Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المَساء، سنَتأمَّلُ في رسالةِ بُطرس الأولى في دَرسِنا هذا. ويا لَهُ مِن فَرحٍ لنا أن نأتي مَرَّةً أخرى إلى هذه الرِّسالةِ الرائعةِ الَّتي كَتَبَها الرَّسولُ العَزيزُ الَّذي نُحِبُّهُ جدًّا: بُطرس. نَصِلُ إلى الأعداد 10-12 الَّتي يَبتدئُ فيها حَقًّا في فَتحِ قَلبِهِ في هذه الرِّسالة الرائعة. ولو أردتُ أن أُعَنْوِنَ هذهِ الآياتِ الثَّلاث القصيرة، سأختارُ العُنوانَ: "عَظَمة خَلاصِنا". فهذا هو في اعتقادي مَوضوعُهُ: "عَظَمة خَلاصِنا".

ابتداءً مِنَ العددِ العاشِرِ، يَكتُبُ بُطرس: "الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. الَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا".

ما أن يَبتدِئَ بُطرسُ رِسالَتَهُ حتَّى نَرى أنَّ حَقيقةَ الخلاصِ مَوجودة في قلبِه. فهو يَذكُرُهُ في العددِ الخامِس. وهو يَذكُرُهُ [كما لاحظنا للتَّوّ] في العددِ التَّاسع. وهو يَذكرُهُ مَرَّةً أخرى في العددِ العاشِر. وهو يَكتُبُ [إن كُنتُم تَذكرونَ] إلى مُؤمنينَ مُضطَهدينَ، ومُشَتَّتينَ، ومَرفوضينَ، ومُبغَضينَ، ومُحتَقرينَ يَدعوهُم في العددِ الأوَّل "مُتَغَرِّبينَ ومُشَتَّتين". فَهُم يَعيشونَ في عالَمٍ مُعادٍ. وقد اتُّهموا زُورًا بإحراقِ رُوما وتَصاعَدَ الاضطهادُ ضِدَّهُم. وبُطرسُ في هذا المَقطعِ الافتِتاحيِّ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل يَقولُ في الحقيقةِ: بِغَضِّ النَّظرِ عن صُعوبةِ الأمرِ، وبِغَضِّ النَّظرِ عن قَسوةِ الاضطهادِ، وبِغَضِّ النَّظرِ عن ألمِ الرَّفضِ، يُمكنكم دائمًا أن تَنظروا إلى خلاصِ نُفوسِكُم.

ففي العددِ الأوَّل، لَمَّحَ إلى أنَّكُم قد تُلاقونَ رَفضًا مِنَ العالَمِ؛ ولكنَّ اللهَ اختارَكُم. وقد يَلعَنَكُمُ العالَمُ [في العدد 3]؛ ولكنَّكم تَبارَكتُم مِنَ اللهِ الَّذي يَنبغي أن تُبارِكوه. لِذا، بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الصُّعوبات فإنَّهُ يُريدُ مِن قُرَّائِهِ أن يُرَكِّزوا على خَلاصِ نُفوسِهم؛ أي على ذلك الإنقاذِ الأخيرِ مِنَ الخطيَّةِ، والشَّيطانِ، والموتِ، وجَهنَّم؛ وهو خَلاصٌ شاءَ اللهُ بنعمتِهِ أن يُعطيهم إيَّاه مِن خلالِ الإيمانِ بابنِهِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح.

فبُطرسُ يَحتفِلُ بالخلاص. وأحيانًا، بالنِّسبةِ إلى المؤمنينَ طَوالَ تاريخِ الكنيسة، لم يَكُن هناكَ شَيءٌ كثيرٌ يَستوجِبُ الاحتفال. ولكنَّ بُطرسَ يُذكِّرُهم بأنَّهُ بغَضِّ النَّظرِ عن سوءِ الأحوالِ، وبغَضِّ النَّظرِ عن صُعوبةِ الظُّروف، يجب عليهم أن يَتمتَّعوا برجاءِ خلاصِهم الأبديِّ. وبذلكَ يُمكنهم أن يَتَعَزُّوا.

الخَلاص! يا لها مِن كلمة! فهل توجدُ أيَّة كلمة أخرى مُباركةٌ بقدرِ تلك الكلمة؟ وهل هُناكَ كلمة أخرى تَنطوي على الرَّجاءِ مِثلَ تلك الكلمة؟ وهل هناكَ كلمة أخرى مُعَزِّية مِثلَ تلك الكلمة، أو تُعطي الأمانَ مِثلها؟ أو تُعطي اليَقينَ مِثلَها؟ لا أعتقدُ ذلك. الخلاصُ، الخلاصُ الرُّوحيُّ، إنقاذُ النَّفسِ البشريَّةِ مِنَ الخطيَّة والموتِ وجَهنَّم والشَّيطان. إنَّها أعظمُ فكرةٍ في الكتابِ المقدَّس.

وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس؟ إنَّ الإنسانَ مُذنبٌ بسببِ الخطيَّة. ولأنَّهُ مُذنبٌ باقترافِ الخطيَّة، فإنَّهُ مَاضٍ إلى الدَّينونةِ الأبديَّة ليَقضي الأبديَّةَ في عَذابِ جَهنَّم. وهو بحاجة مُلِحَّة إلى الإنقاذِ مِنها. وهو بحاجة إلى الخلاصِ والتَّحرير. وهو لا يَستطيعُ أن يُخَلِّصَ نَفسَهُ. والكتابُ المقدَّسُ يُوضِّحُ تَمامًا أنَّهُ مِن خلالِ أعمالِهِ، وأفعالِهِ الشخصيَّةِ، وجُهدِهِ الشَّخصيِّ، لا يُمكنُهُ أن يُخَلِّصَ نَفسَهُ، ولا يَستطيعُ أن يُنقِذَ نَفسَهُ، ولا يَستطيعُ أن يُحَرِّرَ نَفسَهُ. ولكنَّ رسالةَ الكتابِ المقدَّسِ هي أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ الإنسانَ لا يَستطيعُ أن يُخلِّصَ نَفسَهُ مِنَ العذابِ الأبديِّ عِقابًا لَهُ على خطيَّتِه، فإنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلكَ وسوفَ يُخلِّصُهُ.

ويُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ أنَّ اللهَ يُحبُّ الخاطئ. فاللهُ "بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رسالة رومية 5: 8). فالأمرُ لا يَقتَصِرُ فقط على أنَّ اللهَ يُحبُّ الخُطاةَ، بل إنَّهُ قادرٌ أن يُنقذَ الخُطاة. ونَقرأُ في المزمور 3: 8 الجُملةَ الرَّائعةَ التَّالية: "لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ". فهو يَملِكُ القُدرةَ على القيامِ بذلك. لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ فقط على أنَّ اللهَ يُحبُّ الخاطئَ، ولا فقط على أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُنقِذَ الخاطئَ، بل إنَّ اللهَ مُستعدٌّ أن يُنقِذَ الخاطئ. إنَّهُ اللهُ مُخَلِّصُنا "الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُون".

كذلك، لقد أعَدَّ اللهُ خُطَّةً لإنقاذِ الخاطئ. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة الثانية إلى تيموثاوس 1: 9 أنَّهُ خَلَّصَنا بِمُقتَضى قَصدِهِ. فاللهُ يُحبُّ الخاطئ. واللهُ مُستعدٌّ أن يُنقذَ الخاطئ. وَهُوَ قادرٌ أن يُنقذَ الخاطئ. وقد خَطَّطَ لإنقاذِ الخاطئ. واللهُ جَعَلَ المسيحَ الوسيلةَ لإنقاذِ الخاطئ. وبولُس يَقول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَص". فالمسيحُ هو وسيلةُ الخلاص.

وقد عَيَّنَ اللهُ أيضًا كارِزينَ يُعلنونَ أنَّ المسيحَ هو وسيلةُ الخلاص. فقد وَضَعَ اللهُ خُطَّةَ الخلاصِ مَوضِعَ التَّنفيذ. فهو يُحبُّ الخاطئ، وقادرٌ على إنقاذِ الخاطئ، ومُستعدٌّ لإنقاذِ الخاطئ، وخَطَّطَ لإنقاذِ الخاطئ، وجَعلَ المسيحَ الوسيلةَ لإنقاذِ الخاطئ، وعَيَّنَ كارِزينَ للإعلانِ عن خُطَّةِ الإنقاذِ ودَعوةِ الخُطاةِ إليه؛ أي دَعوةِ الخُطاةِ إلى التَّوبة.

لِذا، يجب علينا أن نَحمدَ اللهَ [أليسَ كذلك؟] على ما فَعَلَهُ؛ أي على الخلاصِ الَّذي دَبَّرَهُ لنا بمُقتضى مَشيئتِهِ كما جاءَ في العَددين الأوَّل والثَّاني. فيا لها مِن هِبَةٍ عظيمةٍ مِنَ اللهِ تَتَمَثَّلُ في خَلاصِنا الأبديّ. والأمرُ المُحزِنُ بهذا الشَّأنِ هو أنَّنا إن لم نَحذَر فإنَّنا سنَفقِدُ شُعورَنا بالامتنان. فقد قالَ أحدُ الأشخاصِ: "الأُلفَةُ الزَّائدةُ تُوَلِّدُ الازدِراء". وهو مُحِقٌّ. لِذا، يجب علينا ألاَّ نَفقِد يَومًا ذلكَ الفَرَحَ القَلبِيَّ النَّاجِمَ عن خلاصِنا لأنَّهُ مِنَ السَّهلِ أن نَفعلَ ذلك.

وفي سِفْرِ أخبارِ الأيَّام الأوَّل 16: 23، هناكَ آية رائعة تُذَكِّرُنا بذلك: "غَنُّوا لِلرَّبِّ... بَشِّرُوا مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ بِخَلاَصِهِ". وهذه حِكمة. فالتَّرنيمُ للربِ والمُناداةُ بالخبرِ السَّارِّ بخلاصِهِ مِن يومٍ إلى يَومٍ يُساعِدُكَ على أقلِّ تَقدير على عدمِ النِّسيانِ لِئلاَّ تَصيرَ شَخصًا لا مُباليًا بحقيقةِ عَظَمَةِ خَلاصِك.

وفي المَزمور 96: 2، نَجِدُ نفسَ الجُملةِ تَتكرَّر: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ"، ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ: "بَارِكُوا اسْمَهُ، بَشِّرُوا مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ بِخَلاَصِهِ". فالقلبُ الَّذي يُرَنِّمُ للربِّ دائمًا على خَلاصِنا سيَجعلُنا نَتذكَّرُ ذلكَ دائمًا.

وبُطرسُ يُريدُ أن يَدعو قُرَّاءَهُ ويَدعونا نحنُ إلى تَذَكُّرِ عَظَمةِ خلاصِنا، وإلى عِبادةِ اللهِ، وحَمْدِ اللهِ، وتَقديمِ الشُّكرِ للهِ على ذلكَ الامتيازِ الَّذي مَنَحَنا إيَّاه بأن خَلَّصَنا إلى الأبد. وكانَ بُطرسُ قد قالَ في العَددين 3 و4 - يُمكِنُكم أن تَنظروا إلى هَذين العَدَدينِ إذ يَقول: "الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". ويجب أن يكونَ ذلكَ الأمرُ أعظمَ مَصدرٍ للفرحِ في وسطِ آلامِنا. فبِغَضِّ النَّظرِ عن سوءِ الأحوال، فإنَّ العددَ الثَّامنَ يَقولُ إنَّهُ يجب علينا أن نَبتَهِجَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ لأنَّنا نَعلمُ أنَّنا سنَنالُ خَلاَصَ نُفوسِنا.

وهذا تَذكيرٌ جَيِّد. فبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا يَحدُثُ في الحياةِ، يجب علينا أن نُرَكِّزَ على الخلاص. وعندما لا تَسيرُ كُلُّ الأمورِ في الحياةِ كما نَتمنَّى، يجب علينا أن نَرجِعَ إلى هذه النُّقطة: بَرَكة خلاصِنا الأبديّ. فهذه هي فِكرتُه.

والآن في هذه الآياتِ الثَّلاث، سوفَ تَجِدونَ الأمرَ الرَّائعَ التَّالي: فهو يَتحدَّثُ عن عَظَمَةِ الخلاصِ أو عن بَرَكَةِ الخلاصِ بطريقةٍ غير عاديَّة البتَّة. فإن جَلستُ لكتابةِ هذا المَقطعِ الصَّغيرِ عن عَظمةِ الخلاص، لن أَكتُبَ بهذه الطَّريقة. صحيحٌ أنَّني كنتُ سأتحدَّثُ عن حقيقةِ أنَّ الخلاصَ عظيمٌ بسببِ عظمةِ اللهِ الَّذي وَهَبَهُ. فالخلاصُ عَظيمٌ بسببِ المُخلِّصِ العظيمِ الَّذي اشتراهُ. والخلاصُ عَظيمٌ بسببِ الفَرقِ الهائلِ، والتَّغييرِ الهائلِ، والتَّغيير الجَذريِّ الَّذي يُحدِثُهُ في الحياة. وقد كنتُ سأُركِّزُ على خُطَّةِ اللهِ، وعملِ المسيحِ، والتَّغييرِ الَّذي يَحدُثُ في حياةِ الإنسان. وعليهِ، كنتُ سأُظهِرُ عَظَمة الخلاص.

ولكنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَفعلُ ذلك. فعِوَضًا عنِ النَّظرِ [أرجو أن تُلاحظوا هذه النُّقطة لأنَّهُ يجب عليكم أن تَفهموها. وإلاَّ لن تَفهموا القصدَ مِن هذا المَقطع]. فعِوَضًا عنِ النَّظرِ إلى عَظمةِ الخلاصِ مِن خلالِ أعيُنِ المُتَلَقِّي، فإنَّهُ يَنظُرُ إلى عَظمةِ الخلاصِ مِن خلالِ أعيُنِ الأشخاصِ الَّذينَ أعلَنوهُ. فهو لا يَنظُرُ إلى عَظمةِ الخلاصِ مِن وُجهةِ نَظرِنا، بل مِن وُجهةِ نَظرِ أربعةِ أشخاصٍ مُهِمِّينَ جدًّا: أولاً، مِن خلالِ أنبياءِ العهدِ القديمِ الَّذينَ أَعلَنوا الرِّسالة. ثانيًا، مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أَوحَى بالرِّسالة. ثالثًا، مِن خلالِ رُسُلِ العهدِ الجديدِ الَّذينَ كَرَزوا بالإنجيل. رابعًا، مِن خلالِ الملائكة. وهو يُظهِرُ عَظمةَ الخلاصِ مِن خلالِ كيفيَّةِ نَظَرِ الأنبياءِ لَهُ، وكيفيَّةِ نَظَرِ الرُّوحِ لَهُ، ومِن خلالِ نَظرةِ الرُّسُل لَهُ، ومِن خلالِ نَظرةِ الملائكةِ لَهُ. ويا لهُ مِن أسلوبٍ مُدهش! لا مِن خلالِ نَظرتِنا نحنُ إليه، بل مِن خلالِ نَظرةِ الأشخاصِ الَّذينَ أَعلنوا تلك الرِّسالة.

لِذا، يُمكنُنا أن نقولَ إنَّ هناكَ أربعة أشياء تَنجُمُ عن ذلك. فقد كانَ الخلاصُ مَوضوعَ دراسةِ الأنبياء، ومَوضوعَ وَحْيِ الرُّوح، ومَوضوعَ شَهادةِ الرُّسُل، وموضوعَ اهتمامِ الملائكة. وهذه فكرة غَنيَّة جدًّا... غَنيَّة جدًّا. وحقيقةُ أنَّ أنبياءَ العهدِ القديم كانوا مُهتمِّينَ جدًّا بهذا الموضوع، وأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ مُهتمًّا جدًّا به، وأنَّ رُسُلَ العهدِ الجديدِ كانوا مُهتمِّينَ جدًّا به، وأنَّ الملائكةَ كانوا مُهتمِّينَ جدًّا به تُشيرُ إلى عَظَمَتِه. فقد كانت هناك أمور كثيرة جدًّا يُمكِنُ أن يَهتمَّ بها الأنبياءُ، وأمور كثيرة جدًّا يُمكِنُ أن يَهتمَّ بها الرُّوحُ القُدُس، وأمور كثيرة جدًّا يُمكِنُ أن يَهتمَّ بها رُسُلُ العهدِ الجديد، وأمور كثيرة جدًّا يُمكِنُ أن يَهتمَّ بها الملائكة؛ ولكنَّ هذا الموضوعَ كانَ يَشغَلُ كُلَّ اهتمامِهم.

لِنَنظُر أوَّلاً إلى فِكرةِ دراسةِ الأنبياءِ في العددِ العاشرِ والجُزءِ الأوَّلِ مِنَ العددِ الحادي عَشر. وعليكم أن تَتذكَّروا الآنَ أنَّ ما يُريدُ بُطرسُ أن يَفعلَهُ هو أن يَجعلَنا نَفهمَ عَظَمَةَ خَلاصِنا حَتَّى إنَّهُ إن سَقَطَ أيُّ شيءٍ آخرَ مِن حَولِنا فإنَّنا سَنتمسَّكُ بذلكَ الخلاصِ الأبديِّ لنُفوسِنا لأنَّهُ أمرٌ فائقٌ جدًّا في عَظَمَتِه. لِذا فإنَّ الشَّهادةَ الأولى تأتي مِنَ الأنبياء. وهو يَبتدئُ في العددِ العاشِر: "الْخَلاَصَ [أي خَلاصَ نُفوسِنا الَّذي ذَكَرَهُ قبلَ قَليل] الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ". توقَّفوا عندَ تلك النُّقطة.

إنَّهُ يَتحدَّثُ الآنَ عنِ الأنبياءِ هُنا – أنبياءِ العهدِ القديم. وهو يَقولُ: "الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ [أي عنِ الخلاصِ الَّذي سيأتي] بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ". فَقد دَرَسوا حَرفيًّا كِتاباتِهم النَّبويَّةَ لمعرفةِ كُلِّ ما يُمكنهم مَعرفته عنِ الخلاصِ المَوعود.

والآن، فَكِّروا في الأمر: مِن بينِ كُلِّ الحقِّ الَّذي كانَ بمقدورِهم أن يَدرسوه، لماذا انشَغَلوا كُلَّ هذا الانشغال بهذا الموضوع؟ لأنَّهُ أعظمُ مَوضوعٍ في الكَون: الخلاصُ الَّذي وَفَّرَهُ اللهُ للخُطاة. ففي هذا الوقتِ المُحَدَّدِ مِنَ الزَّمن، وعلى هذا المَسرحِ الصَّغيرِ الَّذي يُدعَى "الأرض"، هذا هو أعظمُ مَوضوع. فَمِن بينِ كُلِّ الحقائقِ الَّتي تَسَلَّموها مِن خلالِ الإعلاناتِ الإلهيَّةِ لكي يَقولوها ويَكتبوها، كانَ هذا هو شَغَفُهم. فقد أرادوا أن يَفهَموا الخلاص. لِذا، كانَ هذا هو الأمرُ الَّذي سَعَى إليهِ أنبياءُ العهدِ القديم.

وإليكم تَفاصيل مُختصَّة بهذا الخلاصِ [كما يَقول]. ولا توجد أداةُ تَعريفٍ هُنا في النَّصِّ الأصليِّ، بل إشارة عامَّة وَحَسْب: "أنبياءُ تَنَبَّأوا". فَمِن مُوسَى إلى مَلاخي، كانَ كُلُّ أنبياءِ العهدِ القديمِ هؤلاءِ الَّذينَ نَطَقوا بِلِسانِ اللهِ قد رَكَّزوا أنظارَهُم على الخلاص. فقد كانوا مَفتونينَ حَقًّا بوعودِ الخلاص. وقد تقول: "ألم يَحصُلوا على الخلاص؟" بَلى! ولكن بالرَّغمِ مِن حُصولِهم على الخلاص، لاحظوا ما سأقول: فإنَّهم حَصَلوا عليهِ دُونَ أن يَرَوْا تَحقيقَهُ الكامِل. هل تَفهمونَ ذلك؟

فقد حَصلوا على هِبَةِ الخلاصِ مِن دونِ أن يَرَوا أو يَعرفوا المُخلِّصَ يسوعَ المسيح. فقد حَصلوا على هِبةِ الخلاصِ مِن دونِ أن يَرَوا أو يَفهموا تمامًا كُلَّ ما يَختصُّ بحياتِهِ، ومَوتِهِ، وقيامَتِه. فقد حَصلوا على الخلاصِ [إن جازَ القول] مِن دونِ امتيازِ رُؤيةِ تَحقيقِ ذلكَ الخلاص.

ولكن كانَ هناكَ ما هو أكثر مِن ذلك لأنَّهُ في نُبوءاتِهم، كانَ وَعدُ اللهِ يقولُ إنَّ هذا الخلاصَ العَتيدَ أن يأتي سيكونُ خَلاصًا يَتَخَطَّى إسرائيلَ إلى كُلِّ أُمَمِ الأرض. فقد كانَ هذا هو سِرُّه. وكانَ هذا هو الشَّيءُ الَّذي يُمَيِّزُه. لِذا فقد كانوا يَعلَمونَ أنَّ اللهَ قد أَعلنَ خُطَّةَ فِداءٍ عَظيمٍ مُستقبليٍّ لا لإسرائيل، بل للعالَم، وأنَّ ذلكَ الفِداءَ والخلاصَ سيأتي مِن خلالِ المَسِيَّا المَوعود، النَّبيّ والكاهِن والمَلِك الَّذي سيأتي. وكانوا يَعلمونَ أنَّهُ سيأتي في المُستقبل، ويَعرفونَ النِّعمةَ الَّتي ستأتي، ويَرغبونَ في فَهمِ ذلكَ فَهمًا أفضل. فقد كانوا مُعجَبينَ بذلك.

لاحِظوا العبارةَ الصَّغيرةَ "النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ". فقد كانَ مَوضوعُ دِراسَتِهم المُكَثَّفة هو: النِّعمة. وتلكَ الكلمة "النِّعمة" هي كلمة أكبرُ مِنَ الخلاص. فالكلمة "خلاص" تُشيرُ إلى فِعلِ التَّخليص. والكلمة "نِعمة" تُشيرُ إلى الدَّافعِ وتَضُمُّ كُلَّ دَوافعِ اللهِ لعملِهِ المُخَلِّص. لِذا فإنَّ النِّعمةَ تَضُمُّ في الحقيقةِ الخلاصَ، ولكنَّها كلمة أكبر. فقد كانوا مُهتمِّينَ بدراسة نِعمةِ اللهِ، أي بَرَكَةِ اللهِ الَّتي لا يَستحقُّونَها، وإحسانِهِ الَّذي لا يَستحقُّونَهُ، وصَلاحِهِ وغُفرانِهِ للخُطاة. فقد كانوا مُهتمِّينَ بمعرفةِ كيفَ أنَّ اللهَ وَعَدَ بخلاصٍ بالنِّعمةِ للعالَمِ كُلِّه.

واسمَحوا لي أن أُضيفَ يا أحبَّائي بأنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ الآيةَ تَتحدَّثُ عن أنَّ الأنبياءَ تَنبَّأوا عن نِعمةٍ ستأتي في المُستقبَل، فإنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ لم تَكُن هناكَ نِعمة في العهدِ القديم. فهذا خَطأٌ جَسيمٌ تَقترفونَهُ. وهناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يَقترفونَ هذا الخطأ ظَنًّا مِنهم أنَّ العهدَ القديمَ كانَ عَهْدَ شَرائِعَ، لا عَهْدَ نِعمة. ولكنَّ هذا غير صَحيح. فاللهُ – اسمَعوا ما سأقول: اللهُ بطبيعَتِهِ مُنْعِمٌ. أليسَ كذلك؟ اللهُ بطبيعَتِهِ مُنْعِمٌ. فاللهُ نَفسُهُ الَّذي هو مُنعِمٌ في زَمانِنا كانَ مُنعِمًا في ذلك الزَّمان لأنَّ هذه صِفَة مِن صِفاتِه.

فاللهُ لا يَخضعُ للتَّغييرِ (بالرَّغمِ مِمَّا يَقولُهُ لنا لاهوتُ الصَّيْرورَة)؛ بل إنَّهُ باقٍ على حالِهِ دائمًا دونَ أن يَتغيَّرَ، وهو مُنْعِمٌ دائمًا ولا يَتغيَّر. فقد كانَ مُنعِمًا في تَدبيرِ العهدِ القديم. وهو مُنعِمٌ في تَدبيرِ العهدِ الجديد. فاللهُ مُنْعِمٌ وَحَسْب. فَطوالَ فترةِ وُجودِ اللهِ في الماضي (أي: مِنَ الأزل)، وطوالَ وُجودِهِ في المستقبل (أي: إلى الأبد) هُوَ مُنْعِمٌ.

فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين (أي في أوَّلِ سِفْر في الكتابِ المقدَّس): "فَرَفَعَ [يُوسُفُ] عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ بَنْيَامِينَ أَخَاهُ ابْنَ أُمِّهِ، وَقَالَ: «أَهذَا أَخُوكُمُ الصَّغِيرُ الَّذِي قُلْتُمْ لِي عَنْهُ؟» ثُمَّ قَالَ: «اللهُ يُنْعِمُ عَلَيْكَ يَا ابْنِي»". فقد كانَ الآباءُ الأوائلُ يُدركونَ تمامًا نِعمةَ الله. فقد كانوا يَعلمونَ ذلك. وفي سِفْر الخروج 22: 27، بل في العدد 26: "إِنِ ارْتَهَنْتَ [والمُتحدِّثُ هُنا هوَ اللهُ إذْ كانَ يُعطي شَعبَهُ النَّاموسَ] "إنِ ارتَهَنتَ ثَوْبَ صَاحِبِكَ فَإِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَرُدُّهُ لَهُ، لأَنَّهُ وَحْدَهُ غِطَاؤُهُ، هُوَ ثَوْبُهُ لِجِلْدِهِ، فِي مَاذَا يَنَامُ؟ فَيَكُونُ إِذَا صَرَخَ إِلَيَّ أَنِّي أَسْمَعُ [هذا كَلامُ الله]، لأَنِّي رَؤُوفٌ". فاللهُ رَؤوفٌ دائمًا.

وفي سِفْر الخروج والأصحاح 33، لَعَلَّكم تَذكرونَ أنَّ مُوسَى رأى اللهَ في رُؤيا. ونَقرأُ في الأصحاح 33 والعدد 19 أنَّ اللهَ قال: "أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ»". هذه بِضعة أمثلة مأخوذة مِن أوَّلِ سِفْرَيْنِ مِنَ العهدِ القديم. فاللهُ مُنعِمٌ دائمًا.

ويَزخُرُ سِفْرُ المَزاميرِ بالآياتِ الَّتي تَتحدَّثُ عن نِعمةِ الله. وكانَ الأنبياءُ يَعلمونَ أنَّ اللهَ مُنعِمٌ. وحقيقةُ أنَّهُ لم يُهْلِكِ الشَّعبَ في خَطاياهُم تَدُلُّ على نِعمتِه. فيونانُ النَّبيُّ، على سَبيلِ المِثال، صَلَّى في سِفْر يُونانُ والأصحاحِ الرَّابعِ إلى الرَّبِّ قائلاً: "آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ". هل تَعلمونَ لماذا هَرَبَ يُونان مِنَ الله؟ لأنَّهُ كانَ خائفًا مِن أن يَكرِزَ لأهلِ نينوى. هل تَعلمونَ لماذا؟ لأنَّهُ خَشِيَ أن يَقومَ اللهُ بإنقاذِهم. وَهُوَ لم يَحْتَمِل فِكرةَ خَلاصِ أشخاصٍ أُمَمِيِّين. فقد كانَ ذلكَ الأمرُ مَكروهًا لديه. لِذا فقد هَرَبَ لأنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ.

فلم يَكُن هُناكَ أيُّ شَكٍّ في العهدِ القديم بشأنِ ما إذا كانَ اللهُ مُنعِمًا أَم لا. فَصِفاتُهُ هي دائمًا صِفاتُه. ولكن هناكَ نِعمة أعظم ستأتي. فهناكَ نِعمةٌ ستأتي أعظمُ مِن تلك الَّتي رَأوها في نِينوى أو في إسرائيل. فهناكَ نِعمةٌ تَفوقُ كثيرًا أيَّ شيءٍ خَطَرَ بِبالِهم يَومًا. فمثلاً، لقد تَنَبَّأَ إشعياءُ النَّبيُّ عن تلك النِّعمة في الأصحاح 45 والعدد 20. استَمِعوا إلى ما يَقولُهُ إشعياءُ على لِسانِ الرَّبّ: "اِجْتَمِعُوا وَهَلُمُّوا تَقَدَّمُوا مَعًا أَيُّهَا النَّاجُونَ مِنَ الأُمَمِ. لاَ يَعْلَمُ الْحَامِلُونَ خَشَبَ صَنَمِهِمْ، وَالْمُصَلُّونَ إِلَى إِلهٍ لاَ يُخَلِّصُ. أَخْبِرُوا. قَدِّمُوا. وَلْيَتَشَاوَرُوا مَعًا. مَنْ أَعْلَمَ بِهذِهِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، أَخْبَرَ بِهَا مُنْذُ زَمَانٍ؟ أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ".

فهُنا، يَقولُ إشعياءُ إنَّ اللهَ يُعلِنُ أنَّهُ مُخلِّصُ جميعِ الأُمم. "لَيْسَ سِوَايَ. اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ. بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، خَرَجَ مِنْ فَمِي الصِّدْقُ كَلِمَةٌ لاَ تَرْجعُ: إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ. قَالَ لِي: إِنَّمَا بِالرَّبِّ الْبِرُّ وَالْقُوَّةُ. إِلَيْهِ يَأتِي، وَيَخْزَى جَمِيعُ الْمُغْتَاظِينَ عَلَيْه".

هذا رائعٌ جدًّا. فإشعياءُ يَتنبَّأُ بأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ ستَحني رُكبتيها للهِ، وبأنَّهم سَيَخلُصون... سيَخلُصونَ بالنِّعمة. صَحيحٌ أنَّهم لم يكونوا قد رأوا بعدَ حُدوثَ ذلك، ولكنَّهم كانوا يَعلمونَ أنَّ ذلكَ مُرتبطٌ بالمسيَّا.

وفي سِفْر إشعياء والأصحاح 55، انظروا إلى الأعدادِ السَّبعةِ الأولى، استَمِعوا إلى ما يَقولُهُ إشعياء: "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ". وهذه دَعوة مَجَّانيَّة إلى كُلِّ شخصٍ مِن كُلِّ أُمَّة. "وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ؟" أي لماذا تَتبعونَ آلهةً باطلةً؟ وهو يَقول: "وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا وَكُلُوا الطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ. هُوَذَا قَدْ جَعَلْتُهُ شَارِعًا لِلشُّعُوبِ" [أي: للأُمم]، "رَئِيسًا وَمُوصِيًا لِلشُّعُوبِ. هَا أُمَّةٌ لاَ تَعْرِفُهَا تَدْعُوهَا، وَأُمَّةٌ لَمْ تَعْرِفْكَ تَرْكُضُ إِلَيْكَ، مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ إِلهِكَ وَقُدُّوسِ إِسْرَائِيل".

فاللهُ يَقولُ إنَّهُ بمقدورِ أيِّ شخصٍ أن يأتي. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ إنَّ الأُمَمَ ستأتي، وإنَّ الشُّعوبَ الَّتي لم تَكُن شَعبَهُ ستصيرُ شَعبَهُ؛ أي الأُمَم – الأُمَم.

لِذا، هذا هو ما ينبغي لكم أن تَفهموه: أنَّ الأنبياءَ كانوا يَكتُبونَ عن خلاصٍ بالنِّعمةِ سيأتي ويكونُ أعظمَ مِن أيِّ شيءٍ اختبروهُ مِن قَبل. وقد كانوا يَكتُبونَ عنِ المَسيَّا الَّذي سيأتي بخلاصٍ للعالَمِ أَجمَع.

وكانت نُبوءاتُهم تَحوي حقائقَ رئيسيَّة عديدة. ويُمكنني أن أذكُرَها بسُرعة بسببِ ضِيقِ الوقت. ولكن عندما تَنبَّأوا عنِ المَسيَّا ونِعمةِ الخلاص، تَنبَّأوا أوَّلاً عن أنَّ المَسيَّا سيتألَّم. فالمَزمور 22 يَتحدَّثُ بالتَّفصيل عن صَلبِه. وإشعياء 53 يَتحدَّثُ بالتَّفصيل عن آلامِه.

ثانيًا، لقد تَنبَّأوا بأنَّ المسيَّا سيَنتصِر. فسِفْرُ المزامير يَقولُ إنَّ اللهَ لن يَدَعَ تَقِيَّهُ يَرى فَسادًا. والمَزمورُ الثَّاني يقولُ إن اللهَ مَسَحَ مَلِكَهُ وَأجلَسَهُ على جَبَلِهِ المُقدَّسِ، وإنَّهُ سَيَحكُمُ بقضيبٍ مِن حَديدٍ وصَوْلَجان. ونَقرأُ في سِفْر إشعياء والأصحاح التَّاسع أنَّ الرِّياسَةَ ستكونُ على كَتِفِهِ، وأنَّهُ سيكونُ "إلهًا قَديرًا". لِذا فقد تَنبَّأَ الأنبياءُ عن مَسيَّا سيتألَّمُ، وعن مَسيَّا سيَنتصر.

ثالثًا، لقد تَنبَّأوا عن مَسيًّا سيُخَلِّص – عن مَسيَّا سيُخَلِّص، ويَعصِب مُنْكَسِري القُلوب، ويأتي بالخَلاصِ إلى أقاصي الأرض. لِذا، عندما ذهبَ يسوعُ إلى المَجمَعِ في النَّاصرةِ وأُعطِيَ كِتابَ شَريعةِ العهدِ القديمِ، فإنَّهُ فَتَحَهُ وقَرأَ مِن سِفْر إشعياء والأصحاح 61 الكلماتِ التَّالية: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَة". وهذه نُبوءة مَسيحانيَّة عن مَجيءِ المُخلِّصَ الَّذي سيُخلِّص. ثُمَّ إنَّهُ طَوى السِّفْرَ وقال: "إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ". لِذا فقد قالَ أنبياءُ العهدِ القديمِ إنَّهُ سيتألَّم، ويَنتصِر، ويُخَلِّص.

وهناكَ مَثَلٌ إيضاحيٌّ قد يُعَبِّرُ جَيِّدًا عن مُحتوى رسالةِ أنبياءِ العهدِ القديمِ وَرَدَ في رسالة رُومية الَّتي كَتَبَها بولُسُ إذْ إنَّ بولسَ يَقتبِسُ بَعضًا مِن أقوالِ هؤلاءِ الأنبياء. انظروا إلى رسالة رُومية والأصحاح التاسع. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلك بإيجازٍ شديد. رسالة رُومية 9: 25. وهذا نَصٌّ رائعٌ وغَنيٌّ جدًّا. وهُنا، يَتحدَّثُ بولسُ بكلِّ تأكيدٍ عن موضوعِ الخلاص. فهو جُزءٌ مِن نِقاشِهِ المُستفيضِ جدًّا عنِ الخلاص. وهو يَتحدَّثُ هنا عن حقيقةِ أنَّ أنبياءَ العهدِ القديمِ رأوا خَلاصَ الأُمَم. والعدد 24 يَذكُرُ أنَّ شَعبًا سيُدعَى مِن بينِ الأُمم.

ثُمَّ إنَّ النَّصَّ يَقول: "كَمَا يَقُولُ فِي هُوشَعَ أَيْضًا [وَهُوَ أحدُ أنبياءِ العهدِ القديم]: «سَأَدْعُو الَّذِي لَيْسَ شَعْبِي شَعْبِي، وَالَّتِي لَيْسَتْ مَحْبُوبَةً مَحْبُوبَةً. وَيَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فِيهِ: لَسْتُمْ شَعْبِي، أَنَّهُ هُنَاكَ يُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ اللهِ الْحَيِّ»". أليسَ هذا النَّصُّ رائعًا؟ فها هو هُوشَعُ النَّبيُّ يَتَنبَّأُ بنعمةٍ ستأتي، وبخلاصٍ سيَضُمُ الأُمَم.

انظروا إلى الأصحاحِ التَّاسعِ والعدد 33 إذْ يَقول: "هَا أَنَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ، وَكُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى". ومَرَّةً أخرى فإنَّ الخَلاصَ ليسَ مُتاحًا فقط لأُمَّةٍ مُعيَّنَةٍ، ولا لإسرائيلَ فقط، بل لِكُلِّ شخصٍ يُؤمِن.

ثُمَّ في الأصحاحِ العاشِرِ، أَلاَ لاحظتُم مِن فَضلِكُم ما جاءَ في العددِ الحادي عَشر إذْ إنَّهُ يَقتبِسُ هنا (في العددِ الحادي عَشَر) ما جاءَ في سِفْر إشعياء 28: 16: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى". وهي نفسُ الجُملةِ المَذكورة في نهايةِ الأصحاحِ التَّاسع. فهو خَلاصٌ مُتاحٌ لكُلِّ شخصٍ يُؤمِن. انظروا إلى الأصحاحِ العاشرِ والعدد 13. فالعدد 13 مُقتبَسٌ مِن سِفْر يوئيل والأصحاح الثَّاني: "كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20 (وَهُوَ يَقتَبِسُ في العدد 20 مِن سِفْر إشعياء والأصحاح 65): "وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي، وَصِرْتُ ظَاهِرًا لِلَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِّي". وهذه إشارة إلى خَلاصِ الأُمم. مِن جهةٍ أخرى: "طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ".

افتَحوا على الأصحاحِ الخامِس عشر كي أُشاركَ معكم فكرةً أخيرة. فنحنُ نَرى هُنا مَرَّةً أخرى أنَّ بولسَ يَتحدَّثُ عن نِعمةِ اللهِ في تَخليصِ الأُمم. وَهُوَ يَقتبسُ مَرَّةً أخرى في العددِ التَّاسعِ مِنَ العهدِ القديم ويَقول: "وَأَمَّا الأُمَمُ فَمَجَّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ...". وَهُوَ يَقتبسُ مِنَ المَزمور 18: 49: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ سَأَحْمَدُكَ فِي الأُمَمِ وَأُرَتِّلُ لاسْمِكَ". ثُمَّ نَقرأُ في العددِ العاشر: "وَيَقُولُ أَيْضًا: «تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الأُمَمُ مَعَ شَعْبِهِ»". وهذه آية مُقتبسة مِنَ الأسفارِ الخَمسة، وتَحديدًا مِن سِفْر التَّثنية والأصحاح 32. فمُوسى النَّبيُّ هو مَن قالَ هذهِ الكلمات. ثُمَّ هُناكَ العدد 12. والعددُ 12 هو اقتباسٌ مِن سِفْر إشعياء: "سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَالْقَائِمُ لِيَسُودَ عَلَى الأُمَمِ، عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ الأُمَم".

لِذا فإنَّكُم تَفهمونَ الصُّورة: خَلاص الأُمم. وفي العدد 21: "الَّذِينَ لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ سَيُبْصِرُونَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا سَيَفْهَمُون". وهو نُصُّ مُقتَبَسٌ أيضًا مِن سِفْر إشعياء والأصحاح 52.

والآن لاحظوا ما يَفعلُهُ بولُس. فكُلُّ هذه النُّبوءاتِ (سواء تَنبَّأ بها مُوسَى أو يُوئيل أو هُوشَع أو إشعياء) تَتنبَّأُ عن نِعمةٍ ستأتي وتكونُ أعظم مِن أيِّ شيءٍ اختبروه. فالمسيَّا سيأتي ويُخَلِّص لا فقط اليهودَ، بل الأُممَ أيضًا. لِذا، عندما يَكتُبُ بولسُ في رسالتِهِ إلى أهلِ رُومية عنِ الخلاصِ الَّذي جاءَ مِن خلالِ المسيحِ فإنَّهُ يَرجِعُ إلى الوراء ويَنتقي نُبوءاتٍ مُعيَّنة ويقول: "لقد تَحَقَّقت هذه النُّبوءات الآن". فبالمسيحِ أَتَتِ النِّعمةُ الَّتي كَتَبَ عنها الأنبياء.

ولكن إليكُم النُّقطة الجوهريَّة: عندما كَتَبوا عنها، لم تَكُن الرَّسالةُ إلى أهلِ رُومية قد كُتِبَت بعد. وعندما كَتَبوا عنها، لم يَكُنِ المسيحُ قد وُلِدَ أو ماتَ أو قامَ بَعد. وعندما كَتَبوا عنها، لم تَكُنِ الكنيسةُ قد وُلِدَت بعد. لِذا لم يَكُن هناكَ جَسدٌ واحدٌ، يهودٌ وأُمَمٌ، ولم يَكُنِ الحائطُ المُتوسِّطُ قد هُدِمَ بعد، ولم تَكُن هناكَ نِعمةٌ فائقةٌ قد أُسبِغَت على كُلِّ العالَم.

ولكنَّهم كانوا يَتوقونَ جدًّا جدًّا إلى فَهْمِ تلكَ النُّبوءةِ المُدهشةِ حَتَّى إنَّ بُطرُسَ يَقولُ في العددِ العاشِر: "الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ". فقد دَرَسوا ما كَتبوهُ. لقد دَرَسوا ما كَتبوه. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّهم كانوا يَتنبَّأونَ "عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ". وهذه الكلمة "لأجلِكُم" مُهمَّة جدًّا. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُم يَكتُبونَ عن جِيلٍ مُستقبليٍّ؛ لا عنهم أنفسِهم، بل عن أُناسٍ في المستقبل. وقد كانَ مِنَ المُدهشِ جدًّا بالنِّسبةِ إليهم أن يَدرُسوا عنِ المَسيَّا، وعن آلامِهِ، وعن انتصارِهِ، وعن خَلاصِهِ، وعن الأشخاصِ الَّذينَ سيأتونَ إلى اللهِ حَتَّى إنَّهُم فَتَّشوا وَبَحَثوا عنهُ بتدقيق.

ولا أعتقدُ أنَّهُ يُمكنُنا أن نَفصِلَ بينَ مَعنى الكلمة "فَتَّشَ" وَ "بَحَثَ" هُنا كما لو أنَّ كُلاًّ مِنهُما تَعني شيئًا مُختلفًا جدًّا. فَهُما تَعنيان في الحقيقةِ الشَّيءَ نَفسَهُ. ولكنَّهُ يُثري الفِكرةَ وَحَسْب مِن خلالِ استخدامِ كَلمتين. فَقَدْ فَتَّشوا وبَحثوا في كِتاباتِهم. فقد بَحثوا في كِتاباتِهم وكِتاباتِ أنبياء آخرينَ لكي يَفهموا الخَلاصَ.

ما الَّذي أعنيه هُنا؟ وما الَّذي يَقولُهُ بُطرس؟ اسمعوني: إليكُم ما يَقول: لقد كانَ الخلاصُ حَقيقةً رائعةً جدًّا حَتَّى إنَّ أنبياءَ العهدِ القديمِ صَرَفُوا وَقتَهُم في مُحاولةِ فَهمِ رَوعَتِه. فهو عَظيمٌ إلى هذا الحَدّ. وهو رائعٌ إلى هذا الحَدّ. فبالرَّغمِ مِن وُجودِ أمورٍ كثيرة جدًّا كانَ بإمكانِهم أن يَبحثوا عنها، اختاروا أن يَبحثوا عن هذا الموضوع.

ويُمكِنُنا أن نَرى شَوقَ قلبِ بُطرُس هُنا. فهو يُريدُ مِنَّا أن نَرى عَظَمَةَ الخلاص. لاحِظوا وَحَسْب كيفَ أنَّ الأنبياءَ أرادوا أن يَفهموا ذلك. فالرِّجالُ الأتقياءُ في العهدِ القديمِ، وخُدَّامُ اللهِ الأتقياءِ الَّذينَ كَتبوا الأسفارَ المُقدَّسةَ كانوا مُغرَمينَ بفكرةِ الخلاص. فحقيقةُ تاريخِ الخلاصِ في المسيحِ كانتِ الشُّغلَ الشَّاغِلَ لقُلوبِهم. وقد فَتَّشوا عنهُ بدقَّة. وهذه كلمة قويَّة جدًّا: "إكزيتيئو" (ekzeteo). وحَرفُ الجَرِّ يَزيدُ دائمًا مِن قوَّةِ الفِعل. فقد فَتَّشوا عنهُ جيِّدًا. وقد بَحثوا عنهُ. وهي كلمة أخرى مُرَكَّبة "إكسئيروناؤو" (exeraunao) ومَعناها: "بَحثوا بجِدٍّ واجتهادٍ" لأنَّهم لم يكونوا يَفهمونَ تمامًا. فَهُم لم يَتمكَّنوا مِن فَهمِ ذلك.

فكيفَ عَساهُم يَفهمون؟ فالمسيحُ لم يَكُن قد جاءَ بعد. فهو لم يَكُن قد وُلِدَ بعد، ولم يَكُن قد عَلَّمَ بعد، ولم يَكُن قد ماتَ بعد، ولم يَكُن قد قامَ بعد. لِذا، لم يَفهم الأنبياءُ ذلك. فقد كانوا عاجِزينَ عن فَهْمِ أمورٍ كثيرة. ففي سِفْر إشعياء 6: 11، يَقولُ إشعياء: "فَقُلْتُ: إِلَى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ؟" بعبارة أخرى، كانَ يُقِرُّ قَائِلاً: "أتمنَّى لو أَفهمُ ذلك". ويَقولُ حَبَقُّوق في الأصحاحِ الأوَّل: "يا رَبُّ، حَتَّى مَتى سَتَسمَحُ لِتَجاوُزاتِ شَعبِكَ بالاستمرار؟" فهناكَ أمورٌ كثيرة لم يكونوا يَفهمونَها، وأمورٌ كثيرةٌ كانَ بمقدورهم أن يَدرسوها، وأمورٌ كثيرة كانَ بمقدورهم أن يَبحثوا فيها، وأمورٌ كثيرة كانت تَعنيهم جدًّا.

ونَقرأُ في سِفْر دانيال 7: 15: "أَمَّا أَنَا دَانِيآلَ فَحَزِنَتْ رُوحِي فِي وَسَطِ جِسْمِي وَأَفْزَعَتْنِي رُؤَى رَأسِي. فَاقْتَرَبْتُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْوُقُوفِ [أي إلى مَلاكٍ] وَطَلَبْتُ مِنْهُ الْحَقِيقَةَ فِي كُلِّ هذَا". فهو لم يَفهَم ذلك. وقد كَشَفَ لهُ المَلاكُ عن جُزءٍ مِنها. لِذا، كما تَرَوْنَ، لقد كانَ هؤلاءِ الأنبياءُ في وَرطة مُذهلة. فقد كانوا يَعيشونَ آنذاكَ في الجانبِ الآخرِ مِنَ الصَّليبِ وعملِ المسيحِ حَتَّى إنَّهُ لم تَكُن هناكَ طريقةٍ يَفهمونَ بها كُلَّ ذلك. فلم تَكُن هناكَ طَريقة لاستيعابِ كُلِّ ذلك. لِذا، لم تَكُن هناكَ طَريقة تُمَكِّنُهم مِن رؤيةِ ذلكَ بوضوح.

استَمِعوا إلى ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 13: 17 على لِسانِ يَسوع: "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ [وقد قالَ هذا لتلاميذِه]: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا". فقد كانوا مَحدودين. لقد كانوا مَحدودين. لِذا فقد دَرَسوا كِتاباتِهم. وما الَّذي دَرَسوه؟ المَسيَّا والخلاصَ الَّذي سيَجلِبُهُ. وهو لم يَكُن بَحثًا أكاديميًّا مَحْضًا، بل كانَ شَغَفًا شَديدًا جدًّا لِفَهمِ عَظَمَةِ الخلاص.

مُلاحظة: هُناكَ مَن يَرى أنَّ هذا المَقطعَ يَتحدَّثُ عن مَوقفِ الأنبياءِ قبلَ أن يَتلقَّوْا أيَّ نَبوءات. وهناكَ مَن يَرى أنَّهم أرادوا حَقًّا أن يَفهموا النُّبوءاتِ الَّتي أعطاها اللهُ لهم بخصوصِ المسيَّا، وأنَّهم كانوا يُفَتِّشونَ ويَبحثونَ بتدقيقٍ عنِ حَقٍّ لم يَكُن قد أُعلِنَ بعد. لِذا فقد حاولوا أن يَفهموا ذلكَ قبلَ أن يَتلقَّوا كلمةَ اللهِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ أعطاهُم الكلمةَ لكي يَفهموا.

ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّ ذلكَ الكَلامَ أوِ الرَّأيَ يُعَبِّرُ تَعبيرًا صَحيحًا عن هذا النَّصّ؛ بل إنَّ الدِّراسةَ الأمينةَ للنَّصِّ تَقتضي مِنَّا أن نَفهمَ أنَّهم حَصلوا أوَّلاً على إعلانٍ مَا؛ وإلاَّ ما الَّذي كانوا سيُفتِّشونَ عنهُ؟ وما الَّذي سيَبحثونَ عنهُ؟ فالحقيقةُ هي أنَّهُ لو لم يَحصُلوا على أيِّ إعلانٍ عنِ النِّعمةِ المُستقبليَّةِ الَّتي ستأتي مِن خلالِ المسيحِ لما كانَ لديهم أيُّ سؤالٍ يَطرحونَهُ لأنَّكَ لن تَطرحَ أسئلةَ عن شيءٍ لا تَعرِفُ أنَّهُ موجود. لا!

فَضلاً عن ذلكَ فإنَّ اللهَ لا يُعطي إعلانًا إلى أُناسٍ يَتساءلونَ وَحَسْب، بل إنَّهُ يَختارُ أنبياءَهُ. وهو لم يُعطِهِم إعلانًا لمُجرَّدِ أنَّهُم كانوا فُضوليِّينَ. فقد كنتُ فُضوليًّا بشأنِ أمورٍ كثيرة ولم أَتَلَقَّ إعلانًا بشأنِها حتَّى الآن. فالأمرُ لا يَحدُثُ بهذه الطَّريقة. كذلكَ فإنَّ العددَ الحادي عشرَ يُخبرُنا تمامًا ما الَّذي كانوا يَبحثونَ عنهُ. فَهُم لم يكونوا يَبحثونَ عن عَقيدةِ الخلاصِ، ولا عقيدةِ المَسيَّا، ولا ما إذا كانَ المسيَّا سيتألَّمُ ويَنتصرُ ويُخَلِّص؛ بل إنَّ ما أرادوا مَعرفتَهُ هو: مَن سيكونُ المَسيَّا، ومَتى سيَأتي. فقد كانوا مُهتمِّينَ بأمرَيْنِ مُحَدَّدَيْنِ فقط. فقد كانَ لديهم إعلانٌ كافٍ لإثارةِ انتباهِهم. ولكنَّهم لم يكونوا يَسْعَوْنَ إلى الحُصولِ على نُبوءة، بل كانوا يُحاولونَ فَهمَ نُبوءةٍ حَصَلوا عليها أصلاً.

وما الَّذي كانوا يَرغبونَ في مَعرفتِه؟ نَقرأُ في العددِ الحادي عشر: "بَاحِثِينَ" – "إيروناؤو" (eraunao)، وهي تَعني حَرفيًّا: "يَبحَثُ" – "يَبحثُ لمعرفةِ شيءٍ مَا" أو باحِثينَ لكي يَفهموا: مَن هُوَ الشَّخصُ، وفي أيِّ وقتٍ سيأتي. مَن؟ ومَتى؟ وهذا أمرٌ يُمكنُنا أن نَستوعِبَهُ. أليسَ كذلك؟ فإن كُنتَ نَبيًّا مِن أنبياءِ العهدِ القديمِ، وكانت لديكَ كُلُّ هذه المعلوماتِ المُدهشة، ألن تَتساءلَ مَن سيكونُ هذا المَسيَّا؟ مَن سيكون؟ مَن هُوَ؟ وهناكَ يَهودٌ كثيرونَ ما زالوا يَطرحونَ هذا السُّؤال. مَن سيكون؟ ومَتى سيأتي؟ مَتى سيأتي؟ مَن هو المَسيَّا؟ ومَتى سيأتي؟

مَنِ الشَّخصُ الَّذي سيأتي بهذا الخَلاص؟ مَن سيكونُ المُخَلِّصُ، والدَّيَّانُ، والمَلِكُ، والنَّبيُّ، والكاهِنُ؟ مَن سيكونُ المَسيَّا؟ وأيُّ "كايروس" (kairos)؟ أي: "أيُّ مَوسِمٍ؟" أو "أيَّةُ حِقبةٍ؟" أو "أيُّ زَمَنٍ؟" مَن هو آخِرُ نَبيٍّ في العهدِ القديم؟ مَن كانَ آخر نَبيٍّ مِن أنبياءِ العهدِ القديم؟ يوحنَّا المَعمدان. اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا. انظروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الحادي عشر. فيوحنَّا المَعمدانُ هو مَثَلٌ إيضاحيٌّ كلاسيكيٌّ على تَصَرُّفِ الأنبياءِ هذا.

هل تَعلَمونَ ما الشَّيءُ الَّذي كانَ يُوحنَّا يَرغبُ في معرفتِهِ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر؟ الشَّيء الَّذي كانَ يَرغبُ في معرفتِهِ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر؟ مَن هوَ المَسيَّا؟ فقد كانَ يَتصرَّفُ كما تَصَرَّفَ الأنبياء. فقد كانوا جميعًا يَرغبونَ بشدَّة في مَعرفةِ ذلك. وهو لم يَكُن يَختَلِفُ عنهم. "وَلَمَّا..." [في العددِ الأوَّلِ مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 11] "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ أَمْرَهُ لِتَلاَمِيذِهِ الاثْنَيْ عَشَرَ، انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ لِيُعَلِّمَ وَيَكْرِزَ فِي مُدُنِهِمْ. أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي السِّجْنِ بِأَعْمَالِ الْمَسِيحِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ". فقد جاءَ اثنانِ مِن تلاميذِ يوحنَّا المَعمدان إلى يسوعَ وقالاَ ما يَلي: "أَنْتَ هُوَ الآتِي؟" وقد كانَ هذا هو دائمًا السُّؤالُ الَّذي يَسألُهُ الأنبياء: مَن؟ "أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟" هل أنتَ هُوَ المَسيَّا؟ وهل حانَ الوقتُ؟ أَم أنَّهُ شخصٌ آخر في وقتٍ آخر؟ هذا هو ما أرادوا أن يَعرفوه.

وكما تَرَوْنَ، كانَ تلاميذُ يُوحنَّا يَعرفونَ خِدمةَ يسوعَ (وَفقًا لما جاءَ في الأصحاح 9 والعدد 14). وقد أبلغوا يوحنَّا المَعمدانَ بما كانَ يسوعُ يَعمَلُهُ (وَفقًا لما جاءَ في إنجيل لوقا 7: 11-18). ويوحنَّا يَشعُرُ الآن بالفُضول. فهو يُريدُ أن يَعرف. فهو يُريدُ أن يَعرفَ ما أرادَ جَميعُ الأنبياءِ أن يَعرفوه: مَن ومَتى؟ هل هذا هو الوقتُ؟ وهل هذا هو الرَّجُلُ؟ "أنتَ هو الآتي؟" هل أنتَ ذاكَ المُنتَظَر؟ وبالمُناسبة، إنَّ واحدًا مِن أشهرِ ألقابِ المَسيَّا هو: "المُنتَظَر" أو "الآتي" لأنَّهم كانوا جميعًا يَبحثونَ ويَنتظرون. "أَم نَنتَظِرُ آخرَ؟"

وَرَدًّا عليهِ، قَدَّمَ يسوعُ أوراقَ اعتِمادِهِ قائلاً: "اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ". أَخبراهُ ذلك. وقد تقول: "لماذا تُريدُ أن تُخبِرَهُ ذلك؟" لأنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذلك هي تَحقيقٌ لنُبوءاتِ العهدِ القديمِ عنِ المسيَّا. فإن أخبرتُماه بذلك سيَعلَم. سَيَعلَم.

لِذا فقد كانَ أنبياءُ العهدِ القديمِ (بِمَن فيهم يُوحنَّا) يُفتِّشونَ في كِتاباتِهم ونُبوءاتِهم لكي يَتيقَّنوا. ولا تَنْسَوْا ما يَلي: أنَّ يوحنَّا كانَ قد قالَ أصلاً عن يسوع: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" ومعَ أنَّ اللهَ أَوحى لَهُ بأن يَقولَ ذلك، كانَ ما زالَ يَتساءَلُ عن مَعناه، وكانَ ما زالَ يُحَلِّلُ نُبوءَتَهُ هو شَخصيًّا ويَرغبُ في التَّيقُّنِ مِن أنَّ هذا هو حَقًّا الوقت المَقصود، ومِن أنَّ هذا هو حَقًّا الشَّخص المَقصود.

وقَصدُ بُطرس هو: ما أعظمَ الخلاصَ إن كانَ هو الشُّغْل الشَّاغِل لكُلِّ هؤلاءِ الأنبياء. فإن كانوا مُهتمِّينَ كُلَّ هذا الاهتمامِ به، ومُتحمِّسينَ كُلَّ هذه الحماسة لَهُ، كم ينبغي أن يكونَ ثَمينًا لنا. أليسَ كذلك؟ هل تُدركونَ أنَّهُ على مَرِّ الأجيالِ والقُرون، سَعى هؤلاءِ الرِّجالُ الأتقياءَ إلى معرفةِ هذا الأمرِ الَّذي نَنظُرُ إليهِ أنا وأنتُم كأمرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ؟ هل تَفهمونَ ذلك؟ وأحيانًا نَتَنَصَّلُ مِنه! فقد كانَ مَوضوعَ دراسةِ الأنبياء. فهو ثَمينٌ إلى هذا الحَدّ.

النُّقطة الثَّانية – والنِّقاطُ التَّاليةُ ستكونُ أقصرَ مِنَ النُّقطةِ الأولى. لِذا، اطمَئِنُّوا. النُّقطةُ الثانيةُ هي أنَّ الخلاصَ العَظيمَ الَّذي يَكتُبُ عنهُ بُطرسُ هو موضوعُ وَحْيِ الرُّوحِ القُدُس. فالأمرُ لم يَقتَصِرُ فقط على أنَّ الأنبياءَ رَكَّزوا عليهِ، بل كذلكَ أيضًا الرُّوحُ القُدُس. وبُطرسُ يَقولُ لنا شيئًا مُهمًّا عن حقيقةِ أنَّ كُلَّ الإعلانِ كانَ إعلانًا إلهيًّا مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وعَظَمَةُ خَلاصِنا تُرَى مِن خلالِ حَقيقةِ أنَّهُ كانَ موضوعَ وَحيِ الرُّوحِ القُدُس.

اسمَعوني: إنَّ كُلَّ شيءٍ تَلَقَّاهُ الأنبياءُ إنَّما تَلَقَوْهُ مِنْ مَن؟ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وكُلُّ شيءٍ تَلَقَّاهُ كُتَّابُ العهدِ الجديدِ إنَّما تَلَقَّوهُ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وكُلُّ شيءٍ نَقرأهُ إنَّما قالَهُ الرُّوح. وعَودة إلى العددِ الحادي عَشَر: "بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ [وإليكُم المِفتاح] الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا".

لِذا فإنَّ بُطرسَ يُقدِّمُ لنا فِكرةَ أنَّ هؤلاءِ الأنبياءَ كانوا يُريدونَ حَقًّا أن يَفهموا الشَّخصَ والزَّمانَ الَّذي كانَ رُوحُ المسيحِ الَّذي فيهم يَدُلُّ عليهِ إذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا.

فالنُّبوءاتُ الَّتي كَتَبوها كانت تَحوي هَذينِ العُنصُرَيْن: آلامَ المسيحِ والأمجادَ الَّتي بَعدَها. فإن رَجعتُم إلى العهدِ القديم، اقرأوا المَزمور الثَّاني والعشرين. فهو يَتحدَّثُ بمُجملِهِ عن آلامِ المسيح. واقرأوا المَزمور 69: 1-21 إذْ إنَّهُ يَتحدَّثُ عن آلامِ المسيح. واقرأوا سِفْر إشعياء 52: 13 إلى 53: 10 تقريبًا إذْ إنَّها تَتحدَّثُ بمُجملها عن آلامِ المسيح. واقرأوا سِفْر دانيال 9: 24-26 إذْ إنَّها تَتحدَّثُ عن آلامِ المسيح، وعن أنَّ المَسيَّا سيُقطَع. واقرأوا سِفْر زكريَّا 12: 10. فهو سيُطعَن. واقرأوا سِفْر زكريَّا 13: 7 حيثُ ستجدونَ المزيدَ عن آلامِ المسيح. فقد كَتبوا عن آلامِ المسيحِ بوحيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

فَلَم يَكُن بمقدورهم أن يَعرفوا ذلكَ مِن دونِ الرُّوح. أليسَ كذلك؟ ولم يَكُن بمقدورهم أن يَقرأوا المستقبل، ولم يَكونوا حَتَّى يَفهمونَ ما كَتَبوهُ هُم أنفسُهم؛ فما بالُكُم أن يُحاولوا كِتابةَ شيءٍ مِن بَناتِ أفكارِهم! ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ إنَّهُم كَتَبوا عنِ الأمجادِ الَّتي بَعدَها. وما مَعنى ذلك؟ أي عن قِيامةِ المسيحِ، وصُعودِ المسيحِ، وجُلوسِ المَسيحِ على العَرش.

فقد كَتَبوا عنِ الطِّفلِ الَّذي سيَصيرُ المَلِكَ وتكونُ الرِّياسَةُ على كَتِفِهِ (في إشعياء 9). وقد كَتَبوا (في دانيال 2) عن ذاكَ الَّذي سيكونُ المَلِكَ المُطلَق (وأيضًا في دانيال 7، وزَكريَّا 2، وزَكريَّا 14). وقد كَتبَ الأنبياءُ عنِ المجدِ، وكَتبوا عنِ الآلامِ. ولكنَّ كُلَّ ذلكَ كانَ بوحيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

وبالمُناسبة، إنَّ آلامَ المسيحِ وأمجادَ المسيحِ هُما المَوضوعانِ الرَّئيسيَّانِ لنُبوءاتِ العهدِ القديم. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 19: 10: "فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ". لِذا فإنَّ كُلَّ النُّبوءاتِ تَرمي حقًّا إلى الشَّهادةِ عنِ المسيح. ومِن خلالِ الشَّهادةِ عنِ المسيحِ فإنَّها تُركِّزُ تَركيزًا خاصًّا على آلامِهِ ومَجدِه؛ الأمرُ الَّذي سَمَحَ لهُ بأن يكونَ المُخَلِّص. وفي إنجيل لوقا والأصحاح 24، قالَ يسوعُ في الطَّريقِ إلى عِمواس إلى التِّلميذَيْن: "أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ!" وما الَّذي تَكَلَّمَ بهِ الأنبياء؟ "أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟" فالألمُ والمجدُ - الألمُ والمَجدُ هُما دائمًا الموضوعُ الرَّئيسيُّ. دائمًا الموضوعُ الرَّئيسيُّ. فقد كان ذلك الموضوعُ هو موضوعُ دراسةِ الأنبياءِ لأنَّهُ كانَ مَوضوعَ وَحيِ الرُّوحِ القُدُس.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ رُوحَ المسيحِ – وبالمُناسبة، هذا يُرينا أنَّ المسيحَ كانَ مَوجودًا قبلَ تَجَسُّدِهِ في هَيئةِ رُوح. لاحِظوا العِبارةَ الصَّغيرةَ "الَّذي فيهم" – "الَّذي فيهم". فقد سَكَنَ الرُّوحُ في كُتَّابِ العهدِ القديم. لِذا فإنَّ الآيةَ 2بُطرس 1: 21 تَقول: "لأَنَّهُ لَمْ تَأتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ..." اسمَعوا هذا، "...بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". والكلمة "مَسوقينَ" تَعني مَحمولينَ بالرُّوحِ القُدُس. فالآية 2بُطرس 1: 21 هي واحدة مِن أهمِّ الآياتِ في العهدِ الجديد.

فَسُكنى الرُّوحِ فيهم أَوحَى إليهم بأن يَكتُبوا عنِ الخلاصِ المجيدِ الَّذي كانَ سيأتي. والكلمة "شَهِدَ"؛ هل تَرَونَها هناك؟ "رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ" – "شَهِدَ" ("برومارتورومينون" – "promarturomenon") تَعني: "يَشهَد مُسبَقًا" أو "يَشَهد سَلَفًا". لِذا فقد كانَ الرُّوحُ يُوحِي إليهم ويَشهَدُ عن خلاصٍ مُستقبليٍّ. لِذا فقد كانَ ما كَتبوهُ (كما جاءَ في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 3: 16) "مُوحَى بِهِ مِنَ الله" – مُوحَى بِهِ مِنَ الله.

والآية 12 بالمُناسبة – لاحِظوا أنَّها أيضًا تُؤكِّدُ ذلك. ففي نهايةِ الآية نَقرأُ أنَّ رُسُلَ العهدِ الجديدِ بَشَّروكُم بالإنجيلِ "فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاء". لِذا فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ أَوحَى لا فقط لكُتَّابِ العهدِ القديمِ، بل لرُسُلِ العهدِ الجديدِ أيضًا. لِذا فإنَّ العهدَ القديمَ والعهدَ الجديدَ مُوحَى بهما مِنَ اللهِ ومَصدرهُما إلهيٌّ.

لِذا فقد أَوحَى الرُّوحُ القُدُسُ بهذا الخلاصِ العظيمِ لذلكَ الجيل. والعدد 12 يَقول إنَّهُ "أُعلِنَ لَهُم". فقد أُعلِنَ لهم؛ أي لأنبياءِ العهدِ القديمِ [لاحظوا ما يَلي]: "أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ". أي أنَّ هذه الرِّسالة بأسرِها لم تَكُن لجيلِهم، ولم تَكُن لزمَنِهم. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا.

هل يُمكنُني أن آخُذَ دَقيقةً لتذكيركم بآيةٍ رُبَّما لم تَقرأوها يَومًا أو تُفَكِّروا فيها؟ رُبَّما قَرأتُموها قراءةً عابِرَةً ولكنَّكم لم تُفَكِّروا فيها. سِفْر العدد 24: 17. استمعوا إليها... استمعوا إليها وَحَسْب: "أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا. يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيل". ولكن ليسَ الآن، وليسَ قَريبًا. ففي أسفارِ التَّوراةِ، ابتدأَ رُوحُ اللهِ يَشهَدُ عن المَسيَّا الآتي. ولكنَّهم لم يكونوا يَتكلَّمونَ عن جِيلِهم وزمانِهم.

وفي الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الحادي عَشر، نَحصُلُ على تَفاصيلَ أكثر قليلاً إذْ إنَّ الآية عِبرانيِّين 11: 13 تَقول: "فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ [أي جَميعُ الآباءِ الأوائِل]، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا". وهذا صَحيح. فَقد كانَ بمقدورهم فقط أن يَرَوها مِن بعيد. ثُمَّ نَقرأُ في نهايةِ ذلكَ الأصحاحِ الحادي عشر، في هاتينِ الآيتينِ الرَّائعتين (30 و 40): "فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ [أي كُلُّ أبطالِ العهدِ القديمِ هؤلاءِ الَّذينَ ذُكِروا في هذا الأصحاح]، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ [ثُمَّ اسمَعوا ما يَقول:] لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ" فَهُم لم يَنالوه. فهو لم يَكُن لِزَمانِهم. "إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا". فهو لم يَكُن لزمانِهم، بل كانَ لنا.

والنُّقطةُ هُنا هي ليست أنَّ النُّبوءاتِ لم تَكُن عديمةَ القيمة. فقد كانت قيمَتُها عظيمة. ولكنَّ تَحقيقَ النُّبوءاتِ فقط لم يَكُن لذلكَ الجيل، بل للجيلِ المُستقبليِّ الَّذي سيأتي. فسوفَ يأتي وقتٌ وجِيلٌ يَتَحَقَّقُ فيهِ الخلاصُ ويَحصُلُ فيهِ الأُممُ على نِعمةِ العهدِ مِن خلالِ عملِ المَسيَّا.

لِذا فقد رأى الأنبياءُ المَسيَّا، ورأوا النِّعمةَ الَّتي ستأتي، ورأوا الخلاصَ؛ ولكنَّهم لم يَعرفوا مَن سيكونُ المَسيَّا، ولم يَعرفوا مَتى سيأتي. ولكنَّ ذلكَ أُعلِنَ لهم، ولم يَكُن لجيلِهم. ويُخبرُنا بُطرسُ أنَّ كُلَّ هذا كانَ شَهادةً للرُّوحِ القُدُس. فما أعظمَ الخلاصَ لأنَّهُ ليسَ فقط مَوضوعَ دراسةِ الأنبياءِ، بل هو أيضًا موضوعُ وَحيِ الرُّوح.

النُّقطةُ الثَّالثة [بإيجاز]: إنَّهُ مَوضوعُ إعلانِ الرُّسُل. فالعدد 12 يقولُ مَرَّةً أخرى: "بِهذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاء". وهذه الآيةُ تُشيرُ ببساطة إلى رُسُلِ العهدِ الجديد. "بهذهِ الأُمورِ..."؛ أي بنِعمةِ الخلاصِ الَّذي سيأتي، وبآلامِ المَسيَّا ومَجدِه، وبكُلِّ شيءٍ أَوحَى بهِ الرُّوحُ لكُتَّابِ العهدِ القديم - "...الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ". والإشارةُ هُنا هي إلى كَارِزي العهدِ الجديد.

والعبارةُ "بهذهِ الأمورِ" تُشيرُ مُباشرةً إلى "مَنْ" وَ "أين". "بهذهِ الأشياءِ"؛ أي بخصوصِ مَن [أي: مَنِ الشَّخصُ؟] والزَّمَان [أي: في أيِّ وقت]. "الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ". أليسَ هذا هو ما فَعَلَهُ كَارِزو العهدِ الجديد؟ ألم يأتوا ويَقولوا: "المَسيَّا هو يسوعُ المسيحُ، والزَّمانُ هو [ماذا؟] الآن؟" أَلَم يَقُل بولس: "هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ [ماذا؟] خَلاَصٍ"؟ فقد أتى؟ فهو هُنا. إنَّهُ هُنا.

"بهذهِ الأمورِ" المُختصَّةِ بِمَن ومتَى. فَتَفاصيلُ نُبوءاتِ العهدِ القديمِ المُختصَّةِ بالمسيحِ قد تَحقَّقت: "الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ". وَمَن يَكونُ هَؤلاء؟ لوقا، وبولس، وبرنابا، وفيلبُّس، ويوحنَّا، والرُّسُل. فقد بَشَّروا بذلك. والحقيقةُ هي أنَّ بولسَ قال: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ [ماذا؟] مَصْلُوبًا". ولماذا كَرَزَ بذلكَ فقط؟ فقط بالمسيحِ وإيَّاه مَصلوبًا، والخلاص في المسيح. لماذا كانَ مُستعدًّا للكرازةِ بالإنجيلِ في أيِّ وقت؟ ولماذا لم يكن يَستحي بإنجيلِ المسيح؟ لماذا؟ لأنَ الكِرازةَ بالصَّليبِ عِنْدَ الهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ الحياة الأبديَّة.

كانت هذه هي رِسالتُهم. فالكرازةُ الرَّسوليَّةُ بالصَّليبِ كانت هي الرِّسالة. وبولس يقولُ في رسالتِه الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح الثَّاني: "أَنَا لم آتِ إليكم بحكمةٍ بَشريَّةٍ، ولم آتِ إليكُم بفلسفةٍ؛ بل أتيتُ لكم بالصَّليب. لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا".

لِذا، فإنَّ ذلك الموضوعَ الَّذي كانَ مَحَطَّ دراسةٍ مُستمرَّةٍ لدى الأنبياء، وذلك الموضوعَ الَّذي كانَ موضوعَ الوحيِ الدَّائم للرُّوحِ صارَ أيضًا الموضوعَ الدَّائمَ لكَارِزي العهدِ الجديد. وكم كانوا مُكَرَّسينَ لَهُ؟ اسمَعوني يا أحبَّائي: لقد ماتوا لأجلِهِ. أليسَ كذلك؟ لقد ماتوا لأجلِهِ. فقد بَذلوا حَياتَهُم لأجلِه. فقد كانَ خَلاصًا عَظيمًا بهذا المِقدار. فهو مَحَطُّ دراسةِ الأنبياء، ومَحَطُّ وَحيِ الرُّوح، ومَحَطُّ شَهادَةِ الرُّسُل.

وأخيرًا، لقد كانَ مَحَطَّ اهتمامِ الملائكة. وأنا أُحِبُّ ذلك. وهو يَذكُرُ ذلكَ وَحَسْب في العددِ الثَّاني عشر: "[الأمور] الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا". هل تَمنَّيتَ يومًا أن تكونَ مَلاكًا؟ عندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا، كنتُ أُفَكِّرُ قائلاً: ألن يكونَ مِنَ الرَّائعِ أن أكونَ ملاكًا؟ أن أتمكَّنَ وَحَسْب مِنَ الطَّيران، وأن أكونَ صَالحًا طَوالَ الوقت! أن أكونَ مَلاكًا، وأن أَتَسَلَّلَ إلى حياةِ النَّاسِ وأفعلَ أمورًا صالحةً، وأكونَ في حَضرةِ الله!"

هل تَساءلتَ يومًا كيفَ سيكونُ الأمرُ إن كُنتَ مَلاكًا؟ وهل تَساءلتَ كيفَ سيكونُ الأمرُ إن تَمَكَّنتَ مِن رؤيةِ ما تَراهُ الملائكة في ذلك البُعدِ الَّذي لا يُمكنُنا أن نَستوعِبَهُ؛ أي في ذلك البُعدِ الرُّوحيِّ الَّذي لا يُمكنُنا أن نَراه؟ وهل تَساءلتَ يومًا كيفَ هي حالُ الملائكةِ الَّتي تَتصارعُ معَ الشَّياطينِ في ذلك النِّطاقِ الَّذي هُوَ سِرٌّ بالنِّسبةِ إلينا؟ أي في ذلكَ العالَمِ غيرِ المَنظورِ الَّذي هو عالَمٌ حَقيقيٌّ جدًّا على غِرارِ عَالَمِنا؛ ولكنَّنا لا نَستطيعُ أن نَراهُ بأعيُننا الجسديَّة. وهل تَساءلتَ يومًا كيفَ سيكونُ الأمرُ إن كُنتَ جُزءًا مِن عَالَمِ المَلائكةِ ذاكَ واختبرتَ تلكَ القداسةَ الأبديَّةَ الَّتي يَختبرونَها؟

لديَّ خَبَرٌ لكم: إنَّ الملائكةَ تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "أتساءلُ كيفَ ستكونُ الحالُ إن كُنتُ مُخَلَّصًا! أتساءلُ كيفَ ستكونُ الحالُ إن حَصلتُ على النِّعمة! أتساءلُ كيفَ ستكونُ الحالُ إن نِلتُ الغُفران!" فهذا مُدهش! عَودة إلى العدد 12 إذْ نَقرأُ الكلمة "أمور" – ماذا تَقصد بالكلمة "أمور"؟ أمور الخلاص الَّتي تَشتهي الملائكةُ أن تَطَّلِع عليها.

والعِبارةُ "تَشتهي أن تَطَّلِع عليها" مُحَمَّلة بالمَعاني. هل تَعلمونَ ما هي الكلمة المُتَرجمة "تَشتَهي"؟ اسمَعوا هذه الكلمة: "إبيثوميئو" (epithumeo). وهل تَعلمونَ ما مَعنى تلك الكلمة؟ "يَشتَهي" [بالمَعنى السَّلبيِّ]. فهي تَصِفُ رَغبةً عَارِمَةً، ونَزوةً قويَّةً. فهذه ليست نَزوة عابرة. فالملائكةُ لا تَقولُ وَحَسْب: "بالمُناسبة، أليسَ مِنَ المُمتِعِ أن نَرى كيفَ هو الخلاص؟" بل إنَّ هذا الأمرَ هو شَغَفٌ لديهم. فهي رغبةٌ شديدة. والكلمة تَرِدُ بصيغة "إبيثوموسين" (epithumousin) هُنا. واللَّفظةُ تَعني بصورة أساسيَّة رَغبة غير مُشبَعة. رَغبة غير مُشبَعة. فالملائكةُ لديها هذه الرَّغبة غير المُشبَعة بأن تَطَّلِعَ على الأمورِ المُختصَّةِ بالخلاص.

والكلمة "تَطَّلِع" هي كلمة رائعة. هل تَعلمونَ مَعناها الحَرفيّ؟ "أن تُطِلَّ برأسِكَ" أو "تَنحَني". وقد استُخدِمَت لوصفِ ما فَعَلَهُ بُطرسُ ويوحنَّا عندَ القَبر. هل تَذكرونَ عندما رَكَضا وانَحَنيا ونَظرا إلى الدَّاخل؟ إنَّهُ نفسُ الفِعل. فالملائكةُ تُريدُ أن تَنحني، وأن تَنزلَ إلى هُنا، وأن تَنظرَ إلى هذا الشَّيء. فلديها شَغَفٌ قويٌّ بأن تَفهمَ ذلك. لماذا؟ لأنَّها لن تَختبرهُ يومًا.

فالملائكةُ القدِّيسونَ لن يَحتاجوا يَومًا إلى الخلاص. والملائكةُ السَّاقطونَ لن يَخلُصوا يَومًا. لِذا فإنَّ الملائكةَ القِدِّيسينَ يَنحنونَ إلى أسفل لكي يَرَوْا حقيقةَ الخلاصِ في عالمِ البشر. ويُمكنُني أن أُضيفَ أنَّهُ رُبَّما كانَ هناكَ ملائكةٌ ساقطونَ يَرغبونَ في رُؤيةِ هذا الخلاصِ على أَمَلِ أن يَتمكَّنوا مِنَ الحصولِ عليه. ولكنَّهُم لن يَحصلوا عليهِ يَومًا. لن يَحصلوا عليهِ يَومًا.

وقد كانَ للملائكة دَور. لقد كانَ للملائكة القِدِّيسينَ دَورٌ في الخلاص. فالملائكةُ القدِّيسونَ أَعلنوا ولادةَ المسيح. والملائكةُ القدِّيسونَ خَدَموهُ في تَجربته. وقد خَدموهُ في قيامَتِه. وقد كانوا حاضِرينَ عندَ صُعودِه. وَهُمُ الآنَ يَقومونَ بعملِهِ لأجلِ القِدِّيسين. وقد كانتِ الملائكةُ السَّاقطةُ موجودةً أيضًا. فقد هاجَموهُ في تَجربتِه. وقد حاصَروهُ في حياتِه. وقد حاولوا أن يَقتلوهُ وأن يُبقوهُ مَيْتًا على الصَّليب. وقد حاولوا أن يُبقوهُ في القبر. وهُم يُهاجمونَ عَملَهُ وكنيستَه.

لِذا فقد اطَّلَعَ الملائكةُ القدِّيسونَ والملائكةُ السَّاقطونَ على عملِ الخلاص؛ ولكنَّ أيًّا منهم لن يَختبرَهُ. فالملائكةُ القدِّيسونَ ليسوا بحاجةٍ إليه. والملائكةُ السَّاقطونَ لا يَستطيعونَ الحصولَ عليه. ولكنَّهم يَرغبونَ بشدَّة في الاطِّلاعِ عليهِ عن كَثَب، وفي رؤيةِ الخلاصِ القويِّ والخارقَ للطَّبيعةِ والمُنعِمِ الَّذي لن يَختبروهُ يَومًا.

وأعتقدُ أنَّ الملائكةَ القدِّيسينَ هُمُ المَقصودونَ هنا بصورة رئيسيَّة. وقد ذَكرتُ الرَّأي الآخرَ كفِكرة مُحتملة وَحَسْب. وأعتقدُ أنَّ الملائكةَ القدِّيسينَ يَرغبونَ في الاطِّلاعِ على الخلاصِ لكي يَفهموهُ أكثر، ولكي يُمَجِّدوا اللهَ أكثر لأنَّ هذا هو عَمَلُهم الرَّئيسيّ. فهو ليسَ مُجرَّد فُضول، بل إنَّهم يَرغبونَ في ذلكَ لكي يُمَجِّدوا اللهَ أكثر.

فقد أَطلَعَهُمُ اللهُ على كنيستِه. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ في إنجيل لوقا والأصحاح 15 عندما عادَ الخاطئُ أنَّ ملائكةَ السَّماءِ فَعلت ماذا؟ فَرِحَت. فالملائكةُ تَفرح وتُسَبِّح اللهَ على خَلاصِ خاطئٍ واحد. وفي رسالة كورنثوس الأولى، أعتقد في الأصحاح 4 والعدد 9، يَقولُ بولس: "فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاس". فالملائكةُ يُراقبونَ بولس. إنَّهُم يُراقبون الرسولَ بولس. وَهُم يَرَوْنَ قُدرةَ اللهِ في حياتِه. ونَقرأُ في رسالة أفسُس 3: 10: "لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَة". فاللهُ يُظهِرُ نِعمتَهُ للكنيسة أمامَ الملائكة. فَهُم يُراقبونَ خِدماتِه. وَهُم يُراقبونَ كنيستَه. وَهُم يَطَّلِعونَ على كلِّ ذلك.

صَحيحٌ أنَّهم لا يُشاركونَ، ولكنَّنا نَقرأُ شيئًا مُدهشًا جدًّا جدًّا في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الخامس. استمعوا إلى هذهِ الكلماتِ الَّتي تَقول: "فَأَتَى [الخَروفُ] وَأَخَذَ السِّفْرَ [أي أنَّهُ أخذَ صَكَّ مِلكيَّةِ الأرض. فالحديثُ هُنا هوِ الربِّ أوِ المسيح - الخَروف]. "وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ [أيِ: المَلائكةُ]. "وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا [الَّذينَ يُمَثِّلونَ القِدِّيسينَ] أَمَامَ الْخَروفِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". والآن لاحِظوا هذا. فهذه هي التَّرنيمة: "مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ".

أليست هذه تَرنيمة رائعة؟ هل يُمكنكم أن تُرَنِّموا تلك التَّرنيمة؟ هل يُمكنكم أن تُرنِّموا تَرنيمةَ الفِداء؟ بكُلِّ تأكيد. فقد افتُديتُم. ولكنِ انظروا إلى ما يَلي في العددِ الحادي عشر: "وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ". فالملائكةُ يُرَنِّمونَ تَرنيمةَ الفِداءِ معَ أنَّهُم لم يَختبروه. فنحنُ مَن نَعرِفُ حَقًّا ماذا نُرَنِّم. أمَّا هُم فَيَرَوْنَ ذلكَ بِصفتِهم مُراقبين. وَهُم يَرغبونَ في رُؤيَتِهِ كمُراقبين، ويَرغبونَ في الاطِّلاعِ عليهِ لكي يُشاركوا في تَرنيمةِ الفداءِ ويُمَجِّدوا اللهَ.

أليست هذه فكرة رائعة؟ يا لهُ مِن خَلاص! لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "انظروا! بِغَضِّ النَّظرِ عنِ التَّجاربِ الموجودة في حياتِكُم، وبِغَضِّ النَّظرِ عنِ الصُّعوباتِ الَّتي تَختبرونَها، تَذكَّروا عَظَمَةَ خَلاصِكُم. فهو خَلاصٌ دَرَسَهُ الأنبياءُ، وأَوحَى بهِ الرُّوحُ القُدُس، وشَهِدَ لهُ الرُّسُل، وتُبدي الملائكةُ اهتمامًا دائمًا في الاطِّلاعِ عليه".

هل يُمكنُني أن أَطرحَ عليكم سؤالاً؟ هل خَلاصُكَ ثَمينٌ لديكَ بهذا المِقدار؟ أَم أنَّكَ تَركتَ مَحبَّتَكَ الأولى؟ إنَّهُ سُؤالٌ مُنْصِفٌ. فقد كانَ ثَمينًا لديكَ في البداية. أليسَ كذلك؟ مَحَبَّتُكَ الأولى، عندما نِلتَ الخلاصَ. فقد كانَ رائعًا. ولكن كيفَ هو الآن؟ هل توقَّفتَ عن رُؤيته؟ اسمَح لتلك النَّارِ أن تَشتعلَ مِن جديد في قلبِك.

وقد تقول: "كيف؟" لقد تَرَكَتِ الكنيسةُ في أفسُس مَحبَّتها الأولى فأُوصِيَت بأن تَفعلَ هذا: "أن تَرجِعَ وتَعمَلَ الأعمالَ الأولى". ارجِع وَعِش بالطَّريقةِ الَّتي كُنتَ تَعيشُ فيها بعدَ أن نِلتَ الخَلاصَ؛ أي بنفسِ ذلكَ القلبِ المُلتَهِب، وبنفسِ تلك الشَّهادة القويَّة، وبنفسِ تلك المحبَّة القويَّة لله، وبنفسِ ذلك الجُوعِ إلى الكلمة، وبنفسِ تلك الرَّغبةِ في الشَّركةِ معَ المؤمنين، وبنفسِ حُبِّكَ للصَّلاة. اعملِ الأعمالَ الأولى. فإن تَركتَ مَحبَّتَكَ الأولى، ارجِع واعمل الأعمالَ الأولى. هذا هو ما يَقولُهُ الأصحاحُ الثَّاني مِن سِفْر الرُّؤيا. وتَذَكَّروا مَرةً أخرى عَظَمَةَ خَلاصِكُم. دَعونا نُصَلِّي معًا:

يا أبانا، لقد خَصَّصنا وقتًا طويلاً في هذا المساء لدراسةِ هذا الموضوع؛ ولكنَّ شَوقَ قُلوبِنا لم يَسمَح لنا بإغفالِ أيَّ جُزءٍ مِن هذا المقطعِ الرَّائعِ جدًّا مِنَ الكتاب المقدَّس. نَشكُرُكَ... نَشكُرُكَ على الخلاصِ المُنعِمِ الَّذي وَهبتهُ لنا. ولَيتَنا نَفرَحُ بهِ ونَبتَهِجُ به.

فحتَّى في وَسْطِ التَّجارب، لَيتَنا لا نَحيد عنه، بل أن نَعلمَ أنَّنا حَصلنا على خَلاصٍ أبديٍّ عظيمٍ جدًّا ومَجيدٍ جدًّا إلى الحَدِ الَّذي يَدفعُنا إلى تَسبيحِكَ إلى أبدِ الآبدينَ عليه. وكلمة "شُكرًا" لا تَكفي للتَّعبيرِ عن البَهجةِ الَّتي تَملأُ قُلوبَنا لأنَّكَ اخترتَنا لتُعطينا هذه العَطيَّةَ السَّخيَّة. باسمِ يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize