Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هَذا الصَّباح، في وَقتِ دِراسةِ كلمةِ الله، نَعودُ إلى تِلكَ الرِّسالةِ الصَّغيرةِ الرَّائعةِ الَّتي نَدرُسُها وَهِيَ الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ تَسالونيكي والأصحاحِ الثَّالث. في أثناءِ سَفري، أردتُ أن أَصرِفَ وَقتًا في دِراسةِ هَذا المَقطعِ لأنِّي أردتُ أن أُنْهي هذا السِّفرَ الرائع. والنَّصُّ الَّذي سنتأمَّلُ فيه مِنَ الأصحاحِ الثَّالثِ هُوَ نَصٌّ مُدهِشٌ ورائعٌ استَمتعتُ كَثيرًا بدراسَتِه. وسوفَ نَنظُرُ في هذا الصَّباحِ، بِصورةٍ أَوليَّةٍ على أقَلِّ تَقدير، إلى الأعدادِ مِن 6 إلى 15. وَهُوَ مَقطعٌ صَغيرٌ مُدهشٌ جدًّا في الحَقيقةِ وفَريدٌ جدًّا في العهدِ الجديد يَتحدَّثُ عَن مَوضوعِ العَمَل – العَمَل. والحَقيقةُ هِيَ أنّهُ يُمكِنُني أن أُعَنْوِنَ هذهِ العِظَة: العَمل: واجِبٌ مَسيحيّ".

ولا أدري إن كُنتُم تُفَكِّرونَ بالعَملِ بِهذهِ الطَّريقة؛ ولكِنَّكُم على الأرجَحِ لا تُفَكِّرونَ فيهِ هَكذا. فَبَعضٌ مِنكُم يُفَكِّرُ في أنَّ العَملِ شَيءٌ شَاقٌّ يَنبغي أن يَقومَ بِه. فَسواء كُنتَ تَعمَلُ في مَشروعٍ تَمْلِكُهُ أو تَعمَلُ عَملاً مَنزِليًّا في البيتِ فإنَّهُ شَيء لا مَفَرَّ مِنهُ وَيَنبغي القِيامُ بِهِ، وأنتَ تَقومُ بِهِ لا لأنَّهُ مُمتِع، بَل لأنَّهُ مَفروضٌ عليكَ وَيَنبغي أن تَقومَ به. وبَعضٌ مِنكُم يُفَكِّرُ في أنَّ العَملَ يَدُرُّ مَالاً؛ أيْ أنَّكَ تُفَكّرُ في أنَّ العَملَ وَسيلةٌ تُتيحُ لكَ أن تَشتري الأشياءِ الَّتي تَستمتِع بها، أوْ أنَّهُ وَسيلةٌ تُوَفِّرُ لَكَ نَمَطَ الحَياةِ الَّذي تَرغَبُ فيه. وَبَعضٌ مِنكُم يُفَكِّرُ في أنَّ العَملَ طَريقةٌ لإشباعِ الأنَا وَتَحقيقِ مَا تَشعُرُ بأنَّكَ تَرغَبُ في تَحقيقِهِ لكي تَحصُلَ على التَّقديرِ مِنَ النَّاسِ مِن حَولِك. وَبَعضٌ مِنكُم يُفَكِّرُ في أنَّ العَملَ طَريقةٌ لِتَحقيقِ الطُّموح، أو طَريقةٌ لمُمارسةِ المَواهِبِ والمَهارات، أو طَريقةٌ لِلقيامِ بشيءٍ نَافعٍ في حَياتِك. وبَعضٌ مِنكُم يُفَكِّرُ في أنَّ العَملَ وَسيلةٌ لِخدمةِ النَّاس، أو وَسيلةٌ لِتَسهيلِ الحَياةِ على الآخرين، أو خِدمةٌ لَهُم يُمكِنُ أن تَكونَ مَصدرَ مُتعةٍ أو سُرورٍ لَهُم.

فهُناكَ طُرُقٌ كَثيرةٌ يُمكِنُكُم أن تَنظُروا مِن خلالِها إلى العَمل، ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ إنْ أردنا حَقًّا أن نُلَخِّصَها، قَد يَمُرُّ وَقتٌ طَويلٌ قَبلَ أن نَسمعَ شَخصًا يَقول: "أنا أرى أنَّ عَملي وَسيلةٌ لِخِدمةِ الله". فَيبدو أنَّ هذهِ النَّظرةَ ليست النَّظرةَ الشَّائعةَ عنِ العَملِ حَتَّى بينَ المسيحيِّينَ مَعَ أنَّها يَنبغي أن تَكونَ كذلك. وعلى الرَّغمِ مِمَّا يَظُنُّهُ أغلبيَّةُ النَّاسِ، وعلى الرَّغمِ مِمَّا يَشعُرُ بِهِ أغلبيَّةُ النَّاسِ فإنَّ العَملَ واحِدٌ مِن أكثرِ الأشياءِ شَرَفًا وَنُبْلاً يُمكنُ للمُؤمِنِ أن يَفعلَهُ. والحقيقةُ هِيَ أنَّهُ مُنذُ البَدْءِ، شَاءَ اللهُ أن يأكُلَ الإنسانُ خُبزَهُ بِعَرَقِ جَبينِه (بِحَسَب تَكوين 3: 19). فبعدَ السُّقوطِ قالَ اللهُ: "يَنبغي أن تَعمل. يَنبغي أن تَعملَ لكي تأكُل".

مِن جِهةٍ أخرى فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ كَثيرًا عنِ الأشخاصِ الكَسالَى. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال: "اَلْعَامِلُ بِيَدٍ رَخْوَةٍ يَفْتَقِر". ونَقرأُ أيضًا: "نَفْسُ الْكَسْلاَنِ تَشْتَهِي وَلاَ شَيْءَ لَهَا". ونَقرأُ أيضًا: "اَلْكَسْلاَنُ لاَ يَحْرُثُ بِسَبَبِ الشِّتَاءِ، فَيَسْتَعْطِي فِي الْحَصَادِ وَلاَ يُعْطَى". ونَقرأُ: "شَهْوَةُ الْكَسْلاَنِ تَقْتُلُهُ، لأَنَّ يَدَيْهِ تَأْبَيَانِ الشُّغْلَ". ونَقرأُ في أمثال 24 أنَّ الكَسلانَ يَقول إنَّهُ سَيَنامُ قَليلاً، وإنَّهُ سَيَطوي يَديهِ قَليلاً لِلرُّقُود. والنَّتيجةُ هِيَ أنَّهُ يَفتَقِر.

إذًا، مَا هِي النَّظرةُ السَّليمةُ إلى العَمل؟ وكيفَ يَنبغي أن نَفهمَهُ نَحنُ المَسيحيِّين؟ فَهل هُوَ شَيءٌ عِلمانِيٌّ أَم أنَّهُ شَيءٌ مُقَدَّس. إذا رَجعتُم إلى التَّاريخِ، وَلنقُل إلى تَاريخِ اليَهودِ، سَتجدونَ أنَّ اليَهودَ كَانُوا يَنظُرونَ إلى العَملِ كَشيءٍ عِلمانِيّ. فاليَهودُ لم يَفهَموا الواجِبَ المُقَدَّسَ للعَمل، بَل كَانُوا يَنظرونَ إليهِ على أنَّهُ شَيءٌ عاديٌّ، وَوَضيعٌ، وَجُهدٌ بَشريٌّ مِنَ الطِّرازِ الثَّاني؛ في حين أنَّهُم كانوا يَنظرونَ إلى الواجباتِ الدِّينيَّةِ على أنَّها مَهامٌّ مِنَ الطِّرازِ الأوَّلِ، وَأنَّها مُقدَّسَةٌ، وإلهيَّةٌ، وَشَريفَة. وهُناكَ صَلاةٌ مُدهشةٌ في التَّلمود. والتَّلمودُ هُوَ شَرْحٌ للتَّقاليدِ والشَّريعةِ اليهوديَّة. وَهُوَ يَحوي صَلاةً مُدهشةً جدًّا كَانَ الكَتَبَةُ يُصَلُّونَها. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الكَتَبَةَ هُم أشخاصٌ كانوا يُكَرِّسونَ حَياتَهُم بمُجملِها لِدراسةِ الكتابِ المقدَّس. فَهذا هُوَ كُلُّ مَا كَانَ الكَتَبَةُ يَفعلونَهُ في حَياتِهم. وكانُوا يَحصُلونَ على الدَّعمِ مِنَ المُجتمعِ اليَهوديِّ للتَّوقُّفِ عَن كُلِّ شَيءٍ آخرَ بِخلافِ دِراسةِ النَّاموس.

وَهذهِ هِيَ الصَّلاةُ الَّتي كَانَ الكَتَبَةُ يُصَلُّونَها. استَمِعوا إليها: "أشكُرُكَ يا إلهي لأنَّكَ جَعلتَ نَصيبي مَعَ أولئكَ الَّذينَ يَجلِسونَ في بَيتِ التَّعَلُّمِ، لا مَعَ أولئكَ الَّذينَ يَجلِسونَ في زَوايا الشَّوارِع. فأنا أُبَكِّرُ إلى العَمل وَهُم يُبَكِّرونَ إلى العَمل. ولكِنِّي أُبَكِّرُ إلى دِراسَةِ كَلماتِ الشَّريعةِ، وَهُم يُبَكِّرونَ إلى القِيامِ بأمورٍ غَير مُهِمَّة. وأنا أتعبُ وَهُم يَتعَبون. ولكنِّي أتعبُ وأستفيدُ، وَهُم يَتعَبونَ بِلا فَائِدَة. وأنا أركُضُ وَهُم يَركُضون. ولكِنِّي أركُضُ لِحَياةِ الدَّهرِ الآتي، وَهُم يَركُضونَ إلى القَبر" [نِهايةُ الاقتباس].

والحَقيقةُ هِيَ أنَّها لَيست نَظرةً جَيِّدةً جدًّا إلى العَمل. أليسَ كذلك؟ فَهِيَ تَقولُ إنَّ هَؤلاءِ يَنهَضونَ بَاكِرًا بِلا سَبَب، ويَعملونَ بِلا فَائدة، ويَركُضونَ إلى حُفرةِ المَوتِ دُونَ هَدَف. ويا لَها مِن نَظرةٍ ضَيِّقةٍ ومُؤلمة! وَيا لَها مِن نَظرةٍ تَتَّسِمُ بالكِبرياء! ومِنَ المُدهشِ أنْ تَظُنَّ أنَّهُ لأنَّكَ تَصرِفُ وَقتَكَ في دِراسةِ نَاموسِ اللهِ فإنَّكَ أفضلُ مِنَ الآخرين؛ ولكِنَّ ذلكَ أبعدُ مَا يَكون عَنِ الحَقيقة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّها ليسَت نَظرةَ اليهودِ فقط، بَل مِنَ المُؤسِفِ أن أقولَ إنَّ هذهِ النَّظرةَ تَسَلَّلَتْ أيضًا إلى الكَنيسة. وأيَّةُ زِيارةٍ لأوروبَّا سَتُؤكِّدُ لكم ذلك إنْ ذَهبتُم لزيارةِ القِلاعِ والكنائِسِ الَّتي نُسَمِّيها "بَخُور وأجراس" (smells and bells). وَهُم يُعَرِّفوكُم بِتاريخِ هذهِ الأماكِن. ولا بُدَّ أنْ تَطَّلِعُوا على الأنظمةِ المَلَكِيَّةِ والدِّينيَّة.

وَقد ابتدأَ يوسابيوس (Eusebius) بالكِتابةِ عن هذهِ الأمورِ في القَرنِ الرَّابعِ الميلادِيّ. وَهُوَ واحِدٌ مِن آباءِ الكنيسةِ الأوائِل. استَمِعُوا إلى مَا كَتَبَهُ: "هُناكَ طَريقَتانِ للحَياةِ بِحَسَبِ نَاموسِ المَسيحِ لكنيستِه: الأولى هِيَ الطَّريقة الخَارقة للطَّبيعة والَّتي تَسمُو على الحَياةِ البَشريَّةِ العاديَّة، وَهِيَ تتطلَّبُ الانفصالَ المُقدَّسَ والدَّائمَ عنِ الحَياةِ المألوفةِ للإنسان. وَهِيَ حَياةٌ تُكَرِّسُ نَفسَها لِخدمةِ اللهِ وَحدَهُ. وهذهِ الحَياةُ هِيَ الصُّورةُ الكامِلَةُ للحياةِ المَسيحيَّة" [نِهايةُ الاقتباس]. مَا يَقولُهُ يُوسابيوس هُوَ أنَّ أوَّلَ طَريقةٍ للحياةِ هِيَ الخِدمة المَسيحيَّة... الخِدمة المَسيحيَّة، أيْ أن تُكَرِّسَ نَفسَكَ لِخدمةِ اللهِ وَحدَهُ. فَهذا هُوَ الشَّكلُ الكامِلُ للحياةِ المَسيحيَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في فِقْرةٍ أخرى مَا يَلي: "أمَّا الطَّريقةُ الأخرى أوِ الثَّانيةُ الأكثر تَواضُعًا، والأكثر بَشريَّةً فَهِيَ تَسمَحُ للإنسانِ أن يُعْمِلَ عَقلَهُ في الزِّراعَةِ، وفي التِّجارةِ، وفي أمورٍ عِلمانيَّةٍ أخرى. وَهِيَ أُمورٌ يُمْكِنُنا أن نَنْسِبَ إليها دَرجةً ثَانويَّةً مِنَ التَّقوى" [نِهايةُ الاقتباس].

مَا يَقولُهُ يوسابيوس هُوَ أنَّ مَسيحيِّي الطِّرازِ الأوَّل هُم أولئكَ الَّذينَ يَخدِمونَ اللهَ وَحدَهُ، وَأنَّ مَسيحيِّي الطِّرازِ الثَّاني هُم أولئكَ الَّذينَ يَعملونَ في وَظائفَ عِلمانِيَّة. لِذا، إذا أردتَ أن تَكونَ مَسيحيًّا مِنَ الدَّرجةِ الأولى، يَنبغي أن تُكَرِّسَ حَياتَكَ لِخدمةِ اللهِ وَحدِه. وَهذا التَّعليمُ هُوَ الَّذي أدَّى إلى الرَّهْبَنَة. وَهذا التَّعليمُ هُوَ الَّذي أدَّى إلى تَأسيسِ كُلِّ تِلكَ الصَّوامِعِ بِكُلِّ مَن فيها مِن نُسَّاكٍ، وكُلِّ تِلكَ الأديِرَةِ بِكُلِّ مَن فيها مِن رُهْبانٍ صَرَفُوا فيها عُقودًا مِن حَياتِهم وَهُم يَتأمَّلونَ في سُرَّتِهِم الرُّوحِيَّةِ [إنْ جَازَ القَول]، ويَنظرونَ إلى الدَّاخِلِ، ويُؤكِّدونَ تَواضُعَهُم أمامَ اللهِ، ويَصرِفونَ الوقتَ في دِراسةٍ مُستمرَّةٍ للكِتابِ المُقدَّسِ على غِرارِ مَا كانَ الكَتَبَةُ يَفعلونَهُ في اليَهوديَّةِ قَبلَهُم.

وتَكفي زِيارةٌ لأحدِ الأديرةِ لمَعرفةِ أمورٍ مُدهشةٍ جدًّا. فقد زُرتُ عَددًا مِنها، ثُمَّ زُرْتُ في رِحلتي هذهِ المَزيدَ مِنها. يَبتدِئُ يَومُ الرَّاهِبِ في السَّاعةِ الثَّالثةِ صَباحًا للقيامِ بأوَّلِ خِدمَة. وَقد تَقول: "لِمَ السَّاعَة الثَّالثة صَباحًا تَحديدًا؟" فَقَط لِجَعلِكَ بَائِسًا لأنَّ هُناكَ تَكفيرٌ عَنِ الخَطيَّةِ في البُؤس. فَلا يَجوزُ لكَ أن تَنامَ أكثرَ مِن سَاعتَيْنِ أو ثَلاثِ سَاعاتٍ لأنَّ الآخرينَ قد يَظُنُّونَ أنَّكَ جَسَدِيٌّ. لِذا فإنَّهُم يَنهَضونَ في الثَّالثةِ صَباحًا ويُقيمونَ قُدَّاسَهُم الأوَّل. ثُمَّ إنَّهُم يَعودونَ إلى النَّومِ في السَّاعةِ الرَّابعةِ ويَنهَضونَ في السَّاعةِ الخَامسةِ حَيثُ يُقيمونَ قُدَّاسَهُم الثَّاني. وَقبلَ انتهاءِ اليوم، يَكونونَ قَد أقامُوا خَمسةَ قَداديسٍ أخرى. وفي الوقتِ الفَاصِلِ بينَ القَداديسِ فإنَّهُم يَصرِفونَ وَقتَهُم في الصَّلاةِ وقِراءةِ الكتابِ المقدَّس. وَهُم يَفعلونَ ذلكَ لِسَنواتٍ وَعُقودٍ مِن حَياتِهم إيمانًا مِنهُم بأنَّ ذلكَ في ذاتِهِ يَجعَلُهم مَسيحيِّينَ كَامِلينَ أو مَسيحيِّينَ رَفيعي المُستوى. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ في الخَارِجِ ويَعملونَ في الزِّراعَةِ أوِ التِّجارةِ أوِ الأعمالِ الحُرَّةِ فإنَّهُم مُسيحيُّونَ مِنَ الدَّرجَةِ الثَّانية.

والفِكرةُ القائِلَةُ إنَّ العَملَ يَجعلُكَ شَخصًا مِنَ الدَّرجةِ الثَّانيةِ، أو إنَّ الوظيفةَ العِلمانيَّةَ الوَضيعةَ وَعَديمةَ النَّفعِ تَجعلُكَ أقَلَّ شَأنًا مِنَ الرُّتبَةِ الدِّينيَّةِ هِيَ فِكرةٌ تَسَلَّلَت إلى الكنيسةِ بِقوَّةٍ كبيرةٍ حَتَّى إنَّها لم تُفارِقها وَحَتَّى لم تَبتدِئ في مُفارقَتِها إلاَّ في زَمنِ الإصلاحِ في القَرنِ السَّادِس عَشَر بَعدَ أن قَامَ مَارتن لوثر (Martin Luther) وجون كالفِن (John Calvin) بمُهاجمتها. وَهِيَ فِكرةٌ مَا تَزالُ مَوجودةً في الكَاثوليكيَّةِ، ولكِنَّ الإصلاحَ سَدَّدَ ضَرَباتٍ قَويَّةً إليها. فَقد قالَ مارتن لوثر إنَّهُ لا يُوجَدُ فَرقٌ البَتَّة لَدى اللهِ [مَعَ أنَّهُ قَد يُوجَدُ فَرقٌ لَدى البَشَر] بينَ الشَّخصِ الَّذي يَكرِزُ بكلمةِ اللهِ والشَّخصِ الَّذي يَغسِلُ الأطباق. وَلا يُوجَدُ شَيءٌ [بِحَسَبِ قَولِهِ] بينَ الأعمالِ المُقَدَّسَةِ والأعمالِ العِلمانيَّة. فَنحنُ نُدرِكُ أنَّ ثَمَّةَ فَرْقٍ بينَ الكِرازةِ وغَسْلِ الأطباقِ مِن جِهَةِ تأثيرِ كُلٍّ مِنهُما في البَشَر. أمَّا مِن جِهَةِ الخِدمةِ أمامَ اللهِ، لا يُوجَدُ فَرقٌ بَينهُما لأنَّ المَرءَ قَد يَكرِزُ بالحَقِّ الإلهِيِّ بِدافِعٍ غَيرِ نَقِيٍّ فَلا يُسَرُّ اللهُ بِهِ، في حينِ أنَّ الشَّخصَ الآخرَ قَد يَغسِلُ الأطباقَ بِدافِعِ تَمجيدِ المَسيحِ فَيُسَرُّ اللهُ جِدًّا بِه.

وَبُولسُ يَتَصَدَّى لِموقفٍ مَغلوطٍ تُجاهَ العَملِ في هَذا النَّصّ. ولا أدري إنْ كانَ ذلكَ قَد حَدَثَ لأنَّهُ كَانَ يُوجَدُ تَأثيرٌ يَهوديٌّ في هَذهِ الكَنيسةِ الفَتِيَّة، أو إنْ كانَ هُناكَ أشخاصٌ آمَنُوا بالمَسيحِ مِن خَلفيَّةٍ يَهوديَّةٍ وكانُوا يَقولونَ: "انظُروا! في اليَهوديَّةِ، أعلى مُستوى في الحَياةِ الروحيَّةِ هُوَ أن تَكونَ وَاحِدًا مِنَ الكَتَبَةِ وَأن تَصرِفَ كُلَّ وَقتِكَ في دِراسةِ النَّاموس. لِذا، أعتقدُ أنَّ هَذا هُوَ أعلى مُستوى في المَسيحيَّة. لِذا، سَأصرِفُ كُلَّ وَقتي في دِراسةِ النَّاموسِ ولَن أعمَل". ورُبَّما لم يَحُدث ذلكَ بِسَببِ التَّأثيرِ اليَهودِيِّ بِقَدْرِ مَا حَدَثَ بِسَببِ التَّأثيرِ اليُونانِيّ. ولا أدري إن كُنتُم تَذكُرونَ هَذا، ولكِنِّي وَاثِقٌ مِن أنَّكُم تَذكُرونَهُ، وَهُوَ أنَّهُ كَانَ يُعْهَدُ بِكُلِّ الأعمالِ الوَضيعةِ في الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ إلى مَنْ؟ إلى العَبيد.

فَقد كانَ كُلُّ العَالَمِ اليُونانِيِّ يَعتَمِدُ كَثيرًا على العَبيد. وَقد تَسَلَّلَتْ تِلكَ العَقليَّةُ إلى الكَنيسةِ دُونَ شَكٍّ. ورُبَّما كَانَ هُناكَ أشخاصٌ أحرار يُواجِهونَ مُشكلةً لأنَّهُ قَبلَ أن يَصيروا مَسيحيِّينَ كَانُوا يَعمَلونَ في مَدرسةٍ فَلسفيَّةٍ أو يُعَلِّمونَ في مَكانٍ مَا، ورُبَّما كانُوا مُرتبطينَ بعملٍ مَا حيثُ يَهتَمُّونَ هُمْ بالإعدادِ والتَّخطيطِ فيما يَقومُ آخرونَ بِكُلِّ الأعمال. وبعدَ أن صَاروا مَسيحيِّينَ وفَقدوا وَظائفهُم ومَكانَتَهُم بِصِفَتِهم مُعَلِّمينَ أو فَلاسِفة، صَاروا الآنَ بَلا عَمَل؛ ولكِنَّهُم يَحتَقِرونَ العَمَل، وَلَم يَسبِق لَهُم أن عَمِلوا. ولأنَّهُ لم يَعُد لَديهم دَخْلٌ مِن وَظيفتِهم السَّابقةِ، صَاروا في مَوقِفٍ يَتَعَيَّنُ عليهم فيهِ أن يَعمَلوا. ولكِنَّهُم يَشعُرونَ بأنَّهُم أَرْقَى مِن ذلك. وَهُم لا يُريدونَ أن يَعمَلوا. فَقد كانُوا دَائِمًا أحرارًا. والأحرارُ لا يَعمَلون. فَالعَبيدُ هُم فَقَط مَن يَعمَلون. أمَّا نَحنُ فَلا نَعمَل!

ثُمَّ هُناكَ مُشكلةٌ أخرى كَما لو أنَّ المَشاكِلَ المَوجودةَ لا تَكفي! وكانَ مَصدرُ هذهِ المُشكلةُ هُوَ الثَّقافة اليَهوديَّة والثَّقافة الأُمَمِيَّة. فَقد جَاءَ أُناسٌ إلى الكَنيسةِ في تَسالونيكي (بِحَسَب مَا جَاءَ في الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ الثَّاني) وأخبرَهُم أنَّهُم في يَومِ الرَّبِّ؛ أيْ في وَقتِ النِّهايةِ، وَأنَّ يَسوعَ سَيَأتي قَريبًا جدًّا. ورُبَّما كَانَ بَعضٌ مِنهُم يَقول: "انظُروا! إنْ كانَ يَسوعُ قَادِمًا، وإنْ كُنَّا في يَومِ الرَّبِّ، وَكانَ غَضَبُ اللهِ على وَشْكِ النُّزولِ، وكانَ الرَّبُّ على وَشْكِ العَودةِ، لا يَنبغي لَنا أنْ نَنهَمِكَ في العَمل، بَل يَنبغي لَنا أن نَنهَمِكَ في الكِرازَة. فيجبُ علينا أن نَقومَ بِخدمةٍ رُوحيَّة. فالعَملُ يَستغرِقُ سَاعاتٍ طَويلة. والعالَمُ الهَالِكُ يُوْشِكُ أنْ يَشْهَدَ عَودةَ المَسيح. لا يُمكِنُنا أن نَرتَبِكَ في الأعمالِ العاديَّة، بَل يَنبغي لنا أن نَنهَمِكَ في الكِرازَة".

ورُبَّما كَانَ هُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ بِكُلِّ وَقاحَة: "لا أريدُ أن أعمَل". فَهُمْ كَسَالَى وَحَسْب. لِذا، رُبَّما كَانَ التَّأثيرُ اليَهودِيُّ هُوَ الَّذي أدَّى إلى رَفْعِ مَكانَةِ الأشخاصِ المُتَدَيِّنينَ لأنَّهُم يَدرُسونَ الكتابَ المقدَّسَ فَحَصَلُوا على الدَّعمِ بِسَببِ ذلك، أو رُبَّما كَانتِ العَقليَّةُ الأُمَمِيَّةُ القائِلَةُ إنَّ الأحرارَ لا يَعمَلونَ، أو رُبَّما كانَ السَّببُ يَرجِعُ إلى العَقليَّةِ المُختصَّةِ بالأمورِ المُستقبليَّةِ الأخيرةِ الَّتي تَقول: "يَسوعُ آتٍ. لا يُمكِنُنا أن نَعمَل، بَل يَنبغي لَنا أن نَكرِز". أو رُبَّما كَانَ هُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ وَحَسْب: "نَحنُ كَسالَى وَلا نُريدُ أن نَعمَل". كذلك، كانَ الأشخاصُ الكَسالَى يَعلَمونَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ أنَّهُ يَنبغي لِمَن لَديهم أن يُعطُوا مَن لا يَملِكونَ شَيئًا. لِذا فقد صَنَّفُوا أنفسَهُم بأنفسِهم بأنَّهُم فُقَراء وَقالوا: "نَحنُ الآنَ الحالاتُ الإنسانيَّةُ الَّتي يَنبغي أن تَهتَمُّوا بها لأنَّ هَذا هُوَ مَا أوصاكُم يَسوعُ بأنْ تَعمَلوه".

وأيًّا كانَ السَّبب، كانَ هُناكَ أشخاصٌ لا يَعمَلون. وَمِنَ المُدهِشِ أنَّ بُولسَ لا يُطلِعُنا على السَّبب. وهل تُريدونَ أن تَعلَموا لِماذا؟ لأنَّ السَّببَ ليسَ مُهِمًّا. فَكُلُّ الأسبابِ لا قِيمَةَ لَها. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّنا سَنَرفُضُ حَالاً السَّببَ الَّذي يَقولُ: "أنا كَسولٌ ولا أريدُ أن أعمَل. لِذا، يَنبغي أن تَسُدُّوا حَاجاتي، ويَنبغي أن تَعتَنُوا بالفُقراء". فسَوفَ نَرفُضَ ذلكَ السَّببَ مُباشَرَةً. صَحيحٌ أنَّنا نَعلَمُ أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَهتمَّ بالفُقراء، ولكِنْ يَنبغي لنا أن نَهتمَّ بالفُقراءِ الَّذينَ لا يُوجَد خِيارٌ آخر أمامَهُم سِوى أن يَكونوا فُقراء. فيجبُ علينا أن نُساعِدَ الأشخاصَ الَّذينَ يُريدونَ أن يَعمَلوا ولكِنَّهُم لا يَجِدونَ عَملاً، أو لا يَقدرونَ أن يَعمَلوا بِسببِ مَرَضٍ أو إعاقَة. فَيجبُ علينا أن نَسُدَّ حَاجاتِ هَؤلاء؛ ولكِن ليسَ حَاجاتِ الأشخاصِ الَّذينَ يَستطيعونَ أن يَعمَلوا وتُوجَدُ أمامُهُم فُرصٌ للعَمل. لِذا، يُمكِنُنا أنْ نَستَثني هَؤلاء. ويُمكِنُنا أن نَستَثني على الأرجَحِ العَقليَّةَ الأُمميَّةَ الَّتي تَقول: "أنا أَرقَى بِكَثير مِن أن أعمَل". فيُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ هَذهِ أعذارٌ وَاهِيَة. لِذا، سَوفَ نَضَعُها جَانِبًا.

وَقد نُفَكِّرُ مُدَّةً أطوَل قَليلاً في الفِئَتَيْنِ الأخيرَتَيْن ونقول: "رُبَّما كَانَ أمرًا جَليلاً أنْ تَصرِفَ كُلَّ حَياتِكَ دُونَ أن تَعمَلَ أيَّ شَيءٍ آخرَ سِوى دِراسةِ النَّاموس. ونَحنُ نَعيشُ في ضَوْءِ عَودَةِ المَسيحُ في نِهايةِ المَطاف. لِذا رُبَّما كَانَ يَنبغي لنا أن نَترُكَ أعمالَنا ونَلتَفِتَ إلى الكِرازَة". فقد نُفَكِّرُ أكثر قَليلاً في ذلك ونَقول: "هَذا عُذْرٌ نَبيلٌ لِعَدَمِ العَمل". ولكِنَّ مَا يُدهشُني هُوَ أنَّ بُولسَ لا يُطلِعُنا على السَّبب. هَل تَعلمونَ لماذا؟ لأنَّ السَّببَ ليسَ مُهِمًّا. فَجميعُ الأسبابِ بَاطِلَة. وَحقيقةُ أنَّهُ لا يُعَلِّقُ على ذلكَ هِيَ تَعليق. فَنحنُ لا نَعلَمُ لماذا كانُوا لا يَعمَلون. فَنحنُ لا نَدري إنْ كَانَ السَّببُ يَرجِعُ إلى الكَسَلِ أَمْ إلى أسبابِ مُختصَّةٍ بالأمورِ الأخيرة. وَنحنُ لا نَدري إنْ كَانَ السَّببُ يَرجِعُ إلى رَغبتِهم في صَرْفِ كُلِّ وَقتِهم في دِراسةِ الكتابِ المقدَّسِ، أَو إلى رغبَتِهم الشَّديدةِ في صَرْفِ كُلِّ وَقتِهم في الكِرازَة. فالسَّببُ ليسَ مُهِمًّا. ولكِنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ كَانُوا مُشكلةً.

لِذا، ابتِداءً مِنَ العَددِ السَّادسِ، انظُروا مَاذا يَقولُ لَهُم: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ..." – وفي هذا السِّياقِ، هَذا يَعني أنَّهُ لا يَعمَل. "...وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا. إِذْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِنَا، لأَنَّنَا لَمْ نَسْلُكْ بِلاَ تَرْتِيبٍ بَيْنَكُمْ، وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلاً وَنَهَارًا، لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا، بَلْ لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا. فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ، أَوْصَيْنَاكُمْ بِهذَا: «أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا». لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّونَ. فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ. أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلاَ تَفْشَلُوا فِي عَمَلِ الْخَيْرِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ، وَلكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ".

والآن، مِنَ الواضِحِ أنَّهُ كانَ يُوجدُ أشخاصٌ يَعيشونَ حَياةً تَفتَقِرُ إلى التَّرتيب، وتَفتَقِرُ إلى الانضِباطِ والنِّظام. وَالخُلاصَةُ هِيَ أنَّهُم لم يَكونوا يَعمَلون، بَل كَانُوا أشخاصًا فُضولِيِّينَ وَحَسْب إذْ كَانُوا يَتَسَكَّعونَ ولا يَعمَلونَ، بَل يُلْقونُ أثقالَهُم على الآخرينَ كي يَسُدُّوا حَاجَتَهُم إلى الطَّعام. والرَّسولُ يُوَجِّهُ هذا المَقطعَ إلى هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعمَلون. وَهُوَ مَقطعٌ فَريدٌ جدًّا ومُوَجَّهٌ إلى الأشخاصِ والكنائسِ الَّتي يُوجَدُ فيها أشخاصٌ يَرفُضونَ العَمَل.

وكَما تَرَوْنَ فإنَّ إيمانَنا المَسيحيَّ قَدَّسَ كُلَّ مِهنَة. فلا يُوجَد فَرق بينَ وظيفةٍ عِلمانيَّةٍ ووظيفةٍ دِينيَّة. لا يُوجَد أيُّ فَرقٍ البَتَّة. ويجبُ على الكنيسةِ أن تَتذكَّرَ أنَّ يَسوعَ كَرَزَ ثَلاثَ سَنواتٍ فقط، ولكِنَّهُ عَمِلَ نَجَّارًا مُدَّةً لا تَقِلُّ عن عِشرينَ سَنة. وَهَذا يُقَدِّسُ العَمل. فَكُلُّ الحَياةِ هِيَ لله. وكُلُّها لِمَجدِه.

انظروا قَليلاً معي إلى رِسالةِ أفسُس والأصحاحِ السَّادس. فَيُمكِنُني أن أُوَضِّحَ ذلكَ لَكُم مِن خِلالِ الكتابِ المقدَّسِ المُوحَى بِه. فالأصحاحُ السَّادِسُ مِن رِسالةِ أفسُس يُخبرُنا أنَّ كُلَّ وَظيفةٍ، وكُلَّ مِهنةٍ، وكُلَّ عَمَلٍ يَقَعُ في إطارِ الواجِبِ المُقَدَّسِ للمُؤمِن. فَلا يُوجَد عَمَلٌ عِلمانِيٌّ للمَسيحيّ. لا يُوجَد شَيءٌ عِلمانِيٌّ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ يَنبغي أن يُعمَلَ لِمَجدِ الله. ولكنِ انظُروا إلى رِسالةِ أفسُس 6: 5 إذْ نَقرأُ: "أَيُّهَا الْعَبِيدُ [أوِ الخُدَّامُ، أوِ المُوَظَّفونَ]، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيح". حَسَنًا؟ اعمَلوا لَدى رَبِّ عَمَلِكُم "بِخوفٍ" [أيْ بِتَوقيرٍ] "وَرِعْدَةٍ" [أيْ عَالِمينَ أنَّهُ يَتَحَكَّمُ في مَصيرِكُم في العَمل] "فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيح". العَدد 6: "لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ" – أيْ لا تَعملُوا لِمُجَرَّدِ أنَّهُ يُراقِبُكم "كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ" – أيْ لا لِكَيْ تُرضُوهُ هُوَ. "بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاس".

بِعبارةٍ أخرى: في عَمَلِكَ، أنتَ تَخدِمُ الرَّبَّ مِن خِلالِ مَوقِفِكَ وَجُهدِك. العَدد 8: "عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا". فَسواء كُنتَ تَعمَلُ بِصِفَتِكَ عَبْدًا، أو كُنتَ حُرًّا، فإنَّ العَملَ الَّذي تَعمَلُهُ هُوَ للرَّبِّ، وَهُوَ سيُكافِئُكَ عَليه. فَخِدمَتُكَ هِيَ لَهُ، لا لِرَبِّ عَمَلِك. ونَجِدُ في رِسالةِ كُولوسي والأصحاحِ الثَّالِثِ مَقطعًا مُشابِهًا إذْ نَقرأُ في العَدد 22 الشَّيءَ نَفسَهُ: "أَيُّهَا [المُوَظَّفونَ أوِ] الْعَبِيدُ..." [رِسالة كُولوسي 3: 22] "...أَطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ بِبَسَاطَةِ الْقَلْبِ، خَائِفِينَ الرَّبَّ. وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ، فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاس". والآن، لاحِظُوا مَا جَاءَ في العَدد 24: "عَالِمِينَ أَنَّكُمْ مِنَ الرَّبِّ سَتَأخُذُونَ جَزَاءَ الْمِيرَاث". فالرَّبُّ هُوَ مَنْ سَيُكافِئُكُم. وإليكُم الخُلاصَةَ: "لأَنَّكُمْ تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ". فَعَمَلُكَ ليسَ عَملاً عِلمانِيًّا، بَل هُوَ وَاجِبٌ رُوحِيٌّ. فأنتَ تَخدِمُ الرَّبَّ مِن خِلالِ مَوقِفِكَ واجتهادِك. أنتَ تَخدِمُ الرَّبَّ. وأنتَ تَفعلُ ذلكَ لإكرامِهِ وتَمجيدِه. وحَتَّى إنَّكَ تَخدِمُ البَشريَّةَ لأنَّ مَا تَفعلَهُ هُوَ خِدمَةٌ للبَشَر. فَهذا يُساعِدُهم في حَياتِهم.

لِذا فإنَّ بُولسَ يَقولُ لمُؤمِني أفسُس، ويَقولُ لمُؤمِني كولوسي إنَّ العَملَ وَاجِبٌ مُقَدَّسٌ، وليسَ وَاجِبًا عِلمانِيًّا. فالعَملُ مُقَدَّسٌ بِمَعنى أنَّكَ تَقومُ بِهِ لأجلِ الرَّبِّ سَواءَ كُنتَ تَغسِلُ الأطباقَ، أو تَمْسَحُ الأرضَ، أو تَعتني بالأطفالِ في البيت وتُحافظ على نَظافةِ البيت، أو تَعمَلُ في المَجالِ المَالِيِّ في مِهنةِ المُحاسَبةِ أو مَسْكِ الدَّفاتِرِ في شَرِكَة، أو كُنْتَ سَاعِي بَريد، أو مُعَلِّمًا في مَدرسة، أو سَائِقَ شَاحِنَة، أو تُديرُ عَمَلاً تِجاريًّا، أو تَعمَلُ في مَجالِ المَبيعاتِ، أو تُطَوِّرُ استراتيجيَّاتِ التَّسويق، أو خَبيرًا أو مُستشارًا في مَجالٍ فَريد. أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي تَعمَلُهُ فإنَّهُ خِدمَةٌ للرَّبّ. فَقد أعطاكَ اللهُ قُدرةً، وأعطاكَ مَوهبةً، وأعطاكَ قُدرةً على اصْطِناعِ الثَّروة (كَما جَاءَ في سِفْر التَّثنية) مِن خِلالِ تِلكَ الوَسيلة، وَمَنَحَكَ فُرصةً لِكَسْبِ رِزْقِكَ مِن خِلالِ تِلكَ المَوهبةِ أوِ القُدرةِ أوِ الخِبرةِ أوِ المَهارةِ الَّتي لَديك. ولكِن يجبُ عليكَ أن تَعملَ كما لو أنَّكَ تَخدِمُهُ؛ أيْ كما لو أنَّكَ تَخدِمُ اللهَ الَّذي أعطاكَ تلكَ القُدرةَ لِتكونَ الوَسيلةَ الَّتي تَكسَبُ مِن خِلالِها رِزْقِك. وَهَذا يَصِحُّ تَحديدًا على المَسيحيِّين. فَكُلُّ شَيءٍ تَفعلُهُ هُوَ واجِبٌ مُقَدَّس.

وَقد تَقول: "هَل تَعني أنَّ العَملَ الَّذي أعمَلُهُ مُهِمٌّ في عَينيِّ الرَّبِّ بِقَدْرِ العَملِ الَّذي تَعمَلُهُ أنت؟" أجل. وَقد تَقول: "هَل تَعني أنَّ غَسْلي للأطباقِ في بَيتي كَما للرَّبِّ يُعادِلُ وَعْظَكَ كَما للرَّبّ؟" أجل – لا مِن جِهَةِ تأثيرهِ الكِرازِيِّ في البَشَر، وَلا مِن جِهَةِ نَفْعِهِ في تَعليمِ الكِتابِ المُقَدَّس، ولا مِن جِهَةِ نَفْعِهِ للبَشَرِ بالضَّرورة، ولكِنَّهُ أمامَ اللهِ مُعادِلٌ لِعَملي لأنَّه الخِدمةُ الَّتي تُقَدِّمُها لَهُ لِمَجدِه. وَهذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّةُ الَّتي لم يَكُن مُؤمِنو تسالونيكي يَفهَمونَها. وبصراحَة، كَانَ يَنبغي لَهُم أن يَفهَموها. وما أعنيه هُوَ: ارجِعُوا قَليلاً إلى الرسالةِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي والأصحاحِ الرَّابع.

الرِّسالة الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي 4: 10 إذْ إنَّهُ يَقولُ في نِهايةِ العَددِ العَاشِر: "وَإِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَزْدَادُوا أَكْثَر". أنتُم تَفعَلونَ حَسَنًا، ولكِن يَنبغي أن تَفعلوا مَا هُوَ أكثر. ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ السَّببَ في العَددِ الحَادي عَشَر: "وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ"، أيْ أنْ تَستَكينُوا وَتَهدأوا. "وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ"؛ أيْ أَلاَّ تَتَدَخَّلُوا في شُؤونِ الآخرين. "وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَنِ العَمل. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "لِكَيْ تَسْلُكُوا بِلِيَاقَةٍ عِنْدَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، وَلاَ تَكُونَ لَكُمْ حَاجَةٌ إِلَى أَحَد". اعمَلُوا. ولا تَكونُوا طُفَيْلِيِّين، ولا تَكونوا مُتَسَكِّعين، ولا تَحْشُروا أنفسَكُم في شُؤونِ النَّاسِ، بَل نَظِّمُوا حَياتَكُم، واضبُطوا أنفسَكُم، واهتَمُّوا بِشؤونِكُم، واعمَلوا عَمَلَكُم لِكَي لا تَكونَ لَكُم (كما جَاءَ في العَدد 12) "حَاجَةٌ إلى أحَد". وَهَذا مُهِمٌّ جدًّا لِوَحدَةِ الكنيسة. وَمِنَ المُهِمِّ أن تُدرِكَ أنَّ عَمَلَكَ يُمَجِّدُ الله.

لِذا فَقد قَالَ ذلكَ في رِسالتِهِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي والأصحاحِ الرَّابع. فَقد قالَ ذلكَ لَهُم. ولكِن أَلاَ لاحَظتُم مَا يَقولُهُ لَهُم أيضًا في نِهايةِ العَددِ الحَادي عَشَر؟ "كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ". إذًا، في الرِّسالةِ الأولى، لم تَكُن هَذِهِ هِيَ أوَّل مَرَّة يَسمَعونَ فيها هذا الكَلام. فعندما كَانَ هُناكَ، لا بُدَّ أنَّهُ وَاجَهَهُم بِهِ وَأوصاهُم بِشأنِه. فعندما جَاءَ إلى المَدينةِ وَأسَّسَ الكَنيسة، مِنَ الواضحِ أنَّ هذهِ المُشكلةَ كَانت مَوجودةً مُنذُ البِداية. وَهَذا يَدفَعُني إلى الاعتقادِ بأنَّهُم استَمَرُّوا في هذهِ العَقليَّةِ الَّتي تَقولُ إنَّ الأُمَمِيَّ إنسانٌ حُرّ، ثُمَّ جَاءَ شَخصٌ وَجَعلَ الأمرَ أكثرَ تَعقيدًا بِسَببِ التَّعليمِ عن تَرَقُّبِ عَودةِ المَسيحِ قَائِلاً: "ليسَ مِن مُستوايَ أن أعمل. كَما أنَّ العَملَ ليسَ الأولويَّة فيما نَقتربُ مِن عَودةِ المَسيح". وَقد أوصَاهُم بولسُ عندما كانَ هُناكَ قَائلاً: "اعمَلوا. اذهَبوا إلى العَمل. هذهِ وَصِيَّة مِنَ الله".

ومِنَ الواضِحِ أنَّهُم لم يُطيعوها. والآن، بَعدَ بِضعةَ أسابيع، هَا هُوَ يَكتُبُ هذهِ الرِّسالةَ (أيْ رِسالَتَهُ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي) ويَقولُ مَرَّةً أخرى: "يَنبغي أن تَفعلوا هَذا كَما أوصَيناكُم". وَإذا نَظرتُم إلى رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ تَسالونيكي تَجِدونَ أنَّهُ يُكَرِّرُ ذلكَ مَرَّةً ثَالثةً لأنَّهُم استَمَرُّوا في عِنادِهِم، ولم يُطيعوا، ولم يُظْهِروا أيَّ استِعدادٍ للعَمَل. فَيبدو أنَّهُم لا يُبالونَ بِما يَقول. فَهُم لا يُريدونَ أن يَعمَلوا.

وَيَنبغي التَّصَدِّي لِهذا النَّوعِ مِنَ العِناد. لِذا فإنَّهُ يَكتُبُ هُنا بِصيغَةٍ تَأديبيَّة. فالعَددُ السَّادِسُ هُوَ في الحَقيقةِ تَأديبِيّ. فَهُوَ يُوصِي الكَنيسةَ بأنْ تَتَجَنَّبَ هؤلاءِ الأشخاصَ الَّذينَ لا يَعمَلون. وَقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! أَلاَ يُوصِينا الكتابُ المقدَّسُ بأنْ نُساعِدَ الفُقراء؟" وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُبدونَ الاستِعدادَ للعَمَل ولكِنَّهُم لا يَجِدونَ عَمَلاً، والأشخاصَ الَّذينَ لا يَعمَلونَ لأنَّهُم لا يَستطيعونَ ذلكَ جَسديًّا، والمَرضَى الَّذينَ لا يَستطيعونَ أن يَعمَلوا، يَنبغي أن تُسَدَّ حَاجَاتُهم. وَهُوَ لا يَتحدَّثُ عَن هَذهِ الفِئاتِ مِنَ النَّاس، بَل يَتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ القادِرينَ جَسديًّا على العَمل ولَديهم فُرَص. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ في أعمال 4، وَحَتَّى في أعمال 2، وأعمال 4، وأعمال 5، وأعمال 6، كانت تُوجَدُ في الكَنيسةِ الباكِرَةِ مُشارَكَةٌ مَعَ القِدِّيسينَ الفُقراء في أورُشَليم. وَقد صَرَفَ بُولسُ بِضعةَ أشهُر في جَمْعِ العَطاءِ مِن كَنائِسِ الأُمَمِ لِتَقديمِهِ إلى القِدِّيسينَ الفُقراء في أورُشليم والَّذينَ كَانوا مُستعدِّينَ للعَمل في حَالِ تَوَفُّرِ الفُرصَة. ولكِنَّنا لا نَتحدَّثُ عَن ذلك، بَل نَتحدَّثُ عَنِ الكَسَالَى الَّذينَ يُمكِنُهم أن يَعمَلوا ولكِنَّهُم لا يُريدونَ ذلك.

لِذا، سَوفَ يَعمَلُ بُولُسُ في هذهِ الرِّسالةِ على حَفْزِهم. ويُمكِنُكم أن تَتخيَّلوا أنَّهُ عند قِراءةِ هذهِ الرِّسالةُ في كنيسةِ تَسالونيكي، كانَ الجَميعُ يَعرِفونَ مَنْ هُمُ الأشخاصُ المَعنِيُّونَ بِذلك. فَقد كانَ الجَميعُ يَعرِفُ ذلك. فعندما قَالَ بُولُس: "نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ"... ألخ، عَلِمُوا مَنِ الأشخاصُ المُستهدَفونَ بذلك. والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أعتقدُ أنَّ بُولسَ كَانَ يَعرِفُ مَن هُمْ هَؤلاء؛ ولكِنَّهُ لم يَذكُر أسماءَهُم. لِذا فَقد كَانُوا مَعروفينَ لَدى الكَنيسةِ كُلِّها عندما قُرِئتِ الرِّسالة. وَلا بُدَّ أنَّهُم سَمِعوها تُقرأُ وَسَمِعُوا الكَلامَ التَّحريضِيَّ فيها. ويَذكُرُ بُولسُ في الأعداد 6-15 سِتَّة دَوافِع للذَّهابِ إلى العَمل – سِتَّة دَوافِع، أو سِتَّة حَوافِز تَدفعُ هؤلاءِ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَرفُضونَ العَملَ إلى العَمل. وإليكُم هذهِ الدَّوافِع السِّتَّة: انقِطاعُ الشَّرِكَة – انقِطاعُ الشَّرِكَة، والقُدوة، والنَّجاة، والانسجام، والخَجَل، والمَحبَّة. انقِطاعُ الشَّرِكَة، والقُدوة، والنَّجاة، والانسجام، والخَجَل، والمَحبَّة. وفي هذا الصَّباح، سَنتأمَّلُ فقط في الدَّافِعِ الأوَّل وَهُوَ: انقِطاعُ الشَّرِكَة. وفي الأسبوعِ القَادِم، سنَتأمَّلُ في الدَّوافِعِ الأخرى. وَهِيَ أفكارٌ رَائعةٌ جدًّا.

أولاً، أوِ الدَّافِعُ الأوَّل: انقِطاعُ الشَّرِكَة إذْ نَقرأُ في العَددِ السَّادس: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ". والتَّفسيرُ الواضِحُ لِذلكَ هُوَ أنَّهُم لا يَعمَلون. فَهُم أولئكَ الأشخاصٌ الفُضولِيُّونَ الَّذين يَملأونَ المَكان. "وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا".

إنَّ الآيةَ صَارِمَةٌ جدًّا. وَهِيَ تُوْصِي الكَنيسةَ بالانفصالِ عَن هؤلاءِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ لا يَعمَلون. "تَجَنَّبُوا هَؤلاء". وَهذا كَلامٌ صَارِمٌ مُوَجَّهٌ إلى هؤلاءِ الأشخاصِ الكَسَالى الَّذينَ يَرفُضونَ العَملَ لِمُجَرَّدِ أنَّهُم كَسَالَى ويَتَّكِلونَ على الآخرين. وَحَتَّى إنْ كَانُوا مِن أصحابِ النَّظرةِ الرَّفيعَةِ الَّتي تَقولُ إنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَدرُسوا الكتابَ المقدَّسَ وَأنْ يَكرِزُوا. لِذا فإنَّهُم لَن يَعمَلوا. وَهُم يَتوقَّعونَ مِنَ الآخرينَ أنْ يَنظُروا إليهِم كَما لو أنَّهُم أبطالٌ وَأنْ يَدعَموهُم. وَما يَقولُهُ هُوَ: "تَجَنَّبوهُم". والفِعْلُ "تَجَنَّبُوا" هُوَ كلمة غَير مَألوفة البَتَّة كانَت تُستخدَمُ في اللُّغةِ اليُونانيَّةِ للإشارةِ إلى طَيِّ أشرِعَةِ السَّفينَة. فأنتَ تَفتَحُ الأشرِعَةَ، ثُمَّ تَطوي الأشرِعَة. تَجَنَّبُوا هَؤلاء. فَهَذا هُوَ مَا تَعنيه. وَقد كانتِ التَّرجمةُ مُوَفَّقَةً في النُّسخةِ الأمريكيَّةِ القِياسيَّةِ الجَديدة (NAS): "ابتَعِدوا عَنهُم" أو "تَجَنَّبوهُم" أو "انفصِلُوا عَنهُم". والكلماتُ هُنا صَارمةٌ جدًّا. فَهُوَ لا يَقول: "قَد تَكونُ استراتيجيَّةً مُلائِمَةً أنْ تَحرِموهُم مِنَ الشَّرِكَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَن كَي يَشعُروا بالبُعدِ والعُزلَة". لا، لا، إنَّهُ لا يَقولُ إنَّ تِلكَ فِكرة جَيِّدة، بَل يَقولُ في العَددِ السَّادس: "نُوصيكُم". ثُمَّ إنَّهُ يَستخدِمُ لَفظةً عَسكريَّة.

"إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِل"، نُوصيكُم. وَهُوَ يَضُمُّ سِيلا وتيموثاوس مَعَهُ كَما هُوَ مَذكورٌ في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل. فَقد كَانُوا حَاضِرينَ عِندما كَتَبَ. "نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ". ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ جُرعةً ثَقيلةً أخرى إلى ذلك: "بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فَهُوَ يَذكُرُ اسْمَ الرَّبِّ كَامِلاً، ابنَ اللهِ، قَائِلاً: "أنا أَستَنِدُ إلى سُلطانِ المَسيح، وأكتُبُ باسْمِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح، وَبِما يَنسَجِمُ مَعَ شَخصِهِ وَعَمَلِهِ ومَشيئَتِه، أيْ مَشيئةِ الرَّبِّ صَاحِبِ كُلِّ سُلطان، نُصْدِرُ إليكُم أمْرًا عَسكريًّا لا يَجوزُ عِصْيانُهُ لأنَّهُ يَحْمِلُ كُلَّ سُلطانِ الرَّبِّ الحَيِّ يَسوعَ المَسيحِ في طَيَّاتِهِ ونُوصيكُم: "تَجَنَّبوا هَؤلاءِ الأشخاص". وَهَذا كَلامٌ صَارِمٌ جدًّا. اقطَعوهُم. لا تَكونوا في شَرِكَةٍ مَعَهُم.

وَهَذا مُدهِش. وَلا شَكَّ في أنَّ الرَّسولَ بُولسَ سَمِعَ أنَّهُم لم يَتَجاوَبوا مَعَ تَعليمِهِ عندَما كَانَ هُناك، وَأنَّهُم لم يَتجاوَبُوا مَعَ الرِّسالةِ الأولى. والآن، هَا هُوَ يُخبِرُهم ثَالِثَ مَرَّة أن يَفعلُوا ذلك. وَقد حَانَ وَقتُ التَّأديب. فالمَرَّةُ الأولى كَانَت تَعليمات، والمَرَّةُ الثَّانيةُ كَانَت حَضًّا. ولكِنَّ المَرَّةَ الثَّالثة هِيَ تَأديب. ورُبَّما سَمِعَ عَن ذلكَ مِن تيموثاوُس الَّذي زَارَهُم هُناك. وعندما عَادَ تيموثاوُسُ قَال: "مَا زَالَ هَؤلاءِ المُؤمِنونَ لا يَعمَلونَ يا بُولُس. رُبَّما يَنبغي أن تَقولَ شَيئًا لَهُم. فَهُم مَا زَالُوا لا يَعمَلون. وبَقِيَّةُ المُؤمِنينَ مُنزعِجونَ قَليلاً بِسَببِ ذلك". وَهَذا يُؤثِّرُ أيضًا في شَهادَةِ الكَنيسةِ لأنَّهُم يَسْمَحونَ لهؤلاءِ الأشخاصِ غَيرِ المُنتِجينَ أن يَكونُوا في وَسْطِهم وَأنْ يَتَطَفَّلوا عليهم. ورُبَّما جَاءَ أُناسٌ مِنَ الَّذينَ كانُوا يُسافِرونَ على تِلكَ الطُّرُقِ التِّجاريَّةِ المُمتدَّةِ مِن تَسالونيكي إلى كورِنثوس (حيثُ كَانَ بُولُسُ يُقيمُ عندما كَتَبَ رِسالَتَهُ هَذِهِ) وَرُبَّما أخبروهُ قَائِلين: يا بُولُس، إنَّ هَؤلاءِ المَسيحيِّينَ في كَنيسةِ تَسالونيكي يُواجِهونَ مُشكلةً. فَهُناكَ أشخاصٌ مِنهُم يَرفُضونَ أن يَعمَلوا".

لِذا فقد حَانَ الآنَ وَقتُ التَّأديب. بِعبارةٍ أخرى: "لَقد أخبرتُكُم بذلكَ عندما كُنتُ هُناك، وأخبرتُكم بذلكَ مَرَّةً أخرى، والآن حَانَ وَقتُ التَّأديب. وَهُوَ يَقولُ: "أريدُ تَصَرُّفًا صَارِمًا. أريدُ مِنكُم أن تَفصِلُوا أنفُسَكُم عَنهُم. أريدُ مِنكُم أن تَبتَعِدوا عَنهُم، وأن تَنفَصِلُوا عَنهُم". لاحِظُوا أنَّهُ لا يَستَثني أحَدًا: "كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيب". فَهذهِ حَياةٌ غَيرُ مُنضَبِطَة، وَبِلا تَرتيب. "أتاكتوس" (ataktos) في اللُّغةِ اليونانيَّة. وَهِيَ لَفظةٌ عَسكريَّة تَعني أنَّهُم خَارِجونَ عَنِ الصَّفِّ، أو خَارِجونَ عَنِ الخَطِّ، أو خَارِجونَ عَنِ النِّظام. وَمَا هُوَ السُّلوكُ الَّذي كَانَ خَارِجًا عَنِ النِّظام؟ الكَسَل. فَقد كَانُوا كَسَالَى. وَكانَ ذلكَ تَصَرُّفًا وَقِحًا لأنَّهُ أخبَرَهُم بِذلكَ مِن قَبل. "وَلَيْسَ حَسَبَ..." [في نِهايةِ العَددِ السَّادس] "وليسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا". والكلمة "تَعليم" هُنا تُشيرُ إلى تَعليمِ الرُّسُل. فَقد كَانَ تَعليمًا، ثُمَّ صَارَ عَقيدةً وتَقليدًا مُتوارَثًا. فَلا يُوجَدُ شَيءٌ يُحَتِّمُ أنْ يَكونَ التَّقليدُ غَيرَ كِتابِيّ.

فَنحنُ نَتحدَّثُ أحيانًا عَنِ الكتاب المقدَّس والتَّقليد؛ ولكِنَّ الإشارَةَ هُنا هِيَ إلى التَّقليدِ الكِتابِيّ. فَهُناكَ تَقليدٌ كِتابِيّ. وَهُناكَ تَقليدٌ رَسولِيٌّ مُتوارَث. وَقد سَمِعُوا الكلمةَ مِن بُولسَ عندما جَاءَ أوَّلاً إذْ إنَّهُ يَقولُ في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي 2: 13: "إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ الله". فَعِندما جِئنا أوَّلَ مَرَّةٍ وَعَلَّمنا، قَبِلتُم ذلكَ مِنَّا ككلمةِ الله. فقد تَسَلَّمتُم ذلكَ التَّقليدَ، وتَمَسَّكتُم بِهِ، وآمَنْتُم بِه. وَقد أَوصيناكُم في الأصحاحِ الرَّابعِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى كَيفَ تَسلُكونَ وتُرضونَ اللهَ فَقَبلتُم ذلك. وَها أنتُمُ الآنَ لا تَقبَلونَ كَلامَنا هَذا! فَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم لم يَقبَلوا هَذا. لِذا، إنْ لم يَقبَلوا هَذا التَّقليدَ الَّذي عَلَّمناهُ بِخُصوصِ العَمل، انفَصِلوا عَنهُم – انفَصِلوا عَنهُم. لا تَسْمَحُوا لَهُم بالاشتراكِ مَعَكُم في مَائِدَةِ الرَّبّ، وَلا تَسمَحُوا لَهُم أن يَعبُدوا الرَّبَّ مَعَكُم، ولا تَسمَحُوا لَهُم أنْ يَدرُسُوا مَعَكُم الكتابَ المقدَّس، وَلا تَكونوا في شَرِكَةٍ مَعَهُم، بَلِ انفَصِلوا عَنهُم.

وإنْ أردنا أن نَنظُرَ إلى هَذا في ضَوْءِ مَا جَاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 بِخُصوصِ التَّأديبِ، ستَكونُ هَذِهِ هِيَ الخُطوةُ الثَّالِثَة. فَنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 18: 15: "إِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ". هَذِهِ هِيَ الخُطوةُ الأولى: أنْ تَتَحَدَّثَ إليهِ على انفِراد. فأنتَ تَذهبُ إلى الشَّخصِ الَّذي أخطأ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْكَ [وَهذهِ هِيَ الخُطوةُ الثَّانية] خُذْ مَعَكَ شَاهِدَيْنِ أو ثَلاثة، واذهب إليهِ، وَواجِهْهُ مَرَّةً أخرى على أَمَلِ أنْ يَتوب. فإنْ لم يَتُبْ، أَخبِر الكَنيسة. وَهذهِ هي الخُطوةُ الثَّالثة. فَالخُطوةُ الثَّالِثَةُ هِيَ أن تُخبِرَ الكَنيسة. وَماذا تَفعلُ الكَنيسة؟ تَنفَصِل عَنهُ، أو تَبتَعِد عَنهُ. ونَحنُ مَا زِلنا في الخُطوةِ الثَّالثة. انظروا الآنَ إلى العَدد 15. وَهذهِ هِيَ الخُطوةُ الرَّابعة: "فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّار". وَما نَقرأُهُ هُنا هُوَ ليسَ الخُطوة الرَّابعة لأنَّكُم في العَدد 15 تُنذِرونَهُ كَأخٍ. فَهُوَ مَا يَزالُ في الشَّرِكَة، ولكِنَّ الكنيسةَ كُلَّها سَتَفصِلُهُ عَنِ الحَياةِ الاعتياديَّةِ في الكَنيسةِ وتُواجِهُهُ بشأنِ خَطيَّتِه (أو تُواجِهُها بِشأنِ خَطِيَّتِها إنْ كَانَتِ امرأةٍ كَسولَة).

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: أنتُم في الخُطوةِ الثَّالثةِ في الحَقيقة. وَقد حَانَ الوقتُ لكي تَقطَعُوا هؤلاءِ الأشخاصِ عَن حَياةِ الكَنيسةِ إنْ لم يُطيعوا. اقطَعوهُم عَنِ الشَّرِكَة. افصِلوهُم عَنِ الشَّرِكَة. وعندما تَرَوْهُم حَذِّروهُم وَأَنذِروهُم كَإخوةٍ أن يَتوبوا. أمَّا إنْ لم يَسمَعُوا ذلك، وإنْ لم يَتجاوَبُوا مَعَ ذلك، يَنبغي أن تَنتقلُوا إلى الخُطوةِ الرَّابعةِ وَهِيَ أنْ تُعامِلوهُم كالوَثَنِيِّينَ والعَشَّارينَ، وأنْ تَفصِلوهُم جَميعًا وَتُسَلِّموهُم للرَّبّ.

الفَصْلُ عَنِ الشَّرِكَة. أنتُم لا تَعمَلون؟ اجَعلوهُم يَشعُرونَ بذلك. اجعَلوهُم يَشعُرونَ بالانفصال. وَقد تَقول: "إنْ أردتُ أن أكتُبَ رِسالةً تَحوي ثَلاثَةَ أصحاحاتٍ فقط، أعتقدُ أنِّي كُنتُ سأتطرَّقُ إلى مَواضيعَ أكثر أهميَّة. فَهل هَذهِ مَسألةٌ مُهِمَّة؟" أجل. فاللهُ أوصانا بأن نَعمَل. فَهذا يَحُوْلُ دُونَ أنْ يَصيرَ النَّاسُ فُضولِيِّين. وَهُوَ يَمنَعُ النَّاسَ مِن أن يَصيروا عِبْئًا لا مُبَرِّرَ لَهُ على بَقيَّةِ رَعِيَّةِ الكَنيسة. فَهذهِ مَسألةٌ خَطِرَة. كذلكَ فإنَّ اللهَ أعطانا القُدرةَ على العَملِ لكي نُمَجِّدَهُ، ونُكرِمَهُ، وَلِكَي نَخدِمَ حَاجاتِ البَشَرِ باسْمِ المَسيح.

إنَّها مَسألةٌ خَطِرةٌ في نَظرِه. وَهُوَ يُوصي بذلك. فَهُوَ يُوصي بِذلكَ بِكُلِّ سُلطانِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وَهُوَ يَقولُ: أنا أُوصيكُم بأنْ تَتَجَنَّبوا هَؤلاءِ لكي يَشعُروا بألمِ الانفصالِ عندما لا يَعمَلون. فاللهُ جَادٌّ بِخُصوصِ العَمل. فَالعَمَلُ وَسيلةٌ يَقومُ مِن خِلالِها الإنسانُ بمَهَمَّةٍ شَريفَةٍ لأجلِ مَجدِ اللهِ وَنَفْعِ أخيهِ الإنسان. وَحيثُ إنَّ المُؤمِنينَ العادِيِّينَ والحَقيقيِّينَ يُبالونَ جدًّا بالشَّرِكَة، يَنبغي أن تَكونَ هَذِهِ الوَصِيَّةُ المُوَجَّهَةُ إلى بَقِيَّةِ أفرادِ الرَّعيَّةِ بِفَصْلِهِم مِنَ الشَّركةِ ذَات تَأثيرٍ إيجابِيٍّ عَليهم. فَينبغي أن تُحْدِثَ أَلَمًا كَافِيًا لِجَعلِهم يَقولون: "أعتقدُ أنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن أَجِدَ عَمَلاً. أعتقدُ أنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن أعمَل". فاللهُ يُريدُ مِنَّا أن نُطيعَ تِلكَ الوَصيَّة.

وأنا لا أُبالي بِمِقدارِ قُربِنا مِنَ المَجيءِ الثَّاني للمَسيح. فَلا تُوجَد مُكافأةٌ للتَّبَطُّلِ والكَسَل. وَنحنُ لا نَدري مَتى سَيَأتي. وأنا لا أُبالي بِمَدى جِدِّيَّتِكَ في دِراسةِ الكتابِ المقدَّسِ لأنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تَجلِسَ في زَاويةٍ وتَدرسَ الكتابَ المقدَّسَ لِمُتعَتِكَ الشَّخصيَّةِ وَتَدَع الآخرينَ يُطعِمونَكَ ويَسُدُّونَ حَاجاتِك؛ بَل يَنبغي لَكَ أن تَأكُلَ خُبْزَكَ بِعَرَقٍ جَبينِك.

لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُوصينا بأنْ نَعمَل. فَالعَملُ شَيءٌ شَريف. وَلا يُوجَدُ شَيءٌ اسمُهُ عَمَلٌ علمانِيٌّ، بَل إنَّ كُلَّ الأعمالِ مُقدَّسَةٌ لأنَّكَ تَعملُ لأجلِ الرَّبِّ، ولأجلِ مَجدِه، ولأجلِ تَكريمِه، ولأجلِ خَيْرِ البَشريَّة. وإنْ لم تَعمَل وَخَاطَبَتْكَ الكَنيسةُ مَرَّةً بِهذا الشَّأن (كَما فَعَلَ بُولُس)، ثُمَّ خَاطَبَتْكَ مَرَّةً ثَانِيَة (كَما فَعَلَ بُولُس)، فإنَّ الوَقتَ قَد حَانَ للخُطوةِ الثَّالثةِ وَهِيَ أنْ يُخبِروا كُلَّ الكَنيسةِ بالانفصالِ عَنك. فَلا تُوجَد شَرِكَة بَعدَ الآن. فهذا أمرٌ جَادٌّ.

وَهُناكَ خَمسةُ دَوافِعَ أخرى، وَهِيَ عَمليَّةٌ جدًّا ومُدهشة. ويَنبغي لنا أن نَنتظِرَ إلى المَرَّةِ القادِمَةِ كَي نَراها.

يَا أبانا، نَشكُرُكَ على هذا المَقطعِ الكِتابِيِّ القَصيرِ الرَّائِعِ الَّذي يُذَكِّرُنا بالامتيازِ والوَاجِبِ الرَّائعِ المُتَمَثِّل في العَمل؛ وَهُوَ مَقطعٌ يُعطينا فَهْمًا وَاضِحًا بأنَّهُ لا يُوجَد عَمَلٌ عِلمانِيٌّ وَعَمَلٌ مُقَدَّس، بَل إنَّ كُلَّ شَيءٍ نَعمَلُهُ إنَّما نَعمَلُهُ لِمَجدِكَ أنت. يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ تُذَكِّرُنا بأنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أن نَكونَ عِبْئًا ثَقيلاً على شَعبِك. فيجبُ علينا أن نَعملَ وَأنْ نُوَفِّرَ حَاجاتِنا بأنفسِنا لأنَّ العَمَلَ شَيءٌ شَريفٌ، وَلأنَّهُ شَيءٌ صَائِبٌ، وَلأنَّكَ أَعْدَدْتَنا لِذلك، وَلأنَّهُ شَهادَةٌ حَسَنة. وَنَشكُرُكَ أيضًا، يا أبانا، لأنَّهُ فيما يَخُصُ الأشخاصَ المَوجودينَ في هذهِ الشَّرِكَةِ مَعَنا ويَرغَبونَ في العَملِ ولكِنْ ليسَ باستِطاعَتِهم أن يَعمَلوا (إمَّا لأنَّهُ لا تُوجَدُ فُرصَةٌ البَتَّة أمامَهُم للعَمل، أو بِسَببِ عَدَمِ قُدرتِهم على ذلكَ، أو بِسَبَبِ مَرَضِهم)، نَشكُرُكَ، يا رَبُّ، لأنَّهُ يُمكِنُنا أن نُساعِدَ في سَدِّ حَاجاتِهم. وَنَحنُ نَفعلُ ذلكَ بِسرور. نَشكُرُكَ على الفَرَحِ الخَاصِّ للشَّرِكَةِ المَسيحيَّة. ونَشكُرُكَ على حَقيقةِ أنَّنا نَسنِدُ بَعضُنا بَعضًا، وَأنَّنا أغنياء جدًّا بِسَببِ ذلك. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّنا لا نُريدُ أن نَكونَ في مَوقِفٍ تَنقَطِعُ فيهِ الشَّرِكَةُ بَينَنا لِمُجَرَّدِ أنَّنا لا نَعمَل. أشكُرُكَ يا رَبُّ أيضًا على حَقيقةِ أنَّكَ تَسمَحُ لَنا بالعَمَلِ سَنَواتٍ طَويلة، ولأنَّنا نَحصُلُ على الكَثيرِ مِنَ الخَيراتِ بِسَببِ نِعمَتِكَ. وقد يَأتي وَقتٌ لا نَعودُ بِحاجَةٍ فيهِ إلى العَملِ كَما كُنَّا في السَّابق، ولكِن يُمكِنُنا حِينئذٍ أن نَعملَ في حَقْلِ الخِدمةِ دُونَ أن نَكونَ عِبْئًا ثَقيلاً على كَنيسَتِكَ لأنَّنا حَصَلْنا على قُوْتِنا الَّذي دَبَّرْتَهُ لَنا خِلالَ سَنَواتِ عَمَلِنا. أَعطِنا أنْ نُدركَ شَرَفَ العَمَل، وَساعِدنا على أنْ نَذهبَ إلى أعمالِنا غدًا فيما نَقومُ بالمَهامِ مِن حَولِنا (سَواءَ كَانت في المنزلِ أو في العَملِ في مَكانٍ مَا) بِتَكريسٍ جَديدٍ لأنَّ هَذا العَمَلَ هُوَ مُهِمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ نَقومُ بِها وَنُمَجِّدُكَ مِن خِلالِها، ونُكرِمُكَ، وَنُساعِدُ مِن خِلالِها الآخَرين. وَبِغَضِّ النَّظرِ عَن إلْحاحِ الأمورِ الرُّوحيَّةِ، سَاعِدنا على أن نَقومَ بالعَملِ الَّذي تُعطينا القُدرةَ والفُرصةَ للقِيامِ بِهِ، وَساعِدنا على أنْ نَقومَ بِهِ مِنْ كُلِّ قُلوبِنا كَما لو أنَّهُ لَك. نَشكُرُكَ على امتيازِ العَمَلِ الَّذي يَحْمينًا مِنْ أنْ نَعيشَ حَياةً فُضوليَّةً مُمتلئةً بالخطيَّة. باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize