Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ في هذا الصَّباحِ لِدراسةِ كلمةِ اللهِ مَرَّةً أخرى على الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثاوُسَ والأصحاحِ الأوَّل. الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثاوُسَ والأصحاحِ الأوَّل. وأريدُ أن أعودَ إلى الأعدادِ مِن 18 إلى 20. فَعلى الرَّغمِ مِن أنَّ هَذا المَقطَعَ قَصيرٌ جدًّا، يَبدو أنَّ رُوحَ اللهِ قَد مَلأَ قَلبي بِكُلِّ أنواعِ الأشياءِ الَّتي أرغَبُ في قَولِها بِخصوصِ هَذا المَقطَع. لِذا فقدِ ابتدأنا في الأسبوعِ المَاضي، وسَنُتابِعُ في هذا الأسبوعِ، ونُنهي في الأسبوعِ القَادِمِ دِراسَةَ هذهِ الآياتِ الثَّلاثِ القَصيرة. ولكِنَّها غَنِيَّةٌ وَتُوَجِّهُ أفكارَنا إلى الأشياءِ الَّتي نَحنُ بِحاجَةٍ مُلِحَّةٍ إليها.

ففي الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثاوُسَ والأصحاحِ الأوَّل، أريدُ أن أقرأَ هذهِ الآياتِ على مَسامِعِكُم ابتِداءً مِنَ العَدد 18: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ، لِكَيْ تُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ، وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ، الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ، انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ، اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا".

والعِبارَةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي لاحَظْناها في يَومِ الرَّبِّ المَاضي في نِهايةِ العَدد 18 هِيَ: "لِكَي تُحارِبَ المُحارَبَةَ الحَسَنَةَ" أو: "لِكَي تُجاهِدَ الجِهادَ الحَسَنَ". وَقَد ذَكَّرناكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ بأنَّ بولسَ يَحُضُّ تيموثاوُسَ على أن يُدرِكَ أنَّهُ يَخوضُ حَربًا. ومِن خِلالِ دَعوةِ تيموثاوسَ إلى أن يَكونَ مُرْهَفَ الحِسِّ بهذهِ الطَّريقَةِ فإنَّهُ يَدعونا نَحنُ أيضًا إلى ذلك. فَيجبُ علينا أن نَفهمَ أنَّ دَعوَتَنا هِيَ أن نُحارِبَ المُحارَبَةَ الحَسَنَةَ ضِدَّ قُوَى الشَّيطان. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ الأوَّلِ عَن هذهِ الحَربِ، ويَقولُ في الأصحاحِ الأخيرِ مِن هذهِ الرِّسالةِ (وتَحديدًا في الأصحاحِ السَّادِسِ والعَدد 12): "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ". لِذا فإنَّهُ يَبتَدِئُ هذهِ الرِّسالةَ ويَختِمُها بِتَذكيرِ تِيموثاوسَ بأنَّهُ يَخوضُ حَربًا حَقيقيَّةً ضِدَّ قُوى الشَّيطان.

وفي يَومِ الرَّبِّ المَاضي، عِندما ابتدأنا بَالتَّأمُّلِ في تلكَ العِبارةِ، نَظرنا إلى طَبيعَةِ هذهِ الحَربِ، ورَأينا أنَّنا مُشترِكونَ في هذهِ الحَربِ الَّتي تَدُورُ رَحَاهَا بينَ اللهِ والشَّيطان. فَقد تَمَرَّدَ الشَّيطانُ على اللهِ، وَقَرَّرَ أن يُحارِبَ اللهَ مِن أجلِ تَحقيقِ غَاياتِهِ الأنانِيَّةِ. وَقَد سَقَطَ، ليسَ بِمُفرَدِهِ، بل إنَّهُ جَرَّ ثُلْثَ المَلائِكَةِ مَعَهُ. لِذا فإنَّ هُناكَ عَددًا كَبيرًا مِنَ الشَّياطينِ الَّذينَ يَقِفونَ مَعَهُ ويُحارِبونَ ضِدَّ اللهِ والمَلائكةِ القِدِّيسينَ. ويَعمَلُ البَشَرُ، مِن خِلالِ قَبولِهِم للمَسيحِ أو رَفضِهِم لَهُ، على اتِّخاذِ هَذا الجَانِبِ أو ذَاكَ في المَعركةِ أيضًا. لِذا، هُناكَ صِراعٌ كَونِيٌّ مُسْتَعِرٌ بينَ الشَّيطانِ واللهِ؛ وَهِيَ حَربٌ يَشترِكُ فيها شَياطينٌ، وَمَلائِكَةٌ، وَبَشَرٌ مَفدِيُّونَ، وَبَشَرٌ غَيرُ مَفدِيِّين.

وَالخُلاصَةُ هِيَ أنَّهُ على غِرارِ تِيموثاوسَ وَبولُسَ وَجَميعِ المُؤمِنينَ الآخرينَ، فإنَّنا نَخوضُ صِراعًا شَخصيًّا مُحْتَدِمًا مَعَ عَدُوِّ اللهِ الرُّوحِيِّ. وكُلَّما عَجَّلْنا في فَهْمِ ذلكَ، عَجَّلْنا في تَرتيبِ أولويَّاتِ حَياتِنا. فَمُصارَعَتُنا لَيْسَت مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، وَليسَت مَعَ عَدُوٍّ بَشَرِيٍّ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّات". وَكُلُّ هذهِ الكلماتِ تَصِفُ الشَّياطين. فَنحنُ نَخوضُ صِراعًا مَعَ عَدُوٍّ رُوحِيٍّ.

وَلَمْ يَفهمَ أَحَدٌ ذلكَ أفضلَ مِنَ الرَّسولِ بولُسَ الَّذي كَتَبَ هذهِ الكلماتِ إلى تِيموثاوُسَ، والَّذي كَتَبَ الكلماتِ الَّتي اقتَبَسْتُها للتَّوّ مِن رِسالةِ أفسُس 6: 12. وَلَم يَفهَمَ أَحَدٌ ذلكَ أفضَلَ مِن ذاكَ الَّذي يَقولُ في شَهادَتِهِ الشَّخصيَّةِ في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ 12: 7: "أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي". وَأيًّا كَانت تِلكَ الشَّوكَةُ فإنَّهُ رَأى أنَّها هُجومٌ مِنَ الشَّيطانِ عَليه. لِذا فَقد كانَ يُدرِكُ ضَراوَةَ ذلكَ الهُجوم. وَهُوَ يَكتُبُ أيضًا في الأصحاح الثَّاني مِن رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي ويَقولُ في العَدَدَيْن 17 و 18: "وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، فَإِذْ قَدْ فَقَدْنَاكُمْ زَمَانَ سَاعَةٍ، بِالْوَجْهِ لاَ بِالْقَلْبِ، اجْتَهَدْنَا أَكْثَرَ، بِاشْتِهَاءٍ كَثِيرٍ، أَنْ نَرَى وُجُوهَكُمْ. لِذلِكَ أَرَدْنَا أَنْ نَأتِيَ إِلَيْكُمْ [أَنَا بُولُسَ] مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ. وَإِنَّمَا عَاقَنَا الشَّيْطَانُ".

إذًا، لَقد كَانَ بُولُسُ يَعرِفُ عَن هذهِ الحَرْبِ الشَّرِسَة. وَهُوَ يَدعو تِيموثاوسَ هُنا (في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ والأصحاحِ الأوَّل) إلى خَوْضِ نَفسِ الحَربِ، وإلى إدراكِ أنَّهُ يَخوضُ مَعركةً رُوحِيَّةً خَطيرةً. والحَقيقةُ هي أنَّهُ يَحُضُّ تيموثاوسَ على المُحارَبَةِ في الجَبْهَةِ الأمامِيَّةِ. وَمِن جِهَةِ عَمليَّةٍ، كانت مُهِمَّةُ تيموثاوسَ (وَفقًا لِما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّلِ) تَقتَضي مِنهُ أن يَتَصَدَّى للرُّعاةِ الزَّائِفينَ، والشُّيوخِ الزَّائِفينَ، والقَادَةِ الزَّائِفينَ، والمُعَلِّمينَ الزَّائِفينَ في الكَنيسةِ في أفسُسَ والمَناطِقِ المُجاوِرَة أيضًا. وكانَ ذلكَ يَتطلَّبُ مِنهُ أن يَتَصَدَّى لِعَقائِدِهم وَمُمارَساتِهم البَاطِلَة. وَهذهِ ليست مُهِمَّةً سَهلة. وَقد كَانَ بولسُ يَعلَمُ أنَّها ليست مُهِمَّةً سَهلةً. وَمَعَ أنَّهُ أعطَى تيموثاوسَ تَعليماتٍ بِخُصوصِ تلكَ المُهِمَّةِ عندما كانَ مَعَ تيموثاوسَ في أفسُس، فإنَّهُ يَكتُبُ الآنَ رِسالَةً إليهِ لِتَأكيدِ ذلكَ لأنَّهُ كانَ يَعلَمُ أنَّها مُهِمَّةٌ صَعبَة. وَهُوَ يَدعو تيموثاوسَ في هذهِ الآياتِ الثَّلاثِ ويَقولُ لَهُ بإيجازٍ أنْ يُؤدِّي تِلكَ المُهِمَّةَ كَما لو كَانَ جُندِيًّا في الجَبْهَةِ الأمامِيَّةِ دُعِيَ إلى الجِهادِ في جُزءٍ مُحْتَدِمٍ جدًّا مِنَ المَعركةِ كي يَفعلَ شَيئًا ضَروريًّا جدًّا لإحرازِ الانتصارِ لأجلِ الجَيشِ كُلِّه. لِذا فإنَّ هذهِ الآياتِ الثَّلاث تُلَخِّصُ مَسؤوليَّةَ تِيموثاوسَ ودَورَهُ المُهِمَّ في أنْ يُحارِبَ هَذِهِ الحَربَ الحَسَنَة.

والآن، أريدُ أن أُضيفَ أنَّ تيموثاوسَ كَانَ يَمْلِكُ مِنَ النُّضْجِ مَا يَكفي للقِيامِ بهذهِ المُهِمَّة. فَقد تَتَلْمَذَ شَخصيًّا على يَدِ الرَّسولِ بولُس. وَقد سَافَرَ مَعَ بولُس، وَعَرَفَ بولُس، وَخَدَمَ في مَجالِ الرِّعايَةِ إلى جَانِبِ بولُس. فَقد كَانَ هُناكَ في الصُّفوفِ الأمامِيَّةِ بِصِفَتِهِ كَارِزًا، وَهُوَ مَا زَالَ مَدعُوًّا إلى القِيامِ بعملِ الكَارِز. وَقد كانَ يَعلمُ أنَّ ذلكَ يَقتَضِي مِنهُ أن يَتَصَدَّى لِمُجتَمَعٍ شِرِّير. وَقد كانَ قَوِيًّا في العَقيدة. وَكانَ قَد تَغَذَّى جَيِّدًا على التَّعليمِ القَويمِ، وَتَدَرَّبَ جَيِّدًا، وَتَعَلَّمَ جَيِّدًا، وَاستَعَدَّ جَيِّدًا حَتَّى إنَّنا إذا نَظرنا إليهِ بِحَسَبِ التَّعريفِ المَذكورِ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 13-14 سَنَجِدُ أنَّهُ شَابٌّ غَلَبَ الشِّرِّيرَ مِن خِلالِ مَعرِفَتِهِ بكلمةِ اللهِ. لِذا فإنَّهُ لن يَكونَ ضَحِيَّةَ التَّعليمِ المُضِلِّ، ولن يَكونَ ضَحِيَّةَ بِدعَةٍ أو ضَلالَة. فقد كانَ قَوِيًّا وَنَاضِجًا بِما يَكفي لِتَمييزِ الأكاذيبِ الشَّيطانِيَّةِ والخِداعِ الشَّيطانِيِّ، وَقادِرًا على التَّصَدِّي لِذلكَ، والتَّصويبِ على الهَدَفِ، وَإصَابَةِ الهَدَف، وأن يَكونَ أداةً نَافِعَةً بِيَدِ اللهِ للقِيامِ بذلك. لِذا فإنَّهُ الرَّجُلُ الَّذي دَعاهُ اللهُ مِن خِلالِ هذهِ الكلماتِ الَّتي أَوحَى بها الرُّوحُ القُدُسُ إلى بولُسَ بِخصوصِ هَذا الجُزءِ المُحَدَّدِ مِنَ المَعركة.

وَكما قُلتُ سَابِقًا، لم تَكُنِ مُهِمَّةُ تيموثاوسَ سَهلةً لأنَّهُ كانَت تُوجَدُ في كَنيسةِ أفسُس مَجموعةٌ مِنَ القادَةِ الَّذينَ يَخْدِمونَ الشَّيطانَ ويَزرَعونَ التَّعاليمَ المُضِلَّةَ في كُلِّ مَكان. وَهُم لا يُرَوِّجونَ للضَّلالِ فَحَسْب، بل يُرَوِّجونَ أيضًا للشَّرّ. وَرُبَّما لم يَكونُوا يُرَوِّجونَ للشَّرِّ عَلَنًا، ولكِنَّ هَذا هُوَ مَا كَانُوا يَفعلونَهُ في الحَقيقة. فَهُم يُرَوِّجونَ لِعَقيدةٍ زَائِفَةٍ وَأسلوبِ حَياةٍ بَعيدٍ عَنِ التَّقوى. لِذا فقد كانَ تيموثاوسُ مَدعُوًّا إلى التَّصَدِّي لذلك. وَهِيَ مُهِمَّةٌ صَعبة. فَهُوَ لا يَتَصَدَّى لأشخاصٍ ثَانَوِيِّينَ مِن جِهَةِ المَسؤوليَّةِ الرُّوحيَّةِ، بَل يَتَصَدَّى لِقادَةٍ.

وَلِكَي أُذَكِّرَكُم وَحَسْب بِما كَانَ يَحدُثُ هُنا، اسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بِشَيئَيْنِ رَئيسيَّيْن: لَقد كانُوا يُهاجِمونَ الحَقَّ؛ أيْ أنَّهُم كَانُوا يُهاجِمونَ العَقيدةَ القَويمَة، ويُهاجِمونَ التَّقوَى. لاحِظُوا مَثلاً مَا جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني إذْ يَبدو أنَّهُم كانُوا يُهاجِمونَ شَخصَ المَسيحِ لأنَّ بولسَ يَقولُ لتيموثاوسَ في العَددِ الخَامِسِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ، الَّتِي جُعِلْتُ أَنَا لَهَا كَارِزًا وَرَسُولاً. اَلْحَقَّ أَقُولُ فِي الْمَسِيحِ وَلاَ أَكْذِبُ، مُعَلِّمًا لِلأُمَمِ فِي الإِيمَانِ وَالْحَقِّ".

فَمِنَ الوَاضِحِ مِن خِلالِ هذهِ الكلماتِ أنَّنا نَستطيعُ أن نَتيقَّنَ مِن أنَّهُ كانَ هُناكَ هُجومٌ على وَساطَةِ المَسيحِ، وَهُجومٌ على كِفايَةِ المَسيحِ، وَهُجومٌ على عَمَلِ يَسوعَ المسيح. ونَجِدُ إشارَةً أخرى إلى ذلكَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 16. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ لا جِدَالَ في أنَّ سِرَّ التَّقوى هُوَ سِرٌّ عَظيمٌ. فَلا جِدالَ في أنَّ سِرَّ تَجَسُّدِ اللهِ في هَيئَةٍ بَشريَّةٍ (إذْ إنَّ هَذا هُوَ مَا يَعنيه)، وَأنَّ سِرَّ مَجيءِ اللهِ في جَسَدٍ بَشريٍّ هُوَ سِرٌّ عَميقٌ، وَسِرٌّ عَظيمٌ. وَذلكَ السِّرُّ هُوَ التَّالي: "اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ". وَنَجِدُ هُنا تَسلسُلاً زَمنِيًّا لحَياةِ المسيحِ وَعَمَلِهِ. ومَرَّةً أخرى، يَبدو أنَّهُ يَقولُ: "انظُر! هَذهِ مُهِمَّةٌ صَعبةٌ؛ ولكِنَّ هذهِ هِيَ الحَقيقة: أنَّ اللهَ تَجَسَّدَ في هَيئةِ المَسيح".

ثُمَّ نَجِدُ أيضًا في الأصحاحِ السَّادِسِ والعَدد 13، أو بالحَرِيِّ في العَدد 14، أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ في نِهايةِ العَدد 14. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 15: "الَّذِي سَيُبَيِّنُهُ فِي أَوْقَاتِهِ"، ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ المَسيحَ قَائِلاً عَنهُ: "الْمُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ [وَهَذا يَعني أنَّهُ اللهُ]، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِين". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يُؤكِّدُ لاهُوتَ يَسوعَ المسيح. لِذا، مِنَ الواضِحِ أنَّ لاهُوتَ المَسيحِ كَانَ يَتعرَّضُ للهُجومِ، وَأنَّ شَخصَ المَسيحِ كَانَ يَتعرَّضُ للهُجومِ، وَأنَّ تَجَسُّدَ اللهِ في هَيئةِ المَسيحِ كَانَ يَتعرَّضُ للهُجومِ، وَأنَّ كِفايَةَ المَسيحِ بِوَصفِهِ وَسيطًا كَانَت تَتعرَّضُ للهُجوم. فَهُوَ هُجومٌ على المَسيح.

كَذلكَ، لم يَكُنِ الهُجومُ مُوَجَّهًا فقط إلى المَسيحِ، بَل كانَ هُجومًا أيضًا على إنجيلِ المَسيحِ المُخَلِّص. فَنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ أنَّهُ عِوَضًا عَن تَعليمِ الإنجيلِ، وَعِوَضًا عَن تَعليمِ العَقيدةِ السَّليمةِ (في العَددِ الرَّابعِ)، نَقرأُ أنَّ هَؤلاءِ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة كَانُوا يُعَلِّمونَ "خُرَافَاتٍ [أو أَساطيرَ يَهودِيَّة] وَأَنْسَابٍ لاَ حَدَّ لَهَا، تُسَبِّبُ مُبَاحَثَاتٍ دُونَ بُنْيَانِ اللهِ الَّذِي فِي الإِيمَان". وَنَقرأُ في العَددِ الخَامِسِ أنَّهُم لا يَمْلِكونَ ضَميرًا صَالِحًا، وَلا إيمانًا بِلا رِياءٍ. فَقَدْ زَاغُوا، وَقَدِ انْحَرَفُوا. وَهُوَ يَقولُ أيضًا إنَّهُم لا يَكْتَفونَ بِتَحريفِ الإنجيلِ، بَل يُحَرِّفونَ أيضًا النَّاموس. ونَقرأُ في العَددِ السَّابع: "يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِي النَّامُوسِ، وَهُمْ لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ مَا يُقَرِّرُونَهُ". لِذا فقد كانُوا يُهاجِمونَ إنجيلَ المَسيحِ المُخَلِّص.

ونَقرأُ في العَددِ الخَامِس عَشَر مِنَ الأصحاحِ الأوَّل: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول [وَهَذا يَعني أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ أُناسٌ لا يَقبَلونَها]: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا". فَرُبَّما كانَ هَؤلاءِ يُنادونَ بِخَلاصٍ لأجلِ النُّخبَةِ النَّاموسِيَّةِ، أو بِخَلاصٍ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يَسْتَوْفونَ مِعيارًا مُعَيَّنًا. لِذا فإنَّنا نَرى مَرَّةً أخرى أنَّهُم كانوا يُهاجِمونَ الإنجيل.

كذلكَ، نَقرأُ في العَدد 17: "وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ". وَهَذا تَأكيدٌ آخر لِلهِ الحَقيقيِّ. فَكُلُّ هذهِ الأشياءِ تُشيرُ إلى أنَّ هَؤلاءِ شَنُّوا هُجومًا على العَقيدةِ القَويمة. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني: "لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ [في العَددِ الثَّالِثِ] لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُون". فَرُبَّما كَانوا يُنكِرونَ كِفايَةَ الخَلاصِ لِجَميعِ البَشَر. ورُبَّما كانُوا يُنكِرونَ أنَّ الخَلاصَ مُتاحٌ لِجَميعِ النَّاس. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الأوَّل إنَّهُم كَانُوا يُعَلِّمونَ تَعليمَ شَياطينَ، ويَتبَعونَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً، ويَجعَلونَ قَومًا يَرْتَدُّونَ عَنِ الإيمانِ الحَقيقيِّ الَّذي لا يُمكِنُ لأيِّ إيمانٍ سِواه أن يُخَلِّص. ونَقرأُ في العَددِ الثَّاني أنَّهُم كَانُوا يَتكلَّمونَ بالأكاذيبِ في رِياءٍ.

لِذا، هُناكَ حَضٌّ مُتَكَرِّرٌ لتيموثاوُس في هذهِ الرِّسالةِ كي يُعَلِّمَ التَّعليمَ الصَّحيحَ وَأن يَتَصَدَّى للتَّعليمِ المُضِلّ. إذًا، لقد ظَهَرَ هَؤلاءِ الرِّجالُ الَّذي وَصَلُوا إلى أعلى مُستوياتِ القِيادَةِ وَراحُوا يُعَلِّمونَ أكاذيبَ. فَقد رَاحُوا يُعَلِّمونَ أكاذيبَ عَنِ المَسيحِ، ويُعَلِّمونَ أكاذيبَ عَن إنجيلِهِ المُخَلِّصِ. وَقد كَانُوا يَتَبَوَّأونَ مَكانَ السُّلطَةِ وَيتَظاهَرونَ بامتِلاكِ كُلِّ المُؤهِّلاتِ المَطلوبَة.

وَلا أدري إن كُنتُم قَد قَرأتُم مَا نُشِرَ في صَحيفةِ "لوس أنجيليس تايمز" (Los Angeles Times) في الأسبوعِ المَاضي. فَذاتَ يَومٍ، نُشِرَتْ مَقالَةٌ في الصَّفحةِ الأمامِيَّةِ، في العَمودِ الرَّئيسيِّ الأيسَر. وَهِيَ مَقالَةٌ تَتحدَّثُ عَنِ اجتِماعٍ لِمَجموعَةٍ تَضُمُّ كُلَّ مَنْ يُزْعَمُ أنَّهُم عُلَماءُ العهدِ الجديدِ كَي يُصَوِّتُوا على مَا إذا كَانَ مَا قَالَهُ يَسوعُ حَقيقيًّا أَم لا. فَسوفَ يُصَوِّتونَ على ذلكَ كَما لو أنَّهُ شَيءٌ يَنبغي أن تُصَوِّتَ عَليه. والشَّيءُ المُحزِنُ جدًّا في ذلك هُوَ أنَّ هَؤلاءِ الأشخاصَ جَميعًا يَظْهَرونَ بِمَظهَرِ مُعَلِّمي العهدِ الجديدِ؛ ولكِنَّهُم لا يَعرِفونَ مَا يُعَلِّمونَهُ، وَلا يَعرِفونَ اللهَ الَّذي يَتكلَّمونَ عَنه. ولكِنَّهُم لا يَمْلِكونَ أيَّ حَقٍّ في التَّصويتِ على صِحَّةِ كَلامِ يَسوعَ المَسيح. وَحَتَّى إنَّ التَّركيزَ على ضَرورةِ ذلكَ يَعني شَنَّ هُجومٍ على مِصداقِيَّةِ كلمةِ اللهِ وَمَسيحِ الله. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يَرْمُونَ إليه.

فَهُم يُهاجِمونَ حَقَّ المَسيحِ وَحَقَّ الإنجيلِ المُخَلِّص. وَهَذا يُشبِهُ تَمامًا المُعَلِّمينَ الكَذَبَة، والشُّيوخَ الكَذَبَة، والرُّعاةَ الكَذَبة، والأنبياءَ الكَذَبةَ المُرتَدِّينَ لأنَّهُم يُهاجِمونَ شَخصَ وَعَمَلَ وَكِرازَةَ وَتَعليمَ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وَهُم يَفعلونَ ذلكَ لأنَّهُم يَأخُذونَ التَّعليماتِ مِنَ الشَّيطانِ. وَهُجومُ الشَّيطانِ مُوَجَّهٌ إلى اللهِ وَمَسيحِهِ. لِذا فإنَّ الهُجومَ يَأتي على فَمِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة. فَهُم لَيسُوا أشخاصًا يَتصرَّفونَ بِحُسْنِ نِيَّةٍ وأَخطأوا في فَهمِ نُقطَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ بَلْ هُمْ أعوانُ الشَّيطان.

أمَّا الشَّيءُ الثَّاني الَّذي نَراهُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثاوسَ فَإنَّهُ ليسَ هُجومًا فقط على الحَقِّ المُختَصِّ بالمَسيحِ وَعَمَلِهِ، بل هُوَ أيضًا هُجومٌ على فَضيلَةِ الحَياةِ؛ أيْ على الحَياةِ التَّقِيَّةِ والأخلاقِياتِ الكِتابيَّة. فَنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ الخَامِسِ أنَّهُم ليسُوا أشخاصًا يُظهِرونَ مَحَبَّةً مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَلَديهِم ضَمِيرٌ صَالِحٌ، وَإِيمَانٌ بِلاَ رِيَاءٍ. فَهُم لا يُظْهِرونَ أيَّةَ نَزاهَة. وَهُم ليسوا أنقياء. وَضَميرُهُم ليسَ صَالِحًا. فالضَّميرُ الصَّالِحُ يَنشَأُ مِنَ الحَياةِ الطَّاهِرَةِ والقَلبِ الطَّاهِر. ولكِنَّهُم زَاغُوا عن تلكَ الأشياء. وَهُمْ يُوْصَفونَ في العَدَدَيْنِ التَّاسِعِ والعَاشِرِ أَوصَافًا تَليقُ بِهِم إذْ نَقرأُ أنَّهُم أَثَمَة، وَمُتَمَرِّدِونَ، وفُجَّارٌ، وَخُطَاةٌ، وَدَنِسِونَ، وَمُسْتَبِيحِونَ، وأنَّهُم يَقتُلونَ الآباءَ والأُمَّهاتِ، ويَقتُلونَ النَّاسَ، وَأنَّهُم زُّنَاةٌ، وَمُضَاجِعِو ذُكُورٍ، وَخَاطِفونَ، وكَذَبَة، وحَانِثونَ، وَهَلُمَّ جَرَّا.

فَقد كانت أخلاقُهُم مُطابقةً لِعقيدَتِهم. فقد كانت مَغلوطَةً كَلاهوتِهم. وَقد كانوا عَلى غِرارِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقولُ عَنهُم العَدد 19 إنَّهُ "انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَان". وَهُم (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في العَدد 20) قَد جَدَّفُوا؛ أيْ أنَّهُم تَكَلَّموا بالشَّرِّ على اللهِ الحَقيقيِّ. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني وَالأعداد 8-10 أنَّ تَركيزَ النِّساءِ انْصَبَّ على الزِّينَةِ الخَارِجيَّةِ، لا على التَّقوى الدَّاخِليَّة. ونَقرأُ في العَددِ العَاشِرِ أنَّهُ كانَ يَنبغي لَهُنَّ أنْ يَتَعَهَّدْنَ بِتَقْوَى اللهِ بِأَعْمَال صَالِحَةٍ عِوَضًا عَنِ الاهتِمامِ بالمَظهَرِ الخَارِجِيِّ.

ونَقرأُ أيضًا في الأصحاحِ الرَّابعِ أنَّ بولسَ يُذَكِّرُ بولسَ بأنَّهُ يَنبغي لَهُ أن يَكونَ خَادِمًا صَالِحًا، وَأنْ يَكونَ مُتَرَبِّيًا بِكَلاَمِ الإِيمَانِ وَالتَّعْلِيمِ الْحَسَنِ الَّذِي تَتَبَّعَهُ، وبأنَّهُ يَجِبُ عليهِ أنْ يَرفُضَ خُرَافَاتِهِم الدَّنِسَةَ العَجَائِزِيَّةَ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ لَهُ: "وَرَوِّضْ نَفْسَكَ لِلتَّقْوَى لأَنَّ الرِّيَاضَةَ الْجَسَدِيَّةَ نَافِعَةٌ لِقَلِيل، وَلكِنَّ التَّقْوَى نَافِعَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ". فَهُؤلاءِ يُرَكِّزونَ على الأمورِ الخَارِجيَّةِ وَعلى المَظاهِرِ والأمورِ الجَسديَّةِ. وَهُوَ يَقولُ لَهُ: أمَّا أنتَ فَيَنبغي لَكَ أن تُرَوِّضَ نَفسَكَ للتَّقوى. والآن تَذَكَّروا أنَّني قُلتُ لَكُم إنَّ "التَّقوى" هِيَ كَلِمَةٌ رَئيسيَّةٌ في الرَّسَائِلِ الرَّاعَويَّة.

وفي الأصحاحِ الخَامِسِ، نَجِدُ الشَّيءَ نَفسَهُ في العَدد 11. فَقد كانت هُناكَ أرامِلُ حَدَثاتٌ بَطِرْنَ عَلَى الْمَسِيح. ونَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر أنَّهُنَّ "رَفَضْنَ الإِيمَانَ الأَوَّلَ". ونَقرأُ في العَدد 13 أنَّهُنَّ تَعَلَّمْنَ أَنْ يَكُنَّ بَطَّالاَتٍ، وَأنَّهُنَّ كُنَّ يَطُفْنَ مِنْ بَيْتٍ إلى بَيْتٍ عِوَضًا عَن أنْ يَمْكُثْنَ في بُيوتِهِنَّ وَأنْ يَفعَلْنَ مَا يَنبغي للنِّساءِ التَّقيَّاتِ أنْ يَفعلنَ. وَقد كُنَّ ثَرْثاراتٍ أو مِهْذاراتٍ، وَفُضُولِيَّاتٌ، يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ. ونَقرأُ في العَدد 15 أنَّ بَعْضَهُنَّ قَدِ انْحَرَفْنَ وَرَاءَ الشَّيْطَانِ مِنْ جِهَةِ سُلوكِهِنَّ. وَحَتَّى إنَّ عَدَدًا مِنَ القَادَةِ كانَوا بِكُلِّ تأكيدٍ مُتَوَرِّطينَ في ذلك. لِذا، كانَ يَنبغي تَأديبُهُم (كَما يَقولُ بولسُ في الأصحاحِ الخَامِس).

ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَددِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يَجوزُ التَّجديفُ على اسْمِ اللهِ، وَلا يَجوزُ التَّجديفُ على تَعْلِيمِ اللهِ. وَهَذا يَعني أنَّهُ كانَ هُناكَ تَجديفٌ مِن نَوعٍ مَا. فَقد كَانَت هُناكَ كُلُّ أنواعُ المُباحَثاتِ (كَما جَاءَ في العَددِ الرَّابعِ) والمُماحَكاتِ، وَالحَسَدِ، وَالخِصَامِ، وَالافتِرَاءِ، وَالظُّنُونِ الرَّدِيَّةِ، وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي الذِّهْنِ وَعَادِمِي الْحَقِّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوَى تِجَارَةٌ". ولكِنَّ "التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ". بِعبارةٍ أخرى، لَقد حَرَّفُوا العَقيدةَ وَطَهارَةَ الحَياة. هذا هُوَ المَعنى المَقصودُ. وَهَذا هُوَ مَصدَرُ الهُجوم. لِذا، هُناكَ شَيئان: ضَلالٌ وَشَرٌّ... ضَلالٌ وَشَرٌّ. وَتيموثاوُسُ مَدعُوٌّ إلى التَّصَدِّي لِذلكَ عِندَ القَادَة.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ إذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ الثَّالثِ سَتَجِدونَ أنَّ الأعدادَ الخَمْسَةَ عَشَرَ الأولى تَتحدَّثُ عَن مُؤهِّلاتِ القَائِد. وَهذهِ لم تُوْضَعْ عَبَثًا، ولم تُوْضَعْ هُنا بِمَعزِلٍ عَنِ النَّصِّ، بل إنَّها وُضِعَتْ هُنا لإظهارِ التَّبايُن. فَقَدْ وُضِعَتْ هُنا لإظهارِ التَّبايُن. فَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ [في العَددِ الأوَّل] يَبْتَغونَ الأُسقُفِيَّة. وَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يُريدونَ أن يَنخَرِطُوا في القِيادَةِ الرُّوحِيَّة. ونَقرأُ هُنا أنَّهُم يَبْتَغونَ الأُسقُفِيَّة. ونَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ أنَّهُم يَبْتَغونَ أن يَكونوا مُعَلِّمينَ للنَّاموس. فَقد أرادُوا أن يَكونوا مُعَلِّمينَ وَقادَة. ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُكَ أنْ تَعْهَدَ إلى هَؤلاءِ بتلكَ المَسؤوليَّاتِ إلاَّ إذا كَانُوا يَمْلِكونَ المُؤهِّلاتِ المَطلوبة. وأعتقدُ أنَّهُم يَملِكونَ مُؤهِّلاتٍ مُناقِضَة تَمامًا لِهذهِ. فيجبُ أن يَكونوا بِلا لَوْمٍ، لا أن يَكونوا خُطاةً وَأشرارًا كَهؤلاءِ الَّذينَ لَديكُم. وَيَجِبُ أن يَكونُوا رِجالاً مُتزوِّجينَ مِنَ امرأةٍ واحِدَةٍ، لا رِجالاً مُنشَغِلينَ بِنِساءٍ عَديدات. وَيَجِبُ أن يَكونوا صَاحِينَ وَعَاقِلينَ ومُحْتَشِمينَ وَمُختَلِفينَ عَنِ الأشخاصِ الَّذينَ هُمْ لَيْسُوا قَادَةً. وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ هَذهِ المُؤهِّلاتِ مُناقِضَة للمُؤهِّلاتِ المَطلوبَة.

وفي الأصحاحِ الخَامِسِ والأعداد 17 فَصاعِدًا، يَقولُ بولسُ إنَّهُ إنْ وَجَدتَ أنَّ هَؤلاءِ لا يَتَّصِفونَ بهذهِ الصِّفاتِ، يَجِبُ عليكَ أن تُؤدِّبَهُم عَلَنًا أَمامَ كُلِّ الكَنيسَة. لِذا فقد كانَ هُناكَ عَمَلٌ جَادٌّ أمامَ تيموثاوس. فيجبُ عليهِ أن يَطرُدَ كُلَّ هَؤلاءِ القَادَةِ الزَّائِفينَ، وأنْ يُخرِجَهُم مِنَ الكَنيسةِ، وأن يُؤدِّبَهُم في الكَنيسةِ، وأن يُحاسِبَهُم، وَأن يَدعُو الرَّعِيَّةَ إلى الالتِصاقِ بالحَقِّ الإلهيِّ والحَياةِ التَّقِيَّة. وَهَذهِ ليست مُهِمَّةً سَهلَة. لِذا فَقد كانَ يَقِفُ على الجَبهَةِ الأمامِيَّةِ، على الجَبهَةِ الأمامِيَّةِ تَمامًا. وأعتقدُ أنَّ مَا كانَ يَحدُثُ آنَذاكَ لا يَختَلِفُ كَثيرًا عَمَّا يَحدُثُ في يَومِنا هَذا. وَفي كَنيسَتِنا، قَد لا نَرى كُلَّ هذهِ الأشياءِ، ولكِنَّنا نَراها حَقًّا في المَسيحيَّةِ مِن حَولِنا. ونَحنُ في مَوقِفٍ لا نُحسَدُ عليهِ لا سِيَّما أنَّ الشَّيطانَ يُحاولُ أن يَهْدِمَ إيمانَنا بِشخصٍ المَسيحِ، ويُحاولُ أن يَزَعْزِعَ ثِقَتَنا بِعَملِ المَسيحِ، ويُحاولُ أن يُشَوِّهَ الإنجيلَ المُخَلِّصَ الحَقيقيَّ وَأنْ يَقودَ النَّاسَ إلى التَّهاوُنِ مَعَ الشَّرِّ والخَطيَّةِ وُكلِّ أنواعِ السُّلوكيَّاتِ الحَياتِيَّةِ باسمِ المَسيحيَّةِ، ويُريدُ أن يَهْدِمَ عَمَلَ اللهِ الحَقيقيّ.

وفي وَسَطِ هذا الصِّراعِ المُحْتَدِمِ، مَا الَّذي يَنبغي لِتيموثاوسَ أن يَفهَمَهُ؟ يَجِبُ عليهِ أن يَفهمَ مَسؤوليَّتَهُ وَمُساءَلَتَهُ أمامَ ثَلاثَة مَصادِر: الكَنيسةِ، والرَّبِّ، والمُجَدِّفينَ [أوِ الأعداءِ] أنفُسِهم. وَسوفَ نَتحدَّثُ عَنِ المَصدَرِ الثَّالِثِ في الأسبوعِ المُقبِل، ولكِنِّي سأتحدَّثُ عَنِ المَصْدَرَيْنِ الأوَّلِ والثاني في هَذا الصَّباح.

أوَّلاً، يَجِبُ على تيموثاوس، ويَجِبُ علينا نَحنُ أيضًا، أن نَتعلَّمَ نَفسَ الدَّرسِ هُنا. فَلِكَي نَنتَصِرَ، ولكي نُحارِبَ المُحارَبَةَ الحَسَنَةَ بالطَّريقةِ الَّتي يَنبغي أن نُحارِبَ بها، يَجِبُ علينا أوَّلاً أن نَفهمَ مَسؤوليَّتَنا وَمُسَاءَلَتَنا أمامَ الكَنيسة. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ بولسُ لتيموثاوسَ مُنذُ بِدايةِ العَدد 18: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ، لِكَيْ تُحَارِبَ فِيهَا الْمُحَارَبَةَ الْحَسَنَةَ". لِذا فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ هُوَ مَسؤوليَّةُ تيموثاوسَ وَمُسَاءَلَتَهُ أمامَ الكَنيسة.

واسمَحُوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم مَا أعنيهِ بذلك. فَبولسُ يَقولُ مَا يَلي: "إنَّ هَذهِ الوَصِيَّةَ الَّتي أستَودِعُكَ إيَّاها، والَّتي أكَّدَتْها النُّبُوَّاتُ، تَقولُ إنَّهُ يَجِبُ عليكَ أن تُحارِبَ المُحارَبَةَ الحَسَنَة". وَهَذِهِ كُلُّها تُشيرُ إلى الكَنيسة. فَبولسُ، بِوَصفِهِ رَسولاً في الكَنيسةِ، يُوصي تيموثاوسَ أنْ يُنَفِّذَ مَأموريَّةً أُسْنِدَتْ إليهِ مِنْ قِبَلِ نَفسِ الرَّسولِ وَتَأكَّدَتْ مِنْ قِبَلِ أولئكَ الَّذينَ حَصَلوا على مَوهبةِ النُّبوءةِ في الكَنيسة. لِذا فإنَّهُ مَسؤولٌ أمامَ الأشخاصِ الَّذينَ قَادَهُم رُوحُ اللهِ في الكَنيسةِ إلى دَعوَتِهِ إلى الخِدمَةِ وتَنفيذِ تلكَ المَأمورِيَّة.

أوَّلاً، لِنَنظُر إلى الوَصِيَّة. فالكلمة "أُوصيكَ" تَأتي بِمَعنى الأمر. فَهِيَ تُشيرُ إلى أَمْرٍ عَسْكَرِيٍّ... إلى أَمْرٍ عَسْكَرِيٍّ. وَهِيَ تُستخدَمُ في الأصحاحِ الأوَّل بهذهِ الطَّريقة، وتُستَخدَمُ هُنا بهذهِ الطَّريقة. فَهُوَ أَمْرٌ عَسْكَرِيٌّ. فَهُوَ ليَسَ شَيئًا قَابِلاً للنِّقاشِ، بَل هُوَ أمرٌ صَادِرٌ يَنبغي أن يُنَفَّذ. فَتيموثاوُسُ يَخْضَعُ لِواجِبٍ عَسكريٍّ. وَهذا ليسَ شَيئًا جَديدًا.... أو بالحَرِيِّ إنَّها ليسَتِ المَرَّة الوَحيدة. فَهِيَ ليستِ المَرَّة الوَحيدة. فَفي الأصحاحِ الخَامِسِ والعَدد 21، يَستخدِمُ بُولسُ لَفظةً يُونانيَّةً مُختلفةً ولكِنَّها تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِسِ والعَدد 21: "أُنَاشِدُكَ" [وَهُوَ يُوَجِّهُ الكَلامَ إلى تِيموثاوس] "أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْمُخْتَارِينَ، أَنْ تَحْفَظَ هذَا". وَالآن، هَذا أمرٌ جَادٌّ جِدًّا. "أُناشِدُكَ، وَأُحَمِّلُكَ المَسؤوليَّةَ أمامَ اللهِ والمَسيحِ والمَلائكةِ القِدِّيسينَ المُختارين".

وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدد 12: "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 13: "أُوصِيكَ" – وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا نَفسَ الكلمةِ الَّتي يَستخدِمُها في العَددِ الأوَّل. "أُوصِيكَ أَمَامَ اللهِ الَّذِي يُحْيِي الْكُلَّ"، ثُمَّ يَقولُ في العَدد 14: "أَنْ تَحْفَظَ الْوَصِيَّةَ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ لَوْمٍ إِلَى ظُهُورِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". لِذا فإنَّهُ يَأمُرُ تيموثاوُسَ، كَما يَأمُرُ عَميدٌ في الجَيشِ عَقيدًا. فَهُوَ يأمُرُهُ بأن يَفعلَ هذا.

وأنا أُحِبُّ ذلكَ لأنَّهُ يَضَعُ مَسؤوليَّةَ تيموثاوسَ في فِئَةِ الوَاجِب... الوَاجِب. وعندما أَنْطِقُ بتلكَ الكلمة، أُدرِكُ حَالاً أنَّ هُناكَ أشخاصًا كَثيرينَ لا يَفهَمونَ ذلك. وَاجِب؟ إنَّها ليست كَلِمَة نُحِبُّ أن نَتحدَّثَ عَنها. فَنحنُ لا نَعرِفُ أيَّ شَيءٍ عَنِ الوَاجِبِ اليوم. فَفي المَسيحيَّةِ، نَحنُ نَعرِفُ عَنِ الحُريَّة، ونَعرِفُ عَنِ النَّجاحِ الرُّوحيِّ، ونَتحدَّثُ عَنِ الفَرَحِ والسَّلام، ونَتحَدَّثُ عَنِ الإنجازات، ونَتحدَّثُ عَنِ الشِّبَعِ بالمَفهومِ الرُّوحيِّ. فَنَحْنُ مُدَلَّلونَ جِدًّا، ولكِنَّنا لا نَعرِفُ سِوَى القَليلِ جدًّا عَنِ الوَاجِب... القَليلِ جدًّا عَنِ الوَاجِب. وَهَذا جُزءٌ مِنَ الشَّيءِ الَّذي تَمَّ زَرْعُهُ في ثَقافَتِنا. وَقَدْ زَحَفَ وَتَسَلَّلَ إلى الكَنيسَة. فَنَحنُ ثَقافَةٌ تَفتَقِرُ إلى الانضباط. وَنَحنُ ثَقافَةٌ مُدَلَّلَةٌ جدًّا. لِذا فإنَّنا نَرى في الكَنيسةِ أشخاصًا كَثيرًا لا شُغْلَ لَهُمْ سِوى ذَواتِهِم، ولا يُبالونَ إلاَّ بِما يَجعَلُهُم يَشعُرونَ بِمَشاعِرَ طَيِّبَة، ولا يُفَكِّرونَ إلاَّ في مَا يُريدونَ أن يَفعَلوهُ أو مَا لا يُريدونَ أن يَفعلوهُ لأنَّ هَذا هُوَ كُلُّ مَا يَعنيهِم في حَياتِهم. فَهُم لا يَعرِفونَ شَيئًا عَنِ الوَاجِب... لا يَعرِفونَ سِوى القَليلِ عَنِ الوَاجِب. فَنحنُ لَسنا أشخاصًا نَلْتَزِمُ بالوَاجِبِ في أذهانِنا.

بينما كُنتُ عَائِدًا مِن رِحلتي إلى "كليفلاند" (Cleveland) في هذا الأسبوعِ بعدَ أن تَكَلَّمتُ إلى عَددٍ مِنَ الرُّعاةِ هُناكَ بِضعةَ أيَّامٍ، كانَ هُناك شَابَّانِ يَرعيانِ كَنيسةً في مِنطَقةِ "بالتيمور" (Baltimore) على مَتْنِ الطَّائرةِ، فَقالا لي: "هَل يُمكنُنا أن نَتحدَّثَ إليكَ؟"، أو بالحَرِيِّ: قالَ أحدُهُما: "هَل يُمكنُني أن أتحدَّثَ إليكَ؟" قُلتُ: بِكُلِّ تَأكيد، مِن دَواعي سُروري، ولكن اسمَح لي أصرِفَ بِضعَ سَاعاتٍ في تَحضيرِ عِظَتي. وقَبلَ هُبوطِنا يُمكِنُنا أن نَصرِفَ وَقتًا في التَّحدُّثِ مَعًا". لِذا فقد أُتيحت لنا فُرصَةُ التَّحَدُّثِ مَعًا في رِحلةِ العَودَةِ مِنَ "لاس فيغاس" (Las Vegas) إلى "لوس أنجليس" (Los Angeles) عندما ابتدأتِ الطَّائرةُ بالهُبوط. وقد كانا يَطرَحانِ أسئلةً كثيرة، أو كَانَ ذلكَ الشَّابُ يَطرحُ أسئلةً كَثيرة.

ثُمَّ إنَّنا ابتدأنا بالتَّحدُّثِ أكثر فأكثر. وأخيرًا، وَصلنا إلى البَوَّابةِ وكُنَّا ما نَزالُ نَتحدَّث، فقالَ لي: "كيفَ تَعرِفُ مَا هِيَ أولويَّاتُكَ في الحَياة؟ وما أعنيهِ هُوَ أنَّكَ تُعَلِّمُ في كُليَّةِ اللاَّهوتِ، ولَديكَ خِدمَةٌ إذاعيَّة، وخِدمَةُ تَسجيلاتٍ، وأنتَ تُؤلِّفُ كُتُبًا، ولَديكَ خِدمَةٌ في الكَنيسة. كَيفَ تُرَتِّبُ أولويَّاتِك؟" وَالحقيقةُ هي أنَّني ابتدأتُ في التَّفكيرِ في ذلكَ في أثناءِ حَديثي مَعَهُ وبَعدَ انتهاءِ الحَديثِ بَينَنا. فَحياتي تَنْحَصِرُ في شَيءٍ وَاحِدٍ بَسيطٍ جدًّا. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ دَعاني لِواجِبٍ مُحَدَّد. وأنا أعتَرِفُ أمامَكُم بأنِّي لا أصرِفُ وَقتي بالضَّرورةِ في القيامِ بما أُريدُ القِيامَ بِه.

والحقيقةُ هي أنِّي قُلتُ لهذا الشَّابِّ: "لا أذكُرُ آخِرَ مَرَّةٍ فَعلتُ فيها شَيئًا أريدُ أن أفعلَهُ لِمُجَرَّدِ أنِّي أرغبُ في القيامِ بِهِ، بل إنَّ وَاجِبي يَدفَعُني إلى القِيامِ بأمورٍ مُعيَّنة. وهذهِ هي الأشياءُ الَّتي أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ أعطاها لي. صَحيحٌ أنَّ هُناكَ أمورًا أخرى أُحِبُّ القيامَ بها، وَأنَّ هُناكَ أمورًا أخرى أتَمَنَّى أن أفعلَها، وأنَّ هُناكَ أمورًا لا أرغَبُ في القيامِ بها، ولكنَّ الوَاجِبَ يُحَتِّمُ عَلَيَّ أن أفعلَ الأشياءَ الَّتي أعتقدُ أنَّ اللهَ أعطاها لي".

وَقد قالَ الشَّابُّ في أثناءِ حَديثِنا: "أعتقدُ أنَّكَ تَفهَمُ كُلَّ الأشياءِ المُتاحَة لَكَ. أليسَ كذلك؟ وتَعرِفُ الأشياءَ الَّتي يَنبغي لكَ أن تَشتركَ فيها". قلتُ: "آمُلُ في أنِّي أفهَمُ ذلك". ولكنِّي أحاولُ أن أَحْصُرَ حَياتي في القِيامِ بالواجِبِ الَّذي أعطاني اللهُ إيَّاه. وأنا رَاضٍ بذلك، بل إنِّي أشعُرُ بالاكتفاءِ بسببِ قِيامي بواجِبي تُجاهَ اللهِ أكثرَ مِمَّا قَد اشعُرُ بالاكتفاءِ في حَالِ قِيامي بِما أريدُ أن أفعلَهُ طَوالَ الوقت. ولكِنَّنا لا نَفهَمُ ذلكَ كَما يَنبغي في المَسيحيَّةِ المُعاصرَة. فَليسَ مِنَ المَألوفِ أن تَفعلَ واجِبَكَ وَحَسْب. وبالنِّسبةِ إلى عَددٍ مِنَ الأشخاصِ، مِنَ العَجيبِ أنَّهُم يَأتونَ إلى الكَنيسة على الرَّغمِ مِن أنَّ الوَاجِبَ يُحَتِّمُ عَليكُم أن تَعبُدوا اللهَ وَأن تَكونوا أُمَناء.

وَقد كُنتُ أتحدَّثُ إلى رَاعي كَنيسةٍ مُؤخَّرًا فقالَ لي: "عِندما يَنْضَمُّ النَّاسُ إلى كَنيسَتِنا فإنَّهُم يُوَقِّعونَ تَعَهُّدًا بأنَّهُم سَيَأتونَ إلى هُنا صَباحَ أيَّامِ الأحد، ومَساءَ أيَّامِ الأحد، ومَساءَ الأربعاء. وإن لم يَحضُروا فإنَّنا نَذهبُ لِزيارَتِهم ونَسألُهُم عَن سَبَبِ غِيابِهم لأنَّنا نَشعُرُ بأنَّ الوَاجِبَ يُحَتِّمُ عَليهم أن يَعبُدوا اللهِ، وَأن يَجتمِعُوا مَعَ شَعبِهِ المَفدِيِّ، وَأن يَستخدِموا مَواهِبَهُم الرُّوحيَّة، وأن يُشارِكوا في الصَّلاةِ والشَّرِكَة"، وَما إلى ذلك. وأنا أتساءَلُ مَا الَّذي سَيَحدُثُ إنْ جَعلنا هَذا شَرْطًا في كَنيسةِ غريس (Grace Church)؛ أيْ أنَّهُ يَجِبُ عليكُم أن تَحضُروا صَباحَ الأحد، ومَساءَ الأحد، وأن تَصرِفوا وَقتًا في الصَّلاةِ ودراسةِ الكَلِمَة، وأن تُشارِكوا المَسيحَ مَعَ النَّاسِ. كَم عَددُ الأشخاصِ الَّذينَ سَيَلتزمونَ بالقيامِ بذلك؟ أو كَم عَددُ الأشخاصِ الَّذينَ سَيَفقِدونَ أهلِيَّتَهُم مُنذُ أوَّلِ أسبوع؟ فَكَما تَرَوْنَ، إنَّنا لا نَعرِفُ الكَثيرَ عَنِ الوَاجِب.

أخبَرَني وَاحِدٌ مِن أبنائي في هذا الأسبوعِ عَن أشخاصٍ يَعمَلُون في... أعتقدُ أنَّهُم يَعملُونَ في بَرنامَجِ الأبحاثِ هُنا في كَنيسةِ غريس، وأنَّ هَذا هُوَ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يَأتونَ مِن أجلِه. فَهُم لا يَحضُرونَ أيَّ شَيءٍ آخر. وَرَدّي هُوَ أنَّهُ إن لم يَكُن بِمَقدورِكَ أن تَأتي للعِبادةِ صَباحَ الأحدِ وَمساءَ الأحدِ، وأن تَنمُو مَعَ بَقِيَّةِ النَّاسِ في الكنيسةِ، وأن تَسمَعَ كلمةَ اللهِ، لا يَجوزُ أن تَخدِمَ في الكَنيسةِ لأنَّكَ لا تَعلَمُ أينَ نَحنُ، ولا تَعلَمُ إلى أينَ نَحنُ ذَاهِبون، ولا يُمكِنُكَ أن تُعَزِّزَ مَا يُعَلِّمُنا إيَّاهُ رُوحُ اللهِ، ولا تَتقدَّمُ في حَياتِكَ الرُّوحيَّةِ، ولا تَنمُو بِحَسَبِ مَا تُعَلِّمُكَ إيَّاهُ كَلِمَةُ اللهِ. ولا أعتقدُ أنِّي مَوجودٌ هُنا لِمُجَرَّدِ أنِّي أُحِبُّ الوُجودَ هُنا، بل أعتقدُ أنِّي مَوجودٌ هُنا وأُعَلِّمُ كلمةَ اللهِ لأنَّ هذا هُوَ مَا يُريدُهُ اللهُ مِن شَعبِه.

وأنا أَعلَمُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا لا يَستطيعونَ أن يَأتوا إلى الخِدمة. فَهُم يَأتونَ إلى أحَدِ الصُّفوفِ ثُمَّ يَذهبونَ لِتَناوُلِ الفُطورِ. وأنا أُدركُ أنَّ الطُّيورَ على أشكالِها تَقَع، وَأنَّ هُناكَ أشخاصًا يُعانونَ مِنَ الضَّحالَةِ في البُعدِ الرُّوحيِّ؛ ولكِن في نُقطةٍ مَا يَجِبُ على النَّاسِ أن يُدركوا أهميَّةَ الوَاجِبِ إنْ أرادوا أن يَصِلوا إلى نِهايَةِ حَياتِهم ويُبَرْهِنوا على أنَّهُم فَعلوا شَيئًا قَيِّمًا طَوالَ الأبديَّةِ لِمَجدِ اللهِ. فَالمَسألةُ مَسألةُ وَاجِب.

انظُروا مَعي إلى إنجيل لوقا والأصحاح 17، وَهَذِهِ فِكرةُ تُشبِهُ مَا يَقولُهُ بولسُ؛ ولكِنَّ ما يَقولُهُ لُوقا في إنجيل لوقا والأصحاح 17 هُوَ شَيءٌ يَغفَلُ عَنهُ أُناسٌ كَثيرون. أنا مُتَيَقِّنٌ مِن ذلك. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عَدا عَن أنَّ النَّاسَ يَقرأونَ هَذا المَقطَعَ في أثناءِ قِراءَتِهم العَامَّةِ للكِتابِ المُقَدَّسِ، لا أَظُنُّ أنَّكَ فَكَّرتَ يَومًا في هذا المَقطعِ، أو لا أَظُنُّ أنَّكَ قَد فَكَّرتَ فيهِ مُنذُ وَقتٍ طَويل. ولكنِ استَمِعوا إلى مَا يَقولُهُ في إنجيل لوقا 17: 7: "وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى، يَقُولُ لَهُ إِذَا دَخَلَ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ سَرِيعًا وَاتَّكِئْ". مَن مِنكُم يَقولُ لِعَبدِهِ إذا دَخَلَ مِنَ الحَقلِ: "اجلِس وَكُلْ"؟ لا أَحَد. "بَلْ أَلاَ يَقُولُ لَهُ: أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ، وَتَمَنْطَقْ [أيِ ارتَدي المَلابِسَ المُلائِمَةَ] وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ، وَبَعْدَ ذلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ؟" بِعبارةٍ أخرى، هَذا هُوَ مَا يَفعلُهُ العَبد. "يَجِبُ عليكَ أن تَخدِمَني أوَّلاً، ثُمَّ يُمكِنُكَ أن تَأكُلَ وَتَشربَ أنتَ".

"فَهَلْ لِذلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ لاَ أَظُنُّ" (كَما يَقولُ يَسوعُ). "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ [مَاذا؟] يَجِبُ عَلَيْنَا". مَا كَانَ يَجِبُ عَلينا. لا تُعْطِني شَهادَةَ شَرَف، ولا تُهَلِّل لي كَما لَو كُنتُ بَطَلاً، فَقد قُمْتُ بِواجِبي وَحَسْب. فَكُلُّ ما حَدَثَ هُوَ أنَّكَ قُمْتَ بِواجِبِكَ. فقد قُمْتَ وَحَسْب بِواجِبِكَ الروحيِّ لِمَجدِ اللهِ.

وَقد كانَ لَدى بُولسَ حِسٌّ عَظيمٌ بالواجِب. فَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ السَّادِس والعِشرين مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل: "عِندَما تَقابَلتُ مَعَ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ في طَريقي إلى دِمَشق" [عِندَما كَانَ يَشهَدُ أمامَ أغريباس] "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ لَمْ أَكُنْ مُعَانِدًا لِلرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ". وَكانت تلكَ الرُّؤيا السَّماويَّةُ في الأصْلِ أَمْرًا مِنَ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فَقد قال: "بولُس، قَد جَعلتُكَ خَادِمًا وَرَسولاً للأُمَم". وَهُوَ يَقولُ: "وأنا لم أَعْصِ أَمْرَهُ". فقد كانَ بولسُ يَعرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَنِ الوَاجِب. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (في رِسالة كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ التَّاسع). فأنا مَحصورٌ بالوَاجِب. وَأنا تَحْتَ التِزامٍ إلهيٍّ بأن أستَخدِمَ مَوهِبَتي وأن أُتَمِّمَ دَعوَتي.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما حَدَثَ في سِفْرِ الخُروجِ والأصحاحِ الرَّابعِ عِندما وَجَّهَ اللهُ الأمرَ لِمُوسَى فابتدأَ مُوسَى في المُراوَغَةِ والتَّمَلُّصِ والتَّراجُعِ قَائِلاً: "لا يُمكِنُني أن أفعلَ ذلك، لا يُمكِنُني أن أفعلَ ذلك. لا يُمكِنُني أن أتكلَّم"، إلخ، إلخ، ثُمَّ إنَّ اللهَ غَضِبَ جدًّا مِن مُوسَى لأنَّهُ أرادَ أن يَتهَرَّبَ مِنَ الواجِبِ الَّذي عَهِدَ بِهِ اللهُ إليه. وَقَدْ عَهِدَ اللهُ بِواجِبٍ إلى إشَعْياء، وَعَهِدَ بذلكَ الوَاجِبِ إلى إرْميا، وَعَهِدَ بذلكَ الوَاجِبِ إلى حِزْقيال، وَعَهِدَ بِذلكَ الوَاجِبِ إلى يُونان. وهَل تَذكرونَ مَاذا فَعَلَ يُونانُ بذلكَ الوَاجِب؟ لقد ذَهَبَ في الاتِّجاهِ المُعاكِسِ وَحَلَّتْ بِهِ كَارِثَةٌ بسببِ ذلك.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ وَاعِظٍ وكُلَّ خَادِمٍ للرَّبِّ مُلْتَزِمٌ بطريقةٍ أو بأخرى بالقيامِ بالواجِب. وكَم كُنتُ أتَمَنَّى أن يَكونَ مُجتَمَعُنا مُجتَمَعًا مِنَ الأشخاصِ المُنْضَبِطينَ، ومُجتَمَعًا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَفهَمونَ الوَاجِبَ الرُّوحيَّ عَوِضًا عَن أن يَنشَغِلوا بِعَمَلِ كُلِّ مَا يَرغبونَ فيهِ، وَكُلِّ مَا يُريدونَهُ، وكُلِّ مَا تُمْليهِ عَليهِم العَقليَّةُ المُعاصِرَةُ الوَاهِنَةُ والضَّعيفَة. فَكُلُّ وَاعِظٍ هُوَ أمامَ وَاجِبٍ. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ مَا قَالَهُ بُولسُ لتيموثاوسَ في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوسَ والأصحاحِ الرَّابع: "أَنَا أُنَاشِدُكَ" [في الأصحاحِ الرَّابِعِ والعَددِ الأوَّل] "أَنَا أُنَاشِدُكَ إِذًا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ: اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ".

وَأوَدُّ أن أقولَ لَكُم إنِّي أَتَمَنَّى أن أُناشِدَ بِذلكَ أشخاصًا كَثيرين. فأنا أَلتَقي أحيانًا أشخاصًا يَعمَلونَ في الخِدمةِ ولا يَكرِزونَ بالكلمة. فَهُم يَعِظونَ عَن هذا المَوضوعِ أو ذاكَ أو عَن أمورٍ أخرى. وَقد كُنتُ أتحدَّثُ إلى أُناسٍ في هذا الأسبوعِ قَالوا لي إنَّهُم يَذهبونَ إلى كَنيسةٍ لا تَفعلُ شَيئًا سِوى أنَّها تُقَدِّمُ لَهُم مُراجَعاتٍ للكُتُبِ المَنشورَةِ وتَحليلاتٍ مُعاصِرَة. فإن كانَ هؤلاءِ الأشخاصُ مَدعُوِّينَ حَقًّا، يَنبغي أن تُناشِدوهُم. مِن جِهَةٍ أخرى، أنا ألتَقى أحيانًا شُبَّانًا يَقولونَ لي: "لَقد دُعِيْتُ لِخِدمَةِ الوَعظِ. لَقَدْ وَضَعَ اللهُ يَدَهُ عَلَيَّ". حسنًا، وَمَتى كانت آخِرَ مَرَّةٍ قَدَّمْتَ فيها عِظَةً؟ "الحَقيقةُ هِيَ أنَّني لم أبتَدِئ بَعد!". "اسمَع أيُّها الشَّابُّ، إن كانَ اللهُ قَد دَعاكَ إلى الوَعظِ، أُناشِدُكَ باسمِ يَسوعَ المَسيحِ أنْ تَعِظ". "وأينَ يَنبغي لي أن أَعِظ؟" لا أدري، عِظْ وَحَسْب. فقد ابتدأتُ أنا في مَوقِفٍ للحَافِلات. وَكانَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أنِّي مَجنون. وَقَد كُنتُ أَعِظُ عِندَ نَاصِيَةِ الشَّارِع، وأحيانًا تَحتَ المَطَر. "جِدْ لَكَ مَكانًا. جِدْ لَكَ مَكانًا وَاكرِز بكلمةِ الله".

انظُروا إلى سِفْرِ حِزْقيال والأصحاحِ الثَّالث والثَّلاثين. وسوفَ أُريكُم شَيئًا أعتقدُ أنَّهُ مُحزِنٌ، ولكِنَّهُ صَحيح. فَهُوَ يَتحدَّثُ عَن نَفسِ هذهِ الفِكرة. أَتَذكرونَ مَا قَالَهُ بولسُ لتيموثاوس: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي..." [مَاذا؟] "...في وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ". وَهَذا يَعني عِندَما تُلاقي تَرحيبًا وعِندَما لا تُلاقي تَرحيبًا، أو سَواءَ أَحَبَّ النَّاسُ ذلكَ أَم لم يُحِبُّوه. وأريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوا شَيئًا مُحزِنًا حقًّا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر حِزْقيال 33: 30: "وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّ بَنِي شَعْبِكَ يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْكَ بِجَانِبِ الْجُدْرَانِ، وَفِي أَبْوَابِ الْبُيُوتِ، وَيَتَكَلَّمُ الْوَاحِدُ مَعَ الآخَرِ، الرَّجُلُ مَعَ أَخِيهِ قَائِلِينَ: هَلُمَّ اسْمَعُوا مَا هُوَ الْكَلاَمُ الْخَارِجُ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ!"

فَسوفَ يَجتَمِعُ النَّاسُ مَعًا ويَقولون: "لِنَذهَب ونَسمَع ذلكَ النَّبِيَّ. فَذلكَ الرَّجُلُ المِسكينُ يَقِفُ هُناكَ ويُقَدِّمُ رِسالَةً مِنَ الرَّبِّ. لِنَذهب ونَسمَع مَا يَقول". وَهُمْ في الحَقيقةِ ليسوا مَعَهُ، بل ضِدَّهُ (كَما قَرأنا)، ولكِنَّهُم يُريدونَ أن يَذهبوا ويَسمعوا ما يَقول. فَهُوَ شَخصٌ ظَريفٌ. "لِنَذهَب ونَستَمِع إليه. لِنَمَع ما يُريدُ أن يَقول".

لِذا، نَقرأُ في العَدد 31: "وَيَأتُونَ إِلَيْكَ كَمَا يَأتِي الشَّعْبُ، وَيَجْلِسُونَ أَمَامَكَ كَشَعْبِي". لِذا، هُناكَ جُمهورٌ مُتَنَوِّع. فَهُناكَ أشخاصٌ يَأتونَ لِسَماعِ كلمةِ اللهِ، وهُناكَ أشخاصٌ آخرونَ "يَجْلِسُونَ أَمَامَكَ كَشَعْبِي، وَيَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ". فَهُم لا يُبالونَ بالتَّجاوُب. وَهُم لَن يَفعلوا مَا تَقول. "لأَنَّهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُظْهِرُونَ أَشْوَاقًا وَقَلْبُهُمْ ذَاهِبٌ وَرَاءَ كَسْبِهِمْ". فَهُم لا يُبالونَ إلاَّ بِحِسابِهِم المَصْرِفِيِّ، وَبأسْهُمِهِم وَسَنَداتِهِم وَمَنازِلِهم وَسَيَّاراتِهم وَأراضيهِم ونُمُوِّهِم ونَجاحِهِم في الأشياءِ الدُّنيويَّةِ. وَهُم يَقولونَ لَكَ بأفواهِهِم كَلامًا رائعًا: إنَّها عِظَةٌ رَائِعَةٌ أيُّها الرَّاعي، وعِظَةٌ عَظيمةٌ. لَقدِ استَمتَعنا بها"؛ ولكِنَّهُم لا يَعمَلونَ بِما تَقول. "وَهَا أَنْتَ لَهُمْ كَشِعْرِ أَشْوَاق لِجَمِيلِ الصَّوْتِ يُحْسِنُ الْعَزْفَ". فَكلامُكَ حَسَنٌ جدًّا. "فَيَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ". فَهُم يُحِبُّونَ الاستماعَ إليكَ ويقولونَ إنَّكَ شَخصٌ رائعٌ يا حِزْقيال؛ ولكِنَّهُم لا يَفعلونَ مَا تَقول.

وَقدِ استَمَرَّ حِزْقيالُ في تَقديمِ العِظاتِ طَوالَ خِدمَتِهِ إلى أُناسٍ مِن هَذا النَّوعِ؛ ولكِنَّهُ ظَلَّ أمينًا. لِماذا؟ لأنَّهُ كانَ يُطيعُ أَمْرًا. فَقد كَانَ يُطيعُ أَمْرًا. والآن، لِنَعُد إلى الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثَاوُس. فَهذا هُوَ تَمامًا مَا يَقولُهُ بولُسُ لَهُ: "أُوْصِيكَ". على أيِّ أَساسٍ؟ على أساسِ وَحْيِ الرُّوحِ القُدُس. "فأنا أَتَكَلَّمُ بِلِسانِ اللهِ، وَأُوصيكَ".

والنَّاسُ لا يَسمَعونَ اليومَ. وَلا شَكَّ في أنَّهُ كانَ يُوجَدُ أشخاصٌ في كَنيسةِ أفسُس لا يَسمَعونَ. وَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ اليومَ لا يَسمَعون. وفي الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ إشَعْياء، قَالَ اللهُ لإشَعْياء: "لَن يَسمَعُوا! سَتَكونُ أعيُنُهُم عَمياء، وسَتَكونُ آذانُهُم صَمَّاء، وَسَتَكونُ قُلوبُهُم غَليظَةً، ولَن يَسمَعُوا". وَهَذا صَحيح. فَأنتَ تَعِظُ مِن كُلِّ قَلبِك، وتَعِظُ مِن أعماقِ قَلبِكَ؛ ولكِنَّهُم لا يَسمَعون. والحَقيقةُ هي أنَّ أهَمِيَّةِ الوَعْظِ في هذهِ الأيَّامِ قَد تَراجَعَت؛ وَلا سِيَّما إذا كُنتَ تَكرِزُ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ طَوالَ الوقت. فالنَّاسُ يَتَّهِمونَني ويَتِّهِمونَ مَن يَفعلونَ ذلكَ بأنَّنا رَجْعِيُّونَ جدًّا. وَهُم يَقولونَ: "يَا لِماك آرثر المِسكين. فَهُوَ ضَيِّقُ الأُفُق. وَهُوَ شَخصٌ يَرى بُعْدًا واحِدًا فقط".

كُنتُ أجلِسُ في الطَّائرةِ في الجُزءِ الخَلفِيِّ. وَأنا أَختَبِرُ ذلكَ دائمًا، ولا أدري لماذا! ولكنِّي كُنتُ أجلسُ وأدرسُ، وكانَ يَجلِسُ بجانبي شَخصٌ كَبيرٌ وَضَخْمٌ. وَكانَ يَأكُلُ غَداءَهُ وَيَشرَبُ الفُودكا ويَستمتِعُ بِوَقتِه. وكنتُ أنا أدرُسُ في كِتابي المُقَدَّسِ وأكتُبُ العِظَةَ الَّتي سَأُقَدِّمُها لَكُم هُنا يَومَ الأحَد. وبعدَ أن حَلَّقْنا في السَّماءِ، كانَت الطَّائِرَةُ طَوالَ الرِّحلةِ تَتَخَبَّطُ وَتَضْطَرِب. وَلا شَكَّ في أنَّ هَذا الرَّجُلَ كَانَ يُفَكِّرُ في اللهِ خِلالَ الرِّحلة! لا أدري، ولكِن على أيَّةِ حَالٍ، لَقد نَظَرَ إليَّ أخيرًا وَقالَ بعدَ أن رأى الكتابَ المقدَّسَ وَأنِّي أكتُب: "مِنَ الجَيِّدِ أن نَعرِفَ أنَّ كُلَّ مَا نَحنُ بِحاجَةٍ إلى مَعرفَتِهِ مَوجودٌ في كِتابٍ واحد. أليسَ كذلك؟" على أَقَلِّ تَقدير، نَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ غَيرِ مُؤمِنٍ يَعرِفُ شَيئًا لا يَعرِفُهُ نِصفُ المُؤمِنينَ وَأغلبيَّةُ أساتِذَةِ كلِّيَّاتِ اللاَّهوت. لِذا فقد قالَ: "مِنَ الجَيِّدِ أن نَعرِفَ أنَّ كُلَّ مَا نَحنُ بِحاجَةٍ إلى مَعرفَتِهِ مَوجودٌ في كِتابٍ واحد". ثُمَّ إنَّهُ ضَحِكَ لأنَّ مِثلَ هَذِهِ الأشياءِ تَجعَلُكَ تَضحَك – مَعَ أنَّها ليست مُضحِكَةً!

قُلتُ: "مَا الَّذي جَعَلَكَ تَقولُ ذلك؟" فقد كانَ مَوقِفُهُ غَريبًا، ولكِنَّها كانت فُرصةً رَائعةً لي لأنَّني كُنتُ أرغَبُ في أن أقولَ لَهُ شَيئًا يَنبغي لَهُ أن يَعرِفَهُ. وَقد كانَ طَبيبَ أسنانٍ، وكانَ يَفعلُ ما يَفعلُهُ النَّاسُ غيرُ المُخَلَّصينَ عَادَةً. فَهُم يُسافِرونَ ويَمرَحونَ. وَكانَ قَد زَارَ كاليفورنيا مُدَّةَ أُسبوعَيْنِ وَصَرَفَ فيها وَقتًا مُمتِعًا. فَهُوَ شَخصٌ لا يَذهبُ إلى الكنيسةِ، وَلا يَعرِفُ الرَّبَّ، ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّ كُلَّ شَيءٍ نَحتاجُ إلى مَعرِفَتِهِ مَوجودٌ في هذا الكِتاب! "إذا كُنتَ تُؤمِنُ بذلكَ فإنَّ هَذا يَضَعُ عَليكَ مَسؤوليَّةً كَبيرة". وَقَد دَارَ بَينَنا حَديثٌ جَيِّد. وسوفَ نُتابِعُ ذلكَ الحَديث.

ولكِن يجب أن تَعلَموا أنَّهُ عِندَما تَكرِزونَ بكلمةِ اللهِ لأُناسٍ أعتقدُ أنَّهُم يَعرِفونَ شَيئًا مَا عَنِ الكتاب المقدَّس... عِندَما تَكرِزونَ بكلمةِ اللهِ فإنَّ النَّاسَ يَبتَدِئونَ بالتَّراجُعِ بِسُرعةٍ كَبيرة! فَنحنُ نَعيشُ في عَصْرِ العَقليَّةِ الإعلامِيَّةِ بِمَعنى أنَّهُم يَقولونَ لَكَ: "إن أردتَ أن تَعِظَ، اجعلِ العِظَةَ مُمتِعَةً". وَمِنَ الصَّعبِ عَليكَ أن تُنافِس! فقد قَرأتُ في هذا الأسبوعِ أنَّهُ في كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ البَرامِجِ التِّلفزيونِيَّةِ، فإنَّنا نُشاهِدُ أكثرَ مِن 13 عَملاً عَنيفًا خِلالَ سَاعَةٍ واحِدَة! ففي كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ البَثِّ التِّلفزيونِيِّ في سَاعاتِ الذُّروةِ تُشاهِدونَ أكثرَ مِن 13 عَملاً عَنيفًا. وَمِنَ الصَّعبِ أن تُنافِسُوا ذلك. فَلا يُمكِنُني أن أفعلَ شَيئًا عَنيفًا وَاحِدًا عندما أَعِظُ عِظَةً كَامِلَة! وَلا يُمكِنُني أن أُقَدِّمَ عَرْضًا مُمْتِعًا. لا يُمكِنُني ذلك. ولكِنِّي أعرِفُ أشخاصًا حَاوَلوا أن يُقاوِمُوا ذلك.

فهُناكَ شَخصٌ في شَمالِ كَاليفورنيا يَعِظُ عَلى مَسرَحٍ ضَخمٍ. وَقَدْ وَعَظَ ذَاتَ مَرَّةٍ عَنِ الأمورِ المَادِّيَّةِ فَدَخَلَتْ سَيَّارَةٌ فَاخِرَةٌ تَجلِسُ على مُقَدِّمَتِها فَتاةٌ! ولكِنِّي لا أستطيعُ القِيامَ بذلك. لا بُدَّ لي مِنَ الاعتِرافِ بذلك. فهذا ليسَ أُسلوبي. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ كَانَ يُريدُ أن يُوَضِّحَ نُقطَةً مَا؛ ولا أدري مَا هِيَ! ولكِنَّ الوَعْظَ يَجِدُ طَريقَهُ... أو يَجِدُ صُعوبَةً في العُثورِ على طَريقِهِ إلى قُلوبِ النَّاسِ لأنَّنا اعْتَدْنا على عَدَمِ المُبالاةِ إلاَّ إذا كَانَ هُناكَ شَيءٌ مُضْحِكٌ كُلَّ خَمْسِ دَقائق. فالنَّاسُ فَقَدُوا مَهارةَ التَّركيزِ والتَّأمُّل. وَهُم لا يُفَكِّرونَ جَيِّدًا إنْ تُرِكُوا بِمُفرَدِهِم.

وَهُناكَ مَوقِفُ مُعادٍ للسُّلطَة. فإن كُنتَ في مَوقِعِ سُلطَةٍ وقُلتَ إنَّ هَذا هُوَ الحَقّ، سَيرفُضونَ حَالاً ذلكَ لأنَّ الجَميعَ ضِدَّ السُّلطَةِ في مُجتَمَعٍ يَقول: "أنا صَاحِبُ القَرار". وَهُناكَ عَقليَّةٌ نَاقِدَةٌ حَتَّى إنَّ كُلَّ شَيءٍ صَارَ خَاضِعًا للنَّقْد. فَلا يُوجَدُ احتِرام. ثُمَّ إنَّ هُناكَ مَيْلاً إلى الكَلامِ النَّفسيِّ. فالنَّاسُ يُريدونَ أن يَسمَعوا تَحليلاتٍ نَفسيَّةً مِنْ على المِنبَر، لا كَلِمَةَ اللهِ. وَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يُقدِّمونَ لَهُم تَحليلاتٍ نَفسيَّة.

ولكِنَّ الوَصِيَّةَ المُقَدَّمَةَ لتيموثاوسَ كَانت بَسيطةً جدًّا. فالوَصِيَّةُ تَقولُ: حَارِب المُحارَبَةَ الحَسَنَةَ ضِدَّ الأعداءِ الَّذينَ يَخضَعونَ للشَّيطان. ويَنبغي أن تَفعلَ ذلكَ باستخدامِ كلمةِ اللهِ. لِذا فإنَّنا نَجِدُ في كُلِّ الرِّسالةِ أنَّهُ يَقولُ: يَجِبُ عليكَ أن تَتَغَذَّى على التَّعليمِ القَويم. لِذا فقد حَصلتَ على وَصِيَّة. وعلى الرَّغمِ مِمَّا يَقولُهُ النَّاسُ، وعلى الرَّغمِ مِمَّا تُظْهِرُهُ قَسَماتُ وُجُوهِهِم، وعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُم قد يُظهِرونَ مَوافَقَتَهُم، ويُصافِحونَكَ، ويَقولونَ لَكَ إنَّكَ كُنتَ رائعًا، وأنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّكَ عَظيمٌ دُونَ أن يَفعَلوا مَا تَقول، يَجِبُ عليكَ أن تَستمرَّ في القِيامِ بذلكَ وأنْ تُتَمِّمَ الوَاجِبَ الَّذي دَعاكَ اللهُ إلى القِيامِ بِه.

الشَّيءُ الثَّاني. فالشَّيءُ الأوَّلُ هُوَ الوَصِيَّة. والشَّيءُ الثَّاني المُخْتَصُّ بِعلاقَتِهِ بالكنيسةِ هُوَ المَأمورِيَّة... المَأمورِيَّة. انظروا إلى مَا يَقول. انظروا إلى هَذا الفِعلِ الثَّاني هُنا: "أَسْتَوْدِعُكَ". والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الفِعلَ الأوَّلَ، أوْ بالحَرِيِّ الكلمةَ الأولى، تَأتي بِصيغةِ اسْمٍ. فَهِيَ اسمٌ: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ" الَّتي أَستَودِعُكَ إيَّاها. وَهُوَ الآنَ يَأخُذُ بُعدًا آخَرَ هُنا ويَقولُ: إنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ على أنَّكَ قد حَصلتَ على وَصِيَّةٍ، بل إنَّكَ قد حَصلتَ على مَأموريَّة: "أنا أَسْتَوْدِعُكَ إيَّاها". فالكلمة "باراتيثيمي" (paratithemi) هي كلمة تُشيرُ إلى الوَديعَةِ الَّتي تُوْدِعُها في المَصرِف. فَهِيَ وَديعَةٌ قَيِّمَة. وبولسُ يُعطي تيموثاوسَ وَديعَةً قَيِّمَةً. مَا هِيَ؟ إنَّها وَديعَةُ الحَقِّ. فَهِيَ وَديعَةُ الحَقِّ الَّتي هِيَ أَكثرُ قِيمَةً مِن أيِّ شَيءٍ آخر. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 2: 2: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ". فأنا أستَودِعُكَ هَذا الشَّيءَ، ويَجِبُ عليكَ أنْ تَحْفَظَهُ وأنْ تُوْدِعَهُ عِنْدَ أُناسٍ أُمَناء". فَقد قَالَ لتيموثاوس مِرارًا أنْ يَحْفَظَ تلكَ الوَديعَةَ المُقَدَّسَة.

فَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ الحَادي عَشَر: "حَسَبَ إِنْجِيلِ مَجْدِ اللهِ الْمُبَارَكِ الَّذِي اؤْتُمِنْتُ أَنَا عَلَيْهِ". وَقد حَصَلَ عَليهِ مِنْ يَسوع. اقرأوا الأصحاحَ الأوَّلَ مِن رِسالة غَلاطِيَّة. فَقد حَصَلَ بولسُ عَليهِ مِن يَسوع. ثُمَّ إنَّ بولسَ أخذَ تلكَ الوَديعةَ الَّتي حَصَلَ عليها مِن يَسوعَ (والَّتي هِيَ التَّعليمَ الصَّحيحَ، أوِ الإنجيلَ، أوِ الحَقَّ الكِتابِيَّ) وَسَلَّمَها إلى تيموثاوس. وَهُوَ يَقولُ لَهُ: "تيموثاوس! تَمَسَّكْ بهذهِ الوَديعةِ ولا تَسمَح لأحدٍ أن يُشَوِّهَها، ولا تَسمَح لأحدٍ أن يَعبَثَ بِها، ولا أن يُغَيِّرَها". ونَقرأُ في نِهايَةِ الرِّسالةِ، وتَحديدًا في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدد 20: "يَا تِيمُوثَاوُسُ، احْفَظِ الْوَدِيعَةَ، مُعْرِضًا عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ، وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ". احفظ ذلكَ الشَّيءَ الَّذي استَودَعتُكَ إيَّاه. ونَقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 1: 14 – لِنَنظُر إلى هذا النَّصِّ ابتِداءً مِنَ العَدد 13: "تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ". وَفي العَدد 14: "اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ". لا تُفَرِّطْ بِها.

لِذا فَقد تَلَقَّى تيموثاوسُ وَصِيَّةً وَتَلَقَّى مَأموريَّةً. فَقد تَلَقَّى أَمْرًا عَسكرِيًّا بأن يُنَفِّذَ دَعوَتَهُ، وَتَلَقَّى مَأمورِيَّةً تَعليميَّةً لِتَنفيذِ تلكَ الدَّعوة. ويجبُ علينا أن نَكونَ أُمناءَ للإيمانِ التَّاريخيِّ. احذَروا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَأتونَ بِتَعليمٍ جَديد. فقد سَلَّمَ يَسوعُ وَديعَةَ الحَقِّ إلى بولُس، وَقد سَلَّمَ بولسُ الوَديعَةَ إلى تيموثاوس. وَقد سَلَّمَ تيموثاوسُ الوَديعَةَ إلى أُناسٍ أُمناء سَلَّموها لآخرينَ أيضًا. وَقد وَصَلَ هَذا الحَقُّ نَفسُهُ إلينا. وعِندَما تَسمَعُ شَخصًا يَأتي وَيُنادي بِعقيدةٍ لم يَسمَع بها شَخصٌ مِن قَبل، اهرُب في الاتِّجاهِ الآخر. فهذهِ وَديعَةٌ قَديمةٌ يَنبغي أن تُحفَظ. لِذا، احذَروا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُعَلِّمونَ تَعليمًا جَديدًا. فَإنْ بَدا أنَّهُ تَعليمٌ جَديدٌ، لا يُمكِنُ أن يَكونَ صَحيحًا. لِذا، افحَصوه.

ثَالِثًا، هُناكَ لا فقط وَصِيَّة يَنبغي إطاعَتُها وَمَأموريَّة يَنبغي تَنفيذُها، بل هُناكَ أيضًا تَأكيدٌ يَنبغي احتِرامُه. فَهُوَ يَقولُ: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ". فهذهِ الوَصِيَّةُ، وهَذِهِ المَأمورِيَّةُ، وهَذِهِ الدَّعوةُ الَّتي وُجِّهَتْ إلى تيموثاوسَ تَأكَّدَتْ مِن خِلالِ النُّبوَّات. والنُّبوَّةُ، أو مَوهِبَةُ النُّبوَّةِ، أو أنبياءُ العهدِ الجديد الَّذينَ يُذكَرونَ غَالِبًا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. ويُمكِنُنا أيضًا أن نَقرأُ عَن أنبياءِ العهدِ الجديدِ وَمَوهِبَةِ النُّبوَّةِ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الثَّاني عَشَر. كانَت تلكَ المَوهِبَةُ وكانَ ذلكَ النَّبِيُّ يُستخدَمانِ مِن قِبَلِ اللهِ للتَّكلُّمِ بمشيئةِ اللهِ وَكلمَتِهِ في الكنيسةِ الباكِرَة. والمَوهِبَةُ في ذاتِها هِيَ مَوهبةُ الإعلان. وأنا أشعُرُ أنِّي أَمْلِكُ مَوهبةَ النُّبوَّةِ؛ أيْ أنَّني أتكلَّمُ بكلمةِ اللهِ. وعندما أَستخدِمُ تلكَ المَوهبةَ فإنِّي لا أتكلَّمُ بإعلانٍ مِنَ اللهِ، أيْ أنَّني لا أتلَقَّى إعلانًا مُباشِرًا، بل أتكلَّمُ بإعلانٍ مِن كلمةِ اللهِ؛ لا مِنَ اللهِ مُباشَرَةً. ولكِنْ قَبلَ أنْ تُكْتَبَ كَلِمَةُ اللهِ، كَانَ اللهُ يُعطيهم إعلانًا مُباشِرًا. فقد كانَ اللهُ يُعطيهم كلماتٍ مُباشِرَةً كَي يَتكلَّمُوا نِيابَةً عَنهُ.

وكانَ الرُّسُلُ يَتكلَّمونَ في الأمورِ المُختصَّةِ بالعَقيدةِ عَادَةً. لِذا فقد دُعِيَت العَقيدةُ "تَعليمَ الرُّسُل" في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 42. فَقد كانُوا يَتكلَّمونَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ بالأمورِ المُختصَّةِ بالعَقيدة؛ في حينِ أنَّ الأنبياءَ كانُوا يَتكلَّمونَ في الأمورِ العَمليَّةِ المُختصَّةِ بالكنيسة. وَإن رَجَعتُم إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، يُمكنُكم أن تَرَوْا الخِدمةَ العَمليَّةَ للأنبياء. فمَثلاً، في الأصحاحاتِ 13 و 15 و 21 و 22 و 26 مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، في كُلِّ تلكَ الأصحاحاتِ، يُمكِنُكم أن تَرَوْا بِضْعَةَ أعمالٍ للأنبياءِ الَّذينَ كانُوا يُطَبِّقونَ كلمةَ اللهِ في مَوقفٍ مُعيَّن في الكنيسة. فَهُم لم يَكونوا يُعَلِّمونَ العَقيدةَ بِقَدْرِ مَا كانوا يُرَكِّزونَ على مَا تَدعو الحَاجَةُ إليهِ للتَّعبيرِ عَن مَشيئةِ اللهِ في حَياةِ تلكَ الكَنيسةِ بطريقةٍ عَمليَّة.

وَهؤلاءِ الأنبياءُ (الَّذينَ لا نَعرِفُ مَن هُم) كَانُوا مَجموعَةً. وتِلكَ النُّبوَّاتُ كانت عَديدةً مَعَ أنَّنا لا نَعرِفُ مَكانَ حُدوثِ ذلك. ولكِنَّ النَّصَّ يَقولُ: "حَسَبَ النُّبُوَّاتِ..." ثُمَّ إنَّهُ يَستخدِمُ فِعْلاً مُدهِشًا بِمَعنَى: "الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْكَ". وحَقيقةُ أنَّهُ يَقولُ "حَسَبَ النُّبُوَّاتِ الَّتِي سَبَقَتْ عَلَيْكَ" تُخبرُنا أنَّهُ رُبَّما كانت هُناكَ أكثرُ مِن نُبُوَّةٍ، وأنَّها ظَهَرَتْ بِصُورةٍ مُتَتالِيَةً على مَدى مُدَّةٍ زَمنيَّةٍ، وأنَّها استمرَّت في الإشارةِ إلى تيموثاوسَ، وَقد بَلَغَتِ الذُّروةُ أخيرًا في الأصحاحِ الرَّابعِ مِنَ الرسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ والعَددِ الرَّابع عَشَر إذْ نَقرأُ: "لاَ تُهْمِلِ الْمَوْهِبَةَ الَّتِي فِيكَ، الْمُعْطَاةَ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ". بعبارةٍ أخرى، لقد أَعطَى اللهُ تلكَ المَوهبةَ إلى تيموثاوسَ، ثُمَّ فَصَّلَ تِلكَ المَوهبةِ مِن خِلالِ النُّبوَّاتِ، ثُمَّ أكَّدَها بِوَضْعِ الأيدي على تيموثاوسَ كَتأكيدٍ على ذلكَ مِنَ القادَة.

إذًا، لَقد وَضَعَ القَادَةُ أيدِيَهُم لتأكيدِ خِدمةِ تيموثاوسَ لأنَّ اللهَ نَفسَهُ كَانَ قد أشارَ مِن خِلالِ صَوتِ الأنبياءِ والنُّبوَّاتِ إلى خِدمةِ تيموثاوس. وَنحنُ لا نَعلَمُ مَا قَالَهُ اللهُ، ولكِنَّ بولسَ يَقولُ لتيموثاوسَ في أَحَدِ المَواضِعِ: "اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ"، وَفي مَوضِعٍ آخرَ: "اكرِز بالكلمة". لِذا، لا بُدَّ أنَّ تلكَ النُّبوَّاتِ كَانت هِيَ الَّتي دَعَتْ تيموثاوسَ إلى أن يَكونَ وَاعِظًا، وَكَارِزًا، وَمُعَلِّمًا لكلمةِ الله. لِذا فقد تَلَقَّى أَمْرًا لا مِن بولسَ فقط في هذهِ الآية، بل تَلَقَّى أيضًا مَأموريَّةً، وتَمَّ ائْتِمانُهُ على الحَقِّ أو وَديعَةَ الحَقِّ، وَحَصَلَ أيضًا على تَأكيدٍ إذْ إنَّ أنبياءَ العهدِ الجديدِ أكَّدُوا أنَّ هَذا الرَّجُّلَ هُوَ حَقًّا رَجُلٌ مَدعُوٌّ إلى الوَعظ.

وكَم كُنتُ أتمنَّى لو أنَّ هَذا هُوَ مَا يَحدُثُ اليوم. أَلاَ تَظُنُّونَ أنَّهُ سيكونُ مِنَ الرَّائعِ أن نَجتمِعَ مَعًا في يَومِ الرَّبِّ، وأن يَتكلَّمَ رُوحُ اللهِ مِن خِلالِ وَاحِدٍ مِنَّا مُباشرةً ويُشيرُ إلى الشَّخصِ المَدعُوِّ إلى الوَعظ؟ سوفَ يَكونُ ذلكَ الأمرُ رائعًا. وسوفَ يُبَسِّطُ الأمرَ جدًّا. وقد تقول: "أَلاَ يَفعلُ الرَّبُّ ذلك؟" بَلى! فَما زَالَ الرَّبُّ يَدعُو النَّاسَ في القَلبِ؛ ولكِنَّنا لا نَستطيعُ أن نَسمَعَ صَوتَهُ. وَقد تَقولُ: "إذًا، كَيفَ نَعلَمُ مَا إذا كانَ ذلكَ الشَّخصُ مَدعُوًّا أَم لا؟" الطَّريقةُ الوَحيدةُ لمَعرفةِ ذلكَ هِيَ أن تُراقِبُوا ماذا؟ حَياتَهُ. أن تُراقِبُوا حَياتَهُ. ولكِنَّ الأمرَ سيكونُ أبسط جدًّا لو أنَّ اللهَ أخبَرَنا بذلك لأنَّنا سنَتَحَمَّسُ جدًّا لذلك.

ولكِنَّنا لا نَعرِفُ مُحتَوى تلكَ النُّبوَّاتِ، وَلا نَعرِفُ حَقًّا مَتى حَدَثَت، ولكِنَّنا نَعرِفُ أنَّها انْتَهَتْ بِوَضْعِ أيدي شُيوخِ الكنيسةِ على تيموثاوسَ لأنَّ تلكَ النُّبوَّاتِ هِيَ الَّتي أَفْرَزَتْهُ للخِدمَة.

ويا أحبَّائي، أوَدُّ أن أقولَ لَكُم أنَّني أعتقدُ أنَّهُ يَجِبُ علينا أن نُعيدَ التَّمَسُّكَ بالفِكرةِ القائلةِ إنَّ أيَّ شَخصٍ يَخدِمُ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحِ بِصِفَتِهِ شَيخًا وَراعِيًا، وَإنَّ أيَّ شَخصٍ يَخدِمُ في القِيادَةِ، ويُفَصِّلُ الحَقَّ الإلهِيَّ هُوَ تَحتَ أمْرٍ مُباشِرٍ، ومَأموريَّةٍ مُباشِرَةٍ، وَأنَّهُ يَنبغي أنْ يَحصُلَ على تَأكيدٍ مِنَ الكنيسة. فهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا... مُهِمٌّ جدًّا... لكي نَتَأكَّدَ وَنَتَيَقَّنَ مِن أنَّهُم يُمَثِّلونَ الرَّبَّ. ويَجِبُ أن يَكونَ هَؤلاءِ الأشخاصُ أشخاصًا يَفهمونَ أنَّهُم دُعُوا إلى القيامِ بواجِبِهم الرُّوحيِّ، وأنَّهُم استُودِعُوا على الحَقِّ الكِتابِيِّ، وأنَّهُم اؤتُمِنُوا على كلمةِ اللهِ الحَيِّ، وأنَّ الكلمةَ كَافِيَة. وحينئذٍ تَأتي الكنيسةُ لِدَعمِهِم وتقول: "أجل، آمين".

كانت هذهِ هي مَسؤوليَّةُ تيموثاوس وَمُساءَلَتَهُ أمامَ الكنيسة. فَقد تَلَقَّى الأمرَ مِن خِلالِ الرَّسولِ، وتَلَقَّى المَأموريَّةَ مِن خِلالِ تَعليمِ الرُّسُل، وحَصَلَ على التَّأكيدِ مِنَ الأنبياءِ الَّذينَ تَنَبَّأوا، وَبِوَضْعِ أيدي الشُّيوخ. وَقد كَانَ مَسؤولاً وَمُطالَبًا أمامَ الكنيسةِ بأن يَستخدِمَ مَوهبَتَهُ وبأنْ يُحارِبَ المُحارَبَةَ الحَسَنَة.

وأنا أَجِدُ نَفسي في المَوقِفِ نَفسِهِ على الرَّغمِ مِن أنَّ طَريقةَ الدَّعوةِ مُختلفَة. فأنا مُطالَبٌ مِنَ اللهِ بالقيامِ بواجِبي. فَقدِ اؤْتِمِنْتُ على وَديعةٍ رائعةٍ حَفِظَتْها أجيالٌ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ سَبَقوني وَقَدَّمُوا لي الحَقَّ الإلهِيَّ. وقد تَأكَّدتْ خِدْمَتي مِنْ قِبَلِ الكَنيسَة. وَما زِلتُ أَذكُرُ وَقْتَ رِسَامَتي للخِدمَة. فأنا أَذكُرُ أنِّي وَقفتُ أمامَ نَحوِ مِئَتَي رَاعي كَنيسة وَأَجَبْتُ عن أسئِلَتِهِم سَاعاتٍ وَسَاعات. ومَا زِلتُ أَذكُرُ النَّتيجةَ والتَّأكيدَ بأنَّ دَعوَتي للخِدمَةِ شَرعِيَّةٌ حَقًّا. وقدِ ابتدأتُ في تَنفيذِ تلكَ المَسؤوليَّةِ بعدَ حُصولي على ذلكَ التَّأكيدِ مِنَ الكنيسة. وهُناكَ أوقاتٌ، يا أحبَّائي، في خِضَمِّ المَعركةِ، لا يَبقى لَديكَ سِوى هَذا التَّأكيدِ لِتَتَمَسَّكَ به. وهُناكَ أوقاتٌ تَقولُ فيها: "أنا لَستُ مَسرورًا بكيفيَّةِ سَيْرِ الأمور. أنا لَستُ رَاضِيًا عَن أمورٍ كَثيرة. لَقد تَعِبْتُ في المَعركة. لَقد تَعِبْتُ مِنَ القِتال. لَقد تَعِبْتُ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَأتونَ وَيَسمَعونَ دُونَ أن يَفعَلوا شَيئًا. أنا بِحاجَةٍ إلى إجازَة. أنا أريدُ أن أترُكَ الخِدمَة". وكُلُّ مَا يُمكِنُكَ الاستِنادُ إليهِ هُوَ حَقيقةُ أنَّكَ قَد دُعِيْتَ، وأنَّكَ قَد حَصَلتَ على مَأموريَّة، وأنَّكَ حَصَلْتَ عَلى وَصِيَّة، وَأنَّ خِدمَتَكَ قَد تَأكَّدَت. فَلا يُوجَدُ خِيارٌ آخَرُ أمامَك.

وقد كَتَبَ "وليام باركلي" (William Barclay) عن "جون نوكس" (John Knox)، الواعِظِ الإسكتلنديِّ العَظيمِ الَّذي كانَ يُعَلِّمُ في "كَنيسةِ سينت آندروز" (St. Andrews). وكانَ يُفتَرَضُ أن يَكونَ تَعليمُهُ خَاصًّا؛ ولكِنَّ أشخاصًا كَثيرينَ جَاءوا للتَّعَلُّمِ لأنَّهُ كَانَ مَوهوبًا جدًّا. فَقد كانَ رَجُلاً يَحمِلُ رِسالةً. لِذا فقد رَاحَ النَّاسُ يُشِجِّعونَهُ. وَإليكُم مَا كُتِبَ عَنهُ: "لَقد رَاحَ النَّاسُ يُشَجِّعونَهُ على التَّعليمِ، ولكِنَّهُ رَفَضَ ذلكَ بِحُجَّةِ أنَّهُ لن يَخدِمَ في مَكانٍ لم يَدْعُهُ اللهُ إليه. وكانَ مِن بينِ الأشخاصِ الَّذينَ يُشَجِّعونَهُ على ذلكَ "السِّير ديفيد ليندسي" (Sir David Lindsay). وَقَد تَشاوَروا فيما بَينَهُم وقَرَّروا أنَّهُم سَيَطلُبونَ مِنَ المَدْعُوِّ ’جون نوكس‘ أو يأمُرونَهُ بذلكَ عَلَنًا على لِسانِ وَاعِظِهم".

بِعبارةٍ أخرى، قَالَ هؤلاءِ الأشخاصُ: "يَنبغي لهَذا الرَّجُلِ أن يَعِظ. لا يَجوزُ أن يَستمرَّ في دُروسِ الكِتابِ المُقدَّسِ الخَاصَّةِ في كَنيسةِ ’سينت آندروز‘، بل يَنبغي لَهُ أن يَعِظ". ولكِنَّهُ لن يُرغِمَ نَفسَهُ على القِيامِ بذلك، ولَن يَفعلَ ذلكَ مِن تِلقاءِ نَفسِه. لِذا فقدِ اجتَمَعَتِ الكنيسةُ وَقَالت: "سوفَ نَأمُرُهُ عَلَنًا أن يَفعلَ ذلكَ على لِسانِ وَاعِظِنا". ويَقولُ "وليام باركلي" إنَّ "جون نوكس" كانَ رَجُلاً مُختارًا؛ ولكِنَّهُ كانَ رَجُلاً مُتردِّدًا في أَخْذِ تِلكَ المَسؤوليَّةِ العَظيمةِ على عَاتِقِهِ.

لِذا فقد جَاءَ يَومُ الأحد وكانَ "نوكس" في الكنيسة. وَلم يَكُن يَعرِف أيَّ شَيءٍ عن ذلك. فقد كانَ يَجلِسُ وَحَسْب في الكنيسة، وكانَ الواعِظُ "جون رُو" (John Rowe) يَعِظ. وقد رَاحَ "جون رُو" يُوَجِّهُ كَلامَهُ وَعِظَتَهُ إلى المَدعُوّ "جون نوكس". فقد عَرَفَهُ مِن بينِ الحُضورِ وَراحَ يُوَجِّهُ كَلامَهُ إليهِ مُباشَرةً قَائلاً: "أيُّها الأخُ، أرجو أَلاَّ تَنزعَجِ مِن كَلامي لأنِّي لا أَتكلَّمُ إليكَ مِن ذَاتي، بل أتكلَّمُ إليكَ نِيابَةً عَن جَميعِ الحَاضِرينَ هُنا وأقولُ لَكَ: "باسمِ اللهِ وابنِهِ يَسوعَ المَسيحِ، وباسمِ أولئكَ الَّذينَ يَدعونَكَ الآنَ بِلِساني، آمُرُكَ أَلاَّ تَرفُضَ هذهِ الدَّعوةَ المُقَدَّسَةَ، بل أن تَقبَلَ هَذهِ المَسؤوليَّةَ أوِ الوَظيفةَ الرَّسْمِيَّةَ المُختصَّةَ بالوَعظِ، وَأنْ تَتَجَنَّبَ مُضايَقَةَ اللهِ وتَطلُبَ مِنهُ أن يُضَاعِفَ نِعمَتَهُ عليكَ".

يا للرَّوعَة! فَهذا شَيءٌ مِنَ الغَريبِ أن يَحدُثَ لَكَ عندما تَكونُ جَالِسًا بِبراءَةٍ في الكنيسة؛ أيْ أن تُؤمَرَ بأنْ تَتَجَنَّبَ مُضايقةَ اللهِ، وأنْ تَقبَلَ أن تَكونَ وَاعِظًا. "بعدَ ذلكَ الكَلام، قالَ ’جون رُو‘ للكنيسة: ’أَلَمْ يَكُنْ هَذا هُوَ مَا كَلَّفْتُموني بِه؟ أَلاَ تُوافِقونَ على هَذِهِ الدَّعوة؟‘ فأجابوهُ قَائِلينَ: ’بَلَى. نَحنُ نُوافِقُ عَليها‘. فقد أكَّدَتِ الرَّعِيَّةُ كُلُّها ذلك في حينِ أنَّ وَجْهَ ’جون نوكس‘ احْمَرَّ خَجَلاً، ورَاحَ يَبكي، وانْسَحَبَ إلى غُرفَتِهِ. وَمُنذُ ذلكَ اليومِ إلى اليَومِ الَّذي اضطُرَّ فيهِ إلى تَقديمِ نَفسِهِ بَصِفَتِهِ وَاعِظًا بالصِّفَةِ الرَّسْمِيَّةِ، دَلَّتْ طَلْعَتُهُ وَسُلوكُهُ على مَدى الحُزنِ والاضطِرابِ في قَلبِهِ إذْ إنَّ أحدًا لم يُلاحِظ فيهِ أيَّة مَلامِحَ سُرور. كَما أنَّهُ لم يَشعُر بالفَرَحِ لِمُرافَقَةِ أيِّ شَخصٍ لِعِدَّةِ أيَّام". فَقد انعَزَلَ وَحَزِنَ بِسَبَبِ ثِقْلِ الوَاجِب، وبسببِ ثِقْلِ المَأموريَّةِ، وبسببِ رَهْبَتِهِ مِن تَأكيدِ الرَّعيَّةِ لَهُ. لقد كانَ "جون نوكس" رَجُلاً مُختارًا (كَما يَقولُ "باركلي"). وَهُوَ لم يَرغَب في تَلبيةِ الدَّعوةِ، ولكِنَّهُ اضْطُرَّ إلى ذلكَ لأنَّ الاختيارَ جَاءَ مِنْ عِندِ الله.

وبَعدَ سَنواتٍ، وَقَفَ الوَصِيُّ على العَرشِ "مورتون" (Morton) وَقَرَأَ مَرْثَاتَهُ الشَّهيرة عِندَ قَبْرِ "جون نوكس" قَائِلاً: "على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ يَحمِلُ رِسالةَ اللهِ، وَأنَّهُ سَيُعطي حِسَابًا عنها أمامَهُ، وعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ شَخصًا يَشعُرُ بالضَّعفِ وعَدَمِ الاستِحقاقِ والخَوفِ، فإنَّهُ لم يَكُن يَخافُ مِنَ النَّاس" [نِهايةُ الاقتباس]. وَهذهِ دَعوةٌ مُعاصِرَةٌ تُشبِهُ دَعوةَ تيموثاوس. أليسَ كذلك؟ فيجبُ عليكم أن تَفهموا مَسؤوليَّتَكُم تُجاهَ الكنيسةِ عندما تَتَلَقَّوْنَ الدَّعوةَ والمَأموريَّةَ والتَّأكيدَ بأن تَعِظُوا.

ثُمَّ لِنَنظُر بإيجازٍ إلى النُّقطةِ الثَّانية. فَلِكَيْ نَنتصِرَ في الحَربِ، أيْ في الحَرْبِ الحَسَنَة، يَجِبُ علينا أن نَعرِفَ مَسؤوليَّتَنا ومُساءَلَتَنا أمامَ الرَّبِّ؛ أيْ لا فقط أمامَ الكَنيسةِ، بل أيضًا أمامَ الرَّبّ. انظُروا إلى العَدد 19: "وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ". تَوَقَّفوا عِندَ تلكَ النُّقطة. فَنَحنُ نَعودُ هُنا إلى نَفسِ الشَّيئَيْن: الإيمان، والضَّمير الصَّالِح. فَقد قَرأنا في العَدَدِ الخَامِسِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّلِ عَنِ الضَّميرِ الصَّالِحِ والإيمانِ الَّذي بِلاَ رِيَاء. الإيمانُ والضَّميرُ الصَّالِحُ. ونَقرأُ عنهُما أيضًا في العَددِ التَّاسِعِ مِنَ الأصحاحِ الثَّالث: "وَلَهُمْ سِرُّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ".

فَبولسُ يَذكُرُ هَذينِ الشَّيئينِ مَعًا في كُلِّ هذهِ الرِّسالة. والشَّيءُ الأوَّلُ (أيِ: الإيمانُ) يَعني أنْ تُؤمِنَ بالحَقِّ... أنْ تُؤمِنَ بالحَقِّ، أو أن تَتَمَسَّكَ بالإيمان. فالإيمانُ هُوَ مُحتَوى الحَقِّ. والإيمانُ هُوَ أن تَتَمَسَّكَ بذلك. لِذا فإنَّنا نَقولُ إنَّنا نَتَمَسَّكُ بالإيمان. بعبارةٍ أخرى، بالتَّعليمِ الصَّحيح. فَنحنُ نُؤمِنُ [أو نَتَمَسَّكُ] بِمُحتوى التَّعليمِ الصَّحيحِ ونُؤمِنُ بذلك. ويُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ ذلكَ يَعني الالتِزامَ بالإيمانِ بالحَقِّ الإلهيِّ. "يا تيموثاوُس! هذهِ هي مَسؤوليَّتُكَ أمامَ الرَّبِّ. يَجِبُ عليكَ أن تَتمسَّكَ بالإيمان. تَمَسَّك بالإيمان. لا يُمكِنُكَ أن تَتَخَلَّى عَنِ الإيمان".

فَهُوَ يَتحدَّثُ في كُلِّ هذهِ الرِّسالةِ عن أولئكَ الَّذينَ زَاغُوا مِنْ جِهَةِ الإيمان. فَهُوَ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ الأوَّل عن أولئكَ الَّذينَ زَاغُوا وانحَرَفوا عَنِ الإيمان. وَهُوَ يَتحدَّثُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدد 21 عَن أولئكَ الَّذينَ زَاغُوا مِن جِهَةِ الإيمان. وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ السَّادِسِ والعَددِ العَاشِرِ إنَّهُم ضَلُّوا عَنِ الإيمان. وَهُوَ يَقولُ: "لا يُمكِنُكُم أن تَفعلوا ذلك". لا يُمكِنُكُم أن تَزيغوا عَنِ الحَقِّ، ولا يُمكِنُكُم أن تَتَخَلَّوْا عَنِ الحَقِّ الإلهيِّ. لِذا فإنَّ واجِبَنا تُجاهَ الرَّبِّ مِن جِهَةِ قِيامِنا بِخدمَتِنا هُوَ أن نَبقَى رَاسِخينَ في كلمةِ اللهِ، وأنْ تَكونَ ضَمائِرُنا صَالحَةً. والضَّميرُ الصَّالِحُ يَعني ببساطَةٍ أن يَكونَ ضَميرًا طَاهِرًا، وضَميرًا غَيرَ دَنِسٍ. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا قُلنا إنَّ الضَّميرَ هُوَ جِهازُ اسْتِشْعارٍ ذَاتِيٍّ مَوجودٌ في كُلِّ شَخصٍ مِنَّا وَيُخبرُكَ بِما إذا كانت حَياتُكَ على مَا يُرام أَم لا. وعِندما يَكونُ لَكَ ضَميرٌ صَالِحٌ فإنَّ ضَميرَكَ يَقولُ لَكَ: "أحسنتَ! أحسنتَ! أحسنتَ! أنتَ تَفعلُ الصَّوابَ. هَذا حَسَنٌ!" فَهُوَ ضَميرٌ (كَما تَقولُ الآيةُ أعمال 24: 16): "بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ". فَهُوَ ضَميرٌ مُرْتاحٌ، وضَميرٌ مُطْمَئِنٌّ، وضَميرٌ يَقولُ إنَّ كُلَّ الأمورِ على مَا يُرام، وإنَّ كُلَّ الأشياءِ جَيِّدَة.

إذًا، مَا الَّذي نَقولُهُ؟ إنَّ وَاجِبَكَ يُحَتِّمُ عليكَ أن تَتَمَسَّكَ بالحَقِّ وبالحَياةِ الطَّاهِرَة. وَهَذا يُعيدُنا إلى الكَلمتَيْنِ الرَّئيسيَّتَيْنِ في هذهِ الرَّسائلِ وَهُما: التَّعليمُ والتَّقوى. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّني قُلتُ لَكُم عندما ابتدأنا دِراسَتَنا إنَّ الكَلِمَتَيْنِ الرَّئيسيَّتَيْنِ هُما: التَّعليمُ والتَّقوى. والحَقُّ والطَّهارة، أوِ الإيمانُ والضَّميرُ الصَّالِحُ يُعَبِّرانِ عَنِ الشَّيءِ ذَاتِهِ. فالكلماتُ المُستخدَمَةُ قَد تَختَلِفُ قليلاً، ولكِنَّها تُعَبِّرُ عَنِ الشَّيءِ ذَاتِهِ. وقد دُعِيَ تيموثاوس إلى الحَقِّ والعَقيدةِ القَويمَة. والرَّسولُ بولسُ يَتَحدَّثُ المَرَّةَ تِلوَ الأخرى عَنِ التَّعليمِ الصَّحيح: "لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا [في الأصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ الثَّالث] أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ". فَيَنبغي لَهُ أن يُعَلِّمَ التَّعليمَ الصَّحيحَ. وَهُوَ يُرَكِّزُ على ذلكَ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ السَّادس: التَّعليمِ الحَسَن، وَكَلامِ الإيمانِ، والتَّعليمِ الصَّحيح.

ثُمَّ إنَّهُ يُرَكِّزُ دُونَ شَكٍّ على التَّقوى. فَهُوَ يَدعو إلى التَّقوى في الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ العَاشِر. فَعِوَضًا أن تَهتمَّ النِّساءُ بالمَظهرِ الخَارجيِّ، يَنبغي أنْ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بالتَّقوى. وَهَذا يَعني: الطَّهارة، والحِشمَة، والتَّقوى. وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ السَّابع: "رَوِّضْ نَفْسَكَ لِلتَّقْوَى". وَيَقولُ في العَددِ الثَّامِنِ إنَّ التَّقْوَى نَافِعَةٌ. وَيقولُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَددِ السَّادسِ إنَّ التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ هِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَة. فالدَّعوةُ هِيَ دَائِمًا إلى القَداسَةِ، والتَّقوى، والطَّهارَةِ، والتَّعليمِ الصَّحيح. فهذهِ هِيَ صِفاتُ الشَّخصِ الَّذي يُحْرِزُ نُصْرَةً رُوحِيَّةً.

والآن، اسمَحُوا لي أن أقولَ شَيئًا فيما نَخْتِمُ دَرْسَنا هَذا مَعًا: إنَّ التَّعليمَ الصَّحيحَ والحَياةَ الطَّاهِرَةَ يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ. فَهُناكَ صِلَةٌ وَثيقَةٌ جدًّا بينَ الحَقِّ والأخلاقِ، وبينَ الإيمانِ القَويمِ والسُّلوكِ القَويم. وأريدُ أن أقولَ شَيئًا. وأريدُ مِنكُم أن تَكتُبوهُ وأنْ تَحْفَظوهُ في أذهانِكُم: التَّعليمُ الخَاطِئُ... لاحِظُوا مَا سأقول: التَّعليمُ الخَاطِئُ تَمْتَدُّ جُذورَهُ في التُّربَةِ الأخلاقِيَّةِ، لا في التُّرْبَةِ الفِكريَّةِ. التَّعليمُ الخَاطِئُ تَمْتَدُّ جُذورَهُ في التُّربَةِ الأخلاقِيَّةِ، لا في التُّرْبَةِ الفِكريَّةِ. والنُّقطَةُ الجَوهريَّةُ هِيَ التَّالية: عِندَما يُعَلِّمُ النَّاسُ الضَّلالَ فإنَّهُم لا يَفعلونَ ذلكَ لأنَّهُم لا يَفهَمونَ، بل لأنَّهُم أشرارٌ... أشرارٌ، ولأنَّهُم يَتَمَسَّكونَ بِعقيدةٍ تُرَوِّجُ لِشَرِّهِم.

لا تَتَخَيَّلوا وَلَوْ لِلَحْظَةٍ واحِدَةٍ أنَّ المُعَلِّمَ الزَّائِفَ، أوِ الشَّخصَ المُتَحَرِّرَ، أوِ المُبْتَدِعَ، أوِ المهَرْطِقَ، أو أيَّ شَخصٍ يُعَلِّمُ الضَّلالَ بخصوصِ الأمورِ المُختصَّةِ باللهِ هُوَ شَخصٌ مِسْكينٌ، أوْ حَسَنُ النِّيَّةِ، أوْ طَيِّبُ القَلبِ ولكِنَّهُ ضَلَّ طَريقَهُ؛ بل إنَّهُ يَعيشُ في ضَلالٍ لأنَّ قَلبَهُ شِرِّيرٌ، وَهُوَ يَرفُضُ إخضاعَ شَرِّهِ لِعَمَلِ المَسيحِ المُطَهِّرِ والإنجيلِ الحَقيقيِّ. لِذا فإنَّهُ يَبْتَكِرُ الضَّلالَ. والسَّببُ في اجتماعِ هَؤلاءِ اللاَّهوتِيِّينَ ورَغبتِهم في التَّصويتِ على مَا قَالَهُ يَسوعُ هُوَ أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَعرِفوا فِكريًّا صِحَّةَ الكتاب المقدَّس، بَل لأنَّهُ تُوجَدُ في الكتابِ المقدَّسِ أشياءٌ لا يُريدونَ أن يَخضَعُوا لَها. ولكي يَتَجَنَّبوا الخُضوعَ غيرَ الضَّروريَّ فإنَّهُم يُريدونَ أن يَحذِفوا تلكَ الأشياءَ. فالأمرُ بهذهِ البَساطَة.

لِذا، هُناكَ دَعوةٌ مُوَجَّهَةٌ إلى قَلبِ كُلِّ شَخصٍ دُعِيَ إلى الخِدمَةِ كي يَثْبُتَ في التَّعليمِ الصَّحيحِ والحَياةِ الطَّاهِرَةِ. وإن قَرأتُم رِسالةَ بُطرسَ الثَّانية والأصحاحَ الثَّاني سَتَرَوْنَ كيفَ أنَّ التَّعليمَ الخَاطِئَ والأخلاقَ الرَّديئَةَ يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ. لِذا فإنَّ الدَّعوةَ المُوَجَّهَةَ إلى الجُنديِّ الأمينِ هِيَ دَعوةٌ إلى فَهْمِ المَسؤوليَّةِ وَالمُساءَلَةِ أمامَ الكَنيسةِ الَّتي حَصَلْنا مِنها على الأمرِ والمَأموريَّةِ والتَّأكيد. وَهِيَ مَسؤوليَّةٌ أمامَ الرَّبِّ الَّذي دَعانا إلى خِدمَتِهِ مِن خِلالِ الحَقِّ والحَياةِ الطَّاهِرَة. واللهُ يُخَلِّصُ الكَنيسَةَ مِنَ الضَّلالِ مِن جِهَة؛ ولكِنْ ليسَ مِنَ الضَّلالِ مِن جِهَةٍ فقط، بل مِنَ الضَّلالِ الَّذي يُعَلِّمُهُ أُناسٌ فَاسِدون. وكما تَعلَمونَ فإنَّ هَذا الأمرَ شَائِعٌ جدًّا. فَما أكثرَ مَا نَسمَعُ عن أشخاصٍ في الخِدمَةِ، ويَدَّعونَ أنَّهُم يُعَلِّمونَ الحَقَّ، ولكِنَّهُم يَعيشونَ حَياةً غَير تَقِيَّة! وَالأسوأُ مِن ذلكَ هُوَ أولئكَ الَّذينَ يُعَلِّمونَ الضَّلالَ لأنَّ فَسادَهُم الأخلاقِيَّ هُوَ نَمَطُ حَياتِهم أيضًا.

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "انظُر يا تيموثاوس، يَجِبُ عليكَ أن تُحارِبَ المُحَارَبَةَ الحَسَنَة. ولكي تَفعلَ ذلك، يَجِبُ عليكَ أن تَعرِفَ مَسؤوليَّتَكَ وَمُساءَلَتَكَ أمامَ الكَنيسةِ، وَمسؤوليَّتَكَ وَمُساءَلَتَكَ أمامَ الرَّبِّ أيضًا". ثُمَّ إنَّ النُّقطَةَ الأخيرةَ هِيَ: مَسؤوليَّتُكَ وَمُساءَلَتُكَ في التَّصَدِّي للأعداء. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ في يَومِ الرَّبِّ المُقبِل. دَعونا نُصَلِّي:

أبانا المُنعِم، نَحنُ نَشعُرُ بأنَّنا نَقِفُ على أرضٍ مُقَدَّسَةٍ مَرَّةً أخرى. ونَحنُ نَشعُرُ بِطريقةٍ مَا كما لو أنَّنا انتَقَلنا إلى زَمَنٍ آخر ومَكانٍ آخر. وَنَحنُ نَشعُرُ بِدَقَّاتِ قَلبِ تيموثاوس بِسببِ تَدَفُّقِ الأدرينالين فيه عندما قَرأَ أوَّلَ مَرَّةٍ هذهِ الآياتِ إذْ إنَّهُ كَانَ يَجلِسُ في تلكَ الغُرفةِ في مَكانٍ مَا مِن مَدينةِ أفسُس فَجاءَ شَخصٌ وَسَلَّمَهُ هذهِ الرِّسالةَ قَائِلاً: "لَقد جَاءَتْ هذهِ الرِّسالة عَلى جَناحِ السُّرعَةِ مِنَ الرَّسولِ بولُس. اقرأها". فَقد أدركَ حِينئذٍ أنَّ هُناكَ مَعركَةً تَدورُ رَحَاهَا بِالقُربِ مِنهُ، وأدركَ أيضًا دَعوةَ اللهِ. ونَحنُ نَفهمُ تَسارُعَ دَقَّاتِ قَلبِه، والخَوفَ مِن مُواجَهَةِ عَدُوٍّ لَدودٍ كالشَّيطانِ نَفسِهِ، وأنَّهُ كانَ يُحاولُ أن يَتَصَدَّى للتَّعليمِ الزَّائِفِ والأخلاقِ المُنْحَطَّةِ في أعلى مُستوياتِ القِيادَةِ في الكنيسةِ، ونَفهَمُ الخَوفَ البَشريَّ، والذُّعْرَ البَشريَّ، والقَلقَ، والشُّعورَ بعَدَمِ الأهلِيَّةِ؛ ولكِنَّنا يا رَبُّ نَعلمُ أنَّ ذلكَ لا يُلغي المَأموريَّةَ وَلا الوَصِيَّة. يا أبانا، سَاعِدنا على أن نَعلَمَ أنَّهُ أينَمَا وُجِدَ ضَلالٌ وَشَرٌّ، سَواءَ في العَالَمِ المَنظُورِ أو غَيرِ المَنظورِ، ساعِدنا على أن نَعرِفَ أنَّهُ يَجِبُ علينا أن نَتصدَّى لِذلك. وساعِدنا على أن نَعرِفَ أنَّنا في حَربٍ، وأنَّنا في مَعركةٍ، وأنَّهُ يَجِبُ علينا أن نُحارِبَ تلكَ المَعركةَ، وأنَّهُ يَجِبُ علينا أن نَخوضَ تلكَ الحَربَ، وَهَذا يَعني أن نَستخدِمَ المَواهِبَ المُعطاةَ لَنا والَّتي أُمِرْنا بأنْ نَستخدِمَها، وَأنَّهُ يَجِبُ علينا أن نُعَلِّمَ الكلمةَ لأنَّ هَذِهِ هِيَ مَأموريَّتَنا، وَتلكَ هِيَ الوَديعَةُ الَّتي ائتَمَنْتَنا عليها. ساعِدنا على أن نَخدِمَ الكنيسةَ فيما تُؤهِّلْنا وتُعطينا المَواهِبَ اللاَّزِمَةَ للقيامِ بذلك، وساعِدنا أيضًا على أن تَكونَ عَلاقَتُنا بِكَ سَليمَة، وأن تَكونَ عَلاقَةً قَائِمَةً على الحَقِّ والطَّهارة. ويا رَبّ، فيما نَجتَمِعُ بِصِفَتِنا رَعِيَّةً، لَيتَنا نَعيشُ هذهِ الأشياءَ ونُدرِكُ في حَياتِنا هذهِ المَبادِئَ لِكَي نَختَبِرَ نُصرةً عَظيمَةً تَؤولُ إلى امتِدادِ المَلكوتِ وَمَجدِ المَسيح.

فِيمَا تَحْنونَ رُؤوسَكُم في هذهِ اللَّحظةِ الخِتامِيَّةِ، هُناكَ حَربٌ. وأنتَ إمَّا في هَذا الجَانِبِ أو ذاك. وَقَد قَالَ يَسوعُ: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ". فإن لم تُكَرِّس نَفسَكَ للمسيحِ فإنَّكَ تُحارِبُ ضِدَّهُ. والى مَتى سَتَفعلُ ذلك؟ فلم يَسَعْني إلاَّ أن أُفَكِّرَ في هذا الأمرِ في هذا الأسبوعِ بعدَ أن رَأيتُ كُلَّ الأشياءِ المُريعَةِ الَّتي حَدَثَتْ في كولومبيا إذْ إنَّ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ الأشخاصِ مَاتُوا حَالاً وَذَهَبوا إلى الأبديَّة. يَا لَهُ مِن نَموذَجٍ مُريعٍ على دَينونَة اللهِ الأبديَّة! فَعلى مَدَى شَهْرَيْنِ... على مَدَى شَهْرَيْنِ، تَلَقَّى هؤلاءِ النَّاسُ تَحذيرًا تِلوَ الآخَرِ، تِلوَ الآخَرِ، تِلوَ الآخَرِ بأنَّهُ يَجِبُ عليهِم أن يُغادِروا؛ ولكِنَّهُم تَجاهَلوهُ وَتَجاهَلوه. وَهَذا يُذَكِّرُنا بالطُّوفانِ الَّذي أَهْلَكَ الحَضارَةَ في زَمَنِ نُوح. فقد تَمَّ تَحذيرُهُم المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ، تِلوَ المَرَّةِ، تِلوَ المَرَّةِ؛ ولكِنَّهُم لم يُصْغُوا. وأنا أُدرِكُ أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ العَامِلينَ في الصَّليبِ الأحمَر كَانُوا يَقضُونَ وَقتًا طَويلاً في التَّفكيرِ فيما عَساهُم أن يَفعلوا. وفيما كانوا يُفَكِّرونَ فيما يُمكِنُهم أن يَفعَلوهُ، هَلَكُوا هُم أيضًا.

والكتابُ المقدَّسُ يَقول: "هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ". فَنحنُ لا نَعلَمُ وَلا نَدري كَمِ الوَقتُ المُتاحُ لَنا. وَلكِنَّنا نَرجو أن يَكونَ نَموذَجُ تيموثاوسَ نَموذَجًا صَالِحًا لَنا جَميعًا على الحَاجَةِ إلى القِيامِ بِواجِبِنا الرُّوحيِّ، والتَّمَسُّكِ بالحَقِّ، والطَّهارَةِ في الحَياةِ لكي نُنَفِّذَ عَمَلَ اللهِ، وَلِكَي نُحارِبَ في صَفِّهِ ضِدَّ أولئكَ الَّذينَ يُبغِضونَهُ بِشِدَّة. يا لَهُ مِنَ امتياز! يا لَهُ مِنَ امتياز!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize