Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نعودُ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ الآن، وتحديدًا إلى الآياتِ مِن 6 إلى 15، وهو النَّصُّ الَّذي نَدرُسُه. وقد اخترنا العُنوان التَّالي لهذا المقطع: "العَمل: واجبٌ مسيحيّ". ولكن قبل أن نبتدئ بدراسةِ هذا النَّصِّ تحديدًا، شَعرتُ في هذا الأسبوع بالحاجةِ إلى استعراضِ خلفيَّةِ الموضوع، ورُبَّما إلى إلقاءِ نظرةٍ عامَّةٍ على موضوع العمل لكي نَفهم فهمًا أفضل سِياق النَّصِّ الَّذي كتبه بولُس، ولكي نتمكَّن من تطبيقه تطبيقًا أفضل في عالمِنا. فنحن نعيشُ، بصراحةٍ، في مجتمعٍ ينظر إلى العمل نظرةً مُشوَّهةً جدًّا. فمِن ناحية، هناك أشخاصٌ مُدمنون على العمل. ومِن ناحيةٍ أخرى، هناك أشخاصٌ كَسالى ومُتقاعسون ومُتراخون يَختارون ألاَّ يَعملوا البَتَّة. ولكنْ في الوسط، هناك حشود النَّاس الَّذينَ يعملون ولكنَّهم ينظرون إلى العمل نظرةً مَغلوطةً جدًّا.

وأعتقد أنَّنا جميعًا رأينا ذلك المُلصَق الَّذي يَضعه النَّاس على سَيَّارتهم والَّذي كُتِبَت عليه العِبارة: "لِكَثرة الدُّيون، لِكَثرة الدُّيون، النَّاس إلى أشغالهم يَذهبون". وهذا يُرينا أنَّ كثيرين ينظرون إلى العمل كما لو كان شيئًا بغيضًا. فأنت تنظر إلى نفسك وكأنَّك مُرتزقَة، وتنظر إلى العمل وكأنَّه وسيلة لدفع دُيونِك وتأمين نمط الحياة الَّذي تُريد. وقد رأينا جميعًا مُلصقاتٍ صَغيرةٍ على السَّيَّارات تُعبِّر عن تلك الفلسفة المُتفشيِّة في صيغةِ عباراتٍ مِثل: "أنا أُفَضِلُ صَيد السَّمك على العمل"، أو: "أنا أُفَضِلُ السَّفرَ على العمل"، أو: "أنا أُفَضِلُ لعب الغولف على العمل"، أو: "أنا أُفَضِلُ التَّزلُّج على العمل"، أو: "أنا أُفَضِلُ الإبحار على العمل"، أو: "أنا أُفَضِلُ التَّنَزُّهَ على العمل"، أو: "أنا أُفَضِّلُ قِيادةَ سَيَّارة الدَّفْعِ الرُّباعِيِّ على العمل"، إلخ، إلخ. بعبارةٍ أخرى، أيًّا كان العمل الَّذي أقوم به فإنَّه عديم القيمة إذا ما قُورِنَ باللَّهو. فنحن مُجتمعٌ لا يَرغب البَتَّة في التَّخلِّي عن مرحلة الطُّفولة أو المُراهقة. ونحن لا نُريد أن ننضج. والحقيقة هي أنِّي رأيت مُلصقًا يقول: "الفائز هو مَن يموت ولديه أكبر عدد من الألعاب"؛ وقد رأيتُ ذلك المُلصَق على سَيَّارةٍ مِن طِراز BMW.

وهذا كُلُّه يعكس الفكرة السَّائدة حاليًّا بأنَّ النَّاس يُفضِّلون اللَّهو على العمل، وبأنَّهم يَستخفُّون بقيمة العمل. فالعمل في نظرهم هو مُجرَّد وسيلة لتوفير المُتَع. لِذا فإنَّه شَرٌّ لا بُدَّ منه. وهو وسيلة لدفع الدُّيون الَّتي تَراكمت عليك في أثناء سعيك للارتقاء بمستوى حياتك. ولكن في غِياب أخلاقيَّات العمل السَّليمة، لا يمكننا أن نعمل حسنًا، ولا يمكننا أن نقوم بأعمالِنا بكفاءة، ولا يمكننا أن نقوم بأعمالنا بتميُّز، ولا يمكننا القيام بما ينبغي القيام به. وإذا رجعنا قليلاً إلى النَّظرة أو الفلسفة المُعَبَّر عنها مِن خلال تلك المُلصقات، رأيت مُلصقًا على سَيَّارةٍ يقول: "العمل شيءٌ يُدهشني حَتَّى إنَّه يمكنني أن أجلس وأشاهده ساعاتٍ طويلة". ولا بُدَّ أنَّكم رأيتم جميعًا اللاَّفتة الصَّغيرة الَّتي تقول: "أشكر الله لأنَّ اليوم هو الجُمُعة". وقد رأيتُ لافتةً تقول: "العمل الجادّ قد لا يَقتلني، ولكن لا حاجة إلى المُخاطرة!"

والآن، أريد أن أعرف إن كنتم قد رأيتم يَومًا مُلصقًا على ظهر قاربٍ سريع يقول: "أنا أُفَضِّل العمل على رُكوب القارب"، أو مُلصقًا يقول: "أشكر الله لأنَّ اليوم هو الاثنين". لا أعتقد ذلك. فنظرتُنا إلى العمل مُشوَّهة. كما أنَّ مُجتمعَنا الغارِقَ في الماديَّة، والمُتَع الذَّاتيَّة، وعالم المُراهقة والصِّبا والطُّفولة يَنظر نظرةً مُشوَّهةً إلى قيمة العمل ودوره؛ ولكنَّ هذه النَّظرة ليست جديدةً في الحقيقة. ارجعوا معي إلى سِفْر الجامعة.

ففي سِفْر الجامعة، أي في سِفْرِ الحِكمةِ المُدهش ذاك في العهد القديم، ما بين سِفْر الأمثال ونشيد الأنشاد، يمكننا أن ننظر إلى الفِكر البشريّ. وربَّما كان هذا السِّفْرُ هو السِّفْر الوحيد في الكتابِ المقدَّسِ الَّذي يُطلعُنا بصورةٍ فريدةٍ على فلسفة العالم. فهي مُبيَّنة في هذا السِّفْر؛ ولكنَّ الحكيم أو الكاتب يُقَيِّم الحياة مِن وجهة النَّظر البشريَّة المَحْضَة. وهو ينظر إلى الحياة وينظر إلى العمل كأيِّ شخصٍ آخر على قَيْد الحياة لأنَّ العمل حقيقةٌ لا مَفَرَّ منها. ويمكنكم أن تجدوا مجموعةً مِن الأسئلة الَّتي يَطرحُها. فمثلاً، نقرأ في الأصحاح الأوَّل والعدد الثَّالث: "مَا الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ الشَّمْس".

والسُّؤال هو: "ما قيمة العمل؟ وما نَفْعُ العمل؟ فنحن جميعًا نعمل. والعمل شيء مُلِحٌّ ودائم. ولكن ما الفائدة منه؟ وفي الأصحاحِ الثَّاني، لم يَنْتَهِ الحكيمُ مِن تساؤلاته إذْ نَقرأ في العدد 22: "لأَنَّهُ مَاذَا لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ، وَمِنِ اجْتِهَادِ قَلْبِهِ الَّذِي تَعِبَ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْس؟" فما الفائدة الَّتي تَجنيها مِن العمل؟ وما الشَّيء الَّذي يُحَقِّقُه العمل حقًّا؟ وما هو نَفْعُه؟

ونجدُ في الأصحاح الثَّالث أنَّه لم يجد حَلاًّ لمُعضلته بعد. فهو يقول في العددِ التَّاسع مِن الأصحاح الثَّالث: "فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ يَتْعَبُ مِمَّا يَتْعَبُ بِه؟" وبوصولنا إلى الأصحاح الخامسِ، نجد أنَّه ما زال يَطرح نفس السُّؤال في العدد 16 إذْ يقول إنَّ العملَ: "مَصِيبَةٌ رَدِيئَة". وَهُوَ يقول في نهاية ذلك العدد: "فَأَيَّةُ مَنْفَعَةٍ لَهُ، لِلَّذِي تَعِبَ لِلرِّيح؟" أيْ بلا فائدة. فما نَفع العمل؟ وما القصد منه؟ وما الفائدة منه؟ وما قيمته؟ إنَّها نظرة ساخرة جدًّا إلى العمل. كما أنَّ السُّؤال في ذاته يَعكس مشاعر الإحباط لدى الكاتب، وشيئًا مِن السُّخرية الَّتي يَشعُر بها في قلبه وَهُوَ ينظر إلى العمل نظرةً مَغلوطة.

ثُمَّ إنَّه يُجيب عن سؤاله بنفسه. أجل! والجواب في الحقيقة لا يُساعدنا كثيرًا. لِنَنظُر إلى الأصحاح الثَّاني، على سبيل المثال، ونَرى كيف يَنظر الحكيم إلى جوابه. فهو يقول في العددِ الحادي عشر: "ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ". فهو لا شيء، ولا نفع منه. "وَقَبْضُ الرِّيح". بعبارةٍ أخرى، إنَّه شيءٌ لا يمكنك أن تَلمَسَهُ أو تُمسِكَهُ. "وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْس". لِذا فإنَّه يقول إنَّ العمل غير نافعٍ، وغير مُجْدٍ، ولا يُحقِّق شيئًا، وليست له فائدة حقيقية أو دائمة. وفي الأصحاح نفسه، وتحديدًا في العدد 18، ما زال الكاتب يَتعجَّبُ مِن عَدم جَدوى العمل فيقول: "فَكَرِهْتُ كُلَّ تَعَبِي الَّذِي تَعِبْتُ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ حَيْثُ أَتْرُكُهُ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدِي". أيْ: لقد كَرِهْتُ فكرة أنَّ كلَّ عملي هذا، وكلَّ شيءٍ فعلته سَيَؤولُ إلى شخصٍ آخر يَنتفع منه.

وفي العدد 22، بعد أن يَطرح ذلك السُّؤال فإنَّه يقول في العدد 23: "لأَنَّ كُلَّ أَيَّامِهِ أَحْزَانٌ، وَعَمَلَهُ غَمٌّ. أَيْضًا بِاللَّيْلِ لاَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُهُ. هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ هُوَ". فلا يكفي أنِّي مُضطرٌّ إلى العمل طُول اليوم، بل إنِّي أسهر طُول اللَّيل مُفَكِّرًا في العمل الَّذي ينبغي لي أن أعمله طُول النَّهار. فما الفائدة مِن هذا؟ فالعمل [بصراحة] مؤلم. وفي الأصحاح الرَّابع، يُتابع الكاتب سُخريته فيقول في العدد الرَّابع مِن الأصحاح الرَّابع: "وَرَأَيْتُ كُلَّ التَّعَبِ وَكُلَّ فَلاَحِ عَمَل أَنَّهُ حَسَدُ الإِنْسَانِ مِنْ قَرِيبِهِ. وَهذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيح". فهو يقول: أنا لا أُحِبُّ حتَّى فكرة العمل الحُرّ، ولا أُحِبُّ فكرة السُّوق المُنافِس. فكُلُّ ما يفعله ذلك هو أنَّه يجعلنا نَحسد بعضُنا بعضًا. "اَلْكَسْلاَنُ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَهُوَ طَاوٍ يَدَيْه". بعبارةٍ أخرى، هناك أشخاص يَستسلمون وحسب.

"حُفْنَةُ رَاحَةٍ خَيْرٌ مِنْ حُفْنَتَيْ تَعَبٍ وَقَبْضِ الرِّيح". بعبارةٍ أخرى، مَن يرغب في العمل إن كان بمقدوره أن يستريح؟ فالرَّاحة مرغوبة أكثر بكثير مِن العمل. "ثُمَّ عُدْتُ وَرَأَيْتُ بَاطِلاً تَحْتَ الشَّمْس" (في العدد السَّابع). ولكي أُريكم وحسب بُطْلَ ذلك: "يُوجَدُ وَاحِدٌ [في العدد الثَّامن] وَلاَ ثَانِيَ لَهُ [أيْ أنَّهُ لا يوجد أشخاصٌ يُعيلُهم. فهو وحيد]، وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ وَلاَ أَخٌ، وَلاَ نِهَايَةَ لِكُلِّ تَعَبِه". أيْ أنَّه ينبغي حتَّى للأشخاص الَّذينَ يعيشون بمفردهم أن يعملوا جاهدينَ لتوفير الحاجات الضَّروريَّة في الحياة. "وَلاَ تَشْبَعُ عَيْنُهُ مِنَ الْغِنَى". وَهُوَ لم يَسأل نفسَهُ يومًا: "فَلِمَنْ أَتْعَبُ أَنَا وَأُحَرِّمُ نَفْسِي الْخَيْرَ؟" إذًا، إنَّها النُّقطةُ نفسُها مِن جديد. فهي نفس الفلسفة الَّتي تقول إنَّ العمل عَدُوُّ المُتعة، وإنَّ العمل غير مُسِرّ، وإنَّ العمل غير مُمتع، وإنَّه غير مُبهِج، وغير مُشبِع؛ بل إنَّه يقف في طريق الاستجمام والفُسحة والرَّاحة الَّتي هي المُتعة الحقيقيَّة.

لذا فإنَّه يَتحدَّث عن شخصٍ مِسكين لا يُعيلُ أحدًا، وليس مُتزوِّجًا، وليس له أبناء، ولا أقارب؛ ولكنَّه مُضطرٌّ إلى العمل باستمرار حتَّى إنَّه لم يتمتَّع يومًا بأمواله. لذا فإنَّ السُّؤالَ المطروحَ دائمًا دون جواب هو: لماذا أفعل هذا؟ فكلُّ هذا العمل يحرِمُني وحسب مِن المتعة. يا له مِن بُطْل! ويا لها مِن طريقة بائسة للعيش!

ويُركِّز الأصحاح الخامس على المسألة نفسها. فنحن نرى في العددَيْن 15 و 16 مِن الأصحاح الخامس أنَّه يتحدَّث عن أنَّ الإنسان يأتي إلى العالم عُريانًا مُنذ أن يَخرُج مِن بطن أُمِّه، وأنَّه يرجِع ذاهبًا كما جاء. فهو يأتي عُريانًا ويُغادر عُريانًا. والمعنى المقصود هو أنَّك لا تأتي بأيِّ شيءٍ حين تأتي، ولا تأخذ معك أيَّ شيءٍ حين تَمضي. فأنت عُريانٌ تمامًا: "وَلاَ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ تَعَبِهِ فَيَذْهَبُ بِهِ فِي يَدِهِ". فأنت لا تأخذ معك أيَّ شيء. "وَهذَا أَيْضًا مَصِيبَةٌ رَدِيئَةٌ، فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا جَاءَ هكَذَا يَذْهَبُ، فَأَيَّةُ مَنْفَعَةٍ لَهُ، لِلَّذِي تَعِبَ لِلرِّيح؟" فكما يقول المَثَلُ القديم: "لا يُمكنك أن تأخذ معك شيئًا إلى القبر". وقد عَبَّر أحدهم عن ذلك بالكلمات التَّالية: "لم أرَ يومًا نَعْشًا يَجُرُّ عَربةً مُحمَّلةً بالأثاث".

ونقرأ في الأصحاح السَّادس والعدد السَّابع الشَّيء نفسه على الرَّغم مِن اختلاف الكلمات: "كُلُّ تَعَبِ الإِنْسَانِ لِفَمِهِ، وَمَعَ ذلِكَ فَالنَّفْسُ لاَ تَمْتَلِئُ". فأنا أعمل طُول اليوم لكي آكُل، ثُمَّ إنِّي أجوع يوم غدٍ. فالأمر بِرُمَّتِه لا يبدو منطقيًّا... أيِ العمل! ولكنَّ كاتب سِفْر الجامعة كان يعرف أنَّ الأمر لا يتوقَّف هنا. صَحيحٌ أنَّه يَطرح السُّؤال ويُجيب عنه بلسان الإنسان المُتراخي والأنانيِّ والكسول؛ ولكنَّه لا يتوقَّف هناك. فلا يُمكنك أن تعيش حياةً سعيدةً إن كنتَ تنظر إلى العمل بهذه الطَّريقة. لذا فإنَّه يُضيف شيئًا مُهِمًّا. انظروا إلى الأصحاح الثَّاني والعدد 24. إليكُم ما ينبغي أن يُقال: "لَيْسَ لِلإِنْسَانِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُرِيَ نَفْسَهُ خَيْرًا فِي تَعَبِه". وكيف يَفعل ذلك؟ "رَأَيْتُ هذَا أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ يَدِ الله". هذا هو المِفتاح. فيجب عليك أن تُدرك أنَّ العملَ عَطِيَّة مِن الله.

يجب عليك أن تُدرك أنَّ العمل عَطِيَّة مِن الله. وهو يقول في الأصحاح الثَّالث والعدد 13: "وَأَيْضًا أَنْ يَأْكُلَ كُلُّ إِنْسَانٍ وَيَشْرَبَ وَيَرَى خَيْرًا مِنْ كُلِّ تَعَبِه". لماذا؟ لأنَّه يَرى أنَّه "عَطِيَّة مِنَ الله". وَهُوَ يقول الشَّيء نفسَه في الأصحاح الخامس والعدد 19: "أَيْضًا كُلُّ إِنْسَانٍ أَعْطَاهُ اللهُ غِنًى وَمَالاً وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ، وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ، وَيَفْرَحَ بِتَعَبِهِ، فَهذَا هُوَ عَطِيَّةُ الله". "لأَنَّهُ لاَ يَذْكُرُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ كَثِيرًا [كَما يقول في العدد 20] لأَنَّ اللهَ مُلْهِيهِ بِفَرَحِ قَلْبِه".

ما يقولُه كاتب سِفْر الجامعة لعالمِه المُعاصر صاحبِ النَّظرةِ الفلسفيَّةِ السَّاخرة هو إنَّه ينبغي أن يُنظَرَ إلى العمل بأنَّه عَطيَّة مِن الله. فهو ليس شيئًا مُتدَنِّيًا أو ثانويًّا أو وضيعًا يَرمي فقط إلى الحصول على المال اللاَّزم لتوفير المُتَع، بل إنَّه في ذاته عَطيَّة مِن الله. وقد تقول: "ماذا تقصد بقولِك إنَّ العمل عَطيَّة مِن الله؟" سأذكُر لكم بِضع نِقاط: أوَّلاً، إنَّه وسيلة لتمجيد الله خالقنا باستخدام المهارات الَّتي أعطانا إيَّاها. إنَّه وسيلة لتمجيد الله خالقنا باستخدام المهارات الَّتي أعطانا إيَّاها. فعندما تعمل بذهنك وتُحقِّق وتُنجِز ما تُنجزه مِن خلال مهاراتك في التَّفكير وذكائك، وعندما تعمل مِن خلال صوتك وتُظهِر قُدرتك القياديَّة، وقُدرتك على حَفْزِ الآخرين وتشجيعهم، وقُدرتك على حَلِّ المشاكل وإعطاء التَّعليمات، فإنَّك تُظهِر مهارةً إلهيَّةً حصلتَ عليها مِن الخالِق.

وعندما تَستخدم يديك للقيام بأشياءٍ تَتطلَّبُ مهارةً عاليةً، وتعمل عملاً رائعًا مِن خلال مهاراتك اليدويَّة، وعندما تَستخدم قُوَّتك لنقل الأشياء الثَّقيلة، وعندما تَستخدم جهازًا يَتطلَّبُ دِقَّةً عاليةً للقيام بشيءٍ جميلٍ جدًّا، فإنَّك تُظهر مجد الخالِق المُعلَن مِن خلال خليقتِه. فإن كنتَ تَعتقدُ أنَّ الزَّهرة تُظهر مجد الله، يُمكنك أن تنظر إلى أيِّ رَجُلٍ أوِ امرأةٍ وتَرى جلالَ الفكر الإلهيِّ وإبداعَه. لذا فإنَّ العمل عطيَّة نُمَجِّدُ مِن خلالها الله فيما نُظهر إبداعَهُ العجيب الظَّاهر في جسدنا وعقلنا ونفسنا.

ثانيًا، العمل عطيَّة مِن الله لأنَّه وسيلة نشعر مِن خلالها بالقيمة أو المغزى أو الإنجاز في الحياة؛ أيْ شعورنا بأنَّنا حَقَّقنا شيئًا ما؛ وَهُوَ شعور نَعرفه جميعًا. فنحن جميعًا نَعرف ذلك الشُّعورَ العميقَ بالرِّضا عندما نُنجِزُ شيئًا مَا، أو عندما نَفعل شيئًا ما، أو عندما نَنتهي منه ونقول: "لقد فعلتُ ذلك حسنًا". ونحن نعرف شُعور الكاتب الَّذي امتلأت سَلَّة مُهملاته بأوراقٍ ألقاها بعيدًا لأنَّها لم تُحقِّق الشَّيء الَّذي يتوقَّعُه مِن نفسه إلى أن تأتي اللَّحظة الَّتي يَخرج فيها عمله الأدبيُّ البديع إلى النُّور. ونحن جميعًا نَعرف ما يَشعر به الفَنَّان الَّذي امتلأت سَلَّة مُهملاته بأوراقٍ لم تُعبِّر تمامًا عَمَّا شَعَرَ به في نفسه ورأته عيناهُ إلى أن تأتي اللَّحظة الَّتي يَرسُمُ فيها لوحةً بديعة!

ونحن نَعرف شُعور الطَّالب الَّذي يخرج مِن امتحانه ويعرف أنَّه حَقَّق المعيار اللاَّزِم للحصول على الشَّهادة. ونحن نَعرف شعور الشَّخص الَّذي يُؤدِّي عمله بأعلى مُستوى مِن الإتقان في أيِّ شيءٍ يفعله حَتَّى إنَّه بمقدوره أن يقف ويقول: "لقد فعلتُ ذلك. لقد نجحت. لقد حَقَّقتُ ذلك". فهذا شيءٌ مُشبِعٌ جدًّا. فنحن أشخاص نُركِّز كثيرًا على الأهداف على غِرارِ الله الَّذي يُركِّز كثيرًا على الأهداف، والَّذي يُحقِّق دائمًا كُلَّ ما يُريد. ونحن لدينا تلك الأحلام والأهداف والرُّؤى. ولا شَكَّ في أنَّ تحقيق هذه الأشياء هو جزءٌ لا يَتجزَّأ مِن كِيانِنا البشريِّ بمعنى أنَّنا خُلِقنا على صُورة الله لتحقيق الأشياء النَّافعة والمُشبِعَة.

وهناك سببٌ ثالثٌ لِكَوْنِ العمل عَطيَّة مِن الله وَهُوَ أنَّه يَحمينا مِن الكسل. فهو يحمينا مِن الكسلِ الَّذي هو شيءٌ مُميتٌ جدًّا رُوحيًّا. فهو يُبقينا مشغولين، وَيُبقينا مُنهمِكين. وعندما نَتذكَّر المَثَلَ القديم القائل إنَّ "الأيادي العاطلة هي أداة بيد الشَّيطان"، لا بُدَّ أنَّنا نَفهم ذلك جيِّدًا. فالعمل يُبقينا مَشغولين بأمورٍ نافعةٍ عوضًا عن أن نَبقى عاطِلينَ ومُنهمِكين في القيام بتلك الأمور المؤذية.

رابعًا، العمل عَطِيَّة مِن الله لأنَّه وسيلة لتوفير الحاجات الحياتيَّة. فالله أعطانا العمل ليكون وسيلةً نحصل مِن خلالها على المال الَّذي هو وسيلة لشراء طعامِنا. ففي المُجتمعات الزِّراعيَّة، كان العمل وما زال وسيلةً للحصول على الطَّعام. وفي مُجتمعِنا، إنَّه وسيلةٌ للحصول على المال لشراء الطَّعام. لِذا فإنَّه يبقى مصدر حياتنا. فالله أعطانا طعامًا، وأعطانا مَسكَنًا، وأعطانا ماءً وقُوْتًا، وأعطانا ملابسَ نرتديها؛ ولكنَّه أعطانا أيضًا عملاً يُمكننا مِن خلاله أن نحصل على كُلِّ ذلك. لِذا فإنَّ العمل شيءٌ مُقدَّسٌ يُمكننا مِن خلاله أن نحصل على الأشياء الضَّروريَّة في الحياة.

وأخيرًا، يمكننا القول إنَّ العمل هو عطيَّة مِن الله لأنَّه وسيلة لخدمة البشريَّة. فهو وسيلة لخدمة البشريَّة. فسواء نظرنا إلى الشَّخصِ الَّذي يَعمل في محطَّة الوُقود، أو يُديرُ مَحطَّة الوُقود، أو يَعمل في تَصليح مُحرِّك سَيَّارتك، فإنَّه يُسهِم في رخاء الفرد الَّذي يَخدمُه، ويُساعِدُه في القيام بعمله، وفي عدم التَّأخُّر عن مواعيده، وفي عودته إلى عائلته، وفي ذهابه إلى حيث يَشاء. وهذا يَسري على الشَّخص الَّذي صَمَّم المَركَبَةَ أصلاً وجَعلَ وسائل النَّقل مُتاحة، ويَسري على الشَّخص الَّذي يعمل في إنشاء الطُّرُق، ورَصْفِها، والتَّيقُّن مِن أنَّها تَقود إلى الأماكن الصَّحيحة. وهذا يَسري أيضًا على الشَّخص الَّذي يُصَمِّم اللاَّفتات الَّتي تُرشدُنا إلى الأماكن الصَّحيحة والعودة إلى حيث نُريد. وهذا يَسري أيضًا على الأشخاص الَّذينَ يَعملون في الحقل الطِّبِّيِّ ويَسهرون على صِحَّتِنا، والأشخاص الَّذينَ يُقدِّمون لنا الطَّعام حين نأكل في الخارج، والأشخاص الَّذينَ يبيعون الأطعمة في الأسواق، والأشخاص الَّذينَ يُعَلِّمون في المدارس، والأشخاص الَّذي يأتون ويَهتمُّون بحدائقنا أو يُصلِحون شَبكة الصَّرفِ الصِّحيِّ. فجميع هؤلاء الأشخاص يُقدِّمون خدمةً للبشريَّة تجعل حياتهم مُمتعةً أكثر.

فالعمل عَطيَّة مِن الله. وحتَّى إنَّه ينبغي للأشخاص المُغَفَّلينَ الَّذينَ لا يريدون شيئًا آخر سوى المُتعة أن يُدركوا أنَّه ينبغي لجميع الأشخاص المُحيطين بهم أن يَعملوا لكي يتمكَّنوا هُم مِن التَّمتُّع بعدم قيامهم بأيِّ شيء.

ومِن المُحزِن، في رأيي، أنَّ العمل فَقَدَ قيمته الحقيقيَّة عند مسيحيِّين كثيرين. ولكنِّي أُوْمِنُ بأنَّ الله أعطاك مهاراتٍ لكي تَستخدمَها في عملٍ مُعيَّن يُناسِبُكَ تمامًا، ويَمنحك شعورًا بالرِّضا، ويُمَجِّد الله. لِذا، لا يجوز أن يَفقد العمل قيمته الحقيقيَّة. فهو ليس مُجرَّد وسيلة لسداد دُيونِك، وليس مُجرَّد وسيلة لتوفير المُتعةِ لكَ وشراء الأشياء الَّتي تُبهِجُك؛ بل إنَّه في ذاته شيءٌ قَيِّم. وهو عَطيَّة مِن الله. ولا يَقتصرُ الأمر على أنَّ العمل عَطيَّة مِن الله، بل هو أيضًا وَصيَّة مِن الله.

وأنا أتساءل إن كُنَّا نَفهم ذلك حَقًّا! فنحن نُرَكِّز كثيرًا على تلكَ الوصيَّة المذكورة في خُروج 20، ولكنَّنا نُهمل في أغلب الأحيان النُّقطة الجوهريَّة. هل تَذكرونَ الوصيَّة؟ إنَّها تقول: "سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ [أو رَاحةٌ] لِلرَّبِّ إِلهِك". فنحنُ نُحبُّ أن نُركِّزَ على السَّبْت، ولكنَّنا نادرًا ما نَسمع أحدًا يَتحدَّث عن أيَّام العمل السِّتَّة. ونحن نتحدَّث عن وُجوب العمل خمسة أيَّامٍ في الأسبوع في أمريكا. وهُناك أشخاص يَتحدَّثون عن وُجوب العمل أربعة أيَّام في الأسبوع. ولكنَّ الله يتحدَّث عن العمل سِتَّة أيَّام في الأسبوع. وقد تقول: "هل هذا يعني أنَّه يُوصينا بأن نعمل في أشغالنا سِتَّة أيَّام؟" لا! فأنتم تَعلمون مَا يَجري. فأنت تعمل في عملك خمسة أيَّام، ثُمَّ تقوم في اليوم السَّادس بإصلاح بيتك وسيَّارتك، وبالاهتمام بحديقة بيتك، وبالقيام بجميع الأمور الأخرى. فهذا كُلُّه عمل. إنَّه جُزءٌ مِن عملك. أمَّا اليوم السَّابع فينبغي أن يكون مُخَصَّصًا للرَّبّ.

إذًا، أنتُم تُدركونَ أنَّ الله أوصانا بأن نعمل. فالعمل وصيَّة. فينبغي لك أن تعمل سِتَّة أيَّام. والله يريد مِن الإنسان أن يَعمل. لِذا، لا يمكننا أن ننظر نَظرة ازدراءٍ إلى العمل إن كان الله يُقَدِّرُ العمل كُلَّ هذا التَّقدير. فهذه الوصيَّة مذكورة في لائحةِ الوصايا الَّتي تقول: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا". وهي مذكورة في لائحة الوصايا الَّتي تقول: "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً". فهي لائحةٌ مُهمَّةٌ جدًّا. إنَّهُ واحدٌ مِن الأشياء الَّتي نَدينُ بها لله – أيِ العمل. فهو الَّذي وَهَبنا عَطيَّة العمل. ونحن نَدينُ له باستخدام العطيَّة الَّتي أعطانا إيَّاها. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ عَملك ينبغي أن يكون مُلائمًا لك وللشَّخصيَّة الَّتي خَلقكَ اللهُ عليها حتَّى يكون عملك مُشبعًا ومُرضِيًا. وأعتقد أنَّك إن كُنتَ تعيش في صُلْبِ مشيئةِ الله فإنَّ الله سيُعطيك ذلك الشِّبَع مِن خلال المواهبِ الَّتي أعطاك إيَّاها. لِذا، لا يمكنك أن تنظر نظرةً مُتدنِّيةً إلى العمل إن كنتَ تَفهم أنَّه عَطيَّة مِن الله، وأنَّه وَصيَّة مِن الله.

فَضلاً عن ذلك، لا يُمكنك أن تَنظر نَظرةً مُتدنِّيةً إلى العمل إن كنتَ تَفهم أنَّ اللهَ نَفسَهُ هُو قُدوتُنا في العمل. فأعظم عاملٍ في الكون هو الله. والحقيقةُ هي أنَّه إن توقَّف عن العمل يومًا واحدًا فإنَّنا جميعًا سنموت. فاللهُ عَامِل. والكتاب المُقدَّس يتحدَّث عن عمل الله أو أعمال الله. وكثيرًا ما يَصِفُ الكتاب المقدَّس أعماله. وأعتقد أنَّه يمكنكم أن تُلخِّصوا أعماله في خمس فِئات. فعندما تقرأون في الكتاب المقدَّس شيئًا عن عمل الله، غالبًا ما يقع ذلك في واحدةٍ مِن تلك الفئات الخمس: أوَّلاً، عمل الخَلْق. فاللهُ عامِلٌ، وهو يَعمل في الخليقة. وما زال بإمكاننا القول إنَّه مُستمرٌّ في عمله في تلك الخليقة، وإنَّه رُبَّما كان هُناك عملُ خَلْقٍ مُستمرّ لأنَّ الرَّبَّ يسوع قال إنَّه ذاهبٌ إلى السَّماء لكي يُعِدَّ مكانًا لنا. لذا فإنَّ الله هو الخالِق. وهذه هي الفئة الأولى مِن عمله.

ثانيا، إنَّه ضابطُ كُلِّ شيء، وهو مُستمرٌّ في الحفاظ على كُلِّ شيءٍ خلقه. وهو يَحفظُها بكلمة قُدرته. لذا فإنَّ الله يَعمل على حفظ كلِّ شيء والاعتناء به. فالسَّببُ في أنَّ تلك الذَّرَّاتِ الصَّغيرة لا تَتَبعثَرُ هنا وهناك هو ليسَ أنَّ هناك صَمْغًا يَجعلُها مُتماسكةً ويمكننا أن نَراه. ومع أنَّ العُلماء لا يَعرفونَ ذلك الشَّيءَ الَّذي يُمسِكُ تلك الأشياء معًا فإنَّها قُوَّة الله. فالله هو الَّذي يُمسكُها معًا. وهو يفعل ذلك بقُدرته الحافِظَة. فهذا هو عملُه. ويمكننا أن نَرى عمل الله أيضًا مِن خلال عِنايته الإلهيَّة. فيُمكننا أن نَرى عمل الله مِن خلال عِنايته الإلهيَّة فيما يُهيمنُ على كُلِّ العناصر المختلفة في كَونِهِ بمُجمله مِن أجل تحقيق مقاصِدِهِ بِسيادةٍ مُطلَقة.

ويُمكننا أحيانًا أن نَرى عمل الله بطرائق خارقة للطَّبيعة. وتُشيرُ هذه الفئةُ إلى الأوقاتِ الَّتي يُوقِفُ فيها اللهُ قانونًا طبيعيًّا لكي يفعل شيئًا ليسَ له تفسيرٌ طبيعيّ. وآخرُ فِئَتَيْن هُما أنَّنا نَرى الله يَعملُ في الدَّينونة، ويَعملُ في الفداء. فاللهُ عاملٌ. فهو يَعمل في الخليقة. وهو يَعمل في ضَبْطِ كَونِهِ والحفاظ عليه. وهو يَعمل مِن خلال عنايته الإلهيَّة، ومِن خلال الأعمال الخارقة للطَّبيعة، ويَعمل في الدَّينونة، ويَعمل في الفداء. فاللهُ عامِلٌ. كذلكَ فإنَّ يسوعَ عامِلٌ. ونحن نتوقَّع مِن يسوع أن يَكون عاملاً لأنَّه الله، ولأنَّه قال عن نفسه في إنجيل يوحنَّا 9: 4: "يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". وقد قال في إنجيل يوحنَّا 4: 34: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ". وقد قال في إنجيل يوحنَّا 5: 17: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَل".

ويسوعُ المسيحُ يَعملُ الآن عملاً فِدائيًّا في قُلوب النَّاس حول العالم. وهو يَعمل على بناء كنيسته. وهو يَعمل مِن خلال الجُلوسِ عن يمين الآب وحِفظِ كنيسته مِن خلال شَفاعتِهِ بصفتِه رئيسَ الكهنة. وهو يَعمل على إعدادِ مَكانٍ لنا. وهو يَعمل على إرسال ملائكةٍ لتكون أرواحًا خادمةً لكنيسته. وهو يَعمل مِن خلال سُكناه في شعبه وإمدادهم بالقوَّة. فهو يَعمل كلَّ هذه الأشياء وسيستمرُّ في عملِها إلى أن يَتِمَّ عملُ الفداءِ النِّهائيِّ للكون. وحتَّى آنذاك، سوف يعمل إلى أبد الآبدين أعمالاً إلهيَّةً فيما نَنهمِكُ نحن في تسبيح الله وتمجيده وعبادته طَوال الأبديَّة. لذا، لا يمكنكم أن تُقَلِّلوا مِن شأن العمل إن كنتم تُدركون أنَّ يسوع عاملٌ، وأنَّ الله عاملٌ، وأنَّ العمل وَصيَّة، وأنَّ العمل عَطيَّة مِن الله.

والآن، قَد يأتي شخصٌ ويقول: "مَهلاً مِن فضلك! أَلَمْ يأتِ العمل نتيجة اللَّعنة؟" لنرجِع إلى سِفْر التَّكوين ونرى ما حدث. "ألسنا نعمل بسبب أنَّنا تحت اللَّعنة؟ بعبارة أخرى، لو لم يكن هناك سُقوط، ألَمْ نَكُن حتَّى الآن نلهو في الجَنَّة دون أن نعمل؟ أليس كذلك؟" دعونا نَرى ما حدث! فنحن نقرأ في سِفْر التَّكوين 3: 17: "وَقَالَ [الرَّبُّ] لآدَمَ: لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ..." – أيْ لا يَجدُر بكم أن تَسمعوا كلام زوجاتكم دائمًا أيُّها الرِّجال. هذا مذكور في الكتاب المقدَّس! لستُ أنا مَن يقول ذلك! "...لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأكُلْ مِنْهَا...". بعبارةٍ أخرى، لأنَّك أخطأت... لاحظوا ما يقول: "...مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا".

وقد يَقرأ أحدكم هذه الكلماتِ ويقول: "يبدو أنَّ التَّعب والعرق والعمل هو نتيجة الأرض الملعونة. لذا فإنَّ العمل جاء نتيجة السُّقوط". ولكنَّ هذا غير صحيح. ارجِعوا إلى سِفْر التَّكوين والأصحاح الثَّاني. فنحن نقرأ في سِفْر التَّكوين 2: 15 عن الحال قبل السُّقوط: "وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا". هذا عَمَل. هذا عملٌ مُقدَّس، وعملٌ ممتاز، وعمل أُوْكِلَ للإنسان قبل أن يَتدنَّس بالخطيَّة، وعملٌ ينبغي عمله على الأرض قبل أن تَتدنَّس بالخطيَّة. وقد عَبَّر أحدهم عن ذلك بالكلماتِ التَّالية: "لقد خَلَقَ اللهُ الإنسان ليكون جَنائِنِيًّا، ولكنَّ السُّقوطَ جعله مُزارعًا". ولا أدري إن كان ذلك يُعبِّر تمامًا عن الحقيقة، ولكنَّه قريب. فاللهُ خَلَقَ الإنسان وأوكلَ إليه مَهمَّة الاعتناء بالأرض، والاستفادة مِنها، وحَصْدِها، والتَّمتُّع بها، وجعلها مُثمرة. ولكنَّ السُّقوط جَلَبَ الشَّوكَ والحسكَ والأزهارَ البَرِّيَّة والأعشابَ الضَّارَّة فصارتِ المَهمَّةُ شاقَّة. إذًا، السُّقوط لم يَبتكِر العمل، ولم يَجلِب العمل، بل لَعَنَهُ وحسب. فالإنسان خُلِقَ في الأصل ليكون عاملاً لأنَّه خُلِقَ على صورة الله.

ارجِعوا إلى الأصحاح الأوَّل من سِفْر التَّكوين والعدد 26: "وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا". ثُمَّ انظروا إلى العدد 27: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ". مِن الواضح هنا (أي في العَددَيْن 26 و27) أنَّنا نتحدَّث عن صورة الله. ولكن كيف نُعَرِّف صورة الله؟ لقد تَباحثَ اللاَّهوتيُّون في ذلك مُنذ القِدَم. فهذا جَدَلٌ قائمٌ مُنذ القِدَم؛ ولكن يبدو لي أنَّ هناك جوابًا بسيطًا عن ذلك بصورةٍ مبدئيَّة. فحيثُ إنَّ الله يقول في العدد 26: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا"، ويقول في العدد 27: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِه"، لا بُدَّ أنَّ الكلام الواقع بين هاتين الآيتين يُحَدِّد تلك الصُّورة. فما الَّذي نقرأُهُ هُنا؟ "فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْض".

إذًا، ما هي صُورة الله؟ وما مَعنى أنَّنا خُلِقْنا على صُورة الله؟ هذا يعني أنَّ الإنسان قد أُعْطِيَ هَيمنةً، وسُلطانًا، وحُكمًا. فقد أُوْكِلَتْ إليه مسؤوليَّة الاعتناء بكُلِّ مَا تَبقَّى مِن الخليقة والاستفادة منها – كُلِّها. فكُلُّ ما فيها هو لمُتعته؛ أي لكي يَشُمَّ، ويَلمَسَ، ويأكُل، ويُوفِّر الشَّيءَ نَفسَهُ لآخرين. فقد كان يوجد عملٌ في إطار ذلك السُّلطان، وكان هناك عملٌ في إطار تلك السِّيادة وذلك الاعتناء بكُلِّ تلك الخلائِق. وَهُوَ ليس عملاً مِن النَّوع الَّذي يمكننا أن نفهمه في الحقيقة لأنَّنا لا نَعرف نوع العمل الَّذي كان يعمله آدم آنذاك لأنَّنا لا نَعرف معنى أن نعيش في عالمٍ غير مَلعون. أليسَ كذلك؟ على الرَّغم مِن ذلك، كان عمله [بحسب الآية 2: 15] يَقتضي منه أن يَفلَحَ الأرضَ، ويَحرُثَها، ويعتني بها، ويهتمَّ بها. وكانَت صورةُ الله فيه تَقتضي مِنه أن يكون عاملاً على غِرار اللهِ العامِل.

فكما أنَّ الثَّالوثَ يَشتركُ في الحُكم والسُّلطان والسِّيادة والاعتناء والاهتمام بهذه الخليقة كُلِّها، يَنبغي للإنسانِ أيضًا أن يعمل على تَسخير كُلِّ خيراتِ هذه الخليقة مِن أجل مُتعته وخيرِه. لِذا، لم يأتِ العمل في الأصل نتيجة السُّقوط، ولكِنَّه صار مَلعونًا آنذاكَ وحسب. فقد صار عِبئًا. وقد صار الآن عقابًا. وهذا يُشبه آلام الولادة عند النِّساء. فلا شَكَّ في أنَّه كان يوجد أطفال قبل السُّقوط. لقد كان يوجد أطفال. هذا أمرٌ لا شَكَّ فيه. ولكن لم يكن هناك ألمٌ ناجمٌ عن ولادتهم. فالسُّقوط لم يَتسبَّب في ولادة الأطفال، ولكنَّه جَعل الولادة مُؤلمة. وقد كان هناك عمل قبل السُّقوط. فالسُّقوط لم يَتسبَّب في وجود العمل، ولكنَّه جعل العمل مؤلمًا.

ولكِنْ ما تزال هناك منفعة. فعلى الرَّغم مِن الألم فإنَّ الطِّفلَ مَصدر بَهجة. وعلى الرَّغم مِن الألم فإنَّ نِتاجَ العمل شيء مُبهج. فعلى الرَّغم مِن الألم، يمكن للطِّفل أن يُمَجِّدَ الله. وعلى الرَّغم مِن الألم، يمكن للعمل أن يُمَجِّد الله؛ بل ينبغي أن يكون كذلك. لذا فإنَّ العمل لم يبتدئ ولم يتوقَّف بسبب السُّقوط، بل اتَّخذ شكلاً مُختلفًا. فقد صار لعنةً عوضًا عن أن يكون بَرَكَةً مَحْضَة.

والآن، رَكِّزوا معي: يُمكننا نحن المسيحيِّين، بقوَّة المسيح العاملة في حياتنا، أن نُعيد العمل إلى مكانته الرَّفيعة السَّابقة. لذا فإنَّ الرَّسول بولُس كَتَبَ إلى أهل أفسُس وأهل كولوسي (في الأصحاحِ السَّادس مِن رسالة أفسُس، والأصحاح الثَّالث مِن رسالة كولوسي) قائلاً: "وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ، فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاس". أتذكرون هذين المقطعَيْن اللَّذَيْنِ تَأمَّلنا فيهما في المَرَّة السَّابقة (أي: أفسُس 6: 5-9 وأيضًا كولوسي والأصحاح الثَّالث)؟ اعملوا عملكم كما للرَّبّ. فهو نِتاجٌ أو نتيجةٌ لحياةٍ مُمتلئة بالرُّوح. وبصفتنا مسيحيِّين، كما أنَّه يُمكنُنا أن نَسترِدَّ الصُّورة الأصليَّة الكريمةَ للزَّواج، يُمكنُنا أيضًا أن نَستردَّ الصُّورة الأصليَّة الكريمةَ للعمل. ويمكننا أن نَنظر إلى العمل نَظرةً سليمةً بصفته عَطيَّة مِن الله، ووسيلةً لتمجيدِ الله، ووسيلةً للشُّعور بالقيمة والأهميَّة والإنجاز في الحياة، ووسيلةً لحفظِنا مِن الخطيَّة، ووسيلةً لسَدِّ احتياجاتنا وخدمة البشريَّة. فيجب علينا أن نُعيدَ الكرامة والمجد إلى العمل. ويجب علينا أن نُحَرِّر العمل مِن تِلك النَّظرة الَّتي تُصَوِّرُهُ على أنَّه شيء شَاقٌّ وبغيضٌ، أو على أنَّه مُجرَّد وسيلة لتوفير المُتَعة. ويجب علينا أن نَجعل العمل قَيِّمًا للهِ ولنا ولعائلتِنا وللآخرين.

والنَّظرة الكِتابيَّة هي النَّظرة الَّتي ينبغي أن نَتبنَّاها. فالعمل البشريُّ هو جزءٌ مِن خُطَّة الله في التَّاريخ. ولكنَّ المؤمنينَ هُم الوحيدون الَّذينَ يَفهمون حَقًّا قيمتَهُ الحقيقيَّة لأنَّنا نَعمل كما للرَّبِّ ليسَ للنَّاس. لِذا، ينبغي لنا أن ننظر إلى العمل بصفته وصيَّة أُعطيت لنا مُنذُ بَدء الخليقة، وبصفته جُزءًا لا يَتجزَّأ مِن كونِنا مَخلوقين على صُورة الله، وبصفته قانونًا طبيعيًّا مَحفوفًا بالكرامة. فهو خُطَّة الله للإنسان. وهو دورُنا في الخليقة. ويمكننا أن نَقوم به بطريقةٍ تُمَجِّدُه.

انظروا إلى المزمور 104 الَّذي أعتقد أنَّه يَحوي مقطعًا مُنعشًا ورائعًا عن موضوعِنا بسبب البساطة الَّتي يَتحدَّث فيها عن أولويَّة العمل. ففي المزمور 104 يَتحدَّث المُرنِّم عن كيف أنَّ الله يَعتني بخليقته. وهو يَرى اللهَ بصورةٍ رئيسيَّةٍ مُتَسَربِلاً بالعِزِّ والجلال، ويَراه في مَجده السَّماويّ. وهو يَراه يُؤسِّس السَّماواتِ والأرضَ إذ نقرأ في العددِ الخامسِ أنَّه يُؤسِّسُ الأرض. وهو يَرى كُلَّ تَسلسُل الخليقة. ويمكنكم أن تقرأوا عن ذلك كُلِّه هنا؛ أي عن رَفْعِ الجبالِ (في العددِ الثَّامن) وخَفْضِ البِقاع. وتقرأون في العدد العاشر عن تَفجير الينابيع في الأودية وجَريانِها بين الجبال، وعن كُلِّ الحَيَواناتِ الَّتي تَشربُ الماء. ثُمَّ يمكنكم أن تَقرَأوا عن السَّماواتِ والطُّيور، وأن تَسمعوا الطُّيور وهي تَشْدوا، وأن تَقرأوا عن الأرض الَّتي تَرتوي بالمطر، وعن نُموِّ العُشب الَّذي تأكُلُهُ البهائم، وعن الخُضرة. انظروا إلى العدد 14. فهو عَددٌ مُدهش: "الْمُنْبِتُ عُشْبًا لِلْبَهَائِمِ، وَخُضْرَةً [لإبهاجِ قَلبِ الإنسان]". هَل هذا هو ما يَقولُهُ هذا العَدد؟ لا، بل إنَّهُ يقول: "...لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ، لإِخْرَاجِ خُبْزٍ مِنَ الأَرْض". فالعمل جُزءٌ وحَسْب مِن الحياة الطَّبيعيَّة.

والعمل وَصيَّة أُعطيت لنا مُنذُ بدء الخليقة. وهو قانونٌ طبيعيٌّ يَقتضي مِن الإنسان أن يَعمل مِن أجل الحُصول على طعامه. وما أريد أن أقوله هو أنَّ الأمر سيكون أسهل بكثير لو كانت هناك أشجار بُرغر، أو [بالنِّسبةِ إلى عائلتي] أشجار شوكولاته يمكننا أن نلتقطَ منها طعامنا وحسب. ولكنَّ الأمر ليس كذلك. فاللهُ خَلَقَ كلَّ شيء. وبحسب تصميم الله، يجب على الإنسان أن يُخرِجَ الطَّعام مِن الأرض مِن خلال عمله. ثُمَّ إنَّ المُرنِّمَ يَمضي ويتحدَّث عن حقيقة أنَّه ينبغي للإنسان أن يَعمل لتوفير رِزقه ومعيشته مِن خلال حصوله على الشَّراب الَّذي يَجعلُ قلبهُ فرحًا والخبز الَّذي يُسنِدُ قلبَه. ثُمَّ إنَّه يتحدَّث عن الأشجار والطُّيور وأعشاشها، وعن الجبال العالية والمُنحدرات. وهو يَصِفُ وحسب كيفيَّة سَيْر العالَم. وهو يَتحدَّث في العدد 19 عن القمر وتأثيره في الفُصول، وعن الشَّمس وموضِعِها. وهو يَتحدَّث عن الظُّلمةِ واللَّيل، وعن أصواتِ حَيَواناتِ الغابةِ والأسود. فهذا هو المَسارُ الطَّبيعيُّ للحياة. ثُمَّ إنَّه يَذكُرُ ما يَلي في العدد 23: "الإِنْسَانُ يَخْرُجُ إِلَى عَمَلِهِ، وَإِلَى شُغْلِهِ إِلَى الْمَسَاء". وكأنَّ العمل يَنتمي وحَسْب إلى كُلِّ تلك الأشياء الاعتياديَّة. فالأشبالُ تَعرف كيف تَجد فريستها إذْ إنَّها تَنْتَمي إلى فَصيلةِ الحَيَواناتِ اللَّيليَّةِ الَّتي تَنْشَطُ في اللَّيل، والإنسانُ يَخرج إلى عمله وإلى شُغله إلى المساء.

ثُمَّ نقرأ في العدد 24: "مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ جُزءٌ لا يتجزَّأُ وحَسْب مِن النِّظام الطَّبيعيّ للأشياء الَّتي نعملها. لذا، يمكن فِداء العمل مِن تأثيرات اللَّعنة مِن خلال إدراك حقيقة أنَّه جُزءٌ مِن المَسار الطَّبيعيُّ للأشياء، وأنَّه يَحمل صُورة الله ويَحظى بموافقته، وأنَّه يُتَمِّم قصد الله الرَّامي إلى استخدام خليقته، وأنَّ الله هو الَّذي يدعونا إلى العمل، وأنَّ الله هو الَّذي يُعطينا المهارات اللاَّزمة للقيام بأعمالٍ مُعيَّنة، وأنَّ العمل يُمَجِّدُهُ ويَجعلُنا نَشعر بالإنجاز، وأنَّه مُهِمٌّ لمنفعة الآخرين حين نَعمل كما ينبغي لنا أن نعمل. لِذا فإنَّنا، نحن المؤمنين، مَدعوُّون إلى رَدِّ الكرامة إلى العمل، وإلى إعطائه المكانة التي يَستحقُّها.

والآن، إذا فَهمتم ذلك، يمكنكم أن تَفتحوا على الرِّسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي لأنَّكم ستفهمون الآن سبب قلق بولس الشَّديد بشأن الأشخاص الَّذينَ يأتون إلى الكنيسة ولا يَعملون. فهو لا يَجِدُ أيَّ وَجْه مُقارنة بين ما يَفعلُهُ هؤلاء وما يَعرف أنَّه مشيئة الله. لذا فإنَّه يَتطرَّق (في الأعداد مِن 6 إلى 15) إلى مشكلة الأشخاص الَّذينَ لا يَعملون. وقد يقول قائِل: "ولكنَّها تبدو مسألةً تافهةً لا تَستحقُّ أن تُذكَر في الكتاب المقدَّس". إنَّها ليست مسألةً تافهةً البتَّة إن فَهمتم ما قُلتُهُ للتَّوّ. فهي ليست مسألةً تافهةً البَتَّة، بل هي جزءٌ مِن صُورة الله. وهي جُزءٌ مُهمٌّ جدًّا وجوهريّ. فالعمل جُزءٌ مِن مشيئة الله إذْ يُمكنك مِن خلاله أن تُمجِّدَهُ، ويُمكنك مِن خلاله أن تُحقِّق طُموحاتِك الشَّخصيَّة في الحياة، ويُمكنك مِن خلاله أن تُفيد الآخرين مِن حولك مِن خلال توفير الأشياء الضَّروريَّة، ويُمكنك مِن خلاله أن تُسهم في تحسين المجتمع. وهو وَصيَّة ينبغي أن تُطاع. وهو شيءٌ مُكَرَّمٌ موجودٌ حتَّى قبل السُّقوط. وهو شيءٌ سيبقى موجودًا إلى الأبد إذْ إنَّنا سنعمل إلى مَدى الدُّهور على عبادةِ رَبِّنا.

ولكنَّ بعضًا مِن الأشخاص الموجودين في كنيسة تسالونيكي لم يكونوا يفهمون ذلك. فقد كانوا لا يَعملون ولا يَعتزمون العمل. وعندما كان بولُس في وسطهم وأسَّسَ الكنيسة، واجَهَهُم بذلك قائلاً: "يجب عليكم أن تَعملوا". ولكنَّهم لم يُصغوا لَهُ. وعندما كَتَبَ رسالته الأولى إليهم، وتحديدًا، ما جاء في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي 4: 11، ذَكَّرَهُم مَرَّةً أخرى بذلك لأنَّه سَمِعَ أنَّهم لا يعملون على الرَّغم مِمَّا كان قد قاله لهم. لذا فإنَّه يُذكِّرُهم قائلاً: "يجب عليكم أن تعملوا. لا يمكنكم أن تَتقاعَسُوا عن العمل". فهو يقول لهم حَرفيًّا في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي 4: 11: "وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ".

فقد اضطُرَّ إلى التَّحدُّث بصرامة مع هؤلاء الأشخاص. وقد تقول: "لماذا؟" لأنَّهم كانوا يعيشون في عالَمٍ يُونانيٍّ. وكان اليونانيُّون يؤمنون بأنَّ العمل شيءٌ يَحُطُّ مِن كرامةِ الإنسان. والحقيقة هي أنَّهم قالوا إنَّ العملَ يَحُطُّ مِن كرامةِ الإنسان الحُرّ. وقالوا إنَّه شيءٌ وَضيعٌ وحقير. فالعمل في نظرهم كان عُبوديَّةً للجسد. فقد كانوا يُؤمنون بالفلسفة الثُّنائيَّة. فبحسب فلسفتهم، كانوا يَعتقدون أنَّ العقل أو الرُّوح شيءٌ جَيِّد، وأنَّ الجسد أو المادَّة شيءٌ شِرِّير. لِذا، يجب عليهم أن يتجنَّبوا العالمَ الماديَّ (الَّذي يَنطوي على العمل). لِذا فقد ابتكروا نِظام العبوديَّة ذاك حيث جَعلوا مَلايين النَّاس عبيدًا يعملون كُلَّ تلك الأعمال لكي يتمكَّن الأحرار مِن قضاء وقتِهم في الفُنون، والفلسفة، والجَدل، والسِّياسة، وكلِّ شيءٍ ذهنيٍّ وروحيٍّ بسبب حُبِّهم الشَّديد للمكانة المَرموقَة للفُنون، والخَطابة، وكلام الحِكمة، والجهد العقليّ. لِذا فقد كان العبيد هم الوحيدون الَّذينَ يَعملون.

وقد تَسلَّلت هذه الفلسفة اليونانيَّة المغلوطة في وقتٍ مُبَكِّر إلى الكنيسة في تسالونيكي لأنَّها كانت في نهاية المطاف جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِن ثقافتهم. وكان كُلُّ ما يَلزم لذلك هو مجيء بِضعة أفراد إلى الكنيسة يُؤمنون إيمانًا راسخًا بهذه الفلسفة ويُنادون بها على مَسمعٍ مِن الأشخاص الَّذينَ يَسهُل إقناعهم بأيِّ شيءٍ لكي تنتشر هذه الفلسفةُ انتشارًا واسعًا. ورُبَّما كان هناك أشخاص مِن خَلفيَّةٍ يَهوديَّةٍ تَسلَّلوا إلى الكنيسة أو تأثَّروا باليهوديَّة أو بالكَتَبة الَّذينَ كانوا يَقولون إنَّه إذا فعلتَ في حياتِكَ أيَّ شيءٍ آخر سِوى اللَّهْج الدَّائم في الشَّريعة فإنَّكَ تَحُطُّ مِن كرامتِك. ورُبَّما كان هناك أشخاصٌ يقولون: "حيثُ إنَّنا صِرنا مَسيحيِّين ولدينا كلمة الله، رُبَّما ينبغي لنا أن نَتبنَّى نَظرة الكَتَبَة ولا نفعل أيَّ شيءٍ آخر سِوى دراسة الكتاب المقدَّس".

ورُبَّما تَفاقم الأمر أكثر لأنَّ شخصًا جاء وقال: "سوف يأتي يسوعُ قريبًا جدًّا. لقد دَخلتُم في يوم الرَّبّ. وقد باتت نهاية الدَّهر قريبة. فالنِّهاية ستأتي بسرعة كبيرة جدًّا". لِذا، راح النَّاس يقولون: "إن كُنَّا في نهاية الدَّهر، لا مَغزى مِن العمل؛ بل يجب علينا أن نَستغلَّ الوقت في الكِرازَة". صَحيحٌ أنَّنا لا نَعرف كُلَّ التَّفاصيل، ولكنْ ليس مِن الصَّعب علينا أن نَتخيَّل مَشهدًا كهذا. لذا، رُبَّما قالوا: "يجب علينا أن نَدرس الكتاب المقدَّس لأنَّ هذا الأمرَ نَبيل. ويجب علينا أن نَتأمَّل في الله. ويجب علينا أن نَلهَجَ في كلمته، وأن نَتكلَّم بكلامه، وأن نُعبِّر عن أنفسِنا، وأن نَكرِز. أمَّا العمل فلا حاجة إليه! فوقت النِّهاية قدِ اقترب. والرَّبُّ آتٍ. فالعمل أَحَطُّ شأنا مِن دراسة الكتاب المقدَّس. كما أنَّه شيءٌ يَفعلُه العبيدُ لا الأحرار".

والمُشكلة في ذلك هي ليست فقط أنَّهم كانوا يَعصُون مبدأً وضعه الله في صميم الخليقة وجَعلَهُ شريعةً في العهد القديم، وجَعلَهُ شيئًا مُكْرَمًا في العهد الجديد، بل إنَّهم جَعلوا أنفسهم كَسَالَى. فقد كانوا يَتطفَّلون على بقيَّة الرَّعيَّة. ولم يكن هذا الأمر جَيِّدًا لوَحدة الكنيسة؛ بَل إنَّها وَقاحَة شَديدة. لذا فإنَّ بولُس يكتب الأعداد 6-15 للتَّحدُّثِ عن مُشكلة الأشخاص الَّذينَ لا يعملون. وهذه هي المَرَّة الثَّالثة الَّتي يُضطَرُّ فيها إلى التَّحدُّثِ عن ذلك. لذا فإنَّه يَتحدَّثُ بلهجةٍ صَارمةٍ جدًّا وقاسيةٍ جدًّا.

فإذا نَظرتُم إلى رِسالتهِ الأولى 5: 14 تَجدون أنَّه قال: "أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيب". والعبارة المُستخدمة هنا تُشير إلى الأشخاص الَّذين يَرفضون العمل على الأرجح؛ أي الأشخاص الكَسالى. لِذا فقد كانت هذه مشكلة كبيرة. والآن، فيما يَكتُب فإنَّه يَلجأُ إلى الصَّرامة. ويُمكنني أن أُسَمِّي ذلك "الخُطوة الثَّالثة في التَّأديب" إنْ كنتُ سأنظر إليه في ضَوْء ما جاء في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. فالخطوة الأولى هي أن تَذهب إليهم. فإن لم يُصغوا إليك ينبغي أن تَعود إليهم برفقة شاهِدَيْن أو ثلاثة. وإن لم يُصغوا إليك ينبغي أن تُخبر الكنيسة كُلَّها أن تَذهب إليهم وتدعوهم إلى الرُّجوع عن إثمهم. وهذا هو ما يَفعلُهُ هنا. فهو يَدعو الكنيسة إلى النَّظر إلى هؤلاء الأشخاص، ومُلاحظتهم، والتَّصَدِّي لهم لأنَّهم لا يَعملون.

وإذا تَأمَّلنا في النَّصِّ مِن العَددِ السَّادسِ فَصاعِدًا نَجِدُ سِتَّة حَوافِز للعمل – سِتَّة حَوافِز للعمل، أو سِتَّة دَوافع، أو سِتَّة تَدابير قَسْرِيَّة يَضَعُها على هؤلاء الأشخاص: أوَّلاً، انقطاع الشَّركة... انقطاع الشَّركة؛ أي تَهديدُهم بفصلهم عن الكنيسة. فنحن نقرأ في العدد السَّادس: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيب...". وهذا، دُونَ شَكٍّ، كما ذَكرتُ سابقًا، يَختصُّ بعدم العمل. "...وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا". فقد عَلَّمناكم ذلك، وأنتم تَعلمون ما ينبغي لكم أن تفعلوه بخصوص العمل. والآن، هناك أشخاصٌ بينكم يَرفضون أن يَعملوا. وهُم يَسلُكون بلا ترتيب. لِذا، تَجَنَّبوهم؛ أي لا تكونوا في شركة معهم. إذًا، هذا هو التَّدبيرُ القَسْرِيُّ الأوَّل بِحَقِّ هؤلاء الأشخاص الَّذينَ لا يريدون أن يَعملوا. احرِموهُم مِن الشَّركة، ومِن مائدة الرَّبّ، ومن العلاقات الاجتماعيَّة. ولا يوجد أيُّ استثناء: "تَجَنَّبوا كُلَّ أَخٍ [كَهذا]". ولكن يجب عليكم أن تَدعوهم إلى ترك خطيَّتهم. فنحن نقرأ في العدد 15 أنَّه يجب عليكم أن تُنذروهم؛ أي أن تُحذِّروهم مِن سُلوكهم هذا بصفتهم إخوة مسيحيِّين؛ ولكن لا تَسمحوا لهم أن يشتركوا في الحياة الاعتياديَّة للكنيسة، بل ينبغي أن تَحرموهم مِن الشَّركة.

وهذا تأديبٌ صَارمٌ حَقًّا، ولكنَّها خطيَّة جسيمة ألاَّ تَعمل. إنَّها خطيَّة جسيمة. فهي تَعَدٍّ على تَدبير الله، وصُورة الله، وسِياق الطَّبيعة، والدَّوْر المُوْكَل إلينا في الخليقة. وهو تَعَدٍّ على وَصيَّة العهد القديم. وهو تَعَدٍّ على قصد الله الرَّامي إلى إظهار مَجدِه مِن خلالكم. وهو تَعَدٍّ على قَصدِه مِن مُشاركتكم في سَدِّ حاجاتكم وحاجات الآخرين. فعدم العمل أمرٌ لا يُستهان به.

والآن، اسمعوني جيِّدًا. إنَّه لا يتحدَّث عن الأشخاص الَّذينَ يَرغبون في العمل ولكنَّهم لا يَجدون عملاً. وأنا أعرف أنَّ هناك أشخاصًا في جميع أنحاء العالم كهؤلاء؛ أي أنَّهم مُستعدُّون لفعل أيِّ شيءٍ كي يَعملوا ولكنَّهم لا يتمكَّنون مِن العثور على عمل. وهناك أشخاصٌ كهؤلاء في كنيستنا. وهو لا يَتحدَّث عن الأشخاص المُستعدِّين للعمل ولكنَّهم لا يستطيعون العمل جسديًّا بسبب عِلَّةٍ أو إعاقةٍ تَمنعهم مِن العمل. بل إنَّه يَتحدَّث عن الأشخاص الَّذينَ يستطيعون العمل، ولديهم فُرصة للعمل ولكنَّهم لا يريدون أن يَعملوا. وهو يقول بخُصوص هؤلاء الكَسالَى: تَجنَّبوهم، وأنذِروهُم، وحَذِّروهم. ولكن لا تَسمحوا لهم أن يكونوا في شركة مع الكنيسة. وهذا تأديبٌ صَارِم. وقد تَحدَّثنا عن ذلك في المَرَّة السَّابقة. لذا، لن أقول المزيد.

لِننتقل إلى الدَّافع الثَّاني، أو إلى الحَافِز الثَّاني؛ وهو كُلُّ ما تَبقَّى لدينا من وقت للتحدُّثِ عنه بإيجاز. نَقرأُ الدَّافع الثَّاني في الأعداد 7-9 وهو: القُدوة. فالدَّافع الثَّاني هو القدوة: "إِذْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِنَا، لأَنَّنَا لَمْ نَسْلُكْ بِلاَ تَرْتِيبٍ بَيْنَكُمْ، وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلاً وَنَهَارًا، لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا، بَلْ لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا".

ها هو الدَّافع. فهو مَذكور في العدد 7 والعدد 9 إذْ نقرأ الكلمة "مِثال"، وفي العدد 9 الكلمة "قُدوة". فبولس يقول: "انظروا! أَلم تَجدوا أيُّها الإخوة أيَّ دافعٍ في التَّمثُّل بحياتي أو بحياة سِلوانُس أو سِيلا أو تيموثاوس عندما كُنَّا معكم؟" لِذا فإنَّه يقول في العدد السَّابع: "إِذْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِنَا". فقد كُنَّا قُدوةً لكم. وهو يَستخدم الكلمة "ميميسثاي" (mimeisthai) الَّتي اشتُقَّت منها الكلمة "ميميك" (mimic) ومعناها: "يُحاكِي". فقد كان بولُس قُدوةً أو نَموذَجًا يُحتَذى في حياتِه الشخصيَّة. وقد أراد منهم أن يَتمثَّلوا به.

اسمعوني جيِّدًا: لم يكن بولُس يحصل دائمًا على المال أو الطَّعام مِن الآخرين. صحيحٌ أنَّه في أوقاتٍ كثيرة كانت حاجاتُ بولُس تُسَدّ عندما كان النَّاس يُعطونه مالاً، أو عندما كان النَّاس يُعطونه طعامًا. ففي مُناسباتٍ كثيرة، كان يُعامَلُ مُعاملةً حسنةً كهذه. ولكن كانت هناك مُشكلة كبيرة في تسالونيكي. ولا بُدَّ أنَّ الحال كانت مُشابهة في كورنثوس لأنَّه فَعَلَ هناك الشَّيءَ نفسَهُ. وكانت هناك أوقات في خدمته رَفَضَ فيها أن يأخذ أيَّ شَيءٍ مجَّانًا، بل أصَرَّ على العمل. وهذا لا يَعني أنَّه لم يكن يَستحقُّ ذلك. وهو يَتحدَّث عن ذلك في العدد التَّاسع ويقول إنَّه كان جَديرًا بذلك؛ ولكنَّه كان يحاول أن يَرفَع مِن شأن العمل. وهو لم يَشَأ أن يقول أحدُهم: "كُلُّ ما يَفعله بولُس هو الوعظ والتَّعليم والدِّراسة؛ ولكنَّه لا يَعمل".

لِذا، لكي يَتجنَّبَ أيَّ نقدٍ كهذا في تسالونيكي عندما كان هناك، آثَرَ أن يَعمل. ولا شَكَّ في أنَّه لم يكن يوجد هناك أشخاص يُعيلونَهُ عندما وصل إلى هناك لأنَّه لم تكن هناك كنيسة؛ ولكنَّه كان قُدوةً. فنحن نقرأ في الأصحاح 18 مِن سِفْر أعمال الرُّسُل أنَّه كان يَصنَع الخِيام، أو أنَّه كان يَعملُ حَرفيًّا في صِناعة الجُلود. فقد كان يعمل في صِناعة الجُلود. وكانت لديه حِرْفَة يُتقِنُها. وكانت لديه مِهنة يَعرِفُها جَيِّدًا. لذا فقد قال: "انظروا، لقد كنتُ قُدوةً لكم. فأنا لم أَشَأ أن تَكونوا مُشَوَّشين بهذا الشَّأن لأنَّها مسألة مُهمَّة. لذا فقد كنتُ قُدوةً لكم. وأريد منكم أن تنظروا إلى الوراء وتتذكَّروا تلك القُدوة وتَتمثَّلوا بها لأنَّنا لم نَسلُك بلا ترتيبٍ أو بِلا نظامٍ بينكم. فعندما كُنَّا في وسطكم، لم نكن كَسالَى، ولم نكن نَستَغِلُّ النَّاس". فهو يقول في العدد الثَّامن: "وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَد". يا لها مِن جُملةٍ رائعة!

والعبارة "بلا ترتيب" هُنا تُشيرُ إلى السُّلوك الخارج عن المألوف. وهو يُشيرُ بذلك إلى العاطِلين عن العمل والكَسالَى. أيْ: نحن لم نَخرج عن السُّلوك المألوف، ولم نُخالِف وَصايا الله، ولم نَسلُك سُلوكًا عشوائيًّا يَفتَقِرُ إلى النِّظام. وأنتُم تَعلمون ذلك. فأنتُم تَعلمون كيف سَلَكْنا بينكم. وقد رأيتُم حياتَنا. وهذا هو لُبُّ قيادته. فهو يقول: "اقتَدوا بنا وَحسب. احذوا حَذوَنا واتبَعوا مِثالَنا". ما الَّذي تَقصِدُهُ تَحديدًا يا بولُس؟ نقرأ في العدد الثَّامن: "وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَد". وأكلُ الخُبز هو تَعبيرٌ يَهوديٌّ يُشير إلى الطَّعام والشَّراب، أو إلى القُوت اليوميّ. فقد أقاموا [بحسب ما جاء في سِفْر أعمال الرُّسُل 17: 7] في بيتِ رَجُلٍ يُدعى "ياسون". ورُبَّما سَمَحَ لهم بالإقامة لديه مَجَّانًا. ورُبَّما كانوا ينامون على الأرض إذْ كانوا يَضعون فِراشًا مُتواضًعا وينامون عليه. ولكنَّهم لم يكونوا يأكلون على حسابه، بل كانوا يَدفعون ثمن طعامهم. وإن كانوا يَدفعون ثمن طعامهم، لا بُدَّ أنَّه كان ينبغي لهم أن يَعملوا ويَكسبوا مالاً كي يَدفعوه ثمن طعامهم.

وقد كَتبَ بولُس إلى الكورِنثيِّين في رسالته الثَّانية إلى أهل كورنثوس 11: 7 فقال: "لأَنِّي بَشَّرْتُكُمْ مَجَّانًا بِإِنْجِيلِ الله". فقد كانت هناك أوقاتٌ في حياته اختار فيها أن يَفعل ذلك. وكما قُلتُ لكم، هذا لا يعني أنَّه لم يَقبل يَومًا إحسانًا أو أنَّه لم يَقبل يَومًا مَالاً. فنحن نَعلم أنَّه قَبِلَ ذلك، ولكنَّه اختار في أوقاتٍ مُعيَّنة ألاَّ يَقبل ذلك بسبب وجود مُشكلة أكبر. لذا فإنَّه يقول: "وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ [في العددِ الثَّامن]، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ ["كوبوس" – kopos""] بِتَعَبٍ وَكَدٍّ". والكلمة المُستخدمة هنا هي "مخثوس" [mochthos] وهي تَعني حرفيًّا: "بِعناءٍ شَديد". "...لَيْلاً وَنَهَارًا". يا لها مِن مَهمَّة صَعبة جدًّا! فقد كان يُعلِّم الكتاب المقدَّس طُول الوقت، ويعمل. فقد كان يقوم بهذا كُلِّه ويَهتَمُّ بِسَدِّ حاجاتِه وحاجات الأشخاص المُرافقين له، إلى جانب تأسيس الكنيسة. فقد كان يَعمل نهارًا وليلاً. وهو يقول: لقد فَعلنا ذلك "لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ".

لِذا فإنَّهُ يُوضِّح فِكرتَهُ هُنا: "لم نَشَأ أن نكون حِمْلاً ثَقيلاً، ولم نَشَأ أن تُضطرُّوا إلى إعانتِنا، ولم نَشَأ أن تُضطرُّوا إلى التَّخليِّ عن القليل الَّذي لديكم. لِذا فإنَّه يقول في رِسالتهِ الأولى إلى أهل كورنثوس 4: 12: "وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا". وقد قال أيضًا في الأصحاح 20 مِن سِفْر أعمال الرُّسُل: "فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ". فهو لم يَرغب في أخذِ أيِّ شيءٍ مِن أيِّ شخص، بل كان مُستعدًّا للعمل. وفي هذه الحالة، كان ذلك الأمر ضَروريًّا جدًّا. وقد قال: "...لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ". ثُمَّ انظروا إلى العدد التَّاسع: "لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا، بَلْ لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا". فقد كان يَعلم أنَّ هذا الأمر مُهمٌّ جدًّا. وقد أراد أن يَعمل لكي يكون قُدوةً صَالحةً للأشخاص الَّذينَ يَنظرون نَظرةً مَغلوطةً إلى العمل.

أرجو أن تُلاحظوا ما جاء في العدد التَّاسع: "لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا". فقد كان في حقيقة الأمر يَملِكُ كُلَّ سُلطانٍ في الحصول على الدَّعم الماليّ. هذا أمرٌ مُؤكَّد. فبصفته رسولاً وكارِزًا، كان مِن حَقِّه تمامًا أن يَحصل على الدَّعم الكامل. وأنا لا أقول ذلك لغايةٍ شَخصيَّة. أرجو منكم أن تَعرفوا ذلك. ولكنَّ هذا هو ما يَقولُه الكتاب المقدَّس. فقد أَوصى الله قائلاً بخصوص أولئك الَّذينَ يَخدمونه ويَتعبون في الكلمة والتَّعليم (في رِسالة بولُس الأولى إلى تيموثاوس 5: 17) إنَّهم جَديرون بأن يُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَة؛ أي أنَّه ينبغي تقديمُ الدَّعم الماليِّ لِمَن يَخدِمون. وفي الرِّسالة إلى أهل غلاطيَّة يقول الرَّسول بولُس بأوضح صيغةٍ مُمكنة (في الأصحاح السَّادس والعدد السَّادس): "لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَات". فإن كنتَ تَتعلَّم، ينبغي أن تُعطي وتُشارك ما لديك مع مُعَلِّمِك. لِذا، بصفته رسولاً وكارِزًا، كان مِن حَقِّه الحصول على دعمٍ كامل.

انظروا إلى الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس والأصحاح التَّاسع. وسوف نَختِمُ كلامَنا بهذا النَّصِّ في هذا الصَّباح. نَجِدُ في الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس والأصحاح التَّاسع مَقطعًا مُدهشًا. وهو يَبتدئُ هذا المقطعَ بأسئلةٍ بَلاغيَّة: "أَلَسْتُ أَنَا حُرًّا؟" بَلى! "أَلَسْتُ أَنَا رَسُولاً؟" بَلَى! "أَمَا رَأَيْتُ يَسُوعَ الْمَسِيحَ رَبَّنَا؟" بَلى! "أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ عَمَلِي فِي الرَّبِّ؟" نَحن كذلك بِكُلِّ تأكيد. فالإجابةُ الضِّمنيَّةُ هي "بَلى!" والآن، إن كان هذا كُلُّه صحيحًا، اسمحوا لي أن أتكلَّم عن مسألةٍ مُحدَّدة. فهو يقول في العدد الرَّابع: "أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَأْكُلَ وَنَشْرَبَ؟" بَلى، مِن المؤكَّد أنَّ لك سُلطان. "أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَجُولَ بِأُخْتٍ زَوْجَةً؟" بَلى، مِن حَقِّكَ أن تَتزوَّج كَبَاقِي الرُّسُلِ وَإِخْوَةِ الرَّبِّ وَصَفَا (أو بُطرس). يُمكنك أن تَتزوَّج. "أَمْ أَنَا وَبَرْنَابَا وَحْدَنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ لاَ نَشْتَغِلَ؟" لا أحد مِن الخُدَّام لا يَتمتَّعُ بهذا السُّلطان. فمِن حَقِّكَ ألاَّ تعمل. ومِن حَقِّكَ أن تُحْجِمَ عن العمل. فمِن حَقِّ أيِّ شخصٍ يَخدم اللهَ، ومِن حَقِّ أيِّ شخصٍ يَبذل حياته في الوعظ والتَّعليم بصفته رسولاً أو كارزًا أن يَمتنع عن العمل في سبيل تكريس حياته للقيام بذلك. أجل، مِن حَقِّك أن تَفعل ذلك.

وهو يقول في العدد السَّابع: "مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟" والجواب هو: لا أحد. فلا أحد يَتجنَّد على حِسابه الشَّخصيّ، بل إنَّ الحكومة هي مَن تَدفع له نَفقتَه. "وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟" لا أحد. فإن زَرعتَ كَرْمًا فإنَّما تَفعل ذلك لتستفيد منه. "أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ؟" لا أحد.

"أَلَعَلِّي أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَإِنْسَانٍ؟ أَمْ لَيْسَ النَّامُوسُ أَيْضًا يَقُولُ هذَا؟" أيْ: ألا يَقولُ اللهُ ذلك؟ "فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ مُوسَى: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا»". وهذا مَثَلٌ يُشيرُ إلى ضرورة إطعام الشَّخص الَّذي يَخدِم. "أَلَعَلَّ اللهَ تُهِمُّهُ الثِّيرَانُ؟" كَلاَّ، بَل هو يَهتمُّ بالبشر. فعندما يقوم أحدهم بعمل الخدمة، ينبغي سَدُّ حاجاتِه. "أَمْ يَقُولُ مُطْلَقًا مِنْ أَجْلِنَا؟ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا مَكْتُوبٌ. لأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَرَّاثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى رَجَاءٍ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي رَجَائِهِ". بعبارة أخرى، نحنُ نَسكُبُ حياتنا فيكم، ونَخدِمكم، ونُعلِّمكم، ونُغذِّيكم رُوحيًّا على رجاء أن تُقدِّموا الدَّعم لنا.

العدد الحادي عشر: "إِنْ كُنَّا نَحْنُ قَدْ زَرَعْنَا لَكُمُ الرُّوحِيَّاتِ، أَفَعَظِيمٌ إِنْ حَصَدْنَا مِنْكُمُ الْجَسَدِيَّاتِ؟ إِنْ كَانَ آخَرُونَ شُرَكَاءَ فِي السُّلْطَانِ عَلَيْكُمْ، أَفَلَسْنَا نَحْنُ بِالأَوْلَى؟ لكِنَّنَا لَمْ نَسْتَعْمِلْ هذَا السُّلْطَانَ". ألاَ تَجدون هذا مُدهشًا؟ والمقصود بذلك هو ما يَلي: "مِن حَقِّي أن أحصُل على الدَّعم". ثُمَّ إنَّه يقول: ولكنَّنا لم نَستخدِم ذلك الحَقّ، بَل تَنازَلنا عن ذلك الحَقِّ في حالتكم "لِئَلاَّ نَجْعَلَ عَائِقًا لإِنْجِيلِ الْمَسِيح".

والعدد 14 يُلَخِّص ذلك: "هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ. أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِنْ هذَا [في حالتكم لأنَّ هناك مسألةً أخرى على المِحَكّ. فأنا لا أريد أن يَتَّهِمَني النَّاس بأنِّي أفعل ذلك مِن أجل المال. وفي حالة أهل تسالونيكي، أريد أن أكون قُدوةً لكم في كيفيَّة النَّظر إلى العمل نَظرةً سليمة]". هل يمكنكم أن تَتخيَّلوا هذه القُدوة؟ فقد كان بعضٌ مِن أهل تسالونيكي يقولون: "إن كنتَ حَقًّا شخصًا رُوحيًّا، وإن كنتَ حَقًّا شخصًا حُرًّا، ينبغي أن تعمل أعمالاً رفيعة المُستوى". ولكنَّ الرَّسولَ بولُسَ جاء. وقد كان بولُسُ يَتمتَّع بذكاءٍ يَفوقُ ذكاءَهُم جميعًا، وكان ناضجًا رُوحيًّا أكثر مِن جميع البشر، وكان أتقَى مِنهم، وأحكم منهم، وأفهَمَ مِنهم، وكان مُتعلِّمًا، وفيلسوفًا لا مثيلَ له، ولاهوتيًّا لا نَظيرَ له، ورَجُلاً حَادَّ الذِّهن، ويَعرِف الحقَّ معرفةً لا مثيل لها. وما الَّذي يَفعلُه؟ إنَّه يَصنَعُ خِيامًا. لِذا فقد جَعلهم جميعًا يَخجلون مِن أنفسهم.

إذًا، الدَّافع الأوَّل هو الحِرمان مِن الشَّركة. والدَّافع الثَّاني هو القُدوة. وسوف نَتحدَّث عن الدَّوافع الأخرى في المرَّة القادمة.

يا أبانا، نَشكرُك في هذا الصَّباح على كلمتك لنا. ويا له مِن تَذكيرٍ رائعٍ لنا بالمسؤوليَّات الرَّائعة الَّتي تُعطينا إيَّاها في عملنا حتَّى نُمَجِّدَك! ليتَنا نَنظر إلى عملنا كما تَنظر إليه أنت، وليتَنا نَعمل أعمالنا بسرور لِعِلْمِنا أنَّ هذه وَصيَّة مُنذُ بَدْءِ الخليقة. فَضلاً عن ذلك، ليتَنا نُدرك أنَّ هذه وَصيَّة لنا نحن المولودين ثانيةً إذْ ينبغي لنا، نحن المسيحيِّين، أن نفعل كلَّ شيءٍ لا لإرضاء البشر، بل لإرضاء الرَّبِّ يسوعَ المسيح. ويجب علينا أن نعمل كلَّ شيءٍ لتمجيدك، وأن نَستخدم مهاراتِنا والأشياءَ الَّتي وَهبتَها لنا بقدرتك الإلهيَّة. ويجب علينا أن نَعمل ما نعمل كوسيلة للشُّعور بالشِّبَع في حياتنا، وتوفير القُوت لعائلاتنا، وخدمة العالَم مِن حَولنا. ويجب علينا أن نَعمل ما نعمل كوسيلة لحفظِنا مِن الكسل الَّذي يقود إلى الخطيَّة. أَعِدْ إلينا كَرامَة العمل، وأعِد إلينا ذلك الشَّرَف الَّذي قَصَدتَهُ عندما وَضعتَ الإنسان في الجنَّة لكي يَعملَها ويَفلَحَها ويَسود عليها. لَيتنا نَعمل سِتَّة أيَّام، وليتَ ثَمر عَملنا يكون مَرضيًّا عندك لكي نَتمتَّع بالرَّاحة في مِثل هذا اليوم. نُصلِّي هذا باسم المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize