أريدُ منكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على رسالة بُطرس الثَّانية 1: 5-11. وأنا أَعلمُ أنَّ الأمرَ سيَستغرِقُني بضعَ عِظاتٍ أخرى لإكمالِ دراستِنا لهذا النَّصّ. والحقيقةُ هي أنَّني بصراحة مُندهشٌ جدًّا (بعدَ مُرورِ أكثر مِن عشرينَ سنة على رِعايتي لكنيسة "النعمة" [Grace Church] وتقديمي أوَّلَ مَرَّةٍ سِلسلةً دراسيَّةً عنِ اليقين) لأنَّهُ بعدَ كُلِّ عِظَة قَدَّمتُها عن هذا الموضوع فإنَّ شخصًا واحدًا على الأقلّ، وأحيانًا خمسة أو ستَّة أشخاص، يأتونَ إليَّ ويقولُ كُلٌّ منهم: "حتَّى هذه اللَّيلة، لم يَسبِق لي أن اختبرتُ يَقينَ خَلاصي". وَهُم يَشكرونَني على التَّحدُّثِ عن هذا الموضوع. وَهُم يَشكرونَ اللهَ على وُضوحِ كلمتِه بخصوصِ اليَقين.
ومِنَ المُحزِنِ أن أُفَكِّرَ في حقيقةِ أنَّهُ إن كانَ الأمرُ هكذا في كنيستِنا، لا بُدَّ أن يكونَ كذلكَ في كُلِّ الكنائس؛ أي أنَّ هناكَ مَسيحيِّينَ كثيرينَ جدًّا لا يَتمتَّعونَ بيقينِ خَلاصِهم. والأمرُ مُحزِنٌ بشكلٍ خاصٍّ لأنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أن نَكونَ مُتيقِّنينَ تمامًا (كما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 6: 11 و10: 22). وهو يُريدُ مِنَّا (وَفقًا للآية يوحنَّا الأولى 3: 19) أن نَمْلِكُ قُلوبًا مُطْمَئِنَّةً. وهو يُريدُ مِنَّا (وَفقًا للآية كولوسي 2: 2) أن نَتمتَّعَ بِكُلِّ غِنى اليَقين. فيجب أن يَتمتَّعَ كلُّ مؤمنٍ حقيقيٍّ بحقيقةِ خلاصِهِ أو خلاصِها. فعدمُ الحصولِ على هذا اليقين يَعني أن نَعيشَ في شَكٍّ، وأن نَعيشَ في خَوفٍ، وأن نَعيشَ في صُورةٍ مِن صُوَرِ الكآبةِ الروحيةِ وفي شَكلٍ مِن أشكالِ البُؤس.
ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ عدمَ الحُصولِ على اليقين يَعني أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَبتَهِجَ باللهِ معَ أنَّ ذلكَ جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ الإيمانِ المسيحيِّ، وأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَتمتَّعَ بِتَرَقُّبِ كُلِّ وُعودِه، وأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَستمتِعَ بحقيقةِ الإيمان، ورَوعةِ الرَّجاء. وكما تَرَوْنَ فإنَّ الوعدَ بالحياةِ الأبديَّة، والوعدَ بالحياةِ الفَيَّاضةِ يَتطلَّبانِ يَقينًا. فإن كنتُ سأتمتَّعُ بكُلِّ امتيازاتي في المسيح، يجب عليَّ أن أَعلمَ أنِّي في المسيح. وإلاَّ، سوفَ أعيشُ في خوفٍ، وبؤسٍ، وشَكّ. وقد حَرَصَ بُطرس جدًّا على أن يَكونَ قُرَّاءَهُ مُتَيَقِّنين. لِذا فإنَّ هذه الفكرة هي فكرة رئيسيَّة في هذه الرِّسالة القصيرة. والآن، اسمَحوا لي أن أُذكِّرَكُم بسرعة بمَضمونِ هذه الرِّسالة.
إنَّهُ سِفْرٌ قَصيرٌ جدًّا يَحوي ثلاثةَ أصحاحاتٍ فقط. والفِكرةُ الرئيسيَّة في هذا السِّفر موجودة في الأصحاحِ الثَّاني. والأصحاحُ الثَّاني يَتحدَّثُ عنِ المُعلِّمينَ الكذبة، والأنبياءِ الكذبة. وَهُم يُوصَفونَ وَصفًا واضحًا جدًّا ومُفَصَّلاً جدًّا في الأصحاحِ الثَّاني. والأصحاحُ الثَّاني (الَّذي يُرَكِّزُ على الأنبياءِ الكذبة والمُعلِمينَ الكذبة) مُحاطٌ بتعليمٍ آخر عن كيفيَّةِ التَّصدِّي بنجاحٍ لهَجماتِهم. بعبارة أخرى، فإنَّ الأصحاحَ الأوَّل والأصحاحَ الثَّالثَ مُرتبطانِ بالفكرة نفسِها إذْ إنَّ الأصحاحانِ الأوَّلَ والثَّالثَ يُخبرانِ المؤمنَ كيفَ يكونُ مُستعدًّا للتَّصدِّي للمُعلِّمينَ الكذبة. فلكي يَتصدَّى المؤمنُ لضَلالِ المُعلِّمينَ الكذبة، يجب عليهِ أن يَعلمَ بِضعة أمور. فيجب على المؤمنِ أن يَمتَلِكَ مَعرفةً سَليمةً وصَحيحة. والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ هو: ماذا ينبغي أن نَعرِف؟ ماذا ينبغي أن نَعرِف؟
حسنًا! في الأصحاحِ الأوَّل والأعداد مِن 12 إلى 21، يجب علينا أن نَعرفَ الكتابَ المقدَّس. يجب علينا أن نَعرفَ كِتابَنا المقدَّس. وهو يَتحدَّثُ عن ذلك. وفي الأصحاحِ الثَّالثِ، يجب علينا أن نَعرفَ قَداسَتَنا. يجب علينا أن نَعرفَ قَداسَتَنا. وفي الأصحاحِ الأوَّلِ والأعداد مِن 3 إلى 11، يجب علينا أن نَعرفَ خَلاصَنا. فإن كنتَ تَعرفُ الكتابَ المقدَّسَ، وتَعرفُ أنَّكَ مُقَدَّسٌ ومُفرَزٌ مِنَ اللهِ عنِ الخطيَّة، وتَعرفُ أنَّ خَلاصَكَ حَقيقيٌّ، فإنَّ هَجماتِ المُعلِّمينَ الكذبة سَتَخيب. أمَّا إذا كُنتَ لا تَعرِفُ الكتابَ المقدَّسَ، ولا تَعرِفُ أو تَختبرُ حالةَ القَداسة المُستمرَّة، ولستَ مُتيقِّنًا مِن خَلاصِك، ستكونُ ضَحيَّةً سَهلة.
والآن، نحنُ نَتأمَّلُ في ذلك المَقطع الَّذي يَتحدَّثُ عنِ الخلاصِ أو مَعرفةِ خَلاصِكُم. وهذا دِفاعٌ رَئيسيٌّ جدًّا ضِدَّ المُعلِّمينَ الكذبة. فإن كُنتَ تَلبَسُ خُوذةَ رَجاءِ الخلاص، فإنَّ ضَرَباتِ الشَّيطانِ المُوَجَّهة إليكَ لِتَشكيكِكَ في خلاصِكَ وتَشكيكِكَ في اللهِ ستَخيب. فأنتَ مَحْمِيٌّ مِنَ المُعلِّمينَ الكذبة، والأرواحِ الشِّرِّيرة، والشَّيطانِ نَفسِه. لِذا فإنَّ خَطَّ الدِّفاعِ الأوَّل هو أن تَعرفَ خَلاصَك. والحقيقةُ هي أنَّ الأصحاحَ كُلَّهُ حتَّى الآن رَكَّزَ على ذلك. ففي العددِ الأوَّل، قالَ إنَّهُ يجبُ عليكم أن تَعرفوا مَصدرَ خَلاصِكُم. فخلاصُكُم هُوَ "بِبِرِّ إِلهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وقد قالَ في العددِ الثَّاني إنَّهُ يجب عليكم أن تَعرفوا جَوهرَ خَلاصِكُم. فهو قائمٌ على وَفْرَةِ "النِّعْمَةِ وَالسَّلاَمِ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَيَسُوعَ رَبِّنَا".
وفي العددَيْنِ الثَّالث والرَّابع، يجب عليكم أن تَعرفوا كِفايةَ خَلاصِكُم لأنَّ "قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". والآن، في الأعداد 5-11، يجب عليكم أن تَعرفوا يَقينَ خَلاصِكُم. فيجب أن تكونوا مُتيقِّنين. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ في الأعداد 5-11 عن مسألةِ اليقين – اليَقين. وهذه، يا أحبَّائي، نُقطة مُهمَّة جدًّا إن أردنا أن نَتَصَدَّى لَهَجَماتِ المُعلِّمينَ الكذبة. وقد تقول: "لماذا؟" لأنَّ المُعلِّمينَ الكذبة سيحاولونَ دائمًا أن يُعلِّموكَ طريقًا آخرَ لماذا؟ للخلاص. دائمًا. أمَّا إذا كنتُ أعرفُ أينَ أَقِفُ مِن جهةِ الخلاصِ، ولم يكُن لديَّ أيُّ شَكٍّ، لن أجِدَ أيَّةَ جاذبيَّة في التَّعليمِ الزَّائف.
ونَقرأُ في العَددين 3 و 4 أنَّنا قد حَصَلنا على كُلِّ ما نحنُ بحاجة إليهِ في المسيح. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ بُطرسَ يَقولُ لنا في الأعداد 5-11 إنَّهُ يجب علينا أن نَبذُلُ كُلَّ ما في وُسعِنا للإضافةِ إلى ما فَعَلَهُ المسيح لكي نَختبرَ اليَقينَ التَّامَّ. وقد يبدو هذا تَناقُضًا. فالعَددانِ الثَّالِث والرَّابع يقولانِ إنَّكم قد حَصَلتُم على كُلِّ شيءٍ في المسيح. والأعداد 5-11 تقول: "والآن، أَضيفوا إلى ذلك". فكيفَ يُمكِنُكَ أن تُضيفَ شَيئًا إلى كُلِّ شيء؟ وهذه هي، مَرَّةً أخرى، المُفارقةُ في أنَّكَ كامِلٌ في المسيح؛ ولكن يجب عليكَ أن تَفعلَ كُلَّ ما في وُسعِكَ لاتِّباعِه. لِذا، نَجِدُ أنَّ الأعدادَ مِن 5 إلى 11 تُقدِّمُ لنا طَريقَ اليَقين. العدد 5 – لننظُر إليه: " وَلِهذَا عَيْنِهِ". والآن، أريدُ أن نَتوقَّفَ هُنا. فما الَّذي يُشيرُ إليهِ هُنا؟
لأنَّ لنا كُلَّ شيءٍ في المسيح؛ أي لأنَّ قُدرَتَهُ الإلهيَّةَ [في العددِ الثَّالث] "قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَة". واسمَحوا لي أن أُوَضِّحَ ذلكَ وأُلَخِّصَهُ. أي لأنَّكُم قد حَصلتُم على القوَّةِ الإلهيَّةِ الَّتي تُعطيكُم كُلَّ ما يَلزَمُ للحياةِ والتَّقوى، ولأنَّكُم تَحصُلونَ على ذلكَ مِن خلالِ المعرفةِ الحقيقيَّةِ ليسوعَ المسيحِ الَّذي تَحصُلونَ مِن خلالِهِ على المَواعيدِ العُظمَى والثَّمينة، وصِرتُم شُركاءَ الطَّبيعة الإلهيَّة، وهَرَبتُم مِنَ الفسادِ الَّذي في العالَم بالشَّهوة؛ الآن، لهذا السَّبب؛ أي بسببِ كُلِّ ما هو لكم في المسيح، افعلوا هذا. وهذا هو مَرَّةً أخرى سِرُّ الحياةِ الرُّوحيَّة. فقد وُهِبَ لَنا كُلُّ شيءٍ في المسيح. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ الأمرَ يَقتضي مِنَّا أن نَبذُلَ كُلَّ جُهدٍ مُمكِن في مُتابعةِ ذلك. فلأنَّنا حَصلنا على كُلِّ شيءٍ في المسيح، أي على كُلِّ المواردِ الروحيَّةِ الَّتي نَحتاجُ إليها، فإنَّنا مُطالبونَ ببَذلِ أقصى جُهدٍ مُمكِن. والمُعلِّمونَ الكذبة يَستغلُّونَ بنجاحٍ الأشخاصَ الَّذينَ يَشُكُّونَ في خَلاصِهم. والمُعلِّمونَ الكذبة يَجدونَ طَرائقَ لِجَعلِ البائسينَ والخُطاةَ والمُتَشَكِّكينَ والضُّعفاءَ واهِنينَ في عِبادتِهم وصَلواتِهم، ونَزعِ الفَرحِ مِنهُم، وجَعلِهم عَديمي القوَّة في الخدمة، ومُشَوَّشينَ بشأنِ ما يُؤمنونَ بِه.
أمَّا الأشخاصُ الواثقونَ مِن خلاصهم، وواثقونَ مِن الغِنى الَّذي وَهَبَهُ المسيحُ لهم، وواثِقونَ ومُتيقِّنونَ مِن مَعرفتهم الصَّحيحةِ بالمُخلِّص فإنَّ المُعلِّمينَ الكذبة لا يَجِدونَ شيئًا يُقدِّمونَهُ لهم. لِهذا السَّبب (أي بِسببِ كُلِّ ما هو لنا في المسيح)، لِنَجتهِد فيهِ لكي نَتمتَّعَ بكُلِّ امتيازاتِه؛ ولا سيَّما اليَقين... اليَقين. لِذا فإنَّ العددَ الخامسَ يَدعونا إلى الاجتهاد: "وَلِهذَا عَيْنِهِ، وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ". وهذا يَقودُنا إلى النَّصّ. وما أودُّ أن أَفعلَهُ هو أنَّني سآخُذُ هذه الفكرة المُختصَّةَ باليقين وأُجَزِّئها إلى أربعة أجزاء لكم. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذه المقاطعَ واحدًا واحدًا.
أولاً، وَصْفُ الجُهد. ثانيًا، السُّلوكُ في الفَضيلة. ثالثًا، تَقديمُ الخِيارات. رابعًا، الوعدُ بالامتيازات. فلنبتدئ بوصفِ الجُهد. وقد قرأنا ذلك للتَّوّ. ولا بُدَّ أن أقولَ لكم مُلاحظةً هنا. فقد تَظُنُّونَ بعدَ قراءتكم للعددين الثَّالث والرابع وإدراكِكُم لحقيقةِ أنَّكم قد حَصلتُم على كُلِّ ما هو للحياةِ والتَّقوى، ولحقيقةِ أنَّ اللهَ قد سَكَبَ قُدرتَهُ الإلهيَّةَ فيكم، أي بعدَ أن حَصلتُم على هذا كُلِّه، قد تَظُنُّونَ أنَّ الجُملةَ الَّتي تَلي ذلكَ ستقول: "لِنَفعل ما نَشاء ونَترُك اللهَ يَفعلُ ما يَشاء". أليسَ كذلك؟ أو قد تكونُ الجُملةُ الَّتي تَليها: "اسمَع! استَرِح! استرخِ وَحَسْب ودعِ اللهَ يَفعلُ ما يَلزَم". ولكنَّ العكسَ هو الصَّحيح. فهو يَصِفُ الجُهدَ المَطلوب إذ نَقرأُ في العددِ الخامس: "وَلِهذَا عَيْنِهِ، وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ، قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ".
والآن، إنَّهُ يَصِفُ الجُهدَ. فبسببِ عَملِ اللهِ المُخَلِّصِ فينا، وبسببِ كِفايَتِهِ الكاملة، فإنَّهُ يُشبِهُ ما جاءَ في رسالة فيلبِّي 2: 12 و 13 إذْ نَقرأُ: "تَمِّموا [ماذا؟] خَلاصَكُم". فاللهُ يَضَعُهُ فيكم؛ ولكن يجب عليكم أن تُتَمِّموه. أن تُتَمِّموه. "وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ...فِي إِيمَانِكُمْ". ثُمَّ إنَّ الكلمةَ الَّتي تَلي ذلكَ هي: "قَدِّموا". وهذا مُدهش. فهذه جُملة مُدهشة. اسمَحوا لي أن أَتَعَمَّقَ في ذلك قليلاً. "وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ...فِي إِيمَانِكُمْ". ما المقصودُ بالكلمة "بَاذِلونَ"؟ أي أن تَفعلوا كُلَّ ما في وُسعِكُم. فهي تَعني أن تَبذُلَ كُلَّ جُهدٍ مُمكنٍ فَضلاً عَمَّا فَعَلَهُ اللهُ. فاللهُ فَعَلَ كُلَّ هذه الأشياء. ويجب عليكم أن تَبذُلوا كلَّ جُهدٍ. فهذا هو معني الكلمة "بَاذِلونَ".
"...كُلَّ اجتهادٍ". والكلمة "سبودي" spoude)) تَعني: "هِمَّة" أو "عَجَلَة". وهي تُستخدَمُ للإشارة إلى شخصٍ في عَجلةٍ مِن أمرِه. وهي تَعني: "حَماسَة". إنَّها كلمة قويَّة جدًّا. لِذا فإنَّهُ يقولُ: "فَضلاً عَمَّا فَعَلَهُ اللهُ، ابذلوا جُهدًا كبيرًا بكُلِّ حماسة، وهِمَّة، وعَجَلة، وسُرعة". فهو كلامٌ مُباشِرٌ جدًّا. ثُمَّ إنَّ هُناكَ الكلمة "قَدِّموا" – الكلمة "قَدِّموا". وما مَعنى هذه الكلمة في الحقيقة؟ إنَّها تَعني أن تُعطي بِكَرَم، وتَعني أن تُعطي بسَخاء. وهي كلمة مُدهشة جدًّا بالمُناسبة. فهي كلمة مُختلفة. فهي كلمة كانت تُستخدَمُ للإشارة إلى قائدِ جَوْقَةٍ مُوسيقيَّة يَسبِقُها حَرْفُ جَرّ. وقد تقول: "كيفَ يُمكنكَ أن تُتَرجمَ كلمةً تَعني "قائدَ جَوْقَةٍ مُوسيقيَّة" وتقول إنَّها تَعني: ’قَدِّموا‘؟" ببساطة، لأنَّ قائدَ الجَوْقةِ الموسيقيَّة كانَ مَسؤولاً عن تَوفيرِ كُلِّ الأشياءِ اللاَّزمةِ لِجَوْقَتِه. لِذا فقد صارتِ الكلمة تَعني: "مُزَوِّد". فالكلمة الَّتي تَعني "قائدَ جَوْقةٍ موسيقيَّة" كانَت تَعني: "مُمَوِّن".
ويَقولُ "وليام باركلي" (William Barklay) ما يَلي: "رُبَّما كانَ أعظمُ ما قَدَّمَهُ الإغريقُ، وأثينا تَحديدًا، للعالَم هو المَسرحيَّاتُ والتَّمثيليَّاتُ العظيمةُ الَّتي كَتَبَها رِوائِيّونَ مِثلَ "إسكيلوس" (Aeschylus)، و "سوفوكليس" (Sophocles)، و "أوريبيديس" (Euripides). فهي الأعمالُ الأدبيَّةُ والفَنيَّةُ الَّتي ما تَزالُ مِن أكثر ما يَعتَزُّ بهِ العالَم. وكانت كُلُّ تلكَ المَسرحيَّات تَحتاجُ إلى جَوْقَاتٍ مُوسيقيَّةٍ كبيرة لأنَّ الجَوْقاتِ الموسيقيَّة كانت جُزءًا لا يَتجزَّأُ منها. لِذا، كان مِنَ المُكلِف جدًّا إنتاجُ مَسرحيَّاتٍ كهذه. وفي الأيَّامِ الَّتي كانت فيها أثينا في أَوْجِها، كان هناك مُواطنونَ جَريئونَ مِنَ العامَّةِ يأخذونَ على عاتِقِهم، وعلى نَفقتِهم الشخصيَّةِ، مَهمَّةَ جَمْعِ هذهِ الجَوْقاتِ، ورعايتِها، وتَدريبِها، وتوفيرِ كُلِّ ما يَلزَمُ لها. وكانت هذه المَسرحيَّات تُعرَض في الأعيادِ الدِّينيَّة المُهمَّة.
"فعلى سَبيلِ المِثال، في مدينة "ديونيسية" (Dionysia)، تَمَّ إنتاجُ ثلاثِ مَسرحيَّاتٍ تراجيديَّة، وخمسِ مَسرحيَّاتٍ فُكاهيَّة، وخمسِ مَسرحيَّاتٍ غِنائيَّة. وكانَ ينبغي العُثورُ على أشخاصٍ يُشرفونَ على العُثورِ على الجَوْقاتِ، وتأهيلها وتَدريبِها لكُلِّ هذه المَسرحيَّات. وكانَت تلك المَهمَّة تَتطلَّبُ مِن مِثلِ هذا الشَّخصِ أن يُنفِقَ مبلغًا كبيرًا مِنَ المال. وكانَ هؤلاءِ الرِّجالِ يَتَشَرَّفونَ بتدريبِ جَوْقاتِهم وتَجهيزِها بأكبرِ قَدْرٍ مِنَ الكَرَمِ والسَّخاءِ المُتاحَيْن. وكانَ الأشخاصُ الَّذينَ يَتَعَهَّدونَ بهذه المَهامِّ طَوعًا ومِن مَالِهم الخاصِّ وبدافعِ محبَّتِه لمدينتِهم يُدْعَوْنَ: ’كوريغوي‘ (Choregoi)؛ وهي الكلمة المُستخدَمة هُنا. والفِعل "كوريغين" (choregein) هو الفِعلُ المُستخدَمُ لِتَوَلِّي مَهمَّة تَجهيزِ ما يَلزمُ الجَوْقَة. لِذا فإنَّ الكلمة تُشيرُ في ذاتِها إلى السَّخاء.
"فهي لم تَكُن تَعني يَومًا التَّجهيز بِتَقتيرٍ أو بُخْلٍ؛ بل تَعني أن تَبذُلَ بِكُلِّ سخاءٍ وطَوعًا كلَّ ما يَلزَم لتقديمِ حَفْلٍ مُمتاز. وقد انتشرتِ الكلمة "إيبيكوريغين" في العالَمِ الأوسع نِطاقًا وصارت تَعني ليسَ فقط أن تُجَهِّزَ جَوْقَةً موسيقيَّةً، بل أن تَضطلِعَ بأيِّ نَوعٍ مِنَ التَّجهيز. فهي قد تَعني تَّجهيزُ جيشٍ بِكُلِّ الإمداداتِ والمُؤْن. وهي قد تَعني تَسليحَ النَّفسِ بمحبَّة بكُلِّ فضائلِ الحياةِ الضَّروريَّة. ولكنَّها تَعني دائمًا فِكرةَ الاستعدادِ والعطاءِ والسَّخاءِ في التَّجهيز. لِذا فإنَّها الكلمةُ الَّتي اختارَها رُوحُ الله".
وعَودة مَرَّةً أخرى إلى العددِ الخامِس: "وَلِهذَا عَيْنِهِ"؛ أي بسببِ كُلِّ ما فَعلَهُ المسيحُ لأجلِكُم، "وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ، قَدِّمُوا" بِكَرَمٍ، وبسخاءٍ [لا بِتَقتيرٍ أو بُخْلٍ]؛ ثُمَّ نَجِدُ تلك العِبارة الصَّغيرة: "فِي إِيمَانِكُمْ". فالإيمانُ أمرٌ مُسَلَّمٌ به هُنا. فالإيمانُ هو الأرضُ الَّتي تَنمو فيها زَهرةُ القداسة. لِذا، في إيمانِكُم؛ أي في إيمانِكُم الجَوهريِّ بالمسيح، يجب عليكم أن تُظهِروا كُلَّ حَماسةٍ في تَقليدِ ما فَعَلَهُ المسيح، وأن تَفعلوا كُلَّ ما يُمكنُكم فِعلُه. هذا هو ما يَقولُه. والآن، قد يَقولُ قائلٌ: "ألا يوجدُ يَقينٌ في الإيمان؟" بَلَى! هُناكَ يَقينُ في الإيمان. والشَّخصُ الَّذي يُؤمنُ بالربِّ يسوعَ المسيح (كما ذَكرنا في مُناسباتٍ أخرى) لَديهِ كُلُّ الأسبابِ الَّتي تَجعلُهُ مُتيقِّنًا.
لِذا، إذا كُنتَ تَعلمُ أنَّكَ تُؤمِن، فإنَّ إلهَ الرَّجاء يَستطيعُ أن يَملأكَ بكُلِّ الفَرحِ والسَّلامِ في إيمانِك (كما جاءَ في رسالة رُومية 15: 13). فهناكَ فَرَحٌ وسلامٌ في الإيمانِ وَحَسْب. ونَقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ تسالونيكي 2: 13: "وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ". بعبارة أخرى، كانَ باستطاعةِ أهلِ تِسالونيكي (الَّذينَ كانوا حَديثي الإيمانِ نِسبيًّا) أن يَعرفوا أنَّهم مُخَلَّصونَ وأن يَمتلئوا بالرَّجاءِ بسببِ إيمانِهم بالحَقّ. فالإيمانُ يَنطوي في ذاتِهِ على اليَقين. والأصحاحُ السَّادسُ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين يَقولُ نفسَ الحَقِّ. ونَجِدُ في رسالةِ يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الخامسِ نَصًّا مألوفًا جدًّا في العدد 13: "كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً".
فالإيمانُ يُمكنُ أن يَكونَ مَعرفةً. والإيمانُ يُمكِنُ أن يُعطي يَقينًا. فيُمكنني أن أعرفَ أنِّي مؤمن. ويُمكنكم أن تَعلموا أنَّكم مُؤمِنون. والإيمانُ يَجلِبُ الخلاص. ويُمكنكَ أن تَحوزَ قَدرًا مِنَ اليَقين. ولكنِّي لا أُوْمِنُ بأنَّ ذلكَ الإيمانَ [أي ذلكَ الإيمانَ الأوَّليَّ المُخَلِّصَ] سيَستمرُّ في إظهارِ ثَمَرِ اليَقين ما لم يَتِمُّ بَذلُ جُهدٍ في الطَّاعة في الأشياءِ الَّتي يَتحدَّثُ عنها هذا النَّصّ. فقد تَحصُلُ على ذلكَ اليقينِ مَبدئيًّا، ولكن إذا لم تَبذُل جُهدًا دَؤوبًا في القيامِ بسخاءٍ بما هو مَطلوبٌ منكَ إلى جانبِ ما عَمِلَهُ المسيحُ، أعتقدُ أنَّكَ ستُضَيِّعُ فَرَحَ اليَقين.
لِذا، هُناكَ وَصْفَةٌ مُقَدَّمةٌ هنا. وتلكَ الوَصْفَة هي: اجتهدوا في تَقديمِ كُلِّ هذه الأشياء. فمِلْءُ اليَقينِ [اسمعوني] يأتي مِنَ الجُهدِ الدَّؤوبِ في مُمارسةِ الفضيلةِ الروحيَّةِ إلى جانبِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي وَفَّرَتها النِّعمةُ الإلهيَّة. لِذا، نَجِدُ بالمَفهومِ الواقعيِّ جدًّا أنَّ اليَقينَ هو مِن نَصيبِ المُؤمِنِ الَّذي يَتبعُ هذه الوَصْفَة. والآن، هذا هو الموقف. فلننظُر إلى العمل. فقد رأينا الوَصفةَ، أو وَصْفَ الجُهدِ إذْ إنَّ الاجتهادَ يَتطلَّبُ حَماسةً كبيرة. ولكن ما الَّذي يَنبغي أن نَفعلَه؟ فأنا أفهمُ ذلكَ الموقف، ولكن ما هو العملُ المَطلوب؟ ما الَّذي ينبغي أن أفعلَهُ؟
لننظُر إلى النُّقطةِ الثَّانية إذًا: مُمارسة الفضائل. فقد تَمَّ وَصفُ الاجتهاد. والآن، السُّلوكُ في الفضيلة. فما الَّذي ينبغي للمؤمنِ أن يَسلُكَ فيهِ في حياتِهِ (أو حياتِها) لكي يَختبرَ اليَقين؟ نقرأُ في العددِ الخامِس: "قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا [أوْ قُدرةً على الاحتمال]، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً". فهناكَ سَبعُ فَضائِل يَنبغي السَّعيُ إلى الحُصولِ عليها. وكُلُّ فضيلة مِن هذه الفضائل كَامِنَة بطريقةٍ مَا في الفضيلةِ السَّابقة. فَمِنَ الإيمانِ تَنبُعُ الفضيلةُ الأخلاقيَّة، ومِنَ الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ تَنبُعُ المَعرفة، وهَلُمَّ جَرَّا.
والآن، أريدُ منكم أن تنظروا إلى هذه الفضائل. ولا حاجةَ إلى صَرفِ وقتٍ طويلٍ في التَّحدُّثِ عنها، ولكنَّكم ستَنتعشونَ كثيرًا حينَ تَفهمونَ ما قَصَدَهُ بُطرس. أولاً: الفضيلةُ الأخلاقيَّة "أريتي" (arete) ومعناها: فَضيلة – فَضيلة. وفي الأزمنة القديمة، كانت هذه الكلمة تُشيرُ إلى القُدرةِ الإلهيَّةِ للقيامِ بالمآثِرِ البُطوليَّة. وقد صارت تُشيرُ إلى صِّفَةٍ في حياةِ شَخص مَا تَجعَلُهُ شخصًا مُمتازًا. وهي [بالمُناسبة] كلمة نادرة جدًّا في الكتابِ المقدَّس؛ ولكن ليسَ في الأدبِ اليونانيّ. فهي كلمة تُشيرُ إلى النُّبْل، وتُشيرُ إلى البُطولة، وتُشيرُ إلى البُطولةِ الأخلاقيَّة، وإلى التَّمَيُّزِ الأخلاقيِّ، وإلى الجَوْدَة. وقد كانت تُستخدَمُ عادةً للإشارة إلى القيامِ بشيءٍ ما بطريقة صَحيحةٍ أو مُمتازة.
فمثلاً، كانوا يَقولونَ إنَّ السِّكِّينَ "أريتي" (arete) إن كانت تَقطَعُ جيِّدًا، وإنَّ الحِصانَ "أريتي" إن كانَ يَعدو بقوَّة وسُرعة، وإنَّ المُغَنِّي "أريتي" إن كانَ يُغنيِّ جيِّدًا. وأحيانًا، كانت هذه الكلمة تُستخدَمُ بمعنى "شَجاعة"، وأحيانًا كانت تُشيرُ إلى التَّمَيُّزِ في القيامِ بشيءٍ ما أوِ في فَضيلةٍ عَمليَّة. فهي لم تَكُن تُشيرُ يومًا إلى فضيلةٍ مُنعزلة أو فَضيلةٍ في الفَراغ كما لو كانت مَوقفًا فقط، بل إنَّها كانت تُشيرُ إلى فَضيلةٍ تُمارَسُ في الحياة. لِذا فإنَّهُ يقولُ: "في حياتِكَ، ابذُل كُلَّ قَلبِكَ، وعَقلِكَ، وجُهدِكَ، واندفاعِكَ، وحماستِكَ، وسُرعةٍ لديكَ في التَّعبيرِ بسخاءٍ عنِ الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ في حياتِك". واسمَحوا لي أن أسألكم سؤالاً بسيطًا: أينَ تَجدونَ النَّموذجَ على تلك الفضيلة؟ في المسيح.
لِذا فإنَّنا نَجِدُ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالثِ تلكَ الجُملةَ الرَّائعةَ الَّتي قالَها بولسُ في وَصْفِ النَّموذجِ الأسمَى لكُلِّ سُلوكٍ يَصدُرُ عنِ المؤمنين. وقد قالَ ذلك بطريقةٍ رائعةٍ لا مَثيلَ لها في أيِّ مَوضعٍ آخرَ في الكتاب المقدَّس. فقد قال: "أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". وما قَصَدَهُ هو: "أنا أَسعى نحوَ التَّمَثُّلِ بالمسيح". وقد أَقَرَّ قائلاً: "أنا لم أبلُغ ذلكَ بعد، ولكنِّي أسعى إلى ذلك". فالهدفُ هو أن أكونَ مِثلَ المسيح. والمُكافأة هي أن أكونَ مِثلَ المسيح. فالهَدفُ هوَ المُكافأة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا قُلنا ذلكَ في دراستِنا لرسالة فيلبِّي. اسعوا إلى التَّمثُّلِ بالمسيح. اسعوا إلى الفَضيلة.
هل تَذكرونَ ما رأيناهُ يومَ الأحدِ الماضي صَباحًا إذْ إنَّ بولسَ قالَ إلى أهلِ تسالونيكي: "وَإِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ...أَنْ تَزْدَادُوا أَكْثَرَ"؟ وهُناكَ مَن قالَ إنَّ هذه الجُملةَ تُشيرُ إلى الطَّاقةِ الأخلاقيَّة. ويبدو أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتحدَّثونَ عن هذه الكلمة يَخافونَ؛ وأنا أُشيرُ هنا إلى واضِعي المَعاجِمِ أوِ الأشخاصِ الَّذينَ يُعْنَونَ بتوضيحِ المَعاني. فَيبدو أنَّهُم يَخافونَ مِن أن يَظُنَّ النَّاسُ أنَّ الكلمة تُشيرُ إلى شيءٍ ثابتٍ في حين أنَّها ليست كذلك. لِذا، هُناكَ مَن تَرجَمَها بأنَّها "طاقة أخلاقيَّة"؛ أيِ القُدرة على القيامِ بالأعمالِ الفاضِلَة. لِذا: "قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً أخلاقيَّةً"؛ أي حياةً مِن نَوعٍ مُتميِّز، وفضيلةً رُوحيَّة، وبُطولةً مُقدَّسةً مِن نَوعٍ مَا.
والآن، هذا يَقودُنا إلى الفضيلةِ الثَّانيةِ في لائحةِ هذه الفَضائل. فالعددُ الخامسُ يَقول: "وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً". فالفضيلةُ الأخلاقيَّةُ لا يُمكنُ أن تُوجدَ ما لم تَكُن مُتأصِّلةً في المَعرفة. أليسَ كذلك؟ التَّمييز أوِ البصيرة الرُّوحيَّة. فالكلمة "مَعرفة تَعني: بَصيرة سَليمة، أو فَهمًا سليمًا، أو حقيقةً تُدرَكُ إدراكًا سليمًا، أو تُفهَمُ فَهمًا سليمًا، أو تُطَبَّقُ تَطبيقًا صحيحًا. لِذا، يَجب علينا أن نَسعى نحوَ الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ عالِمينَ أنَّهُ في صَميمِ فَضيلتِنا الأخلاقيَّةِ يجب أن تكونَ هناكَ مَعرفة رُوحيَّة أو أن يكونَ هناكَ تَمييز. فيجب علينا أن نَعرفَ قبلَ أن نَتمكَّنَ مِنَ العَيش. ويجب علينا أن نَفهمَ كيفَ ينبغي أن نَسلُكَ قبلَ أن نَتصرَّفَ بتلك الطَّريقة. فالفضيلةُ الأخلاقيَّةُ تَتوقَّف على المعرفة ("نوسيس" – "gnosis")؛ أي على مَعرفةٍ سَاميةٍ ومَعرفةٍ راقية. وإن أردنا أن نَستخدِمَ مُصطلحًا لاهوتيًّا آخرَ فإنَّهُ "استِنارة": اسمَحوا لأذهانِكُم أن تَستنيرَ أو تَتَنَوَّرَ بالحَقّ. وهذا، بكُلِّ تأكيدٍ، يَتطلَّبُ دراسةً ومُتابعةً جادَّةً للحقِّ المُتَمَثِّلِ في كلمةِ الله.
والآن، في صَميمِ مَعرفتِكُم، هناكَ فَضيلة أخرى. انظروا إلى العدد السَّادس: "وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا". ففي صَميمِ المَعرفةِ الحقيقيَّةِ والتَّمييزِ الحَقيقيِّ، هناكَ تَعَفُّفٌ؛ وهي كلمة تَعني حَرفيًّا في اللُّغة اليونانيَّة أن يَضبُطَ الإنسانُ نَفسَهُ. وقد كانت تُستخدَمُ في زَمنِ بُطرس للإشارة إلى الرِّياضيِّين. فقد كانَ الرِّياضيُّونَ أشخاصًا يَتحكَّمونَ في أنفسِهم، ويَكبَحونَ أنفسَهُم، ويَضبُطونَ أنفسَهُم. وكانوا يَقمعونَ أجسادَهُم ويُخضِعوَنها (كما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى 9: 27). فقد كانوا يَمتنعونَ عن أكلِ الأطعمةِ غيرِ الصِّحيَّة، وعن شُربِ الخَمرِ، وعن الانغماسِ في الشَّهواتِ الجنسيَّة، وكانوا يَحفظونَ أنفسَهُم طاهِرينَ، ويَتمرَّنونَ بانتظامٍ لأجلِ الفَوزِ في المُسابقاتِ الرِّياضيَّة. فقد كانوا يَضبطونَ أجسادَهُم، وشهواتِهم، ورغباتِهم الجسديَّةَ عِوَضًا عن أن يَتركوا أنفسَهُم فَريسةً لها.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ: قَدِّموا فَضيلةً أخلاقيَّةً، واعلموا أنَّهُ في صَميمِ الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ يوجدُ تَمييزٌ رُوحيٌّ، وأنَّهُ في صَميمِ التَّمييزِ الرُّوحيِّ يوجد تَعَفُّف. فما الفائدةُ إن كُنتُ أُحْسِنُ التَّمييزَ ولكنِّي لا أَضبُطُ نَفسي؟ وكيفَ سأكتسبُ الفضيلةَ الأخلاقيَّة؟ بالمُناسبة، أريدُ أن أقولَ مُلاحظةً وهي أنَّ المُعَلِّمينَ الكذبة كانوا يَدَّعونَ أنَّ مَعرفتَهم السريَّةَ الحقيقيَّةَ حَرَّرتُهم مِن الحاجة إلى التَّعَفُّف. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا تَحدَّثنا عن ذلك. فقد كانوا يُبيحونَ للنَّاسِ أن يَنغمسوا في الخطيَّة. وكانوا جَشِعينَ واستغلاليِّين. وكانوا يَلهَثونَ وراءَ شَهَواتِهم. وسوفَ يَقولُ بُطرسُ كُلَّ ذلكَ في الأصحاحَيْنِ الثَّاني والثَّالث. وَهُم لم يكونوا يَنْهَوْنَ النَّاسَ عن أيِّ شَيء. ولكنَّ بُطرسَ يَعكِسُ ذلك. وهو يَقولُ إنَّ أيَّ لاهوتٍ يَفصِلُ الإيمانَ عنِ السُّلوك هو هَرطَقة.
فهناك الإيمان. والإيمانُ يَنطوي على فَضيلة أخلاقيَّة. والفضيلةُ الأخلاقيَّةُ تَنطوي على التَّمييزِ الرُّوحيَّ. والتَّمييزُ الرُّوحيُّ يَنطوي على التَّعَفُّفَ. وهذا أمرٌ لا بُدَّ منهُ في الحياةِ المسيحيَّة؛ أي أن أَضبِطَ الرَّغباتِ الجسديَّةَ بما يَتَّفِقُ مع ما أَعرفُهُ عنِ الحقِّ بهدفِ اكتسابِ الفَضيلةِ الأخلاقيَّة. لِذا فإنَّ الفَضيلةَ القائمةَ على المَعرفة تَكْبَحُ الرَّغَباتِ وتَجعلُها الخادِمَ لا السَّيِّدَ في حياةِ الإنسان. هذا هو التَّعَفُّف. ولا بُدَّ أنَّ التَّعَفُّفَ واحدٌ مِن أعظمِ جميعِ الفضائلِ المسيحيَّة.
وهناكَ المزيد. رابعًا، نَقرأُ في العددِ السَّادس: "وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا". وهذه هي أفضلُ تَرجمةٍ للكلمة "هوبوموني" (hupomone)، ومَعناها: الصَّبر أو الاحتمال عندَ القيامِ بما هو صَواب، وعدمِ الاستسلامِ للتَّجربة، وعدمِ الاستسلامِ للضِّيقات، وعدمِ الاستسلامِ للصُّعوبات، وعدمِ الاستسلامِ للخطيَّة. وقد قالَ "مايكل غرين" (Michael Green): "مَسيحيَّةُ شَخصٍ كهذا تُشبِهُ الاحتراقَ المُطَّرِدَ للنَّجْمِ، ولا تُشبِهُ الاحتراقَ السَّريعَ والعاجِلَ للنَّيزَك". وهذا وَصفٌ رائعٌ لما ينبغي لنا أن نَسعى إليه. فيجب علينا أن نَسعى نحوَ الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ استِنادًا إلى التَّمييزِ الرُّوحيِّ الَّذي يُنشِئُ تَعَفّفًا يَقودُ إلى الصَّبرِ في أوقاتِ التَّجربةِ دونَ استسلام.
وبالمناسبة، إنَّ هذه الكلمة "هوبوموني" هي كلمة مِنَ الصَّعبِ أن تُتَرجَمَ بكلمة واحدة فقط. فلا يوجدُ لها مُرادِفٌ في اللُّغةِ الإنجليزيَّة. ففي اللُّغةِ اليونانيَّةِ الكلاسيكيَّة، إنَّها ليست كلمة شائعة؛ ولكنَّها تُستخدَمُ في الكتابِ المُقدَّسِ كثيرًا للإشارةِ إلى التَّعبِ أو المَشقَّةِ الَّتي تُصيبُ الإنسانَ رُغمًا عنهُ وتَجعلُ الحياةَ صَعبةً جدًّا، ومؤلمةً، ومُحزنةً، وصَادِمة. وحتَّى إنَّها تَنطوي على فِكرةِ الموت. وقد كانت تُستَخدَمُ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ الكلاسيكيَّةِ للإشارةِ إلى نفسِ هذه الأشياء. فهي تُستخدَمُ في الحديثِ عنِ المَكابِيِّينَ للإشارةِ إلى القُدرةِ الرُّوحيَّةِ المُثَبِّتَةِ الَّتي مَكَّنَتْ هؤلاءِ الرِّجالَ مِنَ الموتِ في سبيلِ إيمانِهم بالله كما حَدَثَ في الثَّورةِ المَكابيَّة. فهي تلك القُدرةُ الرُّوحيَّةُ المُثَبِّتَةُ الَّتي تَجعلُ الإنسانَ يُفَضِّلُ الموتَ على الاستسلام. فهو تلك القوة، وتلك المقاومة.
ومَرَّةً أخرى، سأقتبسُ مِن كِتابٍ لوليام باركلي (William Barclay) بعنوان: "كلماتُ العهدِ الجديد" (New Testament Words): "والآن يُمكنكم أن تَرَوا جَوهرَ وسِمَةَ هذه الفضيلة العظيمة ’هوبوموني‘. فهي لا تُشيرُ إلى الصَّبرِ الَّذي يَجعلُ المَرءَ يَجلِسُ ويُطأطِئُ رأسَهُ ويَتركُ الأشياءَ تَسيرُ كما تَشاء فيَحتَمِلُها بسلبيَّةٍ إلى أن تَعبُرَ العاصفة. وهي لا تُشيرُ [كما هي الحالُ عندَ الإسكتلنديِّينَ] إلى احتمالِ المَصائِب؛ بل هي تُشيرُ إلى الرُّوحِ الَّذي يَستطيعُ أن يَحتملَ الأشياءَ لا بسلبيَّةٍ، بل برجاءٍ شديد. وهو ليسَ الرُّوح الَّذي يَجلسُ بثباتٍ ويَحتملُ ما يَحدُثُ وهو جالسٌ في مَكانِه، بل هو الرُّوحُ الَّذي يَحتملُ الأشياءَ لأنَّهُ يَعلمُ أنَّ هذه الأشياءَ تَقودُ إلى هَدَفٍ مَجيد. وهو ليسَ ذلكَ الصَّبر الَّذي يَنتظرُ بِتَجَهُّمٍ اقترابَ النِّهاية، بل إنَّهُ الصَّبرُ الَّذي يَرجو جدًّا شُروقَ الشَّمس.
"وقد سُمِّيَ ذلك الصَّبرُ ثَباتًا رُجوليًّا تحتَ التَّجربة. وقد قيلَ إنَّهُ يَنطوي دائمًا على ’أندريا‘ [andreia]؛ أي على الشَّجاعة. وقد قالَ يُوحنَّا فَمُ الذَّهب إنَّ الصَّبرَ هو أبُ كُلِّ صَلاحٍ، وأُمُّ كُلِّ تَقوى، وإنَّ ثَمرَهُ لا يَذبُل، وإنَّهُ حِصنٌ لا يُمكنُ البتَّة احتلالُه، ومَرفأٌ لا يَنهارُ أمامَ العواصِف. وهو يَدعو هذه الفضيلة مَلِكَةَ الفَضائِل، وأساسَ الأعمالِ الصَّائبة، والسَّلامَ في الحرب، والهُدوءَ في الإعصار، والطُّمأنينةَ في وسطِ المكائد، وأنَّهُ لا يُمكنُ لِعُنفِ البشرِ أو قُوى الشَّيطانِ أن تُضعِفَهُ. وهو القدرة الَّتي تَحفظُ الإنسانَ واقفًا على قَدميهِ في وجهِ الرِّيح. وهو الفضيلةُ الَّتي يُمكنُها أن تَجعلَ أصعبَ تجربةٍ مَجدًا لأنَّها تَنظُرُ إلى ما وراءِ الألمِ وتَرى الهَدَف" [نهايةُ الاقتباس]. فيجب أن تكونوا شُجعانًا، وثابتينَ، وفَرِحينَ، وضابطينَ لأنفسكم تحتَ الضَّغط، وأن تُقاوموا التَّجربة، وأن تَتَّكِلوا على حِكمتِكُم الروحيَّة، وأن تَسْعوا نَحوَ الفضيلةِ الرُّوحيَّة.
وفي صَميمِ هذا الصَّبرُ الثَّابت، هناكَ فضيلة خامسة: "وَفِي الصَّبْرِ [أو في احتمالِكُم] تَقْوَى"... تَقوى. ويا لها مِن كلمةٍ رائعة! وهي مُستخدمة في العددِ الثَّالثِ أيضًا: "يوسيبيا" (eusebeia)، ومعناها الحقيقيُّ هو: تَوقير. والآن، اسمعوني جيِّدًا في أثناءِ وَصفي لهذه الكلمة. فهي تَعني: تَوقير. وهي تَعني الإدراكُ العَمليُّ للهِ في كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ الحياة. وقد كانت تُتَرجمُ عادةً: "الدِّيانة الصَّحيحة"، ويُمكن أن تَترجَمَ: "العِبادة الصَّحيحة". وهي تَنطوي على فِكرةِ عبادةِ الله. وهي تَنطوي على فكرةِ إدراكِ وجودِ الله. وقد كانَ اليونانيُّونَ يقولونَ إنَّ فُلانًا "يوسيبيا"؛ أي إنَّهُ شخصٌ مُحبٌّ للآلِهَة. فهي كلمة تَصِفُ شخصًا مُتعبِّدًا يُوَقِّرُ اللهَ ويُحبُّ الله.
والحقيقةُ هي أنَّ المؤرِّخَ اليهوديَّ "يوسيفوس" (Josephus) يُبايِنُ بينَ هذه الكلمة والكلمة "آيدولولاتريا" (eidololatreia) ومَعناها: "وَثنيَّة". فالكلمة "يوسيبيا" تَعني: تَوقير؛ أي أن تُعطي اللهَ مَكانَتَهُ الصَّحيحة، وأن تَعبُدَ اللهَ كما يَستحقُّ أن يُعبَد. أمَّا الوثنيَّةُ فتفعلُ العَكس. لِذا، يجب علينا أن نَسعى بكُلِّ سخاءٍ وحماسةٍ وشَوقٍ وحَرارةٍ وشَغَفٍ نحوَ الفضيلةِ الأخلاقيَّة. وفي صَميمِ تلك الفضيلةِ الأخلاقيَّةِ يأتي التَّركيزُ على الله. ولتلخيصِ كُلِّ ما قالَهُ اليونانيُّونَ عن إدراكِ وجودِ اللهِ قالوا إنَّ الكلمة تَضُمُّ كُلَّ الطُّقوسِ المُرتبطة بالعبادة. وقد قالوا إنَّ الكلمةَ تَضُمُّ الولاءَ لله. وقد قالوا إنَّ الكلمةَ تَضُمُّ احترامَ كُلِّ شيءٍ مُرتبط باللهِ، وإنَّها تَضُمُّ رُوحَ التَّكريسِ لمشيئةِ الله.
وأيًّا كانَ ما قالَهُ اليونانيُّونَ عنِ الكلمة "يوسيبيا" فإنَّ المسيحيِّينَ جَعَلوها أعظم. فقد جَعَلَها المسيحيُّونَ أعظم. فبولسُ يقولُ في رسالتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 4: 8: "وَلكِنَّ التَّقْوَى نَافِعَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ". فيجبُ على المؤمنِ أن يَعبُدَ اللهَ، وأن يُحبَّ اللهَ، وأن يُوَقِّرَ اللهَ؛ لا مِن خلالِ الزُّجاجِ المُلوَّنِ وموسيقا الأُرْغُن، بل بحياةِ التَّوقيرِ للهِ والخُضوعِ لمشيئتِهِ المُقدَّسة. فيجب عليهِ أن يَفعلَ ما فَعَلَهُ دَاودُ في المزمور 16 إذْ إنَّهُ جَعَلَ الرَّبَّ في كُلِّ حينٍ أمامَهُ. فيجب أن يكونَ هذا هو تَكريسُنا. فالمُعلِّمونَ الكذبة لا يُوقِّرونَ اللهَ، ولا يَحترمونَهُ، ولا يظهرونَ حياةَ التَّقوى. أمَّا المؤمنونَ الحقيقيُّونَ فيُدركونَ عَمليًّا حُضورَ اللهِ في كُلِّ تفاصيلِ الحياة. وَهُم يَتَّصِفونَ بتوقيرِهم العميقِ للهِ. وهذا يَقودُهم إلى التَّعَفُّفِ الشُّجاعِ والثَّابتِ والفَرِحِ في أوقاتِ التَّجربةِ استنادًا إلى التَّمييزِ الرُّوحيِّ في أثناءِ سَعيِهم نحوَ الفضيلةِ الأخلاقيَّة. إنَّها نَسيجٌ مَحبوكٌ بطريقةٍ رائعةٍ هُنا.
ثُمَّ إنَّ هناكَ فضيلةً سادسة: " وَفِي التَّقْوَى [كما جاءَ في العدد 7] مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً". فالكلمة "فيلادَلفيا" (philadelphia) تُشيرُ إلى المشاعرِ والصَّداقةِ الأخويَّة، وإلى التَّضحيةِ المُشتركة كُلٌّ لأجلِ الآخر. ولا حاجةَ إلى صَرفِ وقتٍ طويلٍ في التَّحدُّثِ عن هذه الفضيلة لأنَّنا تَحدَّثنا عنها كثيرًا في السَّابق. ولكن في صَميمِ القداسةِ، وفي صَميمِ تَوقيرِ اللهِ، هناكَ مَحبَّتُنا بعضُنا لبعض. والحقيقةُ هي أنَّ الآية 1يوحنا 4: 20 تُعبِّرُ عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: "إن كُنتُم تُحبُّونَ اللهَ، لا بُدَّ أن تُحبُّوا بعضُكم بعضًا". فرسالة يوحنَّا الأولى تقولُ إنَّكَ إن كُنتَ تقولُ إنَّكَ تُحبُّ اللهَ ولا تُحبُّ أخاكَ فإنَّكَ كاذبٌ لأنَّهُ إن كنتَ حَقًّا تُحبُّ اللهَ، لا بُدَّ أن تُحبَّ أخاكَ. لِذا، إن كنتَ عابدًا حقيقيًّا، وإن كنتَ حَقًّا "يوسيبيا" (أي تَقيًّا ووَرِعًا)، ستُظهِرُ مَودَّةً تُجاهَ الآخرين.
وكما تَرَوْنَ فإنَّ هاتينِ المَحبَّتينِ مُرتبطتانِ إحداهُما بالأخرى ارتباطًا وَثيقًا غيرَ قابلٍ للفَصل. فما هي أعظمُ وَصيَّة؟ "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ". والوصيَّةُ الثَّانية هي ماذا؟ "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". فهُما غيرُ قابلتينِ للفَصل – غيرُ قابلتينِ للفَصل. فالنِّصفُ الأوَّل مِنَ الوصايا العَشر يَختصُّ بمحبَّتِنا لله، والنِّصفُ الثَّاني مِنَ الوصايا العَشر يَختصُّ بمحبَّتِنا لقريبِنا. لِذا فإنَّ هذه الفَضيلةَ تَقودُ إلى الفضيلةِ الَّتي تَليها، وهي الفضيلةُ السَّابعة: "وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّة". وهذه المحبَّة ("أغابي" – "agape") هي تلك المحبَّة المُضحِّية الخالية مِنَ الأنانيَّة. وهذه مَحبَّة نابعة مِنَ الإرادة، ومَحبَّة اختياريَّة، ومَحبَّة إراديَّة؛ لا مَحبَّة عاطفيَّة. وهذه أعظمُ فضيلة. فهي قِمَّةُ الحياةِ المسيحيَّة. وهذا هو ما قالَ عنهُ بولسُ إنَّهُ أعظمُ شَيء: المحبَّة.
ففي صَميمِ عِبادتِنا للهِ، هناكَ تلك المَودَّة النَّابعة مِن ذلك تُجاهِ أخي. وفي صَميمِ تلك المودَّة تُجاه أخي، هناكَ محبَّةُ اللهِ الَّتي انسكبت في قلبي. هذا هو السَّعي. ويُمكننا أن نقولَ ما هو أكثر بكثير عن كُلِّ هذه الفضائل، ولكن أعتقد أنَّكُم فَهمتُم ما يَجري هُنا. فنحنُ نَسعى إلى الفضيلةِ الأخلاقيَّة. والفضيلةُ الأخلاقيَّة تَعني أن نَتمثَّلَ بالمسيح، وأن نَقومَ بكُلِّ اجتهادٍ وحماسةٍ، وبكُلِّ ما أُوتينا مِن طاقةٍ وقُدرةٍ وكَرَمٍ وسَخاءٍ بتَرسيخِ ما عَمِلَهُ المسيحُ لأجلِنا مِن خلالِ سَعيِنا بأقصى جُهدٍ مُمكن إلى تَحقيقِ هذه الأشياء.
وأوَّلُ شيءٍ هو أن نَسعى إلى الأخلاقِ الحَميدة: الفَضيلة، أوِ الصِّفات المُمتازة، أوِ البُطولة الروحيَّة. وهذا يعني أنَّنا نَسعى حَقًّا إلى المحبَّة؛ إلى أسمى وأطهرِ وأنقى مَحبَّة. وهذا سيَنعَكِسُ حينئذٍ على مَودَّتِنا للمؤمنينَ الآخرينَ؛ وهي مَحبَّة نابعة مِن تَوقيرِنا العميقِ لإلهِنا الحَبيب، وتَقودُنا إلى ضَبطِ النَّفسِ بكلِّ شجاعةٍ وثَباتٍ وفَرحٍ في أوقاتِ التَّجربة، وتُبنَى على التَّمييزِ الرُّوحيِّ والسَّعيِ الدَّؤوبِ والحارِّ إلى التَّمثُّلِ بالمسيح. إنَّها دائرةٌ كبيرةٌ وحسب. والإيمانُ هو أساسُ هذا الأمرِ بمُجملِه. والمحبَّة هي الذُّروة.
ولو كانَ لديَّ وقتٌ، كنتُ أَودُّ أن نَتأمَّلَ معًا في كلِّ تلك الآياتِ الَّتي تتحدَّثُ عنِ الإيمانِ العامِلِ بالمحبَّة. يا لَهُ مِن سَعي! يا لَهُ مِنَ سَعي! فنحنُ نَملِكُ كُلَّ شيءٍ في المسيح [كما يَقول]. وبالرَّغمِ مِن ذلك، يجب علينا أن نُضيفَ إلى الامتيازاتِ الَّتي لنا في المسيحِ وبأقصى جُهدٍ لدينا: أخلاقًا حَميدةً، وحِكمةً عَمليَّةً، وضَبطًا داخليًّا للنَّفس، وصَبرًا في جميعِ التَّجارب، وتَوقيرًا للهِ، ومَودَّةً أخويَّةً، ومَحبَّةً قَويَّةً طاهرةً للهِ ولكُلِّ مَن هُم حَولَنا. وأعتقد أنَّهُ يوجد لدينا هُنا مَا يَكفي لإبقائِنا مَشغولين. أليسَ كذلك؟ ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العددِ الثَّامن: "لأَنَّ هذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لأَنَّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هذِهِ، هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَة".
ما الَّذي يَقصِدُه؟ إنَّهُ يقولُ: "إنَّ كانت هذه الأشياءُ موجودةً في حياتِكُم وكَثُرَت، ستكونونَ مُثمِرينَ، ولن تَنْسَوْا ما إذا كُنتُم مُخَلَّصينَ أَم لا". بعبارة أخرى، سوفَ تَتمتَّعونَ بالخلاص. فاللهُ لا يُريدُ أن يَسلِبَكَ يَقينَكَ، بل يُريدُ منكَ أن تَتمتَّعَ به. واللهُ لا يُريدُ أن يَجعلَكَ بائسًا وغارقًا في الشُّكوك، بل يُريدُ أن تَكونَ فَرِحًا وواثقًا. واللهُ لا يُريدُ منكَ أن تَتساءَلَ عَمَّا إذا كنتَ ستَذهبُ إلى السَّماء، بل يُريدُ أن تَكونَ واثقًا مِن ذلكَ دُونَ أدنى شَكٍّ وأن تَعيشَ على الرَّجاء. ولكنَّ الطَّريقةَ الَّتي تُمكِّنُكَ مِنَ اختيارِ ذلكَ هي ليست أن تَسترخي وتَدعِ اللهَ يَعمل، بل أن تَتْبَعَ الاجتهادَ الموصوفَ وتَسعى إلى الفضائلِ الَّتي ينبغي السَّعيُ نُحوَها. أَلاَ يُلَخِّصُ هذا بصورةٍ كبيرة ما تَعلَّمناهُ في رسالة يوحنَّا الأولى؟
فإن كانت هذه الأشياءُ حقائقَ في حياتِك، ستكونُ هناكَ ثِقة في الخلاص. وعندما يأتي المُعلِّمونَ الكذبة، لن يَكونَ لديهم ما يُقدِّموهُ لكم. فعِوَضًا عنِ المعرفةِ فإنَّهُم يُريدونَ أن يُقدِّموا لكم العَمى. وعِوَضًا عن التَّعفُّفِ فإنَّهم يُريدونَ أن يُبيحوا الخطيَّة. وعِوَضًا عنِ الصَّبرِ في التَّجارب فإنَّهم يريدونَ أن يُعطوكم أسبابًا للوقوعِ في التَّجارب. وعِوَضًا عن تَوقيرِ اللهِ فإنَّهُم يريدونَ أن يُعطوكم عَدَمَ تَوقيرٍ لَهُ. وعَوِضًا عن محبَّةِ أولادِ اللهِ فإنَّهُم يريدونَ أن يُعطوكم امتعاضًا مِن نَحوِ أولادِ الله. وعِوَضًا عنِ المحبَّةِ الحقيقيَّةِ فإنَّهم يريدونَ أن يُعطوكم شَهوةً. ولكنَّهم لن يَكونوا مُشكلةً بالنِّسبةِ إليكم إن كُنتم قدِ اختبرتُم هذه الأشياءِ بمقدارِ مُتزايد لأنَّكم اجتهدتُم في السَّعيِ إليها في حياتِكم.
هناكَ نُقطتانِ إضافيَّتان، ولكن يجب علينا أن نَنتظرَ سَماعَهُما. وَهُما خُلاصة قويَّة جدًّا لهذا النَّصّ. حسنًا! دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، يبدو أنَّ الوقتَ مَضى بسُرعة فائقة. فقد كُنَّا قدِ ابتدأنا للتَّوّ في التَّنفُّسِ بعُمق؛ ولكنَّنا اضطُررنا إلى الصُّعودِ إلى السَّطحِ مَرَّةً أخرى. وكُنَّا قد ابتدأنا للتَّوّ في الانفصالِ عن أمورِ العالَمِ والتَّفكيرِ بعُمقٍ فيكَ؛ ولكنَّ الوقتَ مَضى. يا رَبُّ، ساعِدنا على ألاَّ نُغادرَ بسرعة كبيرة، بل أن نَبقى جالسينَ وقتًا كافيًا لنختبرَ كلَّ ما تُريدُ مِنَّا أن نَفهَمَه. ساعِدنا على أن نَعرفَ أنَّكَ تَتوقُ إلى أن تَكونَ لأولادكَ حياة وأن تكونَ حياة أفضل. ولا بُدَّ أنَّ الحياةَ الأفضلَ تَعني اليَقينَ؛ أي أنَّكَ تُريدُ مِنَّا أن نكونَ مُتيقِّنين. وقد أعطيتنا الوسيلةَ إن كَرَّسنا أنفسَنا وحَسْب لهذا السَّعيِ للحصولِ على المواردِ المُتاحة لنا.
فالفضيلةُ الأخلاقيَّة تَكمُنُ هُناكَ في الرُّوح. والمعرفة تَكمُنُ هُناكَ في الكلمة. والصَّبرُ يَكمُنُ في الوعدِ القائلِ: "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا". فكُلُّ الموارد مُتاحة لنا. فالمودَّةُ الأخويَّةُ والمحبَّةُ مُتاحتان لأنَّنا تَعَلَّمنا مِنكَ أن نُحبَّ بعضُنا بعضًا. والمحبَّة موجودة لأنَّكَ سَكبتَها في قُلوبِنا. فقد وَهبتَها لنا بسخاء. ساعِدنا على أن نَجِدَّ بحماسةٍ في طَلَبِها. نحنُ لا نَفهمُ السِّرَّ في كيفَ أنَّ كُلَّ شيءٍ هو لنا في المسيح. وبالرَّغمِ مِن ذلك، يجب علينا أن نَجِدَّ في طَلَبِ كُلِّ تلكَ الأشياء بكُلِّ ذَرَّة طاقة موجودة لدينا. فهذه هي الطَّريقة الَّتي وَضعتَها أنتَ.
اجعلنا أُمناءَ لكي نَتمتَّعَ باليقينِ لأنَّهُ أعظمُ كُلِّ الخِبراتِ المسيحيَّة؛ أي أن نَعلمَ أنَّنا لكَ الآنَ وإلى الأبد. فَمِن خلالِ ذلكَ اليَقين يَنبُع كُلُّ فَرَحِنا. نَشكُرُكَ لأنَّكَ أعطيتنا الوسيلةَ لاختبارِ ذلكَ الفرحِ الكامل. نُصلِّي هذا باسمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
