لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسَةَ في هذا الوقت إذْ نَأتي إلى دِراسةِ كلمةِ اللهِ مَرَّةً أخرى في هذا المساء، وأرجو أنْ تَفتحوهُ على رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الرَّابع. فنحنُ نَتأمَّلُ في نَصِّ الآيات مِن 12 إلى 19 تحتَ عُنوان: "البَلوى المُحْرِقَة". والآن، كما قُلتُ لكم في المَرَّة السَّابقة، مِنَ المُرَجَّح أنَّ رِسالةَ بُطرس الأولى هذه كُتِبَت في أواخِرِ سنة 64 بعدَ الميلاد. وهذا يَعني أنَّها كُتِبَت بعدَ بِضعة أشهُر مِنْ إحْراقِ رُوما. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ "نِيرون" (Nero) أَضْرَمَ النَّارَ في رُوما لأنَّهُ كانَ يُريدُ، دُونَ أَدنى شَكٍّ، أنْ يَبني صَرْحًا أَعْظَمَ يُمَجِّدُ بِهِ نَفسَهُ. وبينَما كانت رُوما تَحترِق، راحَ يُفَكِّرُ في شَخصٍ يُلقي اللَّومَ عليه؛ فَما كانَ مِنْهُ إلَّا أنْ أَلقَى اللَّومَ على المَسيحيِّين. لِذا، ابتداءً مِنْ تلكَ السَّنة (أيْ سَنة 64 بعدَ الميلاد)، صارَ هُناكَ كَمٌّ مُتزايدٌ وَمُتفاقِمٌ وفَظيعٌ ومُريعٌ مِنَ الاضطهادِ ضِدَّ المَسيحيِّين. وفي تلكَ الخَلفيَّة، يَكْتُبُ بُطرسُ رِسالَتَهُ. وقد كانَ قُرَّاؤُهُ يَشعرونَ آنذاك بِجُزءٍ مِنْ غَضَبِ النَّاسِ الَّذينَ كانوا مُعادِينَ للمسيحيِّينَ في الأصل، والذين أرادوا الآنَ أنْ يُحَمِّلوا المسيحيِّينَ مَسؤوليَّةَ مَأساةِ إحراقِ رُوما وَموتِ أُناسٍ كثيرينَ في تلكَ المدينة. وكانَ قُرَّاؤُهُ المُشَتَّتونَ في جَميعِ أنحاءِ العالَمِ الرُّومانِيِّ سَيَشعرونَ مُجَدَّدًا بِضَغْطِ الاضطهاد. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَكتُبُ إلى المؤمنينَ الَّذينَ ابتدأوا يَشعرونَ بِالعَداوةِ مِنْ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤدُّونَ دَوْرَ عَدَمِ الإيمانِ في العالَم. وأنا أقولُ إنَّهُم يُؤدُّونَ دَوْرَ عَدَمِ الإيمان لأنَّ هؤلاءِ كانوا أعوانًا ومُساعِدينَ حَرَّضَهُم إبليس ضِدَّ كنيسةِ المسيح.
ولكي تُلامِسُوا [ولو قليلاً] ما كانَ يَجري آنذاك، ارجِعوا إلى الأصحاحِ الأوَّل لكي تَشعروا بهذه السِّمَة في هذه الرِّسالة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد السَّادِس: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَة". وهو يَذكُرُ في العدد 7 أنَّ هذه التَّجارِب تَمْتَحِنُ إيمانَهُم. ثُمَّ نَقرأ في الأصحاح الثَّاني والعَدَدَين 11 و 12 أنَّهُ يُذَكِّرُهم بأنَّهم غُرباء ونُزلاء، وأنَّهُ يجب عليهم أنْ يَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الجَسَدِيَّةِ الَّتِي تُحَارِبُ النَّفْسَ، وَأَنْ تَكُونَ سِيرَتُهُمْ بَيْنَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَيْ يَكُونُوا، فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ كَفَاعِلِي شَرّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ فِي يَوْمِ الافْتِقَاد. لِذا فإنَّ الفِكرة تَتَكَرَّر ثانيةً بأنَّهُ كانَ يُفْتَرى عَليهم كَفاعِلي شَرٍّ، وكانُوا يُضْطَهدونَ مِنْ أجلِ البِرّ. فقد كانوا يَحتملونَ ضِيقًا وتجارِبَ مُتَنَوِّعة.
وفي العدد 19 مِنَ الأصحاحِ الثَّاني، يُلَمِّحُ بُطرسُ مَرَّةً أخرى إلى الفِكرة نَفسِها إذْ يَقول: "لأَنَّ هذَا فَضْلٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللهِ، يَحْتَمِلُ أَحْزَانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلْم. لأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ الله". وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّالث والعدد 8 تَلخيصًا لِما سَبَق: "كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ". ثُمَّ نَقرأُ ما يَلي: "غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ هذا يَدُلُّ على أنَّهُم كانوا يُعامَلونَ مُعاملةً شِرِّيرة وأنَّهُم كانوا يُشْتَمونَ أيضًا. ونَقرأ في العدد 14: "وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ وَلاَ تَضْطَرِبُوا". ونَقرأ في العدد 17: "لأَنَّ تَأَلُّمَكُمْ إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ اللهِ، وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ خَيْرًا، أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ شَرًّا". ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الأوَّل: "فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا بِالْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهذِهِ النِّيَّةِ. فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي الْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ الْخَطِيَّة"؛ أيْ: تَوَقَّعوها. فهذا الألمُ اخْتَبَرَهُ أيضًا رَبُّكُم. ونَقرأ في الأصحاحِ الخامِسِ والعدد 10: "وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ".
والآن، يُمكنكُم أن تَرَوْا أنَّهُ في كُلِّ أصحاح، هناكَ إشارة إلى التَّألُّمِ ظُلْمًا. فقد كانتِ الكنيسةُ مُضطَهَدة. وإذْ يَبتدئُ بُطرسُ الحَديثَ هُنا في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 12، فإنَّ هذا المَقطعَ الأخيرَ مِن رِسالَتِهِ يَستمرُّ حَتَّى الأصحاح الخامِس. وَهُوَ يَتحدَّث مَرَّةً أخرى عن هذهِ الفِكرةِ نَفسِها. فَهُوَ مُهتمٌّ بالألمِ مِن أجلِ البِرّ، والألمِ مِن أجلِ يسوعَ المسيح. وما يُدهشُني هو أنْ نَنظُرَ إلى العَالَمِ مِن حَولِنا. فنحنُ نَنظُرُ إلى كنيسةٍ في أوروبَّا الشَّرقيَّة وكنيسة في رُوسيا (أوِ الاتِّحادِ السُّوفييتيّ) عانَتْ كثيرًا على مَدى سَنواتٍ عديدة أو عُقودٍ عَديدة. فتلكَ الكنيسةُ سَتُعْتَقُ مِنْ آلامِها وَتُعْطَى الحُريَّة. وبِطُرُقٍ عديدة، فإنَّ تلكَ الكنيسة قد تَمتلك حُريَّةً أكبر مِمَّا لدينا نحنُ المَسيحيُّونَ في أمريكا. فيبدو لي أنَّ الاتِّجاهَ السَّائدَ هُنا هو العَكس تمامًا. فَعِوَضًا عن أنْ تَخرُجَ كنيسةٌ مِنْ مُجتمعٍ مُلْحِدٍ يُؤمِنُ بالنَّزعةِ الإنسانيَّة (كما نَرى في أوروبَّا الشَّرقيَّة)، فإنَّ لدينا إلحادا ونَزعة إنسانيَّة يَخْرُجانِ مِنْ مُجتَمَعٍ يَزْعُمُ أنَّهُ مَسيحيّ. وفي نِهايةِ المَطافِ، سيَصيرُ الإلحادُ والنَّزعةُ الإنسانيَّة في أُمَّتِنا المُضْطَهِدَ الأكبر للكنيسة.
لِذا فإنَّ كَلامَ بُطرسَ هُنا قد يُشيرُ إلينا في وقتِنا الحاضِر وفي زَمَنِ أبنائِنا. فإذْ تَصيرُ أُمَّتُنا مُتَراخيةً أكثر فأكثر في الإيمانِ المسيحيِّ بسببِ سَعيِها إلى بُلوغِ نَمَطِ حَياتِها الفاسِد أخلاقيًّا، فإنَّنا نَصيرُ تَهديدًا أكبرَ فأكبر. لِذا، يجب علينا أنْ نَفهمَ كلماتِ بُطرس. فهُناكَ أصلاً اضطهادٌ مُتزايدٌ لِكُلِّ مَنْ يُسَمِّي اسمَ يسوعَ المسيح. فإنْ تَكَلَّمتَ، على سبيلِ المِثالِ، عَلَنًا ضِدَّ خَطايا مُجتمعِنا، وضِدَّ الخطايا الجنسيَّة (ولا سِيَّما ضِدَّ خَطيَّةِ الجِنسيَّة المِثليَّة) سَتُواجِهُ عَداوةً قد تَكونُ شَديدةً جِدًّا، بل وَحَتَّى مُهَدِّدَةً للحياة. فنحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ قد يَجِدُ فيهِ الأشخاصُ الَّذينَ يَعيشونَ بقوَّة لأجلِ المسيح، والَّذينَ يَقِفونَ في وَجهِ المُجتمع، والَّذينَ يَشهدونَ شَهاداتٍ جَريئة، والَّذينَ يَقولونَ ما ينبغي أن يُقال في المَكانِ الَّذي يَنبغي أنْ يُقالَ فيه، قد يَجِدونَ فيهِ أنفُسَهُم في وَرطة وتحتَ كَرْبٍ واضطهادٍ عَظيمَيْن. فإنْ حَدَثَ ذلك، يجب علينا أنْ نَكونَ مُستعِدِّينَ لَهُ.
ولكي نَكونَ مُستعِدِّينَ إنْ حَدثَ ذلك، ونَحتملَ الأشياءَ الَّتي نَحتَمِلُها، يجب علينا أنْ نَفهمَ ما جاءَ في الأعداد مِن 12 إلى 19. فَهُنا، يُقَدِّمُ بُطرسُ لَنا الطَّريقةَ الصَّحيحة للتَّعامُلِ معَ الألم مِن أجلِ البِرّ. ويجب عليَّ أن أقولَ لكم إنَّني قَرأتُ هذهِ الأعدادَ مِرارًا في ذِهني لأنِّي اختبرتُ هذا الأمرَ قليلاً. وَمِنَ المُدهشِ بالنِّسبةِ إليَّ أنَّ الألمَ مِنْ أجلِ البِرِّ يأتي أحيانًا مِنْ داخلِ الكنيسةِ وَفي إطارِ المَسيحيَّة. فقد تكونُ هُناكَ عَداوة، وقَسوة، وتهديدات، وكُروب كثيرة أخرى. وقد وَجدتُ أنَّني أعودُ إلى هذه الحقائق المذكورة في هذا المقطع في مُناسبات عديدة؛ ولا سِيَّما مُؤخَّرًا أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مَضى في حَياتي. ولكِن اسمَحوا لي أنْ أقرأَ لَكُم الآيات مِن 12 إلى 19 لكي أُرَسِّخَها في أذهانِكُم: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ، بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ. إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ. فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ. لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟ وَ «إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟» فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ، فِي عَمَلِ الْخَيْر".
والآن، إنَّ هذا كُلَّهُ حَقٌّ غَنِيٌّ جِدًّا. وإنْ أردنا أنْ نُجَزِّئَهُ قليلاً وأنْ نُقَسِّمَهُ إلى أجزاء أصغر، ستَجدونَ هُنا حَقائقَ عديدة تُلَخِّصُ تَجاوُبَنا معَ التَّألُّمِ ظُلْمًا. والآن، اسمَحوا لي أنْ أقولَ ما يَلي قبلَ أنْ أَغوصَ عَميقًا في هذه الكلمات: أنتُم تَتألَّمونَ مِن أجلِ البِرِّ فقط عندما تَعيشونَ حَياةً بَارَّةً ظَاهرةً. ففقط عندما تَعيشونَ حياةَ تَقيَّةً في مُجتمعٍ غيرِ تَقِيٍّ فإنَّكُم تُوَلِّدونَ عَداوةً. أمَّا إذا تَمَكَّنتَ مِنْ إخفاءِ فَضيلَتِكَ، أو إنْ تَمَكَّنتَ مِن إخفاءِ شَهادَتِكَ الَّتي تُمَجِّد المَسيح، أو إنْ تَمَكَّنتَ مِن إخفاءِ حَقيقةِ أنَّكَ مَسيحيّ كي لا يَرى أحدٌ ذلك، مِنْ غيرِ المُرَجَّحِ أنْ تَتألَّم. ولكِنْ فيما يَختصُّ بأولئكَ الَّذينَ يَعيشونَ في التَّقوى، والَّذينَ يُظهِرونَ تَكريسَهُم للمسيح، والَّذينَ يَتكلَّمونَ بجُرأة، والَّذينَ يَقولونَ ما يَنبغي أنْ يُقالَ في المَكانِ الَّذي يَنبغي أن يُقالَ فيه، سيكونُ هُناكَ رَدُّ فِعلٍ عِدائيّ.
والآن، عندما يَحدُث ذلك، هناكَ عَدَدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي ينبغي أنْ تفهَموها. أوَّلاً، أوِ النُّقطةُ الأولى في هذه الخُلاصة الرَّائعة الَّتي يُقَدِّمُها بُطرس هي: تَوَقَّعوا الألم. فنحنُ نَقرأُ في العدد 12: "لاَ تَسْتَغْرِبُوا ذلك". وقد تَحَدَّثنا عن ذلك. وهذه مُجَرَّد مُراجعة. تَوَقَّعوها. فهي أمرٌ مَحْتوم. وقد سَمَحَ اللهُ بذلكَ لكي يَمْتَحِنَكُم. فهذا يَحدُثُ لَكَ لأجلِ امتِحانِكَ، ولكي يُبَرْهِنَ لكَ على حَقيقةِ مَسيحيَّتِك، ولكي يُطَهِّرَ حَياتَكَ ويَجعلها أكثر قَداسَةً. فهو امتحانٌ مِنَ اللهِ لكي يُظْهِرَ أنَّكَ ذَهَبٌ حَقيقيّ. وعندما تَشتَعِلُ النَّارُ وَتَنطَفئ فإنَّكَ ما تَزالُ مَوجودًا، ولم تَحترِق، بل صِرْتَ نَقِيًّا، ومُمَحَّصًا، وطَاهرًا، ومُستعِدًّا لاستخداماتٍ أعظَم مِنْ قِبَلِ الله. لِذا، حيثُ إنَّ اللهَ يُريد مِنكَ أنْ تَكونَ مُفيدًا قدرَ الإمكان، وحيثُ إنَّهُ يُريدُ مِنْكَ أنْ تَعلمَ أنَّ دَعوَتَكَ واختيارَكَ مُؤكَّدَيْن، فإنَّهُ يَسمَحُ بِآلامٍ لا مَفَرَّ مِنها في حياتِكَ لكي يُمَحِّصَكَ ويَمتَحِنَ حَقيقةَ إيمانِك. فإنْ لم يَكُن إيمانُكَ حَقيقيًّا عندما يأتي الامتحان، بل كانَ مِثلَ البُذورِ الَّتي سَقَطَتْ على التُّربة الصَّخريَّة، قد تُظْهِرُ بَعضَ مَظاهِرِ الإيمان، ولكِنَّكَ لن تُعطي ثَمرًا. وعندما يأتي الاضطهادُ ستَذبُلُ وتَموت. لِذا فإنَّ البَلوى المُحْرِقَة سَتُبَيِّنُ لَكَ حَقيقةَ إيمانِك. لِذا، تَوَقَّعْها. فهي مَحتومَة. وهي في صَميمِ مَشيئةِ الله. وهي مَحتومة أيضًا لأنَّ الحياةَ البَارَّة في مُجتمعٍ غير بَارّ هي مُواجَهَة لا يَحتَمِلُها ذلكَ المُجتمعُ جَيِّدًا. لِذا فإنَّهُ يُهاجِم.
ثانيًا، لا يَكفي فقط أنْ تَتوقَّعوا الألم، بل افرَحوا في الألم. فالعدد 13 يَقول: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ. إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ". وَهُنا، إنَّهُ يَقولُ [ببساطة]: "افرَحوا في أوقاتِ الألم". لماذا؟ لأنَّكُم تَشتركونَ في آلامِ المسيح. لماذا؟ لأنَّكُم ستَشتركونَ في مَجْدِ المسيح عندَ استِعلانِه. لماذا؟ لأنَّهُ عندما تَتألَّمونَ الآن، فإنَّ رُوحَ اللهِ يَحِلُّ عليكُم. فهو يَسودُ لكي يُنعِشَكُم، ويُقَوِّيكُم، ويَبنيكُم. لِذا، يُمكنكُم أن تَفرَحوا. وأحيانًا يكونُ هذا الأمرُ صَعبًا جِدًّا، بِصراحة. فعندما أُواجِهُ اضطهادًا صغيرًا أقولُ لنفسي: "حسنًا! يجب عليَّ أن أتوقَّعَ ذلك. ففي نِهايةِ المَطاف، إن أردتُ أنْ أعيشَ حَياةً تَقِيَّةً، وأنْ أُنادي بِالحَقِّ الإلهيِّ، وإنْ أردتُ أنْ أَتَمَسَّكَ بِمِعيارِ القَداسةِ في مُستوىً عالٍ جِدًّا، وإن أردتُ أنْ أتمسَّكَ بِمعيارِ صِحَّةِ العَقيدَةِ والحَقِّ الكِتابيِّ في مُستوىً عَالٍ جِدًّا، يجب عليَّ أنْ أتوقَّعَ حُدوثَ ذلك. لِذا، يجب عليَّ أن أكونَ مُستعِدًّا لَهُ". وأنا أتمكَّنُ عَادَةً مِنَ التَّعامُلِ مَعَ ذلك. وعندما يَحينُ وَقتُ الخُطوة الثَّانية الَّتي يَنبغي فيها أنْ أَفرحَ في وَسْطِ الألم، فإنَّها خُطوة صَعبة بالنِّسبةِ إليَّ أن أقول: "شُكرًا لكَ يا رَبّ. إنَّ هذا الامتحانَ رائعٌ حقًّا، وأنا أُحِبُّ كُلَّ دَقيقةٍ فيه". فأنا أَجِدُ ذلكَ صَعبًا أحيانًا. ولكِنْ إنْ كَانَ لديَّ، بِنعمةِ اللهِ، الوقتُ اللَّازِمُ للتَّأمُّلِ في ذلك وَطَرْحِ الأمرِ أمامَ الرَّبِّ فإنَّني أَجِدُ أنَّ رُوحَ اللهِ يَملأُ قَلبي بِفَرَحٍ عادةً ما يَكونُ مُزدوجًا: فَرَحُ الاشتراكِ بِمَعنى أنَّهُ مَهما تألَّمتُ، فإنَّ هذا الألمَ صَغيرٌ إذا ما قُورِنَ بالألمِ الَّذي اختَبَرَهُ يَسوعُ المَسيحُ. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فأنا شَريكٌ في آلامِه. أمَّا العُنصُرُ الثَّاني الَّذي يَصْدمُني حقًّا فهو أنَّهُ أيًّا كانَ الألمُ الَّذي أختبرِهُ في هذه الحياة فإنَّني سَأُكافأُ عليهِ أضعافًا مُضاعَفَةً بِفَرَحٍ أبديٍّ سيكونُ لي إلى الأبد في حَضرةِ الرَّبّ. لِذا، افرَحوا فيه.
أمَّا الجانبُ الثَّالثُ المُهِمُّ جدًّا فيما يَختصُّ بالألم فهو: قَيِّموا الألم. تَوَقَّعوا الألم، وافرحوا في الألم، وقَيِّموا الألم. بعبارة أخرى، عندما تَتألَّم، قَيِّم السَّبَب؟ فنحنُ نَقرأ في العدد 15: "فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ". وهناكَ أربعةُ شُرورٍ مَذكورة هُنا تَصِحٌّ حَقًّا على نَمَطِ الحياةِ الَّتي لم تَختبِر التَّجديد. وهي تُستخدَم لتوضيحِ سِمَةِ الألمِ غيرِ المَقبول. وهي واضحة جدًّا، ولا سِيَّما الشُّرور الثَّلاثة الأولى. لا تَتَألَّم كَقاتِل. فإنْ قَتلتَ شخصًا وتألَّمتَ لأنَّهُمْ حَاكَموكَ، وَحَبَسوكَ، أو حَكَموا عليكَ بالإعدام، لا تَشْتَكي ولا تَتذمَّر. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على اللِّصّ. لا تُعاني كَلِصٍّ أو فَاعِلِ شَرِّ. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "فاعِل شَرّ" تَضُمُّ كُلَّ الجرائمِ غير المذكورة في الكلمتين الأولى والثَّانية. فالكلمتان الأولى والثَّانية تُشيرانِ إلى شَرَّيْنِ مُحَدَّدَيْنِ هُما القَتْل والسَّرِقَة. ثُمَّ إنَّهُ يُلَخِّصُ جَميعَ الشُّرورِ الأخرى قائلاً: لا تَتألَّم كَفاعِلِ شَرّ. وهذا يَضُمُّ كُلَّ أنواعِ الشُّرورِ والخطايا. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ كلمة أخرى مُدهشة جدًّا إذْ يَقول: "أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ". وقد تَقول: "ما وَجْهُ الشَّبَهِ بينَ مَنْ يَتَداخَلُ في أُمورِ غَيرِهِ وبينَ القاتِلِ والسَّارِقِ وَفاعِلِ الشَّرِّ؟" لأنَّ هذه كلمة مُدهشة جدًّا جدًّا. وبالمُناسبة، إنَّها كلمة تُستخدَم هُنا فقط في كُلِّ العهدِ الجديد. وهذا يَضَعُ دائمًا تَحَدِّيًا كبيرًا أمامَ مُؤلِّفِ المَعاجِمِ أوِ الشَّخصِ الَّذي يُحَدِّدُ مَعاني الألفاظ. فإنْ كانَ هذا هُوَ الاستعمالُ الوحيدُ للكلمة، يجب علينا أنْ نَتَيَقَّنَ مِنْ أنَّنا قد فَهِمْنا ما تَعنيه. فالبعضُ يَقولُ إنَّها تَعني: "مُتَطَفِّل" أو "فُضولِيّ". هل تَعرِفونَ أشخاصًا مُتَطَفِّلين؟ أيْ أشخاصًا يَتَطَفَّلونَ دائمًا على أُمورِ الآخرين عِوَضًا عنِ الالتفاتِ لِشؤونِهم؟ فهناكَ أشخاصٌ يَرَوْنَ أنَّ هذا هو مَعناها. وهُناكَ مَنْ يَرى أنَّها تُشيرُ إلى الشَّخصِ الَّذي يُسيءُ التَّصَرُّف؛ أيْ إلى مُسَبِّب المَشاكِل. وهُناكَ مَن يَرى أنَّها تُشيرُ إلى الشَّخصِ الثَّوريّ؛ أيْ إلى الشَّخصِ الَّذي يَشترك مُباشرةً في أنشطة ثَوريَّة ويُهَيِّجُ المُجتمَع. فهي كلمة مُدهشة جِدًّا.
والكلمة اليونانيَّة هي: "ألوتريوإيبيسكوبوس" (allotrioepiskopos). فالكلمة "إيبيسكوبوس" (episkopos) تَعني: "نَاظِر". وإنْ دَمَجْتُم الكَلِمَتَيْن معًا ستحصلونَ على كلمة تُشيرُ إلى شَخصٍ يَنظُرُ أو يَتَدَخَّلُ في أمورٍ تَخُصُّ الآخرين. فهي تُشيرُ إلى شخصٍ يَنظُرُ أو يَتَدَخَّلُ في أمورٍ تَخُصُّ الآخرين. فهي كلمة تَعني: "التَفِتْ إلى شُؤونِكَ الشَّخصيَّة".
والآن، لماذا يَذْكُرُ هذه الكلمة هُنا؟ أليست هذه الكلمة مَشمولَة في فَاعِلِ الشَرّ؟ الحقيقةُ هي أنَّها تَعني ما هو أكثر مِن ذلك. فهذه الكلمة تُشيرُ، في رأيي، إلى مَعنى أكثر تَحديدًا وأهميَّةً مِمَّا يَبدو أوَّلَ وَهلة. واسمَحوا لي أنْ أَذكُرَ لكم مَزيدًا مِنَ الآياتِ الكِتابيَّة الَّتي قد تُساعِدُكم في استيعابِ مَعناها. لِنَرجِع إلى رسالة تسالونيكي الأولى 4: 11 (ولا حاجةَ إلى أنْ تَفتحوا عليها). فبولُس يَقول إلى أهلِ تسالونيكي: "وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ". فلا يَجوزُ أنْ تَكونَ مُسَبِّبًا للمَشاكِل، ولا يَجوزُ أنْ تَكونَ مُثيرًا للمَتاعِب، ولا يَجوزُ أنْ تُثيرَ الفِتَنَ في مُجتَمَعِك؛ بل يجب عليكَ أنْ تَعيشَ حياةً هادِئةً، ويجب عليكَ أنْ تَهتَمَّ بِشُؤونِكَ الشَّخصيَّة وأنْ تَعملَ بيديكَ. اهْتَمَّ بِشُؤونِك، وابتَعِد عن شُؤونِ الآخرين. وفي رسالة تسالونيكي الثَّانية 3: 11، يَقولُ [بولسُ] لأهلِ تَسالونيكي: "لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّون". وهو يَستخدِمُ كلمةً أخرى هُنا. أنتُم تَتصرَّفونَ كَأشخاصٍ فُضولِيِّين. "فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ". بِعبارة أخرى: تَراجَعوا، وكُونوا هادئين، واهتمُّوا بأشغالِكُم.
ثُمَّ عندما كَتَبَ بُولسُ إلى تيموثاوُس في رِسالَتِهِ الَّتي تَلي ذلكَ مُباشَرةً في تَرتيبِ أسفارِ العهدِ الجديد، وتَحديدًا في الأصحاحِ الخامِسِ والعدد 13، فإنَّهُ يَتَحَدَّثُ عنِ الحَدَثاتِ هُنا. وَهُوَ يَقولُ: "وَمَعَ ذلِكَ أَيْضًا يَتَعَلَّمْنَ..." بَعْدَ أنْ يَتَزَوَّجْنَ "...يَتَعَلَّمْنَ أَنْ يَكُنَّ بَطَّالاَتٍ، يَطُفْنَ فِي الْبُيُوتِ. وَلَسْنَ بَطَّالاَتٍ فَقَطْ بَلْ مِهْذَارَاتٌ أَيْضًا، وَفُضُولِيَّاتٌ، يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عن شيءٍ مُختلِف. فهي نَفسُ فِكرةِ التَّطَفُّلِ والتَّدَخُّلِ في شُؤونٍ لا صِلَةَ لَهُنَّ بها. ولكِن يبدو لي أنَّهُ في حين أنَّهُ يَتحدَّث هُنا عنِ امرأةٍ أرملة، وليسَ لَديها ما تَقومُ بِه؛ لِذا فإنَّها تَطوفُ في البُيوتِ وَتَحْشُرُ أَنفَها في شُؤونِ الآخرين، فإنَّهُ يَتحدَّثُ في رِسالَتَيْ تسالونيكي الأولى والثَّانية عن كيفيَّةِ التَّصَرُّفِ لا في وَسْطِ الأشخاصِ الَّذينَ تَعرِفُهُم (كما هي حالُ الأرملة هُنا)، بل كيفَ ينبغي أنْ تَتصرَّفَ في المُجتمَع. وأنا أعتقدُ أنَّ هذا هو تَحديدًا ما يَتحدَّثُ بُطرسُ عنه. في ضَوْءِ ذلك، تَأمَّلوا مَرَّةً أخرى في ما يَقولُهُ بُطرس. فلا يَجوزُ أنْ تَكونوا مُثيري مَتاعِب.
والآن، هُناكَ أشخاصٌ يَعتقدونَ (وأنا أَتَّفِقُ مَعَهُم في الرَّأي) بأنَّ ما يَعنيه هُنا يُشيرُ بصورة خاصَّة إلى إثارَةِ الشَّغَبِ السِّياسِيّ؛ أيْ أنَّهُ يَتحدَّثُ هنا عنِ التَّوَرُّطِ في أعمالِ الشَّغَبِ الثَّوريَّة، والتَّدَخُّلِ وَحَشْرِ الأنفِ في أعمالِ الحُكومَةِ ومَهَامِّها. فهذا سيؤدِّي بِكُلِّ تأكيد إلى اتِّخاذِ الحُكومةِ لبعضِ الإجراءاتِ الَّتي قد يَنظُرُ إليها الشَّخصُ كما لو كانت اضطِهادًا. وقد تَكونُ في نِطاقِ عَمَلِكَ وَمِهنَتِكَ مُثيرًا للمَتاعِبِ ظَنَّا مِنْكَ بأنَّهُ بسببِ كَونِكَ مَسيحيًّا، يجب أنْ تُعامَلَ مُعاملةً مُختلِفَة. ولأنَّكَ تَعيشُ وَفْقًا لِمَعايير مَسيحيَّة فإنَّكَ تُحاوِلُ أنْ تُرغِمَ شَرِكَتَكَ على تَطبيقِ المَعاييرِ المَسيحيَّة. لِذا فإنَّكَ تَصيرُ مُثيرًا للمَتاعِب، ومُثيرًا للمَشاكِل، ومُتَمَرِّدًا (بِصورةٍ أو بأخرى). وقد يُؤدِّي ذلكَ إلى التَّألُّم.
والآن، إنَّ المَقصودَ هُنا هُوَ الآتي، وَهُوَ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا: أنتَ مَسيحيّ وتَعيشُ في ثَقافة غير مَسيحيَّة. اعمَل عَمَلَكَ، وَعِشْ حَياةً هادئةً، وَمَجِّد يسوعَ المسيح، واكرِز بالإنجيل؛ ولكِن لا تُحاوِل أنْ تُهَيِّج المُجتَمَع. لا تَصِرْ ثَوريًّا. ولا تَحْشُر أَنفَكَ. أو إنْ فَعلتَ ذلكَ وَتَمَّ اضطِهادُكَ مِنْ قِبَلِ الحُكومةِ كَشَخصٍ مُثيرٍ للفِتَن، فإنَّ هذا السُّلوكَ قَبيحٌ. فَهُوَ سُلوكٌ قَبيحٌ. وَهُوَ ليسَ شَرَفًا للمُؤمِن.
لِذا، يجب عليكَ أنْ تَسألَ نَفسَكَ: لِماذا أَتألَّم؟ فإنْ كُنتَ تَعيشُ حَياتَكَ المسيحيَّة، وتَعيشُ حياةً فاضِلَةً بَارَّة، وتُقَدِّمُ يسوعَ المسيحَ في كُلِّ فُرصَةٍ سَانِحَة، ولكِنَّكَ تَعمَلُ بهدوءٍ بِيَديكَ، وتَعمَلُ عَمَلَكَ بأمانة، وتَعيشُ كَمواطِنٍ شَريفٍ بِشَتَّى الطُّرُق، وتُظْهِرُ حِسًّا عَالِيًا بالمَسؤوليَّة في كُلِّ مَهَمَّة تُوْكَلُ إليكَ في المُجتمَع، ولا تُثيرُ الفِتَن، ثُمَّ إنَّكَ اضْطُهِدْتَ، فإنَّ ذلكَ الاضطِهادَ هُوَ مِن أجلِ البِرّ. ولكِنْ إنْ أَخَذتَ على عَاتِقِكَ أنْ تَفرِضَ تَفكيرَكَ المسيحيَّ على مُجتَمَعِكَ، سَواءٌ فَعلتَ ذلكَ في الشَّركةِ الَّتي تَعملُ بها، أوْ في المَتْجَرِ الَّذي تَعمل فيه، أوْ في الدَّولةِ أوِ الحكومةِ الَّتي تَعيشُ في كَنْفِها، فإنَّكَ قد تَجاوَزتَ الحُدود. وأعتقدُ أنَّ بُطرسَ يُعيدُ هُنا [ببساطة] تأكيدَ ما قالَهُ في الأصحاحِ الثَّاني بأنَّهُ يجب علينا أنْ نَكونَ مُواطِنينَ قُدوةً في الخُضوعِ لِكُلِّ تَرتيبٍ بَشَرِيٍّ وَلِكُلِّ شَخصٍ مَسؤول. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "انظُر! إذا تَألمتَ كَقاتِلٍ فَجاءتِ الحُكومةُ وَفَرَضَتْ عَليكَ عُقوبَةً، أوْ إنْ تَألَّمتَ كَسارِقٍ وجاءتِ الحُكومة وَعاقَبَتْكَ، أو إنْ تألَّمتَ كَفاعِلِ شَرٍّ مُتَوَرِّطٍ في أيِّ عَمَلٍ إجرامِيٍّ وَسَجَنَتْكَ الحُكومة، أو إنْ صِرْتَ مُثيرًا للفِتَن وتَقودُ ثَورةً اجتماعيَّةً، لا تَحْسِب ذلكَ بأنَّهُ تَألُّمٌ مِن أجلِ البِرّ. بل يجب عليكَ أنْ تَخْجَلَ مِنْ ذلك.
لِذا، يجب عليكَ أنْ تَفحَصَ الموقِفَ. ويجب عليكَ أنْ تُقَيِّمَ سَبَبَ الألم. فإنْ كُنتَ تَقول: "أنا أتألَّم"، لماذا أَتألَّم؟ والعدد 16 يَقول: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ [يَتألَّم] كَمَسِيحِيٍّ". بعبارة أخرى، إنْ كُنتَ تَتألَّمُ لِمُجَرَّدِ أنَّكَ مَسيحيّ: "فَلاَ يَخْجَلْ". والمَعنى الضِّمنيُّ هنا هو: إنْ كُنتَ تَتألَّم لأنَّكَ قاتِل، أو لِصّ، أو مُجرِم مِنْ نَوعٍ مَا، أو لأنَّكَ مُسَبِّب للمَتاعِب والشَّغَب في المُجتمَع، يجب عليكَ أنْ تَخجَل. أمَّا إذا كُنتَ تَتألَّم بالرَّغمِ مِن أنَّكَ تَقومُ بِعَمَلِكَ، وتَعيشُ حَياةً هادئةً في سَكينةٍ وَسَلام، وتُمَجِّدُ يسوعَ المسيح، وتَحرِص على أنْ تكونَ مُواطِنًا صَالِحًا قدرَ استِطاعَتِك، وتُنادي بأمانة بإنجيلِ المسيح، ثُمَّ تَألَّمتَ، لا مُبَرِّرَ للخَجَل. بل في الحقيقة: "يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيل". ويا لَها مِن جُملة رائعة! فإنْ تَألَّمَ أيُّ شخصٍ كمَسيحيٍّ بسببِ ذلكَ اللَّقَب، أيْ لِمُجَرَّدِ أنَّكَ مَسيحيّ، فإنَّكَ تُمَجِّدُ اللهَ.
وبالمُناسَبَة، إنَّهُ لَقَبٌ جَميل: "مَسيحيّ". فالمسيحيُّونَ الأوائلُ كانوا يَستخدمونَ الكلمة "إخوة". وكانوا يُشيرونَ إلى أنفُسِهِم بأنَّهُم "القِدِّيسونَ" أوِ "المُقَدَّسونَ" أو "المُفْرَزون". وكانوا يُشيرونَ إلى أنفُسهِم (وَهو لَفْظٌ أُحِبُّهُ): "أَتْباع الطَّريق" إذْ إنَّ يَسوعَ هُوَ الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. ولكِنَّ أعداءَهُم اليهودَ كانوا يَشْتِمونَهُمْ بِوَصْفِهِم بالنَّاصِرِيِّين. وقد أَطلقوا أيضًا عليهم لَقَبًا آخَرَ بِهَدَفِ الإساءةِ إليهم فَكانُوا يُلَقِّبونَهُم بالمَسيحيِّين. فهذا، في المَقامِ الأوَّل، لم يَكُن اسمًا أَطلَقَهُ المسيحيُّونَ على أنفُسِهم. فلا أعتقد أنَّهُم كانوا يَمتلكونَ هذه الشَّجاعة الَّتي تَجعَلُهُم يَحمِلونَ عَلَنًا اسْمَ مَسيحِهِم. ولكِنَّ هذا هُوَ اللَّقَب الَّذي أَطلَقَهُ عليهم العَالَم. وقد حَدَثَ ذلكَ أوَّلاً في أَنْطَاكِيَة (بحسب ما جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل الأصحاح 11). وقد أشارَ أغريباس أيضًا (في أعمال الرُّسُل 26: 28 على ما أعتقد) أشارَ إلى ذلك. وأخيرًا، صارَ المُؤمِنونَ يُطلقونَ هذا اللَّقَبَ على أنفُسِهم. ولكِنْ في البداية، كانَ هذا اللَّقَبُ لَقَبًا للسُّخرية. ولكِنَّهُ صَارَ لَقَبًا مُحَبَّبًا لَديهم كَما هُوَ مُحَبَّبٌ لَدينا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "إنْ كُنتَ تَتألَّمُ لأنَّك مَسيحيّ، لا تَخْجَل. لا تَخجَل. بل لِيَفتَخِر بذلك اللَّقَب، أيْ باللَّقَبِ "مَسيحيّ". لِيَفتَخِر بذلكَ اللَّقَبِ الَّذي يُشيرُ إلى أنَّهُ تَابِعٌ ليسوعَ المسيح، وَيُمَجِّدِ اللهَ مِنْ هذا القَبيل. وما مَعنى ذلك؟ مَجِّدِ اللهَ على هذا الامتياز. مَجِّدِ اللهَ على هذا الامتياز. لماذا؟ لأنَّكَ تَشتركُ في آلامِ المسيح، ولأنَّ رُوحَ المَجدِ يُقَوِّيكَ، ولأنَّكَ ستَحصُلُ على ثِقَلِ مَجْدٍ أبديّ. لهذهِ الأسبابِ الثَّلاثةِ مُجتمعَةً.
وهناكَ سببٌ آخر في العدد 17: "لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟" وهذه آية مُدهشة. فهو يقولُ إنَّكَ إنْ تَألَّمتَ كَمسيحيٍّ، فلأجلِ هذا اللَّقَبِ العَظيم، يجب عليكَ أنْ تَفرحَ بأنَّكَ تَتألَّمَ. ويجب عليكَ أنْ تُسَبِّحَ اللهَ على هذا الامتيازِ لأنَّكَ تَشترِك في آلامِ المسيح، ولأنَّ رُوحَ المَجدِ يَحِلُّ عليكَ ويُقَوِّيكَ. ويجب عليكَ أنْ تَفرحَ بسببِ القُوَّةِ الَّتي يَمْنَحُكَ إيَّاها الرُّوحُ، ولأنَّكَ تُضيفُ ثِقَلاً إلى مُكافأتِكَ الأبديَةّ. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قائلاً هُنا: "يجب عليكَ أنْ تَنظُرَ إلى الألمِ كَعلامة على أنَّ النِّهاية قدِ اقتربَتْ. لِذا فإنَّ الأوانَ قَدْ آنَ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ". ويا لَها مِنْ جُملة مُهِمَّة! ارِجعوا إلى العدد 7. هل تَرَوْنَ كيفَ يَبتدئُ العدد 7؟ "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ". وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ هُناكَ (في العدد 17) إنَّ وَقْتَ الدَّينونَةَ قد آن. وبالمُناسَبة، فإنَّ الكلمة "وقت" هُنا هي ليست "كرونوس" (chronos). فهو ليسَ الوقت الَّذي يُحْسَبُ بالسَّاعة، بل هي الكلمة "كايروس" (kairos) الَّتي تُشيرُ إلى اللَّحظةِ الحَاسِمَة. فهي اللَّحظة الحَرِجَة. وهوَ وَقْتُ ابتداءِ القَضاء. ويا لَها مِن جُملة رائعة!
وبِمَجيءِ يسوعَ المسيح...وأُريدُ منكم أنْ تُرَكِّزوا مَعي في هذه الفِكرة...بِمَجيءِ يسوعَ المسيح جاءَ التَّدبيرُ المَسيحيُّ الَّذي يُعْرَفُ لَدينا بِتَدبير الكَنيسة. فالمسيحُ جاءَ وَتَألَّمَ وَمَات. فهذه هي بِدايةُ النِّهاية. وهو الزَّمانُ الأخير. فالمسيحُ جَاءَ في نِهايَةِ الدَّهر. ونحنُ نَعيشُ في نِهايةِ الدَّهر، وفي الزَّمانِ الأخير. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ: "لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاء". وَمَتى ابتدأَ؟ لقدِ ابتدأَ على الصَّليبِ عندما دِيْنَتْ خَطايانا في المسيح. ونحنُ نَعيشُ في زَمَنِ القَضاء. لِذا فإنَّ آلامَ المسيحيِّينَ هي جُزءٌ مِنْ خُطَّةِ اللهِ لتنفيذِ الدَّينونةِ الَّتي سَتَبلُغُ الذُّروةَ أمامَ العَرشِ الأبيضِ العَظيم.
والآن، رَكِّزوا مَعي: إنَّ بُطرسَ لا يَتحدَّثُ عنِ الدَّينونةِ عندَ استخدامِهِ للكلمة "قَضاء"، بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ التَّأديبِ، والامتحانِ، والتَّطهيرِ، والتَّمحيص. ولكِنَّهُ يَقولُ (مُعْطِيًا إيَّانا لَمحةً عن هذا التَّدبير) إنَّهُ يَقولُ: في هذا التَّدبير، سوفَ يُمارِسُ اللهُ القَضاءَ. ولكي يَبتدئَ بِمُمارَسَةِ قَضائِهِ فإنَّهُ يَقضي، أو يُطَهِّر، أو يُمَحِّص، أو يُؤدِّب، أو يُنَقِّي كَنيسَتَهُ. والأمرُ يَبتدئُ بتلك الطريقة وينتهي بالدَّينونة الأخيرة على الأشرار. فهذا هو ما يَقولُه. فإنِ كانَ القَضاءُ يَبتدئُ بتطهيرِ بيتِ الله، ويَبتدئُ بِنا أوَّلاً، ماذا ستكونُ نهايةُ أولئكَ الَّذينَ لا يُطيعونَ إنجيلَ الله؟ بعبارة أخرى، إنْ كانَ اللهُ يُمارِس قَضاءَهُ على أولئكَ الَّذينَ يُؤمِنون، وهو شيءٌ مُهِمٌّ وخَطيرٌ إلى هذا الحَدِّ، كيفَ سيكونُ القَضاءُ على أولئكَ الَّذينَ لا يُؤمنون؟ فَشَعبُ اللهِ سَيَختبِر القَضاء، والامتحان، والغَرْبَلَة، والتَّنْخيل، والتَّمحيص لإزالةِ الشَّوائب. فالكنيسة تَخْضَعُ دائمًا لعمليَّةِ التَّطهيرِ والتَّمحيص. والعِبارة "بيت الله" هُنا تُشيرُ إلى الكنيسة، أيْ إلى جَماعَةِ المَفدِيِّينَ عَامَّةً. فإذا رَجَعنا إلى الأصحاح الثاني والعدد الخامس، نَرى أنَّنا نُدعَى "بَيْتًا رُوحيًّا"... بَيْتًا رُوحيًّا. ونَقرأ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 3: 15 أنَّ بَيْتَ اللهِ هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ. لِذا، فإنَّ هذا هو ما يَعنيه. فبُطرس يَتحدَّثُ عنِ الكنيسة. وَهُوَ يَتحدَّث بصيغةِ الجَمْعِ هُنا. وَهُوَ يقولُ: إنْ كانَ اللهُ عَاكِفًا على تَطهيرِ كنيسَتِه، وإنْ كانَتْ عَمليَّةُ تَمْحيصِ الكنيسة ضَروريَّة، كيفَ ستكونُ الحالُ عندما يُمارِسُ اللهُ قضاءَهُ النِّهائيَّ على أولئكَ الَّذينَ لا يُطيعونَ إنجيلَ الله؟ فهذا التَّطهيرُ، وهذا التَّقييمُ، وهذا الامتحانُ ضَروريٌّ في هذا الدَّهر. وهُناكَ تَشبيهٌ رائعٌ لذلك في سِفْر حِزْقيال 9: 6. ففي سِفْر حزقيال، عندما نَظرَ اللهُ إلى الخُطاةِ على الأرض، وأرادَ أنْ يُطَهِّرَهُم، قال: "أُريدُ أنْ أُطَهِّرَ الأرض". فقد كانَ هذا هُوَ ما نَوى أنْ يَفعلَهُ. وقد قالَ ما يَلي [وأنا أَقتَبِس]: "ابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي. ابتَدِئوا بإسرائيل". فاللهُ سَيَدينُ في نِهايةِ المَطافِ الأشرار. والآن، إنَّهُ يُطَهِّرُ ويُنَقِّي كَنيسَتَهُ. لِذا، عندما تَتألَّم مِن أجلِ البِرّ، فإنَّ ذلكَ الألمَ هُوَ تَطْهيرٌ مِنَ الله، وَتَنْقِيَة مِنَ الله، وامتحانٌ مِنَ الله. وأنا أقولُ لكم: عندما تنظُرونَ إلى الكنيسةِ الَّتي تَطَهَّرَت، وعندما تَنظرونَ إلى الكنيسةِ الَّتي مَرَّتْ بالامتحان، وعندما تَنظرونَ إلى الكنيسةِ الَّتي اضْطُهِدَت، ستَجِدونَ كنيسةً طاهرةً. أليسَ كذلك؟ لِذا، انظُر إلى اضطِهادِك وَقَيِّمْهُ تَقييمًا سَليمًا. هل تَرى أنَّ اللهَ قدِ ابتدأَ بالقضاءِ مِنَ البيتِ الَّذي يُحِبُّهُ، وأنَّهُ ابتدأَ بعمليَّةِ التَّنقيةِ في هذا الدَّهر؟ وكما تَرَوْنَ، قبلَ أنْ تأتي الدَّينونة الأخيرة النهائية، يجب على الكنيسة أن تَكرِزَ بالإنجيلِ للعالَم. ولكي تكونَ الكنيسةُ فاعِلَةً في الكِرازة إلى العالم، يجب أن تَتطهَّر مِنَ الخطيَّة، وأنْ يَتِمَّ فَصْلُ الحِنْطَةِ عنِ الزَّوان، وأنْ يَتِمَّ تَطهيرُ الأشخاصِ الجسديِّينَ أو إزالَتُهُم. وحينئذٍ، يُمكنُ للكنيسة أنْ تَنطَلِق.
لِذا، انظروا إلى الاضطهادِ بأنَّهُ قَضاءُ اللهِ الَّذي لا بُدَّ أنْ يأتي. وَهُوَ لا بُدَّ أن يأتي أوَّلاً على بيتِهِ قبلَ أنْ يأتي على الغُرباء. فأوَّلاً، سوفَ يُطَهِّرُ اللهُ كنيسَتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ سَيَدينُ الأشرار. وإنْ كانَ يَبتدئُ بنا (وَهُوَ كذلكَ حَقًّا)، كيفَ سيكونُ عِقابُ أولئكَ الَّذينَ لا يُؤمنون؟ فقَضاءُ اللهِ يَبتدئُ مِنْ بَيتِه، ولكِنَّهُ لا ينتهي هناك. فبُطرُس يَنظُر إلى ما بعدَ ذلكَ فَيَرى مأساةَ الدَّينونة الأبديَّة. وما الَّذي يَقولُهُ؟ إليكُم المَعنى المقصود: "مِنَ الأفضل جدًّا أنْ تَحتمِلوا الألمَ كَتَطهيرٍ مِنَ الرَّبِّ لكنيسَتِه، وأنْ تَحتمِلوهُ بفرحٍ، على أنْ تَتألَّموا في المُستقبل بالعَذابِ الأبديّ". هل تَرَوْنَ هذه النُّقطة؟ انظروا إلى آلامِكُم وفَكِّروا في ذلك. فأنتَ تَقولُ إنَّهُ مِنَ الصَّعبِ أنْ تَتألَّم. ولكِنْ مِنَ الأفضل أنْ تَتألَّم الآنَ بينَما يَمْتَحِنُكَ اللهُ ويُنَقِّيكَ ويَجعَلُكَ مُلائمًا لاستخدامِهِ وَمَجْدِهِ على أنْ تَنْجُو مِنَ الألمِ الآنَ وتَتألَّم في المُستقبَل إلى أبدِ الآبِدين. فذلكَ أسوأ بكثير. أسوأ بكثير. وَهُوَ أَلَمٌ سيأتي (بحسب العدد 17) على أولئكَ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ الله". وهذا يُشبِهُ ما جاءَ في رسالة رُومية 1: 1-5 إذْ إنَّ بولسَ يَستخدِمُ نَفسَ العِبارة: "إِنْجِيل الله"...إنجيلِ الخَبَرِ السَّارِّ عنِ المسيح.
وَهُوَ يَسأل: ماذا ستكونُ النَّتيجة؟ سوفَ أقولُ لَكُم ماذا ستكون: دَينونة رَهيبة، ودينونة أبديَّة. فالآية 2 تسالونيكي 1: 4 وما يَليها تَتحدَّثُ عنِ الكنيسة المُضطَهَدة، وكيفَ أنَّ الكنيسةَ قدِ استمرَّت في الإيمانِ بالرَّغمِ مِنَ الاضطهادِ والكَرْب. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 5 إنَّ هذا الاضطهادَ هو: "بَيِّنَة عَلَى قَضَاءِ اللهِ الْعَادِلِ، أَنَّكُمْ تُؤَهَّلُونَ لِمَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي لأَجْلِهِ تَتَأَلَّمُونَ أَيْضًا". فهو يقولُ: يجب عليكم أن تَعلموا أنَّ هذا الاضطهادَ هو بُرهانٌ واضحٌ... فَكُلُّ هذه الضِّيقات، وكُلُّ هذه المَتاعِب، وكُلُّ هذهِ الآلام، هي بُرهانٌ واضِحٌ على أنَّ اللهَ قدِ ابتدأَ بِمُمارَسَةِ القَضاءِ عليكم، وتَطهيرِكُم، وتَنقِيَتِكُم، وامتِحانِكُم، وَجَعْلِكُم أكثرَ نَفْعًا. فهو يَسْمَحُ لَكُم بأنْ تَشترِكوا في آلامِ المسيح. وَهُوَ يَبني فيكُم ثِقَلَ مَجْدٍ أبديًّا. وهذا أفضَل جِدًّا...أفضل جدًّا مِمَّا سَيَختَبِرُهُ بَقيَّةُ العَالَم: "إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ". لِذا، لا تَتَذَمَّروا بسببِ الألمِ الآن لأنَّكُم سَتُمَجَّدونَ لاحِقًا. فهُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ لا يَتألَّمونَ الآن، ولكِنَّهُم سيتألَّمونَ إلى أبدِ الآبِدينَ وَإلى دَهْرِ الدُّهور.
ثُمَّ إنَّ بُطرسَ يُدَعِّم نُقطَتَهُ هذه باقتباسٍ في العدد 18. وهذا الاقتباسُ مأخوذٌ مِنْ سِفْرِ الأمثال 11: 31. فبُطرس يقول: "وَ «إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟»". والحقيقة هي أنَّ الآية أمثال 11: 31 تَقول: "هُوَذَا الصِّدِّيقُ يُجَازَى فِي الأَرْضِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الشِّرِّيرُ وَالْخَاطِئُ!" وَبُطرسُ يُفَسِّرُ الكلماتِ بِتَصَرُّف. وعندما يَقول: "وَإِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ"، فإنَّ الكلمة "جُهْد تُشيرُ إلى الألمِ الَّذي جَلَبَهُ ذلكَ الاضطهادُ على المُؤمِن. فَخلاصُنا يَجلِبُ اضطهادًا. وخَلاصُنا يَجلِبُ ضِيقًا، وقَضاءً، وامتحانًا تأديبيًّا، وتَقويميًّا، وتَطهيريًّا، وتَعليميًّا، وعِلاجِيًّا مِن خلالِ الألمِ الَّذي [انْتَبِهوا إلى ما سأقول] يَحفَظُنا مِنَ اقتِرافِ خَطايا تَدينُنا. فذلكَ القَضاءُ سيَستمرُّ في الكنيسة إلى أنْ يأتي الاختِطاف، وَحَتَّى بعدَ ذلك. فعندما يَفدي اللهُ جيلاً جَديدًا مِنَ النَّاسِ، فإنَّهُم سَيَتألَّمونَ أيضًا. وإنْ كانَ ذلكَ صَعبًا جدًّا، وكانَ هُناكَ ألَمٌ كبيرٌ جدًّا عندما يُطَهَّر المُؤمِن، ما الَّذي سيَحدُثُ للإنسانِ الفاجِرِ والخَاطئ؟ فهو يَسأل. فما نَوعُ الألمِ الَّذي سيَختبرونَه إنْ كُنَّا نَحنُ نَختَبِرُ هذا الألم؟ والجوابُ هو: إنَّهُ أَلَمٌ أكبر بكثير. فَهُمْ سَيُطرَحونَ في بُحيرةِ النَّارِ الَّتي تَضْطَرِمُ بِنارٍ وَكِبريتٍ إلى أبدِ الآبِدين حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأ.
لِذا فإنَّ هذا كُلَّهُ يُساعِدُنا على أنْ نَرى أهميَّةَ التَّقييمِ السَّليمِ لآلامِنا. فيجب أنْ نَتألَّمَ مِن أجلِ البِرّ، لا مِن أجلِ خطيَّة. لِذا، لا يَجوزُ أنْ نَخْجَلَ عندما نَتألَّم، بل يجب علينا أنْ نُمَجِّدَ اللهَ لأنَّهُ يُطَهِّرُ كَنيسَتَهُ لأنَّ القَضاءَ ينبغي أنْ يَبتدئَ إنْ كُنَّا سَنَصيرُ شَعبًا طاهرًا يَكْرِزُ للعَالَم. لِذا، عندما تَرى أنَّكَ تَتألَّم، انظُر إلى آلامِكَ نَظرةً صَحيحةً وَقَيِّمها. فيجب أنْ تَكونَ تَذكيرًا جَيِّدًا بالعَذابِ الأقسَى بكثير الَّذي كانَ يُمكِن أنْ يَكونَ مِنْ نَصيبِنا والذي سيكونُ مِنْ نَصيبِ مَنْ يَعيشونَ مِنْ دونِ المسيح. إذًا، كيفَ ينبغي لنا أنْ نَتعامَلَ مَعَ الألم؟ تَوَقَّعوهُ، وافْرَحوا فيهِ، وَقَيِّموهُ تَقييمًا سَليمًا. فهو نِعمة مِنَ اللهِ لِتَطهيرِ كَنيسَتِه وَجَعْلِها نَافعةً، وتَحسينِ شَرِكَتِنا مَعَ المسيح، وزيادةِ ثِقَلِ المَجْد. فَهُوَ ألَمٌ لا يُقارَن بالألمِ الرَّهيبِ الَّذي سَيَنالُهُ الخُطاةُ والفُجَّارُ إلى أبدِ الآبدين.
وهُناكَ نُقطة أخيرة: تَوَقَّعوا الألم، وافرَحوا في الألم، وَقَيِّموا الألَم. رابعًا: استَوْدِعوا أنفُسَكُم لَدى اللهِ. استَوْدِعوا أنفُسَكُم لَدى اللهِ. والإنسانُ الفَاجِرُ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك. والإنسانُ الخاطئُ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك. فسوفَ يَكونُ الأوانُ قد فَات. ولكِنَّنا أنا وأنتَ نَستطيعُ أنْ نَفعلَ ذلك في وَسْطِ آلامِنا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: "فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ، فِي عَمَلِ الْخَيْرِ". والكلمة "فإذًا" مَوجودة هُنا لأنَّ النَّظرةَ السَّليمة إلى الألم قد لُخِّصَتْ أصلاً. فلأنَّكُم تَفهمونَ الآنَ الألم، وتَفهمونَ الآنَ أنَّهُ عِلاجِيّ، وتَقويميّ، وتَطهيريّ، وتَعليميّ، ولأنَّكُم تَفهمونَ أنَّ اللهَ يَستخدِمُهُ لامتحانِكُم، ولتطهيرِكُم، ولِجَعلِكُم أكثرَ نَفْعًا، ولإعطائِكُم ثِقَلَ مَجْدٍ أعظم: "فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ..." – فَهذه هي مَشيئةُ اللهِ لأنَّهُ يُطَهِّرُ كَنيسَتَهُ. "...فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ".
فنحنُ نَتألَّمُ بحسبِ مَشيئَةِ اللهِ. فهذا هوَ قَصدُه، وهذه هي مَشيئَتُهُ لأولادِه: أنْ يُطَهِّرَنا، ويُنَقِّينا، ويُؤدِّبَنا، ويَجعَلَنا أكثرَ رِفْقًا، ويَجعَلَنا فَاعِلين. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "يَستودِع" هي مُصْطَلَحٌ مَصْرِفِيّ يَعني: "يُوْدِع لأجْلِ الحِفْظ". فإنْ اختَبرتَ الألم، خُذْ نَفْسَكَ وأَوْدِعْها لَدى الله. والكلمة "نَفْس" هُنا تَعني حَياتَكَ، وكِيانَكَ، وشَخْصَكَ: "فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ". وهذا هو المكانُ الوحيدُ في الكتابِ المقدَّسِ الَّذي تُستخدَمُ فيهِ تلكَ العِبارة. ولماذا يَستخدِمُها؟ استَمِعوا إلى ما يَلي: إنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "خَالِق" لكي يُذَكِّرَنا بأنَّنا نُعيدُ للهِ ما خَلَقَهُ. وهذا يَعني أنَّهُ أكثر مِن قادِر على الاعتِناءِ بِهِ. أليسَ كذلك؟ وعندما نَقولُ إنَّهُ خَالِقٌ أَمينٌ، يُمكِنُنا أنْ نَأتَمِنَهُ على أنفُسِنا. فِلأنَّهُ الخَالِق، فإنَّهُ أفضَل مَنْ يَعرِف حاجاتِ مَخلوقاتِهِ الَّتي يُحِبُّها. ولأنَّهُ خَالِقٌ أمين، فإنَّهُ سَيَسُدُّ هذه الاحتياجات لأنَّهُ أمينٌ في وَعْدِهِ: "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ". وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "يَستودِعوا" هُنا ("فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ")..."باراتيثيمي" (paratithemi)، هي نفسُ الكلمة الَّتي استخدَمَها يسوعُ على الصَّليب عندما استودَعَ رُوحَهُ في يَدَيِّ الآبِ. فهي نفسُ الكلمة. ففي وَسْطِ آلامِهِ، استَودَعَ رُوحَهُ لَدى الله. وبُطرسُ يَقولُ: "قَدِّمُوا حَياتَكُم للهِ لكي يَحْفَظَها في وَسْطِ أَقْسى الآلام. فَهُوَ جَديرٌ بالثِّقَةِ وسيكونُ أمينًا. وَتَنتهي تلكَ الجُملة بالعبارة: "فِي عَمَلِ الْخَيْر".
وهذا هو مَكانُها الصَّحيح. فنحنُ نَفعلُ ما هُوَ خَيْر، وَنَستودِعُ أنفُسَنا لَدى اللهِ. فنحنُ نَتألَّم، ونَستودِعُ أنفُسَنا لِخالِقٍ أمينٍ، ونُواظِبُ على عَمَلِ الصَّلاح. بعبارة أخرى: بينَما تُواظِبونَ على عَمَلِ الصَّلاح، اقبَلوا ما يَحدُث، وَاستودِعوا أنفُسَكُم لدى اللهِ. مِن دونِ تَقصيرٍ، بل بِطاعَةٍ وتَكريسٍ وأمانَة. وَاظِبُوا وَحَسْب على عَمَلِ الصَّلاح. لِذا، عندما تأتي الآلامُ في حياةِ المُؤمِن، يجب علينا أنْ نَتوقَّعها، وأنْ نَفرحَ فيها، وأنْ نَنظُرَ إليها نَظرةً فاحِصَةً كي نُقَيِّمَها. فهل هذه الآلام ناجِمَة عن خطيَّة، أَم أنَّها ناجِمَة عنِ البِرّ؟ وهلِ اللهُ يُطَهِّرُنا، ويُنَقِّينا، ويَمتَحِنُنا لكي نَكونَ أكثرَ نَفْعًا وأكثرَ مَجْدًا؟
وقد كُنتُ أُفَكِّرُ في "جيفري بُلْ" (Jeoffrey Bull). ففي سِنِّ الثَّلاثين، سُجِنَ مُدَّةَ ثلاثِ سِنين وَشَهرين مِنْ قِبَلِ الشُّيوعِيِّينَ الصِّينيِّين. وقد سُجِنَ جُزءًا مِنْ ذلكَ الوقت في حَبْسٍ انفراديٍّ، وَتَعَرَّضَ إلى التَّجويع، والتَّهديد، والمُضايَقة، وأُخْضِعَ لأساليب جُهَنَّمِيَّة لِغَسْلِ دِماغِهِ. وقد كانَ يُحاوِلُ يائِسًا أنْ يَحتَفِظَ بِقُواه العَقليَّة السَّليمة بأنْ أَجرى ذاتَ مَرَّة دراسة خاصَّة للأنواعِ السِّتَّة المُختلفة مِنَ البَعوضِ في زِنزانَتِه لِمُجَرَّدِ الحِفاظِ على سَلامَتِهِ العَقليَّة. وفي وَسْطِ هذا كُلِّه، أَلَّفَ قَصيدةً طَويلةً جِدًّا لن أُخَصِّصَ وَقتًا لقراءَتِها كاملةً، ولكنِّي سأكتفي فقط بقراءةِ خَمسة أبيات قصيرة مِنها. وقد كانت هذه هي صَلاتُهُ في وَسْطِ آلامِهِ المُريعَة:
لا تَدَع وَجْهَكَ يَكْبو يا رَبّ، ولا الشُّعورَ بِحُضورِكَ يُفارِقُني،
وَلا تَدَع ذِكرى كَلِمَتِكَ تَخْبو شيئًا فشيئًا في قلبي.
لا تَدَع رُوحي، يا رَبُّ، يَتَخَدَّر بسببِ الوَحْدَةِ أوِ المَخاوِف،
وَلا تَدَع قلبي يَغرَقُ في بَحْرِ الشَّكِّ ويَمْنَعُ عَينيَّ مِنَ البُكاء.
لا تَدَع المَسافةَ تَزدادُ بِمُرورِ الشُّهورِ والسِّنين،
ولا تَدَع الظَّلامَ يَحْبِسُني، ولا تَدَعْني أفقِد سَلامَكَ.
لا تَدَعِ ضَغْطَ العَدُوِّ يَسْحَقُ مَحَبَّتي لَكَ،
ولا تَدَع التَّعَبَ والوَيْلَ يَسْحَقُ نُصْرَتي بِكَ.
والعَدَدُ الأخيرُ يَقول:
لأنَّ فَرَحَكَ هُوَ فَرحي، ورَجائي هو أنْ تأتي،
ومَلكوتُكَ، أيُّها الرَّبُّ المُنْعِمُ، لن يَتلاشى يَومًا.
يجب علينا أنْ نَعيشَ في هذا النَّوعِ مِنَ الثِّقَة. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على شَهادَةِ قِدِّيسٍ أَمينٍ في وَسْطِ ظُروفٍ لا تُحتَمَل وَجَدَ قُوَّتَهُ فيكَ. ونَشكُرُكَ، يا رَبُّ لأنَّ مَشيئَتَكَ هي أنْ تُمَحِّصَنا وَتُطَهِّرَنا وتُنَقِّينا مِنْ خلالِ الضِّيقاتِ، ولا سِيَّما مِنْ خِلالِ الاضطهادِ عندما نَعيشُ بِجُرأةٍ لأجلِ المسيح. ويا لَيتَنا نَعلَمُ أنَّنا إنْ لم نَكُن جَريئينَ لأجلِ المسيح فإنَّنا لن نَختبرَ الألمَ، ولن نَختبرَ مَجْدَ الاشتراكِ في آلامِ المُخَلِّص، ولن نَختبرَ مَجْدَ الرُّوحِ الَّذي يَحِلُّ علينا، ولن نَختبرَ المَجدَ الأبديَّ. لا يا رَبُّ! فإنْ لم نَكُن مُستعدِّينَ لأنْ نكونَ جَريئينَ لأجلِ المسيح، قد نَتَمَكَّنُ مِنَ الهَرَب، ولكِنَّنا لن نُمْتَحَن، ولن نُمَحَّصَ، ولن نُنَقَّى، ولن نُطَهَّرَ كي نَكونَ آنيةً نافعةً للاستعمال. لِذا، امْتَحِنْ، يا رَبُّ، أمانَتِنا. وابتَدِئ ذلكَ القَضاءَ بِنا نَحن لكي تَكونَ كَنيسَتُكَ طاهرة ونافعة لَكَ. ونحنُ نَشكُرُكَ على هذا الامتياز. فمعَ أنَّهُ يُحْكَمُ علينا هُنا والآن، فإنَّنا سنَتحرَّرُ إلى الأبد مِنْ أيِّ دَينونة كي نَشتركَ وَحَسْب في مَجْدِكَ الأبديِّ. ويا أبانا، نحنُ نُصَلِّي لأجلِ أيِّ أشخاصٍ في وَسْطِنا نَجَوْا مِنَ التَّألُّمِ مِنْ أجلِ البِرِّ في هذه الحياة ولكِنَّهُم سيتألَّمونَ بسببِ الخطيَّة إلى الأبد. فيا ليتَ هذا اليومَ يكونُ اليومَ الَّذي يأتونَ فيهِ إلى المُخَلِّص كي يَتوبوا عن خَطيَّتِهم ويَعترفوا بِهِ رَبًّا وإلهًا ومُخَلِّصًا. نُصَلِّي هذا باسمِهِ. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
