في هَذا المَساءِ مِن دِراسَتِنا للكِتابِ المُقَدَّس، نَعودُ إلى رِسالةِ يَعقوبَ والأصحاحِ الثَّالثِ إذْ نَنظُرُ مَرَّةً أخرى إلى مَوضوعِ "ضَبْطِ اللِّسان". ويُمكِنُني أن أَرى مِن خِلالِ قِلَّةِ عَدَدِ الحُضورِ في هَذا المَساءِ أنَّ المَوضوعَ كَانَ مُبَكِّتًا أكثرَ مِمَّا يَنبغي في الأسبوعِ المَاضي. أنا أَمْزَحُ وَحَسْب، وَأَعلَمُ أنَّكُم مَشغولونَ جدًّا في هذهِ الأيَّامِ، وَأعرِفُ كيفَ يَكونُ الأمرُ في مَوسِمِ الأعيادِ بِوُجودِ أفرادِ العائلةِ وكُلِّ الأشياءِ الأخرى الَّتي تَجري. وكَم كُنتُ أتَمَنَّى لو أنَّ الأمرَ ليسَ كذلك، ولكِنْ يبدو أحيانًا أنَّ تَعليمَ كلمةِ اللهِ يَأخُذُ المَكانَةَ الثَّانية. ولكِنَّ الأمرَ المُؤكَّدَ هُوَ أنَّهُ في هذا الوقتِ مِنَ السَّنَةِ، يَنبغي أن تَحْتَلَّ كَلِمَةُ اللهِ المَكانَةَ الأولى في قُلوبِنا. وَعلى أيَّةِ حَالٍ، إذْ نَعودُ إلى رِسالةِ يَعقوبَ والأصحاحِ الثَّالثِ، أَوَدُّ أن أقولَ إنَّني نَظرتُ إلى هَذا النَّصِّ وَفَكَّرْتُ في كُلِّ فِكرةِ اللِّسانِ، وَنَظرتُ إلى الوَراءِ إلى فَترةِ طُفولَتي.
وَواحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي أَتَذَكَّرُها مِن طُفولَتي بِصُورَةٍ حَيَّةٍ جدًّا وَيَتَرَدَّدُ صَداهُ في أَرْجاءِ ذَاكِرَتي هُوَ جُملةٌ كانت أُمِّي تَقولُها كَثيرًا لي. فَقد كانت تَقولُ لي: "جوني، إنْ سَمِعتُكَ تَقولُ كَلامًا كَهَذا مَرَّةً أخرى، سَأغسِلُ فَمَكَ بالصَّابون". هَل سَمِعَ أَحَدٌ مِنكُم كَلامًا كَهذا؟ هَذا جَيِّد. لا أعتقدُ أنَّ هَذا الكَلامَ يُقالُ كَثيرًا اليَوم. ولا أعتقدُ أنَّ هُناكَ مَنْ يَرْسُمُ حُدودًا للكَلامِ الَّذي يُمكِنُ أن يُقالَ والكَلامِ الَّذي لا يَجوزُ التَّفَوُّهُ بِه؛ على الأقَلِّ ليسَ بالطَّريقةِ الَّتي كَانَ يَفعَلُها الآباءُ والأمَّهاتُ عندما كُنتُ صَبِيًّا. ولكِن في عائِلَتِنا، كانتْ أيُّةُ كَلِماتٍ نَابِيَة، وأيَّةُ كَلِماتٍ غَير لَطيفة، وأيَّةُ كَلِماتُ تَفْتَقِرُ إلى النِّعمَةِ نَادرةً جدًّا. ولكِن عندما كانت تُقالُ، أيْ عندما كُنتُ أَتَفَوَّهُ بكلماتٍ غيرِ لائِقَة، كانت أُمِّي تَغْسِلُ فَمي بالصَّابون.
وأريدُ مِنكُم أن تَعلموا أنَّني مَا زِلتُ أَتَذَوَّقُ طَعْمَ الصَّابون. وَقد كَانَ الصَّابونُ مِن نَوع "فيلس نابثا" (Fels Naptha). فَقد كانت تَستخدِمُ ذلكَ النَّوعَ مِنَ الصَّابون. وَهُوَ صَابونٌ مُرٌّ جدًّا وَقَلَوِيٌّ. وَقد كانَ لَهُ تَأثيرٌ كَبيرٌ جِدًّا فِيَّ. والحقيقةُ هِيَ أنَّني حَتَّى هَذا اليوم لا أُطيقُ الكَلامَ الشِّرِّيرَ، والكَلامَ البَذيءَ، واللُّغَةَ السُّوْقِيَّةَ. وأعتقدُ أنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ لا فقط إلى عَقيدَتي، بل أيضًا إلى حَقيقةِ أنَّ أُمِّي غَسَلَت فَمي بالصَّابونِ في مُناسَباتٍ عَديدة. وأريدُ أن أقولَ إنَّ أُمِّي كَانت وَاحِدَةً مِن أُناسٍ كَثيرينَ كَانُوا يَرْغَبونَ في سَماعِ كَلامٍ طَاهِر. وَلا شَكَّ في أنَّ يَعقوبَ في رَأسِ تلكَ اللاَّئِحَةِ (مِن وُجهَةِ النَّظرِ البَشريَّةِ) لأنَّ المَقطَعَ الَّذي كَتَبَهُ في رِسالَتِهِ هَذِهِ هُوَ أقوى مَقطَعٍ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ يَتحدَّثُ عَنِ الكَلامِ الطَّاهِر.
وَلو كَانَ يَعقوبُ حَيًّا، وَكانَ بِمَقدورِهِ أن يُكَلِّمَنا اليومَ، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ سَيُرَكِّزُ اليومَ أكثرَ مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى في تَاريخِ العَالَمِ على أهَمِيَّةِ أن يَغْسِلَ النَّاسُ أفواهَهُم بالمَعنى الرُّوحِيِّ؛ إنْ لم يَكُن بالمَعنى الحَرفِيِّ. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ يَعقوبَ كَانَ مُهْتَمًّا جدًّا بِموضوعِ الكَلامِ الطَّاهِرِ هَذا لأنَّهُ كانَ يُدركُ أنَّ رَبَّهُ يَفعلُ ذلك. فَقد كانَ يُدرِكُ مَا رَأيناهُ في الأسبوعِ المَاضي في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّاني عَشَر حيثُ قَالَ يَسوعُ إنَّنا سَنُعطِي حِسابًا للهِ عَن كُلِّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ نَتَفَوَّهُ بِها. وَهُوَ لا يُشيرُ فقط إلى الكلماتِ الشِّرِّيرةِ، بَل إلى الكَلامِ البَطَّال، والكَلامِ الَّذي يُقالُ دُونَ مُبالاةٍ، والكَلامِ الَّذي لا يَخْدِمُ أيَّةَ غَايَة صَالِحَة أو إيجابيَّة. ولأنَّهُ يَعرِفُ الطَّريقةَ الَّتي يَنظُرُ الرَّبُّ مِن خِلالِها إلى الكَلامِ الرَّديءِ فقد تَجَرَّأَ على مُعالجةِ المَوضوعِ بالطَّريقةِ ذَاتِها.
لِذا، كَما أنَّ يَسوعَ عَلَّمَ أنَّ الكَلامَ يَنبغي أن يَكونَ طَاهِرًا، فإنَّ يَعقوبَ عَلَّمَ أيضًا أنَّ الكَلامَ يَنبغي أن يَكونَ طَاهِرًا. وَكَما أنَّ يَسوعَ عَلَّمَ أنَّ حَالَ القَلبِ تَظْهَرُ مِن خِلالِ الفَمِ، فإنَّ يَعقوبَ يُعَلِّمُ الشَّيءَ نَفسَهُ. وأُريدُ مِنكُم أن تَفهَموا ذلك. فَفي إنجيل مَتَّى 12: 34-37، كَما رَأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ، يَقولُ يَسوعُ إنَّكَ سَتَتَبَرَّرُ بِكلامِكَ أو إنَّكَ سَتُدانُ بِكلامِك. بِعبارةٍ أخرى، إنَّ كَلامَكَ يَكشِفُ حَالَ قَلبِكَ. لِذا، وَفْقًا للطَّريقةِ الَّتي تَتكلَّمُ بها، قَد يَتقَرَّرُ مَصيرُكَ الأبديّ. فاللِّسانُ يُقَدِّمُ الدَّليلَ على حَالِ قَلبِك. لِذا فإنَّهُ أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا. فَالوِلادَةُ الجَديدةُ، أوِ التَّجديدُ، أوِ الخَلاصُ، بِكُلِّ مَا يُصاحِبُهُ مِن تَغييرٍ وَتَقديسٍ، يَجعَلُكَ خَليقَةً جَديدةً. وجُزءٌ مِنَ الخَليقَةِ الجَديدةِ هُوَ الكَلامُ الجَديد.
فالمُؤمِنونَ يَتكلَّمونَ بطريقةٍ مُختلفةٍ عن الآخرين. وَهَذا لا يَعني أنَّ كَلامَهُم يَكونُ كَامِلاً، ولكِنَّهُ بِكُلِّ تَأكيدٍ مُختَلِفٌ. استَمِعُوا إلى مَا قَالَهُ الرَّسولُ بولُسُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ كُولوسي. وَهُوَ نَصٌّ مُهِمٌّ جدًّا إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالث: "فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ". فَبولسُ يَقولُ إنَّكُم قَد مُتُّم، وَإنَّكُم قَد حَصَلتُم على حَياةٍ جَديدةٍ مُسْتَتِرَةٍ مَعَ المَسيحِ في الله. لِذا، في ضَوْءِ حَياتِكُم الجَديدة، يَنبغي أن تَهْتَمُّوا بِما فَوق، لا بِما على الأرض.
"فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، الأُمُورَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ بَيْنَهُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا سَلَكْتُمْ قَبْلاً، حِينَ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ فِيهَا". والمَعنى المَقصودُ هُنا هُوَ: حيثُ إنَّكُم الآنَ خَليقة جَديدة، يَنبغي أن تَسلُكوا بِطَريقةٍ جَديدةٍ في الحَياة، وَأن تُظهِرُوا طَبيعَتَكُم الجَديدة، وسُلوكَكُم الَّذي قَد تَغَيَّر. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّامِن: "وَأَمَّا الآنَ فَاطْرَحُوا عَنْكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا الْكُلَّ: الْغَضَبَ، السَّخَطَ، الْخُبْثَ، التَّجْدِيفَ، الْكَلاَمَ الْقَبِيحَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ". اطرَحُوها بَعيدًا عَنكُم. فَلا مَكانَ لَها في حَياةِ المُؤمِن. "لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ". فَهذا نَوعٌ آخر مِنَ الكَلامِ المَحظور. "إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ".
إذًا، بَعدَ أن صِرتُم مُؤمِنينَ فإنَّكُم تَمْلِكونَ قَلبًا جَديدًا. وحيثُ إنَّكُم قَد حَصلتُم على قَلبٍ جَديدٍ، يَنبغي أن تَسْلُكوا سُلوكًا جَديدًا. والسُّلوكُ الجَديدُ يَضُمُ أيضًا كَلامًا جَديدًا - كَلامًا جَديدًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ كَلامَكَ الجَديدَ يُعَرَّفُ أَفْضَلَ تَعريفٍ في العَدد 16: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ". لِذا فإنَّ كَلامَكُم يَتأثَّرُ تَأثُّرًا عَميقًا بِطَبيعَتِكُم الجَديدة، وبِتَغييرِكُم. فالإنسانُ الجَديدُ في المَسيحِ يَمْلِكُ فَمًا جَديدًا، ولِسانًا جَديدًا، وكَلامًا جَديدًا.
لِذا فإنَّ اللِّسانَ يَصيرُ مُؤشِّرًا حَقيقيًّا على حَالَةِ القَلب. وفي الأصحاحِ الأوَّلِ، هَل تَذكُرونَ مَا جَاءَ في العَدد 26؟ "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِيكُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ دَيِّنٌ [أو يَحْسَبُ نَفسَهُ أنَّهُ دَيِّنٌ، أو يَظْهَرُ أمامَ النَّاسِ بِصِفَتِهِ شَخصًا مُتَدَيِّنًا]، وَهُوَ لَيْسَ يُلْجِمُ لِسَانَهُ، بَلْ يَخْدَعُ قَلْبَهُ، فَدِيَانَةُ هذَا بَاطِلَةٌ". فَما لَم يُظْهْرُ خَلاصَكَ نَفسَهُ مِن خِلالِ الكَلامِ الَّذي تَتَفَوَّهُ بِهِ فَإنَّ خَلاصَكَ هُوَ مُجَرَّدُ خِداعٍ للذَّات. لِذا، يُمكِنُنا أن نَقولَ مَا قَالَهُ يَعقوبُ في الأصحاحِ الثَّاني بأنَّ الإيمانَ يُنشِئُ أعمالاً. وَواحِدٌ مِنَ الأعمالِ الَّتي يُنشِئُها الإيمانُ هُوَ الكَلامُ الَّذي يُمَجِّدُ اللهَ. والآن، أريدُ أن أتكلَّمَ عَن ذلكَ قَليلاً لكي تَفهَمُوا بِوُضوحٍ بِضعةَ فُروقٍ لاهُوتِيَّة.
المُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ... لاحِظُوا مَا سَأقول: المُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ يَحصُلونَ على لِسَانٍ مُقَدَّس. هَل فَهِمتُم ذلك؟ المُؤمنونَ الحَقيقيُّونَ، أوِ المَسيحيُّونَ الحَقيقيُّونَ، أيِ الأشخاصُ الَّذينَ تَغَيَّروا حقًّا، والأشخاصُ الَّذينَ صَارُوا خَليقةً جَديدةً في المَسيحِ، يَحصُلونَ على لِسَانٍ مُقَدَّس. واسمَحُوا لي أن أُضيفَ شَيئًا إلى ذلك: المُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ يَنبغي أن يَمْلِكُوا لِسَانًا مُقَدَّسًا. هَل فَهِمتُم ذلك؟ المُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ يَحصُلونَ على لِسَانٍ مُقَدَّس. والمُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ يَنبغي أن يَمْلِكُوا لِسَانًا مُقَدَّسًا. وَقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! إنْ كُنَّا نَحصُلُ على لِسَانٍ مُقَدَّسٍ، لماذا تُخبِرُنا أنَّهُ يَنبَغي لَنا أن نَمْلِكَ لِسَانًا مُقَدَّسًا؟" لأنَّ الجُمْلَةَ الأولى تُعَبِّرُ عَن حَقيقةٍ إلهِيَّةٍ نَحصُلُ عَليها مِن خِلالِ الوِلادةِ الجَديدة، والجُملةُ الثَّانيةُ تُعَبِّرُ عَن مَسؤوليَّةٍ بَشريَّةٍ يَنبغي لنا أن نَقومَ بها. وَهَذا هُوَ التَّنافُرُ أوِ التَّناقُضُ الظَّاهِرِيُّ العَجيبُ الَّذي يَظْهَرُ في حَياتِنا المَسيحيَّة.
فَإنْ كُنَّا خَليقةً جديدةً حقًّا في المَسيح، سَيَكونُ كَلامُنا طَاهِرًا. وَإن كُنَّا خَليقةً جَديدةً حقًّا في المَسيح، يَنبغي لنا أن نَأخُذَ عَلى عَاتِقِنا مَسؤوليَّةَ التَّحَقُّقِ مِن أن يَكونَ كَلامُنا طَاهِرًا. وَهَذا هُوَ التَّناقُضُ الظَّاهِرِيُّ الدَّائِمُ في الكتابِ المقدَّس. وَإن فَهِمتُم ذلك، وَهُوَ أمرٌ تَحَدَّثنا عَنهُ مَرَّاتٍ كَثيرة في مَعْرِضِ دِراسَتِنا للكتابِ المُقدَّس؛ ولكِن إن فَهِمتُم ذلك، سَتَفهَمونَ سِرًّا عَجيبًا. وَلا يُمكِنُكم أن تَفهَموهُ تَمامًا، ولكنِ اسمَحوا لي أن أُوَضِّحَهُ لَكُم بالطَّريقةِ التَّالية: لَقَدْ نِلْنا الخَلاصَ بِالنِّعمةِ الإلهيَّة. أليسَ كذلك؟ فَقد تَمَّ اختيارُنا فيهِ مِن قَبلِ تَأسيسِ العَالَم. وَعلى الرَّغمِ مِن ذلك، يَنبغي لنا أن نُؤمِن. وَنَحْنُ نَتَمَتَّعُ بالحِمايَةِ الإلهيَّةِ مِنْ خِلالِ سِيادَتِهِ الإلهيَّةِ. وَعلى الرَّغمِ مِن ذلك، يَنبغي لنا أن نُثابِر. وَنَحنُ نَعيشُ بالقُوَّةِ الإلهيَّةِ؛ أيْ: "فَأحْيا لاَ أَنَا، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ". وَعلى الرَّغمِ مِن ذلك، يَجِبُ عَلينا أن نُطيع.
وَيَعقوبُ يُعَبِّرُ عَن ذلكَ قَائِلاً: حَيثُ إنَّنا خَليقة جَديدة، سَوفَ نَختَبِرُ التَّجارِب؛ ويجب علينا أن نَتَحَمَّلَها. وسوفَ نَحصُلُ على كلمةِ اللهِ وَنُطيعُها، ويَجِبُ علينا أن نَحصُلَ عليها ونُطيعَها. وسوفَ نُعامِلُ المُحتاجينَ بِنِعمةً وَبِلا مُحاباةٍ، ويَنبغي أن نُعامِلَهُم بنعمةٍ وَبِلا مُحاباة. وسَوفَ نُثْمِرُ أعمالاً صَالحةً، ويَنبغي لنا أن نُثمِرَ أعمالاً صَالحةً. بعبارةٍ أخرى، لن تَتَمَكَّنُوا يَومًا مِنَ الفَصْلِ بينَ حَقيقةِ أنَّ مَا يَقولُ اللهُ إنَّهُ سيَسري عَليكُم هُوَ نَفسُ الشَّيءِ الَّذي يَنبغي لَكُم أن تَفعَلوه. فإنْ كانَ اللهُ قَد قَالَ إنَّكُم ستَحصُلونَ على شَيءٍ مَا فإنَّ ذلكَ لا يَعني أنْ تَستَلقُوا على ظُهورِكُم وَتَرجُوا حُدوثَ ذلك. وَهَذا هُوَ في الحَقيقةِ سِرُّ التَّناقُضِ الظَّاهِرِيِّ في الحَياةِ المَسيحيَّة. فَحيثُ يُوجَدُ إيمانٌ حَقيقيٌّ وَحَيٌّ، وتَجديدٌ وتَغييرٌ حَقيقيٌّ، سَتَكونُ هذهِ الأشياءُ هِيَ النَّتيجةُ الحَتميَّة، ويَنبغي أن تَكونَ هِيَ النَّتيجةُ الحَتمِيَّة.
فاللهُ سَيُنشِئُها فيها، ولكِنَّهُ يُنشِئُها فينا مِن خِلالِ تَكريسِنا لَها. هَل تَفهَمونَ ذلك؟ فَهذهِ هِيَ أفضلُ طَريقةٍ لِحُصولِنا عَليها. لِذا، عِندَما يَتحدَّثُ يَعقوبُ عَنِ اللِّسانِ فإنَّهُ يَتحدَّثُ عَن حَقيقةِ أنَّ اللِّسانَ سَيَكشِفُ حَالَةَ القَلبِ. وفي الوَقتِ نَفسِهِ فإنَّهُ يَدعونا إلى فِعلِ كُلِّ مَا في وُسْعِنا للتَّحَقُّقِ مِن حُدوثِ ذلك. لِذا، لا يُمكِنُنا أن نَجلِسَ وَنَقول: "لَقد قَالَ اللهُ إنَّني خَليقةٌ جَديدة. لِذا، سَوفَ يَحدُثُ كُلُّ ذلكَ تِلقائِيًّا". فاللهُ يَقولُ إنَّكَ خَليقةٌ جَديدةٌ، وَإنَّ ذلكَ سَيَحدُث؛ ولكِنَّهُ لن يَحدُثَ تِلقائِيًّا، بَل مِن خِلالِ تَكريسِكَ المُنقادِ بالرُّوح. فهذهِ حَقيقةٌ رَئيسيَّةٌ جدًّا. لِذا، مَعَ أنَّ هَذا النَّصَّ [لاحِظُوا مَا سأقول] يَتحدَّثُ عَن طَبيعةِ الإيمانِ الحَيِّ الظَّاهِرِ مِن خِلالِ كَلامِنا، فإنَّهُ أيضًا دَعْوَةٌ لَنا بأن نُقَوِّمَ كَلامَنا لأنَّ كِلا هَذَيْنِ الجَانِبَيْنِ يَسيرانِ مَعًا.
فَما يَقولُ اللهُ إنَّه يسري عَلينا يَنبغي أن يَسري عَلينا. فاللهُ يَهْتَمُّ بجانِبِ حُصولِنا على ذلكَ الشَّيء، وَيَجِبُ علينا نَحْنُ، مِن خِلالِ خُضوعِنا لِسُلطانِهِ، أنْ نَهْتَمَّ بِتَطبيقِ ذلكَ الشَّيء. وَيَذكُرُ يَعقوبُ خَمسةَ أسبابٍ قَوِيَّة تَدعونا إلى ضَبْطِ لِسانِنا... خَمسةَ أسبابٍ قَوِيَّة. هَل تَذكُرونَ مَا هُما السَّببانِ الأوَّلِ والثَّاني اللَّذان ذَكرناهُما في المَرَّةِ السَّابقة؟ السَّببُ الأوَّلُ هُوَ: قُدرَةُ اللِّسانِ على مَاذا؟ على الإدانَة. فنحنُ نَقرأُ في العَدَدَيْنِ الأوَّلِ والثاني: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا". يَقولُ يَعقوبُ هُنا إنَّ اللِّسانَ يَمْلِكُ قُدرةً هَائلةً على إدانَتِنا. وَهُوَ يَستخدِمُ التَّعليمَ مِثالاً إيضاحِيًّا.
فَهُوَ يَقولُ: "لا تَتَعَجَّلُوا في قَبولِ خِدمةٍ تَعليميَّةٍ" بسببِ قُدرةِ اللِّسانِ الهَائلةِ على إدانَتِكَ. فَأنتَ لا تُريدُ أن تُقْحِمَ نَفسَكَ في أيِّ مَوقِفٍ يَتَطَلَّبُ مِنكَ استِخدامَ لِسانِكَ إلاَّ إذا كُنتَ تُدركُ الخَطَرَ المُحْدِقَ بِك. لِذا، لا تَتَعَجَّل في قَبولِ الخِدمةِ التَّعليميَّةِ لكلمةِ اللهِ لأنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يَتجَنَّبَ الأخطاءَ الَّتي يَقتَرِفُها اللِّسان. وعندما تَكونُ مُعَلِّمًا وتُسيءُ استِخدامَ لِسانِكَ فإنَّ العَواقِبَ تَكونُ أكبرَ بكثير. والآن لاحِظُوا مِن فَضلِكُم أنَّهُ لا يَقولُ: "لا تَقبَل أن تَكونَ مُعَلِّمًا"، بَل يَقول: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ". فالأشخاصُ الَّذينَ تَلَقَّوْا دَعوةً، والأشخاصُ المَوهوبونَ، والأشخاصُ الَّذينَ لَديهمِ الاستِعدادُ اللاَّزِمُ لا بَأسَ في قِيامِهِم بذلك. أمَّا فيما يَخُصُّ البَقِيَّة، مِنَ الأفضلِ أن تَبتَعِدوا عن ذلكَ بسببِ قُدرةِ اللِّسانِ الهَائلةِ على قَولِ الأشياءِ المَغلوطَةِ، وإساءَةِ تَمثيلِ الحَقِّ الإلهِيِّ، وَجَلْبِ الدَّينونَةِ المُريعَةِ عَليكُم.
والآن، اسمَحُوا لي أن أتكلَّمَ مِن وُجهَةِ نَظري الشَّخصيَّة قَليلاً. أنا مُقْتَنِعٌ حَقًّا، وَأنا لا أقولُ هَذا غَالِبًا، ولكنِّي مُقتَنِعٌ بأنَّهُ يُوجَدُ عَدَدٌ أكبرُ مِنَ اللاَّزِمِ مِن مُعَلِّمي الكتابِ المقدَّسِ اليَوم. عَدَدٌ أكبرُ مِنَ اللاَّزِم. وَأنا لا أقولُ إنَّهُ تُوجَدُ آيَةٌ كِتابِيَّةٌ يُمكِنُني أن أَسْتَشْهِدَ بِها لإثباتِ ذلك، ولكنِّي أعتقدُ أنَّ مَا يَقولُهُ يَعقوبُ هُنا يَفْتَرِضُ أنَّ أُناسًا كَثيرينَ سَيَنْضَمُّونَ إلى صُفوفِ مُعَلِّمي الكتابِ المقدَّسِ مَعَ أنَّهُم لا يَنتَمونَ إلى ذلكَ المَكان، وَأنَّهُم سَيَجلِبونَ على أنفسِهم أحوالاً قَاسِيَةً جدًّا بسببِ دَينونَةِ اللهِ، وَعِقابِهِ، وَتَأديبِهِ، وَمَا إلى ذلك. وَأنا مُقْتَنِعٌ تَمامًا بوجودِ أشخاصٍ أكثر مِنَ اللاَّزِم يُعَلِّمونَ كلمةَ اللهِ مَعَ أنَّهُم لَيْسُوا أكْفَاءَ للقِيامِ بذلك، ولَيْسُوا مُؤهَّلينَ للقِيامِ بذلك، ولَيْسُوا مُستَعِدِّينَ للقيامِ بذلكَ. وبسببِ الضَّلالِ في تَعليمِهم فإنَّهُم يَجلِبونَ على أنفسِهم دَينونةً أقسَى مِن تلكَ الَّتي كانُوا سيَحصُلونَ عليها لو لم يُعَلِّمُوا البَتَّة.
فَنحنُ بِحاجَةٍ إلى عَدَدٍ أقَلّ مِنَ المُعَلِّمين. وَأنا مُقْتَنِعٌ بأنَّنا بِحاجةٍ إلى عَددٍ أقَلّ مِنَ الكَنائِس. وَنَحنُ بِحاجَةٍ إلى المَزيدِ مِنَ المُعَلِّمينَ المُمتازينَ والمَزيدِ مِنَ الكَنائسِ المُمتازَة. ويَعقوبُ يَدعو إلى الشَّيءِ ذَاتِهِ؛ أيْ إلى إدراكِ خُطورةِ التَّعليمِ بسببِ قُدرةِ اللِّسانِ على اقتِرافِ الأخطاءِ الخَطيرةِ والجَسيمَة. لِذا، يَنبغي ضَبْطُ اللِّسانِ بسببِ قُدرَتِهِ على الإدانَة. ثانِيًا، يَنبغي ضَبْطُ اللِّسانِ بسببِ قُدرَتِهِ على السَّيطرة. فَإن لم تَضْبُطْهُ فإنَّهُ يَستطيعُ أن يُسَيطِرَ على كُلِّ شَيء. فنحنُ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العَددِ الثَّاني: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْثُرُ فِي الْكَلاَمِ فَذَاكَ رَجُلٌ كَامِلٌ، قَادِرٌ أَنْ يُلْجِمَ كُلَّ الْجَسَدِ أَيْضًا".
"هُوَذَا الْخَيْلُ، نَضَعُ اللُّجُمَ فِي أَفْوَاهِهَا لِكَيْ تُطَاوِعَنَا، فَنُدِيرَ جِسْمَهَا كُلَّهُ. هُوَذَا السُّفُنُ أَيْضًا، وَهِيَ عَظِيمَةٌ بِهذَا الْمِقْدَارِ، وَتَسُوقُهَا رِيَاحٌ عَاصِفَةٌ، تُدِيرُهَا دَفَّةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا إِلَى حَيْثُمَا شَاءَ قَصْدُ الْمُدِيرِ. هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا". فَيَعقوبُ يَقولُ هُنا: "انظُروا! إنَّ اللِّسانَ يَمْلِكُ قُدرةً هَائلةً على السَّيطرة. فَهُوَ يُشبِهُ اللِّجامَ الَّذي يَضْغَطُ على لِسانِ الحِصانِ فَيُسيطرُ على كُلِّ جَسَدِه. وَهُوَ يُشبِهُ الدَّفَّةَ الَّتي يُديرُها القُبطانُ ويَتَحَكَّمُ مِن خِلالِها بكُلِّ السَّفينةِ الضَّخمَة. فاللِّسانُ عُضوٌ صَغيرٌ، ولكِنَّهُ يَفْتَخِرُ بأمورٍ عَظيمة. وَهُوَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في الافتِخارِ بتلكَ الأمورِ العَظيمةِ لأنَّهُ يَستطيعُ أن يَتْرُكَ تَأثيرًا هَائِلاً على الرَّغمِ مِن حَجْمِهِ الصَّغير. والشَّخصُ الكَامِلُ تَمامًا والَّذي لا تُوجَد فيهِ خَطِيَّة هُوَ الَّذي لا يُخطئُ بِلسانِه. وَيَسوعُ هُوَ الشَّخصُ الوَحيدُ الَّذي تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِ ذلك.
وَإنْ سَلَكَ المُؤمِنُ النَّاضِحُ كَما سَلَكَ المَسيحُ، بِالقَدرِ الَّذي تُتيحُهُ لَهُ قُدُراتُهُ البَشريَّةُ، فإنَّهُ سَيَضبُطُ لِسانَهُ. ولكِنَّنا جَميعًا، نَحنُ الَّذينَ نَعيشُ بهذهِ الأجسادِ البَشريَّةِ، سَنُخطِئُ بِلسانِنا. واللِّسانُ يَمْلِكُ قُدرةً هَائلةً على السَّيطرة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا رَأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّ يَعقوبَ يَقول: اضبُطوا لِسانَكُم". فَهذا أكبرُ عُضْوٍ يُخطِئُ فيكَ. وَإنِ استَطعتَ أن تُسيطِرَ على لِسانِكَ فإنَّكَ سَتُسيطِرُ على كُلِّ الأعضاءِ الأخرى لأنَّ القُوَّةَ الرُّوحيَّةَ الَّتي تُسيطرُ على لِسانِكَ سَتُسيطِرُ على بَقِيَّةِ المَعارِكِ الرُّوحيَّةِ الأقَلِّ شَراسَةً الَّتي تَشُنُّها بَقِيَّةُ الأعضاءِ في طَبيعَتِنا البَشريَّة. لِذا، عندما تُطَبِّقُ وَسائِطَ النِّعمَةِ على ضَبْطِ اللِّسانِ وَتَقديسِهِ فإنَّ ذلكَ سَيَنعَكِسُ على بَقِيَّةِ الجَوانبِ الأخرى لأنَّ اللِّسانَ هُوَ القَائِدُ في اقتِرافِ الخَطيَّة.
فَأنتَ تُخطِئُ بِلِسَانِكَ أكثرَ مِمَّا تُخطِئُ بأيِّ جُزءٍ آخرَ في جَسَدِك. فَيُمكِنُكَ أن تُخطِئَ بِلسانِكَ بأن تَقولَ شَيئًا وَحَسْب. وَكما قُلتُ في المرَّة السَّابقةِ، قَد لا تَتمكَّنُ مِن فِعْلِ أيِّ شَيءٍ، ولكِنَّكَ تَستطيعُ أن تَقولَ أيَّ شَيء. لِذا فإنَّكُم تُخطِئونَ بِسهولةٍ شَديدةٍ بِلِسانِكُم. وأنا أفعلُ ذلكَ أيضًا. فَنحنُ نُخطِئُ بسهولةٍ شَديدةٍ بِلسانِنا. وَنحنُ نُخطِئٌ أخطاءً شَنيعةً بِلِسانِنا. لِذا، يَجِبُ علينا أن نَضْبِطَ لِسانَنا بسببِ قُدرتِهِ الهَائلةِ على الإدانَةِ، وبسببِ قُدرَتِهِ الهَائلةِ على السَّيطرة. والآن، ثَالِثًا، وَنَحنُ نُتابِعُ هُنا مِنْ حَيث تَوَقَّفْنا في المَرَّةِ السَّابقة، وَهِيَ نُقطةٌ مُدهشةٌ جدًّا نَقرأُ عَنها في العَدَدَيْنِ الخَامِسِ والسَّادِسِ: بِسببِ قُدرَتِهِ الهَائلةِ على إلحاقِ الدَّمار. فاللِّسانُ خَطيرٌ جدًّا. فَهُوَ يَقولُ ببساطَة في الأعداد مِن 2 إلى 5 إنَّ اللِّسانَ يُسيطِر. فَهُوَ لم يَقُل إنَّهُ سَيِّء، ولم يَقُل إنَّهُ جَيِّد.
فَقد قَالَ وَحَسْب إنَّ اللِّسانَ عُضْوٌ قَادِرٌ على السَّيطرة. فَهُوَ يُسيطِرُ على الإنسانِ، وَهُوَ المِفتاحُ لِسُلوكِهِ. وبسببِ قُدرتِهِ على السَّيطرةِ، يَنبغي ضَبْطُه. والآن، إنَّهُ يُبَيِّنُ أنَّهُ بسببِ قُدرةِ اللِّسانِ على السَّيطرةِ فإنَّهُ عُضْوٌ خَطيرٌ جدًّا. فقُدرةُ اللِّسانِ على السَّيطرةِ ليست دائمًا أمرًا جَيِّدًا، بَل إنَّها في أغلبِ الأحيانِ سَيِّئة. وَهُناكَ نَبْرَةٌ سَلبيَّةٌ مُؤكَّدَةٌ تَصْطَبِغُ بِها كلماتُ يَعقوبَ فيما يَتحدَّثُ عن قُدرةِ اللِّسانِ وَخَطَرِه. انظُروا إلى العَددِ الخَامِسِ مَرَّةً أخرى. فَقد قَالَ: "هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ... وَهُنا، يَنبغي أن تَبتَدِئَ الآيةُ بالكلمة "انظُروا". فَهُناكَ فَاصِلٌ وَاضِحٌ. "انظُرُوا مَفعولَهُ الكَبير..." [كَما تَقولُ التَّرجَمَةُ المُعْتَمَدَةُ] "...هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ".
والآن، هَذا تَعَجُّبٌ مِن خَطَرِ اللِّسان. فَهُوَ يَمْلِكُ قُدرةً مُرعِبَةً على إلْحاقِ الدَّمار. والنَّصُّ يَقولُ في الحَقيقة: "انظُروا كيفَ أنَّ غَابَةً كَبيرةً يُمْكِنُ أنْ تَحتَرِقَ بِنَارٍ صَغيرة"، أو حَرْفِيًّا: "هُوَذا غَابَةٌ كَبيرةٌ تَحْتَرِقُ بِفِعْلِ نَارٍ قَليلة". فالتَّناقُضُ صَارِخٌ. فَإنْ أردتَ أن تُحْرِقَ غَابَةً، يَكفي أن تَأخُذَ سِيجارَةً مُشتعلةً صَغيرةً وَأن تُضْرِمَ النَّارَ بِمِساحَاتٍ وَاسِعَةٍ وَشَاسِعَةٍ مِنَ الأشجار. فالنَّارُ شَيءٌ مُدهِش. فيُمكِنُكَ أن تَأخُذَ شُعلةً صَغيرةً وَأن تُضْرِمَ النَّارَ بِمَدينَةٍ بِأسْرِها إلى أنْ تَصيرَ رَمادًا. فالنَّارُ تَمْلِكُ قُدرةً هَائِلَة. فَالمَاءُ لا يَستطيعُ أن يَتكاثَر. فإن أَحضرتَ كَأسَ مَاءٍ وَسَكَبْتَهُ، لَن يَصيرَ طُوفَانًا. فَهو لا يَملكُ هذهِ الخَاصِيَّة. ولكِن إن أحضرتَ عُودَ ثِقابٍ، يُمكِنُكَ أن تُضْرِمَ النَّارَ بِغابَةٍ أو أن تَحرِقَ مَدينةً بأسرِها لأنَّ النَّارَ تَستطيعُ أن تَتكاثَر.
واللِّسانُ لا يُشبِهُ المَاءَ، بَل يُشبِهُ النَّار. فَما يَقولُهُ يَستطيعُ أن يُضْرِمَ النَّارَ في غَابَةٍ بِأسرِها. والصُّورَةُ هُنا حَيَّة لأنَّهُ في المُناخِ الجَافِّ في فِلَسطين، لا تَحتاجُ إلى أكثرَ مِن شَرارَةٍ صَغيرةٍ مُتَطايِرَةٍ مِن نَارٍ في لَيلةٍ بَارِدَةٍ تُلامِسُ الأرضَ الجَافَّةَ في المَوسِمِ الجَافِّ لإشعالِ نَارٍ تَمْتَدُّ إلى نِطاقٍ وَاسِعٍ وَتُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ في طَريقِها. وَنَحنُ نَعرِفُ ذلكَ في كَاليفورنيا لأنَّ المُناخَ هُنا يُشبِهُ المُناخَ في أرضِ فِلَسطين. ونَحنُ نَقرأُ في المَزمور 83: "يَا إِلهِي، اجْعَلْهُمْ مِثْلَ الْجُلِّ، مِثْلَ الْقَشِّ أَمَامَ الرِّيحِ. كَنَارٍ تَحْرِقُ الْوَعْرَ، كَلَهِيبٍ يُشْعِلُ الْجِبَالَ". والمُرَنِّمُ هُنا يُشيرُ إلى حَقيقةِ أنَّ شُعلةً صَغيرةً تَستطيعُ أن تُضْرِمَ النَّارَ في جَبَلٍ بِأسرِه أو في غَابَةٍ بِأسرِها.
وَهَذهِ حَقيقةُ مُقَرَّرَةٌ. فَنحنُ نُسَمِّي ذلكَ قَاعِدَة بَديهيَّة أو حَقيقة مُقَرَّرة. هُوَذا غَابَةٌ كَبيرةٌ تَضْطَرِمُ فيها النَّارُ بِفِعْلِ شَرارةٍ صَغيرة. في شيكاغو، في الثَّامِنِ مِن شَهرِ تِشرينَ الأوَّل/أكتوبر مِن سَنةِ 1871، في السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ والنِّصف مَساءً، حَدَثَتْ شَرارةٌ في حَظيرةِ السيِّد "أوليري" (O'Leary). وقَبلَ أن تَنطَفِئ، كانت تلكَ الشَّرارةُ الواحِدَةُ الَّتي تَسَبَّبَتْ بِها بَقَرَةٌ في حَظيرةِ السيِّد أوليري قَد أَحْرَقَتْ سَبعةَ عَشَرَ ألفًا وخمسمئة بِنايَة. وَقد احتَرَقَ ثلاثُمئةِ شخصٍ حَتَّى المَوت، وَتَشَرَّدَ نَحوُ مِئةٍ وخمسةٍ وعشرينَ ألفِ شَخص. وفي سَنة 1871، تَمَّ تَقديرُ الأضرارِ بِأربعمئةِ مَليون دُولار. شَرارةٌ واحِدَة! وَقد كُنتُ أقرأُ في سَنةِ 1903 – والحَقيقةُ هِيَ أنِّي لم أَكُن أقرأُ في سَنة 1903 لأنِّي لم أَكُن قَد وُلِدتُ في سَنة 1903؛ ولكنِّي كُنتُ أقرأُ عَن شَيءٍ حَدَثَ في سَنَة 1903. وَقد أردتُ أن أُوَضِّحَ ذلك. كُنتُ أقرأُ عَن حَادِثَة وَقَعَتْ في سَنَةِ 1903 إذْ إنَّ قِدْرًا مِنَ الأرُزِّ كَانَ يَغلي فَوقَ مَوْقِدٍ يَعْمَلُ بالفَحْمِ المُشتَعِل في بَيتٍ صَغيرٍ في كُورِيَّا. وَسُرعانَ مَا تَسَبَّبَ ذلكَ الفَحْمُ المُشتَعِلُ في إحْراقِ ثَلاثةِ آلافِ بِنايَةٍ إلى أنْ صَارَتْ رَمادًا في مِنطقةٍ قُطرُها رُبْعُ مِيل.
وَهَذا يُرينا قُوَّةَ النَّار. وَأنتُم تُدرِكونَ ذلك. لِذا فإنَّ مَا يَقولُهُ يَعقوبُ في العَددِ الخَامِسِ هُوَ: "يا للعَجَب!" فالكلمة "هُوَذا" تُشيرُ إلى الدَّهشَةِ وإلى العَجَب. "هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ". ثُمَّ إنَّهُ يُوَضِّحُ نُقطَتَهُ في العَددِ السَّادِسِ قَائِلاً: "فَاللِّسَانُ [مَاذا؟] نَارٌ!" فاللِّسانُ نَارٌ. ونَحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 15: 28: "فَمُ الأَشْرَارِ يُنْبعُ شُرُورًا". فَهُوَ يَرى أنَّ فَمَ الأشرارِ نَارٌ. ونَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 16: 27: "الرَّجُلُ اللَّئِيمُ يَنْبُشُ الشَّرَّ، وَعَلَى شَفَتَيْهِ كَالنَّارِ الْمُتَّقِدَة". فَكُلُّ مَا يَمَسُّهُ فَمُهُ المُتَّقِدُ يَشتَعِلُ. والنَّارُ تَمْتَدُّ. وَنَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 26: 20: "بِعَدَمِ الْحَطَبِ تَنْطَفِئُ النَّارُ، وَحَيْثُ لاَ نَمَّامَ يَهْدَأُ الْخِصَامُ".
وَالمَعنى المَقصودُ هُنا هُوَ أنَّ الشَّخصَ النَّمَّامَ، أوِ الشَّخصَ الَّذي يُرَوِّجُ الأخبارَ الشِّرِّيرةَ أو يَنشُرُ الأقاويلَ أوِ الإشاعاتِ أوِ الأكاذيب يُشبِهُ الحَطَبَ الَّذي يُغَذِّي النَّار. وَنَقرأُ في نَفسِ الأصحاحِ مِن سِفْرِ الأمثال والعَدد 21: "فَحْمٌ لِلْجَمْرِ وَحَطَبٌ لِلنَّارِ، هكَذَا الرَّجُلُ الْمُخَاصِمُ لِتَهْيِيجِ النِّزَاع". والكلمةُ "يُهَيِّج" تَعني "يُشعِل". والمَعنى المَقصودُ هُنا مَرَّةً أخرى هُوَ أنَّ النَّميمةَ والوِشايَةَ وَالخُصومَةَ هِيَ نَارٌ مُدَمِّرَة. ونَقرأُ في المَزمور 52: 2: "لِسَانُكَ يَخْتَرِعُ مَفَاسِدَ. كَمُوسَى مَسْنُونَةٍ". وَهذهِ صُورةٌ مُدهشةٌ أيضًا. فاللِّسانُ يُشبِهُ شَفْرَةً. فَهُوَ يَجرَح. وَلا يُمكِنُني أن أنسَى أنَّني أمسكتُ صَحيفةَ "لوس أنجيليس تايمز" (Los Angeles Times) عندما كُنتُ طَالِبًا في الجَامعةِ وَقرأتُ عَن شَخصٍ ذَهَبَ مَعَ بَائِعَةِ هَوَى التَقاها في الشَّارعِ في شَرقِ لوس أنجيليس لكي يُشبِعَ شَهْوَتَهُ.
وعِندَما انْحَنى لِتَقبيلِها، كانَت تَضَعُ بينَ شَفَتَيْها شَفرةً شَقَّتْ حَالاً كِلتا شَفَتَيْهِ: الشَّفَةَ العُلوِيَّةَ والشَّفَةَ السُّفليَّة. وهَذا شَيءٌ عَجيبٌ جدًّا؛ ولكِنَّها كَانَتْ طَريقَتها في الانتقامِ مِنَ الرِّجالِ الَّذينَ جَرَحُوها في المَاضي. وأنا لا أتذكَّرُ تلكَ القِصَّةِ إلاَّ وَأتذكَّر أيضًا حَقيقةَ أنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يَتَفَوَقُ على الشَّفرةِ في الدَّمارِ والخَطَرِ والقُوَّةِ هُوَ اللِّسان. فاللِّسانُ هُوَ مُوسَى... مُوسَى مَسْنُونَة (كَما جَاءَ في سِفْرِ المَزامير). واللِّسانُ نَارٌ تُضْرِمُ النَّارَ وَتُحرِق. وَفي نَفسِ ذلكَ المَزمورِ (أيِ المَزمور 52: 2) الَّذي يَقولُ إنَّ اللِّسانَ مُوسَى مَسْنُونَة، فإنَّهُ يَقولُ أيضًا في العَدَدَيْنِ الثَّالِثِ والرَّابِع: "أَحْبَبْتَ الشَّرَّ أَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ، الْكَذِبَ أَكْثَرَ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالصِّدْقِ".
"أَحْبَبْتَ كُلَّ كَلاَمٍ مُهْلِكٍ، وَلِسَانِ غِشٍّ. أَيْضًا يَهْدِمُكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ. يَخْطَفُكَ وَيَقْلَعُكَ مِنْ مَسْكَنِكَ، وَيَسْتَأْصِلُكَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاء". فاللهُ سَيَدينُ الأشخاصَ الَّذينَ يَمْلِكونَ ألسِنَةُ مُدَمِّرَةً. وفي المَزمور 57: 4، يَقولُ المُرَنِّمُ: "نَفْسِي بَيْنَ الأَشْبَالِ. أَضْطَجعُ بَيْنَ الْمُتَّقِدِينَ بَنِي آدَمَ. أَسْنَانُهُمْ أَسِنَّةٌ وَسِهَامٌ، وَلِسَانُهُمْ سَيْفٌ مَاضٍ". وفي سِفْرِ أيُّوب 19: 2، يَقولُ أيُّوب: "حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَم؟" وَهَذا يُشيرُ إلى قُدرةِ اللِّسانِ المُدَمِّرَةِ على نَشْرِ الإشاعاتِ، وَنَشْرِ الأكاذيبِ المُغْرِضَةِ، وَنَشْرِ الشَّرِّ البَشِعِ لأنَّهُ نَارٌ لا يُمْكِنُ إطفاؤُها.
وَأنا أَتَذَكَّرُ أنَّ أبي قَالَ لي مَرَّاتٍ عَديدة: أكبرُ خَوفٍ لَديَّ في الخِدمَةِ هُوَ مَا قَد يَقولُهُ النَّاسُ". فَقد كانَ ذلكَ، وأعتقدُ أنَّهُ مَا يَزالُ، أكبَر خَوفٍ لَديهِ؛ أيْ أن يَقولَ شَخصٌ شَيئًا غَيرَ صَحيحٍ مِنْ شَأنِهِ أن يَهْدِمَ خِدْمَتَهُ. وَقد كانَ يَقول: "قَد يَقولُ النَّاسُ أيَّ شَيءٍ. قَد يَقولُ النَّاسُ أيَّ شَيءٍ. صَلِّ أنْ يَحميكَ اللهُ مِنْ شَرِّ ألسِنَةِ النَّاسِ الَّذينَ يَفْتَرونَ عَليكَ لأنَكَ لن تَتَمَكَّنَ يَومًا مِن إصلاحِ الضَّرَرِ الَّذي أَحْدَثُوه". فَاللِّسانُ نَارٌ. وَهُوَ شَيءٌ مُدَمِّر وَيَنبغي إبقاؤُهُ تَحتَ السَّيطرة.
وَقَد كَتَبَ "مورغان بليك" (Morgan Blake)، وَهُوَ كَاتِبٌ رِياضِيٌّ في صَحيفةِ أتلانتا (Atlanta Jouranl)، كَتَبَ شَيئًا مُدهِشًا. فَقد قالَ: "أنا مُميتٌ أكثرَ مِن قُنبلةِ المَدفَعِيَّةِ. فَأنا أَنتَصِرُ دُونَ حَتَّى أن أقتُل. وَأنا أُمَزِّقُ البُيوتَ، وأُمَزِّقُ القُلوبَ، وَأُدَمِّرُ الحَياةَ. وَأنا أُسافِرُ على أجنِحَةِ الرِّياحِ. وَلا تُوجَد بَراءَةٌ قَوِيَّةٌ جدًّا يُمكِنُ أن تُخيفَني، وَلا تُوجَدُ طَهارَةٌ طَاهِرَةٌ جِدًّا تُفْزِعُني. وَأنا لا أَخشى الحَقَّ، وَلا أحتَرِمُ العَدالَةَ، وَلا أَرْحَمُ العُزَّل. وَضَحايايَ أكثرُ مِن رِمالِ البَحرِ، وَغالِبًا يَكونونَ أبرياء. وَأنا لا أنسى شَيئًا وَنَادِرًا مَا أغفِر. أمَّا اسْمِي فَهُوَ النَّميمَة". لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 10: 19: "أَمَّا الضَّابِطُ شَفَتَيْهِ فَعَاقِلٌ". لا تَكُنْ وُقودًا لِنارِ أيِّ شَخص. وَلا تَكُن الحَطَبَ أوِ الفَحْمَ الَّذي يُبقِي النَّارَ مُشتَعِلَة.
ثُمَّ لاحِظُوا مَا جَاءَ في العَددِ السَّادِسِ مَرَّةً أخرى. فَنحنُ نَجِدُ هُنا، في اعتقادي، أقوى جُملةٍ قِيلت يَومًا عَن خَطَرِ الفَم. والحقيقةُ هيَ أنَّ الجُملةَ قَوِيَّةٌ جدًّا. وَلا أعتقدُ أنَّني أستطيعُ أن أَنقِلَ لَكُم كُلَّ مَا أُريد. فَمَهاراتي اللُّغَوِيَّة ليست كَافيةً للتَّعبيرِ عن ذلك. ولكنِّي أَثِقُ أنَّ رُوحَ اللهِ سيَفعلُ ذلك. فهذهِ أقوى جُملةٍ قِيلَت يَومًا عَن خَطَرِ اللِّسان. فَهِيَ تَقول: "فَاللِّسَانُ نَارٌ!" ثُمَّ إنَّها تَقولُ: "عَالَمُ [أو نِظامُ، أو "كوزموس kosmos"] الإِثْم". فَهُوَ "كوزموس" الإثم". نَجِدُ هُنا أربعةَ عَناصِر. "هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ [أو دُولابَ] الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ".
إنَّ هذهِ الجُملةَ مُذهلةٌ جدًّا. وَهِيَ تَحوي أربعةَ أجزاء. وأريدُ مِنكُم أن تُتابِعوها بِدِقَّة لأنَّها تُحَذِّرُنا مِن خَطَرِ اللِّسان. أوَّلاً، إنَّهُ نِظامُ الإثم. وَهَذا وَصْفٌ غَريبٌ للِّسان: "كوزموس" (kosmos). فَنحنُ نُتَرجِمُ الكلمةَ "كوزموس" غَالِبًا: "عَالَم"؛ ولكِنَّهُ عَالَمٌ لا بِمَعنى الأرضِ، وَلا بِمَعنى الأرضِ المَادِّيَّةِ، بَل نِظامُ الشَّرِّ. وَما يَقولُهُ هُوَ أنَّ اللِّسانَ هُوَ نِظامٌ شِرِّير. فَهُوَ نِظامٌ آثِمٌ، وَمُعادٍ، ومُتَمَرِّدٌ في طَبيعَتِنا البَشريَّة. وَهُوَ شَرٌّ مُسْتَفْحِلٌ جدًّا بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَن مِعيارِ الله. وَهُوَ مَركِزُ السُّلوكِ الأثيمِ في الإنسان. وَهُوَ يُضْرِمُ كُلَّ قُدُراتِنا في مُحاولةٍ مِنهُ لِجَرِّ الإنسانِ كُلِّهِ وَراءَ نِظامِهِ الشِّرِّير.
وَقد قَالَ أَحَدُ الشُّرَّاحِ: "إنَّهُ نُسْخَةٌ مُصَغَّرَةٌ مِنَ الشَّرِّ في أعضائِنا". فاللِّسانُ نِظامٌ فَاسِدٌ، وشِرِّيرٌ وَأثيمٌ في بَشَرِيَّتِهِ الجَسديَّة. وَلا يُوجَدُ عُضوٌ آخرُ يَستطيعُ أن يُحْدِثَ دَمَارًا شَامِلاً مِثلَ اللِّسان. لِذا فإنَّنا نَقولُ [أوَّلاً] إنَّهُ في ذاتِهِ وَنَفسِهِ نِظامٌ شِرِّير. فَهُوَ شَبَكَةٌ تُنشِئُ الشَّرَّ. ثَانيًا، لاحِظُوا كيفَ أنَّ الأمرَ يَبتَدِئُ في التَّوَسُّعِ الآن. ثَانيًا، "هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ". فَهُوَ في ذَاتِهِ نِظامُ إثْمٍ. ثُمَّ إنَّهُ يُدَنِّسُ الجِسْمَ كُلَّهُ. فَهُوَ يُشبِهُ الدُّخانَ المُتَصاعِدَ مِنَ النَّارِ إذْ إنَّهُ يُفسِدُ كُلَّ شَيءٍ لا يَحتَرِق. فَهُوَ يُفْسِدُ كُلَّ شَيء. وَأنا أَذكُرُ عندما كُنتُ في الجَامِعَةِ أنَّ مَتْجَرًا احتَرَقَ. وبَعدُ مُدَّةٍ وَجيزةٍ قَالَ الجَميع: "هُناكَ خُصوماتٌ كَبيرةٌ في ذلكَ المَتجَر بِسَبَبِ الحَريق!"
وَقد ذَهبتُ إلى هُناكَ لأنِّي كُنتُ بِحاجَةٍ إلى مَلابِسَ رِياضِيَّة ولم يَكُن لَديَّ مَالٌ كَثير. وَقد كَانُوا يَبيعونَها آنذاكَ بتسعة دُولاراتٍ قَائِلينَ إنَّها بِضاعَةٌ مُتَضَرِّرَةٌ بسببِ الدُّخان. وَقد قُلتُ: "لا بأسَ في ذلك. سَوفَ أشتريها مِنَ المَتجَرِ وَأرتَديها بَعدَ بِضعةِ أيَّام حيثُ إنَّ رَائحةَ الدُّخانِ ستَكونُ قَد زَالَت وَلا سِيَّما إنْ عَلَّقتَها في الهَواءِ الطَّلْقِ"، أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل. ولا يُمكنُني أن أنسى أنَّني كُلَّما كُنتُ أرتَدي تلكَ المَلابِسِ الَّتي صِرْتُ أَمْقُتُها ولكنِّي لم أتمكَّن مِنَ التَّخلُّصِ مِنها بسببِ حَاجَتي إليها، بَل كُنتُ أرتَديها كَثيرًا، كَانت رَائِحَةُ الدُّخانِ تَنبَعِثُ مِنِّي. وَأنا أعلَمُ أنَّ كُلَّ شَخصٍ كُنتُ أَلتَقيهِ كانَ يَظُنُّ أنِّي مُدَخِّنٌ شَرِه. وَكما هِيَ حَالُ الدُّخانِ المُتصاعِدِ مِنَ النَّارِ، أَتَذَكَّرُ لَونَ تلكَ المَلابِسِ إذْ إنَّ لَونَها كَانَ أزرَق فَاتِح. وَقد كانَت قَبيحة على أيَّةِ حَال. ولكِّنَّ اللِّسانَ يُشبِهُ الدُّخانَ الَّذي يَترُكُ رَائِحَةً مُنَفِّرَةً على كُلِّ شَيءٍ لم يَحتَرِق. لِذا فإنَّ اللِّسانَ نَارٌ مُسْتَعِرَة. وَإنْ وُجِدَ شَيءٌ لا يُمكِنُه أن يَلْتَهِمَهُ فإنَّهُ يُفْسِدُهُ بِرائِحَتِهِ الكَريهَةِ المُنَفِّرَة.
لِذا، يُوجَدُ في جَسَدِكَ، خَلفَ لِسانِكَ، وفي إطارِ سُورِ فَمِكَ، يُوجَدُ نِظامُ إثْمٍ يُريدُ أن يَنطَلِقَ لِيَفعلَ مَا يَشاء. وَقد سَمِعتُم ذلكَ مَرَّاتٍ عَديدة. وَما يَفعلُهُ هُوَ أنَّهُ يُفْسِدُ شَخصيَّتَكَ بأسرِها بِتلكَ الرَّائحةِ الكَريهَةِ، أو حَتَّى إنَّهُ يُضْرِمُ النَّارَ بِواسِطَةِ نَواياه الخَبيثَة. ويَعقوبُ يَقولُ إنَّهُ مَوجودٌ في أعضائِنا. فَهُوَ مَوجودٌ في أعضائِنا؛ أيْ أعضاءِ جَسَدِنا. وَهَذا يَعني أنَّهُ مَوجودٌ في كُلِّ قُدراتِنا البَشريَّة. واللِّسانُ يُفْسِدُها كُلَّها. وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "يُدَنِّس". وَهذهِ كَلِمَةٌ نَابِضَةٌ بالحَياة. وَهِيَ تُستخدَمُ في العَدد 23 مِن رِسالةِ يَهوذا وتَعني: "يُلَوِّث". فَهُوَ يَقولُ: "وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ، مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ الْمُدَنَّسَ [أوِ المُلَوَّث] مِنَ الْجَسَدِ" إشارةً إلى شَيءٍ سَيِّءٍ جدًّا أو شِرِّير أو فَاسِد.
لِذا، لاحِظُوا مَا يَلي: اللِّسانُ القَذِرُ يَجعلُ صَاحِبَهُ قَذِرًا. واللِّسانُ القَذِرُ يُدَنِّسُ الإنسانَ كُلَّهُ. فَعالَمُ الإثْمِ الَّذي يَعيثُ فَسادًا في فَمِكَ إمَّا أنْ يَحْرِقَكَ أو أنْ يُدَنِّسَ جَسَدَكَ كُلَّهُ. وَهَذا هُوَ مَا يَتحدَّثُ عَنهُ الأصحاحُ السَّابعُ مِن إنجيل مَرقُس إذْ نَقرأُ في العَدد 20: "إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ". ونَقرأُ في العَدد 23: "جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ". وَما هِيَ هذهِ الأشياء؟ إنَّهُ يَذكُرُ مِنها المَكْر، والعَهارة، والتَّجديف، والكِبرياء، والجَهل. فهذهِ الخَطايا تَصْدُرُ عَنِ اللِّسان. وَحَتَّى إنَّ الخَطايا الأخرى يُمكِنُ أن تَكونَ مُرتبطةً باللِّسان. لِذا فإنَّ الإنسانَ يَتَدَنَّسُ أخلاقِيًّا بِجُملةٍ واحِدَةٍ تَصْدُرُ عَنِ اللِّسان. والكلمة "جِسْم" هُنا في الجُملةِ الَّتي تَقولُ إنَّ اللِّسانَ "يُدَنِّسُ الجِسْمَ كُلَّهُ" تَعني ببساطَة: الإنسانَ كُلَّهُ. فالكلمة "جِسْم" تُستخدَمُ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي تُستخَدَمُ فيها الكلمة "نَفس" إذْ إنَّها لا تُشيرُ فقط إلى الجَسَدِ المَادِّي، بل تُشيرُ إلى الإنسانِ كُلِّه.
إذًا، أوَّلاً: يُوجَدُ في فَمِكَ نِظامُ إثْم. ثَانيًا: هذا النِّظامُ يُدَنِّسُكَ وَيَحرِقُكَ بِجُملَتِكَ. ثُمَّ انظروا إلى الجُزءِ الثَّالثِ مِنَ الآية. وَهذا أمرٌ مُدهشٌ جدًّا. وَهُوَ يَتوسَّعُ في الوَصْفِ مَرَّةً أخرى: "وَيُضْرِمُ كُلَّ نِطاقِ الطَّبيعَةِ" (كَما تَقولُ التَّرجمةُ المُعتَمَدة). ولكِنَّ التَّرجَمَةَ الأَدَقَّ هِيَ: "وَيُضْرِمُ [بِصيغَةِ المُضارِع] دَائِرَةَ الحَياة". وَما المَقصودُ بذلك؟ إنَّ الفِكرةَ هِيَ الانتشار. فأوَّلاً، إنَّهُ نِظامُ إثْم. ثَانِيًا، إنَّهُ يُدَنِّسُ الإنسانَ كُلَّهُ. والآن، إنَّهُ يُضْرِمُ النَّارَ [بِحَسَبِ النَّصِّ اليُونانِيِّ] في "دُولابِ الوِلادَةِ" أو "دَائِرَةِ الحَياة". وَما مَعنى ذلك؟ أيْ: كُلَّ دَوْرَةِ حَياتِك. فَالأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنَّ اللِّسانَ يُدَنِّسُكَ، بل إنَّهُ يَمَسُّ كُلَّ شَيءٍ تَلْمَسُهُ. وَهُوَ يُؤثِّرُ في كُلِّ دَورةِ حَياتِكَ. فَهُوَ يُؤثِّرُ في مَا هُوَ أكثر مِنَ الجَسَد لأنَّهُ يَمَسُّ كُلَّ شَيءٍ مَوجود في دَائِرَةِ حَياتِك.
فالنَّاسُ يَعرِفونَكَ مِن خِلالِ كَلامِكَ. أليسَ كذلك؟ فَهُم يَعرِفونَكَ مِن خِلالِ الطَّريقةِ الَّتي تَتكلَّمُ بها. وتَأثيرُ اللِّسانِ يَمْتَدُّ خَارِجَ نِطاقِ فَمِكَ لِيُدَنِّسَ جَسَدَك. وَتَأثيرُهُ يَمْتَدُّ خَارِجَ نِطاقِ جَسَدِكَ لِيَمَسَّ كُلَّ دَائرةِ النَّاسِ الَّذينَ تَحْتَكُّ بِهم. فالنَّميمَةُ القَبيحَةُ، والإشاعاتُ، والقَدْحُ، والذَّمُّ، والأكاذيبُ، والكَلامُ الشِّرِّيرُ يُمكِنُ أن تُدَنِّسَ وَتُلَوِّثَ وَتُدَمِّرَ عَائلةً بأسرِها، أو مَجموعَةً بأسرِها مِنَ النَّاسِ، أو مَدرسةً، أو كَنيسةً، أو مُجتَمَعًا. ثُمَّ إنَّهُ يَتحَدَّثُ عن عَامِلٍ رَابِعٍ؛ وَهذهِ هِيَ أكثرُ عِبارةٍ تُعَبِّرُ عَنِ خَطَرِ اللِّسان. فَهُوَ يَقولُ في نِهايةِ العَددِ السَّادِس: "وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ". وَالفِعلُ هُنا يَرِدُ بِصيغَةِ المُضارعِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَفعلُ ذلكَ عَادَةً إذْ إنَّهُ يُضْرَمُ مِن جَهَنَّم. وَهذهِ فِكرةٌ نَابِضَةٌ جدًّا بالحَياة.
والكلمة "جَهَنَّم" هِيَ "جيهَنَّا" (Gehenna). والكلمة "جَهَنَّم" تَحتاجُ إلى تَفسير. فَهِيَ كلمة مُستخدمة في كُلِّ العهدِ الجديدِ في الأناجيلِ فقط. وَهَذا هُوَ الاستِثناءُ الوَحيد. فَهذهِ هِيَ المَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي تَرِدُ فيها هذهِ الكَلمةُ خَارِجَ الأناجيل، وتَحديدًا خَارِجَ إنجيلِ مَتَّى وَمَرقُس ولُوقا. وَقَدِ استَخدَمَها الرَّبُّ مَا لا يَقِلُّ عَنْ عَشْرِ مَرَّاتٍ مُدَوَّنَة. وَقدِ استَخدَمَ الكلمة "جَهَنَّم" دائمًا للإشارةِ إلى مَوْضِعِ الحَرْقِ الأبديِّ الَّذي ستَذهبُ إليهِ النُّفوسُ المُدانَة. ويُمكنُكم أن تَقرأوا إنجيلَ مَتَّى وَلُوقا وَتَرَوْا المَرَّاتِ الَّتي استَخدَمَها فيها. فَجَهَنَّم هِيَ المَكانُ الَّذي لا تُطفأُ النَّارُ فيه، والمَكانُ الَّذي لا يَموتُ الدُّودُ فيه، والمَكانُ الَّذي لا يُرْوَى فيهِ الظَّمَأ. فَهُوَ ذلكَ المَكانُ الَّذي سَيَبقى مُشتَعِلاً إلى الأبد. ولكِن مَا مَعنى الكلمة "جيهَنَّا" (Gehenna)؟
إنَّها تُتَرْجَمُ "جَهَنَّم" أحيانًا، ولكِنَّ الآيةَ تَقولُ ببساطَة: "وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ". وَما هِيَ "جَهَنَّم"؟ في الجَنوبِ الغَربِيِّ مِن أورُشَليم، وَقَفْتُ على مَشارِفِ جَبَلِ صِهْيَوْن. وَإذا نَظرتُم إلى الجَنوبِ، ولا بُدَّ أنَّ بَعضًا مِنكُم زَارَ ذلكَ المَكان، يُمكِنُكم أن تَرَوْا وَادِيًا سَحيقًا يَمْتَدُّ مِن طَرَفِ ذلكَ الجُرْف. وَهُوَ وَادٍ سَحيقٌ يُعْرَفُ بِوادي هِنُّوم. وَالكلمة "جيهَنَّا" (Gehenna) تُشيرُ إلى وَادي هِنُّوم. فَهِيَ الكلمةُ اليُونانِيَّةُ المُرادِفَةُ للعبارةِ العِبريَّةِ "وَادي هِنُّوم". جِيهَنَّا. والآن، اسمَحوا لي أن أُحَدِّثَكُم قَليلاً عن ذلكَ المَكان. في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني 23: 10، ولا حَاجَةَ إلى أن تَفتَحوا عَليه، ولكِن في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني 23: 10، جَاءَ المَلِكُ يُوشِيَّا. هَل تَذكُرونَ أنَّ المَلِكَ يُوشِيَّا جَاءَ وَصَنَعَ نَهضَةً عَظيمةً، وَأعادَ بَني إسرائيلَ إلى الله؟
وَواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي صَنَعَها هُوَ أنَّهُ أَزالَ الأصنامَ. وَواحِدٌ مِن مَظاهِرِ عِبادَةِ الأصنامِ هُوَ تَقديمُ الذَّبائِحِ البَشريَّة. فَقد كانَ عَبَدَةُ "مُوْلَك" يَعبُدونَ هَذا الإلَهَ الزَّائِفَ بِتَقديمِ أطفالِهم مُحْرَقاتٍ. فَقد كَانُوا يُقَدِّمونَ حَرفِيًّا مُحْرَقاتٍ بَشريَّة. وعندما جَاءَ يُوشِيَّا وَصَارَ مَلِكًا على يَهوذا، نَهَى جَميعَ عَابِدي مُوْلَك عَنْ حَرْقِ أطفالِهم أحياءً. وبالمُناسَبة، كَانَ الإلَهُ مُولَك يَأخُذُ شَكْلَ ثَوْرٍ. فَهُوَ عَلى هَيْئَةِ ثَوْرِ يَمُدُّ قَائِمَتَيْهِ. وبَيْنَ هَاتَيْنِ القَائِمَتَيْنِ كَانُوا يُوْقِدونَ نَارًا. وَكانَ الأطفالُ الصِّغارُ يُوْضَعونَ بَيْنَ يَدَيِّ مُوْلَك وَيُقَدَّمونَ مُحْرَقاتٍ بَشريَّة. ولكِنَّ يُوشِيَّا أَوْقَفَ تلكَ الذَّبائِحِ الَّتي كَانَتْ تُقَدَّم في وَادي هِنُّوم.
إذًا، مُنذُ القَديمِ، كَانَ وَادي هِنُّوم مَكانًا للحَرْقِ، وَكانَت تَنبَعِثُ مِنهُ رَائِحَةُ أجسادِ الأطفالِ المُحتَرِقَة. ثُمَّ صَارَ اليَهودُ يُبْغِضونَ جدًّا ذلكَ المَكان. وَصارَ ذلكَ الوَادي السَّحيقُ المُطِلِّ على سَهْلِ أورُشَليم مَزْبَلَةَ المَدينة. فَقد كانتِ النُّفاياتُ والأوساخُ وجِيَفُ الحَيَواناتِ المَيِّتَةِ وَجُثَثُ المُجرِمينَ تُطْرَحُ في وَادِي هِنُّوم أو "جيهَنَّا". ومِنْ أجلِ حَرْقِ تلكَ النُّفاياتِ الكَثيرةِ في أورُشَليم، ومِن أجلِ حَرْقِ جِيَفِ الحَيَواناتِ وَجُثَثِ المُجرِمينَ الَّتي تُطْرَحُ هُناكَ، كانتِ النَّارُ تَبقَى مُشتَعِلَةً طَوالَ الوقت. وَقد كانت تَنبَعِثُ مِنها رَائِحَةٌ مُقَزِّزَة بسببِ احتراقِ النُّفاياتِ والجِيَفِ حَتَّى صَارَ ذلكَ الوَادي يُعْرَفُ بِجَهَنَّم النَّار لأنَّ النَّارَ لم تَكُن تَنطَفِئُ فيه.
لِذا فقد صَارَت "جيهَنَّا" رَمْزًا مُلائِمًا للنَّارِ المُشتَعِلَة دائِمًا والدُّودِ الزَّاحِفِ إشارةً إلى جَهَنَّمَ المُستقبليَّةَ الَّتي تَنتَظِرُ غَيرَ الأبرار. وَقد قَالَ يَسوعُ إنَّهُ في جَهَنَّمَ تلكَ فإنَّ النَّارَ لن تَنطَفِئ البَتَّة. لِذا، يُمكِنُ القَولُ إنَّ جَهَنَّمَ هِيَ مَكانُ جَمْعِ نُفايةِ الكَونِ إلى الأبد. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا أنَّ اللِّسانَ هُوَ نِظامُ إثْمٍ مُستَقِلٌّ بِذاتِهِ، ولكِنَّهُ يُؤثِّرُ في الإنسانِ كُلِّهِ مِن خِلالِ إخراجِ نُفايَتِهِ. وَهُوَ يُدَنِّسُ وَيَحْرِقُ كُلَّ دَائرَةِ الحَياةِ بِحَسَبِ قُوَّةِ تَأثيرِ كُلِّ شَخصٍ. وَهُوَ العُضْوُ الَّذي يَبتَدِئُ ذلكَ التَّأثيرَ بِأسرِه. وَهُوَ يُضْرَمُ مِن جَهَنَّمَ ذَاتِها. بِعبارةٍ أخرى، إنَّ مَنْ يَقِفُ وَراءَ ذلكَ كُلِّهِ هُوَ الشَّيطان.
فاللِّسانُ الَّذي تَمْلِكونَهُ وَأمْلِكُهُ هُوَ أداةٌ بِيَدِ الشَّيطانِ لِتَدنيسِ كِيانِكَ كُلِّه، ولِتَدنيسِ حَياتِكَ بِأسرِها. وَهُوَ يُضْرَمُ مِن جَهَنَّمَ، وَيَقودُ إلى جَهَنَّم. وهذا وَصْفُ قَوِيٌّ جدًّا. أليسَ كذلك؟ فَيا لَهُ مِن وَصْفٍ لِخَطَرِ اللِّسانِ وقُدرَتِهِ على التَّدنيس. فَهُوَ خَطيرٌ جدًّا... خَطيرٌ جدًّا. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ يَعقوبَ مُهْتَمٌّ جدًّا بأنْ نَضْبِطَ لِسانَنا لكي نُمَجِّدَ اللهَ وذلكَ بسببِ قُدرَةِ اللِّسانِ الهَائِلَة. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ مَا جَاءَ في المَزمور 55: 21 إذْ يَقولُ دَاوُد: "أَنْعَمُ مِنَ الزُّبْدَةِ فَمُهُ، وَقَلْبُهُ قِتَالٌ. أَلْيَنُ مِنَ الزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ، وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ".
فَأحيانًا، يَكونُ اللِّسانُ نَاعِمًا جدًّا حَتَى إنَّنا نَظُنُّ أنَّهُ يَنوي خَيرًا؛ في حينِ أنَّهُ يَنوي شَرًّا. لِذا، لا بُدَّ مِن ضَبطِه. وكُلُّ مُؤِمنٍ يُدركُ أنَّهُ مَا يَزالُ يُوجَدُ في سُقوطِهِ، وَفي جَسَدِهِ، وَفي طَبيعَتِهِ البَشريَّةِ بَقايا مِنْ قُدرةِ اللِّسانِ على إلْحاقِ الأذَى. فَلِسانُكَ، يا صَديقي العَزيز، لم يُمَجَّد بَعْد. ولكِن ألَنْ يَكونَ مِنَ الرَّائعِ أن نَحصُلَ على لِسانٍ مُمَجَّدٍ لا يَفعلُ شَيئًا سِوى تَسبيحِ اللهِ وَالتَّكلُّمِ بالبِرّ؟ لِذا، يَجِبُ علينا أن نَضبِطَ لِسانَنا بسببِ قُدرَتِهِ على الإدانَةِ، وبسببِ قُدرَتِهِ على السَّيطرةِ، وبسببِ قُدرَتِهِ على التَّدنيس. رابِعًا، أَلاَ لاحَظتُم مَا يَقولُهُ العَددان 7 و8؟ سَوفَ أتحدَّثُ بإيجازٍ شَديدٍ، وأتكلَّمُ مُباشرةً، وَأُحاوِلُ أن أُفَسِّرَ هَاتينِ الآيَتَيْنِ مَعًا مِن أجلِ مُساعَدَتِكُم على التَّركيز.
وَأنا أُسَمِّي ذلكَ: مَيْلُ اللِّسان إلى الخِصام. وَما أعنيهِ بِمَيلِهِ إلى ذلكَ هُوَ أنَّهُ كَذلكَ بِطَبيعَتِه. فَهُوَ جَامِحٌ، وَغيرُ مُرَوَّض، وَمُتُوَحِّش، وَغير مُهَذَّب، وَغَير مُنضَبِط، وَلا يُضْبَط، وَغيرُ مَسؤولٍ. واللِّسانُ سَيُقاوِمُ كُلَّ مُحاولةٍ لِضَبطِه. هَل لاحَظتُم ذلك؟ فَهُوَ يَرغَبُ في السَّيطرة، ولا يُريدُ لأحدٍ أن يُسيطِرَ عَليه. لِذا، لاحِظُوا مَا جَاءَ في العَدَدَيْنِ السَّابِعِ والثَّامِن: "لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ. وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا". وَمَا يَقولُهُ هُنا هُوَ أنَّ اللِّسانَ لا يُذَلَّل. فَهُوَ مُتَوَحِّشٌ بِطَبيعَتِه. وَهُوَ غَيرُ مُتَمَدِّن، وَغيرُ مُنضَبِطٍ، وَلا يُمكِنُ تَرويضُهُ بَشريًّا. لِذا فإنَّهُ خَطِرٌ جدًّا.
والألسِنَةُ الَّتي لم تَختَبِر التَّجديدَ أكثرُ خَطَرًا. وَمِنَ المُدهِشِ... مِنَ المُدهِشِ أنَّهُ إنْ أرادَ شَخصٌ أن يَرْفَعَ دَعْوَى على كَنيسةِ النعمة (Grace Community Church) فإنَّهُ يَستطيعُ أن يَستخدِمَ لِسانَهُ لإضرامِ النَّارِ في جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ وَالطَّعْنِ في كُلِّ مَا نُؤمِنُ به. ولكِنَّ هَذا هُوَ في الحَقيقةِ مَا يَحدُث. واللِّسانُ لا يُمكِنُ تَذليلُه. ويَعقوبُ يَقولُ إنَّ اللهَ أعطَى الإنسانَ القُدرةَ على تَرويضِ الحَيَوانات. وَهَذا مَذكورٌ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ التَّكوين. وَحَتَّى بَعدَ السُّقوط، قَالَ اللهُ لِنُوح إنَّهُ سَيَتَمَكَّنُ مِنْ جَمْعِ كُلِّ الحَيَواناتِ في الفُلْك. فعندما قَالَ اللهُ: "اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَى الْفُلْكِ"، فإنَّهُ أعطَى نُوحًا القُدرةَ على السَّيطرةِ على تلكَ الحَيَواناتِ وَالتَّحَقُّقِ مِن دُخولِها إلى الفُلْكِ اثنَيْن اثنَيْن. واليوم، مَا يَزالُ الإنسانُ مُسيطِرًا، وَما يَزالُ الإنسانُ قَادِرًا على تَرويضِ الحَيَوانات.
فَإن ذَهبتُم إلى سِيركٍ سَتَرَوْنَ أُسودًا مُرَوَّضَة. وأنتُم تَرَوْنَ شَخصًا يُقْحِمُ رَأسَهُ في فَمِ أَسَد! وَلا بُدَّ أنَّكُم رَأيتُم أشخاصًا يَمْتَطونَ ظَهْرَ حِيْتانٍ قَاتِلَة. وَما أعنيه هُوَ أنَّ الإنسانَ بِصورةٍ عَامَّةٍ يَستطيعُ أن يُرَوِّضَ الحَيَواناتِ البَرِّيَّةَ المُتَوَحِّشَةَ والضَّخمةَ والقَويَّةَ، وَأنْ يُخْضِعَ الحَيَواناتِ الأكثرَ شَراسَةً والأكثرَ فَتْكًا. وَقد رأيتُ أشخاصًا، ولا بُدَّ أنَّكُم رَأيتُموهُم أيضًا، يُمسِكونَ الأفاعي وَيَسمَحونَ لها بالزَّحفِ على جَميعِ أجزاءِ أجسادِهم. فَقَد تَمَكَّنُوا مِن تَذليلِها. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ السَّابعِ إنَّ "كُلَّ طَبْعٌ" ("فوسيس" – "phusis")، أو: "كُلَّ جِنْسٍ مِنها"، ثُمَّ إنَّهُ يُسَمِّي صِنْفانِ: وَاحِدٌ يَدُبُّ على الأرضِ والثَّاني يَطير. فَهُوَ يَذْكُرُ الحَيَواناتِ الَّتي تَدُبُّ على الأرضِ، والطُّيور الَّتي تَطير، ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ الحَيواناتِ الَّتي تَسْبَحُ وتلكَ الَّتي تَزحَف. فالحَيَواناتُ الَّتي تَدُبُّ وَتَطيرُ هِيَ الوُحوشُ والطُّيور. والحَيَواناتُ الَّتي تَزحَفُ وَتَسبَحُ هِيَ الأفاعي والكَائِنات البَحريَّة.
ولا شَكَّ في أنَّ المَرتبةَ الأولى مِنَ الحَيَواناتِ هِيَ تلكَ الَّتي تَدُبُّ على الأرضِ والَّتي تَطير، وَأنَّ المَرتَبَةَ الثَّانِيَةَ مِنها هِيَ تلكَ الَّتي تَسْبَحُ والَّتي تَزحَف. والكلمة "وُحُوش" هِيَ تَرجمة للكلمةِ اليُونانِيَّةِ "ثيريون" (therion)، وَهِيَ لا تُستخدَمُ البَتَّة لِوَصفِ الحَيَواناتِ الدَّاجِنَة. ولكِنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يُرَوِّضَ الحَيَواناتِ البَرِّيَّة. وَهُوَ يَستطيعُ أن يُرَوِّضَ الطُّيورَ، ويَستطيعُ أن يُرَوِّضَ الزَّواحِفَ، ويَستطيعُ أن يُرَوِّضَ الكَائِناتِ البَحريَّة. وَنَحنُ جَميعًا نَعلَمُ ذلك. فَكُلُّ طَبْعٍ لتلكَ الحَيَواناتِ "يُذَلَّل" [بِصيغةِ المُضارِع] إشارةً إلى أنَّها تُذَلَّلُ بِصورةٍ مُستمرَّة. فَقد كانت وَما تَزالُ طَوالَ تَاريخِ الإنسانِ تُذَلَّل. ولكِن ليسَ بِمَقدورٍ أحدٍ أن يُذَلِّلَ اللِّسان. "وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ". فَلا أحدَ يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك. "دُوناماي" (dunamai). فَلا أَحَدَ يَمْلِكُ القُدرةَ على القِيامِ بذلك، وَلا حَتَّى بينَ صُفوفِ المُؤمِنين. فاللِّسانُ يُكَسِّرُ قُضْبانَ سِجْنِه. أليسَ كذلك؟ وَلا يُمكِنُنا أن نُذَلِّلَهُ.
ويَعقوبُ لا يَقولُ...لاحِظُوا مَا يَلي: يَعقوبُ لا يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُ أن يُذَلَّل، بَل يَقولُ إنَّهُ لا يُوجَدُ إنسانٌ يَستطيعُ أن يُذَلِّلَهُ. وَهُناكَ فَرقٌ. هَل فَهِمتُم ذلك؟ فَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُ تَذليلُه، بَل يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُ للإنسانِ أن يُذَلِّلَهُ. إذًا، مَن يَستطيعُ أن يُذَلِّلَهُ؟ اللهُ يَستَطيعُ أن يُذَلِّلَهُ بِقُوَّتِه. فإن كانت أوَّلُ خَطِيَّةٍ مُدَوَّنَة بعدَ السُّقوطِ قَد جَاءَت مِن لِسانٍ غَير مُذَلَّل، وَهِيَ كذلك، حينَ أَلقى آدَمُ اللَّوْمَ على اللهِ، فإنَّ أوَّلَ فِعْلٍ للخَليقةِ الجَديدةِ والكَنيسةِ هُوَ تَذليلُ اللِّسانِ لأنَّ أوَّلَ شَيءٍ حَدَثَ بعدَ أنْ حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ هُوَ أنَّ جَميعَ الحَاضِرينَ حَصَلُوا عَلى أَلْسِنَةٍ مُنْقَسِمَةٍ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَرَاحُوا يَتكلَّمونَ حَالاً بِعَظائِمِ اللهِ الرَّائعة. فَأوَّلُ خَطِيَّةٍ كانَت خَطِيَّةَ لِسان. وَعندَ وِلادةِ الكَنيسةِ، تَكَلَّمَ اللِّسانُ المُطَهَّرُ بعَظائِمِ اللهِ الرَّائعة.
ولكِنَّ يَعقوبَ يَقولُ هُنا إنَّ عَجْزَ الإنسانِ التَّامّ عَنْ ضَبْطِ لِسانِهِ الهَمَجِيِّ المُتَوَحِّشِ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ شَرٌّ مُسْتَفْحِلٌ. فَهُوَ مُستعِدٌّ دَائِمًا للهُجوم. وَهُوَ يُحَارِبُ أيَّةَ مُحاولةٍ لِتَذليلِه. فَهُوَ لا يُريدُ أن يُضْبَط. والكَلِمَةُ المُتَرجَمَة "لا يُضْبَط" هِيَ نَفسُ الكلمة المُتَرجَمَة "مُتَقَلْقِل" في رِسالةِ يَعقوب 1: 8؛ وَهِيَ تَرجمة للكلمة "أكاتاستاتون" (akatastaton). ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ إنَّ اللِّسانَ سُمٌّ شِرِّيرٌ أو سُمٌّ مُميتٌ. فَالأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنَّهُ حَيَوانٌ هَائِجٌ أوْ وَحْشٌ مَحْبوسٌ وَيُريدُ أن يَتَحَرَّرَ مِن قُيودِه، بَل إنَّهُ بَعدَ أن يَتحرَّرَ مِن قُيودِهِ فإنَّهُ يَحْمِلُ المَوتَ أو يَنْفُثُ السُّمَّ كَما هِيَ حَالُ أنيابُ الحَيَّات. وَنَقرأُ في رِسالة رُومية 3: 13: "سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ". وَهَل تَذكُرونَ مَا جَاءَ في المَزمور 140: 3؟ "سَنُّوا أَلْسِنَتَهُمْ كَحَيَّةٍ. حُمَةُ الأُفْعُوَانِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ". فاللِّسانُ يُشبِهُ أَفعى مُميتَة تَنْفُثُ السُّمَّ القَاتِل. فَاللِّسانُ عُضْوٌ قَاتِل.
وفي المَزمورِ الرَّابِعِ والسِّتِّين، في الأعدادِ العَشْرَةِ مِن هَذا المَزمورِ، استَمِعُوا وَحَسْب إلى مَا يَقولُهُ: "اِسْتَمِعْ يَا اَللهُ صَوْتِي فِي شَكْوَايَ. مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ احْفَظْ حَيَاتِي. اسْتُرْنِي مِنْ مُؤَامَرَةِ الأَشْرَارِ، مِنْ جُمْهُورِ فَاعِلِي الإِثْمِ، الَّذِينَ صَقَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ كَالسَّيْفِ"، أيْ شَحَذُوهُ. فَصَقْلُ السَّيفِ يَعني شَحْذُهُ. "الَّذِينَ صَقَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ كَالسَّيْفِ، فَوَّقُوا سَهْمَهُمْ كَلاَمًا مُرًّا، لِيَرْمُوا الْكَامِلَ فِي الْمُخْتَفَى بَغْتَةً". وَالكَامِلونَ هُمُ الأبرار. "يَرْمُونَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ. يُشَدِّدُونَ أَنْفُسَهُمْ لأَمْرٍ رَدِيءٍ. يَتَحَادَثُونَ بِطَمْرِ فِخَاخٍ. قَالُوا: «مَنْ يَرَاهُمْ؟»".
"يَخْتَرِعُونَ إِثْمًا، تَمَّمُوا اخْتِرَاعًا مُحْكَمًا. وَدَاخِلُ الإِنْسَانِ وَقَلْبُهُ عَمِيقٌ. فَيَرْمِيهِمِ اللهُ بِسَهْمٍ. بَغْتَةً كَانَتْ ضَرْبَتُهُمْ. وَيُوقِعُونَ أَلْسِنَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. يُنْغِضُ الرَّأْسَ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَسوفَ يَقلِبُ اللهُ ألسِنَتَهُم عَليهِم. ولكِنَّ ألسِنَتَهُم تُشبِهُ السِّهامَ والرِّماحَ والسُّيوفَ. فاللِّسانُ قَاتِلٌ. هَل تَذكُرونَ رُؤساءَ بَني عَمُّونَ الَّذينَ كَانُوا يَمْلِكونَ ألسِنَةً كَألسِنَةِ الحَيَّاتِ إذْ إنَّهُم تَكَلَّمُوا بالأكاذيبِ على دَاودَ وَاتَّهُموهُ بالرِّياءِ مِن أجلِ إرضاءِ "نَاحَاش" المَلِك وابنِهِ "حَانُون"؟
وَبسببِ ذلك، جَمَعَ المَلِكُ جَيشًا مِن آلافٍ مِن جَيْشِهِ، وَضَمَّ إليهِ مُرْتَزَقَةً مِن نَحوِ ثَلاثينَ ألفَ جُنديٍّ مِنَ المُشاةِ وَآخَرينَ وَأرسَلَهُم للقَضاءِ على دَاوُد بسببِ تلكَ الكِذبَةِ وَمِن دُونِ مُبَرِّر. وَبسببِ تلكَ الكِذبَة تَمَّ قَتْلُ سَبْعَ مِئَةِ مِنْ رَاكِبي المَرْكَباتِ الأشورِيِّينَ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَماتَ قَائِدُ جَيشِهم. كُلُّ ذلكَ بسببِ كِذْبَةِ رَجُلٍ واحِد. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ اللِّسانَ المَسْمومَ لِهَامانَ الَّذي كَانَ أداةً بِيَدِ الشَّيطانِ لإبادَةِ اليَهودِ مِن قِبَلِ إمبراطورِيَّةِ مَادي وَفارِس في سِفْر أسْتير؛ ولكِنَّ اللهَ أنقَذَهُم مِن خِلالِ مُرْدَخاي وَأسْتير. أمَّا هَامانُ الَّذي دَبَّرَ تلكَ المُؤامَرَة بِلِسانِهِ الشِّرِّير فَعُلِّقَ على الخَشَبَةِ الَّتي صَنَعَها لليَهود.
وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ الأشخاصَ الأشرارَ الَّذينَ كَذَبوا على المَلِكِ صِدْقِيَّا بِشأنِ إرْميا وَطَرَحوهُ في الجُبِّ حيثُ غَاصَ في الوَحْلِ في سِفْر إرْميا والأصحاح 38. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ شِفاهَ قَادَةِ اليَهودِ الخَبيثَةِ والمَاكِرَةِ والسَّامَّةِ إذْ إنَّهُم اتَّهُموا أعظمَ نَبِيٍّ جَاءَ يَومًا (أيْ يُوحَنَّا المَعمَدان) بأنَّهُ مِنَ الشَّيطانِ، واتَّهَمُوا ابنَ اللهِ الخَالي مِنَ الخَطِيَّةِ بأنَّهُ شَرِهُ، وسِكِّيرٌ، وَصَديقٌ للمُشَرَّدينَ، وَخاطِئٌ بِهِ شَيطان. وبسببِ ذلكَ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان والمَسيح للقَتل. فَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ تَعَرَّضُوا للقَتلِ بسببِ سُمِّ اللِّسانِ القَاتِلِ؛ بِمَن فِيهِم رَبُّنا. وَقد تَآمَرَ أعداءُ الإنجيلِ ذُوِي الألسِنَةِ النَّارِيَّةِ وَطَلَبُوا سِرًّا مِن رِجالٍ أن يَكذِبُوا بشأنِ استفانوس وَأن يَقولوا إنَّهُ جَدَّفَ على مُوسَى وَعلى الله.
وَقَد هَيَّجُوا النَّاسَ بكلماتِهم وَرَجَموهُ حَتَّى المَوت (كَما يُخبِرُنا الأصحاحُ السَّادسُ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل). وعندما وَصَلَ بُولُس إلى أورُشَليم (في الأصحاحِ الحَادي والعِشرينَ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل)، هَيَّجَ اليَهودُ الَّذينَ مِن أَسِيَّا النَّاسَ ضِدَّهُ، واتَّهُموهُ زُورًا بأنَّهُ أَدْخَلَ شَخصًا أُمَمِيًّا إلى الهَيكَل. وَقد جَرُّوا بُولسَ خَارِجًا لِيَقتُلوه؛ ولكِنَّهُ أُنْقِذَ مِن قِبَلِ الرُّومانِ فيما كانَ الجَمْعُ يُحاوِلُ أن يَضْرِبَهُ حَتَّى المَوت. وَقد بَقِيَ أكثرَ مِن سَنَتَيْنِ في السِّجن. وَهُناكَ المَزيدُ وَالمَزيدُ مِنَ القِصَصِ الَّتي تُرينا قُدرةَ اللِّسانِ وَخَطَرَهُ إذْ إنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ وَمُهلِكٌ، وَسِلاحٌ قَاتِل، وَهُوَ يُدَمِّرُ السُّمعَة، ويَقضي على الفَرَح، ويَقضي على السَّلام، ويَقضي على المَحبَّة، ويَقضي على كُلِّ شَيءٍ في طَريقِه.
لِذا يَنبغي ضَبْطُ اللِّسانِ بسببِ قُدرَتِهِ على الإدانَةِ، وبسببِ قُدرَتِهِ على السَّيطرةِ، وبسببِ قُدرَتِهِ على التَّدنيسِ، وبسببِ مَيْلِهِ الفِطريِّ إلى الخِصامِ إذْ إنَّهُ يُحارِبُ كُلَّ شَيء. وَالنُّقطَةُ الأخيرةُ في المُخَطَّطِ المَوجودِ بينَ أيديكُم في نَشرةِ الكَنيسةِ هِيَ: بسببِ قُدرَتِهِ على الخِداعِ، أوِ الخِيانَةِ؛ أيِ الخِيانَةِ المُتَعَمِّدَةِ للثِّقَةِ، وَالطَّعنِ المُتَعَمِّدِ في الثِّقَةِ، أو بسببِ قُدرَتِهِ على الجُحودِ، والرِّياءِ، والنِّفاقِ، وَالازدِواجِيَّة. فاللِّسانُ يَمْلِكُ قُدرةٌ هَائلةً على المُساوَمَةِ، واللِّسانُ مُراءٍ. أَجَل، إنَّهُ مُراءٍ. فَهُوَ يَقولُ شَيئًا مَرَّةً، ثُمَّ يَقولُ شَيئًا آخَرَ مَرَّةً أخرى. أليسَ كذلك؟ أليسَ كذلك؟ بِكُلِّ تَأكيد. لاحِظُوا أنَّ اللِّسانَ يَستطيعُ أن يَكونَ نَبيلاً إذْ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِعِ: "بِهِ [أيْ: باللِّسانِ] نُبَارِكُ اللهَ الآبَ".
أليسَ هَذا الأمرُ رَائِعًا؟ فَلِسانُكَ (أو لِساني) يَستطيعُ أن يُستَخدَمَ لِتَسبيحِ اللهِ الآب. وَهَذا أَمرٌ كَانَ وَثيقَ الصِّلَةِ، بالمُناسَبَة، لليَهودِ الَّذينَ يَكتُبُ إليهِم يَعقوب لأنَّهُ كُلَّما ذُكِرَ اسمُ اللهِ كانُوا يُلْحِقونَهُ بالكلماتِ التَّالية: "مُبارَكٌ اسْمُهُ...مُبارَكٌ اسْمُهُ". لِذا فقد كانُوا دَائِمًا وَأبدًا يُبارِكونَ اللهَ بِلسانِهم. وَكانَ يَنبغي لَهُم أن يُرَدِّدوا ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليَوم تِلكَ الصَّلاةَ الَّتي تُعرَفُ باسم "شِمونة عَسريَّة" (Shemoneh Esrei)؛ وَهِيَ ثَمانِي عَشْرةَ صَلاةٍ تُسَمَّى بَالأذْكَارِ أوِ التَّسبيحات. وكُلُّ صَلاةٍ مِن هذهِ الصَّلواتِ الثَّماني عَشْرَةَ الَّتي كانُوا يُرَدِّدونَها ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليَوم كانت تَنتَهي بالجُملة: "مُبارَكٌ أنتَ يا الله". وَكانَ مِن عَادَةِ اليَهودِ أنْ يُبارِكُوا اللهَ بِلسانِهِم طَوالَ الوقت. والمَزاميرُ تَزْخُرُ بتلكَ البَرَكات.
وأعظمُ وَظيفَةٍ للِّسَانِ هِيَ أن يُبارِكَ اللهَ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ التَّاسِع: "بِهِ نُبَارِكُ اللهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللهِ". وَهذهِ هِيَ الازدِواجِيَّةُ. وَهذا هُوَ الرِّياءُ. وهَذا هُوَ نِفاقُ اللِّسان. فَهُو خَائِن. فَاللِّسانُ نَفسُهُ الَّذي يُبارِكُ اللهَ يَلْعَنُ الأشخاصَ الَّذينَ قَد تَكَوَّنُوا على شِبْهِ اللهِ مِن خِلالِ الذَّمِّ بِهِم، أوِ انتِقادِهِم، أوِ اتِّهامِهم، أوِ الإساءةِ إليهم بسببِ الغَضَبِ أوِ الغَيْرَةِ أوِ الحَسَدِ أوِ الكَراهِيَةِ أوِ المَرارَة. وَاللَّعْنُ يَعني أن نَتَمَنَّى الشَّرَّ لِشَخصٍ مَا. ولكِنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ على صُورةِ الله. وَهُوَ، بالمُناسَبَةِ، شَبَهٌ لا يَزول. فَمَعَ أنَّهُ تَلَطَّخَ فإنَّهُ شَبَهٌ لا يَزول.
فعلى الرَّغمِ مِن سُقوطِ الإنسانِ في الخَطِيَّةِ فإنَّهُ مَا يَزالُ مَخلوقًا على شِبْهِ اللهِ. بأيِّ مَعنى؟ بِمَعنى أنَّ الإنسانَ يُشبِهُ اللهَ في كَونِهِ إنسانًا عَاقِلاً مِثلَ اللهِ، وَفي أنَّهُ يَمْلِكُ صِفاتٍ مِثلَ اللهِ، وَفي أنَّهُ مَخلوقُ أَدَبِيٌّ مِثلَ اللهِ، وَفي أنَّهُ وَاعٍ لِذاتِه. والإنسانُ يَملِكُ إرادَةً وَضَميرًا وَمَنطِقًا. والإنسانُ يَستطيعُ أن يَعرِفَ، ويَستطيعُ أن يُحِبَّ، ويَستطيعُ أن يَعمَلَ وَفقًا لِتَفكيرِهِ المَنطِقِيِّ ودَافِعِهِ وَقَصدِه. لِذا فإنَّهُ مَخلوقٌ على صُورةِ الله. لِذا، كيفَ يُعقَلُ أن يُبارِكَ الإنسانُ اللهَ وَيَلعَنَ الإنسانَ في حينِ أنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ على صُورةِ الله؟ لِذا، فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ العَاشِر: "مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ!" "مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ!" أجل! وَهُناكَ أمثلةٌ إيضاحِيَّةٌ كَثيرةٌ على ذلك؛ لا فقط في الكتابِ المقدَّسِ، بَل بِكُلِّ تَأكيدٍ في حَياتِنا جَميعًا.
أَلَمْ نَرَ أنَّ الفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانُوا يُبارِكونَ اللهَ بِأفواهِهِم كَانُوا يَلعَنونَ المَسيح؟ كَما أنَّني أُفَكِّرُ في فَمِ بُطرسَ الَّذي قَال: "أنتَ هُوَ المَسيحُ ابنُ اللهِ الحَيِّ"، ثُمَّ إنَّهُ بعدَ بِضعةِ أسابيعَ رَاحَ يَلْعَنُ وَيَحلِفُ قَائِلاً: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُل". الفَمُ نَفسُهُ! وَكانَ فَمُ الرَّسولِ بُولسَ يَنْطِقُ بالحَقِّ المَجيدِ والرَّائِعِ؛ ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعِشرينَ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ أنَّهُ شَتَمَ رَئيسَ الكَهَنَةِ بكلماتٍ لا يَجوزُ أن يَتَفَوَّهَ بِها خَادِمُ اللهِ إذْ قالَ لَهُ: "سَيَضْرِبُكَ اللهُ أَيُّهَا الْحَائِطُ الْمُبَيَّضُ!" فَمِن نَفسِ الفَمِ... مِن فَمي، وَمِن فَمِكَ، وَمِن فَمِنا جَميعًا تَخْرُجُ البَرَكَةُ واللَّعنَة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في نِهايةِ العَددِ العَاشِر: "لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا". هَذا لا يَجوز!
وَهذهِ صِيْغَةُ نَفْيٍ قَوِيَّة بالمُناسَبة. وَهِيَ تُستخدَمُ هُنا فقط في كُلِّ العهدِ الجديد. فَهِيَ قَوِيَّة جدًّا: "أويكريه" (ou chre). فَهُوَ يَقولُ: "هَذا لا يَجوزُ البَتَّة". "لا يَصْلُح". فَأيُّ كَلامٍ بَذيءٍ هُوَ كَلامٌ غَيرُ لائِقٍ، وَغيرُ مَقبولٍ، وَلا يَجوز. فاللهُ خَلَّصَنا. وعندما خَلَّصَنا اللهُ فإنَّهُ غَيَّرَنا. وعِندما غَيَّرَنا أعطانا القُدرةَ على أن نَتكلَّمَ كَلامًا جَديدًا. وَهُوَ يَتوقَّعُ مِنَّا أن نَتكلَّمَ بتلكَ الطَّريقة. وَهذهِ مُساوَمَةٌ لا يُمكِنُ احتِمالُها. ويَعقوبُ يُوَضِّحُ هَذِهِ الحَقيقةَ البَديهِيَّةَ مِن خِلالِ ثَلاثةِ أمثِلَةً إيضاحِيَّة. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟" وَما الجَوابُ؟ الجَوابُ هُوَ: "لا".
"أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ" – والفِعْلُ "يُنْبِعُ" يَعني "يُخْرِجُ" أو "يُعطي". "مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ". والكلمةُ اليُونانِيَّةُ المُستخدمة هُنا هِيَ "أوبي" (ope) أيْ: مِنْ نَفْسِ الثُّقْبِ أوِ الشَّقِّ في الصَّخر. "الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟" وَلا شَكَّ في أنَّ الجَوابَ هُوَ: "كَلاَّ". فَهذا مُستَحيل. والسُّؤالُ هُنا يَتوقَّعُ جَوابًا مَنفِيًّا. فالكلمة "أَلَعَلَّ" ("ميتي" – "meti") تَتوقَّعُ جَوابًا مَنفِيًّا. فَلا يُمكِنُ أن يُنْبِعَ مَاءً "غلوكو" (glukus)، وَمَعناها: عَذْبًا" في اليُونانِيَّة، وَماءً "بيكرون" (pikron) أيْ: غَيرَ صَالِحٍ للشُّرب. وَهذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ بَسيط. أليسَ كذلك؟ فَلا يُمْكِنُ لِيُنبوعٍ وَاحِدٍ أن يُنْبِعَ مَاءً عَذْبًا وَماءً مُرًّا. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "هَلْ تَقْدِرُ يَا إِخْوَتِي تِينَةٌ أَنْ تَصْنَعَ زَيْتُونًا؟" وَماذا عَن هَذِهِ: "أَوْ كَرْمَةٌ تِينًا؟" هَذا مُستحيلٌ تَمامًا... مُستحيلٌ تَمامًا. دَعُوا الطَّبيعَةَ تُعَلِّمُكُم الأمورَ البَديهيَّة. فَلا يُمكِنُكم أن تَحصُلوا على مَاءٍ عَذْبٍ وَماءٍ مُرٍّ مِن نَفسِ عَينِ المَاء. وَلا يُمكِنُكم أن تَحصُلوا على الزَّيتونِ مِن شَجَرِة تِيْن، وَلا أنْ تَحصُلوا على تِيْنٍ مِن كَرْمَة.
ثُمَّ نَقرأُ جُمْلَةً تَخْتِمُ هَذا المَقطَعَ إذْ نَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر مَا يَلي: "وَلاَ كَذلِكَ"... "وَلاَ كَذَلِكَ". فهذهِ هِيَ الخُلاصَة: "وَلا كَذَلِكَ يَنْبُوعٌ يَصْنَعُ مَاءً مَالِحًا وَعَذْبًا!" وَهذهِ خُلاصَةٌ، يا أصدقائي، وليسَت سُؤالاً. فَهُوَ يَقولُ إنَّ القَلبَ النَّقِيَّ، أوِ القَلبَ الطَّاهِرَ، لا يُمكِنُ أن يُنْبِع مَاءً مُرًّا. والقَلبُ المُرُّ لا يُمكِنُ أن يُنْبِعَ مَاءً عَذْبًا. لِذا فإنَّ مَذاقَ المُنْتَجِ يُطْلِعُنا على طَبيعةِ مَصْدَرِه. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّهُ يَعودُ إلى النُّقطةِ الَّتي ابتَدأَ بِها. فالمُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ سَيَظْهَرونَ مِن خِلالِ كَلامِهم. وَإنْ كُنتَ مُؤمِنًا حَقيقيًّا، يَنبغي أن يَظْهَرَ ذلكَ جَلِيًّا مِن خِلالِ حَديثِك. فَسوفَ يَظهَرُ ذلكَ مِن خِلالِ كَلامِك. وَقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! بينَ الحينِ والآخر، قَد يَخْرُجُ مَاءٌ مُرٌّ قَليلاً في وَسَطِ المَاءِ العَذب". أنا أَعلَمُ ذلك.
ولكِنَّ يَعقوبَ يَذْكُرُ المَبدأَ الجَوهَرِيَّ لَنا وَيَضْرِبُ مَثَلاً يَقولُ فيهِ إنَّ المَاءَ المَالِحَ لا يُمكِنُ أن يَخرُجَ مِن يُنبوعِ مَاءٍ عَذْب. وَهَذا يَصِحُّ على حَياتِكَ حيثُ إنَّكَ إنْ كُنتَ قَد تَغَيَّرْتَ مِن خِلالِ المَسيحِ، فَإنَّ كَلامَكَ سَيُظهِرُكَ. هَذا هُوَ مَا يَقولُه. فَالتِّينُ يَنبغي أن يَأتي مِن شَجَرَةِ تِين. والعِنَبُ يَنبغي أن يَأتي مِنْ كَرْمَة. والزَّيتونِ يَنبغي أن يَأتي مِن شَجَرَةِ زَيتون. والمَاءُ المُرُّ يَأتي مِن مَصْدَرٍ مُرٍّ. والمَاءُ العَذبُ يَأتي مِن مَصْدَرٍ عَذْبٍ. والكلماتُ المُرَّةُ تَنبُعُ مِن قَلبٍ مُرّ. وكَلِماتُ النَّقدِ تَنبُعُ مِن قَلبٍ نَاقِد. والكَلماتُ القَاسِيَةُ وَغيرُ المُحِبَّةِ تَنبُعُ مِن قَلبٍ لا يَعرِفُ مَحَبَّةَ يَسوع. والمُؤمِنُونَ الحَقيقيُّونَ سَيَظهَرونَ مِن خِلالِ حَديثِهم، وَلا بُدَّ أنْ يَظهَرُوا مِن خِلالِ كَلامِهم.
لِذا فإنَّ يَعقوبَ يُعالِجُ التَّناقُضَ الظَّاهِرِيَّ في هَذا الأمر. فَهُوَ يَقولُ تَارَةً: "إنْ كُنتَ مُؤمِنًا، سَيَكونُ الأمرُ هَكذا". وَهُوَ يَقولُ تَارَةً أخرى: "إنْ كُنتَ مُؤمِنًا، يَنبغي أن يَكونَ الأمرُ هَكذا". لِذا، في حينِ أنَّهُ يَقولُ إنَّ هذهِ حَقيقة، فإنَّهُ يَدعُونا إلى التَّيَقُّنِ مِن تَطبيقِ ذلك. وَهَذا هُوَ التَّناقُضُ الظَّاهِرِيُّ الَّذي يَنبغي لَنا أن نَعيشَ فيه. فَفي إنجيل لُوقا 6: 43 قَالَ يَسوع: "لأَنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا رَدِيًّا، وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا. لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَإِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِينًا، وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَبًا. اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ".
وأعتقدُ أنَّ يَعقوبَ كَانَ يُفَكِّرُ في تلكَ الآياتِ وَهُوَ يَكتُبُ هذهِ الكلمات. فَقد كَانَ يُشيرُ حَقًّا إلى مَا قَالَهُ رَبُّنا. فالمُؤمِنُ الحَقيقيُّ يُعْرَفُ مِن كَلامِه. والمُؤمِنُ الحَقيقيُّ يَتكلَّمُ بِلِسانٍ مُنْضَبِطٍ. وبُطرسُ يَقولُ إنَّهُ إنْ كَانَ المُؤمِنُ الحَقيقيُّ يُحِبُّ الحَياةَ (في رِسالة بُطرس الأولى 3: 10) وَيُريدُ أنْ يَرَى أَيَّامًا صَالِحَةً، فَلْيَكْفُفْ لِسَانَهُ عَنِ الشَّرِّ وَشَفَتَيْهِ أَنْ تَتَكَلَّمَا بِالْمَكْر. فَمِن جِهَةٍ، سَنَفعلُ ذلك. وَمِن جِهَةٍ أخرى، يَنبغي لَنا أن نَفعلَ ذلك. لِذا فإنَّ يَعقوبَ يُحَذِّرُنا مِن شَيئَيْن: الأوَّلُ هُوَ أنَّ حَقيقَتَنا تَظْهَرُ مِن خِلالِ أفواهِنا؛ والثَّاني هُوَ أنَّ أفواهَنا تَمْلِكُ قُدرةً هَائلةً على الدَّمار. لِذا فإنَّهُ يَدعونا إلى أنْ نَضْبُطُ لِسانَنا. وَإنْ فَعلنا ذلكَ فإنَّهُ دَليلٌ على أنَّنا مَسيحِيُّون. وَإنْ فَعلنا ذلكَ فإنَّهُ دَليلٌ على أنَّنا نَسلُكُ في الطَّاعَة.
لِذا، عندَما تَنظُرونَ إلى حَياتِكُم، يا أحبَّائي، إنْ رَأيتُم أشياءً تَخرُجُ مِن أفواهِكُم وَلا يَجوزُ أن تَخرُجَ مِنها، يَنبغي أن تَعتَرِفوا بأنَّها خَطِيَّة وَأن تَترُكوها. والكَيفيَّةُ الَّتي تَتَجاوَبونَ بِها في تلكَ الأوقاتِ الَّتي يَخْرُجُ فيها مَاءٌ مُرٌّ مِنَ يُنبوعِ المَاءِ العَذْبِ هِيَ المِفتاحُ لِقُوَّتِكُم الرُّوحيَّةِ، والمِفتاحُ لِفَاعِلِيَّتِكُم وقُوَّتِكُم الرُّوحيَّة. وَهُناكَ أمورٌ كَثيرةٌ أخرى يُمكِنُ أن تُقال؛ ولكِن دَعونا نُصَلِّي: يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى في هذا المَساءِ على كَلِمَتِكَ لَنا. سَاعِدنا على أن نَضبُطَ لِسانَنا، وأعْطِنا القُوَّةَ على القِيامِ بذلك. لَيتَنا نَكونُ أُناسًا صَالِحينَ تُخْرِجُ كُنوزُ قُلوبِنا الصَّالِحَة أشياءً صَالحةً، ولَيتَنا نَكونُ يَنابيعَ عَذْبَة تُخْرِجُ مَاءً عَذْبًا. وَلَيْتَنا في كُلِّ مَرَّةٍ نَفْتَحُ فيها فَمَنا نَتكلَّمُ بِكلامِ النِّعمَةِ عَلى مَسامِعِ السَّامِعين.
يا رَبُّ، لَقد تَذَكَّرنا ذلكَ المَقطعَ الرَّائِعَ جدًّا الَّذي كَتَبَهُ الرَّسولُ بولُسُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ أفسُس والأصحاحِ الرَّابعِ إذْ يَقول: "لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِين". وَنَحنُ نَتذكَّرُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ". يا رَبُّ، لَيتَ النَّاسَ يَعرِفونَنا لا فَقط مِن خِلالِ أفعالِنا، بَل لَيْتَهُم يَعرِفونَنا أيضًا مِن خِلالِ مَا نَقول. وَليتَنا نَتَّصِفُ بالكَلامِ المُقَدَّسِ فَنُعْرَفُ مِن خِلالِ ذلكَ بأنَّنا أولادُ الله. نَشكُرُكَ لأنَّكَ تُعطينا القُدرةَ على فِعلِ ذلك لأنَّكَ أعطيتَنا قَلبًا جَديدًا، وَأعطيتَنا مَعَهُ لِسانًا جَديدًا. نُبارِكُ اسمَكَ باسمِ المُخَلِّص. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
