لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسة على الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الثَّاني. الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الثَّاني. ونحنُ نَتأمَّلُ مَرَّةً أخرى في الآيات مِن 9 إلى 15. الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 2: 9-15. ويجب عليكم أن تَتذكَّروا أنَّهُ عندما يَكتُبُ بولسُ هذه الرِّسالةَ إلى تيموثاوس، فإنَّ التَّعليمَ المُقَدَّمَ هُنا إلى تيموثاوُس هو تَعليمٌ ينبغي تَقديمُهُ إلى الكنيسةِ الَّتي كانَ يَخْدِمُ فيها؛ وهي الكنيسةُ في مَدينةِ أفسُس في أَسِيَّا الصُّغرى الَّتي تُعرَفُ اليومَ باسم "تُركيَّا". وقد كانت كنيسةُ أفسُس كنيسةً رائعةً، ولكنَّها وَقَعَتْ في خَطأٍ مِنْ جِهَةِ العَقيدةِ وعاشَتْ بطريقة غير مُقَدَّسة. لِذا فقد تَركَ بولسُ تيموثاوسَ في تلكَ المدينةِ كي يَعملَ معَ تلكَ الكنيسةِ على تَقويمِ المَشاكِلِ فيها.
والأصحاحُ الثَّالثُ والعدد 15 يُحَدِّدُ مَهَمَّتَهُ بتعليمِهم كيفيَّةَ التَّصَرُّفِ في بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ. لِذا فإنَّ الرِّسالةَ هي وَصايا لِرَاعٍ شابٍّ أُوْكِلَتْ إليهِ مَسؤوليَّة صَعبة جدًّا جدًّا. وهي رِسالة تَقويميَّة بسببِ الأخطاءِ الموجودةِ في تلكَ الكنيسة. ومِن بينِ المشاكلِ الَّتي كانت موجودةً في كنيسةِ أفسُس مُشكلة تَختصُّ بالنِّساء. فقد كانت هُناكَ بِدعة بصورة عامَّة. وكان هُناكَ انحلالٌ أخلاقيٌّ وعَدَمُ طَهارةٍ بصورة عامَّة. وقد أثَّرَ ذلكَ سَلبيًّا في الرِّجالِ والنِّساءِ على حَدٍّ سَواء. ولكِنَّ شَيئًا واحدًا تَحديدًا صارَ مُشكلةً هُناك وَهُوَ أنَّهُ كانت توجدُ نِساءٌ بِعَيْنِهِنَّ في الكنيسة يَنْتَزِعْنَ أدوارَ القيادةِ مِنَ الرِّجالِ ويَرغبنَ في أنْ يَصِرْنَ المُعَلِّماتِ الرَّسميَّاتِ للكنيسة. وكانت هناكَ نِساءٌ يأتينَ إلى العِبادةِ بمَظهرٍ غيرِ لائقٍ. فقد كُنَّ يَرتَدينَ مَلابِسَ لا تَليقُ بالعِبادة. وكانَ مَوقِفُهُنَّ القَلبيُّ مِنَ العِبادةِ خاطئًا. لِذا فقد كُنَّ يُنْكِرْنَ مِن خلالِ سُلوكِهِنَّ ما يَعْتَرِفْنَ بِهِ بِشِفاهِهِنَّ مِنْ جِهَةِ مَعرفةِ اللهِ وعِبادَتِه.
لِذا فإنَّ الآياتِ مِن 9 إلى 15 تُعالِجُ هَذِهِ المسألةِ المُختصَّةِ بالنِّساءِ في الكنيسةِ وكيفَ ينبغي لهُنَّ أن يَتصرَّفْنَ ويَخْدِمْنَ فيها. ولا حاجةَ إلى القولِ إنَّ هذا الموضوعَ وَثيقُ الصِّلةِ بمُجتمعِنا اليوم. فالتَّشويهُ المُعاصِرُ للقَصْدِ الإلهيِّ مِنْ خَلْقِ المَرأة مَأساويٌّ جدًّا. فدورُ النِّساءِ ووظيفتُهُنَّ اليومَ، والقصدُ الأصليُّ لِخَلقِهِنَّ وخَيرِهِنَّ، والمَعنى مِن حياتِهِنَّ وشُعورُهُنَّ بالرِّضا هي أمورٌ تَتعرَّضٌ دائمًا للهُجومِ والتَّشويه. والشَّيءُ المُحزِنُ هو أنَّ النِّساءَ لسنَ الفائزات، بل إنَّ النِّساءَ هُنَّ ضَحايا ما يَحدُث.
فهناكَ مَن يَقولُ للنِّساءِ أنْ يَتَحَلَّيْنَ بالشَّجاعة، والإيجابيَّة، ورُوحِ المُواجَهة، والاستقلاليَّة، وأنْ يَكُنَّ مُنافِساتٍ، ويَضْطَلِعْنَ بأدوارٍ قياديَّة، وأنْ يُمارِسْنَ السُّلطَةَ، وأنْ يَكُنَّ مُعيلات الأُسرَة، وأنْ يُحَقِّقْنَ نَفسَ المُستوى الوظيفيِّ للرِّجالِ، وأنْ لا يَتَنازَلْنَ عن أيِّ حَقٍّ لَهُنَّ في هذا المِضمار. ومِنَ المُحزِنِ والمؤسِفِ أنَّ هُناكَ كنائسَ، وهيئاتٍ إنجيليَّة، وكُليَّاتٍ وجامعاتٍ لاهوتيَّة انْجَرَفَتْ وَراءَ ذلكَ بالرَّغمِ مِن أنَّ كلمةَ اللهِ واضحة تمامًا بهذا الخُصوص. فَهُم مُستعِدُّونَ في هذا الزَّمَنِ المُعاصِر، مُنذُ أكثر مِن 15 أو 20 سنة، أن يَرفُضوا كُلَّ التَّعليمِ الكِتابِيِّ، أو أن يُحَرِّفوهُ ويُشَوِّهوهُ ليُلائِمَ المواقفَ المُعاصِرَة، أو أنْ يَنبُذوا قُرونًا مِنَ المُعتقداتِ المسيحيَّة. وهذا مأساويٌّ لأنَّ ما يَجري لا يَصُبُّ في مَصلَحَةِ النِّساء. فَهُنَّ يَتَعَرَّضْنَ لِسوءِ المُعاملةِ حينِ نُوْكِلُ إليهِنَّ دَورًا لم يَقْصِدِ اللهُ يَومًا أنْ يَقُمْنَ بِهِ.
وأنا أُفَكِّرُ في ذلكَ مِن زوايا عَديدة. فقد كُنتُ أُفَكِّرُ في هذا الأسبوعِ في أنَّني إنْ أردتُ أن أَذكُرَ مَوقِفًا كِتابيًّا واحدًا يَسمو في أهميَّتِهِ على كُلِّ المواقفِ الأخرى، وأن أَذكُرَ الموقفَ الَّذي يُزَكِّيهِ اللهُ أكثرَ مِن أيِّ موقفٍ آخر فإنَّهُ: التَّواضُع. فهو أجملُ فَضيلةٍ بَشريَّة مِنْ جِهَةِ الموقف. التَّواضُع. وإنْ أردتُ أن أَذكُرَ أكثرَ نَشاطٍ مُحَبَّب فهو نَشاطُ الخِدمَة. وإنْ جَمَعنا الاثنينَ، يُمكنُني أن أقولَ إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ أنَّ أَسمَى مَوقِفٍ هو التَّواضُع، وأَنَّ أهَمَّ نَشاطٍ هو الخِدمة. وإنْ أرادتِ المرأةُ أنْ تَخْدِمَ بتواضُع، يجب عليها أنْ تُساعِدَ الرَّجُلَ على أنْ يُحَقِّقَ قَصْدَ اللهِ لخليقَتِهِ بأعلى مُستوىً مُمكِن.
فأهدافُها الأسمَى تَتَمَثَّلُ في الخِدمةِ المُتواضِعَةِ الَّتي صَمَّمَها اللهُ لها تحتَ تَوجيهِ الرِّجالِ وحمايَتِهم. ولكِنْ عندما يَتِمُّ تَشويهُ ذلك، فإنَّ الفَوضَى تَسودُ في المُجتمَع وفي الكنيسة. وهذا شيءٌ نَتَعَرَّضُ لَهُ في مُجتمعِنا، ولكنَّهُ ليسَ شيئًا نَراهُ في مُجتمعِنا فقط. فإذا رَجَعْنا إلى الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس، سَنَجِدُ أنَّهُم كانوا يُواجهونَ مُشكلةً مُشابهةً هُناك. فقد كانت هُناكَ نِساءٌ في تلكَ الكنيسة غير طَاهِراتٍ. ونحنُ نَقرأُ عن ذلكَ في الأصحاحِ الخامِس إذْ إنَّ بَعضَهُنَّ بَطِرْنَ على المَسِيحِ، وَبَعضَهُنَّ انْحَرَفْنَ وَرَاءَ الشَّيْطَان، وبَعضَهُنَّ كُنَّ يَعِشْنَ لأجلِ المُتعَةِ فقط. وَهُوَ يَصِفُهُنَّ بأنَّهُنَّ نِساءٌ سَاذَجاتٌ مُحَمَّلاَتٌ خَطَايَا، مُنْسَاقَاتٌ بِشَهَوَاتٍ مُخْتَلِفَة في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 3: 6. ولكِنَّ الأمرَ لم يَكُن يَقتصِر فقط على وُجودِ نِساءٍ يَعِشْنَ حياةً غير تَقيَّة وغير طاهِرة، بل إنَّ بعضَهُنَّ كُنَّ يُحاولنَ أنْ يَغْتَصِبْنَ دَورَ الرِّجالِ في الكنيسة. فقد كُنَّ يَرْغَبْنَ في القِيادَة. وكانَت بَعضُهُنَّ يَتَباهَيْنَ بِمَظهَرِهِنَّ الجسديِّ وجَمالِهِنَّ في أثناءِ العِبادةِ الكَنسيَّة ويَصِرْنَ مَصْدَرَ إلهاءٍ شَديدٍ، وكُنَّ يُحاولنَ أنْ يُثِرْنَ شَهْوَةَ الرِّجالِ وأنْ يُغووهُم كي يَترُكوا زَوجاتِهم. وقد كانت هُناكَ قَضايا خطيرة جدًّا ينبغي التَّصَدِّي لها بهذا الخُصوص.
لِذا، في هذا المَقطَعِ (في الأعداد مِن 9 إلى 15)، فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن هَاتينِ القَضِيَّتَيْن؛ أيْ عن مَسألةِ قيادةِ النِّساءِ في الكنيسة، ومسألةِ مَجيءِ النِّساءِ بملابسَ غير مُحتَشِمَة إلى الكنيسة إذْ إنَّهُنَّ يَتظاهَرْنَ بالمَجيءِ بهدفِ عِبادةِ اللهِ؛ في حينِ أنَّهُنَّ يأتينَ في الحقيقة بملابسَ غير مُحتَشِمَة لغايَةٍ أنانيَّة وشَهوانيَّة. لِذا فإنَّهُ يُوصي تيموثاوسَ بأنْ يُقَدِّمَ تَعليمًا قَويمًا في الكنيسةِ لمُعالجةِ ذلكَ السُّلوكِ غيرِ اللَّائقِ ومُعالجةِ ذلكَ الانحرافِ في مُمارسةِ الأدوار. وعندما نَنظُر إلى الأعداد 9-15، نَجِدُ سِتَّة جَوانب تَختصُّ بدَوْرَ النِّساء. فهناكَ سِتَّة جَوانِب تَختصُّ بِدَوْرِ النِّساءِ في الكنيسة. فبولسُ يَتحدَّثُ عن مَظهَرِهِنَّ، ومَوقِفِهِنَّ، وشَهادَتِهِنَّ، ودَورِهِنَّ، وقَصْدِ اللهِ لَهُنَّ، وإسهامِهِنَّ. وهذه هي الجوانبُ السِّتَّةُ الَّتي سنتأمَّلُ فيها في أثناءِ دراسَتِنا لهذا المَقطَع. وسوفَ يَتطلَّبُ الأمرُ أُسبوعَيْنِ آخَرَيْنِ لإنهاءِ هذه الدِّراسة. لِنَرجِع أوَّلاً ونتحدَّثُ عن مَظهَرِهِنَّ في العددِ التَّاسِع.
فبولسُ يَكتُبُ: "وَكَذلِكَ...". وما يَعنيهِ بهذه الكلمة هو: لقد تَحَدَّثْتُ للتَّوّ عن كيفَ ينبغي للرِّجالِ أن يَتصرَّفوا في العِبادة. فيجب عليهم أن يُصَلُّوا. ويجب عليهم أن يَحرصوا على أن تكونَ أيادِيَهم طَاهِرَةً وقُلوبُهم غير مُمتلئة بالغَضبِ والجِدال. وكما أنِّي تَحدَّثتُ عن كيفَ ينبغي للرِّجالِ أن يَتصرَّفوا، كذلكَ فإنِّي أتحدَّثُ بالطَّريقةِ نَفسِها عن كيفَ ينبغي للنِّساءِ أن يَتَصَرَّفْنَ. وكِلا هذَيْنِ العَدَدَيْنِ (أيِ العَدد 8 والعَدد 9) وَصيَّة. فعندما يَقولُ في العددِ الثَّامِنِ: "فَأُريدُ"، فإنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "بولوماي" (boulomai). وهي وَصِيَّة أو أَمْر. فهي وَصيَّة أو أَمْر. فهذهِ ليسَت أُمنية يَتَمَنَّى أن تَتَحَقَّق، بل هو شيءٌ يَقولُ إنَّهُ يجب أنْ يَحدُث. لِذا فإنَّ وَصيَّتَهُ إلى النِّساءِ هُنا تَختصُّ في المَقامِ الأوَّلِ بمَظهَرِهِنَّ. فيجب عليهنَّ أن "يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ". والكلمة "حِشمَة" تُشيرُ إلى فِكرةِ أنْ تكونَ لائِقَة بالعِبادَة. وهي تُشيرُ إلى فِكرةِ أنْ تَكونَ مُرَتَّبَةً ولائقةً بمَقاصِدِ اللهِ الرئيسيَّةِ للحياةِ الروحيَّةِ للكنيسة. فيجب أن تَعكِسَ مَلابِسُها قَلبًا مُتواضِعًا ووَديعًا وعابِدًا. ويجب أن تَعكِسَ مَلابِسُها شُكرَها على جَمالِها، وَحِرصَها على أنْ تَزيدَ جَمالَها جَمالاً بأنْ تكونَ مُمتلئةً نِعمَةً، لا بأنْ تَكونُ مُنهَمِكَةً في نَفسِها، ولا بأنْ تَجذِبَ الأنظارَ إلى ذاتِها أو إلى قَصْدٍ شِرِّيرٍ مَا. فيجب عليها أنْ تَرتدي مَلابسَ تُشيرُ إلى قَداسَتِها وتُوَجِّهُ أنظارَ الرَّعيَّةِ إلى اللهِ الَّذي تَعبُدُه.
وهو يَتحدَّثُ بصورة مُفَصَّلة جدًّا في نهايةِ العددِ التَّاسعِ كما رأينا في دَرسِنا السَّابق. فهو يَقولُ: "لاَ بِضَفَائِرَ [أيْ بِجدائِلِ الشَّعْرِ – وهي كلمة قَديمة] أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ". وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى بَهْرَجَةٍ كانَتْ سائِدةً في ذلكَ الوقت. فقد كانت هذه هي مَظاهِرُ المرأةِ الَّتي تُفْرِطُ في البَهرَجة. وفي ذلكَ الوقت، كانت هذه هي صِفاتُ المرأةِ الَّتي تُريدُ أنْ تُظْهِرَ نَفسَها. لِذا فإنَّ بولسَ يَنْهَى عنِ التَّظاهُر: أيْ عنِ ارتداءِ المَلابِسَ بِقَصْدِ التَّباهي بالغِنى، أوِ ارتداءِ المَلابِسَ بِقَصْدِ إثارةِ الرَّغبةِ أوِ الشَّهوةِ الجِنسيَّةِ لدى الآخرين، أوِ ارتداءِ المَلابِسَ بِقَصْدِ إغواءِ رَجُلٍ مَتَزَوِّج، أوِ ارتداءِ المَلابِسَ الَّتي تُظْهِرُ عَدَمَ خُضوعِ أوِ امْتِثالِ المرأةِ لزوجِها. فأيُّ شَيءٍ مِن هذا القَبيل يُدَنِّس العِبادَة. وأيُّ شَيءٍ مِن هذا القَبيل يُهينُ اللهَ.
وقد رأينا عندَ دراسَتِنا لتلكَ الآية أنَّهُ يَجِبُ على النِّساءِ المسيحيَّاتِ أن يُزَيِّنَّ ذَواتِهِنَّ بطريقةٍ تَجذِبُ الأنظارَ إلى صِفاتِهِنَّ الشَّخصيَّةِ، لا إلى ثَروَتِهِنَّ؛ وإلى فَضيلَتِهِنَّ، لا إلى مَظهَرِهِنَّ البَدَنِيَّ؛ وإلى اتَّضاعِهِنَّ، لا إلى كِبريائِهِنَّ؛ وإلى قَصْدِهِنَّ المُقَدَّسِ مِنَ العِبادَةِ، لا إلى أيِّ قَصْدٍ شِرِّير. ويجب عليهنَّ أنْ يَرتَدينَ مَلابِسَ تَجْذِبُ الأنظارَ إلى اللهِ الَّذي يَعْبُدْنَهُ.
ثانيًا، مَوقِفُهُنَّ. لِنَرجِع إلى العددِ التَّاسِع، إلى مُنتَصَفِ العَدد. فهو يَقولُ إنَّهُ ينبغي لموقِفِ هَذِهِ المرأةِ أن يَتَّسِمَ بِسِمَتَيْن: الوَرَع والتَّعَقُّل. وهاتانِ الكلمتانِ تُذكران معًا للتَّعبيرِ عنِ مَوقِفِها القَلبيِّ الَّذي هو الزِّينة الحقيقيَّة للمرأة. وقبلَ كُلِّ شَيءٍ، إنَّ الوَرَعَ يُشيرُ إلى الحِشمَةِ المَمزوجَة بالاتِّضاع. الحِشمة المَمزوجة بالاتِّضاع. والكلمة الأصليَّة تُشيرُ إلى مَعنى الحَياء؛ لا إلى أنَّها تَستحي مِن أنَّها امرأة، ولا أنَّها تَستحي مِن أنَّها رائعة، بل إنَّها تَسْتَحي مِن أنْ تَجعَلَ أيَّ شخصٍ يُفَكِّرُ أفكارًا شِرِّيرةً أو أن يَتَلَهَّى عنِ العِبادة. فهي تَستَحي مِن أن تَفعلَ أيَّ شَيءٍ مِن هذا القَبيل. لِذا، يجب عليها أنْ تَتَزَيَّنَ بأصدَقِ أشكالِ الحِشْمَةِ بَعيدًا عَنْ أيِّ إيحاءاتِ جِنسيَّةِ كي لا يَلْتَفِتَ الآخرونَ إليها، بل يُرَكِّزونَ على وُجودِهم في حَضرَةِ اللهِ.
ثانيًا، يجب عليها أنْ تَتَّصِفَ بالتَّعَقُّل. وهذا يعني أنَّهُ يجب عليها أنْ تُظْهِرَ مِن خِلالِ زِينَتِها ومَوقِفِها أنَّها تُسيطِرُ على مَشاعِرِها ورَغْباتِها. فيجب عليها أن تُحافِظَ على التَّوازُنِ الدَّقيقِ بينَ تَقديمِ الشُّكرِ للهِ على جَمالِها وروعَتِها، وبينَ أنْ تُحافِظَ أيضًا على موقفِ الاتِّضاعِ وموقِفِ التَّقوى، وموقفِ ضَبْطِ النَّفسِ مِن دونِ أنْ تُلفِتَ الأنظارَ إلى نَفسِها، بل إلى حَقيقَةِ أنَّها تُحِبُّ اللهَ وتُجِلُّهُ وتَعبُدُه.
لِذا فإنَّ زِينَتَها الحقيقيَّة هي شَخصيَّتُها. ويجب أنْ تُظهِرَ شَخصيَّتُها نَفسَها بطريقةٍ تُعَزِّزُ تلكَ الشخصيَّة خارجيًّا. وهذا يَقودُنا إلى النُّقطةِ الثَّالثةِ الَّتي تَوقَّفنا عندها في المَرَّةِ السَّابقةِ وهي: "شَهادَتُها" في العددِ العاشِر. فبولسُ يُبالي جِدًّا باستمرارِ شَهادَةِ المرأة. فهي شيءٌ مُهِمٌّ جدًّا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العددِ العاشِر: "بَلْ كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللهِ بِأَعْمَال صَالِحَةٍ". انظُروا إلى ما يَقول: فَعِوَضًا عنِ الزِّينةِ الَّتي رأيناها في نِهايةِ العددِ التَّاسع، يجب عليها أن تُزَيِّنَ نَفسَها بأعمالٍ صَالحةٍ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ بينَ قَوْسَيْنِ "كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللهِ". والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هُنا هي: تَقوى المرأةِ الظَّاهرة". وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. فهي تُشيرُ إلى شَهادَتِها. فالكلمة "مُتَعاهِدات" تَعني: "يُظْهِرْنَ على المَلأ". وهي تَعني: "يَعْتَرِفْنَ عَلَنًا".
وما يَقولُهُ هُنا هو أنَّهُ إنْ أَعلَنَتْ أيُّ امرأةٍ إيمانَها بالرَّبِّ، وإنْ أَعلَنَتْ تَقواها، وإنْ أَعلَنَتْ تَكريسَها للهِ ولعِبادةِ اللهِ، يجب عليها أنْ تَتصرَّفَ بطريقةٍ تُظْهِرُ أنَّ مَوقِفَها وزينَتَها وتَصرُّفاتِها أيضًا مُنسجمة معَ اعتِرافِها ذاك. وهذا أمرٌ بَديهيٌّ. فالكلمة "تَقوى" هي كلمة مُباشرة جدًّا جدًّا: "ثيوسيبيا" (theosabeia) وتَحوي اسمَ اللهِ فيها. فهي تُشيرُ إلى اللهِ. وهي تَعني في الأصل: "تَبجيلُ اللهِ".
فعندما تَقولُ إنَّكَ مُؤمِن فإنَّكَ تَقولُ إنَّكَ تُبَجِّلُ اللهَ. وعندما تَقولُ إنَّكَ مُؤمِن فإنَّكَ تَقولُ إنَّكَ تَعبُدُ اللهَ، وتُكرِمُهُ، وتُوَقِّرُهُ، وتَخدِمُهُ. ويجبُ على أيِّ امرأةٍ تَقولُ إنَّها تَخدِمُ اللهَ، وتُحِبُّهُ، وتَعبُدُهُ، وتُكرِمُهُ، وتُبَجِّلُهُ، يجب عليها أن تَتصرَّفَ بطريقةٍ تُظْهِرُ أنَّ أعمالَها الصَّالحةَ مُنسَجِمَة معَ هذا الاعتراف. وأودُّ أن أتوقَّفَ قليلاً عندَ هذه النُّقطة تَحديدًا. فأنا أعتقد أنَّ هُناكَ مُشكلة كبيرة في الحَركةِ المُعاصِرَةِ لِتَحريرِ المرأةِ في الكنيسة. فهناكَ نِساءٌ يُرِدْنَ أنْ يَعِظْنَ ويُعَلِّمْنَ ويَتَسَلَّمْنَ السُّلطَةَ. وَهُنَّ يُرِدْنَ أنْ يَصِرْنَ واعِظات الكنيسة. وَهُنَّ يُرِدْنَ أنْ يَتِمَّ الاعترافُ بِهِنَّ على قَدَمِ المُساواةِ معَ الرِّجال. وَهُنَّ يُرِدْنَ أنْ يَكُنَّ شَيْخاتٍ في الكنيسة. وأنا أعرِفُ جَيِّدًا جِدًّا كُليَّةَ لاهوتٍ إنجيليَّة تَكَلَّمْتُ فيها في السَّنواتِ الماضِيَة، وهي تَسمَحُ الآنَ للِّنساءِ أنْ يَعِظْنَ في الكنيسةِ لأنَّهُمْ أعادوا الآنَ تَفسيرَ هذا المَقطَعِ، ولأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهُم يَستطيعونَ إدخالَ بِضعَة تَعديلاتٍ عليه تُناسِبُ رَغْباتِ المرأةِ المُعاصِرَةِ، ولأنَّهُم يُريدونَ أنْ يُفْسِحوا المَجالَ لَهُنَّ للتَّعبيرِ عَمَّا يَصْنَعُهُ الرُّوحُ القُدُسُ في حَياتِهِنَّ. لِذا فإنَّهُم يَسمحونَ بأنْ تَعِظَ النِّساءُ في كَنائِسِهِم. والمُشكلةُ في ذلكَ هي أنَّ المرأةَ الَّتي تُعلِنُ تَقواها وتَبجيلَها للهِ ينبغي أنْ تُعلِنَ مِنْ خِلالِ أعمالِها الصَّالحةِ (الَّتي ينبغي أن تكونَ صَالِحَةً بِحَقّ وبِكُلِّ مَعنى الكلمة)، وهي الكلمة "أغاثوس" (agathos)، ذلكَ التَّكريسَ للهِ. فأيُّ امرأةٍ تَقولُ مِنْ جِهَة: "أُريدُ أنْ أَخْدِمَ اللهَ، وأُريدُ أن أُكْرِمَ اللهَ، وأريدُ أن أُظهِرَ مَحَبَّتي وإجلالي للهِ"، لا يُمكِنُها، مِن جِهَةٍ أخرى، أن تقولَ: "أريدُ أن أَنقُضَ ما يَقولُهُ اللهُ، وأريدُ أن أُغَيِّرَ ما يَقولُهُ اللهُ". فهذانِ الأمرانِ لا يَتَّفِقان. لِذا، عندما أرى امرأةً تُريدُ أن تَبتَعِدَ عنِ الخُطَّةِ الأصليَّةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ لها في الكنيسةِ كي تَخدِمَ اللهَ، فإنِّي أرى أنَّ ما يَجري هو مُجَرَّد تَناقُض. وإنْ كانت هناكَ امرأة تَقولُ عن نفسِها إنَّها تَقيَّة، يجب عليها أن تَحْرِصَ في مَوقِفِها وزِينَتِها ونَشاطاتِها على التَّصرُّفِ بطريقةٍ مُنسجمةٍ معَ ذلكَ الاعتراف.
واسمَحوا لي أن أقولَ في هذه النُّقطة إنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جدًّا في هذا الأمرِ حَتَّى إنَّ الأمرَ لا يَحتاجُ إلى جِدالٍ طَويل. وخَشيَةَ أن أبدو مُبالِغًا جِدًّا في تَبسيطِ أمرٍ يَحْتَدِمُ النِّقاشُ عليه، أريدُ أن أقولَ لكم إنِّي أُوْمِنُ بِكُلِّ قلبي بأنَّ هذه المسألة واضحة تمامَ الوُضوحِ في الكتابِ المقدَّسِ، وإنِّي لا أدري كيفَ يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ مُنْفَتِحِ الذِّهنِ أنْ يقرأَ كلمةَ اللهِ ويَستنتِجَ أيَّ شيءٍ آخر إلَّا إنْ كانَ غيرَ مُجتَهِدٍ أو إنْ كانَ لا يُريدُ أنْ يُقِرَّ بأنَّ ما جاءَ في كلمةِ اللهِ عن دَورِ المرأةِ واضحٌ تمامًا ولا يَحتاجُ البَتَّة إلى النِّقاش. لِذا، يَنبغي للمرأةِ الَّتي تَعتَرِفُ عَلَنًا بأنَّها تَقِيَّة أنْ تَشهَدَ عن ذلكَ بأعمالِها الصَّالحة؛ أيْ بأعمالِها البَارَّةِ الَّتي تُظهِرُ أنَّ اعتِرافَها هذا صَحيحٌ حَقًّا وصَادِق. وهذا يَظهَرُ مِن خلالِ الطَّريقةِ الَّتي تَتَصَرَّفْنَ بها في الكنيسة. فإنْ كُنتِ تَقولينَ إنَّكِ تُبَجِّلينَ اللهَ، يجب أن يَعكِسَ موقِفُكِ في العِبادَةِ ذلك. ويجب أن تأتي بِوَرَعٍ وتَعَقُّل. فإنْ كُنتِ تُبَجِّلينَ اللهَ وتَعبُدينَهُ وتُوَقِّرينَهُ، يجب عليكِ أنْ تَتَزَيَّني وتَرتَدي مَلابِسَ تَعكِسُ جَيِّدًا ذلكَ الاعترافَ العَلَنِيَّ مِنْ خِلالِ تَوجيهِ أنظارِ الرَّعيَّةِ إلى اللهِ، لا إلى ذاتِكِ. وإنْ كُنتِ تَعبُدينَ اللهَ وتُكرِمينَهُ حَقًّا، يجب عليكِ أن تُمارِسي أنشِطَتَكِ الروحيَّة وأنشِطَتَكِ الحَياتيَّة بطريقة تُؤكِّدُ ذلكَ الاعترافَ لأنَّها كِتابيَّة وتُوافِقُ خُطَّةَ اللهِ لَكِ.
وهذا يَختَصُّ بمسألةِ شَهادَتِهِنَّ؛ أيْ أنْ تُظْهِرْنَ صِدْقَ أقوالِكِنَّ مِن خلالِ تَصَرُّفاتِكِنَّ. وهذا يَقودُنا إلى النُّقطةِ الرَّابعة...إلى النُّقطةِ الرَّابعة. وقد كانتِ النُّقطةُ الثَّالثةُ قَصيرةً جدًّا. أمَّا النُّقطةُ الرَّابعةُ فستَستَغرِقُ كُلَّ وَقتِنا اليوم والمَرَّة القادِمة للتحدُّثِ عنها لأنَّها مُهمَّة جدًّا جدًّا. فَهذا يَقودُنا إلى دَوْرِ المَرأة...إلى دَورِهِنَّ. فقد تَحَدَّثنا عن مَظهَرِهِنَّ، ومَوقِفِهِنَّ، وشَهادَتِهِنَّ. وبولسُ يُريدُ الآنَ أن يَتحدَّثَ عن دَورِهِنَّ في الكنيسةِ. وهذه نُقطة مِنَ المُهِمِّ جدًّا جدًّا أن نَفهَمَها. وأنا أَعلمُ أنِّي حينَ أُنهي حَديثي في هذا الصَّباحِ فإنَّ بَعضًا مِنكُم سيرغَبُ في طَرحِ أسئلةٍ لم نُجِبْ عنها. وأنا أتوقَّعُ ذلكَ لأنَّنا لم نُكْمِلْ بعد دِراسةَ هذا المَقطَع. فهذا مَقطَعٌ إنْ سَمِعْتُم دَرسًا واحدًا فقط ستُواجِهونَ صُعوباتٍ في فَهمِه لأنَّنا سنَبتدئُ بدراسةِ العَدَدَيْن 11 و12. ولكِن يجب علينا أن نَبتدئَ مِن تلكَ النُّقطة. وأوَّلُ شَيءٍ يَقولُهُ بولسُ في العددِ الحادي عَشَر (وَهي الآيةُ الَّتي سَنَصرِفُ وَقتَنا في دراسَتِها في هذا الصَّباحِ) هو: "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ".
والآن، سوفَ أتوقَّفُ عندَ تلكَ النُّقطة. "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ". فأوَّلُ شَيءٍ يَقولُهُ عن دَورِ المرأةِ في الكنيسةِ هو أنَّهُ يجب عليها أن تُواظِبَ على التَّعَلُّم. والفِعلُ المُستَخدَمُ هُنا هو: "مانثانو" (manthano)، وهو فِعْلُ أمْرٍ. وهذا يَعني أنَّ هذه وَصِيَّة. وهي الكلمة الَّتي اشْتُقَّتْ مِنها الكلمة "تِلميذ". أيْ: "لِتَكُنِ النِّساءُ تِلميذات". بعِبارةٍ أخرى: "تَلمِذوا النِّساءَ". فهذه وَصيَّة. عَلِّموا النِّساءَ. اجعلوهُنَّ يَنْخَرِطْنَ في عَمليَّةِ التَّعليم. وهذا يُشيرُ إلى أمورٍ عَديدةٍ لا أُريدُ أن أتطرَّقَ إليها الآن لأنَّنا نَتحدَّثُ عن مَوضوعِ دَورِ النِّساءِ، ولكنِّي أريدُ أن أُضيفَ مُلاحظةً صَغيرةً هُنا وهي كالتَّالي: حيثُ إنَّهُ يُناقِشُ نِظامَ الكنيسةِ وكيفَ ينبغي للكنيسةِ أن تَتصرَّفَ (كَما هُوَ مُبَيَّن في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ الخامِس عَشَر)، وحيثُ إنَّ هذا المَقطعَ يَتحدَّثُ عنِ الاجتماعِ معًا في الكنيسة، فإنَّ هذا يَقودُنا أيضًا إلى فَهمِ أنَّهُ عندما كانتِ الكنيسةُ تَجتمعُ معًا، فإنَّها كانت تَجتمعُ معًا في عِبادَتِها كي تَتعلَّم. فحقيقةُ أنَّهُ يَقولُ: "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ" تُشيرُ إلى أنَّ التَّعليمَ كانَ يَحدُثُ عندما كانتِ الكنيسةُ تَجتَمِع. ولا يَنبغي لنا أن نُدْهَشَ بسببِ ذلك. ونحنُ لَسنا مَدهوشينَ لأنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّهُ عندما كانوا يَجتمعونَ معًا، كانوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُل. ولكِن دَعونا نُوَضِّح أنَّ الكنيسةَ في القديمِ وفي وقتِنا الحاضِرِ ينبغي أن تَجتَمِعَ بهدفِ التَّعلُّم. وعندما يَنتَقِدُ شخصٌ كنيسةً ككنيسَتِنا وكنائسَ أخرى قائِلينَ إنَّها تَصرِفُ وقتًا وجُهدًا كَبيرَيْنِ في مُحتوى التَّعليم، وإنَّ هذه ليست عِبادة، فإنَّهم مُخطِئونَ لأنَّنا حينَ نَنظُرُ إلى العهدِ الجديدِ نَجِدُ أنَّ الكنيسةَ الباكِرَةَ كانت تُواظِبُ عندَ اجتماعِ المؤمِنينَ معًا على العِبادَةِ، وعلى كَسْرِ الخُبْزِ، والصَّلواتِ، والشَّرِكَةِ، وأيضًا على تَعليمِ الرُّسُل. لِذا، كانَ هناكَ تَركيزٌ كبيرٌ على التَّعليم.
وعندما تَجتمعُ الكنيسةُ معًا، كَما يَقولُ بولس: "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ". أيْ: لا تُرسِلوهُنَّ لإعدادِ الطَّعامِ والاستعدادِ لِما سيَحدُثُ لاحقًا. وَلا تُرسِلوهُنَّ للاهتمامِ بالأطفالِ أو للقيامِ بأيِّ عَمَلٍ خارجيٍّ آخر، بل دَعوا النِّساءَ يَتَعَلَّمْنَ. فينبغي أنْ يَتِمَّ إشراكُهُنَّ في فُرصةِ التَّعَلُّم. وقد تَقول: "ألم يَكُن هذا الأمرُ بَديهيًّا؟" قد يَكونُ بَديهيًّا بالنِّسبةِ إلينا، ولكِن مِنَ الواضحِ أنَّهُ لم يَكُن بَديهيًّا بالنِّسبةِ إليهم. وكيفَ لم يَكُن بَديهيًّا؟ الحقيقةُ هي أنَّ واحدًا مِنَ الأمورِ الَّتي نَعرِفُها مِن خلالِ الأصحاحِ الأوَّلِ هو أنَّهُ كانَ قد جاءَ إلى كنيسةِ أفسُس في ذلكَ الوقتِ يَهودٌ يَتَشَبَّثونَ بديانَتِهم اليهوديَّة. فقد كانوا يَتَمَسَّكونَ بِخُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ. وهذا مَذكورٌ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعددِ الرَّابع. ويَتحدَّثُ الأصحاحُ الأوَّلُ والعددُ السَّابعُ عن حقيقةِ أنَّهم كانوا يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِي النَّامُوس. فقد كانوا يُريدونَ أنْ يكونوا مِنْ أَحْبارِ اليَهود. ولا يَخفَى على أيِّ دارِسٍ لرسالةِ تيموثاوسَ الأولى أنَّهُ كانَ يوجدُ أشخاصٌ في الكنيسةِ في أفسُس يُحاوِلُونَ أنْ يَفرِضُوا العَقليَّةَ اليهوديَّةَ على الكنيسة.
وجُزءٌ مِنَ التَّقليدِ اليهوديِّ المُعاصِرِ في ذلكَ الوقتِ كانَ يَنطوي على عدمِ تَقديرِ النِّساء. فقد كانَ التَّقليدُ اليهوديُّ في زَمَنِ رَبِّنا وفي زَمَنِ بولُس يَضَعُ النِّساءَ في مَكانَةٍ مُنخَفِضَة. وقد كانت هذه العَقليَّة تُؤدِّي إلى بَقاءِ النِّساءِ جَاهِلاتٍ، وَسَاذَجاتٍ، وحَوامِل، وما شَابَهَ ذلك. وبصراحة، لم يَكُنِ الرِّجالُ اليهودُ يَشعرونَ أنَّ النِّساءَ جُزءٌ مِن عمليَّةِ التَّعَلُّم بالضَّرورة. صَحيحٌ أنَّهُم لم يَكونوا يَمنعوهُنَّ مِنَ المَجيءِ إلى المَجْمَع. فقد كُنَّ يأتينَ. ولكِنَّ مَجيئَهُنَّ لم يَكُن لَهُ قيمة مَلموسة. وقد كانَ بمقدورِهِنَّ أنْ يَتعلَّمْنَ، ولكنَّ ذلكَ لم يَكُن شيئًا مُهِمًّا. ولم تَكُنِ النِّساءُ مُطالَباتٍ بالحِفاظِ على تَقليدِ حُضورِ الوَلائِم. ولم يَكُنَّ مُطالَباتٍ بحُضورِ الأعيادِ. وكانَ أغلبيَّةُ الأحبارِ يَرفضونَ عندَما يَلتقونَ امرأةً أنْ يُحَيُّوها بأيِّ تَحيَّة على الإطلاق. فلم يَكُن أَحبارُ اليَهودِ يَشعرونَ أنَّهُ يُمكنهم أن يُهْدِروا وَقتَهُم في تَعليمِ النِّساء. والحقيقةُ هي أنَّ فِئَةً مِنَ الأحبارِ كانت تَقولُ إنَّ تَعليمَ النِّساءِ هو أَشبَهُ بِطَرْحِ الدُّرَرِ للخَنازير. لِذا فقد كانَ هُناكَ استخفافٌ كبيرٌ بدورِ المرأةِ في تَعَلُّمِ الأمورِ الروحيَّة. والحقيقةُ هي أنَّهُنَّ لم يَكُنَّ يَتَمَتَّعْنَ بأيِّ مَكانة على الإطلاق. فقد كانَ بمقدورِهنَّ أنْ يَستَمِعْنَ، ولكنَّ ذلكَ لم يَكُن مُهِمًّا سَواءٌ اسْتَمَعْنَ أوْ تَعَلَّمْنَ أيَّ شَيء. ويجب أن تَفهموا أنَّ هذا التَّفكيرَ كانَ موجودًا في الكنيسةِ عندما زَحَفَتِ اليهوديَّةُ بعقليَّتِها إليها. وما يَحدُثُ في هذا الموقفِ، بلا أَدنى شَكٍّ في أفسُس، هو أنَّهُ كانَ يوجدُ قَمْعٌ للنِّساءِ إلى حَدٍّ مَا. ورَدًّا على ذلك، كما يَحدُثُ دائمًا، كانت هناكَ نِساءٌ مُتضايقات جدًّا مِن هذهِ المُعامَلة. لذا فقد قَرَّرْنَ أنْ يَصِلْنَ إلى مُستوى القِيادة. وبحسب ما جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني والعددِ الثَّاني عَشَر، فإنَّ بعضًا مِنهُنَّ كُنَّ يُعَلِّمْنَ ويَتَسَلَّطْنَ على الرِّجال.
وكانَ لا بُدَّ لبولسَ أن يَقولَ لَهُنَّ أنْ يَتوقَّفْنَ. فقد كُنَّ يَتَمَرَّدْنَ على قَمْعِهِنَّ مِن خلالِ السَّعيِ إلى السُّلطَة. وقد كُنَّ يَسْعَيْنَ إلى ذلكَ الدَّورِ القويِّ الَّذي لم يَكُن مُلائمًا لَهُنَّ، تَمامًا كما يَفْعَلْنَ اليومَ. وكانَ لا بُدَّ مِن تَقويمِ الخَلَل. ولكِن قبلَ أن يَدخُل بولسُ في التَّفاصيلِ عن كيفيَّةِ مُعالجةِ هذا الموقِف، فإنَّهُ يَبتدئُ بمُعالَجةِ هذه المسألةِ المُختصَّةِ بحَقِّ المرأةِ في التَّعلُّم. وهو يَقولُ بصورة رئيسيَّة: "أنا أُوصِي بأنْ تُمْنَحَ النِّساءُ الحَقَّ في التَّعَلُّم".
فيجب أن تَتعلَّمَ النِّساءُ. ويجب أن يَتَتَلْمَذْنَ. ويجب أن يَتعلَّمْنَ الحَقَّ الإلهيَّ. فهذا مُهِمٌّ جدًّا لحياتِهِنَّ الروحيَّةِ، ومُهِمٌّ جدًّا لِدورِهِنَّ في خُطَّةِ اللهِ. ونحنُ نَجِدُ هنا في تلكَ الجُملةِ القصيرةِ المؤلَّفَةِ مِن أربعِ كلماتٍ في اللُّغةِ الإنجليزيَّةِ "اسْمَحوا للمرأةِ أن تَتعلَّم"، وهي تتألَّفُ في الحقيقةِ مِن كلمتَيْنِ فقط: "المرأةُ" ثُمَّ الفِعْل في اللُّغة اليونانيَّة، نَجِدُ هُناكَ مُساواةً بينَ الجِنسَيْنِ في الحياةِ الروحيَّةِ والبَرَكة. وهذا هو ما أريدُ أن تَرَوْهُ في البداية.
فمِن جِهَةِ الحياةِ الروحيَّةِ والبَرَكة، يَتمتَّعُ الرِّجالُ والنِّساءُ بالمُساواة. وهذا ليسَ شيئًا جديدًا في العهدِ الجديد. فقد كانتِ الحالُ كذلكَ أيضًا في العهدِ القديمِ. وأريدُ أن أُخَصِّصَ وقتًا قصيرًا لتوضيحِ ذلكَ لكم. فبالرَّغمِ مِنَ التَّقليدِ اليهوديِّ، لم يَكُنِ العهدُ القديمُ يُوصي بِقَهْرِ النِّساءِ في الأمورِ الروحيَّة. فقد كانَ ما يَجري تَقليدًا غيرَ كِتابِيٍّ. فالعهدُ القديمُ رَفَعَ مِن شأنِ النِّساءِ وجَعَلَهُنَّ مُساوياتٍ للرِّجالِ في الأمورِ الروحيَّةِ والبَرَكة. فعلى سبيلِ المِثالِ، في سِفْرِ الخُروج 19 و 20، أَعطى اللهُ النَّاموسَ. ولا حاجَةَ إلى أنْ تَفتحوا على ذلكَ السِّفْر، ولكِن تَذَكَّروا ذلك. ففي سِفْرِ الخُروج والأصحاحَيْن 19 و 20، أَعطى اللهُ الشَّريعَةَ، أيِ الوَصَايا العَشْر. وقد أعطى تلكَ الوصايا للرِّجالِ والنِّساء. وقد وَعَدَ الرِّجالَ والنِّساءَ الَّذينَ يُطيعونَها بالبَرَكة، وتَوَعَّدَ الَّذينَ يَعصونَها بالعِقابِ أوِ اللَّعنةِ. وقد كانت هُناكَ مُساواةٌ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ في ذلك. لِذا، فقد بَيَّنَ اللهُ مُنذُ البداية أنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ مَسؤولونَ عن حياتِهم الروحيَّةِ وطاعَتِهم للهِ. وفي سِفْرِ التَّثنية والأصحاحِ السَّادسِ، تَجِدونَ صَلاةَ "اسْمَع يا إسرائيل: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. ثُمَّ تَجدونَ التَّعليمَ الَّذي يَقول: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ". وهذا الكَلامُ ليسَ مُوجَّهًا فقط إلى الرِّجالِ، بل هو مُوَجَّهٌ إلى الرِّجالِ والنِّساء. وكانَ يَجِبُ على العائلةِ أن تَتَحَدَّثَ عن ذلكَ طَوالَ الوقتِ، وأن تُعَلِّمَ ذلكَ للأولاد. لِذا فإنَّ الوَصايا العَشْر الخارجيَّة المذكورة في سِفْرِ الخُروج 19 و 20، والموقفَ الداخليَّ المُختصَّ بمحبَّةِ اللهِ كانا مَطلوبَيْنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساء.
فلم يَكُن يوجدُ أيُّ فَرْقٍ في هذينِ الجانِبَيْن. ففي الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن سِفْرِ الخُروج، عندما أَمَرَ اللهُ بالاحتفالِ بالفِصْح، كانَ ذلكَ الاحتفالُ أعظمَ احتفالٍ مُنفَرِدٍ في التَّقويمِ السَّنويِّ لليهود لأنَّهُ كانَ احتفالاً عظيمًا بقُدرةِ اللهِ الفِدائيَّة في تَحريرِهم مِنَ العُبوديَّةِ في مِصْر. وقد كانَ ذلكَ للرِّجالِ والنِّساء. فقد كانَ الرَّجُلُ والمرأةُ مُتساوِيَيْنِ لا فقط في التَّصَرُّفِ بطريقةٍ مسيحيَّةٍ مَسؤولة، أو بالأحرى: بطريقةٍ كِتابيَّةٍ مَسؤولة، أو في الإطَّاعةِ بِروحِ المسؤوليَّة، بل إنَّهُما كانا مَسؤولَيْنِ أيضًا عنِ الاشتراكِ في احتفالاتِ التَّسبيحِ والعِبادةِ الَّتي يَحتَفِلُ بها الشَّعب. الرِّجالُ والنِّساء. كذلكَ، مِنَ المُدهشِ في نَظري أنْ أرى طَوالَ تاريخِ العهدِ القديمِ أنَّ عُقوباتِ الخطيَّةِ كانت مُتساويةً لجميعِ الشَّعبِ: رِجالاً أو نِساءً. فقد كُنتُ أقرأُ في هذا الصَّباحِ ما جاءَ في سِفْرِ الخُروج 21: 28-31، وَهُوَ نَصٌّ يَتحدَّثُ عَمَّا ينبغي أنْ تَفعلَهُ بِثَوْرٍ قَتَلَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، عَبْدًا أوْ أَمَةً، أخًا أو أُختًا. وقد قرأتُ أنَّ مَصيرَ هذا الحَيَوانِ في هذه الحالة في ضَوْءِ شَريعةِ اللهِ هُوَ نَفسُه. بعبارة أخرى، فإنَّ اللهَ يُقَدِّرُ حياةَ الرَّجُلِ وحياةَ المرأةِ بالقَدْرِ نَفسِه. فَعِقابُ الحَيَوانِ الَّذي فَعَلَ ذلكَ هو نَفسُهُ في كِلتا الحَالَتَيْن. لِذا فقد كانا مُتساوِيَيْنِ في المُستوى الرُّوحِيِّ، وفي المسؤوليَّةِ الروحيَّةِ الَّتي تَقتضي إطاعةَ النَّاموس. وقد كانا مُتساوِيَيْنِ في العِبادةِ والتَّسبيحِ، وفي احتفالاتِ بني إسرائيل. وقد كانا مُتساوِيَيْنِ أيضًا مِنْ جِهَةِ قيمةِ الحياةِ كما هُوَ واضِحٌ مِن خلالِ الأحكامِ والعُقوباتِ المَفروضة على الخطايا الَّتي يَقترِفُها أيٌّ مِنهُما. كذلكَ، مِنَ المُدهِشِ جدًّا في نَظري أنَّنا عندما نَقرأُ في العهدِ القديمِ عن أعظمِ نَذْرِ رُوحِيٍّ وَهُوَ نَذْرُ النَّذيرِ أوْ نَذْرُ التَّكريسِ...نَذْرُ النَّذيرِ العَظيمِ أو نَذرُ الانفصالِ عنِ العالَمِ، أو نَذرُ التَّكريسِ للهِ الَّذي يَفرِزُ الإنسانَ عنِ العالَمِ المُحيطِ بِهِ، والذي يَتطلَّبُ القيامَ بخُطوةٍ عظيمةٍ تَقومُ على تَكريسِ الذَّاتِ للهِ، فإنَّنا نَجِدُ أنَّ نَذرَ النَّذيرِ ذاكَ لم يَكُن يَقتَصِرُ على الرِّجالِ فقط، معَ أنَّنا اعْتَدْنا على أنَّ الرِّجالَ هُمُ الَّذينَ كانوا ينذرونَهُ، ولكنَّهُ كانَ يَضُمُّ النِّساءَ أيضًا.
استَمعوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ العَدَد 6: 2: "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ، لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ"، ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ الحَديثَ عَمَّا ينبغي للنَّذيرِ أنْ يَفعلَهُ. فقد كانَ بإمكانِ المرأةِ أن تُنذِرَ نَذرَ النَّذير كما يَفعلُ الرَّجُل. فلم تَكُن أعلى مُستوياتِ التَّكريسِ الروحيِّ تَقتَصِرُ بأيِّ طَريقةٍ كانت على الرِّجال، بل كانت هناكَ مُساواة في الحياةِ الروحيَّةِ والمسؤوليَّات. كذلك، في سِفْرِ الأمثال 6: 20، نَجِدُ آيةً مُدهشةً جدًّا تُشيرُ إلى المُساواةِ بينِ الجِنسَيْن في مَعرفةِ شَريعةِ اللهِ ومسؤوليَّةِ تَعليمِ الشَّريعةِ في العائلة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 6: 20: "اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأدِيبَ أَبِيكَ، وَلاَ تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ". والافتراضُ هُنا هو أنَّ كُلًّا مِنَ الأبِ والأُمِّ يَعرفانِ شَريعةَ اللهِ. وعندما يُوصيان أولادَهُما بالقيامِ بالأشياء، فإنَّهُما يُشارِكانِ معَ هَؤلاءِ الأولادِ الحَقَّ الإلهيَّ. إذًا فقد كانَ كِلا الجِنْسَيْنِ مَسؤولاً عن تَعليمِ شَريعةِ اللهِ. وهذا يعني أنَّهُ كانَ لا بُدَّ لَهُما أنْ يَعرِفا شريعةَ اللهِ. والآن، في ضَوءِ هذا كُلِّه، نُدركُ أنَّهُ عندما عَيَّنَ اللهُ الرَّجُلَ والمرأةَ، أعطاهُما امتيازًا روحيًّا مُتساويًا ومَسؤوليَّة مُتساوية. فَقد كانَ كِلاهُما مَسؤولاً عن إطاعةِ شَريعَتِه. وقد كانَ كِلاهُما مَسؤولاً عن إظهارِ الحُبِّ لَهُ مِنَ القَلب. وقد كانا مَسؤولَيْنِ عن عِبادَتِهِ وَتَسبيحِه. وقد كانت حَياتُهُما مُتساوية مِن حيث القيمة. وقد كانَ باستطاعةِ كُلٍّ مِنهُما أيضًا أن يُنذِرَ نَذْرَ التَّكريسِ التَّامِ والمُطلَقِ للهِ. فأعلى مُستوياتِ التَّكريسِ كانت مُتاحَةً لِكِليهِما. وقد كانَ كُلٌّ منهُما مَسؤولاً عن مَعرفةِ الشَّريعةِ كي يَتَمَكَّنا مِن تَوصيلِها إلى الجيلِ القادِم.
كذلكَ، في العهدِ القديم، نَرى أنَّ هناكَ مُساواةً بينَ الجِنسَيْنِ فيما يَختصُّ بتعامُلِ اللهِ معَ المرأة. فاللهُ لم يَتجنَّبِ التَّعامُلَ مُباشَرةً معَ النِّساء. وَهُوَ لم يَتحدَّث مِن خلالِ الرِّجالِ في كُلِّ مَرَّةٍ أرادَ فيها أن يُخاطِبَ امرأةً. فقد ظَهَرَ لَهُنَّ بطريقة حَميمة جدًّا، وشخصيَّة جدًّا، ومَجيدة جدًّا، ومُعجزيَّة جدًّا. فعلى سَبيلِ المِثالِ، في سِفْرِ التَّكوين 3: 13 وما يَليه، ظَهَرَ لِحَوَّاء. وفي سِفْرِ التَّكوين 16: 8 وما يَليه، ظَهَرَ شخصيًّا لهَاجَر. وفي سِفْرِ التَّكوين 18: 9-15، ظَهَرَ شَخصيًّا لِهاجَر زَوجَةِ إبراهيم. وفي سِفْرِ القُضاة 13: 3، ظَهَرَ لأُمِّ شَمشون. فقد كَانَ اللهُ يَتعامَلُ تَعامُلاً شخصيًّا وحَميمًا معَ نِساءٍ مُنفَرِدات. كذلكَ، نَرى المُساواةَ بينَ الجِنسَيْنِ في حَقيقةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ يَخدِمونَ اللهَ بطُرُقٍ خاصَّةٍ جدًّا.
فهُناكَ جَوْقَةٌ مُوسيقيَّة يَرِدُ ذِكرُها في سِفْرِ نَحَمْيا 7: 67 وتتألَّفُ مِن 245 مُغَنٍّ ومُغَنِّية. فقد كانا يَشتركانِ آنذاك في العِبادةِ في الهَيكَل، وفي قيادةِ النَّاسِ في التَّسبيحِ مِن خلالِ المُوسيقا. وفيما يَختصُّ بالعِبادَةِ في خَيمةِ الاجتماعِ أيضًا (كما جاءَ في سِفْرِ الخُروج 38: 8)، نَقرأُ أنَّهُ كانت هناكَ نِساءٌ يَخْدِمْنَ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاع. ونحنُ لا نَعلَمُ ماذا كُنَّ يَفعلنَ. فرُبَّما كُنَّ يَسْتَقْبِلْنَ الوافِدينَ أو يَقُمْنَ بأعمالِ التَّنظيف. ولكِنَّنا لا نَعلمُ حَقًّا ماذا كُنَّ يَفعلنَ. فرُبَّما كُنَّ يَستقبِلْنَ النِّساءَ اللَّاتي يأتينَ للعبادةِ ويُعَلِّمنَهُنَّ، أو رُبَّما كُنَّ يَخْدِمْنَ النِّساءَ المُحتاجات. ولكِنَّهُنَّ كُنَّ يَخْدِمْنَ مَقاصِدَ اللهِ في خَيمةِ الاجتماع. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا سِفْرَ التَّثنية 12: 10-12. ويُمكنكم أن تَقرأوا سِفْرَ صموئيل الثَّاني والأصحاح السَّادس. ويُمكنكم أن تَقرأوا سِفْرَ صموئيلَ الأوَّلَ والأصحاحَ الأوَّلَ والعَديدَ مِنَ الآياتِ الأخرى لِتَجدوا أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَشترِكْنَ في المُناسباتِ القوميَّةِ العظيمةِ لبني إسرائيل بِمُقتضى القصدِ الإلهيِّ. لِذا فإنَّنا نَرى أنَّهُنَّ كُنَّ مُتساويات في المسؤوليَّة الروحيَّة وفي الحياةِ الروحيَّة. وقد أُعْطينَ فُرَصًا للخدمةِ في إطارِ خُطَّةِ اللهِ للشَّعب. وقد ظَهَرَ اللهُ بصورة شخصيَّة وحَميمة لَهُنَّ. وقد كُنَّ يَحْصُلْنَ على فُرَصٍ للخِدمة. لِذا فقد خَدَمْنَ اللهَ في العهدِ القديمِ في الأمورِ الروحيَّةِ إلى جانبِ الرِّجال. والآن، اسمَحوا لي أنْ أُضيفَ في عُجالَةٍ ما يَلي، وأرجو أن تُصغوا بعِناية: إنَّ هذا لا يَعني أنَّهُنَّ كُنَّ يَقُمْنَ بنفسِ دَورِ الرِّجال. وهذا أمرٌ ينبغي لنا أن نَفهَمَهُ.
فعندما نَقولُ إنَّ المرأةَ تَقومُ بدورٍ مُختلِفٍ في المُجتمعِ وفي الكنيسةِ عنِ الرَّجُل، فإنَّنا لا نَعني بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ أنَّنا نَنْتَقِصُ مِن شأنِها روحيًّا. فهناكَ أدوارٌ كثيرة في المُجتمَع، وهُناكَ وَظائف كثيرة في المُجتمع. وواحدٌ مِنَ الخُطوطِ الرئيسيَّةِ الفاصِلَةِ في كُلِّ هذه الوظائفِ هي بينَ الرَّجُلِ والمرأة. وأيُّ شخصٍ عاقِلٍ يَعلَمُ ذلك. وما أعنيه هو أنَّهُ يُمكِنُكَ أن تَتحدَّثَ عنِ المُساواةِ إلى أنْ لا يَعودَ هُناكَ أُناسٌ تَتحدَّثُ إليهم. ويُمكِنُكَ أن تَفعلَ كُلَّ ما في وُسْعِكَ لتحقيقِ تلكَ المُساواة. ولكِنَّ هذا لَنْ يَجْعَلَ الرِّجالَ يَومًا يَحْبَلونَ ويَحْمِلونَ ويَلِدونَ طِفلاً. فَمِنَ الواضحِ حَتَّى للشَّخصِ المَحدودِ الفِكْرِ أنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ يَقومونَ بِدورٍ مُختلِف.
وما أعنيه هو: هل هُناكَ مَا هُو أوضَحُ مِن ذلك؟ ولكِنَّ قَولَنا إنَّهما يَقومانِ بدورٍ مُختلِف لا يُقَلِّلُ مِن شأنِ النِّساءِ، ولا يُقَلِّلُ مِن قِيمَتِهِنَّ الروحيَّةِ بأيِّ شَكلٍ مِنَ الأشكال. ولكِنْ فَكِّروا قليلاً في دَورِ كُلٍّ منُهما في العهدِ القديم. ولنتحدَّث عن ذلكَ الجانِب. فلا توجد مَلِكاتٌ مَذكوراتٌ في لائحةِ مُلوكِ إسرائيل، ولا توجد مَلِكاتٌ مَذكوراتٌ في لائحةِ مُلوكِ يَهوذا. لا توجد امرأة واحدة. ويبدو لي أنَّ هذهِ إشارة مُهِمَّة بخصوصِ القِيادَة. فلم تَكُن هُناكَ مَلِكَة واحدة. ولم تَكُن توجدُ كاهِنَة واحدة في كُلِّ العهدِ القديم. ولا واحدة. ولم تَكُن هُناكَ امرأة واحدة كَتَبَتْ سِفْرًا واحدًا أو جُزءًا مِن سِفْرٍ في العهدِ القديم. ولا واحدة. فهُناكَ تِسعةٌ وثلاثونَ سِفْرًا. ولكِنْ لا يوجد سِفْرٌ واحِدٌ أو جُزءٌ مِنْ سِفْرٍ كُتِبَ مِنْ قِبَلِ امرأة. ومعَ أنَّ هُناكَ سِفْرَيْنِ يَحْمِلُ عُنوانُهُما اسمَ امرأةٍ (وَهُما: راعوث وأستير)، فإنَّهُما لم يُكْتَبا مِنْ قِبَلِ امرأة. ولا توجَد امرأة واحدة في كُلِّ العهدِ القديمِ كانت لديها خِدمة نَبويَّة مُستمرَّة. وذلكَ يُدهِشُني أيضًا. فلا توجد امرأة واحدة قامت بخِدمة نَبويَّة مُستمرَّة، أو وَرَدَ ذِكْرُها في الأنبياءِ الصِّغارِ أوِ الأنبياءِ الكِبارِ، أو وَقَفَتْ بجانبِ إيليَّا أو أَليشَع أو أيٍّ مِنَ المُعَلِّمينَ أوِ القادةِ العُظماءِ في العهدِ القديمِ مِنْ خِلالِ خِدمَةٍ مُستمرَّة.
والنَّاسُ الَّذينَ يُشَجِّعونَ اليومَ على وُجودِ مُعَلِّماتٍ للكِتابِ المُقدَّسِ يَقولونَ: "ولكِن هناكَ نِساءٌ عَديداتٌ يَرِدُ ذِكرُهُنَّ بِوَصْفِهِنَّ نَبِيَّاتٍ في العهدِ القديم". هذا صحيح. فهناكَ خَمسُ نَبِيَّاتٍ. وأرجو مِنكُم أن تُصغوا جَيِّدًا إلى ما سأقولُهُ في وَصْفِ هؤلاءِ النِّساءِ الخَمْسِ لَكُم: المرأةُ الأولى المذكورة بوصفِها نَبيَّة هي "مَريَم". فَمَريَم تُوصَفُ بأنَّها نَبيَّة في سِفْرِ الخُروج 15: 20. ومَريم هي أُختُ مُوسَى. وهي تُدعى نَبِيَّة لأنَّها (وهذا هو السَّببُ الوحيدُ) لأنَّها قامت في مُناسَبَةٍ واحدةٍ فقط بقيادةِ نِساءِ إسرائيل في التَّرَنُّمِ بترنيمةِ تَسبيحٍ عظيمةٍ بِدُفُوفٍ وَرَقْصٍ إذْ إنَّ اللهَ أعطاها إعلانًا تَقولُهُ؛ وَهُوَ إعلانٌ قَصيرٌ جدًّا. ولكِنْ في تلكَ المَرَّةِ، كانت هي النَّاطِقَةَ بِلِسانِ اللهِ. فقد شَاءَ اللهُ أن يَتكلَّمَ إلى هؤلاءِ النِّساءِ في تلكَ التَّسبيحَةِ مِن خِلالِها. وَلا عِلْمَ لَنا بأيِّ مُناسَبَةٍ أخرى تَصَرَّفَتْ فيها بصِفَةٍ نَبويَّة. لِذا فإنَّها لم تَقُمْ بخِدمةٍ نَبويَّةٍ مُستمرَّة. والكلمة "نَبِيّ" أو "نَبِيَّة" أو يَتنبَّأ" تَعني يَتكلَّم. ومِنَ الواضحِ أنَّها حَظِيَتْ بِفُرصةِ التَّكَلُّمِ بكلامِ اللهِ في تلكَ المُناسَبَةِ. وقد فَعَلَتْ ذلك. ولكنَّها لم تَقُم بخدمة نَبويَّة مُستمرَّة.
أمَّا المرأةُ الثَّانيةُ مِنَ النِّساءِ الخَمْسِ اللَّاتي دُعِيْنَ نَبِيَّاتٍ فهي امرأة اسمُها "دَبُورَة". وقد كانت أداةً فَريدَةً بيدِ اللهِ في سِفْرِ القُضاةِ 4: 4. لِذا فإنَّها تُدعى نَبيَّة لِمُجَرَّدِ أنَّ اللهَ استَخدَمَها لإذاعَةِ إعلانٍ مُباشِرٍ مِنَ اللهِ لِرَجُلٍ يُدعى "بَارَاق". فقد قامت بتوصيلِ ذلكَ الإعلانِ المُباشِرِ في تلكَ المُناسَبَةِ الفَريدةِ في المَعركةِ الَّتي كانت دائِرَةً. لِذا، فقد دُعِيَتْ في تلكَ اللَّحظةِ نَبيَّة. فقد كانت تَتكلَّمُ نِيابَةً عنِ اللهِ. وقد استخدَمَها اللهُ في ذلكَ الوقتِ لِتَنطِقَ بتلكَ الرِّسالةِ إلى شَخْصٍ. فقد قَدَّمَتْ مَريَمُ نُبوءَتَها للنِّساءِ. وقد نَطَقَتْ دَبُورَة بنبوءَتِها لرَجُلٍ مُحَدَّد. ولكِنَّنا نَقولُ مَرَّةً أخرى إنَّنا لا نَعرِفُ أيَّ مُناسبةٍ أخرى قامَتْ فيهِ بأيِّ عَمَلٍ نَبويٍّ مُستمرّ.
أمَّا المرأةُ الثَّالثةُ المذكورة فإنَّها تُدعَى "خَلْدَة"...خَلْدَة. وهي مَذكورة في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني 22: 14 وما يَليه، وفي سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الثَّاني 34: 22 وما يَليه. وَهُما مَقطَعانِ مُتَشابِهان. وهي تَدعى نَبيَّة لِمُجَرَّدِ أنَّ اللهَ أعطاها إعلانًا (تَمامًا كما فَعَلَ معَ دَبُورَة) كي تُعلِنَهُ لِحِلْقِيَّا الكَاهِن عنِ الدَّينونةِ القادِمَةِ على أورُشَليم ويَهوذا. فقد تَكَلَّمَ اللهُ مِن خلالِها في تلكَ المُناسَبة. ولا عِلْمَ لَنا بأيِّ مُناسبةٍ أخرى. فلا توجد حادثة أخرى مُدَوَّنة. ونحنُ لا عِلْمَ لنا بأيِّ خِدمة نَبويَّة مُستمرَّة.
والمرأةُ الرَّابعةِ الَّتي دُعِيَتْ نَبيَّةً هي امرأة تُدعَى "نُوعَدْيَة"، وهي مَذكورة في سِفْرِ نَحَمْيا 6: 14. وهي تُدعى نَبِيَّة كاذِبَة. لِذا، سوفَ نَستَثنيها. فقد كانت مُعارِضَةً لإعادةِ بِناءِ أسوارِ أورُشليم، وكانت حَليفَةً لِسَنْبَلَّط وطُوبِيَّا والأعداءِ الآخرينَ الَّذينَ كانوا يُحاولونَ أن يَمنعوا اليهودَ مِن إعادةِ بِناءِ مَدينَتِهم. فقد كانت نَبيَّةً زائفةً. وقد كانت هناكَ نَبِيَّاتٌ زائفاتٌ كثيراتٌ بِكُلِّ تأكيد.
والمرأةُ الخامسةُ المَذكورةُ هي زَوجةُ إشعَيْاء. ففي سِفْرِ إشَعْياء 8: 3، تُدعَى زوجَتُهُ نَبيَّةً لِمُجَرَّدِ أنَّها وَلَدَتْ ابنًا كانَ اسْمُهُ يَحْمِلُ مَعنىً نَبويًّا. فهي لم تَنْطِق يومًا بنُبوَّة، بل فقط وَلَدَتْ ابنًا كانَ اسمُهُ يَحمِلُ مَعنىً نَبويًّا. وقد دُعِيَتْ نَبيَّةً بذلكَ المَعنى فقط. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا مِن خلالِ ما حَدَثَ مَعَ زَوجةِ إشَعْياء أنَّ الكلمة "نَبيَّة" كانت تُستخدَمُ بالمَعنى العامِّ. لِذا، هُناكَ خَمسُ نِساءٍ دُعينَ نَبِيَّات: الأولى دُعِيَتْ نَبيَّة لمُجَرَّدِ أنَّها وَلَدتْ ابنًا كانَ اسْمُهُ يَحْمِلُ مَعنىً نَبويًّا. والثَّانيةُ هي نَبيَّة زائفة. والنِّساءُ الثَّلاثُ الأُخرياتُ دُعِينَ نَبيَّاتٍ لأنَّهُنَّ قُمْنَ في مُناسبةٍ واحدةٍ فقط بقولِ شَيءٍ على لِسانِ اللهِ. ولكِنْ لا توجد (وأنا أقولُ مَرَّةً أخرى إنَّهُ لا توجد) خِدمة نَبويَّة مُستمرَّة للمرأةِ في العهدِ القديم.
والآن، ما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إلينا؟ حيثُ إنَّهُ لا تُوجَدُ مَلِكاتٌ، وحيثُ إنَّهُ لا تُوجَدُ كاهِناتٌ، وحيثُ إنَّهُ لا تُوجَدُ كاتِباتٌ لأسفارِ الكِتابِ المُقدَّس، وحيثُ إنَّهُ لا تُوجَدُ نَبيَّاتٌ، يُمْكِنُنا أنْ نَعرِفَ الكثيرَ عن خُطَّةِ اللهِ لِدَورِ الرَّجُلِ والمرأة. وأرجو أن تَتذكَّروا دائمًا أنَّ هذا لا يُقَلِّلُ البَتَّة مِن قُدرةِ المرأةِ الرُّوحيَّةِ، بل إنَّهُ يَختصُّ فقط بِدورِها. وسوفَ نُوَضِّحُ ذلكَ في أثناءِ دراسَتِنا لبقيَّةِ المَقطَع. فلا توجد امرأة في العهدِ القديمِ تَقومُ بدورٍ قِياديٍّ مُستمرٍّ بِمُقتَضى سُلطةِ اللهِ وخُطَّتِهِ، أو تَقومُ بأيِّ وَعْظٍ عَلنيٍّ أو خِدمةٍ تَعليميَّة.
ولكِنَّ النِّساءَ اسْتُخْدِمْنَ مِنْ قِبَلِ اللهِ في مجالاتٍ كثيرة وعَديدة. والآن، نأتي إلى العهدِ الجديد. استَمِعوا إلى ما سأُبيِّنُهُ لكم في العهدِ الجديدِ بالتَّوازي معَ ذلك. فالمُساواةُ الروحيَّةُ في البَركةِ والامتيازِ مَوجودة في العهدِ الجديد. فالشَّيءُ نَفسُهُ مَوجودٌ هُنا. فلننظُر إلى رسالة غَلاطيَّة والأصحاحِ الثَّالث. ويبدو أنَّ هذا المَقطَعَ هُوَ الَّذي يُثيرُ الجَدَل. غلاطيَّة 3: 28. وهذه هي الآيةُ الَّتي يُحِبُّ الأشخاصُ الَّذينَ يُنادونَ بِرِسامَةِ النِّساءِ، وبأنْ تَصيرَ النِّساءُ شَيْخَاتٍ في الكنيسةِ، وبأنْ يَصِرْنَ واعِظاتٍ، وغيرِ ذلك، هذه هي الآيةُ الَّتي يُحِبُّونَ أن يُشيروا إليها: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". وهذه آية بَسيطة جدًّا. ولا توجد لديَّ أيُّ مُشكلة بخصوصِ هذه الآية، ولا أنتُم أيضًا. ولا حاجةَ في الحقيقةِ إلى التَّجادُلِ بشأنِها. فكُلُّ ما تَقولُهُ هو أنَّنا واحِدٌ في المسيح. بأيِّ مَعنى؟ بأيِّ مَعنىً نحنُ واحدٌ في المسيح؟ يجب عليكم أن تَقرأوا السِّياقَ لكي تَعرفوا ما يَتحدَّثُ عنهُ. لِذا، ارجِعوا قليلاً فتجدونَ أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الخلاص. ارجِعوا مَثلاً إلى...يُمكِنُكم أن تَرجعوا إلى العدد 13: "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا". فَهُوَ يَتحدَّثُ قليلاً عنِ الفِداء. ويُمكنكم أن تَنظروا إلى العدد 22: "لكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، لِيُعْطَى الْمَوْعِدُ مِنْ إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ". ولا شَكَّ في أنَّ هذه طريقة أخرى للتحدُّثِ عنِ الخَلاص. فنحنُ نُؤمِنُ بالربِّ يسوعَ المَسيح. ونحنُ (في نِهايةِ العدد 24) قد تَبَرَّرنا بالإيمان. وهذا يعني أنَّنا قد تَصالَحْنا معَ اللهِ مِن خلالِ إيمانِنا. ونَقرأُ في العدد 26 أنَّنا جميعًا "أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ"، وأنَّنا اعتَمَدْنا جميعًا بالمَسيح. وقد لَبِسْنا المَسيح. لِذا فإنَّ المُساواةَ والوحدةَ الَّتي يَتحدَّثُ عنها...اسمعوني جَيِّدًا: هي أنَّنا جميعًا واحدٌ بِمَعنى الخَلاص.
هل تَرَوْنَ ذلك؟ فلا يوجد شيء يَختصُّ بدَورِ المرأةِ أوِ الرَّجُل. فنحنُ جمعًا واحدٌ في المسيح. والنُّقطةُ هي أنَّهُ بمقدورِ كُلِّ شخصٍ أن يأتي إلى المسيح. فلا يَهُمُّ إنْ كُنتَ يَهوديًّا أَم أُمميًّا. ولا يَهُمُّ إنْ كُنتَ عَبْدًا أَمْ حُرًّا. ولا يَهُمُّ إنْ كُنتَ رَجُلًا أوْ كُنتِ امرأةً. فيُمكِنُكم جميعًا أن تَنالوا الحياةَ الأبديَّةَ في المسيح. أليسَ هذا هو القصدُ الواضِحُ مِنَ النَّصِّ؟ بكُلِّ تأكيد. فنحنُ جميعًا أولادُ اللهِ. ونحنُ جَميعًا نَسْلُ إبراهيم. وهذا يَعني أنَّنا مُتَّحِدونَ بإبراهيم الَّذي هُوَ أَبُ جَميعِ المُؤمِنين. ونحنُ جميعًا وَرَثَة (كما جاءَ في الأصحاحِ الرَّابِعِ...في العَدَدِ السَّادسِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابع). ونحنُ جميعًا أبناء. ونحنُ جَميعًا نَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ. فَكُلُّ المَقطعِ الَّذي يأتي قَبلَ تلكَ الآية وبَعدَها يَتحدَّثُ عنِ الحقيقةِ الرَّائعةِ للخلاصِ في المسيحِ والمُتاحَةِ لجميعِ النَّاسِ: يَهودًا أَمْ أُمَمًا، عَبيدًا أمْ أحرارًا، ذُكورًا أَمْ إناثًا. فهذا هو كُلُّ ما يَتحدَّثُ عنهُ. فلا صِلَة لهذا المَقطَعِ بدَورِ النِّساءِ في الكنيسة. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يَعني أنَّهُ حينَ تَصيرينَ مُؤمِنَةً بالمسيحِ فإنَّكِ تُحْرَمينَ مِن هذا كُلِّه. وما أعنيه هو: هل نَعِظُ بأنَّهُ عندما يُؤمِنُ اليهوديُّ بالمسيحِ فإنَّهُ لا يَعودُ يَهوديًّا؟ أو إنْ كُنتَ عَبْدًا وآمَنْتَ بالمسيحِ فإنَّكَ لا تَعودُ عَبْدًا؟ أو إنَّكَ إنْ كُنتَ حُرًّا وآمنتَ بالمسيحِ فإنَّكَ لا تَعودُ حُرًّا؟ لا. فأيًّا كُنْتَ فإنَّكَ تَبقى على حَالِكَ. فأنتَ قد تكونُ مَسيحيًّا مِنْ أصْلٍ يَهوديٍّ أو مَسيحيًّا مِن أصْلٍ أُمَمِيٍّ. وأنتَ قد تَكونُ مَسيحيًّا حُرًّا أو مَسيحيًّا عَبْدًا. وأنتَ قد تَكونُ رَجُلاً مَسيحيًّا أو قد تَكونينَ امرأةً مَسيحيَّةً. فأنتَ لا تَتوقَّفُ عَن كونِكَ رَجُلاً، ولا تَتوقَّفينَ عن كونِكِ امرأةً. لا! فمِنَ الواضحِ أنَّ هذه الاختلافاتِ تَبقى على حَالِها. لِذا، فإنَّهُ تَحريفٌ سَخيفٌ في أنْ يُحاولوا أنْ يأخُذوا مَقطعًا كِتابيًّا وأنْ يَستخدموهُ لإثباتِ أنَّ هُناكَ مُساواة في أدوارِ الرَّجُلِ والمرأةِ في حين أنَّ النَّصَّ لا يَتحدَّثُ عنِ الأدوارِ، بل يَتحدَّثُ فقط عنِ الحياةِ الروحيَّةِ المُتاحَةِ مِن خلالِ نِعمةِ اللهِ بيسوعَ المسيح. فلا شَكَّ في أنَّ هُناكَ مُساواة رُوحيَّة في العهدِ الجديد. فكُلُّ الوَصايا في العهدِ الجديدِ، وكُلُّ الوُعودِ الروحيَّةِ في العهدِ الجديدِ، وكُلُّ البَركاتِ في العهدِ الجديدِ، وكُلُّ المُساءَلَةِ الروحيَّةِ في العهدِ الجديدِ فيما يَخُصُّ نَمَطَ حَياتِنا وما سيَفعلُهُ اللهُ رَدًّا على ذلكَ هي أمورٌ مُشتركةٌ بينَ الرِّجالِ والنِّساء. فهي لا تُخُصُّ الرِّجالَ فقط، بل هي للرِّجالِ والنِّساء. لِذا فإنَّنا نَتمتَّعُ جميعًا بنفسِ المصادِرِ الروحيَّةِ، وبنفسِ الوعودِ الروحيَّة، وبنفسِ المسؤوليَّاتِ الروحيَّة. وَحَتَّى إنِّي لن أَصرِفَ وَقتًا في استعراضِ كُلِّ العهدِ الجديدِ وَشَرْحِ ذلكَ لَكُم. فكُلُّ ما تَقرأوهُ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الرِّجالِ والنِّساء. فلا يوجد أيُّ فَرقٍ بينَهُما مِن جهةِ المسؤوليَّةِ الروحيَّةِ أوِ البَرَكَةِ أوِ القُدرة. ولكِن بالرَّغمِ مِن وُجودِ مُساواةٍ (كما هي الحالُ في العهدِ القديمِ) مِن جِهَةِ الواجباتِ الروحيَّة والبَركاتِ الروحيَّةِ، ما يَزالُ هُناكَ فَرقٌ في الأدوار...في الأدوار.
فمثلاً، في العهدِ الجديد، لا توجد واعِظات. ولا واحدة. ولا تُوجد راعيات أو مُعَلِّمات. ولا تُوجد شَيخَة. ولا تُوجد مُبَشِّرَة. ولا تُوجد امرأة كَتَبَتْ سِفْرًا. فهناكَ سَبعةٌ وعِشرونَ سِفْرًا في العهدِ الجديد. ولكنَّ امرأةً واحدةً لم تَكتُب أيَّ جُزءٍ مِنَ العهدِ الجديد. فَجميعُ الأسفارِ السِتَّةِ والسِّتِّين كُتِبَتْ مِنْ قِبَلِ رِجال. والعهدُ الجديدُ يَنسَجِمُ معَ خُطَّةِ اللهِ للنِّساءِ كما هي مُعلَنة في العهدِ القديم. فلا توجد امرأة مُبَشِّرَة. ولا توجد امرأة واعِظَة أو مُعَلِّمة. ولا توجد امرأة تَرعَى رَعِيَّة. ولا توجد شَيخَة في الكنيسة. ولا يوجد أيُّ نَصٍّ مُدَوَّنٍ في العهدِ الجديدِ يُشيرُ إلى عِظَةٍ قَدَّمتها امرأة، أو إلى دَرسٍ كِتابيٍّ عَلَّمَتْهُ امرأة. ولا حَادِثة واحدة. فَهُنَّ لسنَ نَبِيَّاتٍ ولسنَ مُبَشِّراتٍ. وقد تأتي إحداهُنَّ وتقول: "وماذا...ماذا...ماذا عنْ بَناتِ فِيلُبُّس الأربع المَذكورات في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 21: 9؟" صَحيحٌ أنَّنا نَقرأُ إنَّ فيلُبُّسَ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ بَنَاتٍ عَذَارَى كُنَّ يَتَنَبَّأنَ، ولكنَّ النَّصَّ لا يَقولُ إنَّهُنَّ كُنَّ نَبِيَّات. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُنَّ كُنَّ مُبَشِّرات. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُنَّ كُنَّ كَارِزات. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُنَّ كُنَّ شَيخات. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُنَّ كُنَّ راعِياتٍ مُعَلِّمات. بل هو يَقولُ وَحَسْب إنَّهُنَّ كُنَّ يَتَنَبَّأنَ. فأحيانًا، وفي حَالاتٍ مُعيَّنة (كما هي حالُ دَبُورَة أو مَريم)، كانَ اللهُ يَشاءُ بحسبِ قَصدِهِ المُقَدَّسِ أنْ يُقَدِّمْنَ كَلمةً مِنْ عندِ اللهِ. ونحنُ لا نَدري لماذا أو كيف. ونحنُ لا نَعلَمُ إنْ كُنَّ يَتَكَلَّمْنَ معًا بِصِفَةٍ رُباعِيَّةٍ أَمْ أنَّهُنَّ كُنَّ يَتكلَّمْنَ بصورةٍ مُنفردة إحداهُنَّ عنِ الأخرى. فَكُلُّ ما نَعلَمُهُ هو أنَّهُ في وقتٍ مُعَيَّن ومَكانٍ مُعَيَّن، كانَ اللهُ يَتحدَّثُ مِن خِلالِهِنَّ.
اسمَعوني: لقد تَكَلَّمَتْ مَريَمُ، أُمُّ رَبِّنا يَسوع، بنفسِها كَلامًا نَبويًّا عندما تَلَقَّتْ مِنْ كلمةِ اللهِ نَفسِهِ الرَّدَّ. فهل تَذكرونَ أنَّها عندما ذَهَبَتْ لزيارةِ أليصابات وقالَتْ ما صَارَ يُعْرَفُ بتَسْبِحَةِ مَريَم الَّتي مَجَّدَتِ اللهَ بها؟ فقد تَكَلَّمَتْ بكلامٍ هُوَ وَحْيٌ إلهِيٌّ. وبذلكَ المَعنى، فقد تَنَبَّأتْ مَريم، ونَطَقَتْ. فهذا هو ما تَعنيهِ الكلمة. فقد نَطَقَتْ بكلمةِ اللهِ. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّهُ في مُناسَباتٍ أخرى، فإنَّ نِساء أُخرياتٍ نَطَقْنَ بكلمةِ اللهِ. وفي الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 11: 5، نَقرأُ أنَّهُ ينبغي للمرأةِ الَّتي تُصَلِّي أو تَتنَبَّأ أن تُغَطِّي شَعرَها. فهناكَ أوقاتٌ وأماكِنُ يُمكِنُ فيها للنِّساءِ أنْ يُصَلِّينَ أوْ يَنْطِقْنَ بكلمةِ اللهِ.
ونَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 17 إنَّهُ ستأتي أوقاتٌ (وَالكاتِبُ يَقتَبِسُ هُنا ما جاءَ في سِفْرِ يُوئيل) تَتَنَبَّأُ بها النِّساءُ. والنَّصُّ يَقولُ إنَّ بَناتِكُم سيتنَبَّأنَ، وإنَّ بِنوكُم سيَرَوْنَ رُؤى، وإنَّ بَناتِكُم سَيَتنَّبَّأنَ. وهذه الكلمةُ تَعني ببساطة: "يَتَكَلَّمْنَ". فهناكَ أوقاتٌ وأماكِنٌ تَتكلَّمُ فيها النِّساءُ بكلمةِ اللهِ. وأرجو أن تَفعلَ كُلُّ امرأةٍ في هذه الكنيسة ذلك. ولكِنَّ هذا يَختلِفُ تمامًا عنِ أنْ تَقومَ المرأةُ بعملِ الرَّاعي أوِ المُعَلِّمِ أوِ الشَّيخِ أوِ المُبَشِّرِ أوِ الرَّسول. فلا توجد رَسولات. ولا توجد تِلميذات ليسوع. ولا تُوجد راعِيات أو مُبَشِّرات، وَهَلُمَّ جَرَّا. فيجب أنْ تُلاحِظوا ذلكَ. ولا توجد أيُّ امرأةٍ كَتَبَتْ أيَّ جُزءٍ مِنَ الكتابِ المقدَّس. فالرِّجالُ والنِّساءُ يَقُمْنَ بأدوارٍ مُختلفة. وهل هذا يَعني أنَّ النِّساءَ لَسْنَ روحيَّاتٍ؟ قَطْعًا لا. قَطْعًا لا.
وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ، أيَّتُها النِّساءُ، ولكِن هل تُدركونَ أنَّ الرِّجالَ هُمُ في أغلبِ الحالاتِ نِتاجُ النِّساء؟ وأنا لا أَعني جَسديًّا. فبهذا المَعنى، جَميعُ الرِّجالِ يأتونَ مِنَ النِّساءِ، ولكِنِّي أتحدَّثُ عنِ النُّضْجِ في الشَّخصيَّة. فَهُمْ يتأثَّرونَ أكثرَ شَيءٍ بالنِّساء. فتيموثاوُس الَّذي تَعَلَّمَ عندَ أقدامِ أُمِّهِ وجَدَّتِهِ هو نَفسُهُ حَصيلَةُ تَربيةِ امرأةٍ تَعَلَّمَتْ كلمةَ اللهِ وتَكَلَّمَتْ بها. ولكِنَّ هذا يَختلِفُ تَمامَ الاختلافِ عنِ القيامِ بِدَورٍ عُهِدَ بِهِ إلى الرِّجالِ في الكنيسة.
والآن، اسمَحوا لي أن أتكلَّمَ أكثر قليلاً عنِ المُساواةِ بينَ الجِنسَيْنِ كي لا تَنْخَدِعوا بذلك: لا يوجد ما يُشيرُ إلى أنَّ النِّساءَ يأتينَ في المَكانةِ الثَّانيةِ في العهدِ الجديد. فمثلاً، كانَ أوَّلُ شَخصٍ قادَهُ يَسوعُ إلى مَعرفَتِهِ هو امرأةً (في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الرَّابع). وكانَ أوَّلُ شخصٍ يُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ المَسيَّا امرأةً. وهي ليستِ امرأةً وَحَسْب، بل إنَّها امرأة شِرِّيرة تَزَوَّجَتْ مِنَ العَديدِ مِنَ الأزواجِ وكانت تَعيشُ آنذاك في الزِّنَى. وقدِ التقَى امرأةً سامِريَّةً عندَ البِئرِ في سُوخَار وقَدَّمَ لها الحَقَّ الرَّائعَ عن شَخصِهِ وَقَدَّمَ لها الخَلاصَ في اعتقادي. وفي إنجيل لوقا والأصحاح 13 وإنجيل مَرقُس والأصحاحِ الخامسِ، شَفى يَسوعُ امرأةً. فقد كانَ يَتَحَنَّنُ عَليهنَّ كما كانَ يَتحنَّن على الرِّجال. وقد كانَ يَهتمُّ بشفائِهنَّ كما كانَ يَهتمُّ بِشِفاءِ الرِّجال. وقد عَلَّمَ يَسوعُ نِساءً. وإنجيل لوقا 10: 38-42 يُظْهِرُهُ وَهُوَ يَقومُ بذلكَ الدَّورِ التَّعليميِّ تُجاهَ نِساءٍ. وقد كُنَّ يَخْدِمْنَهُ شَخصيًّا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل لوقا 8: 3 أنَّ مَجموعةً مِنَ النِّساءِ كُنَّ يُحِطْنَ بِهِ، ويَعتنينَ بِهِ، ويَدْعَمْنَهُ، ويَخْدِمْنَهُ مِن أموالِهِنَّ. ولا أدري ما هي خِدمَتُهُنَّ. فرُبَّما كُنَّ يُقَدِّمْنَ الطَّعامَ والمَنامَةَ، ورُبَّما يُصْلِحْنَ الثِّيابَ، ورُبَّما يأتينَ ويُصَلِّينَ. ولكِنَّ مَجموعَةَ الأشخاصِ الجَائِلينَ كانت مُؤَلَّفَةً مِنْ يَسوعَ، والتَّلاميذِ، ومَجموعةٍ مِنَ النِّساءِ. ولكِنَّنا لا نَقرأُ مَرَّةً واحدةً أنَّ أولئكَ النِّسوةِ وَعَظْنَ أو عَلَّمْنَ. فقد كانَ لَهُنَّ دَورٌ هُناك، ولكِنَّ ذلكَ الدَّورَ كانَ يَختلفُ عن دورِ المَسيحِ والتَّلاميذِ الاثني عَشَر. وفي إنجيل يوحنَّا، عندما جَلَبوا امرأةً زانيةً أمامَ يَسوع، دافَعَ عن تلكَ المرأةِ الخاطئة، وغَفَرَ خَطيَّتَها، وأحَبَّها، وفَداها، ثُمَّ إنَّهُ وَبَّخَ الرِّجالَ المُرائينَ الَّذينَ دَانوها مِن دونِ أن يَدينوا أنفُسَهُم على الخطيَّةِ نَفسِها.
وقد دَعا يَسوعُ النِّساءَ إلى أَهَمِّ أولويَّةٍ في الحياةِ وهي: الطَّاعة. فقد دَعا النِّساءَ إلى أنْ يَكُنَّ مُطيعاتٍ. والآيةُ لوقا 11: 28 هي مَثَلٌ تَوضيحيٌّ على ذلك. وعندما قامَ يَسوعُ مِنَ الأمواتِ، لِمَنْ ظَهَرَ أوَّلاً؟ لِرَجُلٍ أمْ لامرأةٍ؟ لقد ظَهَرَ أوَّلاً لامرأةٍ. وقد دَعا يَسوعُ إلى تَبشيرِ النِّساءِ. فقد قالَ: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ (إنجيل مَرقُس 16: 15) أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا". وهذا يَضُمُّ النِّساءَ. وفي رسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاحِ الثَّالث، قالَ: "أجَل، إنَّ النِّساءَ هُنَّ الإناءُ الأضعَف". وَهُوَ يَعني بذلكَ: وَفقًا لخَليقةِ اللهِ، فإنَّها الأضعَف جَسديًّا. أجل. لِذا، يجب على الرِّجالِ أنْ يَحموهُنَّ وأنْ يُقَوُّوهُنَّ. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن أنَّها الإناءُ الأضعَف، فإنَّهُ يَقولُ: "أنتُنَّ أيضًا سَتَرِثْنَ نِعمَةَ الحياةِ". فعندما يَختصُّ الأمرُ بالحُصولِ على مِيراثِ النِّعمةِ مِنَ اللهِ، سوفَ تَرِثْنَ أيضًا. وثَمَرُ الرُّوحِ في غَلاطِيَّة 5 هو للرِّجالِ والنِّساء. وبَرَكَةُ الطَّاعةِ هي للرِّجالِ والنِّساء. وعندما يَذْكُرُ بولسُ (في رُومية 16) جَميعَ الأشخاصِ الَّذينَ ساعَدوهُ في خِدمَتِه، فإنَّ اللَّائحةَ تَزْخُرُ بالنِّساء. وكما تَرَوْنَ، يا أحبَّائي، فإنَّ النِّساءَ يَتَبَوَّأنَ مَكانةً مُهمَّةً جدًّا جدًّا في تَدبيرِ اللهِ. وَهُنَّ يَتمتَّعْنَ بمكانةٍ مُساويةٍ للرِّجالِ فيما يَختصُّ بالحياةِ الروحيَّةِ، ولكِنْ ليسَ فيما يَختصُّ بالدَّوْر.
وهذا هو السَّبَبُ في أنَّهُ يَقولُ...لِنَنظُر إلى النَّصِّ الَّذي أمامَنا: "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ". فيجب عليهنَّ أن يَتعلَّمْنَ. لماذا؟ لأنَّهُ بخلافِ ذلك، كيفَ سَيَتمَكَّنَّ مِنْ تَعليمِ كلمةِ اللهِ لأولادِهِنَّ؟ وبخلافِ ذلك، كيفَ سيتمكَّنَّ مِنْ تقديمِ المَشورةِ للنِّساءِ الأُخريات؟ وبخلافِ ذلكَ، كيفَ سَيَتَمَكَّنَّ مِنَ اقتيادِ آخرينَ إلى المَسيح؟ وبخلافِ ذلكَ، كيفَ سيتمكَّنَّ مِنَ العَيشِ بِطاعَةٍ لِمَجْدِ الله؟ وبخلافِ ذلكَ، كيفَ سَيَتَمَكَّنَّ مِنَ الحُصولِ على البَرَكة؟ وبخلافِ ذلكَ، كيفَ سَيَتَمَكَّنَّ مِنَ الحُصولِ على الغِنى الرُّوحِيِّ؟ "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ". وهذا لا يُلغي الفَرقَ. فالفَرقُ يَبقى قائمًا. فهو مَوجودٌ لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي وَضَعَهُ. وأنا أريدُ مِنكُم أن تَفهموني جَيِّدًا حينَ أقولُ إنَّ هُناكَ فَرق بينَ دَورِ الرَّجُلِ وَدورِ المرأة. فنحنُ لا نَعني البَتَّة أنَّ هُناكَ فَرقًا في قُدرتهِنَّ الروحيَّةِ أو في حاجَتِهِنَّ إلى مَعرفةِ كلمةِ الله.
والآن، في الخِتام، أوَدُّ أن أقولَ شَيئًا شخصيًّا جدًّا. أنا أشكُرُ اللهَ على مَرِّ السِّنين على هذه الكنيسةِ بسببِ الخِدمةِ الرَّائعةِ والمُذهلةِ الَّتي تُقومُ بها النِّساء. وأريدُ أن تَعلموا أنَّ هذه الكنيسةَ لم يَكُن بِوِسْعِها أنْ تَكونَ بهذه المَكانَةِ الَّتي هي عليها الآن، ولا أنْ تَتمتَّعُ ببركةِ اللهِ بهذا الغِنَى لَولا النِّساءِ في هذه الكنيسة. فأنا لم أرَ يَومًا كَنيسةً تَضُمُّ نِساءً يَمْتَلِكْنَ حَماسةً وأمانَةً ورَغبةً في تَمجيدِ المسيحِ أكثَرَ مِنَ النِّساءِ في هذه الكنيسة. وأنا لم أرَ يومًا كَنيسةً تَشعُرُ فيها النِّساءُ بالحُريَّةِ والتَّحَرُّرِ والفَرَحِ والسَّعادةِ في القيامِ بتلكَ الخِدمةِ أكثرَ مِنْ النِّساءِ في هذهِ الكنيسة. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا نُتَّهَمُ مِنَ الخَارِجِ بأنَّنا نُغالي في تَعَصُّبِنا. ونحنُ نُتَّهَمُ بأنَّنا رَجْعِيُّونَ، وعَتيقو الطِّرازِ، وتَقليديُّون. ونحنُ نُتَّهَمُ بأنَّنا نَنْتَمي إلى عَصْرِ الدِّيناصورات. ولكِنْ في الحَقيقةِ، أنا أَشكُرُ اللهَ على أنَّهُ طَوالَ سَنواتِ خِدمتي في هذه الكنيسةِ، كانتِ الأولويَّةُ الأولى هي أن نَجعلَ النِّساءَ يَتَعَلَّمْنَ. وأنا أَفرحُ لأنَّ النِّساءَ يَتعَلَّمْنَ في هذه الكنيسةِ. فمُنذُ الأيَّامِ الباكِرَةِ جِدًّا عندما كُنتُ أُعَلِّمُ صَباحَ أيَّامِ الثَّلاثاءِ دَرسَ كِتابٍ مُقَدَّسٍ للنِّساءِ إلى هذا اليومِ الَّذي صارَ لَدينا فيهِ في كُلِّ أسبوع خِدمة بِعُنوان: "نِعْمَةُ كُلِّ امرأة" (Every Woman’s Grace)؛ وهي خِدمة تَعليميَّة كُلَّ يومِ أربِعاء. فهُناكَ خِدمة "نِعمةُ كُلِّ امرأةٍ"، ولا أدري إنْ كُنتُم تَعلمونَ أنَّها مُتوفِّرة باللُّغةِ الإنجليزيَّة، ولدينا خِدمةُ "نِعمةُ كُلِّ امرأةٍ" باللُّغةِ الإسبانيَّة، ولدينا خِدمةُ "نِعمةُ كُلِّ امرأةٍ" يومَ الجُمُعَة باللُّغةِ الكُوريَّة. والنِّساءُ يَتَعَلَّمْنَ. وهي خِدمة رائعة. إنَّها رائعة. فهي تُقَوِّي كُلَّ جانبٍ مِن حياةِ الكنيسةِ. ويجبُ على الكَثيرينَ مِنكُم، أيُّها الرِّجالُ، أن تُدركوا أنَّ اللهَ بَارَكَكُم، وأنْ تَشكروهُ على أنَّ زوجاتِكُم قد حَقَّقْنَ نُمُوًّا، وأنَّهُنَّ قد تَعَلَّمْنَ أشياءً مِن كلمةِ اللهِ يُمكِنُ أنْ تُغني حَياتَهُنَّ وعلاقاتِهِنَّ بِكُم وبِعَائِلَتِكُم.
وأنا أَشكُرُ اللهَ على ذلك. وأنا لا أُصَدِّقُ ما تُحاوِلُ الصَّحافَةُ أنْ تَقولَهُ وما يُحاوِلُ أُناسٌ مِنَ الخارِجِ أنْ يَقولوهُ عن أنَّ لَدينا مَجموعة كبيرة مِنَ النِّساءِ المِسكيناتِ المُقَيَّداتِ بِقيودِ التَّقاليدِ البَالِيَةِ الَّتي لا تَليقُ بالعَقليَّةِ المُعاصِرَةِ (كما قَراتُ عَنَّا في هذه الصَّحيفةِ أو تِلك). فأنا أَرى أنَّ النِّساءَ في كَنيسةِ النعمة (Grace Community Church) قدِ اختَبَرْنَ الحُريَّةَ الحقيقيَّةَ اللَّازِمَةَ لكي يَصِرْنَ كُلَّ ما يُريدُ اللهُ مِنْهُنَّ أنْ يَصِرْنَ في إطارِ الدَّورِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ لَهُنَّ. وأنا أشكُرُ اللهَ عليكُنَّ جَميعًا، وأشكُرُ اللهَ على التِزامِ هذه الكنيسةِ بِرُمَّتِها بحقيقةِ أنَّهُ يَنبغي للنِّساءِ أنْ يَتَعَلَّمْنَ.
لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ: "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ". ونحنُ نَتَعَهَّدُ بِكُلِّ قُلوبِنا أنْ نَفعلَ ذلكَ كي يُتَمِّمْنَ دَورَهُنَّ. وبعدَ أن يَقولَ بولسُ ذلكَ في العددِ الحادي عَشَر، فإنَّهُ يُوَضِّحُ ذلكَ قائلاً: "بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ". وقد تَقولونَ: "مَهلاً مِن فَضلِكَ! مَا مَعنى ذلك؟" وأنا أقولُ لكم: تَعالَوْا يومَ الأحدِ القادِم فأَقولُ لَكُم مَعنى ذلك. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، لا تُوجَدُ كَلماتٌ تُعَبِّرُ عن فَرَحِنا في أنْ نَكونَ جُزءًا مِن شَرِكَةٍ تَضُمُّ رِجالاً أتقياءَ ونِساء تَقِيَّاتٍ، وأنْ نَكونَ جُزءًا مِن كَنيسةٍ تَتَعَلَّمُ فيها النِّساءُ، وَيَعِشْنَ فيها الحَقَّ الكِتابِيَّ، وَيَخْتَبِرْنَ فيها حُريَّةَ المَسيحِ في أنْ يَكُنَّ جُزءًا مِنْ شَرِكَةٍ لا يُوجَدُ فيها يَهوديٌّ ولا أُمَمِيٌّ، ولا حُرٌّ ولا عَبْدٌ، ولا ذَكَرٌ ولا أُنثى، وأنْ يَعْرِفْنَ أنَّنا جَميعًا نَتمتَّعُ ببركةِ الحياةِ الروحيَّةِ فيكَ، وأنْ نَتَمَتَّعَ جَميعُنا بغِنَى الكلمةِ الثَّمينَة.
وأنا أشكُرُكَ يا رَبُّ طَوالَ هذه السِّنينِ العديدةِ على النِّساءِ اللَّاتي تَعَلَّمْنَ، واللَّاتي قَرأنَ الكُتُبَ واسْتَمَعْنَ إلى التَّسجيلاتِ، وَدَرَسْنَ وَحْدَهُنَّ، واللَّاتي سَمِعْنَ التَّعليمَ وَصِرْنَ بسببِ ذلكَ يَخْدِمْنَ بفعاليَّةٍ لأجلِكَ في عائِلاتِهِنَّ وفي جَوانِبِ حَياتِهِنَّ ومَسؤوليَّاتِهِنَّ، وَحَتَّى في الكنيسة. وأنا أشكُرُكَ، يا أبانا، على ذلك. وأنا أشكُرُكَ على هؤلاءِ النِّساءِ التَّقيَّاتِ اللَّاتي يَفْهَمْنَ الأولويَّةَ القُصوى للمُساواةِ الروحيَّةِ، ويَفْهَمْنَ أيضًا التَّعريفَ الواضحَ جدًّا للدَّورِ الَّذي أوكَلْتَهُ لَهُنَّ. بارِكْهُنَّ، يا رَبُّ، وأَكرِمهُنَّ بسببِ تلكَ الأمانَة.
وأنا أشكُرُكَ أيضًا، يا رَبُّ، لأنَّكَ واضحٌ جدًّا في كَلِمَتِك، ولأنَّ هذهِ الأمورَ واضحة جدًّا لنا عندما نَتأمَّلُ في كِتابِكَ المُقدَّس. ساعِدنا، يا رَبُّ، على أنْ نَكونَ جُزءًا مِنَ الحَلِّ، لا المُشكلة. وساعِدنا على أنْ نَعرِفَ بوضوحٍ مَكانةَ الرَّجُلِ ومَكانةَ المرأةِ لكي يشعُرَ كُلٌّ مِنهُما بالرِّضا التَّامِّ في أثناءِ عَيْشِهِ بِحَسَبِ قَصْدِكَ الإلهيِّ. ولَيتَنا نَعرِفُ أنَّ أيَّ ابتِعادٍ عن ذلكَ هو مأساةٌ مُريعَة لأنَّهُ يُغَيِّرُ خُطَّتَكَ، ويَتَعَدَّى على مَشيئَتِكَ، ويَجلِبُ كَرْبًا شَديدًا على النَّاسِ الَّذينَ سيكونونَ خِلافًا لذلكَ راضِينَ جِدًّا بالمَكانةِ الَّتي وَضَعْتَها أنتَ. اجعَلنا مُستَعِدِّينَ، يا رَبُّ، لأن نَكونَ ما تُريدُ مِنَّا أن نكونَ، وأنْ نَفرَحَ بذلكَ الامتياز، وأنْ نُتَمِّمَ الدَّورَ الَّذي أَوكَلْتَهُ إلينا لكي يَمْتَدَّ مَلكوتُكَ أكثر فأكثر، ولكي نَتبارَكَ ويَتَمَجَّد اسمُكَ. آمين.
This article is also available and sold as a booklet.
