجربة إن كانَ قَلبُكُم مُمتلئًا بفَهْمِ الهيئةِ الَّتي ستَحصُلونَ عليها.

هل تَفهمونَ ذلك؟ الهيئة الَّتي ستَحصُلونَ عليها؟ إن كُنْتَ مُمتلئًا برجاءِ المَجدِ الأبديِّ، وإن كُنتَ تَعرفُ أنَّكَ ابنُ النَّهارِ الَّذي سيَصيرُ أعظمَ وأشرقَ يَومٍ في المجدِ الأبديِّ، سوفَ تَسلُكُ وَفقًا لهُويَّتِك. إنَّهُ رَجاءُ المجدِ الأبديِّ، ورجاءُ أن نَصيرَ مُشابهينَ ليسوعَ المسيحِ، وأن نَراهُ وُجهًا لوجه، وأن نَسمَعَهُ يَقول: "نِعِمًّا أيُّها العَبدُ الصَّالِحُ والأمين"، وأن نَحصُلَ على مُكافأتِه. فذلكَ الرَّجاءُ يَحفظُ المؤمنَ مِن إغواءِ الظَّلام. وهو ليسَ رَجاءً يَفتَقِرُ إلى اليَقين، بل هو رَجاءٌ مُؤكَّد.

لِذا، عندما أعرفُ حَقًّا مَصيري المُستقبليَّ، وأعرفُ أنِّي سأذهبُ لأكونَ معَ الرَّبِّ إلى الأبد، وأنِّي سأعبُدُهُ وأُكرِمُهُ إلى الأبد، وأنِّي سأُكافأُ يَومًا على حَياتي، فإنَّ ذلكَ سيُطَهِّرُني. ولعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 3: "وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ". لِذا، ما الشَّيءُ الَّذي يَحفظِ المُؤمِنَ ويَحميه؟ الإيمانُ [أيِ الثِّقةُ بكَمالِ اللهِ]؛ والمحبَّةُ [أيِ التَّكريسُ الكاملُ لَهُ بصفَتِهِ المَصدرَ الأسمَى لبَهجتي]؛ والرَّجاءُ [أي أن تَترقَّبَ بأنَّكَ ستَراهُ ذاتَ يومٍ وَجهًا لوجه وتَنالَ المُكافأةَ على ما فَعلت]. فالإيمانُ والرَّجاءُ والمَحبَّةُ هي خُطوطُ الدِّفاعِ ضِدَّ هُجومِ اللَّيل.

وعندما يكونُ الإيمانُ ضَعيفًا، تَكونُ المَحبَّةُ باردةً. وعندما تَكونُ المَحبَّةُ باردةً، يَضيعُ الرَّجاءُ وتَكثُرُ الخطيَّة. أمَّا عندما يَكونُ الإيمانُ قَويًّا فإنَّ المحبَّةَ تَكونُ شَديدة. وعندما تَكونُ المَحبَّةُ شَديدةً فإنَّ الرَّجاءَ يَكونُ رَاسِخًا. وعندما يَكونُ الرَّجاءُ رَاسِخًا، يَكونُ البِرُّ هو النَّتيجة. فَدِفاعُنا ضِدَّ أعمالِ اللَّيلِ الَّتي تُضعِفُ عَزيمَتَكَ يَكْمُنُ في الثِّقةِ في اللهِ في كُلِّ الأشياءِ، وفي مَحبَّتِهِ بِشِدَّة، وفي الرَّجاءِ المُطَهِّرِ في عودَتِهِ المَجيدةِ وفي اليومِ الَّذي سنَراهُ فيهِ وَجهًا لوجه.

فنحنُ مُختلِفون. نحنُ مُختلِفونَ في طَبيعتِنا، ومُختلفونَ في سُلوكِنا. ويجب علينا أن نَستمرَّ في إظهارِ اختلافِنا مِن خلالِ تَحصينِ أنفُسِنا مِن هَجَماتِ أعمالِ الظُّلمة. ولكن حتَّى عندما نَعملُ بينَ الحينِ والآخرَ أعمالَ الظُّلمة فإنَّنا نَعلَمُ أنَّها تُخالِفُ النَّمَطَ السَّائدَ لحياتِنا. فنحنُ أبناءُ نَهار مِن جِهَةِ طَبيعتِنا وسُلوكِنا. لِذا فإنَّ يَومَ الرَّبِّ وغَضَبَ اللهِ لا صِلَةَ لَهُما بنا.

وأخيرًا، يَقولُ بولسُ إنَّهُ لا يَجْدُرُ بنا أن نَخافَ لا فقط بسببِ اختلافِ طَبيعتِنا وسُلوكِنا، بل أيضًا بسببِ اختلافِ مَصيرِنا. وهذا رائعٌ إذْ نَقرأُ في العَددِ التاسع: "لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَب". والآن، نحنُ نَتحدَّثُ عن مَصيرِنا الأبديّ. فاللهُ لم يَجعلنا للغضَب. وهذا يَسري على الماضي والحاضرِ والمُستقبل. فطبيعتُنا قد تَرَسَّخَتْ في الماضي. وهذا بُرهانٌ على أنَّه لا صِلَةَ لنا بالغضب. ونَمَطُ طاعَتُنا في الحَاضِرِ يُبَرْهِنُ على أنَّهُ لا صِلَةَ لنا بالغَضَب. ومَصيرُنا المُستقبليُّ يُبرهِنُ على أنَّهُ لا شأنَ لنا بيومِ الرَّبِّ أوِ الغضب. فلا يَجْدُرُ بنا أن نَخافَ مِن أيِّ بُعْدٍ مِن هذهِ الأبعاد. فاللهُ لم يَجْعَلْنا للغَضَب.

وقد قالَ الشَّيءَ نَفسَهُ في الأصحاحِ الأوَّل والعددِ العاشِر حينَ قالَ إنَّ يسوعَ يُخَلِّصُنا مِنَ الغضبِ الآتي. كما أنَّ بولسَ كَتَبَ تلكَ الجُملةَ البَديعةَ المُطابقةَ لها تقريبًا في رسالة رُومية 5: 9: "فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَب". فنحنُ لم نُعَيَّن للغَضَب. وهذا يَعني أنَّ رَجاءَنا مَنطقيٌّ بسببِ هذا الحَقِّ العَظيم. ويجب علينا أن نَتَعَزَّى. ويجب علينا أن نَتشجَّع. فاللهُ لم يَجْعلنا بسيادَتِهِ للغضب. فعندما يَسكُبُ اللهُ غَضَبَهُ الأخيرَ في يومِ الرَّبِّ، لن يَكونَ ذلكَ الغَضبُ علينا. وعندما يَسكُبُ اللهُ غَضَبَهُ الأخيرَ في جَهنَّمَ الأبديَّة، لن يَكونَ عَلينا. فالكلمة "يَجْعَلْنا" تُشيرُ إلى أنَّ اللهَ يُهَيمِنُ علينا. وَهُوَ يُهَيمِنُ على كُلِّ حَياةٍ بَشريَّةٍ في التَّاريخ. وخُطَّتُهُ الَّتي وَضَعَها قبلَ تأسيسِ العالَمِ تَتَضَمَّنُ وُجودَنا في المَجد. فاللهُ لم يَجعَلْنا، ولم يَشَأ سابقًا، ولم يُعَيِّنَنا في السَّابقِ، ولم يَخْتَر في السَّابقِ أن نَكونَ للغضب، بل إنَّهُ جَعَلَنا، وعَيَّنَنا سابقًا، واختارَنا سابقًا، وعَرَفَنا سابقًا للمَجد. فقد كُنَّا يومًا أبناءَ الغَضبِ [كما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 2 و3]. فقبلَ أن نَنالَ الخَلاصَ كُنَّا أبناءَ الغضب. ولكنَّنا لم نَعُد كذلك.

والآن، ما هذا الغَضبُ الَّذي يَتحدَّثُ عنه؟ ما نَوعُ هذا الغضبِ هُنا؟ إنَّ الكلمة المُستخدمة هُنا هي "أورغيه" (orge)، وهي تَعني: غَضَبًا راسِخًا مُحْتَدِمًا. فهو ليسَ شَيئًا انفعاليًّا مُؤقَّتًا، بل هو غضبٌ راسِخٌ ومُحْتَدِمٌ. ولكن ما مَعناه؟ إنَّ اللَّفظةَ "غَضَب" أوِ العِبارةَ "غَضَب الله" تُستخدَمُ غالبًا في الكتابِ المقدَّسِ وتُشيرُ عادةً إلى دَينونةِ اللهِ الأخيرة مِن دُونِ الحاجةِ إلى تَخصيصِها. فمثلاً، في إنجيل مَتَّى 3: 7، نَظَرَ يوحنَّا المَعمدان إلى الفَرِّيسيِّينَ والصَّدُّوقيِّينَ وقال: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟" وما الَّذي يَعنيه بذلك؟ الدَّينونة الأخيرة، أو جَهنَّم، أو القَضاء الأخير، أو الغَضب الأخير على الخُطاة. إنَّهُ سَخَطُ اللهِ الَّذي يُسْكَبُ في بُحيرةِ الظَّلامِ والنَّار. وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّالث، يَختِمُ يوحنَّا ذلكَ الأصحاحَ الثَّالث بالقول: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ". ما هو ذلكَ الغَضب؟ الدَّينونة الأبديَّة، والقَضاءُ الأبديُّ، والعِقابُ الأبديّ. وإذا نَظرتُم إلى رسالة رُومية 1: 18 تَقرأونَ ما يَلي: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْم". وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ هذهِ كلمة عامَّة جدًّا تُشيرُ إلى الدَّينونةِ الأخيرةِ أوِ القَضاءِ الأخيرِ على الخُطاة. ويُمكِنُكم أن تَجِدوا في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني الشَّيءَ نَفسَهُ. فالعَددان 5 و8 يَتحدَّثان عن يَوْمِ الغَضَبِ ويومِ سَخَطِ الله. وهي لَفظةٌ تَرِدُ في كُلِّ رسالةِ رُومية كما هي الحالُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 5، وفي الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 15، وفي الأصحاحِ الخامسِ والعدد 9، وفي الأصحاحِ التَّاسعِ والعدد 22، وفي الأصحاحِ الثَّاني عشر والعدد 19، وهَلُمَّ جَرَّا. ويُمكنكم أن تُقارنوا أيضًا ما جاءَ في رسالة أفسُس 5: 6، وفي رسالة كولوسي 3: 6، وحتَّى في الأصحاحِ الرَّابع عشر مِن سِفْر الرُّؤيا.

وفي كُلِّ هذهِ الآياتِ تَجِدُونَ أنَّ الغَضبَ يُشارُ إليهِ بألفاظٍ عَامَّةٍ إذْ إنَّ اللهَ يَتحدَّثُ ببساطةٍ عنِ الدَّينونةِ الأخيرةِ، والهَلاكِ الأبديِّ للأشرارِ عندما يَسكُبُ غَضَبَه. فاللهُ لم يَجْعَلَنا للغضبِ بالمَعنى العامِّ الشَّامِل. ولكن يجب أن تَنْطوي تلكَ اللَّفظةُ أيضًا على فِكرةِ يَومِ الرَّبِّ لأنَّ هذا هو ما يُشيرُ إليهِ سِياقُ الأصحاحِ الخامسِ مِنَ الرسالةِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي.

لِذا، عندما نَنظرُ إلى العددِ التَّاسعِ الَّذي يَقولُ إنَّهُ لم يَجْعَلْنا للغضب، يجب علينا أن نُدركَ أنَّ الكلمةَ "غَضَب" تَضُمُّ أيضًا يومَ الرَّبّ. فنحنُ لسنا مُعَيَّنينَ للغضبِ الأبديِّ، ولسنا مُعيَّنينَ للغضبِ المؤقَّتِ في يومِ الرَّبِّ عندما يَحرِقُ الرَّبُّ جَميعَ الخُطاةِ على الأرضِ ثُمَّ يَطرِحُهم في جَهنَّم. فنحنُ لن نُشارِكَ في أيٍّ مِن هذهِ الأشياء. فهذا المَصيرُ ليسَ لَنا. وبالمُناسَبة، هُناكَ استخدامٌ لغضبِ اللهِ يُشيرُ إلى يَومِ الرَّبِّ المؤقَّت. فإن كانَ لَديكُم وقتٌ، يُمكنكم أن تَنظروا إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الخامس حيثُ تَقرأونَ عنِ الخَتْمِ السَّادس. وهو يَقولُ في العددِ السَّابع عشر إنَّ يَومَ غَضَبِهِ العَظِيمِ [أيْ يَومَ غَضَبِ اللهِ والخَروفِ] قد جاءَ. وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ؟ لِذا، هُناكَ يَوم مُحَدَّد للغضبِ يُشيرُ إلى يومِ الرَّبّ. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في العَدد 18 مِنَ الأصحاحِ الحادي عشر مِن سِفْر الرُّؤيا: "فَأَتَى غَضَبُكَ". وهذا مَذكورٌ أيضًا في سِفْر الرُّؤيا 16: 19 و19: 15. لِذا، عندما تَرَوْنَ العِبارةَ "غَضب الله" فإنَّها تُشيرُ إلى شَكلٍ عَامٍّ مِن دَينونةِ اللهِ على الخُطاة. ولكنَّها تُرَكِّزُ أحيانًا على يَومٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الغضب كما أَشَرتُ في بِضعة أماكِن في سِفْر الرُّؤيا. ولكنَّنا لم نُعَيَّن لأيٍّ مِن هَذينِ الشَّيْئين – ليسَ لأيٍّ مِنهُما.

والآن، بعدَ أن عَرفنا ذلك، ارجِعوا إلى العددِ التَّاسع: "بَلْ..."؛ أيْ "بالمُقابِل" إذْ يَنبغي أن يُوَضِّحَ الفَرقِ باستمرار: "...لاقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح"، أيْ للظَّفْرِ بالخَلاصِ [بحسبِ النَّصِّ اليونانيِّ الأصليِّ]. وهُنا يَتحدَّثُ بولسُ عن ذلكَ البُعدِ الثَّالثِ؛ أي عنِ التَّحريرِ المُستقبليِّ النِّهائيِّ المجيدِ الكاملِ مِنَ الدَّينونةِ العَتيدة؛ أيْ عن ذلكَ الخَلاصِ والتَّحريرِ الأخيرَ الَّذي سيَرفعُنا إلى المَجْدِ ويَجعلُنا مِثلَ المسيح؛ أيْ عن فِداءِ أجسادِنا ذاكَ، وعن ذلكَ التَّمجيدِ الَّذي هو المَرحلةُ الأخيرةُ في خَلاصِنا. وهو يَقولُ [وأنا أُحِبُّ هذهِ الكلماتِ] في نهايةِ العددِ التاسع: "بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فكُلُّ المَراحِلِ الثَّلاثِ تَحْدُثُ مِن خِلالِ الرَّبّ. ففي الماضي، نِلنا الخَلاصَ عندَما آمَنَّا مِن خِلالِ رَبِّنا يسوعَ المسيح. وقد تَمَّ الحِفاظُ على خَلاصِنا مِن خلالِ قُدرةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح. وسوفَ نَخلُص نِهائيًّا مِنَ الغضبِ الآتي ونَأتي إلى حَضرةِ اللهِ مِن خلالِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح. فكُلُّ المراحِلِ الثَّلاثِ، وكُلُّ الأفعالِ الثَّلاثةِ [الماضي، والحاضِر، والمُستقبل] تَستَنِدُ إلى ما فَعَلَهُ المَسيح.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ العاشِر: "[بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ] الَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا"... الَّذي مَاتَ لأجلِنا. وكَم كُنتُ أتَمَنَّى أن يكونَ لدينا الوقتُ الكافي للتَّعمُّقِ في هذهِ الكلمات. فهي كلماتٌ قَويَّة. فالعبارةُ "الَّذي مَاتَ لأجلِنا"، أوِ "الَّذي مَاتَ عَنَّا"، أوِ "الَّذي مَاتَ ليأخُذَ مَكانَنا"، أوِ "الَّذي مَاتَ بَديلاً عَنَّا" لا تَعني أنَّهُ مَاتَ عن نَفسِه، ولم يَمُتْ شَهيدًا لأجلِ قَضيَّةٍ يُؤمِنُ بها؛ بل إنَّهُ مَاتَ عَنَّا. فقد مَاتَ لأجلِنا. وقد مَاتَ ليُتَمِّمَ عَنَّا ما لم يَكُن بالإمكانِ أن يَتِمَّ بأيَّةِ طريقةٍ أخرى. فنحنُ نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة 1: 4: "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّير". فقد مَاتَ عَنَّا مَوتًا بَدَلِيًّا، ومَاتَ ليأخُذَ مَكانَنا. فقد حَمَلَ في جَسَدِهِ خَطاياكُم وخَطاياي. وقد صَارَ خَطيَّةً لأجلِنا لكي نَصيرَ خَاصَّتَهُ. هذه هي رِسَالةُ الصَّليب. فقد مَاتَ عَنَّا. وقد دَفعَ الأُجرةَ عَنَّا. وقد احتملَ العِقابَ عَنَّا، واحتَمَلَ القِصاصَ عَنَّا على يَدَيِّ الله. ونَقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس 5: 15: "وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَام". فقد مَاتَ عَنَّا جَميعًا، عَنكُم وعَنِّي، وأخذَ مَكانَنا. فقد مَاتَ عَنَّا، واحتملَ العِقابَ عَنَّا.

وبسببِ ذلكَ فقد وَهَبَنا خَلاصًا. فقد بَذَلَ حَياتَهُ [كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 10: 11] عنِ الخِراف. وقد كانَ مَوتُهُ الشَّرطَ الوَحيدَ. هل فَهِمتُم ذلك؟ لقد كانَ مَوتُهُ الشَّرطَ الوَحيدَ لدى اللهِ لاقتناءِ شَعبٍ مُعَيَّن للخَلاص. فقد كانَ الشَّرطَ الوَحيد. لِذا فإنَّ مَوتَ المسيحِ يُفْرِزُنا عن أبناءِ الليل. فقد مَاتَ عَنَّا.

ثُمَّ نَقرأُ في العددِ العاشِر: "حَتَّى إِذَا سَهِرْنَا أَوْ نِمْنَا نَحْيَا جَمِيعًا مَعَهُ". وهو لا يُشيرُ هُنا إلى السَّهَرِ والنَّومِ بالمَعنى المُشارِ إليه في العَددِ السَّادس حينَ يَقولُ إنَّ أبناءَ اللَّيلِ نِيامٌ وإنَّ أبناءَ النَّهارِ يَقِظون؛ وإلاَّ لكانَ قد قالَ: "حَتَّى إذا كُنَّا أبناءَ نَهارٍ أو أبناءَ لَيلٍ فإنَّنا سنَكونُ مَعَهُ". لا! بل إنَّهُ يُشيرُ إلى ما قَالَهُ في الأصحاحِ الرَّابعِ حيثُ إنَّهُ تَحدَّثَ هُناكَ عنِ المُؤمِنينَ الأحياءَ والمُؤمنينَ الرَّاقِدين. فهُناكَ مُؤمنونَ أحياء، وهُناكَ مُؤمنونَ راقِدون. ففي الأعداد مِن 13 إلى 15، كانَ مُؤمنو تسالونيكي قَلِقينَ بشأنِ ما سيَحدُثُ للمؤمنينَ الَّذينَ يَموتونَ؛ أيِ المُؤمنينَ الرَّاقدين. فقد كانوا يَستخدمونَ الكلمةَ "رُقاد" عندَما يُشيرونَ إلى المَوتِ عندما يأتي الاختطاف. وهو يَعودُ هُنا إلى سُؤالِهم الأصليِّ ويقولُ إنَّ المسيحَ ماتَ لأجلِنا نحنُ أبناءَ النَّهار حَتَّى إذا سَهرْنا [أيْ كُنَّا أحياء] أوْ نِمْنا [أيْ مُتْنا] نَحيا جَميعًا مَعَهُ. وكَما تَرَوْنَ، إذا كُنتُم تَتساءلونَ عَمَّا إذا كُنتُم ستَختبرونَ يومَ الغَضبِ، وما إذا كُنتُم ستَختبرونَ يَومَ الرَّبِّ فإنَّكُم تَشُكُّونَ في فَاعليَّةِ مَوتِ المَسيح. فهو يَقول: "اسمَعوا! إنَّ طَبيعتَكُم مُختلِفَة، وسُلوكَكُم مُختلِفٌ، ومَصيرَكُم مُختلِفٌ لأنَّهُ عُيِّنَ مِنْ قِبَلِ اللهِ صَاحِبِ السُّلطانِ، ونُفِّذَ مِنْ خِلالِ المَوتِ الكَفَّاريِّ والبَدَلِيِّ لابنِهِ. وَهُوَ يَقولُ: سَواءَ كُنتَ حَيًّا أو مَيِّتًا، إذا كُنتَ مُؤمنًا، أوِ ابنَ نَهارٍ، فإنَّ مَصيرَكَ هو ليسَ الغَضب. فمَصيرُكَ هو أن تَعيشَ معَ المسيح. وقد قالَ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ [ماذا؟] مَكَانًا وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". فسوفَ تأتونَ وتَكونونَ مَعي في حَضْرَتي الأبديَّة.

ونَقرأُ في نِهايةِ العدد 17 مِنَ الأصحاحِ الرَّابع: "وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ". أَتَرَوْن؟ فَلا مُبَرِّرَ للخَوفِ مِن يَومِ الرَّبّ. ولا مُبَرِّرَ للخَوفِ مِنَ الدَّينونةِ المُستقبليَّةِ والعَذابِ الأبديِّ لغيرِ المُؤمنين. فسواءَ كُنتَ حَيًّا أو مَيِّتًا بِصِفتِكَ مُؤمِنًا، وسواءَ كُنتَ مُستيقظًا أو نائمًا، عندما يَحدُثُ ذلكَ لن تَكونَ هُناك. فطبيعتُكَ مُختلِفة، وسُلوكُكَ مُختلِفٌ، ومَصيرُكَ مُختلِف.

لِذا، في الخِتام، نَقرأُ في العددِ الحادي عشر: "لِذلِكَ...". والآن، نَرى أنَّهُ يَتَحَدَّثُ كَراعٍ: "عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". والكلمة "عَزُّوا" هُنا هي نَفسُ الكلمةِ الَّتي وَرَدَت في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 18. فهي نَفسُ الكلمة. عَزُّوا بَعضُكُم بَعضًا". أيْ: عَزُّوا المُؤمنينَ القَلِقينَ والمُتوتِّرينَ والخَائفين. "وَابْنُوا أَحَدُكُمُ الآخَرَ"؛ أي: ابْنُوا المُؤمنينَ الضُّعَفاءَ الَّذينَ لا يَعرفونَ الكثيرَ، والَّذينَ يَتَسَبَّبُ عَدَمِ فَهْمِهِم في قَلَقِهم الشَّديد. شَجِّعوهُم وابنُوهُم. فَلا يوجَد سَبَب يَدعوكُم إلى أن تَكونوا مُحْبَطين. ولا يُوجَد سَبَب يَدعوكُم إلى أن تَكونوا ضُعَفاءَ وتَشُكُّون. فهو يَقول: أفعلوا هذا. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ الكلماتِ التَّالية في نِهايةِ العدد 11: "كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضًا". فقد كانوا كَنيسةً جَديرةً بالثَّناء. فهو يَقولُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعددِ الأوَّل: "أريدُ مِنكُم أن تَزدادوا أكثر". أنتُم تَفعلونَ ذلكَ، ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تَفعلوا المَزيد. فقد كانوا مَجموعةً رائعةً. وهو يَقولُ لهم: أنتُم تَسيرونَ في الطَّريقِ الصَّحيح. والآن، شَجِّعوا بَعضُكُم بعضًا، وابنُوا أحَدُكُم الآخرَ عَالِمينَ أنَّكُم حينَ تَنظرونَ إلى المُستقبلِ فإنَّكُم لن تَختبروا يَومًا غَضبَ اللهِ، ولن تَختبروا يَومًا يَومَ الرَّبّ. فهو ليسَ لَكُم. لِذا فإنَّنا نَحنُ المُؤمنينَ نَعيشُ في ضَوْءِ حَقيقةِ أنَّ يَسوعَ المَسيحَ سيأتي كي يَختَطِفَ عَروسَهُ أو كَنيستَهُ، وكي يُنقِذَها مِن يَومِ الرَّبِّ والغَضبِ الأبديِّ، وكي يَهَبَها فَرَحًا ومَجدًا أبديًّا في حَضرتِهِ إلى الأبد. فنحنُ ليسَ لنا أيُّ دَورٍ في الغضب، وليسَ لنا أيُّ دَورٍ في الظَّلام، وليسَ لنا أيُّ دَورٍ في اللَّيلِ أوِ النَّومِ أوِ السُّكرِ الَّذي يُعرَفُ بِهِ أبناءُ اللَّيلِ المُتَّجِهينَ إلى جَهنَّم. فَلا صِلَةَ لنا بِذلكَ اليوم. وحَتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ سيَخلُصونَ بعدَ اختِطافِ الكنيسةِ ويَشْهَدونَ يَومَ الرَّبِّ سيَنْجونَ مِنهُ لأنَّهم سيَمشونَ على رَمادِ الأشخاصِ الَّذينَ احتَرقوا فيه. لِذا يا أبناءَ النَّهار: تَعَزَّوْا! تعَزَّوْا! ويا أبناءَ اللَّيل: احذَروا! احذَروا! دَعونا نُصَلِّي:

يا رَبُّ، إنَّ هذا النَّصَّ قَويٌّ جدًّا ومُباشِرٌ جدًّا. فقد لَمَسَ بِقُوَّةٍ حَياتَنا جَميعًا. ولا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يُفَوِّتَ هذه الرِّسالة لأنَّ جَميعَ الَّذينَ يَسمعونَ هذهِ الكلماتِ إمَّا هُم أبناءُ نَهارٍ، وإمَّا هُم أبناءُ لَيل. وبالنِّسبةِ إلى أبناءِ النَّهار، يا لَها مِن كَلِماتٍ مُعَزِّية، ويا لَها مِن كَلِماتٍ مُشَجِّعَة، ويا لَها مِن كَلِماتٍ تَحُضُّنا على أن نَستمرَّ في ارتِداءِ الدِّرع. وبالنِّسبةِ لأبناءِ اللَّيل، يا لها مِن كَلمةِ تَحذيرٍ مُخيفَة ومُرَوِّعَة عنِ النَّقْمَةِ الآتِيَة، والدَّينونةِ القادِمَة، والقَضاءِ والعِقاب. لِذا يا رَبُّ، صَلاتي لأبناءِ النَّهارِ هي أن يَتَشَجَّعُوا ويَتَعَزَّوْا ويُبْنَوْا ويَتَقَوَّوْا. وصَلاتي لأبناءِ اللَّيلِ هي أن يُشرِقَ النُّورُ عليهم، وأن يَتَحَقَّقَ شَوقُ قَلبكَ المَذكور في المَزمور 107 الَّذي قَرأناهُ في البداية، وأن يَنتقِلوا مِنَ الظُّلمة إلى النُّورِ مِن خِلالِ مَعرفةِ يسوعَ المسيحِ الَّذي هُوَ نُورُ العالَمِ لأنَّهُ عندما نَسْلُكُ فيهِ فإنَّهُ لا تُوجَدُ ظُلمَة. يا أبانا، اعمَل عَمَلَكَ في تَشجيعِ أبناءِ النَّهارِ وإخراجِ أبناءِ اللَّيلِ مِنَ لَيلِ ظُلمتِهم إلى نُورِ اليومِ المَجيد. نَطلبُ هذهِ الأشياءَ باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize