لِنَفتَح كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ فيما نَتأمَّلُ مَعًا في كلمةِ اللهِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثاوسَ والأصحاحِ الأوَّل. الرِّسالة الأولى إلى تِيموثاوسَ والأصحاح الأوَّل. والرِّسالةُ الَّتي يُريدُ رُوحُ اللهِ أن يُقَدِّمَها لَنا اليومَ هِيَ رِسالةٌ قَويَّةٌ جدًّا. وأعتقدُ أنَّ تَطبيقاتِها واسِعَةً جدًّا حَتَّى إنَّني لن أتمكَّنَ مِنَ التَّحَدُّثِ عَنها في السَّاعَةِ المُتاحَة لَنا. ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تُصغوا بِعنايةٍ شَديدةٍ لأنَّها ليست رِسالةً تَسمعونَها عَادَةً على الرَّغمِ مِن الحَاجَةِ المُلِحَّةِ إليها.
الرِّسالةُ الأولى إلى تِيموثاوسَ والأصحاح الأوَّل. فَنحنُ نَدرُسُ الرِّسالةَ الأولى إلى تِيموثاوسَ. وَقَد وَصَلنا الآنَ إلى الأعدادِ الثَّلاثَةِ الأخيرةِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل. والنَّصُّ يَقولُ ابتِداءً مِنَ العَددِ الثَّامِن عَشَر: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ، لِكَيْ تُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ، وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ، الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ، انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ، اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا".
في دِراسَتِنا لهذا المَقطعِ وتَفسيرِنا للرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس، تَحَدَّثنا عَنِ الآياتِ الثَّلاثِ كُلِّها؛ ولكِنَّنا رَكَّزْنا في يَومِ الرَّبِّ المَاضي وَسَنُرَّكِزُ في هَذا اليَومِ على عِبارةٍ واحِدَةٍ وَرَدَتْ في العَدد 20 وَهِيَ: "اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَان". فَهِيَ فِكرةٌ مُرعِبَة، وحَقيقةٌ مُخيفَة؛ ولكِنَّها فِكرةٌ يَنبغي للكنيسةِ أن تَفهَمَها. فعِندَما نُفَكِّرُ في الشَّيطانِ الَّذي هُوَ عَدُوُّ اللهِ، والَّذي يُبغِضُ اللهَ، والَّذي هُوَ كَذَّابٌ، وقَاتِلٌ، وخَبيثٌ، وَقائِدُ القُوى الشَّيطانيَّةِ، ومُحْتَقِرُ المَسيحِ، وإبليسُ المُهْلِكُ الَّذي يَسعَى جَاهِدًا لِهَدْمِ كُلِّ ما يَفعَلُهُ اللهُ وَسَيُدانُ في النِّهايةِ في بُحيرةِ النَّارِ لِيُعَذَّبَ فيها إلى الأبد، وعِندَما نُفَكِّرُ في الشَّيطانِ الَّذي هُو مُبْتَدِعُ كُلَّ انحِرافٍ، والَّذي يُحَرِّكُ جَميعَ المَجانينِ والمُجرِمينَ، ويُدَمِّرُ العَائِلاتِ، ويُحْدِثُ كُلَّ هذهِ الفَوضَى، ثُمَّ نُفَكِّرُ في تَسليمِ أيِّ شَخصٍ لَهُ، فإنَّها فِكرةٌ مُرعِبَةٌ حَقًّا.
والآن، لَقد ذَكَرتُ في المَرَّةِ السَّابقةِ الَّتي دَرَسنا فيها هَذا المَقطعَ أنَّهُ لِكَي يَتِمَّ تَسليمُ شَخصٍ للشَّيطانِ فإنَّ هَذا يَعني أنَّ ذلكَ الشَّخصَ لم يَكُن تَحتَ سَيطرةِ الشَّيطانِ الكَامِلَة. واسمَحوا لي أن أُوَضِّحَ هَذهِ الفِكرةَ أكثر. إنَّ جَميعَ البَشرِ غَيرِ المَفدِيِّينَ هُمْ أشخاصٌ سَاقِطونَ في الخطيَّة. والكِتابُ المُقَدَّسُ يُخبرُنا في رِسَالَةِ يُوحنَّا الأولى 5: 19 أنَّ العَالَمَ كُلَّهُ قد وَضِعَ في الشِّرِّير. كَذلكَ، نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 1: 18-32 أنَّهُ بسببِ سُقوطِ الإنسانِ في الخطيَّة، فَإنْ اللهَ "أَسْلَمَهُم إلى النَّجاسَة"، ثُمَّ نَقرأُ مَرَّةً ثَانيةً أنَّهُ "أَسْلَمَهُمُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَان"، ثُمَّ نَقرأُ مَرَّةً ثَالِثَةً أنَّهُ "أَسْلَمَهُم إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيق".
وَمَا يَعنيهِ ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ تَرَكَ الجِنسَ البَشريَّ في الخَطِيَّةِ وَأسْلَمَهُ للشَّيطان. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في الرسالةِ إلى أهلِ أفسُس 2: 2 أنَّ كُلَّ البَشَرِ غَيرِ المَفدِيِّينَ الَّذينَ هُمْ أَمْواتٌ بالذُّنُوبِ وَالخَطَايَا يَسلُكونَ فِيهَا حَسَبَ دَهْرِ هذَا العَالَمِ، وَحَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَة. فَكُلُّ الجِنسِ البَشريِّ غَيرِ المَفْدِيِّ يَخضَعُ لِسُلطانِ الشَّيطان.
إذًا، مَن هُم أولئكَ الَّذينَ سُلِّمُوا للشَّيطان؟ لا بُدَّ أنَّهُم أولئكَ الَّذينَ وَجَدُوا مَلاذًا بَعيدًا عن سُلطانِهِ ذَاك. والحَقيقةُ هي أنَّنا رَأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنْتَمونَ إلى جَماعَةِ المَفدِيِّينَ، حَتَّى وَإنْ لم يَكونوا مُؤمِنينَ، بَلِ انْضَمُّوا إليهِم خَارِجِيًّا فقط، قَد وَجَدُوا في ذلكَ الاقتِرانِ بالمُؤمِنينَ نَوعًا مِنَ الحِمايَة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّابعِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ أنَّ الزَّوجَةَ غَيرَ المُؤمِنَةِ تَتَقَدَّسُ بِزَوجِها المُؤمِن، وَأنَّ الزَّوجَةَ المُؤمِنَةَ تُقَدِّسُ زَوجَها غيرَ المُؤمِنِ، وَأنَّ الأبناءَ يَتَقَدَّسونَ في بَيتٍ يُوجَدُ فيهِ أَبٌ مُؤمِنٌ أو أُمٌّ مُؤمِنَة. بِعبارةٍ أخرى، إنِ اقتَرَنْتَ بِجَماعَةِ المَفدِيِّينَ، حَتَّى وَلَوْ بِطريقةٍ خَارِجيَّةً فقط، فإنَّكَ تَجِدُ مَلاذًا آمِنًا بَعيدًا عَنِ الهَجَماتِ الشِّرِّيرةِ الكَامِلَةِ الَّتي يَشُنُّها الشَّيطان. فَفي الكَنيسةِ، عِندَما يَسْكُبُ اللهُ بَرَكَتَهُ على المَفدِيِّينَ الحَقيقيِّينَ فإنَّ رَذاذَ تلكَ البَرَكَةِ يَنْهَمِرُ على غَيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَحرِصونَ على الوُجودِ بالقُربِ مِن أولئكَ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى الله.
لِذا فإنَّ التَّسليمَ للشَّيطانِ يَعني أنْ تَأخُذَ ذلكَ الشَّخصَ المُؤمِنَ أوِ الشَّخصَ غَيرَ المُؤمِنِ المَوجودَ في وَسْطِ جَماعَةِ المَفدِيِّينَ (وَلو حَتَّى خَارِجِيًّا)، وَتُخْرِجْهُ خَارِجًا لِيُواجِهَ السَّخَطَ الكَامِلَ المَوجودَ في عَالَمِ الشَّيطان. وَهَذا هُوَ ما نَتحدَّثُ عَنهُ. فَهُناكَ أشخاصٌ يَشاءُ اللهُ بِمُقْتَضى خُطَّتِهِ، وَبِمُقتَضَى قَصْدِهِ وَسِيادَتِهِ، وَبِمُقتَضَى أعمالِهِ المُقدَّسَةِ وَغَايَتِهِ وَمَشيئَتِهِ، أنْ يُخْرِجَهُم مِن مَكانِ الحِمايَةِ ذَاكَ في الكَنيسةِ إلى النِّطاقِ الشَّيطانِيّ. وَنَحنُ نَتَعَلَّمُ عن ذلك.
وَبولسُ يُوصِي تِيموثاوسَ في هذا الأصحاحِ الأوَّلِ بأنَّهُ يَنبغي لَهُ أن يَفعلَ ذلكَ بأشخاصٍ مُعَيَّنينَ في الكنيسةِ في أفسُس حيثُ كَانَ يَخدِمُ آنَذاك. فبولسُ يَقول: "لَقَدْ أعطيتُكَ مِثالاً على ذلكَ [في العَدد 20] لأنِّي أَخرجتُ هِيمِينَايُس وَالإِسْكَنْدَر خَارِجًا، وَأَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا [جَسَدِيًّا، أوْ يُعَاقَبَا جَسَدِيًّا] حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا".
والآن، هَذا هُوَ النَّموذَجُ الَّذي أُريدُ مِنكَ أن تُطَبِّقَهُ. فالكَنيسَةُ مَلاذٌ رَائِع، ومَكانُ حِمايَةٍ للمُؤمِنين. وَحَتَّى إنَّها مَكانٌ يُمكِنُ لِغيرِ المُؤمِنينَ أن يَأتوا إليهِ وَيَجِدُوا قَدْرًا مِنَ الحِمايَةِ مِن هَجَماتِ الشَّيطان. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ وَاضِحٌ جدًّا أيضًا في أنَّهُ لِغاياتٍ إلَهِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، هُناكَ أوقاتٌ يَتِمُّ فيها تَسليمُ أشخاصٍ مُعَيَّنينَ للشَّيطان.
والآن، اسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم وَحَسْب بِما قُلناهُ في الأسبوعِ المَاضي. فَأحيانًا، يُسَلِّمُ الرَّبُّ مُؤمِنًا حَقيقيًّا للشَّيطانِ لِسَبَبٍ إيجابِيٍّ يَخْتَصُّ بِسيادَتِهِ هُوَ شَخصيًّا. وقد رَأينا ذلكَ مِن خِلالِ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ مِن حَياةِ أيُّوب. فَأيوبُ لم يَكُن مُجَرَّدَ شَخصٍ صَالِحٍ، بَل كَان أفضلَ شَخصٍ بينَ البَشَر، ورَجُلاً مُستقيمًا يُكْرِمُ اللهَ في كُلِّ شَيءٍ في حَياتِه، ورَجُلاً بَارًّا، وَمُحِبًّا للهِ، وَيَتَّقِي اللهَ. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ، نَقرأُ في سِفْرِ أيُّوب أنَّهُ سُلِّمَ للشَّيطانِ، وَأنَّهُ سُمِحَ للشَّيطانِ بِتَدميرِ كُلِّ مُمتلكاتِهِ، وَبِتَدميرِ كُلِّ عَائِلَتِه، وَحَتَّى بأنْ يُصيبَهُ بالمَرَضِ في كُلِّ أنحاءِ جِسْمِه. ولم يَفهَم أيُّوبُ قَطَّ سَبَبَ حُدوثِ ذلك. وَحَتَّى في نِهايَةِ سِفْرِ أيُّوب، لم يَعلَم يَقينًا سَبَبَ سَماحِ اللهِ بِذلك، وَلَم يَفهَم شَيئًا سِوى حَقيقةِ أنَّ اللهَ أعلَنَ أنَّهُ صَاحِبُ السُّلطان. ولكِنْ عِندَما نَعودُ وَنَنظُرُ إلى سِفْرِ أيُّوب، نَفهمُ سَبَبَ تَسليمِ أيُّوب للشَّيطان. فَقد أرادَ اللهُ أن يُثْبِتَ أنَّ مَحَبَّةَ البَشَرِ الحَقيقيَّة لَهُ وَإيمانَهُم الحَقيقيَّ بِهِ لا يَتوقَّفانِ على الظُّروف. وَقَد لَخَّصَ أيُّوبُ ذلكَ بِقولِهِ: "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ"، وَبِقولِهِ: "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا".
فَالحَقُّ العَظيمُ الَّذي يُعَلِّمُهُ سِفْرُ أيُّوبُ هُوَ أنَّهُ سَواءَ حَصَلتَ على بَرَكاتِ هذهِ الحَياةِ أو جُرِّدْتَ تَمامًا مِن كُلِّ شيءٍ، فإنَّ الإيمانَ الحَقيقيَّ باللهِ والمَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لَهُ يَثْبُتانِ لأنَّهما لا يَتوقَّفانِ على مَا حَصَلنا عليهِ مِنْ طَريقِ البَرَكَةِ، بَل يَتوقَّفانِ على شَخصِهِ بِوَصْفِهِ إلهًا يَستَحِقُّ العِبادَة. لِذا فقد كانَ أيُّوبُ أداةً استُخْدِمَتْ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَسُلِّمَتْ للشَّيطانِ لكي يُوَضِّحَ اللهُ حَقيقةً عَظيمة.
وَقد كانَ المَسيحُ مَثَلَنا الإيضاحِيَّ الثَّاني على شَخْصٍ سُلِّمَ للشَّيطان. فقد تَمَّ اقْتيادُهُ إلى البَرِّيَّةِ مِنْ قِبَلِ رُوحِ اللهِ لكي يُجَرَّبَ مِن إبليس (كَما جَاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الرَّابع). وبالمَعنى الحَرفِيِّ، لَقَدِ اقتادَهُ الرُّوحُ القُدُسُ لِيُجَرَّبَ مِنَ الشَّيطانِ حَتَّى يُثْبِتَ اللهُ أنَّهُ كَامِلٌ، وَحَتَّى يُظْهِرَ مِن خِلالِ انتصارِهِ على الشَّيطانِ في لَحْظَةِ ضَعفِهِ بعدَ أنْ صَامَ أربَعينَ يَومًا أنَّهُ أقوى مِنَ الشَّيطان، وَحَتى يُبَرهِنَ على أنَّهُ حَتَّى في لَحظةِ ضَعفِهِ القُصوى كانَ نِدًّا أقوى مِنَ الشَّيطان. وَهَذا يَعني أنَّهُ إنْ كانَ قدِ انتصرَ في تلكَ التَّجربة فإنَّهُ سَيَنتصِر في النِّهاية في مَجْدِ مَجيئِهِ الثَّاني عندما يُقَيَّدُ الشَّيطانُ إلى الأبد في جَهَنَّم. لِذا فقد سُلِّمَ المَسيحُ للشَّيطانِ أيضًا لكي يُظهِرَ كَمالَهُ وقُدرَتَهُ الفَائقةَ على العَدُوّ.
وفي الأصحاحِ الثَّاني عَشر مِنَ الرِّسالةِ الثانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ رَأينا مِثالنا الإيضاحِيَّ الثَّالثَ وَهُوَ بُولُس. فقد سُلِّمَ بولسُ للشَّيطانِ بأنْ أُعْطِيَ مَلاكَ الشَّيطانِ أو شَوكَةً في الجَسَدِ فقال: "أنا أَفْتَخِرُ بذلكَ" أو "أنا أُسَرُّ بذلك": "أنا أفتَخِرُ بذلكَ لأنَّهُ في ضَعفي تُكْمَلُ قُوَّةُ الرَّبِّ". لِذا فقد سُلِّمَ بُولسُ للشَّيطانِ؛ ولكِن بِحُدودٍ (كَما حَدَثَ في كُلِّ تلكَ الحَالات). فَرُبَّما تَذكرونَ أنَّ أيُّوبَ سُلِّمَ للشَّيطانِ ولكِنَّ اللهَ وَضَعَ لَهُ حُدودًا. فَقد كانت هُناكَ حُدودٌ لِتَجريبِ المَسيح، وَكانت هُناكَ حُدودٌ لِتَجريبِ بولُس. ولكِنْ لِكَي يَتعلَّمَ بولسُ الاتِّضاعَ والاتِّكالَ على اللهِ فقد أُعطِيَ مَلاكًا مِنَ الشَّيطان.
ثُمَّ إنَّنا رَأينا بُطرس. فَقد قَالَ يَسوعُ لِبُطرس في إنجيل لوقا 22: 31: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَة". فَرُبَّما جاءَ الشَّيطانُ إلى اللهِ كَما فَعَلَ في قِصَّةِ أيُّوب وقال: "أريدُ بُطرس. سَوفَ أُريكَ حَقيقةَ هَذا الشَّخص. سَوفَ أَكشِفُهُ على حَقيقَتِه". فَرّبَّما قَالَ نَفسَ الكَلامِ الَّذي قَالَهُ في حَادِثَةِ أيُّوب. لِذا فقد تَمَّ تَسليمُ بُطرسَ للشَّيطانِ، لا لأنَّهُ اقتَرَفَ خَطِيَّةً مُتَعَمِّدًا أو لأنَّهُ عَاشَ بطريقةٍ عَاصِيَةٍ وَمُتَمَرِّدَة، بل إنَّ يَسوعَ قالَ لَهُ: "وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ". وقد رأينا أنَّ بُطرسَ سُلِّمَ للشَّيطانِ لِكَي يُثَبِّتَ آخرينَ سَيَختبرونَ ضِيقاتٍ شَديدة.
لِذا، في هذهِ الحَالاتِ المُختصَّةِ بأيُّوبَ، والمَسيحِ، وَبولسَ، وبُطرسَ، كانَ هُناكَ قَصْدٌ إيجابِيٌّ في خُطَّةِ اللهِ وَسِيادَتِه. وقد كُنتُ أقرأُ في هذا الأسبوعِ أيضًا عنِ الأشخاصِ الَّذينَ سَيتألَّمونَ في الضِّيقةِ العَظيمة. فَنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 24: 21 و 22 عنِ الأشخاصِ الَّذينَ سَيتألَّمونَ في فَترةِ الضِّيقةِ العَظيمةِ قبلَ المَجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيحِ مُباشَرَةً. وَنقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحِ السَّادسِ أنَّهُم يَصرُخونَ لأنَّهم قُتِلوا في تلكَ الضِّيقَة. فسوفَ يَكونُ هُناكَ مُؤمِنونَ بِلا طَعامٍ، وبِلا مَاء، وبِلا عَمَل، وبِلا أشياء كَثيرة في حَياتِهم في فَترةِ الضِّيقةِ العَظيمةِ عندما يُثيرُ الشَّيطانُ الفَوضَى في جَميعِ أنحاءِ العَالَم.
ولكِن عندما تَقرأونَ عَن نَفسِ أولئكَ القِدِّيسينَ المَفدِيِّينَ في الأصحاحِ السَّابعِ مِن سِفْرِ الرُّؤيا، سَتَجِدونَ أنَّهُم نَجَوْا مِنَ الضِّيقَةِ العَظيمة: "وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ". ونَقرأُ أيضًا: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلاً". وأعتقدُ أنَّ المَقصودَ بذلكَ هُوَ أنَّهُ سيكونُ هُناكَ جِيلٌ كَامِلٌ مِنَ المُؤمِنينَ الَّذينَ سَيُسَلَّمونَ للشَّيطانِ الحَانِقِ في الضِّيقةِ العَظيمةِ حَتَّى عِندما يَنْجونَ مِنها فإنَّهُم سَيُسَبِّحونَ اللهَ تَسبيحًا يَفوقُ تَسبيحَ كُلِّ الأجيالِ المَفدِيَّةِ الأخرى. لِذا، سوفَ يَحصُلُ اللهُ في النِّهايةِ على التَّسبيحِ مِن أولئكَ الَّذينَ تَألَّموا كَثيرًا لأنَّ خَلاصَهُم رائعٌ جدًّا ومَجيدٌ جدًّا.
والآن، أريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا على سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحِ الثَّاني قَليلاً، وأنْ تَنظُروا إلى العَدَدَيْنِ التَّاسِعِ والعَاشِرِ حيثُ نَجِدُ الرِّسالةَ المُوَجَّهَةَ إلى كَنيسةِ سِميرنا: "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا [في العَددِ الثَّامِن]: «هذَا يَقُولُهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ" [أيِ المَسيح]. والمَسيحُ يَقول: "أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضِيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ". أيْ: أنا أَعلمُ كُلَّ مَا اخْتَبَرْتَهُ، وأعلَمُ أنَّكَ اخْتَبَرْتَ الضِّيقَ، واخْتَبَرْتَ الفَقْرَ. "وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ" [أيْ أنَّهُم مُعَلِّمونَ كَذَبَة]. "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا [والآن، لاحِظُوا مَا يَلي] إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ [أي فَترةً وَجيزةً مِنَ الوقت]. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ".
اسمَعوني: في تلكَ الكَنيسةِ الصَّغيرةِ في سِمِيرنا، كانَ هُناكَ مُؤمِنونَ اضْطُهِدوا بِسببِ إيمانِهم. فقدِ اضْطُهِدوا مِنْ قِبَلِ الشَّيطانِ حَتَّى المَوت. فقد سَمَحَ اللهُ لإبليسَ أن يَقتُلَهُم، ثُمَّ كَافَأَهُم بإكليلِ الحَياة. فاللهُ يُريدُ أن يُكافِئَ أولادَهُ، وأن يُكافِئَ بِصورةٍ خَاصَّةٍ أولئكَ الَّذينَ بَذَلُوا حَياتَهُم طَوْعًا بسببِ الاضطهاد.
أجل، لقد رَأينا مِن خِلالِ كُلِّ هذهِ الأمثلةِ الإيضاحِيَّةِ أنَّ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ، أوْ نُخْبَةَ المُؤمِنينَ، أوِ القَادَةَ (على غِرارِ أيُّوبَ وبولُسَ وبُطرُس)، أوِ الرَّعَايا (على غِرارِ كَنيسةِ سِمِيرنا)، أو أولئكَ الَّذينَ سيَعيشونَ في فَترةِ الضِّيقَةِ يُمكِنُ أن يُسَلُّموا للشَّيطانِ لِمَقاصِد إلهيَّةٍ كَإثْباتِ صِحَّةِ الإيمانِ المُخَلِّصِ وطَبيعَتِهِ، أو لإبقائِهِم مُتَّضِعينَ ومُتَّكِلينَ على اللهِ، أو بِقَصدِ تَمكينِهم مِن تَثبيتِ آخَرينَ مَرُّوا بِتَجارِب، أو بِقَصْدِ تَسبيحِ اللهِ إلى الأبد لأنَّهُم نَجَوْا مِنَ اضطهاداتٍ كثيرةٍ، أو بِقَصدِ إعطائِهِم مُكافأةً أبديَّةً خَاصَّة. أجل، قَدْ يَتِمُّ تَسليمُ المُؤمِنينَ للشَّيطانِ الَّذي قَد يَبتليهِم بِمَشاكِلَ جَسَدِيَّة، أو بِمَشاكِلَ عَائليَّة، أو حَتَّى قَدْ يُميتُهُم لِمَقاصِدَ إلهِيَّة.
ولكنِّي اليومَ أريدُ أن أُحِدِّثَكُم عن جَانبٍ آخرَ مِن هذا المَوضوع وَهُوَ التَّسليمُ للشَّيطانِ لا مِن أجلِ سَبَبٍ إيجابِيٍّ، بَل مِن أجلِ سَبَبٍ سَلبِيٍّ لأنَّ هذهِ هي المُشكلةِ المَطروحَةَ في الرسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ والأصحاحِ الأوَّل. فقد تَمَّ تَسليمُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ (هِيمِينَايُس وَالإِسْكَنْدَر) للشَّيطانِ لا لِكَي يُبَرْهِنا على حَقيقةِ إيمانِهِما، ولا لِكَي يَتَعَلَّما التَّواضُعَ والاتِّكالَ على اللهِ، ولا لِكَيْ يُثَبِّتَا آخرينَ، ولا لِكَي يَحصُلا على إكليلِ الحَياةِ، وَلا لِكَي يُقَدِّما تَسبيحًا مُطْلَقًا وَكُلِّيًّا وَأبديًّا للمَسيحِ الحَيِّ الَّذي أَنقَذَهُما وَنَجَّاهُما مِنَ الضِّيقةِ العَظيمةِ المُريعَة. لا، بل إنَّهُما سُلِّما للشَّيطانِ لِكَيْ يُدَانَا. وَهذا سَبَبٌ مُختلِفٌ. فَقد سُلِّمَا لِكَيْ يُدَانَا. والكتابُ المقدَّسُ يُوَضِّحُ ذلكَ تَمامًا.
لِنَفتَح على سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّلَ والأصحاحِ السَّادِس عَشَر. وسوفَ أُريكُم عَدَدًا مِنَ الأمثلةِ الإيضاحِيَّةِ عن ذلكَ فيما نَتأمَّلُ فيها بإيجاز. سِفْر صَموئيلَ الأوَّلَ والأصحاح السَّادِس عَشَر. فَقَد جَاءَ صَموئيلُ كَيْ يَمْسَحَ الشَّخصَ الَّذي اختارَهُ اللهُ ليَكونَ المَلِكَ الجَديد. وسوفَ نُتابِعُ أحداثَ القِصَّةِ ابتِداءً مِنَ العَددِ الثَّاني عَشَر. فَقد وَصَلَ صَموئيلُ إلى بيتِ يَسَّى. وكانَ اللهُ قَد أشارَ إلى أحدِ أبناءِ يَسَّى. "فَأَرْسَلَ وَأَتَى بِهِ. وَكَانَ أَشْقَرَ مَعَ حَلاَوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ". والفِكرةُ هُنا هِيَ أنَّهُ كَانَ قَوِيًّا وَوَسيمًا. "فَقَالَ الرَّبُّ: «قُمِ امْسَحْهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ». فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قَرْنَ الدُّهْنِ وَمَسَحَهُ فِي وَسَطِ إِخْوَتِهِ. وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا".
إذًا، نَقرأُ هُنا عَنْ مَسْحِ دَاوُد بن يَسَّى ليكونَ مَلِكَ إسرائيلَ عِوَضًا عَن شَاوُل. وَكانَ شَاوُل قد حَصَلَ على المَسْحَةِ مِنْ رُوحِ الرَّبِّ. ولكِنَّ ذلكَ لا يُشيرُ إلى خَلاصِهِ شَخصيًّا أو إلى نُضْجِهِ الرُّوحِيِّ. وَقد حَلَّ رُوحُ الرَّبِّ على دَاوُد هُنا لِيَكونَ مَلِكًا؛ تَمامًا كَما أنَّ رُوحَ الرَّبِّ حَلَّ في الأصحاحِ السادِس عَشَر مِن سِفْرِ القُضاة على شَمْشون ليصيرَ قَاضِيًا لإسرائيل. فَقد تَمَّ ذلكَ مِن أجلِ حُكْمِ الشَّعبِ لكي يَتِمَّ تَنفيذُ مَشيئةِ الله. فالغَايَةُ مِنَ الكَلامِ هُنا هِيَ ليسَتِ الإشارة إلى رُوحَانِيَّةِ أيٍّ مِن شَاولَ أو دَاوُد. فَروحُ الرَّبِّ حَلَّ على شَاوُل لِكي يَصيرَ مَلِكًا ولكي يَتِمَّ تَنفيذُ مَشيئةِ اللهِ مِن خِلالِ ذلكَ المَلِك. وَقَد ذَكَرَ العَددُ الرَّابعُ عَشَر ذلك إذْ نَقرأُ: "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُل". فَلو أنَّ الأمرَ كَانَ يَختَصُّ بِخَلاصِهِ الشَّخصيِّ لَكانَ شَيئًا مُختلِفًا تَمامًا. ولكِنَّ النُّقطةَ هُنا هِيَ أنَّهُ عِندما حَلَّ الرُّوحُ على دَاوُد فإنَّهُ ذَهَبَ عَن شَاوُل لأنَّ حُلولَ الرُّوحِ وَذَهابَهُ فيما يَخْتَصُّ بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ مُرتَبِطٌ بِعَمَلِ كُلٍّ مِنهُما مَلِكًا على إسرائيل لكي يَتِمَّ تَنفيذُ مَشيئةِ اللهِ مِن خِلالِ حُكْمِهِما.
والآن، لاحِظوا العَدد 14: "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ". والنَّاسُ يَتساءَلونَ كيفَ يُمكِنُ لِروحٍ رَديءٍ أن يَأتي مِن عِندِ الرَّبّ! إنَّ هَذا لا يَعني أنَّ الرَّبَّ شِرِّير، ولا يَعني أنَّ الرُّوحَ الرَّديءَ كَانَ يَسكُنُ في حَضرةِ الرَّبِّ؛ بَل إنَّ كُلَّ مَا يَعنيه هُوَ أنَّ الشَّياطينَ لا تَستطيعُ أن تَعملَ إلاَّ إنْ سَمَحَ الرَّبُّ لَها بذلك. وعِندَما ذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِن عِندِ شَاوُل، كَأنَّ الرَّبَّ سَلَّمَهُ للشَّيطان. وَقد أَرسَلَ الشَّيطانُ رُوحًا رَديئًا قَويًّا جدًّا صَارَ مُرافِقًا دَائِمًا لِشاوُل. والكلمةُ "بَغَتَهُ" هي كلمةٌ يَكثُرُ استِخدامُها في العهدِ القديمِ ومَعناها: "يُرعِب" أو "يُعَذِّب". فَقد صَارَ مُعَذَّبًا مِنَ الشَّيطان. والعِبارةُ "مَسكونٌ بالشَّياطين" ليسَت عِبارةً كِتابيَّة. ومِنَ الأفضلِ أن نَستخدِمَ لَفظةً كِتابيَّةً لكي نَفهمَ مَا نَتحدَّثُ عنهُ بخصوصِ مَقاطِعِ الكتابِ المقدَّس. فقد صَارَ شاولٌ مُعَذَّبًا مِنَ الشَّيطان... مُعَذَّبًا مِنَ الشَّيطان.
فَعلى الرَّغمِ مِن أنَّ رُوحَ اللهِ حَلَّ عليهِ لِكي يَقومُ بِعَمَلِهِ بِصِفَتِهِ مَلِكًا فإنَّهُ كانَ مُتَسَرِّعًا في اتِّخاذِ القَرارات. فَقد كانت قَراراتُهُ الَّتي اتَّخَذَتها تَحتَ الضَّغطِ حَمْقاء. وَقَد كادَ وَاحِدٌ مِن قَراراتِهِ المُتَسَرِّعَةِ تِلكَ أن يَدَعَهُ يُنَفِّذُ حُكْمَ الإعدامِ بِحَقِّ ابنِهِ لأنَّهُ أَكَلَ عَسَلاً. فقد وَقَعَ ضَحِيَّةَ الكِبرياء. وَقدِ ازدَرَى بِسُلطَةِ صَموئيلَ، وأرادَ أن يَحْظَى بالسَّيطرةِ الكامِلَةِ، وأرادَ أن يَحصُلَ على كُلِّ الثِّقَةِ والاتِّكالِ والمَجدِ مِن كُلِّ الشَّعبِ عِوَضًا عن مُشاركةِ ذلكَ مَعَ أيِّ شخص. فقد كَانَ جَشِعًا. وَكانَ يَتَباهَى بِعَدَمِ عَدالَتِهِ في كُلِّ مَكان. وَقَدْ عَصَى اللهَ بِوَقاحَة. وَقد قَامَ بِدَوْرِ الكَاهِنِ وحاوَلَ أن يُخفي عِصْيانَهُ مِن خِلالِ إلبَاسِهِ عَباءَةً رُوحِيَّةً. فقد كانَ شِرِّيرًا جدًّا. لقد كانَ رَجُلاً شِرِّيرًا جدًّا.
ونَتيجة لذلك، تَرَكَهُ رُوحُ الرَّبِّ وَجاءَ رُوحٌ رَديءٌ لِبَثِّ الرُّعبِ في قَلبِ ذلكَ الرَّجُلِ إلى أنْ مَات. وفي الأصحاحِ الثَّامن عَشَر، نَقرأُ القَليلَ عن ذلك. فَقد كانَ دَاوُدُ يَذهبُ إلى حَيثُ يُوجَدُ شَاوُل. فقد كانَ دَاوُدُ هُوَ الَّذي يَعزِفُ على العُودِ لِشاوُل. وأنتُم تَعرِفونَ القِصَّة. وَقد عَيَّنَه شَاوُلُ على رِجالِ الحَربِ، ورَفَّعَهُ وأعطاهُ مَكانَةً بَارِزَةً. وَقَد انتصَروا في مَعْرَكَةٍ مُهِمَّةٍ وَقَتَلَ دَاوُدُ جُلْياتَ الفِلسطينيَّ (كَما جَاءَ في العَددِ السَّادس). وعندما عَادُوا: خَرَجَتِ النِّساءُ مِنْ جَمِيعِ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ عِندَما عَادَ الجَيشُ إلى أورُشَليم. وَقَدِ اسْتَقْبَلْنَ الجَيشَ بِالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ بِدُفُوفٍ وَبِفَرَحٍ وَبِمُثَلَّثَاتٍ. فَأَجَابَتِ النِّسَاءُ اللاَّعِبَاتُ وَقُلْنَ: "ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ".
ولم يَحْتَمِلْ شاوُلُ المُصابُ بِجُنونِ العَظَمَةِ ذلك. "فَاحْتَمى شَاوُلُ جِدًّا وَسَاءَ هذَا الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: «أَعْطَيْنَ دَاوُدَ رِبْوَاتٍ وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي الأُلُوفَ! وَبَعْدُ فَقَطْ تَبْقَى لَهُ الْمَمْلَكَةُ»". ومَعَ أنَّ دَاوُدَ كانَ قَدْ مُسِحَ بالزَّيْتِ فإنَّهُ لم يَكُن قَدِ اعْتلَى العَرشَ بَعد. وَقد خَافَ شَاوُلُ خَوفًا شَديدًا: "فَكَانَ شَاوُلُ يُعَايِنُ دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا. وَكَانَ فِي الْغَدِ أَنَّ الرُّوحَ الرَّدِيءَ مِنْ قِبَلِ اللهِ اقْتَحَمَ شَاوُلَ وَجُنَّ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ". وَيَبدو أنَّهُ رَاحَ يَقولُ كَلامًا غَريبًا. "وَكَانَ دَاوُدُ يَضْرِبُ بِيَدِهِ كَمَا فِي يَوْمٍ فَيَوْمٍ [لِتَهدِئَتِه]، وَكَانَ الرُّمْحُ بِيَدِ شَاوُلَ". فَقد كَانَ مُحارِبًا عَظيمًا، وَجَبَّارَ حَرْبٍ، ومَاهِرًا في رَمْيِ الرُّمْح. "فَأَشْرَعَ شَاوُلُ الرُّمْحَ وَقَالَ: «أَضْرِبُ دَاوُدَ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ». [سَوفِ أَضْرِبُهُ إلى الحَائِط]. فَتَحَوَّلَ دَاوُدُ مِنْ أَمَامِهِ مَرَّتَيْنِ". ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسع عَشَر والعَددِ التَّاسِع: "وَكَانَ الرُّوحُ الرَّدِيءُ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ عَلَى شَاوُلَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِهِ وَرُمْحُهُ بِيَدِهِ. وَكَانَ دَاوُدُ يَضْرِبُ بِالْيَدِ. فَالْتَمَسَ شَاوُلُ أَنْ يَطْعَنَ دَاوُدَ بِالرُّمْحِ حَتَّى إِلَى الْحَائِطِ، فَفَرَّ مِنْ أَمَامِ شَاوُلَ فَضَرَبَ الرُّمْحَ إِلَى الْحَائِطِ، فَهَرَبَ دَاوُدُ وَنَجَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ".
والآن، لَقد كانَ هَذا الرَّجُلُ مَرعوبًا بسببِ الشَّيطان. وَقِصَّةُ شَاوُلَ المُرتَعِب تَزدادُ سُوءًا. فَمَعَ أنَّهُ سُمِحَ للشَّيطانِ أن يَضْرِبَهُ، وَتَمَّ تَسليمُهُ للشَّيطانِ على الرَّغمِ مِن كَونِهِ تَحتَ رُوحِ الرَّبِّ، وعلى الرَّغمِ مِن كَونِهِ جُزءًا مِن شَعبِ اللهِ وَعَهْدِهِ سَواءَ كانَ مُؤمِنًا حَقيقيًّا أَم لا، فإنَّهُ اختَبَرَ الحِمايَةَ الَّتي كَانَ يَتمتَّعُ بها شَعبُ اللهِ. فقدِ اختبرَ الحِمايةَ النَّابِعَةَ مِنَ الوُجودِ في الإطارِ الَّذي يَسكُبُ فيهِ اللهُ بَرَكاتِهِ وَيُحَقِّقُ فيهِ وُعودَهُ. فقدِ اختَبَرَ حُضورَ رُوحِ الرَّبِّ بِصِفَتِهِ مَلِكًا. ولكِنَّهُ صَارَ الآنَ مَطرودًا. فقد ذَهَبَ عَنهُ رُوحُ الرَّبِّ. وَهُوَ وَحيدٌ ومَتروكٌ لِمَملكةِ الشَّيطان. وَقد صَارَ لا مَجنونًا وَحَسْب، وليسَ يَائِسًا وَحَسْب. فَهذا ليسَ اضطِرابًا نَفسيًّا، بل إنَّهُ صَارَ مَمْسُوسًا وخَاضِعًا لِهَيمنةِ قُوَّةٍ رُوحِيَّةٍ شِرِّيرةٍ وَشَرِسَةٍ وَوَضيعَةٍ قَادَتْهُ إلى الجُنونِ، والقَتلِ الجَماعِيِّ، وأعمالِ الظُّلمةِ، وأخيرًا إلى الانتحار. وقد قالَ "توماس مانتون" (Thomas Manton) الطُّهورِيُّ: "إبليسُ يُسَرُّ بِبَثِّ رُوحِ الخَوفِ الشَّديدِ في البَشَر. فإبليسُ يُجَرِّبُ النَّاسَ وَيَجعَلُهُم مُضْطَرِبين".
إذًا فقد سَلَّمَهُ الرَّبُّ إلى قُوَّةٍ شَيطانِيَّةٍ، لا بِقَصْدِ تَأديبِهِ تَحتَ سِيادَةِ اللهِ، وَلا بِقَصدِ تَعليمِهِ الاتِّضاعَ (مَعَ أنَّهُ لم يَكُن مُتَّضِعًا البَتَّة)، ولا لكي يَجعلَهُ يَتَّكِلُ عليهِ، وَلا لِكَي يُساعِدَهُ على تَثبيتِ آخرينَ، ولا لِكَي يُعطيهِ إكليلَ الحَياةِ، ولا لِكي يَجعلَهُ يُسَبِّحُهُ إلى أبدِ الآبِدين، بل لكي يُعاقِبَهُ ويَدينَهُ. وَقَد وَقَعَ مُباشَرَةً في أعمالِ الظُّلمَة. ثُمَّ إنَّهُ استَشارَ عَرَّافَةَ عَيْنِ دُور، وَانجَرَفَ وَراءَ الوُسَطاءِ الرُّوحِيِّينَ وأرواحِ الشَّياطين. وعندما عَادَ الرَّبُّ في صُورةِ الرُّوحِ في الأصحاحِ التَّاسع عَشَر وجَعَلَهُ يَتنَبَّأ، كانَ يَتصرَّفُ بطريقةٍ خَارِجَةٍ عنِ السَّيطرةِ إذْ إنَّهُ خَلَعَ ثِيابَهُ كُلَّها، وَانْطَرَحَ على الأرضِ عُريانًا في حَالَةٍ مُخزِيَةٍ جدًّا. والحَقيقةُ هي أنَّهُ لم يَعُد يَدري مَا يَفعل. وفي وَقتٍ لاحِقٍ، قَتَلَ شَاوُلُ مَجموعَةً مِنَ الكَهَنَةِ الأتقياء لأنَّهُم قَدَّمُوا طَعامًا لدَاودَ. ثُمَّ إنَّهُ أَنْهَى حَياتَهُ مُنْتَحِرًا. وَهذهِ، في الحَقيقةِ، حَالةٌ نَادِرَةٌ في كُلِّ حَوْلِيَّاتِ تَاريخِ بَني إسرائيلَ؛ ولكِنَّها ليست حَالة نَادِرَة في وَسْطِ الأشخاصِ الَّذينَ يُسَلَّمونَ للشَّيطان.
لِنَنظُر إلى إنجيل يُوحنَّا والأصحاحِ الثَّالث عَشَر. إنجيل يوحنَّا 13: 27. المَكانُ هُوَ العِلِّيَّة. والزَّمانُ هُوَ اللَّيلةُ الَّتي تَعَرَّضَ فيها يَسوعُ المَسيحُ للخِيانَة. والشَّخصُ الرَّئيسيُّ الَّذي نُريدُ أن نُرَكِّزَ عَليهِ هُوَ يَهوذا الإسخَريوطِيُّ بِنْ سِمْعان. يَهوذا الَّذي رَافَقَ المَسيحَ ثَلاثَ سَنَوات. يَهوذا الَّذي رَأى كُلَّ شَيءٍ صَنَعَهُ يَسوع، وسَمِعَ كُلَّ شَيءٍ قَالَهُ، وشَاهَدَ المُعجِزاتِ. يَهوذا الَّذي لم يَتمكَّن مِن إنكارِ حَقيقةِ المَسيح. يَهوذا الَّذي لم يَتمكَّن مِن إنكارِ كَمالِ المَسيحِ وَلا قُوَّةِ المَسيحِ؛ ولكِنَّهُ رَفَضَ كُلَّ شَيء. ونَقرأُ في العَدد 27 واحدةٍ مِن أكثرِ الجُمَلِ المُحزِنَةِ في الكتابِ المقدَّسِ: "فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ..."؛ أيْ بَعْدَ أنْ أَخَذَ تلكَ القِطعَةَ مِنَ الخُبْزِ المَغموسَةِ في الصَّحْنِ (كَما كَانَتِ العَادَةُ في وَليمةِ عيدِ الفِصْحِ) "...دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ". فَقد كانَ جَدْوَلُ اللهِ مُعَدًّا مُسَبَّقًا. وقد سَلَّمَ اللهُ يَهوذا للشَّيطان.
لقد كانَ جُزءًا مِن جَماعَةِ الرُّسُل. وَقد كَانَ مَحْمِيًّا مِن كُلِّ سَخَطِ عَالَمِ الشَّيطانِ بسببِ الحِمايةِ المُتاحَةِ لتلكَ المَجموعةِ الَّتي بَاركَها اللهُ جدًّا بِحُضورِ ابنِهِ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح. ولكنَّهُ صَارَ الآنَ خَارِجَ تلكَ المَجموعة. وقد سُلِّمَ للشَّيطان. فقد دَخَلَهُ الشَّيطانُ. وَقَد قالَ يَسوعُ لَهُ: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ". "افعَل ذلكَ بِسُرعَة". وفي إنجيل لوقا 22: 3، يُعَبِّرُ النَّصُّ عَن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّاليةِ الَّتي تُساعِدُكُم أكثر على الفَهم: "فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ. فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ. فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً".
وقد خَرَجَ يَهوذا بِتَحفيزٍ مِنَ الشَّيطانِ، وبَاعَ يَسوعَ المَسيحَ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ على ذلكَ فخَرَجَ وَوَضَعَ حَبْلاً حَوْلَ عُنُقِهِ وَشَنَقَ نَفسَهُ. وقدِ انقطعَ الحَبلُ أوِ انكَسَرَ الغُصنُ فسقطَ وارتَطَمَ جَسَدُهُ بِصَخرةٍ فانسَكَبَتْ أحشاؤُهُ كُلُّها. لقدِ انَتَحَرَ كَما فَعَلَ شَاوُل. فقد سُلِّمَ للشَّيطان، وَطُرِدَ مِن ذلكَ المَلاذِ الآمِنِ الَّذي يُوَفِّرُ الحِمايَة. وأعتقدُ أنَّ شَاوُلَ يَرِمزُ إلى غيرِ المُؤمِنِ الَّذي تَبارَكَ بالوُجودِ في وَسْطِ شَعبِ اللهِ المَوعود. ويَهوذا يَرمِزُ إلى الشَّيءِ نَفسِه. ولكِنَّهُما طُرِدَا وَتَعَرَّضَا للدَّينونَةِ بسببِ شَرِّ قَلبيهِما.
لِنَفتَح على سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الخَامِس... على سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الخَامِس: "وَرَجُلٌ [في العَددِ الأوَّلِ] اسْمُهُ حَنَانِيَّا، وَامْرَأَتُهُ سَفِّيرَةُ، بَاعَ مُلْكًا". وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُما وَعَدا الرَّبَّ بأنَّهُما سَيُقَدِّمانِ لَهُ كُلَّ المَبلغِ الَّذي سَيَحصُلانِ عليهِ مِن بَيعِ ذلكَ الحَقْل – مِئَة بالمِئَة. ولكِنَّهُما احتَفَظا بجُزءٍ مِنَ المَبلغ. لِذا فقد كَذَبَا على الرُّوحِ القُدُس. فقد جَاءا وتَظاهَرا بأنَّهُما قَدَّما كُلَّ المَبلَغ وَوَضَعاهُ عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُل. ولكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ نَبَّهَ بُطرسَ إلى كَذِبِهِما. لِذا فقد قالَ بُطرسُ لِحَنانِيًّا: "لِمَاذَا [اسمَعوا مَا يَلي] مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ؟" فعِندما كَذَبَ على رُوحِ اللهِ كانَ ذلكَ بسببِ نِيَّتِهِ الشِّرِّيرَةِ الَّتي أَدَّتْ إلى تَسليمِهِ للشَّيطان.
والآن، لا أَعتقدُ أنَّهُ يُوجَدُ أيُّ سَبَبٍ للافتراضِ بأنَّ هَذا الرَّجُلَ لم يَكُن مُؤمِنًا. فقد كَذَبَ على الرُّوحِ القُدُسِ. ولا يُمكِنُ لأحدٍ غيرِ المُؤمِنينَ أن يَتخاطَبوا مَعَ الرُّوحِ القُدُس. فقد كَذَبَ على الرُّوحِ القُدُس. ونَقرأُ النَّتيجَةَ في العَددِ الخَامِس: "فَلَمَّا سَمِعَ حَنَانِيَّا هذَا الْكَلاَمَ وَقَعَ وَمَاتَ". وأعتقدُ أنَّ الرَّبَّ سَلَّمَهُ للشَّيطانِ، وأنَّ الشَّيطانَ مَلأَهُ، وَأنَّ الشَّيطانَ قَتَلَهُ. "ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ مُدَّةِ نَحْوِ ثَلاَثِ سَاعَاتٍ، أَنَّ امْرَأَتَهُ دَخَلَتْ، وَلَيْسَ لَهَا خَبَرُ مَا جَرَى". فَقد دَخَلَتْ وَتَكَرَّرَتِ القِصَّةُ نَفسُها إذْ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجًا. فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ. فَدَخَلَ الشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجًا وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا. فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى [الجَميع]".
إذًا، نَقرأُ هُنا عَن مُؤمِنَيْنِ كَذَبا على الرُّوحِ القُدُسِ. وَقد سُلِّما للشَّيطان. والشَّيطانُ [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّينَ] هُوَ الَّذي لَهُ سُلطانُ المَوت. فهُناكَ أوقاتٌ يُسَلِّمُ فيها اللهُ الأشخاصَ للشَّيطانِ كَي يَستخدِمَ ذلكَ السُّلطان. وفي تلكَ الحَالةِ، هَذا هُوَ ما حَدَث. فقد سَلَّمَهُ لَهُ بسببِ الخطيَّة. وفي حَالَةِ يَهوذا (الَّذي كَانَ غيرَ مُؤمِنٍ)، وفي حَالةِ شَاوُل (الَّذي كانَ على الأرجَحِ غيرَ مُؤمِنٍ)، وفي حَالةِ حَنانِيَّا وسَفِّيرة (اللَّذانِ كَانا مُؤمِنَيْن)، تَمَّ تَسليمُهما للشَّيطانِ مِن أجلِ تَأديبِهم. وقد تَقول: "هَل ذَهَبوا إلى جَهَنَّم؟" لا، بَل ذَهَبوا إلى السَّماءِ إن كَانُوا مُؤمِنينَ حَقيقيِّينَ؛ ولكِنَّ الدَّينونَةَ كانت على الرَّغمِ مِن ذلكَ قَاسيةً جدًّا وجَعَلَتِ الآخرينَ يَخافونَ جدًّا.
إذًا، هُناكَ أشخاصٌ في إطارِ الجَماعَةِ المَحميَّةِ يُمكِنُ تَسليمُهم للشَّيطانِ لا بِقَصْدِ تَعليمِهم حَقًّا عَظيمًا، ولا بِقَصْدِ جَعلِهم يَتواضَعونَ، ولا بِقصدِ تَثبيتِ آخرينَ، ولا بِقصدِ الحُصولِ على مُكافأةٍ مَا، ولا بِقصدِ التَّسبيحِ الأبديِّ، بَل بِقصدِ الدَّينونَة.
لِنَفتَح على الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الخَامِس. الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاح الخَامِس. وَهَذا مَقطَعُ مَعروفٌ لَديكُم. "يُسْمَعُ مُطْلَقًا..." [في العَددِ الأوَّل]. فَهَذا شَيءٌ شَائِعٌ مَعلومٌ لَدى الجَميع. فَبُولسُ يَقولُ: "لَقد سَمِعتُ ذلكَ لا مِن مَصدرٍ واحِدٍ، بل مِن مَصادِرَ عَديدة: أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى!" وَهِيَ تَرجمةٌ للكلمةِ "بورنيا" (porneia) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "بورنوغرافي" (pornography). "يُسْمَعُ مُطْلَقًا أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى!" وَهَذِهِ كَنيسةٌ يا أحبَّائي. فهذهِ هيَ الكنيسةُ في كُورِنثوس. وَقد كَانُوا يَفتَخِرونَ قَائِلينَ: "أَنَا لِبُولُسَ...أَنَا لأَبُلُّوسَ... أنا لِصَفا... أنا للمَسيح". وَقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُم مُلوكٌ، ويَظُنُّونَ أنَّهُم يَعرِفونَ كُلَّ الإجاباتِ. إنَّها كَنيسَة. "وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ".
ومَا نَوعُ هَذا الزِّنَى؟ إنَّهُ سِفاحُ القُرْبَى. فَقد كانَ هُناكَ شَخصٌ يَزنِي مَعَ زَوجَةِ أبيه. وهُناكَ شَيئانِ يَنبغي أن تَعرفوهُما بهذا الشَّأن. فَحقيقةُ أنَّ النَّصَّ يَستخدِمُ الكلمةَ "زِنَى" وليسَ الكلمة "فِسْق" تَجعلُنا نَعتقدُ أنَّها خَطِيَّةٌ كانَت تَحدُثُ خَارِجَ إطارِ الزَّواج. لِذا فإنَّ العِبارَةَ "امرأةَ أبيهِ" تُشيرُ إلى أنَّها كَانت زَوجَةَ أبيه؛ وإلاَّ لَكانَ النَّصُّ استَخدَمَ الكلمة "أُمَّهُ"؛ أيْ لَكانَ يُمارِسُ الجِنسَ مَعَ أُمِّهِ. ولكِنَّ العِبارةَ "امرأةَ أبيهِ" تَعني هُنا "زَوجَةَ أبيه". والكلمةُ "زِنَى" تُشيرُ إلى حُدوثِ تلكَ الخَطيَّةِ خَارِجَ إطارِ الزَّواج. لِذا فقد كانَ هذا الابنُ يَزني مَعَ زَوجَةِ أبيه. وَقَدِ انتَهى الأمرُ بأنْ طَلَّقَها أَبوهُ، وَأنَّ ذلكَ الزِّنَى اسْتَمَرَّ خَارِجَ إطارِ الزَّواجِ بعدَ الطَّلاق. فَهذا شَيءٌ مُحتَمَلٌ جدًّا. ورُبَّما لم تَكُن تلكَ المَرأةُ في الكَنيسة.
ولكِن عِوَضًا عن أن تَفعلَ الكَنيسةُ شَيئًا بشأنِ هذهِ العَلاقةِ المُحَرَّمَةِ الَّتي رُبَّما أدَّتْ إلى الطَّلاقِ، والَّتي رُبَّما كَانَتْ مُستمرَّةً معَ تلكَ المَرأةِ الخَاطئةِ، وَما إلى ذلك، عِوَضًا عَن أن يَفعلوا شَيئًا بهذا الشَّأنِ، نَقرأُ في العَددِ الثَّاني: "أَفَأَنْتُمْ مُنْتَفِخُونَ، وَبِالْحَرِيِّ لَمْ تَنُوحُوا حَتَّى يُرْفَعَ مِنْ وَسْطِكُمُ الَّذِي فَعَلَ هذَا الْفِعْلَ؟" فَقد كانَ يَنبغي لَكُم أن تَطرُدوه. بعبارةٍ أخرى: كانَ يَنبغي أن تُسَلِّموهُ للشَّيطان. اطرُدوهُ مِنَ الكنيسةِ، ولا تَسمَحوا لَهُ أن يَتمتَّعَ بحِمايةِ الكنيسة. وَقد تَقول: "هَل هَذا مُؤمِن؟" أعتقدُ أنَّهُ كَذلكَ كَما سَنَرى.
فبولسُ يَقولُ في العَددِ الثَّالثِ: "فَإِنِّي أَنَا كَأَنِّي غَائِبٌ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ حَاضِرٌ بِالرُّوحِ، قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الَّذِي فَعَلَ هذَا". صَحيحٌ أنِّي لَستُ حَاضِرًا، ولكِنِّي أعلَمُ مَا يَنبغي عَمَلُه. صَحيحٌ أنِّي لستُ حَاضِرًا، ولكنِّي أعلَمُ تَمامًا كيفَ يَنبغي أن تُعامِلوا ذلكَ الشَّخص. لَقد أَصْدَرْتُ حُكْمي، وَهُوَ على النَّحوِ التَّالي: "بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ إِذْ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ". مَا الَّذي يَقصِدُهُ بذلك؟ اطرُدوه. هَذا هُوَ المَوضِعُ الوَحيدُ الَّذي تُستخدَمُ فيهِ تلكَ العِبارةُ الوَارِدَةُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 1: 20. سَلِّموهُ للشَّيطان. وَهَذا يَعني أن يَطرُدوهُ خَارِجَ الكَنيسة. لا تَسمَحُوا لَهُ أن يَتَمَتَّعَ بِحمايَةِ الكَنيسة.
وَبِحَسَبِ كَلماتِ مَتَّى 18، بَعدَ أن تَتَّخِذَ كُلَّ الإجراءاتِ اللاَّزِمَةِ بأنْ تَذهبَ إليهِ وتُعاتِبَهُ بينَكَ وَبينَهُ، ثُمَّ بأنْ يَذهبَ إليهِ اثنان أو ثَلاثَة، ثُمَّ بأنْ تَذهبَ إليهِ الكَنيسة، فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ؛ أيْ كَشَخصٍ مِنَ الخَارِج. اطرُدوهُ خَارِجًا. وَهَذا يُذَكِّرُنا أيضًا بِما جاءَ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ تَسالونيكي 3: 6: "أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ". ثُمَّ في العَدد 14: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ"؛ أيْ: أخرِجوهُ خَارِجًا. سَلِّموهُ للشَّيطان. فَهذا هُوَ التَّأديبُ الكَنَسِيُّ عندما يَبلُغُ مَداه. لِذا، عِندما نَأتي إلى خِدمةِ المَائدةِ وَنَجتمعُ معًا (كَما جاءَ في العَددِ الرَّابع)، عندما نَجتمعُ معًا كما نَفعلُ في هذا المَساءِ حَولَ المَائدةِ، إنْ كانَ هُناكَ تأديبٌ فإنَّهُ يَتِمُّ حِينئذٍ. فَنحنُ نُخرِجُ هَؤلاءِ الأشخاصَ خَارِجًا.
ولكنِّي لاحَظْتُ طَوالَ خِدمَتي أنَّ هُناكَ أشخاصًا لا نَعلَمُ حَتَّى أنَّ الرَّبَّ طَرَدَهُم. وأنا أتساءَلُ غَالبًا عن سَببِ اختفاءِ أشخاصٍ مُعَيَّنينَ وعَدَمِ مَجيئِهم إلى الكَنيسةِ لوقتٍ طَويل. ثُمَّ أسمَعَ عن الطَّريقةِ المَأسَوِيَّةِ الَّتي آلَتْ إليها حَياتُهم سَواءَ مِن خِلالِ مُشكلةٍ زَوجيَّةٍ، أو فَسادٍ أخلاقِيٍّ، أو سُكْرٍ، أو غَيرِ ذلك. وأنا أُدركُ أنَّ مَا لم نَكُن نَعلَمُهُ كَانَ مَعلومًا لَدى اللهِ، وَأنَّ ما لم نَتمكَّن مِن تَطهيرِهِ طَهَّرَهُ اللهُ.
فَهُوَ يَقولُ: "اطرُدوهُم". "لَيْسَ افْتِخَارُكُمْ حَسَنًا. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟" لا يُمكِنُكم أن تَسمَحوا بِحدوثِ شَيءٍ كَهذا في الكنيسة. نَقُّوهَا. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددَيْن 9 و 10: "كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ... أَوِ الطَّمَّاعِينَ، أَوِ الْخَاطِفِينَ، أَوْ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ... وَلَيْسَ مُطْلَقًا زُنَاةَ هذَا الْعَالَمِ، وَإِلاَّ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الْعَالَمِ! وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا".
ونَقرأُ في نِهايةِ العَدد 13: "فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ". سَلِّموهُم للشَّيطان. والآن، ارجِعُوا إلى العَددِ الخَامِس: "عِندَما تُسَلِّموهُم لِلشَّيْطَانِ فإنَّكُم تَفعلونَ ذلكَ لِهَلاَكِ الْجَسَد". هَل تَعلمونَ ذلك؟ إنَّهُ لِهَلاكِ الجَسَد. مَا مَعنى ذلك؟ قَد يَعني ذلكَ أمورًا كَثيرةً: جَلْطَةً قَلبيَّةً، سَرَطانًا. وقد رَأيتُ ذلك. أو أمراضًا تَناسُلِيَّةً، أو نَقصَ المَناعَةِ المُكتَسَبَة (الإيدز)، أو قَد يَعني التَّعَرُّضَ لِلخِيانَةِ الزَّوجِيَّة، أو انهِدامَ العَائِلَةِ، أو قد يَعني مَرَضَ أَحَدِ أفرادِ العِائلة. اسمَعوني، مَا الَّذي حَدثَ لأيُّوب عندما سُلِّمَ للشَّيطان؟ لقد حَدَثَتْ لَهُ كُلُّ هَذهِ الأشياء. وقد يَعني ذلكَ فُقدان الوَظيفة، أو فُقدانَ المِهنَة. فعندما تُسَلَّم للشَّيطان، لا يُمكِنُكَ أن تَتخيَّلَ مَا قَد يَحدُث. ولكنِّي أعتقدُ أنَّنا نَتغَاضَى عَن حَقيقةِ أنَّ هَذا قَد يَعني أمورًا أكثرَ بكثير مِن تلكَ الَّتي نُقِرُّ أو نَعتَرِفُ بِها. فَنحنُ نَنْسِبُ أمراضًا وكَوارِثَ كَثيرة إلى أشياءٍ أخرى مَعَ أنَّها تَنتَمي إلى هذهِ الفِئَةِ هُنا: هَلاك الجَسَد.
لاحِظوا أنَّ الهَلاكَ مَحدود. فقد كانَ مَحدودًا بالنِّسبةِ إلى أيُّوب، وكانَ مَحدودًا بالنِّسبةِ إلى بُولُس، وكانَ مَحدودًا بالنِّسبةِ إلى بُطرسَ، وَهُوَ مَحدودٌ هُنا. فالشَّيطانُ يَستطيعُ فقط أن يُهْلِكَ جَسَدَهُ؛ ولكِنَّ رُوحَهُ ستَخلُصُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوع. وَهَذا هُوَ ما يَدفعُني إلى الاعتقادِ بأنَّ الشَّخصَ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ هُنا كانَ مُؤمِنًا. وكذلكَ هِيَ الإشارةُ إلى الأخِ في العَددِ الحَادي عَشَر. فَلا يُمكِنُ لإبليسَ أن يُهْلِكَ رُوْحًا تَنتمي إلى اللهِ، ولكِنَّهُ يَستطيعُ بِكُلِّ تَأكيدٍ أن يُهْلِكَ عَالَمَهُ الجَسَدِيَّ أو حَياتَهُ الجَسديَّة. فَهذا الأمرُ يُمكِنُ أن يَحدُث.
لِذا، يَجِبُ عليكَ أن تَتَجَنَّبَ التَّسليمَ للشَّيطانِ لتأديبِكَ. وأريدُ أن أُريكُم مَقطعًا آخرَ يَتحدَّثُ عن هذا الأمر في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحِ الثَّاني. والحَديثُ هُنا هُوَ عَن كَنيسة. فهي كَنيسة. إنَّها الكَنيسةُ في مَدينةِ ثِياتِيرا في أَسِيَّا الصُّغرَى. فعندَ الكِتابةِ إلى الكنيسةِ يَقولُ الرَّبُّ يَسوعُ: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ [في العَدد 19] وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى". أيْ أنا أَعلمُ أنَّكِ كَنيسةٌ مُنْهُمِكَةٌ جدًّا في الخِدمة، ونَشِطَةٌ جدًّا. "لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ..." [وَهِيَ قَد لا تَكونُ امرأةً تَحْمِلُ اسمَ إيزَابَل، بَل مِنْ نَوْعِها؛ أيْ أنَّها امرأة وَثنيَّة تُبغِضُ اللهَ]. "...الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَان".
فَقد جَاءت هذهِ المرأةُ وَقَادَتْ تلكَ الكَنيسةَ إلى الفَسادِ الأخلاقِيِّ والتَّعليمِ المُضِلّ. وَهُوَ يَقول: "وَأَعْطَيْتُهَا [هِيَ وَأتباعَها بِكُلِّ تَأكيدٍ] زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ". فَسادٌ أخلاقِيٌّ وَعَقيدةٌ زَائِفَة. ولأنَّها لم تَتُب: "هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ". والمَعنى الضِّمنِيُّ هُوَ التَّالي: حَسَنًا، إن كانَت تُريدُ أن تَكونَ في الفِراشِ، سَوفَ أُلقيها في الفِراشِ. أجل، سَوفَ أُلقيها في الفِراشِ مَعَ الشَّيطان. هَذا هُوَ ما سَأفعلُهُ. "وَالَّذِينَ يَزْنُونَ مَعَهَا فِي ضِيقَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ كَانُوا لاَ يَتُوبُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ. فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. وَلكِنَّنِي أَقُولُ لَكُمْ وَلِلْبَاقِينَ فِي ثِيَاتِيرَا [لاحِظُوا هَذا]، كُلِّ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هذَا التَّعْلِيمُ [أيِ الَّذينَ لا يَتبَعونَ إيزَابَل]، وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ". فَهُوَ يُبايِنُ بينَ أولئكَ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ والمُطيعينَ وبينَ أولئكَ الَّذينَ طُرِحُوا في فِراشِ الضِّيقِ والزِّنَى لأنَّهُم يَعرِفونَ أعماقَ الشَّيطان. فَقد طَرَحَهُم حَرفِيًّا إلى أعماقِ الشَّيطان. يا لَها مِن جُملة! يا لها مِن جُملَة! فَكِّروا في ذلك. فَقد سُلِّمُوا للشَّيطان.
والآن، يَجِب علينا أن نَحذرَ جدًّا. فأنتُم أيُّها الأشخاصُ غَيرُ المُؤمِنينَ المَوجودونَ في الكَنيسةِ، والَّذينَ تَأتونَ لِغايَةٍ أو أُخرى مُعَرَّضُونَ لِخَطرِ التَّسليمِ للشَّيطانِ للدَّينونةِ الأبديَّة. أمَّا الأشخاصُ المُؤمنونَ الَّذينَ يَعْصُونَ الرَّبَّ أو يَنجَرِفونَ وَراءَ التَّعاليمِ المُضِلَّةِ أوِ الفَسادِ الأخلاقِيِّ فَهُمْ مُعَرَّضونَ للتَّسليمِ للشَّيطانِ بِقِصْدِ تَأديبِهم. وَهَذا قَد يُؤدِّي إلى كُلِّ أنواعِ الأمراضِ الجَسديَّةِ والمَصائِبِ الأخرى المُشارُ إليها في كُلِّ هذهِ النُّصوصِ، وَقد يُؤدِّي أيضًا إلى المَوتِ نَفسِهِ. فَكما تَرَوْنَ، لَقد قالَ بُطرسُ إنَّ إبليسَ يَجولُ كَأسَدٍ زَائِرٍ مُلتَمِسًا مَاذا؟ مَنْ يَبْتَلِعُهُ (أوْ يَفتَرِسُهُ، أو يَأكُلُهُ). وعندما تُسَلَّمُ للشَّيطانِ فإنَّكَ تُسَلَّمُ لِقُوَّتِهِ الفَتَّاكَة.
والآن، تَذْكُروا: مَا الَّذي يَقولُهُ بُولُس؟ لِنَرجِع إلى الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس. وأعتقدُ أنَّنا فَهِمْنا المَقصودَ هُنا الآن. فَما الَّذي يَعنيهِ هُنا عِندما يَقولُ: "الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ، اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَان"؟ مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُما لم يَكونا مُؤمِنَيْنِ لأنَّهُم أَفْسَدا الإنجيل. وَقد سَلَّمَهُما للشَّيطانِ لكي يَعرِفا عَواقِبَ التَّجديف. والآن، نَحنُ لا نَعرِفُ إنْ كانَ المَقصودُ بذلكَ هُوَ أنْ يَموتَا، أو أنْ يُصَابَا بِمَرَضٍ مَا، أو أنْ يَخسَرَا كُلَّ أملاكَهُما، أو أن يَخسَرا كُلَّ شَيءٍ لَديهِما. ولكِنَّهُ كانَ أيَّ دَمارٍ يُريدُ الشَّيطانُ أن يُلْحِقَهُ بِهِما في الإطارِ الَّذي يَسْمَحُ بِهِ اللهُ لَهُ بإلحَاقِه.
ولكِنَّ بُطرسَ يَقول: "انظُر يا تيموثاوس. يجبُ عليكَ أن تَخوضَ هذهِ المَعركَةَ القِيادِيَّةَ في الكنيسَة. أَتَذكُرُ مَا قُلتُهُ لَكَ في البِداية؟ فَهُناكَ مَسؤوليَّة وَمُساءَلَة على عَاتِقِكَ أمامَ الكَنيسة (في العَدد 18). وَهُناكَ مَسؤوليَّة وَمُساءَلَة على عَاتِقِكَ أمامَ الرَّبِّ (في العَدد 19): ’وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ‘. والآن، هُناكَ مَسؤوليَّة وَمُساءَلَة على عَاتِقِكَ كَي تَتَصَدَّى للعَدُوّ. وقد ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلاً على ذلك. فَما فَعَلتُهُ أنا بَهَذَيْنِ الشَّخصَيْنِ يَنبغي أن تَفعلَهُ أنتَ بالأشخاصِ الَّذينَ يُفْسِدونَ الكَنيسةَ بالتَّعليمِ البَاطِلِ والفَسادِ الأخلاقِيِّ".
والآن، لِنَنظُر إلى العَدد 19 ونَرى ما يَقولُهُ عَنهُما. فَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "قَوْم"... "قَوْم". فَهُم يَنْتَمونَ إلى "القَوْمِ" المَذكورينَ في الأعداد 3 و 6 و 7. فَقَدْ كَانُوا رُعاةً في الكَنيسَةِ في أفسُس ورُبَّما في الكَنائسِ المُجاورةِ. وَكانُوا يُعَلِّمونَ تَعليمًا مُضِلاًّ. وَهُوَ يُشيرُ إلى هَؤلاءِ الرُّعاةِ قَائِلاً: "الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ". والكلمة "الَّذي" تُشيرُ إلى الضَّميرِ الصَّالِح. فَهُم لا يُبالونَ بالضَّميرِ الصَّالِح. هَل تَذكُرونَ مَاذا قُلتُ لَكُم؟ أنَّ اللاَّهوتَ الرَّديءَ يَنْجُمُ عَنْ أخلاقٍ رَدِيئَة. فَعَقيدةُ الإنسانِ تُعَبِّرُ دَائِمًا عَن أخلاقِهِ. وعِندَما يَرفُضُ النَّاسُ الحَقَّ الَّذي تُعلِمُهُ كلمةُ اللهِ فإنَّهُم يَفعلونَ ذلكَ لأنَّهُم يُريدونَ نِظامًا بَديلاً يُوافِقُ رَغبَتَهُم في اقترافِ الخَطيَّة. لِذا، هُناكَ أشخاصٌ لا يُبدونَ أيَّ اهتِمامٍ بالضَّميرِ الصَّالِح. فَهُم لا يُبالونَ بذلكَ البَتَّة.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَقولُ: "الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ" – "الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ". والكلمة "أبوثيئو" (apotheo) هي كلمة قَويَّة جدًّا وتُشيرُ إلى الرَّفضِ الشَّديد. فهي تَعني أن تَرفُضَ بِعُنف. فَهُم لا يُريدونَ ذلكَ البَتَّة. إنَّهُم لا يُريدونَ الضَّميرَ الصَّالِحَ. وَهُم لا يُريدونَ أن يَعيشوا بِقداسَة. وَهُم لا يُريدونَ أن يَعيشوا بِطَهارَة؛ بَل يُريدونَ أن يَعيشوا لأجلِ شَهَواتِهم، ولأجلِ نَجاحِهِم، وَلأجلِ إشباعِ أنفسِهم. ونَتيجة لذلك، عندما رَفَضوا الضَّميرَ الصَّالِحَ: "انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا". فكأنَّكَ تُفْلِتُ دَفَّةَ السَّفينةِ وتَصيرُ تَحتَ رَحْمَةِ الرِّيحِ وأمواجِ البَحر. فقد كَانُوا يَعترِفونَ بِألسِنَتِهم أنَّهُم مَسيحيُّونَ ورُعاةٌ ومُعَلِّمونَ لِشَريعَةِ اللهِ؛ ولكِنَّهُم لم يَكونوا يُبالونَ البَتَّة بالطَّهارةِ، ولا يُكَرِّسونَ أنفسَهُم للقَداسَة. فقد كَانُوا يَخْلُونَ تَمامًا مِنْ أيِّ حَقٍّ. وقد انكَسَرَتْ بِهِم السَّفينَةُ مِن جِهَةِ الإيمانِ لأنَّ الحَقَّ لا يَنْشَأ مِنْ قَلبٍ فَاسِدٍ أخلاقِيًّا.
لا! فالضَّميرُ الفَاسِدُ والضَّلالُ يَسيرانِ دائمًا جَنبًا إلى جَنب. ففي الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوسَ والأصحاحِ الثَّاني، نَجِدُ مُلاحظةً يَنبغي أن تُقارَنَ بِذلك. فنحنُ نَقرأُ: "وَكَلِمَتُهُمْ تَرْعَى كَآكِلَةٍ". فَهِيَ تَقتُل. "الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ [وَهَا هُوَ يُذْكَرُ هُنا مَرَّةً أخرى؛ ولكِنَّهُ يُذكَرُ هُنا مَعَ شَخصٍ آخر] وَفِيلِيتُسُ، اللَّذَانِ زَاغَا عَنِ الْحَقِّ" – "اللَّذَانِ زَاغَا عَنِ الْحَقِّ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 19: "وَلْيَتَجَنَّبِ الإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ". لِذا فإنَّنا نَرى الضَّلالَ والإثْمَ مَرَّةً أخرى. فَهذانِ الرَّجُلانِ زَاغَا عَنِ الحَقِّ. أمَّا أنتَ فَلا تَزِغْ عَنِ الحَقِّ، بل تَجَنَّبِ الإثم. فالأساسُ الَّذي يَنبُعُ مِنهُ الضَّلالُ، أوِ التُّربَةُ الَّتي يَنْبُتُ مِنها الضَّلالُ هِيَ تُربَةُ الفَسادِ الأخلاقِيِّ. إذًا، لَم يَكُن هَذانِ الرَّجُلانِ يُبالِيانِ البَتَّة بالضَّميرِ الصَّالِحِ، بَل كَانَا يُباليانِ فقط بالشَّرّ. لِذا فقد تَرَكا دَفَّةَ السَّفينَةِ (أيِ الضَّميرَ الَّذي يُرشِدُهُما)، وَصَارا تَحتَ رَحْمَةِ الرِّياحِ وأمواجِ البَحرِ فانكَسَرَتْ بِهِما السَّفينَةُ مِن جِهَةِ الإيمان.
وَقَدْ عُرِفَ اسْمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إلى الأبد. فالأوَّلُ هُوَ "هِيمِينَايُس" المَذكور أيضًا (كَما قَرأتُ قَبلَ قَليل) في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 2: 17؛ ولكِنَّنا لا نَعرِفُ أيَّ شَيءٍ عَنهُ سِوى أنَّ اسْمَهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْن. وَهُناكَ أيضًا "الإِسْكَنْدَر". وَهُناكَ شَخصٌ يَدعَى "إسكَندر" في الرِّسالَةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 4: 14-15. وَهُوَ اسمٌ يَرِدُ أيضًا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 19: 33-34. وَلا يُوجَد سَبَبٌ يَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّهُما نَفسُ الشَّخصِ لأنَّ هَذا الاسمَ كانَ شَائعًا على غِرارِ اسمِ "جون" (John) اليوم. فقد كانَ اسمًا شَائِعًا جدًّا جدًّا. إذًا، نَحنُ نَقرأُ هُنا عَن رَاعِيَيْنِ بَارَّيْنِ في أَعيُنِهِما، وَمُفْتَخِرَيْنِ، ويُريدانِ أن يَكونَا مُعَلِّمَيِّ نَاموسٍ بَارِزَيْنِ؛ ولكِنَّهُما لم يَكونا يَعلَمَانِ أيَّ شَيءٍ عَمَّا يَتحدَّثانِ عَنهُ؛ بَل كَانا يُرَكِّزانِ على الأساطيرِ والأنسَابِ والقِصَصِ الخَياليَّةِ والمَنطِقِ البَشرِيِّ عِوَضًا عَنِ التَّركيزِ على إعلانِ اللهِ. وَكانَا يَعيشانِ حَياةً بَشِعَةً تَفتَقِرُ إلى الأخلاق.
وبُولسُ يَقول: لَقد طَرَدتُهُما. وَهَذا هُوَ النَّموذَجُ يا تيموثاوُس. فإن أردتَ أن تَكونَ جُندِيًّا صَالِحًا تُجاهِدُ الجِهادَ الحَسَنَ، يَنبغي لكَ أن تَفهمَ مَسؤوليَّتَكَ تُجاهَ الكَنيسةِ، وَأنْ تَفهَمَ مَسؤوليَّتَكَ تُجاهَ الرَّبِّ، وأنْ تَفهَمَ مَسؤوليَّتَكَ في التَّصَدِّي للعَدُوِّ". والآن، عندما يَقولُ: "اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ" فإنَّهُ يَعني بذلكَ: "لَقَد طَرَدْتُهُما مِنَ الكَنيسة". لَقَد طَرَدتُهُما. لَقَد حَرَمْتُ هَذَيْنِ الشَّخصَيْنِ الخَاطِئَيْنِ مِنَ الحِمايَةِ والوِقايَةِ الَّتي يَتمتَّعُ بِهِما شَعبُ الله. وَقَد وَضَعْتُهُما تَحتَ سُلطانِ إبليسَ بِمَنأى عَنْ كُلِّ التَّأثيراتِ الصَّالِحَةِ والتَّقِيَّة". لِماذا؟ لِكي يَتَعَلَّما أنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يُجَدِّفَ على الرَّبِّ وأنْ يَنْجُو بِفِعْلَتِهِ. والكلمة "يُؤَدَّبَا" ("بايدُوُو" – "paideuo") تَعني: "يَتَعَلَّم مِن خِلالِ العِقاب" – "يَتَعَلَّم مِن خِلالِ العِقاب". وهي كلمة مُهِمَّة جدًّا. فهي تُستخدَمُ في إنجيل لوقا 23: 16 و 22 وَتُتَرجَمُ: "يُؤدِّب". وَهِيَ تُستخدَمُ للإشارةِ إلى الجَلْداتِ الَّتي تَعَرَّضَ لها المَسيح. وَهِيَ تَعني أن تُعَلِّمَ أو تُعاقِبَ شَخصًا بِضَربِهِ جَسديًّا.
وفي الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الحَادي عَشر، لَعَلَّكُم تَعرِفونَ ذلكَ المَقطعَ المَألوفَ الَّذي يَتحدَّثُ فيهِ بولُسُ... المَعذِرة، أَقصِدُ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الحَادي عَشَر... حيثُ يَتحَدَّثُ عن خِدمةِ المَائِدَةِ قَائِلاً: "مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُون". وَهُوَ يَقولُ إنَّهُ عِندَما نُدانُ، وعِندَما يَأخُذُ الرَّبُّ حَياتَنا، وعنِدما يَسمَحُ لإبليسَ أن يَقتُلَنا أو أن يُصيبَ بَعضًا مِنًّا بالمَرَض، فإنَّنا "نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ". وَتلكَ هِيَ نَفسُ الكلمة. فنحنُ نُؤدَّبُ مِن خِلالِ الألَمِ؛ تَمامًا كَما تُؤدِّبُ طِفلاً مِن خِلالِ الألَمِ الجَسديِّ. وَهَذا هُوَ ما سَيَحدُثُ لهؤلاءِ الأشخاص. وتلكَ الكلمةُ تُستخدَمُ مِرارًا وَتَكرارًا في العهدِ الجديدِ للإشارةِ إلى التَّأديبِ مِن خِلالِ العِقابِ، وإلى التَّأديبِ مِن خِلالِ الألَم. وَهِيَ تُستخدَمُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 6: 9 إذْ نَقرأُ: "كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ". بعبارةٍ أخرى، نَحنُ نُؤدَّبُ جَسديًّا ولكِنَّنا لا نَموت. وَهَذا يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى استِخدامِها بتلكَ الطَّريقة. وفي الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين، تُستخدَمُ هذهِ الكلمة في الأعداد 6 و 7 و 10. فعندما يُؤدِّبُ الرَّبُّ فإنَّهُ يُؤدِّبُ مِن خِلالِ العِقابِ والألَم.
والآن، النُّقطَةُ هِيَ التَّالية: لا يُمكِنُكُم أن تَرَوْا العِبارَةَ "لِكَي يُؤدَّبَا" دُونَ أن تَفهَما مِنها أنَّها تُشيرُ إلى فِكرةِ العِقابِ الجَسَدِيِّ. ولا أدري مَا هُوَ المَرَضُ الَّذي أُصيبَا بِهِ، ولا أدري مَا هِيَ المُصيبَةُ الَّتي حَلَّتْ على حَياتِهِما، ولا أدري إنْ كانَ ذلكَ يَعني أنَّهُما مَاتَا؛ ولكِنَّهُما سُلِّمَا للشَّيطانِ لكي يُؤدَّبَا وَيَعْلَمَا أنَّهُ لا يُمكِنُهُما أن يُجَدِّفَا. وَهُوَ دَرسٌ لَهُما ولكِلِّ شخصٍ آخر. والكلمة "يُجَدِّف" تَعني: يُهينُ اسمَ اللهِ أو يَسْخَرُ مِنَ الله. "أَمَا هُمْ يُجَدِّفُونَ عَلَى الاسْمِ الْحَسَنِ الَّذِي دُعِيَ بِهِ عَلَيْكُمْ؟" (كَما جَاءَ في رِسالةِ يَعقوب 2: 7). وَفِي الأيَّامِ الأخيرةِ [وَفْقًا لِمَا جَاءَ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوُس 3: 2]، نَقرأُ أنَّ: "النَّاسَ يَكُونُونَ... مُجَدِّفِين". ولكِنَّ المُجَدِّفينَ (أيِ الأشخاصَ الَّذينَ يَسخَرونَ مِنَ اللهِ، ويَهزأونَ مِنَ اللهِ) هُمْ في خَطَرٍ مُحْدِق.
والآن، قَد تَقول: "مَا الَّذي تَعنيهِ بذلك؟" أنَّ أيَّ شَيءٍ تَفعلُهُ وَتَعصي بِهِ اللهَ هُوَ تَجديفٌ، وَأنَّ أيَّ شَيءٍ تَقولُهُ وتُسيءُ فيهِ إلى اللهِ هُوَ تَجديفٌ، وَأنَّ أيَّ تَجديفٍ يَتطلَّبُ تَأديبًا، وَأنَّ أيَّ شَخصٍ يَفعلُ شَيئًا ضِدَّ مَشيئةِ اللهِ وَقَصدِهِ ويَتصرَّفُ بطريقةٍ بَعيدةٍ عَنِ القَداسَةِ، أو يَسْتَخِفُّ بِصِفاتِ اللهِ، أو يُسيءُ إلى شَخصِ اللهِ، أو يُنكِرُ وَيَعصي كلمةَ اللهِ هُوَ مُجَدِّفٌ كَبيرٌ أو صَغيرٌ. لِذا فإنَّهُ مُعَرَّضٌ للتَّأديبِ مِن خِلالِ العِقابِ البَدَنِيِّ اللاَّزِمِ؛ وَهُوَ أمرٌ يَنبغي لَنا أنْ نَتَجَنَّبَهُ.
لِذا، هُناكَ أشخاصٌ يَشاءُ اللهُ بِمُقتَضَى سِيادَتِهِ أن يُسَلِّمَهُم للشَّيطانِ لِقَصْدٍ إيجابِيٍّ. وَهُناكَ أشخاصٌ يَشاءُ اللهُ بِمُقتَضَى سِيادَتِهِ، وَبِمُقتَضَى السُّلطانِ المُعطَى للكَنيسةِ، أن يُسَلِّمَهُم للشَّيطانِ لِقَصْدٍ سَلبِيٍّ مِن خِلالِ مُعاقَبَتِهِم بِشِدَّة بِهدفِ إدانَتِهم إدانَةً حَاسِمَةً ونِهائيَّةً وأبديَّةً، أو بِهَدَفِ تَأديبِهم مُؤقَّتًا. وفي كِلتا الحَالَتَيْنِ، يَنبغي لهؤلاءِ أن يَتَعَلَّما عَواقِبَ التَّجديف. والتَّجديفُ (وأنا أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى) هُوَ أيُّ عِصْيانٍ أو أيَّةُ إساءةٍ أو أيُّ رَفضٍ لِشَخصِ اللهِ وَمَشيئَتِهِ.
لِذا، هُناكَ أمورٌ عَديدةٌ يَنبغي لنا أن نَتذكَّرَها في الخِتام. فالتَّسليمُ للشَّيطانِ قَد يَكونُ لأجلِ قَصْدٍ إلَهِيٍّ كَما حَدَثَ في حَالَةِ أيُّوب. فَقد يَكونُ ذلكَ لأجلِ قَصْدٍ إلهيٍّ؛ أيْ كَيْ يُوَضِّحَ اللهُ نُقطَةً مُعَيَّنة. وَقد يَكونُ ذلكَ مِن أجلي أنا كَما حَدَثَ في حَالةِ بولُس؛ أيْ لكي أَبقى مُتواضِعًا ومُتَّكِلاً على الرَّبّ. وَقد يَكونُ لأجلِ الآخرينَ كَما حَدَثَ في حَالَةِ بُطرسَ؛ أيْ لكي أتمكَّنَ مِن تَثْبيتِ آخرين. وَقد يَكونُ مِن أجلِ رَغبةِ اللهِ في مُكافأةِ المُؤمِنِ وإعطائِهِ إكليلَ الحَياة. وَقد يَكونُ مِن أجلِ دَفْعِ المُؤمِنينَ إلى تَسبيحِ اللهِ أكثرَ مِنَ السَّابقِ بعدَ انتهاءِ الألم. ولكِن مِن جِهَةٍ أخرى، قَد يَتِمُّ تَسليمُ الشَّخصِ للشَّيطانِ مِن أجلِ تَأديبِه كَما حَدَثَ في حَالَةِ الأخِ الَّذي زَنَى بزوجةِ أبيهِ في كورِنثوس، أو كَما حَدَثَ في حَالةِ حَنانِيَّا وسَفِّيرة. وَقد يَحدُثُ بِقصدِ التَّأديبِ للمَوتِ كَما حَدَثَ في حَالةِ الكَنيسةِ في ثَياتيرا بِسببِ زِناهَا واستِماعِها إلى التَّعليمِ البَاطِل. وَقَد يَحدُثُ أيضًا بِقصدِ العِقابِ الأبديِّ كَما حَدَثَ في حَالةِ شَاوُل أو يَهوذا أو هِيمِينَايُس وَالإِسْكَنْدَر.
والآن، مَا هُوَ العِلاج؟ مَا هُوَ؟ أيْ كيفَ تَتَجَنَّبونَ جُزءَ التَّأديبِ وَجُزءَ العِقاب؟ مِن خِلالِ قَبولِ الحَقِّ وَقَداسَةِ اللهِ في المَسيح. وَهذهِ هي حَقًّا الرِّسالة. فَالغَايَةُ مِن كُلِّ هَذا الكَلامِ هُوَ أن يَقودَنا إلى هذهِ النَّتيجَة. فَرُبَّما يُريدُ اللهُ أن يُسَلِّمَني للشَّيطان. فَرُبَّما يُريدُ أن يَفعلَ ذلكَ لأجلِ قَصْدٍ إلهِيٍّ. فَرُبَّما يُريدُ مِنِّي أن أتألَّمَ على يَدِ الشَّيطانِ بدرجةٍ أو بأخرى، أو بطريقةٍ أو بأخرى في حَياتي. وَصَلاتي الوَحيدةُ هي أن يَكونَ ذلكَ لأجلِ مَجدِهِ وَخَيري، ولأجلِ تَقويةِ وامتِدادِ مَلكوتِهِ، لا لِمُعاقَبَتي أو تَأديبي. وإنْ كَانَ لا بُدَّ أنْ أتألَّمَ مِن مَلاكِ الشَّيطانِ، وَإنْ كَانَ لا بُدَّ أنْ يَحدُثَ لي مَا حَدَثَ لبُطرسَ بأنْ أُسَلَّمَ للشَّيطانِ لوقتٍ وَجيزٍ، صَلاتي الوَحيدةُ هي أنْ يَنَالَ اللهُ مِن ذلكَ مَجدًا أعظمَ، وَأنْ أصيرَ خَادِمًا أكثرَ أَمانَةً. وَهَذا يَجعلُ ذلكَ تَسليمًا مُرَحَّبًا بِهِ إنْ كَانَ لِقَصدٍ إلَهِيٍّ وليسَ أن يُسَلَّمَ المَرءُ للشَّيطانِ بِقَصدِ مُعاقبتِهِ جَسديًّا بسببِ تَجديفِه. لِذا، بِصِفَتِنا مُؤمِنينَ، يَجِبُ علينا أن نَتجنَّبَ ذلكَ مِن خِلالِ الحِفاظِ على حَياةِ القَداسَة. دَعونَا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
أيُّها الرَّبُّ الإلَه، نَأتي بِقُلوبٍ لُمِسَتْ حقًّا بسببِ مَا كَلَّمَتْنا بِهِ كَلِمَتُكَ اليوم. نَحنُ نَعلمُ أنَّنا نَخوضُ حَربًا رُوحِيَّةً عَظيمةً، ونَعلمُ أنَّنا، نَحنُ المُؤمِنينَ، نَنتَمي إليكَ. وكَيفَما اخترتَ أن تَستخدِمَنا بِوَصْفِنا جُنودَكَ، فإنَّنا نُريدُ أن نَكونَ نَافِعينَ للاستِخدام. وَأيًّا كانتِ الخَسارةُ الَّتي لا بُدَّ مِنْ تَكَبُّدِها في سَبيلِ الرِّبحِ الأعظمِ فإنَّنا نَقبَلُ تِلكَ الخَسارَة. ولكِنَّنا لا نُريدُ أن نُؤدَّبَ ولا أنْ نُسَلَّمَ للشَّيطانِ لإهلاكِ الجَسَدِ بسببِ شَرٍّ فَعَلناهُ، أو بِسببِ التَّجديفِ عليكَ، أو بسببِ رَفضِنا للحَياةِ المُقدَّسَةِ الَّتي دَعَوْتَنا إليها والَّتي أَهَّلْتَنا لِعَيْشِها بِرُوحِك. لِذا أيُّها الرَّبُّ الإلَه، ادْعُنا إلى الطَّاعَةِ، وَأعْطِنا نِعمَةَ القيامِ بذلكَ بِقُوَّةِ الرُّوح. اجذِبنا بَعيدًا عنِ العالَمِ والخَطَايا المَاكِرَةِ الَّتي قَد تَظهَرُ وَكأنَّها ليست خَطايا البَتَّة مَعَ أنَّها تَجديفٌ عليكَ. أَظْهِرْ لنا تلكَ الخَطايا، وتلكَ العَثَراتِ الخَفِيَّة، وتلكَ الخَطايا المُسْتَتِرَةِ الَّتي كَتَبَ عَنها المُرَنِّمُ لكي نَختَبِرَ يَدَ البَرَكَةِ مِنكَ في كُلِّ مَا يَحدُثُ في حَياتِنا. فنحنُ نُريدُ أن يَكونَ لَدينا بُعْدُ نَظَر؛ أيْ أنْ نَرى الصِّراعَ الرُّوحِيَّ، وأن نَكونَ جُزءًا مِنهُ بأيَّةِ طَريقةٍ مُمكِنَةٍ مِن أجلِ مَجدِكَ أنت. احفَظْنا مِنَ الجِهادِ الضَّعيفِ، وَساعِدنا على أن نُجاهِدَ الجِهادَ الحَسَنَ، وَأن نُدركَ مَسؤوليَّتَنا وَمُساءَلَتَنا أمامَ الكَنيسةِ بِصِفَتِنا أشخاصًا مَدعُوِّينَ وَمُرسَلينَ وَمُثَبَّتينَ للخِدمةِ، وَأن نُدركَ مَسؤوليَّتَنا أمامَكَ في أنْ نَثْبُتَ في الإيمانِ بِضَميرٍ صَالِحٍ، وَأن نُدركَ مَسؤوليَّتَنا في التَّصَدِّي للعَدُوِّ لكي تُحافِظَ الكَنيسةُ على طَهارَتِها. يا أبانا، سَاعِدنا على أن نَكتَشِفَ الشَّرَّ المَوجودَ في قُلوبِنا، وَأنْ نَكتَشِفَ الشَّرَّ المَوجودَ في وَسْطِنا. وَيا رَبُّ، إنْ كُنَّا عَاجِزينَ عنِ العُثورِ عليهِ، ساعِدنا على العُثورِ عليهِ واستِئصَالِهِ لكي نَكونَ شَهادَةً لِمَجدِ اسمِكَ أنتَ. وَصَلاتي أيضًا يا رَبُّ هِيَ أنَّهُ إنْ كانَ يُوجَدُ أشخاصٌ في هذهِ الكنيسةِ في هذا الصَّباحِ سُلِّمُوا للشَّيطانِ وَيَتَألَّمُونَ على يَدِهِ لِسَبَبٍ إيجابِيٍّ، أعطِهِم يا رَبُّ إيمانًا عَظيمًا وقُوَّةً عَظيمةً، وابنيهِم، واجعَلهُم أكثرَ نَفعًا. ويا رَبُّ، إن كانُوا قَد سُلِّموا للشَّيطانِ بِقَصْدِ تَأديبِهم، لَيتَهُم يَتُوبونَ، ويَرجِعونَ عن خَطيَّتِهم، ويُسْتَرَدُّونَ مِن إبليس. وإن كانوا على حَافَةِ الدَّينونةِ الأبديَّةِ على يَدِ الشَّيطان، نَسألُكَ يا رَبُّ أن يَقبَلُوا المُخَلِّصَ قَبلَ فَواتِ الأوان.
This article is also available and sold as a booklet.
