Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دَرْسِنا مَعًا لهذا الصَّباح لكلمةِ الله، نَعودُ إلى رسالة بولس إلى فِليمون...الرِّسالة إلى فِليمون. فهذه الرِّسالة القصيرة الَّتي تَحوي خمسًا وعشرينَ آيةً قصيرة وأصحاحًا واحدًا هي دَرسٌ حَيٌّ في الغُفران. وهذا هو دَرسُنا الثَّالِث مِن أَصْلِ أربعة دُروس في هذه الرِّسالة القصيرة. وسوفَ نَقومُ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح بالجلوسِ عندَ قَدَمَيِّ بولس كي نَتَعلَّمَ كيفَ نَغفِر. ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الآياتِ الثَّلاث الأولى كانت مُقدِّمةً للرِّسالة. ثُمَّ إنَّ الآياتِ مِن 4 إلى 7 تُرينا صِفاتِ الشَّخصِ الَّذي يَغفِر. والآن، في الآيات مِن 8 إلى 18، نأتي إلى فِعْلِ الغُفرانِ نَفسِه. فسوفَ نَتحدَّث عن موضوعِ الغُفرانِ نَفسِه. ولِتذكيرِكُم قليلاً بما ذَكرناهُ سابقًا في حالِ أنَّكُم نَسيتُم ذلك أو في حالِ أنَّكُم مُستَمِعونَ جُدُد، كانَ فِليمون رَجُلاً مسيحيًّا يعيشُ في مدينة كولوسي. وكانَتِ الكنيسةُ في كولوسي تَجتمِعُ في بَيتِه. وكانَ قد جاءَ إلى المسيحِ مِن خلالِ بولس. وكانت زوجتهُ تُدعَى "أَبْفِيَّة"، وَلَهُما ابْنٌ يُدعَى: "أَرْخِبُّس".

وكانَ لديهم عَبدٌ يُدعَى "أُنِسِيمُس". وكانَ أُنِسِيمُس قد هَرَب. فقد كانَ هاربًا...كانَ عَبْدًا هارِبًا. فقد كانَ يَتوقُ إلى الحُرِّيَّة. وقد وَصَلَ إلى رُوما. وعندما كانَ في رُوما، شاءتِ العِنايةُ الإلهيَّة أنْ يَلتقي بولسَ الرَّسول. وكانَ قد حُكِمَ على بولس بالإقامةِ الجَبْرِيَّةِ في مَنزلٍ هُناك، مَنزِلٍ مُستأجَر، ولكنَّهُ كانَ قادرًا على القيامِ ببعضِ الخدمة. وبطريقةٍ ما، التَقى هذا العبدُ الهارِب (أُنِسِيمُس) بولُسَ الَّذي اقْتادَهُ إلى المَسيح. وقد أَعَادَهُ بولسُ إلى سَيِّدِهِ (فِليمون) وأرسلَ إليهِ هذه الرِّسالة الَّتي يَطلُبُ فيها مِن فِليمون أنْ يَغفرَ لَهُ هذا الخطأ، وهذا الاحتيال، وأنْ يُسامِحَهُ على أيِّ شيءٍ يَدينُ بِهِ إليه لأنَّهُ كانَ قد سَرَقَ أشياءً عندما هَرَب. لِذا فإنَّها مُناشَدة إلى رَجُلٍ كي يَغفرَ لشخصٍ أخطأَ في حَقِّهِ؛ وتَحديدًا: هذا العَبد الهارِب "أُنِسِيمُس".

والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ لهذا السِّفْرِ الصَّغير هي الغُفران. والمُدهشُ هو أنَّ هذه الكلمة لا تُذكَر هُنا. وكأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ جَعَلَ هذهِ رِسالةً مِنْ نَوع: "امْلأ الفَراغ". فَفِكرةُ الغُفرانِ موجودة في كُلِّ مَكانٍ في الرِّسالة، ولكِنْ مِن دونِ أيِّ ذِكْر للكلمة "غُفران". ولكِن مِنَ الواضحِ للقارئ أنَّ هذه هي الفِكرة الرئيسيَّة للرِّسالة. وهُناكَ عُنصرٌ مُدهشٌ آخر في هذا السِّفر وَهُوَ حقيقةُ أنَّنا لا نَجِدُ هُنا ذِكرًا لأيِّ مَبادئ عَقيديَّة تَختصُّ بالغُفران. ولكُم أن تَتخيَّلوا أنَّهُ عندما يَرغبُ رَجُلٌ لاهوتيٌّ مِثلَ الرَّسولِ بولس في أنْ يَدعو شخصًا إلى مُمارسةِ الغُفران، فإنَّهُ سَيَستعرِض لَهُ لاهوتَ الغُفران، أوِ المبادئَ الكِتابيَّةَ الَّتي تَجعلُ الغُفرانَ لازِمًا، أو مَطلبًا رئيسيًّا، أو وَصيَّةً. ولكِنَّكم لن تَجدوا ذلكَ هُنا. بَلِ الحقيقةُ هي أنَّكُم عندما تَقرأونَ هذه الرِّسالة، لن تَجِدوا فيها أيَّ مبادئَ تَختصُّ بالغُفران. بل إنَّ المُناشَدَةَ تأتي على النَّقيضِ تَمامًا إذْ إنَّها لا تَستَنِدُ إلى شَريعةٍ أو مَبدأٍ أو لاهوتٍ أو نُصوصٍ كِتابيَّة، بل إنَّ المُناشَدةَ تَستَنِدُ إلى المحبَّة. فهو يَحْتَكِمُ إلى شيءٍ أَسْمَى. فهو يَعرِف أنَّ فليمون رَجُلٌ تَقِيٌّ. وهو يَعرِفُ أنَّهُ رَجُلٌ رُوحِيٌّ. وهو يَعرِفُ أنَّهُ رَجُلٌ ذو قَلبٍ مُستقيمٍ أمامَ الله. لِذا فإنَّهُ لا يَحْتَكِمُ إلى الشَّريعَة، بل يَحْتَكِمُ إلى المحبَّة. وهذه طريقة أقولُ مَرَّةً أخرى إنَّها أَسْمَى.

والآن، لا بُدَّ أنْ نَفترِض أنَّ فِليمون كانَ يَعرِفُ لاهوتَ الغُفران. ولا بُدَّ أن نَفترِض أنَّ فليمون كانَ يَعرفُ المبادئَ الَّتي يَقومُ عليها الغُفران، والعقائد الكِتابيَّة الَّتي تَدفَعُنا إلى الغُفران. لا بُدَّ أنَّهُ كانَ يَعرِفُ ذلك. وَمِنَ الواضحِ أنَّهُ كانَ راسخًا في مَعرفةِ كلمةِ الله. ولكِنْ بِقَدرِ ما أُحِبُّ أن أفعلَ ذلك، فإنَّني لا أستطيعُ أن أَفترضَ الشَّيءَ نَفسَهُ بِخصوصِكُم جميعًا. فيمكنني أنْ أَحْتَكمَ إلى المَحبَّة، ولكنِّي لستُ واثقًا مِن أنَّكم جميعًا تَفهمونَ لاهوتَ الغُفرانِ الكَامِن وراءَ تلكَ المُناشَدة. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ سيكونُ مِنَ المُفيدِ لنا أن نُفْرِدَ جُزءًا صغيرًا مِن وقتِنا في هذا الصَّباح لتوضيحِ بعضِ مَبادئِ الغُفرانِ المذكورة في الكتابِ المقدَّس والتي تُلزِمُنا بأنْ نَغفِر – مِنْ زَاويةِ سُلطانِ كلمةِ الله. واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم سبعةَ مَفاتيح، أو سبعةَ عناصر، أو سبعَ سِماتٍ للغُفران مِن زاوية لاهوتيَّة وعَقيديَّة وكِتابيَّة:

أوَّلاً، لم يَكُنِ القَتلُ وَحْدُهُ هو الَّذي حُرِّمَ في الوَصيَّة السَّادسة، بل عَدَم الغُفران أيضًا. لم يَكُنِ القَتلُ وَحْدُهُ هو الَّذي حُرِّمَ في الوَصيَّة السَّادسة، بل عَدَم الغُفران أيضًا. فالوصيَّة السَّادسة تَقول: "لاَ تَقْتُلْ". ولكِنَّ هذه جُملة قصيرة جدًّا تَحتاجُ إلى مُحتوىً كبير يَملأها. ولمعرفةِ هذا المُحتوى، يَكفي أنْ نَتذكَّرَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس وكلماتِ يسوعَ شخصيًّا الَّذي قالَ ما يَلي: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا [وهي كلمة سُخرية]، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ". بعبارة أخرى، لقد قالَ يَسوع: "عندما قالَ اللهُ ’لا تَقتُل‘، قَصَدَ بذلكَ أيضًا: ’لا تَكرَه‘ وَ ’لا تَحمِل ضَغينة‘ وَ ’لا تَغضَب‘ وَ ’لا تَحْنِق‘ وَ ’لا تَسعى إلى الانتقام‘ وَ ’لا تُحاول الانتقام‘ وَ ’لا تُظهر عَدَمَ غُفران‘". فاللهُ يُحَرِّم هذا أيضًا. لِذا فإنَّ لاهوتَ الغُفران يَبتدئُ حَقًّا بوصايا مُوسى، أوِ الوَصايا العَشْر. فنحنُ مُطالبونَ لا فقط بأنْ لا نَقتُل، بل أيضًا بأنْ لا نَرْعَى في قُلوبِنا أيَّ مَشاعِر تُفضِي في النِّهاية إلى إزْهاقِ حَياةِ إنسانٍ في المُحَصِّلَةِ النِّهائيَّة.

والآن، كيفَ يمكنني أن أُخَلِّصَ نفسي مِن بعضِ هذه المواقف مِثل الغَضَب، والعَداوة، وعدم الغُفران، والرَّغبة في الانتقام؟ في المَقامِ الأوَّل، انظُر إلى الشَّخصِ الَّذي لا تُريدُ أن تَغفِرَ لَهُ بأنَّهُ خَليقة الله. بعبارة أخرى، أَحْبِبْ ذلكَ الشَّخص وسامِحْهُ لأجلِ ذلكَ الجُزءِ الَّذي يُشْبِهُ اللهَ فيه. فَكُلُّ شخصٍ مِنَّا مَخلوقٌ على صُورةِ اللهِ بالرَّغمِ مِن حقيقةِ أنَّ تلكَ الصُّورة مُلَطَّخة ومُشَوَّهة. فَإنْ نَظرتُ إلى مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ فإنَّهُ مُقَدَّس. وَهُوَ يَحمِلُ شَيئًا مِنَ الصُّورةِ الأخلاقيَّة لله. ويُمكنُني أن أَغفرَ لَهُ لأجلِ ذلكَ الجُزءِ الَّذي يُشْبِهُ اللهَ فيه. وإنْ نَظرتُ إلى شخصٍ غير مُؤمِن وغير مُقَدَّس، فإنَّهُ ما يَزالُ يَحمِلُ الصُّورةَ الطَّبيعيَّةَ للهِ، ويُمكنُني أن أَغفِرَ لَهُ لأجلِ ذلكَ الجُزءِ الَّذي يُشْبِهُ اللهَ فيه. فَمِن شأنِ هذا أن يُزيلَ غَضبي وَنَقصَ غُفراني وأنْ يَضَعَ مَكانَهُما تَوقيرًا إنْ تَمَكَّنْتُ مِن رُؤيةِ صُورةِ اللهِ في شخصٍ مَا.

كذلك، لقد قالَ يسوع: "تُحِبُّ قَريبَكَ كَنفسِك". ولا شَكَّ في أنَّكَ تَسعى إلى رُؤيةِ صِورةِ اللهِ فيك. أليسَ كذلك؟ ألا تجِد نَفسَكَ جَديرًا جدًّا بالغُفران؟ ألا تَجِد أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أن تَفهمَ سَبَبَ عَدَمِ غُفرانِ أيِّ شخصٍ لَكَ؟ فأنتَ تَتوقُ إلى مُسامحةِ نَفسِك، وأنتَ لا تَحمِلُ ضَغينةً تُجاهَ نَفسِك، ولا تَفرِض على نَفسِكَ أيَّ عُقوبات، ولا تُحاول أنْ تَنتَقِمَ مِن نَفسِكَ. وإنْ أَخطأتَ في حَقِّ نَفسِك، وحَمَّلْتَ نَفسكَ المسؤوليَّة، فإنَّكَ لا تَفعل ذلكَ بِدافعِ تَدميرِ نَفسِك، بل بِدافعِ الحُصولِ على البَرَكة: الرُّجوعِ الَّذي تَصبو إليه. لِذا، يجب عليكَ، في المَقامِ الأوَّل، أن تُدركَ أنَّ أيَّ كَراهِية، وأيَّ قَدرٍ مِن عدمِ الغُفران هو تَعَدٍّ على الوصيَّة الَّتي تقول: "لا تَقتُل" لأنَّ ذلكَ يَنُمُّ عن وُجودِ رَغبةٍ في القَتل وإزهاقِ نَفسِ إنسان إنْ أَمْكَنَكَ فِعْل ذلكَ مِن دونِ القَبضِ عليك، أو يَنُمُّ عن وُجودِ رَغبةٍ في إلحاقِ الأذى بِهِ لوِ استَطعت.

كذلك، إن أردتَ أن تُعالِجَ هذا الموقِف، يجب عليكَ أن تُدرك أنَّ عَدَمَ غُفرانِكَ [بصراحة وبساطة] هو عَملٌ أنانيّ. ويجب عليكَ أن تُعالِج أنانيَّتك. فتلكَ العاطفة الَّتي تَشعُر بها تُجاهَ نَفسِكَ (والتي لا تَستحقُّها) هي الَّتي تَجعلُكَ تُضَخِّم أخطاءَ الآخرينَ الَّذينَ يُسيئونَ إليك. سوفَ أُعيدُ ذلك: إنَّ تلكَ العاطفة الَّتي تَشعُر بها تُجاهَ نَفسِكَ (والتي لا تَستحقُّها) هي الَّتي تَجعلُكَ تُضَخِّم أخطاءَ الآخرينَ الَّذينَ يُسيئونَ إليك. بالمُقابِل، إنْ كُنتَ مُتواضِعًا، وغيرَ أنانيّ، ونَاكِرًا لِذاتِك، ستَرى نفسَكَ شخصًا وَضيعًا لا يُمكنُ لأيِّ إساءَةٍ بِحَقِّكَ أن تُحسَبَ ذات أهميَّة. فالتَّقديرُ المُبالَغُ فيهِ للذَّات يَجعلُكَ تَغضَب بسهولة ويَجعَلُكَ غير غَفور لأنَّكَ تُعَظِّم نَفسَكَ كثيرًا، وتَكرهُ أيَّ شخصٍ يُسيءُ إلى ذاتِكَ المَجيدَة. لِذا، لا يَكفي أن لا تَقتُل (كما يَقولُ اللهُ)، بل يجب أَلَّا تَكرَه، ويجب أَلَّا تَغضَب، ويجب أَلَّا تَكونَ غَيرَ غَفور. أمَّا إذا كُنتَ غيرَ غَفورٍ فسوفَ تُظهِرُ أنانِيَةً، ولن تَتمكَّنَ مِن رُؤيةِ صُورةِ اللهِ في الآخرين. وبهذا تكونُ حَقًّا قد خَرَقْتَ الوَصيَّةَ السَّادسة.

واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكُم أساسًا لاهوتيًّا ثانيًا للغُفران. فالشَّخصُ الَّذي أساءَ إليكَ قد أساءَ إلى اللهِ أكثر. الشَّخصُ الَّذي أساءَ إليكَ قد أساءَ إلى اللهِ أكثر. وإنْ كانَ اللهُ القُدُّوسُ قد غَفَرَ لَهُ خَطيئةً أكبر، هل يُمكِنُكَ، وأنتَ أَقَلُّ مِنْهُ قَداسَةً، أن تَغفِرَ لَهُ خَطيئةً أصغَر؟ هل تَفهمونَ ذلك؟ فداودُ الَّذي أخطأَ إلى بَثْشَبَع، والذي أخطأَ إلى زَوجِها أُوريَّا، والذي أخطأَ إلى زَوجَتِه، وأولادِه، وأُمَّتِه، وداودُ الَّذي أخطأَ إلى كُلِّ هؤلاءِ النَّاسِ قالَ في المَزمور 51: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأتُ". بعبارة أخرى، لقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ مَهما كانت خَطيئَتُهُ إلى البَشَر، فإنَّهُ أخطأَ أكثر إلى الله. وإنْ كانَ اللهُ يَغفِر خَطيئةً أكبر، لِمَ لا تَستطيعُ أن تَغفِرَ خَطيئةً أصغر؟ هذه هي النُّقطة الجوهريَّة. وهذه هي المَسألةُ الصَّاعِقَة في المَثلِ المَذكور في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 إذْ إنَّ المَلِكَ سَامَحَ العَبْدَ بِدَينٍ لا يُمكِنُ رَدُّه، ثُمَّ إنَّ ذلكَ الرَّجُلَ رَفَضَ أنْ يُسامِحَ رَجُلاً آخرَ يَدينُ لَهُ بِدَينٍ صَغيرٍ جدًّا، بل خَنَقَهُ وَألقاهُ في السِّجن. والنُّقطة هي: كيفَ تَرى اللهَ يَغفِرُ إساءةً أكبر وأنتَ تَرفُضُ أن تَغفِرَ إساءةً أصغَر؟ فأيُّ جَريمة تُقتَرَفُ بِحَقِّكَ هي جَريمة أكبر بِحَقِّ اللهِ. وفي أيِّ وقتٍ يُسيءُ فيه أحدُ الأشخاصِ إليكَ فإنَّ ذلكَ قد يُسيءُ إليكَ؛ ولكنَّهُ يُسيءُ إلى اللهِ أكثر. لماذا؟ لأنَّ اللهَ أقْدَسُ مِنكَ. فالخطيئةُ خاطئة أكثر في عَينيه. وهي مُسيئة أكثر لَه. فنفسُ الخطيَّة قد تَكونُ شيئًا خَطيرًا في نَظرِك، ولكنَّها أخطر بكثير في نَظَرِ اللهِ المُطلَقِ القَداسَة. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ اللهَ يَرحمُ ويَغفِر. فهل أنتَ أَعْدَلُ مِنه؟ وهل أنتَ أَقدَسُ مِنه؟ وهل أنتَ مَحكمة أَعلى تَحتَكِمُ إلى قَوانين أَسمَى؟ الحقيقة هي أنَّكَ إنْ لم تَغفِر فإنَّكَ لا تُشبِهُ اللهَ البَتَّة، بل أنتَ تُشبِهُ الشَّيطان.

لا تَنْسَ أنَّكَ مُخطئٌ في أُمورٍ كثيرة تَحتاجُ إلى الغُفرانِ مِنَ الله. ولا توجد مُقارنة بينَ إساءاتِ إنسانٍ آخر إليكَ وإساءاتِكَ إلى الله؛ لا في الكَمِّ، ولا في الخُطورة، ولا في العَواقِب. فلا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يُسيءَ إليكَ كَما تُسيءُ أنتَ إلى الله. واللهُ يَغفِرُ لَك. فهل تَحْجُبُ الغُفرانَ عنِ الآخرين؟ فأنتَ تَستحقُّ الدَّينونة مِنَ اللهِ. وكذلكَ أنا. ولكِنَّهُ يُسبِغُ علينا رَحْمَةً بالرَّغمِ مِن كُلِّ آثامِنا. فهل سَتَصرِفُ حَياتَكَ في السَّعيِ إلى الانتقام عن كُلِّ الجُروحِ الصَّغيرةِ الَّتي أَصابَتْكَ؟ إذًا، ما هو لاهوتُ الغُفران؟ تَذَكَّروا ما يَلي: أنَّ اللهَ يَنْهَى عنِ الغَضَب، والكَراهِيَة، وعَدَمِ الغُفران...لا فقط القَتل. وَتَذَكَّروا ما يَلي: إنَّهُ أكثَرُ مَنْ يُساء إليه؛ ولكِنَّهُ يَغفِر. وأنتَ، يا مَنْ وُجِّهَتْ إليكَ إساءة أصغَر، ينبغي أنْ تَغفِر.

المبدأ الثَّالث، وَهُوَ مُهِمٌّ جِدًّا: لن تَحصُل على الغُفران مِنَ الله إن لم تَغفِر للآخرين. وقد ذَكرنا أنَّ ذلكَ جاءَ في إنجيل مَتَّى 6: 14 و 15 إذْ يَقولُ اللهُ: "إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ". بعبارة أخرى، مِن جهة علاقتِنا بالله، سوفَ نَقِفُ أمامَ اللهِ بخطيَّة غير مَغفورة تحتَ تأديبِهِ إنْ لم نَغفِر للآخرين. وهذا ثَمَنٌ باهِظٌ نَدفَعُهُ بسببِ عَدمِ الغُفران. فإنْ لم تَغفرَ لشخصٍ آخر، فإنَّ اللهَ لن يَغفِرَ لك. وسوفَ تُقطَع مِن شركَتِكَ المُهمَّة باللهِ، وسوفَ تَقَعُ تحتَ التَّأديب.

رابعًا، لن تَتمتَّع بمحبَّة الإخوة إن لم تَغفِر. لن تَتمتَّع بمحبَّة الإخوة إن لم تَغفِر. بعبارة أخرى، لن تتمكَّنَ مِنَ الاشتراكِ في الشَّرِكَة المُمتعة، والشَّراكة، ومحبَّةِ المؤمنينَ المسيحيِّينَ إنْ لم تَغفِر. هل تَذكرونَ ذلكَ المَثَل في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18؟ هل تَذكرونَ أنَّ ذلكَ الرَّجُل خَرَجَ وَخَنَقَ ذلكَ الشَّخصَ وقال: "رُدَّ كُلَّ ما تَدينُ بِهِ لي". ولكنَّهُ لم يَكُن يَستطيعُ أنْ يَرُدَّ لَهُ كُلَّ الدَّيْن. لِذا فقد طَرَحَهُ في السِّجنِ إلى أنْ يَدفعَ كُلَّ ما يَدينُ بِهِ؟ فنحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ، ولكنَّهُ يَرفُضُ أنْ يَغفِرَ لأخيه. ونَقرأ في العدد 31 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 18: "فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى قائِلين: ’يا سَيِّد، يجب عليكَ أنْ تُؤدِّبَ ذلكَ الرَّجُل‘". وما هذا؟ سوفَ أقولُ لكم ما هذا؟ إنَّ أصدقاءَكَ المؤمنينَ يَرَوْنَ عَدَمَ غُفرانِكَ فيَلتجئونَ إلى اللهِ ويقولون: "يا رَبّ، يجب أنْ تُؤدِّبَ ذلك الشَّخص". فهذه، في الحقيقة، صُورة عنِ التَّأديبِ الكَنسيّ. فالمؤمنونَ يَجتمعونَ معًا أمامَ اللهِ ويقولون: "يا رَبّ، قُمْ ببعضِ التَّأديبِ في حياةِ ذلكَ الشَّخص". فأنتَ ستَهدِم علاقاتِكَ بالمؤمنينَ الآخرينَ الَّذينَ سيَلتجئونَ إلى اللهِ ويَطلبونَ مِنهُ أن يَتَصَرَّفَ مَعَكَ مِن خلالِ تَوبيخِكَ وتأديبِكَ إنْ لم تَغفِر. فإنْ لم تَغفِر، لن يَكونوا غَفورين، بل إنَّهم سيَطلبونَ مِنَ اللهِ أن يَتَصَرَّفَ مَعَك. لِذا، فإنَّكَ ستخسر لا فقط شَرِكَتَكَ معَ الله، بل ستخسر أيضًا شركتكَ الحُلوة والمُشجِّعة والمُحِبَّة والمُعزِّية معَ المؤمنينَ الآخرينَ الَّذي سَيَنظرونَ إليكَ كَتهديدٍ لطهارةِ الكنيسة، ويَلتجئونَ إلى اللهِ لتغييرِ حياتِكَ أو لِطَردِك. اسمعوني: إنَّ لاهوتَ الغُفرانِ هو كالتَّالي: اللهُ يَغفِرُ مَوقِفَ عدم الغُفران كما يَغفِرُ جريمةَ قَتْل. فمعَ أنَّهُ أكثر مَنْ أُسيءَ إليه، فإنَّهُ يَغفِر. لِذا، يجب عليكَ أنتَ [الَّذي تَلَقَّيتَ أَقَلَّ إساءة] أنْ تَغفِر. وأنتَ لن تَتمتَّعَ بتلكَ العلاقةِ باللهِ النَّابعة مِنَ الغُفران إن لم تَكُن تَغفِر للآخرين. وأنتَ لن تَتمتَّعَ بِشَركة المؤمنينَ الحُلوة ومحبَّتهم.

خامسًا، أحدُ العناصر المهمَّة جِدًّا في فَهم الغُفران هو ما يَلي: إن لم تَغفِر، بل سَعيتَ إلى الانتقام، تكونُ قد أَسأتَ استخدامَ سُلطانِ الله. تكونُ قد أَسأتَ استخدامَ سُلطانِ الله. ففي رسالة بولس إلى أهلِ رُومية، في ذلكَ الأصحاحِ الثَّاني عشر العَمليِّ الرَّائع، استمعوا إلى ما يَقول في العَدَدَيْن 14 و 19: "بَارِكُوا عَلَى الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ. بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد 19: "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ»". دَعوا النَّقمةَ لله. فعندما لا تَغفر لشخصٍ ما، وعندما تَرْعَى في قَلبِكَ غَضَبًا ومَرارةً وعداوةً، فإنَّكَ تأخُذُ حَرفيًّا سَيفَ القَصاصِ الإلهيِّ مِنْ يَدِ اللهِ وتَستخدِمُهُ بنفسِك. فَلِسانُ حَالِكَ هُوَ: "يا رَبّ، أعْطِني هذا السَّيف. سوفَ أَتَولَّى الأمرَ بنفسي". وَلِسانُ حَالِ هذا الموقِف هو: "يجب أن أَنتقمَ لأنَّ اللهَ غير عادِل"، أو "لأنَّ اللهَ بَطيء"، أو "لأنَّ اللهَ يُحابي"، أو "لأنَّ اللهَ لا يَفهم ما يَجري. فهو جَاهِل"، أو "لأنَّ اللهَ غير قادر على تَنفيذِ العِقاب". وهذا تَجديف.

فاللهُ قادرٌ على التَّصَرُّفِ معَ الإساءةِ الَّتي اقتُرِفَتْ في حَقِّكَ أكثرَ مِنكَ. وهو قادرٌ على التَّعامُلِ معَ عَواقبِ الخطيَّة بطريقةٍ أفضلَ منك. وَهُوَ يَمتلكُ أفضلَ فَهْمٍ للمسألة. أمَّا أنتَ فَفَهْمُكَ مَحدود. وَهُوَ يَمتَلِكُ أعلى سُلطان. أمَّا أنتَ فلا تَملِك سُلطانًا. وَهُوَ لا يُحابي أحدًا، بل هو عادِل. أمَّا أنتَ فَأنانيٌّ مُحابٍ. وَهُوَ كُلِّيُّ العِلمِ، وأبديٌّ، ويَرى نِهايةَ كُلِّ شيء. أمَّا أنتَ فلديك نَظرة محدودة، وجاهِلٌ، ولا تَرى شيئًا بعدَ هذه اللَّحظة. وَهُوَ حَكيمٌ وصالحٌ، وكُلُّ ما يَفعلُهُ لَهُ قَصْدٌ بارٌّ. أمَّا أنتَ فَجاهِلٌ، وأَعمى بسببِ غَضَبِكَ، وَقَصدُكَ قد يكونُ شِرِّيرًا. لِذا، لا نَفْعَ مِن أن يكونَ الإنسانُ مُجَدِّفًا هكذا بأنْ يأخُذَ السَّيفَ مِن يَدِ اللهِ وأنْ يَستخدِمَهُ بنفسِه.

سادسًا، وهي نُقطة مُهمَّة جدًّا: عَدَمُ الغُفران يَجعَلُكَ غيرَ لائقٍ للعِبادة. عَدَمُ الغُفران يَجعَلُكَ غيرَ لائقٍ للعِبادة. ومَرَّةً أخرى، في العِظة على الجبل في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس، قالَ رَبُّنا: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ". أيْ: "لا تُفَكِّر في المَجيءِ لعِبادتي إنْ لم تَكُن مُتَصالحًا تمامًا معَ أخيكَ المسيحيّ". فلا يُمكنكَ أن تَقتربَ إلى اللهِ بهذه العَقليَّة مِنْ عَدَمِ الغُفران. فأنتَ لا تَصلُح للعِبادة معَ شَعبِ الله. وأنتَ لا تَصلُح للتَّعَبُّدِ إلى الله. فأنتَ واقعٌ في خطيئةٍ شَنيعة. ولا يُمكِنُكَ أن تكونَ بَرَكَةً للآخرين، ولا يُمكِنُكَ أن تكونَ مَقبولاً أمامَ الله. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ اللَّاهوتَ الكِتابِيَّ للغُفران يَتطلَّبُ فَهْمًا بأنَّ اللهَ يَنْهَى عن عَدَمِ الغُفرانِ بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَنْهَى فيها عنِ القَتل. وَمَعَ أنَّهُ مَنْ يَتَلَقَّى أكبر إساءة، فإنَّهُ ما يَزالُ يَغفِر. ويجب عليكَ أنتَ أن تَفعلَ ذلك. وإنْ لم تَغفِر فإنَّكَ تَتَخَلَّى عن شَرِكَتِكَ مَعَهُ وتَتخلَّى عن محبَّةِ الإخوة. وإنْ لم تَغفِر، بل كُنتَ تَشعُر أنَّهُ يجب عليكَ أنْ تَنتقمَ لنفسِك، تكونُ قد أَسأتَ استخدامَ نَقمةِ الله. وهذا تَجديفٌ. وبهذا تكونُ قد جَعلتَ نَفسكَ غيرَ لائقٍ للعِبادة.

أخيرًا، وهي نُقطة مُهمَّة جدًّا: إنَّ جُروحَكَ والإساءاتِ الَّتي تَلَقَّيتَها...إنَّ جُروحَكَ والإساءات الَّتي اقتُرِفَتْ في حَقِّكَ، هي امتحانات أو تَجارِب في حَياتِك. وهذا مُهِمٌّ جدًّا. فيجب عليكَ أن تُدرك أنَّهُ عندما يَحدُث شيءٌ لكَ في صُورة إساءة أو خَطيَّة اقتُرِفَتْ بِحَقِّكَ، فإنَّ هذهِ الإساءة هي امتحان و/أو تَجرِبة. ويجب عليكَ أن تَتعامَل مَعَها على هذا الأساس. ومَرَّةً أخرى، في إنجيل مَتَّى 5: 44، قالَ يَسوع: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ...وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ...لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات". فإن أردتَ أن تكونَ مُؤمِنًا بِحَقّ، وإن أردتَ أن تُظهِرَ بِحَقّ بُنُوَّتَك، وإن أردتَ أن تكونَ بِحَقّ وبصورة مُميَّزة إنسانًا مَسيحيًّا، أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي قد يَفعَلُهُ الآخرونَ بِكَ، يجب عليكَ أن تَغفِرَ لهم وأن تُحِبَّهُم. ففي كُلِّ مَرَّة يُسيءُ فيها أحدُ الأشخاصِ إليكَ، فإنَّ إساءَتَهُ هذه هي امتحان أو تَجربة. وإنِ اجْتَزْتَ ذلكَ وَغَفرتَ لهُ، سيكونُ امتِحانًا يُنشئُ قُوَّةً. أمَّا إذا فَشِلتَ في ذلك ولم تَغفِر لهُ، تكونُ تَجربةً تُنشئُ خَطيَّةً. فأحداثُ حَياتِكَ، أوِ الأحداثُ الَّتي تَجري في حَياتِكَ، تَسيرُ بأحدِ هَذينِ الاتِّجاهَيْن. والتَّجاوُبُ الصَّحيحُ يَجعلُ ما حَدَثَ امتحانًا يُنشئُ بِرًّا. أمَّا التَّجاوبُ الخاطئُ فيجعلُ ما حَدثَ تَجربةً تُنشئُ خَطِيَّةً. فالشَّيءُ الوحيدُ الَّذي ينبغي أن تُبالي بِهِ عندما يُخطئ شخصٌ إليكَ هو أن تَتحقَّق مِن أنَّكَ لن تَسقُط في خطيَّة بسببِ تَعَرُّضِكَ لتلكَ التَّجربة. فلا تَقلق بخصوصِ أفعالِ الآخرينَ تُجاهَكَ، أيًّا كانت، بل اهتمّ جِدًّا بالحَرِيِّ بما إذا كانت امتحاناتٍ تَجعلُكَ قويًّا، أَم أنَّها تجارب تَجعَلُكَ تُخطئ.

والآن، نحنُ نَفترِضُ أنَّ فِليمونَ كانَ يَعرِفُ هذا الكَلامَ كُلَّهُ لأنَّ بولسَ لا يَذكُر لَهُ شَيئًا مِنهُ. فلا شَكَّ في أنَّ لاهوتَ الغُفرانِ كانَ مَعلومًا لَدى فِليمون. لِذا فإنَّ بولسَ لا يَقولُ شيئًا عنه. ولكنِّي ذَكرتُ ذلكَ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحتاجونَ إلى سَماعِ ذلك. والآن، دَعونا نَرجِع إلى النَّصّ.

بعدَ أن فَهِمنا هذا كُلَّهُ، فإنَّ بولسَ لا يَلجأ إلى التَّركيزِ على الأُسُس اللَّاهوتيَّة، بل يَلجأ إلى أسلوبٍ أفضل إذْ يَستَنِد إلى المَحَبَّةِ عَالِمًا أنَّ فِليمون يَعرِف أنَّ هذا هو الأساس العَقيديّ. فنحنُ نَقرأ في العَددَين 8 و 9: "لِذلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِي بِالْمَسِيحِ ثِقَةٌ كَثِيرَةٌ أَنْ آمُرَكَ بِمَا يَلِيقُ، مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ بِالْحَرِيِّ إِذْ أَنَا إِنْسَانٌ هكَذَا نَظِيرُ بُولُسَ الشَّيْخِ، وَالآنَ أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَيْضًا". فهو يَقول: "انظُر! كان بإمكاني أن آمُركَ. فأنا أملِكُ ثِقَةً كافيةً بسُلطاني في المسيح". فهذا هو ما قَصَدَهُ. "أنا لَدَيَّ الشَّجاعة الكَافِيَة والجُرأة الكَافية (بِصِفَتي رَسولاً تَلَقَّى مأموريَّتَهُ مُباشرةً مِنَ المسيحِ المُقام) أن آمُرُكَ أنْ تَغفِر استِنادًا إلى لاهوتِ الغُفران الَّذي وَضَعَهُ اللهُ. فأنا لديَّ الصَّلاحيَّة مِنَ اللهِ أنْ آمُرُكَ، وأنا لا أَفتَقِرُ إلى الشَّجاعة لاستخدامِ هذا الحَقِّ الإلهيِّ لأنَّهُ أُعْطِيَ لي في المسيح عندَما تَلَقَّيْتُ مأموريَّتي. لِذا، باستطاعتي أن آمُرُكَ بأنْ تَفعلَ مَا يَنبغي، أو حَرفيًّا: ’ما يَليقُ في الرَّبِّ‘، أيْ أنْ تَفعلَ التَّصَرُّفَ المسيحيَّ اللَّائق وَهُوَ: أنْ تَغفِر". ولكِنْ (كما جاءَ في العدد 9): "مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ، أَطْلُبُ بِالْحَرِيِّ". فأنا أَتْبَعُ طَريقةً أفضل.

لقد كانَ بولسُ يُحِبُّ فِليمون. فَهُوَ يَدعوهُ في العددِ الأوَّل: "أغابيتوس" (agapetos) أيْ: المَحبوب". وهو يَقول في العدد 7: "لأَنَّ لَنَا فَرَحًا كَثِيرًا وَتَعْزِيَةً بِسَبَبِ مَحَبَّتِكَ". فقد كانَ هُناكَ رِباطُ مَحَبَّة بينَ هَذينِ الرَّجُلَيْن. ولم تَكُن هناك حَاجة إلى تَوجيهِ الأوامِر. وهل تَذكرونَ أنَّ يسوعَ قال: "إنْ أردتَ أنْ تَحفَظَ النَّاموس، افعل هذا: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. وَتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاء"؟ وقد قالَ بولس: "بهذا يَتَعَلَّق النَّاموسُ كُلُّهُ. فالمحبَّة تُكَمِّل النَّاموسَ كُلَّهُ": "فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ" (كما يَقولُ في رسالة رُومية والأصحاح 13). فالمحبَّة هي القانونُ الأعلى عندما يَمتلئ المرءُ بالمحبَّة الإلهيَّة الصَّادقة والفاضِلَة المُعطاة لَهُ مِنَ الرُّوح. فهذا هو القانونُ الأعلى: فهو يَتَخَطَّى القانونَ والطَّلَبَ والأمرَ، وَيُرغِمُ الإنسانَ على فِعلِ الصَّواب. ومعَ أنَّ الغُفرانَ إلزاميٌّ في الكتابِ المقدَّس، ومعَ أنَّهُ كانَ بمقدورِ بولس أنْ يأمُرَ بالقيامِ بذلك بِمُقتَضى سُلطانِهِ الرَّسولِيِّ، فإنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ الشَّخصَ الَّذي يُخاطِبُهُ يَتحرَّك بدافعِ المحبَّة. فهو لا يَتحدَّثُ وَحَسْب إلى أخٍ مُخطئ ويَتصرَّفُ بحسبِ الجسد، بل إنَّهُ يتحدَّثُ إلى رَجُلٍ تَقِيٍّ وَنَاضِجٍ رُوحيًّا. والمَحَبَّةُ ستُحَرِّكُ قَلبَهُ. لِذا، فإنَّ الإشارةَ إلى سُلطانِ بولس مَذكور هُنا لِمُجَرَّد أن يَنظُرَ فِليمون إليه ويُلقي نَظرة خاطفة إليهِ. ثُمَّ إنَّ تلكَ الإشارة تَختفي. فهي مُجَرَّدُ وسيلةٍ لتذكيرِهِ بأنَّهُ يستطيعُ أن يَستخدِمَها لو أراد، ولكِنَّهُ يَقولُ بعدَ ذلك: "أنا أُناشِدُكَ بهذا مِن أجلِ المحبَّة".

ثُمَّ لكي يُلَيِّنَ قَلبَ فليمون، لأنَّ هذا المَشهدَ صَعبٌ، فإنَّهُ يَذكُرُ جُملَتَيْن تَختصَّانِ بِهِ. فهو يَقول: "افعل هذا مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ إِذْ أَنَا إِنْسَانٌ هكَذَا نَظِيرُ بُولُسَ الشَّيْخِ، وَالآنَ أَسِيرُ يَسُوعَ الْمَسِيح". فلكي يَأسُرَ بولسُ قَلبَ فليمون فإنَّهُ يَستخدِمُ بعضَ الكلماتِ العاطفيَّة. فهو يقول: "أَلا فَعَلْتَ هذا لأجلي أنا المِسكين؟" فهو يَلعَبُ حَقًّا على أوتارِ قَلبِهِ هُنا. وَهُوَ يَتحدَّثُ عن نَفسِهِ بطريقَتَيْنِ عَاطفيَّتَيْنِ بهدفِ تَليينِ قَلبِ فليمون. ففي المُحَصِّلةِ النِّهائيَّة، هذه طريقة جَيِّدة جدًّا لِتَليينِ قَلبِ فليمون. فهو يَقرأُ الرِّسالةَ كما نَقرأُها أنا وأنتُم الآن. وَها هُوَ قد وَصَلَ إلى العددِ الثَّامِن. فهو يَجلِسُ في بَيتِهِ ويَقرأُ هذه الرِّسالة القصيرة. وَهُوَ يَنظُرُ أمامَهُ فيَرى أُنسيمُس، العَبدَ الهارَبَ الَّذي احْتالَ عليه. وقد كانت كُلُّ المَشاعِرِ الَّتي شَعَرَ بها مُنذُ الوقتِ الَّذي هَرَبَ فيهِ أُنسيمس، وطَوالَ ذلكَ الوقت، كانت تَعتَمِلُ في قلبِه. وَهُوَ لا يَدري حَقًّا ما يَجري! فها هو "تيخيكُس" الَّذي يَعرِفُهُ. وَهُوَ يَحمِلُ رسالةً إلى أهلِ كولوسي في يَدِهِ لكي تُقرأَ على مَسامِعِ الكنيسةِ كُلِّها. ولكِنْ ها هُوَ أُنسيمس الَّذي حَرَّكَ في قَلبِهِ كُلَّ مَشاعِرِ العَداوةِ والتَّجاربِ فَامتلأَ قَلبُهُ بِحِقدٍ كانَ ينبغي لَهُ أن يَجِدَ لَهُ حَلًّا. وها هو يَعودُ ويَنظُر إليهِ وَجهًا لوجه. وَهُوَ لا يَفهَمُ حَقًّا مَا يَجري! وهو يَشعُر بمشاعر قد تَجعَلُهُ يَرغب في أخذِ أُنسيمُس ومُعاقَبَتِه أو زَجِّهِ في السِّجن. لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولس يقول: "سوفَ أَطلُبُ مِنكَ وَحَسْب أن تَغفِرَ لَهُ مِن أجلِ المحبَّة. أَلا تَفضَّلتَ بِفِعلِ ذلكَ لأنَّ هذا الطَّلَبَ هُوَ مِن بولس العَجوز المأسور".

فهو يُريدُ أنْ يَستَدِرَّ عَاطِفَتَهُ قليلاً. والكلمة "الشَّيخ" تَعني مَا تَعنيهِ حَرفيًّا. فهي تَرجمة للكلمة "بريسبوتيس" (presbutes) أيْ: شَيخ. وهو لم يَكُن عَجوزًا جِدًّا، بل رُبَّما كانَ عُمرُهُ سِّتِّين سنة. ولكِن في تلك الأيَّام، لم يَكُن النَّاسُ يَعيشونَ أطولَ مِن ذلك في الغالِب. وقد عاشَ يوحنَّا الرَّسول وقتًا أطولَ مِن ذلك، ولكِنَّ ذلكَ كانَ يَحدُثُ نادرًا. فقد كانَ مُعَدَّلُ عُمرِ النَّاسِ أقصر آنذاك. والحقيقة هي أنَّهُ لم يكن مُسِنًّا أكثر بكثير مِن فليمون لأنَّ فليمون كانَ مُسِنًّا لأنَّ ابْنَهُ كانَ يَخدِم. ولكِنَّ الكلمة "شَيخ" تُشيرُ إلى ما هو أكثر مِنَ السِّنين في حالة بولس. فهي تُشيرُ إلى أنَّ تلكَ الشَّيخوخة قد تَسارَعَتْ بسببِ الأشياءِ الَّتي اختَبَرها بولس. ويُمكنكم أن تَعلموا يَقينًا أنَّ السَّنواتِ الَّتي تَراكَمَتْ على ظَهرِ بولس كانت أَثقل مِن أيِّ سنواتٍ تَراكَمَت على ظَهرِ فليمون. فَرُبَّما لم يَكُن هُناكَ فَرْقٌ كبيرٌ بينَهُما في السِّنّ، ولكِنْ كان هناك فَرْقٌ كبيرٌ بينهما في عمليَّةِ الهَرَم. فبولس كانَ أكبرَ مِن سِنِّهِ. ففي سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاحِ السَّابع، عندما كانَ بولسُ واقفًا هُناكَ ويُشاهِدُهُم وَهُمْ يَرجُمونَ استفانوس، نَقرأُ أنَّهُ كانَ شَابًّا. ولكِنَّهُ الآنَ لم يَعُد شَابًّا. فهو رَجُلٌ عَجوزٌ، وهو أكبرُ مِن عُمرِهِ لأنَّهُ سُجِنَ مِرارًا، وكانَ يَأكُلُ طعامًا رديئًا، وأُصيبَ بالأمراضِ، وسَافَرَ كثيرًا، واضطُهِدَ، وعَمِلَ بِيَديه، وأُصيبٍ كثيرًا في جَسَدِه. وقد قالَ: "أنا أَحمِلُ في جَسدي سِماتِ نُدوبِ المسيح" في كُلِّ أنحاءِ جَسَدِه بسببِ الحِجارةِ الَّتي رُجِمَ بها وكادت أنْ تُميتَهُ، وبسببِ الجَلداتِ بالأسواطِ والعِصِيِّ، وبسببِ كُلِّ شيءٍ آخر، وبسببِ المِقْطَرةِ الَّتي وُضِعَ بهِا مَرارًا عندما سُجِن. فَكُلُّ تلكَ التَّجاربِ المؤلمة والقاسية والمُرهقة الَّتي اختَبَرها في تلكَ السِّنين جَعَلَتْ بولسُ مُسِنًّا. وقد قَصَدَ بهذهِ الإشارةِ الرَّقيقة أنْ يَلعَبَ على أوتارِ قلبِ فليمون وأنْ يَجعَلَهُ يَتعاطَفَ مَعَ هذا المُحارِبِ العَجوز؛ وبالتَّالي أنْ يُوقِظَ مَحَبَّتَهُ لهذا الرَّسولِ المُضَحِّي الَّذي قادَهُ إلى المسيح.

وإنْ لم يكن ذلكَ كافيًا لِحَثِّهِ على التَّعاطُف، فإنَّ بولسَ يُخَشْخِشُ بِقُيودِهِ مَرَّةً أخرى قَائِلاً: "أَنَا...أَسِيرُ المَسِيحِ يَسُوع". فهو لم يُفَكِّر يومًا بأنَّهُ أسيرٌ لدى رُوما (في ذِهنِهِ)، بل هو دائمًا أسيرُ المسيحِ يَسوع...أسيرٌ مِن أجلِ المسيح. ونَقرأ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 28 أنَّهُ كانَ سَجينًا في بَيتٍ مُستأجَر، وأنَّ أصدقاءَهُ كانوا يَأتونَ ويَذهبون. ورُبَّما كانَ مُقَيَّدًا إلى جُنديٍّ رُومانِيّ. وَهُوَ يَقول: "يا فليمون، هل يَسْمَحُ لَكَ قَلبُكَ أنْ تَرْفُضَ طَلَبًا مِنِّي، أنا الإنسانُ المِسكينُ المُسِنّ؟" وما هي الطِّلبة؟ وما الشَّيءُ الَّذي ينبغي لَهُ أن يَفعلَهُ؟

ابتداءً مِنَ العدد 10، نأتي إلى الزُّبدَة [إنْ جازَ القول] فيما يَختصُّ بالغُفران. وهناكَ ثلاثة أفعالٍ ينبغي للشَّخصِ الغَفورِ أن يَفعلَها. فهناكَ ثلاثة أمور تَختصُّ بالغُفران: أوَّلاً، القَبول...القَبول. وما المقصودُ بذلك؟ فالعُنصرُ الأوَّلُ في الغُفران هو فقط أنْ تَفتحَ حَياتَكَ وتَقبَل الشَّخصَ فيها. اسْمَحْ لَهُ أنْ يَعودَ إلى حَياتِك. فنحنُ نَقرأُ في العدد 10: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي، الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي. الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيلِ، وَلكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا، لِكَيْ لاَ يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِيَارِ". فهو يَقول: "اقْبَلْهُ وَحَسْب. أنا أُناشِدُكَ وَحَسْب أنْ تَقْبَلْهُ". وقد كانَ ينبغي لَهُ أن يَفعلَ ذلكَ حالاً لأنَّ هناكَ ثلاثة أمور تَصِحُّ الآنَ على أُنسيمُس: هل أنتُم جَاهِزونَ لِسَماعِها: فقد تابَ، وقد تَغَيَّرَ، وقد أَثبَتَ أمانَتَهُ. فقد تابَ، وقد تَغَيَّرَ، وقد أَثبَتَ أمانَتَهُ. ويُمكننا أن نَرى هذه الأمور الثَّلاثة في هذه الآيات البسيطة جدًّا.

فهو يقولُ: "يجب عليكَ أن تَقبَلهُ لأنَّهُ مُستعدٌّ للعودة". والغُفرانُ يَبتدئُ بالقَبولِ الشَّخصيِّ. اعمَل على جَسْرِ الهُوَّة. واعمَل على رَأْبِ الصَّدْع. واعمَل على مُداواةِ الجُرْح. اسمَح لأُنسيمُس أن يعودَ إلى حياتِك. فهو يَقول: أنا أُناشِدُكَ لأجلِ ابني. فهو مِثلُكَ، يا فِليمون، إذْ إنِّي مَنِ اقْتَدْتُهُ إلى المَسيح. فهو ابني في الإيمان على غِرارِ تيموثاوس، وعلى غِرارِ تِيطُس، وعلى غِرارِ آخرين. وقد كانَ المَشهدُ درامِيًّا جدًّا إذْ كانَ أُنسيمُس واقفًا هناك. فقد كانت تلكَ صَدمة لفليمون لأنَّ أُنسيمُس عادَ معَ تيخيكُس، ولأنَّهُ جاءَ بهذا الاختبارِ المُدهش معَ الرَّسولِ بولس. وبولس يَقولُ: "اقْبَلْهُ. فقد جاءَ تَائِبًا".

وقد تَقول: "أينَ التَّوبة؟" نَقرأ في العدد 10: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي". إنَّ المَعنى ضِمْنِيٌّ هُنا. وكيفَ نَعلمُ أنَّهُ تابَ؟ لأنَّهُ يَقِفُ هُناكَ، يا أحبَّائي، يَقِفُ هُناكَ. فقد عادَ. وقد فَعَلَ أخطرَ شيءٍ ممكن. فقد عادَ باتِّضاعٍ وتوبةٍ لمواجَهَةِ الرَّجُلِ الَّذي أخطأَ إليه، ولمواجهةِ الرَّجُلِ الَّذي يَملِكُ الحَقَّ والسُّلطانَ في أنْ يُعاقِبَهُ. لقد عادَ. وهذه توبة. فقد لا تَكونُ بحاجة إلى قَولِ كلمة، بل يَكفي أنْ تَفعلَ الفِعلَ. هل تَذكرونَ ما قالَهُ يوحنَّا المَعمدان للفِرِّيسيِّينَ والكَتَبة؟ لقد قال: "لِمَ لا تُروني ثِمارَ التَّوبَة؟ لا فقط أن تَتكلَّموا عنها!" وها هو الثَّمر. فقد عادَ. وهذا خَطِرٌ جدًّا إذ إنَّهُ قد يُكَلِّفُهُ حَياتَهُ. ولكنَّهُ فَعَلَ الصَّواب. وَبولُس يَقول: "أنا أَطلُبُ إليكَ لأجلِ هذا الشَّخصِ الواقِف أمامَكَ والَّذي وَلَدْتُهُ، أنا الأداة البشريَّة في خَلاصِهِ بنعمةِ اللهِ، وهو الآنَ ابْني، إذْ إنَّهُ جاءَ إلى المسيحِ هُنا في سِجني، الَّذِي رَدَدْتُهُ. فافتَح ذِراعيكَ لَهُ". فهو تائب. وهذا واضحٌ؛ وإلَّا لما كانَ واقفًا هُناك. فهو مُتواضِع. وَهُوَ يَسعى إلى استعادةِ الشَّرِكَة معَ هذا الرَّجُلِ الَّذي أَساءَ إليه. وهذا هو أوَّلُ عُنصُرٍ في الغُفران: قَبول الشَّخص في حَياتِك. افتَح قَلبَكَ لَهُ، واقتُل العَداوة، واقبَل الشَّخصَ.

ثانيًا، لم يَقتَصِر الأمرُ على أنَّهُ تَابَ، بل إنَّهُ تَغَيَّرَ أيضًا. انظروا إلى العدد 11. فهو يقولُ: "أنتَ لن تَحصُلَ على نَفسِ الشَّخصِ الَّذي فَقَدتَهُ ’الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي‘". فهو ليسَ الشَّخصَ نَفسَهُ. وبالمُناسبة، نحنُ هُنا أمامَ استخدامٍ بارِعٍ للكلمات. فالاسمُ "أُنسميُس" يَعني: "نَافِع". وقد كانَ اسمًا شائعًا للعَبيد. ورُبَّما ابتدَأ يُستخدَمُ كَلَقب. فقد كانوا يُلَقِّبونَ عَبيدَهُم بالنَّافِعين. ورُبَّما كانوا يُلَقِّبونَ بعضَ العبيدِ الآخرينَ بغيرِ النَّافِعين لأنَّ هاتينِ الكلمتين في اللُّغة اليونانيَّة مُتشابهتان جدًّا. لِذا، وَفقًا لِمِقدارِ نَفْعِهِم، كانوا يُلَقِّبونَهُم إمَّا "نَافِعينَ" وإمَّا "غير نافِعين". والاسمُ "أُنسميُس" يَعني: "نَافِع". لِذا فإنَّ بولسَ يَتَلاعبُ قليلاً بالكلماتِ في العدد 11 فيقول: "نَافِع لم يَكُن نافِعًا سابقًا، ولكنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ ولي". لماذا؟ لأنَّ اللهَ غَيَّرَهُ. فهو ليسَ نَفس الشَّخص، بل هو مُختلف. فقد اختبَرَ تَغييرًا جَذريًّا. وسوفَ يَخدِمُكَ بالطَّريقةِ المذكورة في رسالة كولوسي 3: 22 و 23؛ وهي الرِّسالة الَّتي سيقرأها بعدَ قليل والتي تقول: "لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ". فهو عائِدٌ بِصِفَتِهِ عَبْدًا مُختلفًا. فهو لن يَخدِمَكَ فقط إنْ كُنتَ تُراقِبُهُ، ولن يَعملَ فقط إنْ كُنتَ تُراقِبُهُ. بل إنَّهُ سيَخدِمُكَ كما لو كانَ يَخدِمُ الرَّبَّ. فهو إنسانٌ جديد. وَهُوَ الآنَ نافِعٌ. وَهُوَ اسْمٌ على مُسَمَّى لَكَ ولي. فقد رأيتُ نَفْعَهُ، وأنتَ سَتَرى ذلكَ أيضًا.

وهناكَ عُنصرٌ ثالثٌ يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ جَديرًا بأنْ يُقبَلَ في الشَّرِكَة. فهو لم يَتُبْ ويَتغيَّر فحسب، بل إنَّهُ أَثْبَتَ أَمانَتَهُ. ففي العدد 12، يَقولُ بولس: لقد أَرسلتُهُ إليكَ شخصيًّا كَأنِّي أُرسِلُ قَلبي. فهذا الشَّخصُ بَرْهَنَ على أمانَتِهِ. وما أَعنيه هو أنَّ إرسالَهُ إليكَ كانَ أمرًا مُؤلمًا جدًّا لي. ولكنِّي أرسلتُهُ مَعَ تيخيكُس لأنِّي أَعلمُ أنَّ هذا هو العمل الصَّائِب. فيجب أنْ يُرَدَّ، ويجب أن تكونَ هُناكَ مُصالَحة في العَلاقة، ويجب أنْ تَقْبَلْهُ، ويجب تَصحيحُ الموقِف. ولكنْ لا بُدَّ أن أقولَ لكَ إنَّني أُرسِلُهُ وأنا أَشعُرُ بالحُرْقَةِ في قَلبي. فهذا الشَّخصُ مَحبوبٌ.

وقد كانَ الرَّسول بولس يَمتلِك قدرة فائقة على المحبَّة. وقد بَلَغَ نُقطةً أَحَبَّ فيها هذا الرَّجُل. وقد شَعَرَ أنَّهُ يُرسِل قَلبَهُ. والكلمة "قلب" هي في الحقيقة: "أَحشاء"؛ أيْ مَوطِن المَشاعِر. فاليهودُ كانوا يُشيرونَ دائمًا إلى الأحشاءِ كَمَوطِنِ العاطفةِ والمشاعر. وَهُوَ يَقولُ: "إنَّ مشاعري فَيَّاضَة تُجاهَ هذا الهَارِب. فهذا العبد الفِرِيجيّ المُجرِم صارَ مَحبوبًا لديَّ. فقد فَتَحْتُ ذِراعَيَّ وقَبِلتُهُ. وأنا أقولُ لكَ إنَّهُ رَجُلٌ عَظيمٌ جَديرٌ بأنْ يُعرَفَ ويُحَبَّ. وإذْ أُرسِلُهُ إليكَ كأنَّني أَستأصِلُ قَلبي". لِذا فإنَّهُ يَقول: "اقبَلهُ؛ فهو تائب. اقبَلْهُ؛ فهو قد تَغَيَّر. اقبَلْهُ؛ فهو جَديرٌ بذلك. فهو قَيِّمٌ. وَهُوَ صَديقٌ رائع. افتَح قَلبَكَ لَهُ، واقبَلْهُ". وَهُوَ يَقول في العدد 13: "الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي". فقد كُنتُ أريدُ أنْ أَحتفظَ بِهِ". لِذا فقد كانَ ذلكَ أَشبَهُ بِاستئصالِ قَلبي وإرسالِهِ إليكَ".

ثُمَّ استَمِعوا إلى هذه المُلاحظة الصَّغيرة الرَّائعة: "لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيل". وما الَّذي يَعنيهِ بذلك؟ إنَّها طريقة أخرى لتأكيدِ صِفَة المَحبَّة العَذبَة الَّتي يَتمتَّع بها فليمون. فهو يقول: "يا فليمون، أنا أُرسِلُهُ إليكَ؛ وكأنِّي بذلكَ أستأصِلُ قلبي. فأنا أُريدُ أنْ أحتَفِظَ بِهِ كي يَخْدِمني في سِجني لأجلِ الإنجيل عَوِضًا عنك. أنا أَعلمُ أنَّكَ تَوَدُّ أن تكونَ هُنا كي تَخدِم. وأنا أَعرِفُ قَلبَكَ المُحِبَّ. وأنا أَعرفُ أنَّكَ تَوَدُّ لو أنَّكَ كُنتَ هُنا. وقد فَكَّرْتُ في الاحتفاظِ بأُنسيمُس لأنَّ ذلكَ سيكونُ مُشابِهًا لوجودِكَ هُنا. فهو سيخدِمُني حينَ لا تَستطيعُ أنتَ أن تَفعل ذلك. وأنا أَعلمُ أنَّكَ تُريدُ أنْ تكونَ لديَّ خِدمة. وأنا أَعلمُ أنَّكَ مُستعدٌّ للقيامِ بذلكَ بنفسِك لوِ استَطَعْت. لِذا فقد فَكَّرْتُ في الاحتفاظِ بِهِ هُنا كي يَخْدِمَني عِوَضًا عنكَ لأنِّي أَعلمُ أنَّكَ تُحِبُّ أن تَفعلَ ذلك". ولكنَّهُ يَقول في العدد 14: "وَلكِنْ بِدُونِ رَأيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا". "أنا أَعلمُ أنَّكَ سَتَوَدُّ أنْ يَبقى هنا لكي يُساعِدَني في سِجني". وَهُوَ يُخَشْخِشُ بِقيودِهِ رَابِعَ مَرَّة لكي يُبقي قَلبَ فليمون رَقيقًا. "وَلكِنْ بِدُونِ رَأيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا لِكَيْ لاَ يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الاخْتِيَار. فأنا لم أُرِدْ أن تَكونَ إنسانًا صَالِحًا لِمُجَرِّدِ أنَّكَ لا تَمْلِكُ خِيارًا آخر، بل أردتُ أنْ تَكونَ إنسانًا صَالحًا لأنَّكَ اخْتَرْتَ ذلك. فأنا لم أُرِد أن أَفعلَ شيئًا رَغْمًا عنكَ، وأنا لا أريدُ أن أَفرِضَ عليكَ أيَّ شيء. أنا أَعلمُ أنَّكَ شَخصٌ رائع، وأَعلمُ أنَّكَ تُريدُ أن تَخدِمَني، وأَعلمُ أنَّكَ كُنتَ تَرغبُ في القيامِ بذلكَ بنفسِك، وأنَّكَ كُنتَ على الأرجح ستُعطيني أُنسيمُس كي يَخدِمَني. ولكنِّي لا أريدُ أن أستغلَّ مَحبَّتَكَ، بل أريدُ أن تَختارَ بنفسِكَ أن تَفعلَ الخَيرَ بإرادَتِكَ الحُرَّة". فقد أرادَ بولس مِنهُ أن يَرى تَغَيُّرَ أُنسيمسُ، وتَوبتَهُ، وقيمَتَهُ.

وهذه، يا أحبَّائي، هي النُّقطةُ الَّتي يَبتدئُ فيها الغُفران. فهو يَبتدئُ بِفَتْحِ قلبي والسَّماحِ للشَّخصِ الآخر بالدُّخول. وهو يَبتدئُ بِنِسيانِ الأحقاد، ونِسيانِ الإساءات، ويَبتدئُ بِمُجَرَّد فَتْحِ حياتي والسَّماحِ للشَّخصِ الآخر بالدُّخولِ قائلاً: "أجل، إنْ كُنتَ نادِمًا سأقبَلُكَ. أجل، يُمكنُني أن أرى أنَّكَ لستَ الشَّخصَ نَفسَهُ الَّذي فَعَلَ ذلك. أجل، أنتَ إنسانٌ قَيِّمٌ. وأنا أُقِرُّ بذلك". أمَّا الشَّخصُ الَّذي تَغفِرُ لَهُ مِنْ دونِ أنْ يَتوب فإنَّكَ لن تَستطيعَ يومًا أنْ تُنشئَ مَعَهُ عَلاقةً كهذه. لِذا فإنَّ الغُفرانَ هو شيءٌ ذو بُعْدٍ واحدٍ فقط. ولكِن حيثُ توجد تَوبة وتَغيير وقيمة، يمكنكَ أن تُعيدَ ذلكَ الشَّخص إلى حَياتِك.

والآن، هذا يَقودُ إلى عُنصُرٍ ثَانٍ. فالعُنصرُ الأوَّل هو: القَبول...القَبول. والعُنصرُ الثَّاني هو "الرَّدّ"...الرَّدّ. فبولسُ يَقترح لا فقط أنْ تَفتحَ ذِراعيكَ وتَقبَل الشَّخص لأنَّهُ يَستحقُّ المحبَّة، بل يجب عليكَ أنْ تَرُدَّهُ إلى الخِدمة. فيجب أنْ تُعيدَهُ إلى العَمَلِ والخِدمة. فالعدد 15 هُوَ عَدَدٌ مُذهِل: "لأَنَّهُ رُبَّمَا"...وَهُنا يُشيرُ بولسُ إلى الحِكمةِ الإلهيَّة: "لأنَّهُ رُبَّما لأَجْلِ هذَا افْتَرَقَ [أُنسيمُس] عَنْكَ إِلَى سَاعَةٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الأَبَدِ، لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا". ويا لها مِن جُملة رائعة! فبولس يَقول: "انظُر! أنا لن أُحاوِلَ التَّلطيفَ مِن ذَنْبِ أُنسيمُس. فَمِنَ الواضحِ أنَّ ما فَعَلَهُ أُنسيمُس كانَ خاطئًا، ولكنِّي أريدُ مِنْكَ وَحَسْب أنْ تُفَكِّرَ في أنَّهُ رُبَّما كانَ لَدى اللهِ قَصْد مِن ذلك". فبولس يقول: "لا يوجد إنسان يستطيعُ أن يَرى العِنايةَ الإلهيَّة الخَفِيَّة وَهِيَ تَعمل. ولكِنْ أَلَا تَعتقد يا فليمون أنَّهُ رُبَّما كانَ اللهُ يَستخدِمُ هذا الشَّرَّ لكي يَصنَع خَيرًا؟ أتَذكرونَ ما جاءَ في سِفْر التَّكوين 50: 20؟ "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا". رسالة رُومية 8: 28: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ". المَزمور 76: 10: "لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ يَحْمَدُكَ". فاللهُ يَستطيعُ أن يَقلِبَ وَيُحَوِّلَ أيَّ شَرٍّ. واللهُ يَنتصرُ دائمًا على الخطيَّة مِن خلالِ عِنايَتِهِ وقُدرَتِهِ ونِعمَتِهِ الإلهيَّة. فهو يأخُذُ الأحداثَ الطَّارئةَ وقراراتِ البشر جميعًا ويَستخدِمُها لتحقيقِ مَقاصِدِه.

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "ألا تَعتقد أنَّهُ رُبَّما خَطَّطَ اللهُ لهذا الأمر بأسرِه لكي يَترُكَكَ هذا الرَّجُلُ ويَعودَ إليكَ بطريقة أخرى؟ فقد افْتَرَقَ عَنْكَ إِلَى سَاعَةٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الأَبَدِ. وقد خَسرْتَ عَبدًا وَفُزْتَ بأَخٍ. فقد خَسرْتَ عَبدًا وَفُزْتَ بأَخٍ. فاللهُ سَمَحَ بذلك. واللهُ عَكَسَ ذلك. فهو انفصالٌ مؤقَّت يُفْضِي إلى علاقة أبديَّة.

كانَ ما فَعَلَهُ أُنسيمُس يُمكن أنْ يُفْضي إلى شَرْخٍ لا يُمكِن إصلاحُه مِن جِهَة ثِقَة فليمون بِهِ. ولكِنْ كان لا بُدَّ لَهُ أنْ يَرى أنَّ اللهَ يَعمل في هذا الموقف. فقد قَادَ اللهُ ذلكَ الرَّجُل إلى بولس الَّذي قادَهُ إلى الإيمان وَأَعادَهُ إلى سَيِّده. وَهُوَ يقول في العدد 16: "لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ". وهذا لا يَعني أنَّهُ لن يكونَ عَبْدًا بعدَ الآن. فهذا لم يَكُن يَعني إلغاءَ للرِّقّ. بل إنَّهُ يَقولُ إنَّهُ لم يَعُدْ عَبْدًا فقط، بل هو أفضلُ مِن عَبْد. فقد عَادَ "أَخًا مَحْبُوبًا". لِذا، اقْبَلْهُ! أجل، كَعَبدٍ مَرَّة أخرى. أَجَلْ، كَعَبْدٍ. ولكِن ليسَ بوصفِهِ عَبْدًا وَحَسْب، بل هُوَ أفضلُ مِن ذلك. وقد قالَ للتَّوّ إنَّهُ كانَ كذلك. وَهُوَ يَقول في العدد 16: "وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ [أيْ كَعَبْدٍ في الجَسَد] وَالرَّبِّ جَمِيعًا [أيْ كأخٍ في المسيح]؟ فقد حَصَلْتَ عَليهِ مِنْ كِلا الجَانِبَيْن. فبولس لا يُلغي العُبوديَّة. بل إنَّهُ يَقولُ: "إنَّهُ يَعودُ إليكَ بوصفِهِ عَبْدًا. إنَّهُ يَعودُ إليكَ بوصفِهِ عَبْدًا. ولكنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ عَبْدٍ. فقد خَسِرْتَ عَبْدًا عَاديًّا وَحَسْب، ولكنَّكَ استَرْجَعْتَ عَبْدًا أمينًا سَيَعمَلُ لِمَجْدِ الرَّبِّ. وقد حَصَلْتَ على أخٍ مَحبوبٍ في المسيح. وبولس يقول: "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سَيَكونُ إِلَيْكَ، لا إلَيَّ؟ فقد كانَ بالنِّسبةِ إليَّ أخًا في الرَّبِّ. أمَّا بالنِّسبةِ إليكَ فَهُوَ [في الجَسَدِ] خادِمٌ، وَ [في الرَّبِّ] أَخٌ. فسوفَ تَحصُل على خِدمَتِهِ الجسديَّة. وسوفَ تَحصُل على خِدمَتِهِ الروحيَّة بِمِلئِها. إذًا، الغُفرانُ يَعني أنْ أَفتحَ قَلبي، وأنْ أَقبلَ عَلاقَةَ الشَّخصِ الآخر بي. وَهُوَ يَعني أنْ أَقْبَلَهُ وَأَرُدَّهُ إلى الخِدمة. فالقَبولُ أمرٌ شَخصيٌّ. والرَّدُّ يَختصُّ بالنَّفْعِ والخِدمة.

ثالثًا، العُنصرُ الثَّالث في علاقةِ الغُفران هو: "التَعويض"...التَّعويض. فقد حَدَثَت إساءة مُعَيَّنة. وهذه الإساءة ينبغي أنْ تُعالَج. ولكِنْ كيفَ سَيَتِمُّ عِلاجُها؟ مِنَ الواضحِ أنَّهُ عندما هَرَبَ أُنسيمُس مِن ذلكَ المكان فإنَّهُ قد خَدَعَ فليمون. فإنْ كانَ ثَمَنُ العَبْدِ الجَيِّد هو 500 دينار، كانَ فِليمون سيأخُذ 500 دينار (وهي الأُجرة العاديَّة لخمسمئة يوم عَمَل) كي يَشتري بها عَبْدًا آخر. وهذا يَعني أنَّ ذلكَ سَيُكَلِّفُهُ الكَثير. وليسَ هذا فقط، بل يبدو أنَّهُ عندما هَرَبَ أُنسيمُس فإنَّهُ سَرَقَ بعضَ المُمتلكاتِ والمالِ مِن فِليمون لكي يَتمكَّنَ مِنَ العَيشِ في أثناءِ هَرَبِه. لِذا، مِنَ المؤكَّد أنَّهُ قدِ خَدَعَهُ. والكِتابُ المُقدَّسُ يُعَلِّمُ مَبادئ مُباشرة جدًّا بخصوصِ التَّعويض. فيمكنكم أنْ تَقرأوا، مَثَلاً، في سِفْرِ العَدد 5: 6-8 عن ذلك. فيجب التَّعويض. لِذا، لا بُدَّ أنْ يَحْدُثَ تَعويض. وكيفَ سيُعالِج بولسُ هذا الأمر؟ فأُنسيمُس لا يَملِكُ شيئًا. فكما هي حَالُ الابْنِ الضَّالِّ، كانَ قد بَذَّرَ كُلَّ ما بِحَوزَتِهِ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. وهو لم يَكُن يَعمل. فقد كانَ يَخدِمُ الرَّسول بولس. وهذا أمرٌ يُمكِنُنا أنْ نَتَفَهَّمَهُ بسببِ عُثورِهِ على الإيمانِ الجَديد، وبسببِ شَوقِ قَلبِهِ إلى الوُجودِ مَعَ ذلكَ الرَّجُلِ التَّقِيّ. فَرُبَّما عادَ أُنسيمُس بِجُيوبٍ فارغة. لِذا، كيفَ سَيُعالِج بولس مَسألةَ التَّعويض هَذِهِ؟ نَقرأ في العَدَدَيْن 17 و 18: "فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا ("كوينونون" – “koinonon”)، أيْ شَريكًا وَرفيقًا في الحياةِ الرُّوحيَّة...إنْ كُنتَ تَحْسِبُني شَريكًا فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي". وَيا للعَجَب! فهو يَقولُ لَهُ: "عَامِلْهُ وَحَسْب كما كُنتَ سَتُعامِلُني. فأنا أُريدُ أنْ يَكونَ أُنسيمُس بَارًّا مِثلي في عَينيكَ. رَحِّبْ بِهِ كما كُنتَ سَتُرَحِّبُ بي. وسَامِحْهُ كما لو كُنتَ سَتُسامِحُني. وعَامِلْهُ كَما كُنتَ سَتُعامِلُني. اقْبَلْهُ وَحَسْب كما كُنتَ سَتَقبَلُني".

ثُمَّ في العدد 18، يُضيفُ بولس قائلاً: "ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ". فالتَّعويضُ هُوَ دائمًا عُنصُرٌ مُهِمٌّ في الغُفران. وقد كانَ مِنْ حَقِّ فِليمون أن يَقول: "يجب أنْ تَرُدَّ لي المَبلَغَ الَّذي دَفَعْتُهُ لإحضارِ بَديلٍ عنك. سوفَ أَخْصِمُ ذلكَ مِنْ أَجْرِكَ. وسوفَ تَعملُ ساعاتٍ إضافيَّة كَيْ تَرُدَّ لي مَا سَرَقْتَهُ مِنِّي عندما هَرَبْت". وسوفَ يكونُ ذلكَ عادِلاً، ولن يَكونَ خَطأً. ولكِنْ لا يوجد خطأ أيضًا في أنْ يَكونَ مُنْعِمًا. ولا يوجد خطأ أيضًا في أنْ يَقولَ: أنا أَعلمُ أنَّكَ كُنتَ شخصًا خاطئًا وغيرَ بَارٍّ. وأنا أَفْهَمُ أنَّ هذا السُّلوكَ يُلائِمُ طَبيعةً كهذه. والآن، حيثُ إنَّكَ قد تَغيَّرْتَ، أنا لن أُحَمِّلَكَ مَسؤوليَّةَ ما فَعَلْت عندما كُنتَ خاطئًا. أنا أُسامِحُكَ تمامًا". وقد كانَ مِنَ الرَّائعِ أنْ يَفعلَ ذلك. ولا شَكَّ في أنَّها أفضلُ طَريقة مسيحيَّة لمُعالجةِ هذه المسألة.

ولكِنْ مِنْ أجلِ عَدَمِ وَضْعِ أيِّ ضَغْطٍ على فِليمون في أنْ يُضْطَرَّ رُغْمًا عَنْهُ إلى إظهارِ الغُفرانِ التَّامِّ، فإنَّ بولسَ يَقول: "أيًّا كانَ الدَّينُ الَّذي عَليه، سوفَ أَدفَعُهُ لَكَ لأنَّهُ لا يَمْلِكُ أيَّ مَال". وَمِنَ الواضحِ أنَّهُ لم يَكُن يَملِكُ أيَّ مَالٍ يَرُدُّهُ. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "سوفَ أَدفَعُ أنا ذلك". وقد تقول: "وهل كانَ بولسُ يَملِكُ أيَّ مَال؟" لا بُدَّ أنَّهُ كانَ يَملِكُ القليل. فقد كانَ يَستأجِرُ البيتَ الَّذي يُقيمُ فيه. وبينَ الحينِ والآخر، كانَ يَعمَلُ وَيَجمَعُ المالَ لكي يُنْفِقَ على الأشخاصِ الَّذينَ كانوا مَعَهُ. وبولسُ يَقول: "احْسِبْ ذلكَ عَلَيَّ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 22: "أَعْدِدْ لِي أَيْضًا مَنْزِلاً". والافتراضُ هُوَ: "عندما آتي إلى هُناك، سأَدفَع حِسابَهُ".

فَلا بُدَّ مِنَ التَّعويض. وأحيانًا يَتَمَثَّلُ التَّعويضُ في دَفْعِ الدَّيْن إنْ كانَ الشَّخصُ قادرًا على القيامِ بذلك. ولكِن أحيانًا، قد يكونُ أفضلُ نوعٍ مِنَ التَّعويضِ هُوَ الغُفرانُ وَحَسْب؛ أي نِعمةُ اللهِ فقط. وفي هذه الحالة، هناكَ عُنصُرٌ رائعٌ يُضافُ. وأريدُ منكم أن تُرَكِّزوا في هذه النُّقطة. فبولس يُؤدِّي دورًا مألوفًا جِدًّا جِدًّا في حياةِ فليمون وأُنسيمُس. وهو دَورٌ يَعرِفُهُ جَيِّدًا. وهو نفسُ الدَّورِ الَّذي يُؤدِّيهِ يسوعُ المسيحُ في العلاقةِ بينَ الخاطئِ والله. ففليمون يَرمِزُ إلى الله. فقد أُسيءَ إليه. وقد تَعَرَّضَ للخِداع. وأُنسيمُس يَرمِزُ إلى الخاطئِ الَّذي هرَبَ مِنَ الله، والذي احْتالَ على الله، والذي ضَيَّعَ حَياتَهُ هَدْرًا. وإنْ أرادَ الخاطئُ أن يَتَصَالَحَ معَ اللهِ، يجب أنْ يَدفعَ شخصٌ الثَّمن. أليسَ كذلك؟ وقد كانَ المسيحُ هُوَ مَن فعلَ ذلك. وبولسُ يَعلمُ الموتَ البَدليَّ ليسوعَ المسيحَ حَقَّ المَعرفة. وقد وَعَظَ عنهُ سنواتٍ طويلة. وما يَقولُهُ بولسَ هُنا رائع. فبولس يقول: أريدُ أن أَتَمَثَّلَ بالمسيح. وأريدُ أن آخُذَ عَلى عَاتِقي دَينَ وَخطيَّةَ أُنسيمُس كي يَتمكَّنَ مِنَ التَّصالُحِ معَك.

هل هذا يُعطيكُم فِكرة عن بولس؟ هل تَذكرونَ عندما قالَ في مُناسبات عديدة: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيح"؟ وَهُنا تَرَوْنَهُ بوصفِهِ البَديلَ لأجلِ المُصالحة؛ على غِرارِ المَسيح. ونحنُ لا نُشبِهُ اللهَ أكثرَ مِمَّا نَفعل حينَ نَغفِر. ونحنُ لا نُشبِهُ المسيحَ أكثرَ مِمَّا نَفعل حينَ نأخُذُ الدَّيْنَ على عَاتِقِنا لكي يَحْدُثَ الغُفران. وبولس يَتصرَّف مِثلَ المسيح. وَهُوَ يقول: "سوفَ آخُذُ على عَاتِقي عَواقِبَ خَطيئَةِ أُنسيمُس. وكُلُّ ما ينبغي لكَ أنْ تَفعلَهُ هو أن تَقبَلَهُ". وهذه نَظرة رائعة جدًّا إلى مسألةِ التَّعويضِ هذه.

ولا نَقرأ ماذا فَعَلَ فليمون. ولكنِّي على يَقينٍ بأنَّهُ غَفَر لأُنسيمُس، وأنَّهُ لم يَحْسِبْ أيَّ دَيْنٍ على بولس. إذًا، كيفَ نَغفِر؟ مِنْ خِلالِ القَبول؛ أيْ أنْ نَفتحَ ذِراعَيْنا ونَقبلَ الشَّخصَ بمحبَّة. ثانيًا: الرَّدّ؛ أيْ رَدُّ الشَّخصِ إلى الخِدمة النَّافعة. ثالثًا: التَّحَقُّقُ مِن أنَّ الشَّخصَ قد دَفَعَ الدَّينَ كاملاً وتمامًا. فإنْ كانَ بمقدورِهِ أن يَدفع، وكانَ ذلكَ عادِلاً، وكانَ يَرغبُ في الدَّفع، اقبَل الدُّفعة. وإنْ لم يكن قادرًا على ذلك، اعرِض الغُفران. ورُبَّما تستطيعُ، في الوقتِ نفسه، أن تكونَ البَديلَ في تلك المُصالحة؛ حَتَّى مع نفسِك. فهذه هي سِماتُ الغُفران. وهذا هو الغُفرانُ الَّذي يُوصينا اللهُ أنْ نُمارِسَهُ بعضُنا معَ بعض. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، لقد تأثَّرنا جدًّا بهذا الدَّرسِ العظيمِ عنِ الغُفران. وإنْ كانَ هناكَ شيءٌ، يا رَبُّ، في قلبي أو في قُلوبِ شَعبِكَ هُنا يُمكن أن يُنظَر إليهِ بأنَّهُ عَدَم غُفران تُجاهَ أيِّ شخصٍ، أرجوكَ أنْ تَغفِر لنا وأنْ تُزيلَهُ لأنَّنا نَعلمُ أنَّكَ تَنْهَى عنِ القلبِ غيرِ الغَفور كَما تَنهَى عنِ القَتل. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ الجميعَ أخطأوا إليكَ، فإنَّكَ تَغفِرُ لنا وتُطالِبُنا بأنْ نَغفِرَ الإساءاتِ الأصغر لا سِيَّما أنَّنا أَقَلُّ مِنْكَ قَداسَةً. ونحنُ نَعلم أيضًا، يا رَبّ، أنَّ عَدمَ الغفُرانِ يَهْدِمُ الشَّركة، والعلاقة بِكَ، ويَجعل خطايانا الشَّخصيَّة لا تُغفَر. وعدمُ الغُفرانِ يَحرِمُنا مِن محبَّةِ المؤمنينَ الآخرينَ ويَأتي بنا تحتَ التَّأديب. ونحنُ نَعلم أيضًا، بِخَوفٍ، أنَّ عدمَ الغُفرانِ يَعني أنَّنا نأخُذُ السَّيفَ مِن يَدِكَ ونَدَّعي (بِكُلِّ تَجديفٍ) أنَّنا قُضاةٌ أفضل مِنكَ، وأنَّ هذا يَجعَلُنا غير لائقينَ للعِبادة، ويَجعلُنا نَقَع ضَحيَّة التَّجربة. يا رَبّ، يا ليتَنا نَتْرُك عَدَمَ الغُفران، ويا لَيتَنا نكون مِثلَ بولس الَّذي كانَ غَفورًا مِثلَ المسيح، وأنْ نَسعى إلى أن يكونَ الآخرونَ كذلك أيضًا. لِذا، يا لَيتَنا نَختَبِر بَرَكَتَكَ، والفَرَحَ الَّذي يَختَبِرُهُ المؤمنونَ المُطيعون. إكرامًا لِمُخَلِّصِنا. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize