افتَحُوا كِتابكُم المقدَّسَ، مِن فَضلِكُم، على رسالةِ بُطرسَ الثَّانية والأصحاح الثَّالث. فسَوفَ نَنطلِقُ في هذا الأصحاحِ في رِحلةٍ رائعةٍ حَقًّا. وهو ليسَ أصحاحًا يُمكِنُكَ أن تَمُرَّ عليهِ مُرورَ الكِرامِ إلاَّ إذا كُنتَ لا تُمانِعُ في تَفويتِ الكثيرِ مِنَ الكُنوزِ الثَّمينة. لِذا، أنا أَعلَمُ أنَّكُم ستُرَكِّزونَ فيهِ بالسُّرعةِ الَّتي يحثُّ فيها رُوحُ اللهِ قَلبي، وَأنَّكُم ستُرَحِّبونَ وتَستَمتِعونَ بِكُلِّ الحقائقِ العَظيمةِ الموجودةِ هُنا.
عندما نَصِلُ إلى الأصحاحِ الثَّاني مِنْ رِسالةِ بُطرسَ الأولى، نَكونُ قَد وَصَلنا إلى مَقطَعٍ كِتابِيٍّ يُمكِنُنا أن نُعَنْوِنَهُ: "حَتميَّةُ المَجيءِ الثَّاني"... حَتميَّةُ المَجيءِ الثَّاني. فكنيسةُ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ كانت وما تَزالُ تَعيشُ في حَالةِ تَرَقُّبٍ لمَجيئِهِ الثَّاني كَي يَجمعَ شَعبَهُ المَفديَّ [أولاً]، وَكَي يُهْلِكَ الأشرارَ [ثَانيًا]، وَكَي يُؤسِّسَ مَلكوتَهُ المَجيدَ [ثَالثًا]. ونَحنُ نَعيشُ في هذا الرَّجاءِ كَما فَعَلَ جَميعُ المُؤمِنينَ الَّذينَ سَبَقونا، وَكما سَيَفعلُ جَميعُ المُؤمِنينَ الَّذينَ سيَأتُونَ بَعدَنا إنْ تَأنَّى الرَّبُّ في مَجيئِه. فَنَحنُ نَعيشُ في الرَّجاءِ (كَما يَقولُ الرَّسولُ بولُس). وَهُوَ حَقًّا رَجاءُ مَجيءِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح.
وذلكَ الرَّجاءُ، بحسبِ كلمةِ اللهِ، هُوَ الحَافِز. والحقيقةُ هِيَ أنَّهُ قد يَكونُ أعظمَ حَافِزٍ أو واحِدًا مِن أعظمِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي تَحْفِزُ فَرَحَنا، أو تَحفِزُ خِدمَتَنا، أو تَحفِزُ قَداسَتَنا. فَنحنُ نَعيشُ على رَجاءِ أنْ يَأتي يَسوعُ ثَانيةً، وَعلى رَجاءِ أنْ يَجلِبَ مَعَهُ مُكافأتَهُ الَّتي سيُعطيها للأشخاصِ الأمناءِ، وَعلى رَجاءِ أنْ يَكونَ مَجيئُهُ مَصْحُوبًا بِفَرحٍ أبديٍّ مُوافِقٍ لمُستوى التَّكريسِ والأمانةِ اللَّذَيْنِ أَظْهَرْناهُما في حَياتِنا.
وَنَحنُ نَنظُرُ إلى المَجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيحِ لأنَّنا نَعلَمُ أنَّهُ سيكونُ مُرتبطًا بِسَجْنِ الشَّيطانِ، ومُرتبطًا بِمُلْكِ وَسِيادَةِ يَسوعَ المسيحِ الَّذي نُحِبُّهُ وَنَخدِمُهُ، ومُرتبطًا بانتشارِ البِرِّ الأبديِّ في بِيئةٍ تَخلو تَمامًا مِنَ الخطيَّة. لِذا فإنَّ مَجيءَ المَسيحِ ثَانيةً هُوَ أعظمُ حَدَثٍ، وأعظمُ تَرَقُّبٍ، وأعظمُ هَدَفٍ، وأعظمُ قَصْدٍ، وأعظمٍ نُقطةٍ في إيمانِنا المَسيحيِّ.
ولأنَّ هذا صَحيحٌ فإنَّنا نَفرحُ بذلكَ جدًّا كُلَّما قَرأنا مَا جَاءَ في رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية والرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي صَباحَ كُلِّ أحد. ولأنَّهُ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ المَجيءَ الثَّاني يَمْلِكُ قُدرةً هَائلةً على حَفْزِ الحَياةِ الرُّوحيَّةِ في الكنيسة، مِنَ المؤكَّدِ أيضًا أنَّ الشَّيطان يَعملُ جاهِدًا على إنكارِ المجيءِ الثَّاني. فإنِ نَجَحَ الشَّيطانُ في إبعادِ نَظرِ الكنيسةِ عنِ المَجيءِ الثَّاني، أو حَتَّى في إنكارِ هذهِ حَقيقة، سيَتمكَّنُ حِينئذٍ مِنَ القَضاءِ على هَذا الرَّجاءِ الرُّوحيِّ العَظيمِ وَهَذا الدَّافِعِ الروحيِّ الكَبير.
لِذا، لا يَنبغي أن نَتعجَّبَ حينَ نَعلمُ أنَّهُ طَوالَ تَاريخِ الكنيسةِ، أيْ مُنذُ بِدايةِ العهدِ الجديدِ، كَانَ وَما زَالَ يُوجَدُ فيها... اسمَعوني جَيِّدًا... كَانَ وَما زَالَ يُوجَدُ في دَاخِلِها أشخاصٌ مُشَكِّكونَ يَشعرونَ أنَّ دَوْرَهُم يُحَتِّمُ عَليهِم أن يُنكِروا مَجيءَ المسيح. والكنيسةُ مُضطرَّةٌ دَائمًا إلى احتمالِ إنكارِ عَودةِ المَسيح. وَهُناكَ أشخاصٌ يُرَوْحِنونَ هذا المَجيءَ ويقولونَ: "إنَّ أهميَّةَ مَلكوتِ المَسيحِ لا تَعني سِوى أنْ يَسودَ المَسيحُ على قُلوبِكُم؛ ولكِنَّ يَسوعَ لَن يَعودَ ثانيةً إلى الأرض. لِذا، لَن يَحدُثَ أيُّ تَغييرٍ مُستقبليٍّ، بَل إنَّنا سنَستمرُّ في العَيشِ، ونَموتُ، ونَذهبُ إلى السَّماءِ في دَائرةٍ لا تَنتَهي مِنَ وِلادةِ البَشَرِ وَمَوتِهم".
ولكِنَّ هَذا التَّفكيرَ الَّذي يَتجاهَلُ هَذا الرَّجاءَ العَظيمَ، وَيَتجاهَلُ هَذهِ القُوَّةَ التَّحفيزيَّةَ الهائِلَة يُهَدِّدُ حَياةَ الكَنيسةِ، وطَاقَتَها، وزَخَمَها، ودَافِعَها، وحَماسَتَها، وشَغَفَها، وفاعِليَّتَها في العَالَم. ولِئَلاَّ تَظُنُّوا أنَّني أتكلَّمُ كَلامًا عَامًّا جدًّا، اسمَحُوا لي أن أُطلِعَكُم على ما يَجري في الكَنيسةِ المُعاصِرَةِ بهذا الشَّأن. فإنْ كُنتَ طَالِبًا في كُليَّةِ اللاَّهُوتِ خِلالَ السَّنواتِ الخَمسين المَاضِيَة، وَلا سِيَّما خِلالَ السَّنواتِ الخَمس والعِشرينَ المَاضية، أو في إحدى كُليَّاتِ اللاَّهُوتِ الَّتي تَنتَمي إلى تِلكَ الفِئةِ حَتَّى في وقتِنا الحاضِر، لا بُدَّ أنَّكَ تَعرِفُ مَجموعةً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ أثَّرُوا في اللاَّهُوتِ اليوم.
فهؤلاءِ الأشخاصُ أَحْدَثُوا تَأثيرًا هَائلاً في كُليَّاتِ اللاَّهُوتِ، والجَامِعاتِ، والأساتِذَةِ، والطَّلبةِ، والرُّعاةِ، والقادَةِ الروحيِّينَ، وأيضًا في الكَنيسة. ورُبَّما تَعرِفونَ العَديدَ مِن هؤلاءِ الأشخاص، ورُبَّما لا تَعرِفونَ بَعضًا مِنهُم؛ ولكنِّي أقولُ لَكُم مَرَّةً أخرى إنَّهُ إذا كُنتَ طَالِبًا في كُليَّةِ اللاَّهُوتِ، لا بُدَّ أنَّكَ ستَعرِفُهُم جَميعًا، ورُبَّما يَنبغي لكَ أن تَعرفَ المَزيدَ عَن تَأثيرِهم.
أوَّلاً، هُناكَ رَجُلٌ يُدعَى "أدولف فون هارناك" (Adolf Von Harnack) كَتَبَ قَبْلَ سَنواتٍ كِتابًا بعُنوان: "مَا هِيَ المَسيحيَّة؟" (What is Christianity?). وفي كِتاباتِهِ، الَّتي أثَّرَتْ جدًّا في اللاَّهُوتِ المُعاصِرِ، تَقرأونَ مَا يَلي: "مَلكوتُ اللهِ يَأتي مِن خِلالِ المَجيءِ إلى الفَردِ، ومِن خِلالِ الدُّخولِ إلى رُوحِهِ والهَيمنةِ عليه. صَحيحٌ أنَّ مَلكوتَ اللهِ هُوَ سِيادَةُ اللهِ، ولكِنَّهُ سِيادَةُ اللهِ القُدُّوسِ في قُلوبِ الأفراد. وَهُوَ اللهُ نَفسُهُ في قُدرتِه. مِن وُجهةِ النَّظرِ هذهِ، كُلُّ شَيءٍ كانَ ذَا تَأثيرٍ كَبيرٍ بالمَعنى الخَارجيِّ والتَّاريخيِّ قدِ انتهى. وقد تَلاشَتْ أيضًا كُلُّ آمالٍ في المُستقبل" [نِهايُة الاقتباس]. يَقول "أدولف فون هارناك" إنَّهُ لا يُوجَدُ مَجيءٌ ثَانٍ، وَلا يُوجَدُ مَلكوتٌ مُستقبليٌّ، بَلْ يُوجَدُ فقط وَاقِعٌ رُوحِيٌّ في الحَاضِر. وقد رَفَضَ تَمامًا كُلَّ الجَوانبِ الأُخرويَّةِ لملكوتِ الله.
وهُناكَ كَاتِبٌ آخرُ مَعروفٌ جدًّا أَذكُرُ أنِّي قَرأتُ عَددًا مِن كُتُبِهِ عندما كُنتُ طَالِبًا في كُليَّةِ اللاَّهُوتِ، وَهُوَ رَجُلُ يُدعَى "سي. إتش. داد" (C.H. Dodd) كَتَبَ كِتابًا مُعَيَّنا بعُنوان: "أمثالُ المَلكوت" (Parables of the Kingdom). وَقد أثَّرَ هذا الكِتابُ في عَددٍ كَبيرٍ مِنَ اللاَّهُوتِيِّينَ المُعاصِرين. وإنْ حاولتَ أن تَفهمَ "داد" (Dodd) فَهْمًا أكبر، ستَصِلُ إلى قَناعَةٍ رَاسخةً بأنَّهُ يُنكِرُ أيَّ مَجيءٍ حَرفيٍّ ثَانٍ ليسوعَ المسيح. فَهُوَ يَقولُ: "حيثُ إنَّ الرَّبَّ لم يَعُد حَرفيًّا على سَحابِ السَّماءِ خِلالَ العَقْدِ الرَّابِعِ مِنَ القَرنِ الأوَّلِ، فإنَّ تَوَقُّعَ عَودَتِهِ في القَرنِ العِشرين يُناقِضُ المَسيحيَّةَ الباكِرَةَ الَّتي هِيَ المَسيحيَّة الصَّحيحة".
والحَقيقةُ هِيَ أنَّ "سي. إتش. داد" (C.H. Dodd) عَلَّمَ أنَّ عَقيدةَ المَجيءِ الثَّاني هي خُرافَة. وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ هُنا: "أضعَفُ خُرافةٍ عنِ القَصدِ مِنَ التَّاريخِ هِيَ تِلكَ الَّتي تَدورُ حَولَ الحَدَثِ الإلهيِّ العَظيمِ المَاضي المَعروف بِواقعيَّتِهِ المَلموسَةِ ويَتوقَّعُ تَحقيقَهُ الأخيرَ في هَيئةٍ تُنهي الزَّمَنَ وتَنقلُ الإنسانَ إلى الأبديَّة. فأقَلُّ أُسطورةٍ مِن جِهَةِ الأهميَّةِ هِيَ أُسطورةُ المَجيءِ الثَّاني للرَّبِّ والدَّينونةِ الأخيرة" [نِهايةُ الاقتباس]. وَقَد عَلَّمَ "سي. إتش. داد" في الحَقيقةِ أنَّ تَعليمَ العهدِ الجديدِ عَنِ المَجيءِ الثَّاني هُوَ تَعليمٌ لا يَرْقَى إلى مُستوى المَسيحيَّة.
وقد كانَ "كارل بارت" (Karl Bart)، وَهُوَ نَاشِرٌ مَعروفٌ جدًّا لِمَا صَارَ يُعرَفُ بالأرثوذكسيَّةِ المُحْدَثَة، كَانَ يُؤمِنُ بِما يُسَمَّى بِالأُخرويَّاتِ اللاَّزَمَنِيَّة حيثُ إنَّ مَجيءَ المَسيحِ لا يُفْهَمُ على أنَّهُ رُجوعٌ مُستقبليٌّ حَرفيٌّ للمَسيح، بَل إنَّ "بارت" قالَ: "إنَّهُ رَمْزٌ لازَمَنِيٌّ للشَّوقِ الَّذي لا يَنتهي لاقترابِ الأبديَّة في كُلِّ مَوقفٍ وُجوديٍّ" [نِهايةُ الاقتباس] – أيًّا كَانَ مَعنى كَلامِهِ هَذا!
وَقد كَرَّسَ "رودلف بولتمان" (Rudolf Bultmann)، وَهُوَ شَخصٌ مَعروفٌ تَمامًا لطلبةِ اللاَّهُوت، كَرَّسَ حَياتَهُ لِشَيءٍ يُسَمَّى "تَطهيرِ العَهدِ الجَديدِ مِنَ الأساطير". وَهُوَ يَقولُ: "مِن بَينِ الأساطيرِ المَوجودَةِ في العهدِ الجديدِ والَّتي يَنبغي أن يُعادَ تَفسيرُها عِوَضًا عَن أن تُفهَمَ حَرفيًّا مَا يَلي: السَّماء، وجَهنَّم، وقِيامَة يَسوعَ المَسيح، والمَجيء الثَّاني للمَسيح، ويَوم الدَّينونة المُستقبليّ". وقد قال "بولتمان" أيضًا إنَّهُ يَجِدُ مَا يُدَعِّمُ رَأيَهُ هَذا في كِتاباتِ بُولُس. فَهُوَ يَقولُ إنَّ بولسَ عَلَّمَ عَنْ أحداثٍ رُؤيويَّةٍ مُستقبليَّةٍ مِثلَ المَجيءِ الثَّاني والدَّينونةِ الأخيرة. ولكِنَّهُ يَقولُ: "إنَّ هذه أُخرويَّاتٌ أُسطوريَّة. لِذا، يَنبغي تَطهيرُ تَعاليمِ بُولُس مِنَ الأساطير".
وهُناكَ شَخصٌ آخرُ يَخطُرُ بِبالي ويَعرِفُهُ طَلَبَةُ اللاَّهُوتِ وَهُوَ "جورغن مولتمان" (Jurgen Moltmann)، وَهُوَ لاهُوتِيٌّ ألمانِيٌّ آخر. وإنْ نَظرتُم إلى كِتاباتِهِ، لن تَجدوا فيها أيَّ شَيءٍ عَنِ المَجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيحِ إلاَّ وَيَلُفُّهُ الغُموضُ ولا يُمكِنُ وَصْفُهُ إلاَّ بأنَّهُ هُراء. فَهُوَ غَامِضٌ في حَديثِهِ عَنِ المَجيءِ الثَّاني. وَهُوَ غَامِضٌ في حَديثِهِ عَن يَومِ الدَّينونَة. وَهُوَ غَامِضٌ في حَديثِهِ عَنِ القِيامَةِ المُستقبليَّة. وَهُوَ غَامِضٌ في حَديثِهِ عَنِ السَّماءِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة. فَكُلُّ تَفسيراتِهِ غَامِضَة. وَكُلُّ تَفسيراتِهِ مُجَرَّدة. وكُلُّ تَفسيراتِهِ غَير دَقيقة. وَهيَ تُشيرُ إلى أنَّهُ يَفعلُ كُلَّ مَا في وُسْعِهِ لِتَجَنُّبِ التَّحدُّثِ عن تلكَ الأمور.
وأودُّ أن أقولَ إنَّ هذهِ المَجموعةَ الصَّغيرةَ مِنَ الأشخاصِ أثَّرَتْ أكثرَ مِن أيِّ أشخاصٍ آخرينَ في اللاَّهُوتِ الحَديثِ والمُعاصِرِ في الكنيسة. والخُلاصَةُ هِيَ أنَّهُم يُنكرونَ المَجيءَ الثَّاني ليسوعَ المسيح. وَهُم يُنكِرونَ يَومَ دَينونةِ الرَّبّ. وَقد تَقول: "لماذا تَقولُ لَنا هَذا؟" لأنَّهُ مِنَ المُهمِّ جدًّا أن تَفهموا أنَّ مَا تَحَدَّثَ عَنهُ بُطرسُ في هذا الأصحاحِ مَا زَالَ يَحدُثُ في وَقتِنا هَذا. فالمُعلِّمونَ الكَذبةُ الَّذينَ كانُوا يَخدَعونَ المُؤمِنينَ الَّذينَ كَتَبَ إليهم بُطرسُ يَخدعونَ أيضًا الكَنيسةَ اليوم.
إذًا، لَقد كَانُوا يُنكرونَ عَودةَ المَسيحِ وَوُجودَ دَينونة. وَاليوم، إنَّهُم يُنكِرونَ ذلكَ أيضًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ إذا قَرأتُم رِسالةَ بُطرس الثَّانية، وَإنْ كُنتُم مَعنَا في دِراسَتِنا، فإنَّ هذهِ نُقطةُ ذُروةٍ في هذا السِّفْر. وَقد رَأينا أُمورًا مُدهشةً جدًّا في الأصحاحَيْنِ الأوَّل والثاني. والآن، أعتقدُ أنَّنا وَصلنا إلى ذُروةِ هَرطَقَتِهم. وَقد دَفَعَ هَذا الأمرُ بُطرسَ إلى التَّحدُّثِ بِعنايةٍ شَديدةٍ في الأصحاحِ الثَّالثِ عَن هذا الإنكارِ المُهلِكِ والمُدَمِّرِ للمَجيءِ الثَّاني والدَّينونة.
والآن، يَجبُ عليكم أن تَتذكَّروا أنَّ بُطرسَ يَكتُبُ هذهِ الرِّسالةَ القصيرةَ بِوَحْيٍ مِنْ رُوحِ اللهِ لمُساعدةِ المَسيحيِّينَ على تَمييزِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة وَامتلاكِ القُدرةِ اللاَّهُوتيَّةِ والمَوارِدِ الروحيَّةِ اللاَّزِمَةِ للتَّصَدِّي لتأثيرِهم. لِذا فقد كانَ بُطرسُ يَتصدَّى لمُعلِّمينَ كَذبة كَما هِيَ حَالُنا اليَوم، وَكَما هِيَ حَالُ الكَنيسةِ في كُلِّ جِيل. فَهؤلاءِ المُعَلِّمونَ الكَذبة مَوجودونَ دَائمًا ويُنكرونَ المَجيءَ الثَّاني، ويُنكرونَ الدَّينونة.
لِذا، في مُسْتَهَلِّ هذا الأصحاحِ الأخير، هَذا هُوَ مَا كَانَ في قَلبِه. فالآياتُ التِّسعُ الأولى تُرَكِّزُ على الجَدَلِ بخصوصِ مَجيءِ المَسيحِ في الدَّينونةِ المُستقبليَّة. والآيةُ العَاشِرَةُ تُؤكِّدُ تلكَ الدَّينونة. والآياتُ مِن 11 إلى 18 تَتحدَّثُ عَن تأثيراتِ ذلكَ في سُلوكِنا. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَستَهدِفُ الحُجَجَ الَّتي يَستخدِمُها هَؤلاء. وَهُوَ مَقطعٌ رَائع. فسوفَ تَرَوْنَ أشياءً وتَتَعَلَّمونَ أشياءً رُبَّما لم تَفهموها مِن قَبل مِن خلالِ فَهمِكُم لهذا المَقطَع.
والآن، هُناكَ جَانِبانِ في هذا الجَدَل: فَفي الجَانِبِ الأوَّلِ، هُناكَ مَا يَقولُهُ المُستهزِئونَ ضِدَّ المَجيءِ الثَّاني. وفي الجَانِبِ الثَّاني، هُناكَ مَا يَقولُهُ القِدِّيسونَ عَنِ المَجيءِ الثَّاني. وسوفَ نَبذُلُ كُلَّ جُهدٍ مُمكِنٍ للاطِّلاعِ على كِلا هَذَيْنِ الجَانِبَيْن. لِنَنظُر إلى الأعداد مِن 1 إلى 9. واسمَحُوا لي أن أقرأَ هذهِ الآياتِ على مَسامِعِكُم لكي تَستوعِبُوا تَسلسُلَ الأفكار:
"هذِهِ أَكْتُبُهَا الآنَ إِلَيْكُمْ رِسَالَةً ثَانِيَةً أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فِيهِمَا أُنْهِضُ بِالتَّذْكِرَةِ ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ، لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ. عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ». لأَنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ، اللَّوَاتِي بِهِنَّ الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهَلَكَ. وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الْكَائِنَةُ الآنَ، فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّارِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ. وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَة".
يُمكننا أن نَتوقَّفَ عندَ تِلكَ النُّقطة. في تلكَ الآياتِ التِّسع، نَجِدُ هَذا الجَدَلَ المُدهِش. ومعَ أنَّ القِراءةَ العَابِرَةَ الأولى للنَّصِّ (كَما فَعلنا للتَّوّ) قَد تَطرحُ أسئلةً في أذهانِنا أكثرَ مِمَّا تُجيبُ عن أسئلةٍ لَدينا، فإنَّنا سنَتمكَّنُ بِمُرورِ الوقتِ مِن أن نَرى بوضوحٍ شَديدٍ مَا يَحدُث. فَهُناكَ عَداوَةٌ وَراءَ السُّؤالِ المَطروح في العَددِ الرَّابع. والسُّؤالُ هُوَ: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" أو يُمكِنُنا أن نُتَرجِمَ ذلكَ: "مَا الَّذي حَدَثَ بِخُصوصِ وَعْدِهِ بأنَّهُ سيَعود؟" أو إنْ أردنا أنْ نُعَبِّرَ عَن سُخريَتِهم: "أينَ هُوَ يَسوعُ يَا مَعْشَرَ مَنْ تَقولونَ إنَّهُ سيَأتي؟"
فَقد أَظهَرُوا كُلَّ عَجْرَفَةٍ وَأنكَروا يَومَ الدَّينونةِ، وَأنكروا عَودةَ المسيح. لِذا فإنَّهُم يَشُكُّونَ في مِصداقيَّةِ كلمةِ اللهِ المَكتوبةِ الَّتي قَرأوها [بالمُناسَبة] لأنَّ هؤلاءِ المُعلِّمينَ الكَذَبَة (كَما قُلنا في المَاضي) مَوجودونَ في الكنيسة. وَهُم يَعرفونَ الكتابَ المقدَّسَ؛ ولكِنَّهُم يُنكِرونَهُ. وَهُم يُنكرونَ أيضًا الكلمةَ الَّتي نَطَقَ بها الرُّسُل بَعدَ أنْ سَمِعوها وَشَارَكوهَا مَعَهُم، ويُنكرونَ أسفارَ العهدِ الجديدِ الَّتي لم تَكُن قَد صَارَتْ بَعد جُزءًا مِنَ الأسفارِ القَانونِيَّةِ الَّتي نَعرِفُها اليوم. لِذا فقد كَانُوا يُنكِرونَ مَا كُتِبَ وَمَا قِيْل.
إنَّهُم يَعرفونَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وَهُمْ مَوجودونَ في الكنيسة. وَهُم مُطَّلِعونَ على كُلِّ هذهِ الأشياءِ مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ؛ لِذا فإنَّهُم يَعرفونَ أقوالَ يَسوع. فَهُم يَعرفونَ مَثلاً أنَّ يَسوعَ قَالَ في إنجيل مَتَّى 10: 23: "وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَان". فَهُم يَعرِفونَ تلكَ الآية. وَهُم يَعرِفونَ أنَّ يَسوعَ قالَ إنَّهُ سيَأتي. وَقد كَانُوا يَعرفونَ أيضًا تَوبيخَ يَسوعَ للقَادَةِ الدِّينيِّينَ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرينَ، ويَعرفونَ أيضًا مَا جَاءَ في العَددِ الثَّالث.
فَقد قالَ التَّلاميذ: "قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟" وَقد كانُوا يَعلمونَ أنَّ يَسوعَ قالَ في العَدد 29: "وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ".
فَقد كانُوا يَعلمونَ أنَّ يَسوعَ قَالَ ذلك. وَكانُوا يَعلمونَ مَا قَالَهُ في العَدد 42: "اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ". وَكانُوا يَعلمونَ مَا قَالَهُ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". وَكانُوا يَعلمونَ شَهادَةَ المَلاكِ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل إذْ قَال: "إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاء". فَقد رأيتُموهُ يَصعَدُ حَرفيًّا وجَسديًّا. وَسوفَ يَأتي بِذاتِ الطَّريقة. لَقد كَانُوا يَعلَمونَ هَذا كُلَّهُ.
ولكِنَّ المُستهِزئينَ المُعاصِرينَ يَعلمونَ ذلكَ أيضًا. وكذلكَ المُشَكِّكونَ المُعاصِرون. فَهُم يَعلَمونَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وَلكِنَّهُم يُحاولونَ أن يُطَهِّروا الكتاب المقدَّس مِنَ الأساطير. فَهُم يَقولونَ إنَّ تلكَ الأقوالَ هِيَ مُجَرَّدُ أساطير ويُحاولونَ أن يُطَهِّرُوا الكتابَ المقدَّسَ مِنها. فَهُم يَشرحونَ تلكَ الأقوالَ، ويُرَوْحِنونَها. وَلكِنْ لا شَكَّ البتَّة في أنَّ يَسوعَ قالَ إنَّهُ سيَأتي ثَانيةً. فأقوالُهُ هَذِهِ تَملأُ الأناجيل. وَلا شَكَّ في أنَّ كُتَّابَ العهدِ الجديدِ كَانُوا يُؤمِنونَ بأنَّهُ قَصَدَ مَا قَال. ولكِنَّ هَؤلاءِ السَّاخِرينَ والمُستَهزِئينَ يَقولون بِتَهَكُّمٍ: "أينَ هُوَ يَسوع؟ ألَم يَكُن يُفتَرَضُ أن يَعود؟" ولكِنَّهُم يَعلَمونَ تَمامًا أنَّهُ قَالَ ذلك. لِذا فإنَّ كَلامَهُم هَذا هُوَ إنكَارٌ صَريحٌ لتَعليمِ يَسوعَ وتَعليمِ الرُّسُل.
وقد اتَّخَذَ اعتِراضُهُم ثَلاثةَ أشكال. وسوفَ نَتطرَّقُ إلى حُجَّتِهِم في هذا المَساء، ثُمَّ سنَتطرَّقُ إلى رَدِّ بُطرسَ عَليهِ في المَرَّةِ القَادِمَة. فَحُجَّتُهُم تَأخُذُ ثَلاثَةَ أشكال. رَكِّزُوا مَعي: الشَّكلُ الأوَّلُ هُوَ الاعتراضُ مِن خِلالِ الاستِهزاء... الاعتراضُ مِن خِلالِ الاستِهزاء. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" والجُملةُ الأولى الَّتي أريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوها هِيَ أنَّ المُستهزِئينَ سَيَأتونَ باستِهزائِهِم. فَهذا هُوَ مَا يَقولُهُ.
والآن، هذهِ هي الطَّريقةُ الشَّائعةُ في التَّآمُرِ والَّتي أُسَمِّيها: "التَّخويفُ عَن طَريقِ السُّخريةِ، والتَّهَكُّمِ، والاستِهزاءِ، والتَّعيير. "أنتُم لَستُم مِن جَماعَةِ الأُصولِيِّينَ. أليسَ كذلك؟ أنتُم لَستُم مِن أولئكَ الَّذينَ يُريدونَ أن يَفرِضُوا مَا يَقولُهُ الكِتابُ المُقَدَّسَ على جَميعِ النَّاس. أليسَ كذلك؟ أنتُم لَستُم مِن أولئكَ الأشخاصِ المُعادينَ للفِكْرِ والَّذين يَقبلونَ كُلَّ شَيءٍ عَلى عَواهِنِهِ، أو لَستُم أشخاصًا عَديمي التَّفكير. أليسَ كذلك؟" ويجب عليكم أن تَعلَمُوا أنَّ هَذا النَّوعَ مِنَ التَّخويفِ يُمكِنُ أن يَنجَحَ في قَضايا مُعيَّنَةٍ لأنَّهُ شَيءٍ نَفسيٌّ. فَالسُّخريةُ، والاستهزاءُ والتَّهَكُّمُ، أوِ التَّخويفُ عَن طَريقِ السُّخريةِ يَنجَحُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ مَعَ الأشخاصِ غَيرِ المُستَقرِّينَ عَاطِفيًّا، أوِ الأشخاصِ العَاطِفيِّينَ جدًّا. وَقد تَقولُ: "وَهل هذا الأمرُ وَثيق الصِّلَة". إنَّهُ وَثيقُ الصِّلَةِ جِدًّا!
واسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بشيء. في الكَنيسةِ الباكِرَة، كَانُوا يُؤمِنونَ بأنَّ يَسوعَ سيَعودُ قَريبًا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أسئلةَ التَّلاميذ: "هَل في هذا الوقتِ تَرُدُّ المُلْكَ؟" أليسَ كذلك؟ وَسُؤالُ التَّلاميذ: "مَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ؟" فَقد كانُوا يُؤمِنونَ بأنَّ مَجيئَهُ سيَكونُ قَريبًا جدًّا. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14: "سَوفَ أَمْضِي وأعُودُ وآخُذُكُم إليَّ حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. ولكِن قبلَ أن أرجِعَ، سأذهبُ إلى بيتِ الآبِ وأُعِدّ لَكُم مَكانًا". وَقد آمَنُوا بأنَّ ذلكَ سيَحدُثُ قَريبًا جدًّا. وَقد كَانُوا يُرَجِّحونَ أنَّ ذلكَ سيَحدُثُ في فَترةِ حَياتِهم.
ولكِنَّ بُطرسَ كَانَ يَعرِفُ، دُونَ شَكٍّ، أنَّ ذلكَ لَن يَحدُثَ في فَترةِ حَياتِه. فَقد كانَ يَعرِفُ ذلكَ يَقينًا. وَقد تَقول: "وكيفَ تَعرِفُ ذلك؟" لأنَّ يَسوعَ قَالَ لَهُ إنَّ ذلكَ لَن يَحدُثَ في أثناءِ حَياتِهِ. وَقد تَقول: "مَتى قَالَ لَهُ ذلك؟" انظُروا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الحادي والعِشرين. ففي إنجيل يُوحَنَّا 21: 18، يَقولُ يَسوعُ لبُطرس: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ". بِعبارةٍ أخرى، لَقد كُنتَ تَفعلُ مَا تَشاء. "وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ". لاحِظُوا تلكَ العِبارةَ القصيرةَ في العَدد 18. فَقد كانَت تُستخدَمُ في المُؤلَّفاتِ غَيرِ الكِتابِيَّةِ للإشارةِ إلى الصَّلْب. أيْ: "سَوفَ تُصلَب". وَهَذا هُوَ مَا حَدَثَ فِعلاً.
"وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ [أوْ يُقَيِّدُكَ]، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ". والآن، انظُروا إلى العَدد 19: "قَالَ [يَسوعُ] هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا". لَقد قِيْلَ لبُطرس إنَّهُ سيَموت. وَهَذا يَعني: "بُطرس! سَوفَ تَموتُ قَبلَ أن يَعودَ الرَّبُّ؛ أيْ قَبلَ أن أعودَ أنا". لِذا فقد كانَ بُطرسُ يَعلمُ أنَّهُ لن يَعيشَ إلى وَقتِ المَجيءِ الثَّاني. فَهُوَ لن يَكونَ حَيًّا إلى أنْ يَعودَ يَسوعُ المَسيحُ لأنَّهُ سَمِعَ كَلامًا مُحَدَّدًا.
ولكِنْ في ذلكَ النَّصِّ نَفسِهِ (أيْ في الأصحاحِ الحادي والعِشرينَ مِن إنجيل يوحنَّا)، قَالَ يَسوعُ لبُطرسَ شَيئًا آخر. وَبعدَ أنْ سَمِعَ بُطرسُ ذلكَ فَهِمَ الرِّسالة. ثُمَّ إنَّهُ رَأى يُوحَنَّا وقال: "وَماذا عَن هَذا؟ مَاذا عَنهُ؟" فأجابَ يَسوعُ: "إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟" حسنًا! ولكِنَّ هَذا يَعني أنَّ يُوحَنَّا قَد يَعيشُ إلى وَقتِ المَجيءِ الثَّاني. لِذا، كانَ هُناكَ أُناسٌ في الكَنيسةِ البَاكِرَةِ يُؤمِنونَ بأنَّ يَسوعَ قَد يَعودُ في زَمانِهم. وَلِمَ لا؟
فَقد كانَت قُلوبُهم مُمتلئة بالتَّرَقُّب. والحقيقةُ هِيَ أنَّهُ عندما تَقرأونَ الرَّسائِلَ فإنَّكُم تَجِدونَ تَرَقُّبًا كَبيرًا. فأنتُم تَسمَعونَ الرَّسولَ بولُسَ يَقول: "لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا". أليسَ كذلك؟ في الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 15: 51. وَهُوَ يَضُمُّ نَفسَهُ. فَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ بِضَميرِ الغَائِبِ مُشيرًا إلى الأشخاصِ الَّذينَ قَد يَكونُونَ أحياءً في المُستقبلِ البَعيدِ عندَما يَحدُثُ ذلك. "وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ... فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ". وَنَحنُ نَتذكَّرُ أيضًا مَا جَاءَ في الرِّسالة الأولى إلى أهلِ تسالونيكي والأصحاحِ الرَّابع: "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ".
ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ قَائِلاً: "ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، لا شَكَّ في أنَّهُ كَانَ يُوجَدٌ تَرَقُّبٌ شَديدٌ لِعودةِ يَسوعَ في أثناءِ حَياتِهم. وهُناكَ نَصٌّ آخَرُ وَهُوَ رِسالةُ يَعقوب 5: 8-9 إذْ نَقرأُ: "فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأَنَّ مَجِيءَ الرَّبِّ قَدِ اقْتَرَبَ". رِسالة يَعقوب 5: 8. فَقد كَانُوا يَعيشونَ في تَرَقُّبٍ، وَكَانُوا يَعيشونَ في انتظار. فالرَّبُّ لم يُخبرهُم مَتى سيَعود؛ ولكِنَّهُم افتَرَضُوا أنَّ ذلكَ سيَحدُثُ في فَترةِ حَياتِهم.
والآن، هَل تَذكُرونَ دِراسَتَنا للرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي؟ لا أَظُنُّ أنَّهُ تُوجَدُ أيَّةُ كَنيسةٍ أخرى في العهدِ الجديدِ تَتَرَقَّبُ ذلكَ أكثرَ مِن مُؤمِني تَسالونيكي. فَفي الأصحاحِ الأوَّلِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ تَسالونيكي، يَتحدَّثُ بُولسُ عَن ثَباتِهم في الرَّجاءِ في الرَّبِّ يَسوع. وفي العَددِ العَاشِرِ يَقولُ إنَّهُم كانُوا يَنتظرونَ ابنَهُ مِنَ السَّماء. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 19: "أنتُم فَرَحي في حَضْرَةِ رَبِّنا يَسوعَ عِنْدَ مَجيئِه. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الخامِسِ مِن رِسالة تسالونيكي الأولى والعَددَيْنِ الأوَّل والثاني: "وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ". لِذا فقد كانُوا يَعيشونَ مُترَقِّبينَ عَودَتَهُ.
والآن، تَذَكَّرُوا أنَّ مُؤمِني تسالونيكي كَانُوا يُعانُونَ مُشكلةً. فَما الَّذي حَدَث؟ لَقد ابتدأَ أشخاصٌ مِنهُم ماذا؟ يَموتون. فقدِ ابتدأوا يَموتون. وَهُمْ يُسَمُّونَ المَوْتَ "رُقادًا" لأنَّهُم كَانُوا يَعلَمونَ أنَّهُ شَيءٌ مُؤقَّت. وعندما مَاتَ مِنْهُم أُناسٌ، أُصيبَ المُؤمِنونَ باكتئابٍ شَديدٍ لأنَّهُم كَانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُم جميعًا سيَكونونَ أحياءَ عندما يَعودُ يَسوع. وَقدِ ابتدأوا يَحزَنونَ ويَقلَقونَ بشأنِ المُؤمِنينَ الَّذينَ مَاتُوا. فَهَل سَيَفوتُهُم الاختِطافُ؟ وَهَل سَتَفوتُهُم عَودَةُ يَسوع؟ وَهَل سيَفوتُهُم المَلكوت؟ وَهَل ستَفوتُهُم السَّماء؟ وَقد كانت هذهِ الأسئلةُ والاستفساراتُ في أذهانِهِم هِيَ الَّتي دَفَعَت بُولسَ إلى كِتابَةِ مَا كَتَبَهُ في رِسالةِ تَسالونيكي الأولى، وأيضًا في رِسالةِ تَسالونيكي الثَّانية.
لِماذا تَأخَّرَ؟ فَقد كَانَ هُناكَ مَسيحيُّونَ كَثيرونَ يَتوقَّعونَ أن يَعودَ الرَّبُّ بسُرعة. وعندما لم يَرجِع... لاحِظُوا مَا سَأقول... تَأثَّرُوا نَفسيًّا وشَعَرُوا بِخيبةِ الأمل. فَهُم لم يَفهُمُوا كيفَ يُمكِنُ أن يَحدُثَ ذلكَ بَعدَ أن مَاتَ أصدقاؤُهُم. وعندما جَاءَ المُستهزِئونَ وَابتدأُوا في السُّخريةِ مِنهُم، كَانت تلكَ السُّخريةُ فَعَّالة؛ وَلا سِيَّما بالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ المُتضايِقينَ نَفسيًّا. "أينَ هُوَ يَسوعُ المَسيحُ يا رِفاق؟ أَلاَ يُفتَرَض أنْ يَكونَ هُنا؟ أَلَم يَكُن يَنبغي أن يَعودَ مُنذُ وَقتٍ طَويل؟ فالنَّاسُ يَموتونَ هُنا!" لِذا فقدِ استَغَلُّوا خَيبةَ أمَلِهِم النَّفسيَّةِ وَصَدمَتِهم الشَّخصيَّةِ، واستَخدَمُوا هذهِ الطَّريقةَ السَّاخِرَةَ بأسلوبٍ فَعَّال.
لِذا فَإنَّ بُطرسَ يَقولُ لَهُم: "عَالِمِينَ هذَا". فَيَنبغي لَكُم أن تَفهَموا أُمورًا مُعيَّنَةً. فينبغي أن تَفهُموا كيفَ يَعمَلُ المُستهزِئون. وينبغي أن تَفهُموا كَيفَ يَتصرَّفون. يجبُ أن أُحَذِّرَكُم مِن خُطَّتِهِم وَطَريقَتِهم في العَمل. "أولاً..." [كَما يَقولُ]... "أوَّلاً"... وبالمُناسَبة، إنَّهُ لا يَقصِدُ هُنا أنَّ هَذا الشَّيءَ هُوَ الأوَّلُ في لائِحَةِ أشياءٍ أخرى، بَل يَقصِدُ أنَّهُ الشَّيءُ الأهَمُّ، أو أنَّهُ يَحتلُّ المَكانَةَ الأولى. "ففي المَقامِ الأوَّلِ، يَنبغي أن تَعلَمُوا أنَّ هَؤلاءِ سيُحاولونَ أن يَسلِبوكُم رَجاءَكُم" لأنَّهُ إنِ تَمَكَّنُوا مِنْ سَلْبِكُم رَجاءَكُم فإنَّهُم سيتَمكَّنونَ مِن إرهاقِ أجسادِكُم وَإماتَةِ دَافِعِكُم وَفَرَحِكُم.
لَقد كانَ بُطرسُ يَعرِفُ أهميَّةَ الثِّقةِ الكَبيرةِ بعَودةِ المَسيح. فعندما يَصِلُ إلى الأعداد مِن 11 إلى 18، فإنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ التَّأثيرِ العَمليِّ للإيمانِ بعَودةِ المَسيح. لِذا فإنَّ الشَّيطانَ يَعملُ بِكُلِّ طَاقَتِهِ لكي يَسلِبَنا ذلكَ الرَّجاء. فإنْ أرَيتُموني لاهُوتِيًّا مُتحرِّرًا، أو أريتُموني شخصًا لا يُؤمِنُ بالحَقِّ الكِتابيِّ، سَأُريكُم في كُلِّ مَرَّةٍ شَخصًا يُنكِرُ المَجيءَ الثَّاني للمَسيح. لِذا، يَجِبُ على المُؤمِنينَ أن يَعرِفوا أنَّ الشَّيطانَ سيُحاوِلُ جَاهِدًا أن يَسخَرَ مِنَ المَجيءِ الثَّاني.
وَها نَحنُ الآنَ نَجلِسُ هُنا بَعدَ ألفَي سَنَة. وَما زَالَ المُستهزِئونَ يَأتونَ ويَقولون: "أَجيبونا! أينَ هُوَ يَسوع؟ أينَ هُوَ؟ فَقد كانَ المَسيحيُّونَ في القَرنِ الأوَّلِ مُنزعِجينَ لأنَّهُ لم يَرجِع. وَها أنتُم بَعدَ ألفَي سَنَة. أَلاَ تَعتقدونَ أنَّ الأمرَ كُلَّهُ خُدعَة؟" ورُبَّما يُوجدُ أشخاصٌ يَشعرونَ بالضِّيقِ في الحَياةِ، ويَشعرونَ بالعِبْءِ في حَياتِهِم، ويَشعرونَ بِخَيبةِ الأملِ في حَياتِهم ويَتوقونَ إلى مَجيءِ يَسوعَ المَسيحِ؛ ولكِنَّ ذلكَ لم يَتحقَّق بَعد. لِذا، قَد تَكونُ هَذِهِ السُّخريةُ أمرًا مُخيفًا لَهُم.
ورُبَّما يَقولُ هَؤلاء: "رُبَّما كَانَ الأمرُ رُوحِيًّا وَحَسْب، وَأنَّ المَلكوتَ يَأتي في قَلبِك. هَذا هُوَ كُلُّ مَا في الأمر. فَرُبَّما نَعيشُ حَياتَنا، ونَموتُ، ونَذهبُ إلى السَّماءِ دُونَ أن يَكونَ هُناكٌ مَجيءٌ للمَسيحِ، ودُونَ أن يَكونَ هُناكَ مَلكوتٌ، ودُونَ أن تَكونَ هُناكَ مُكافأةٌ حَقيقيَّةٌ، ودُونَ أن يَكونَ هُناكَ وَقتُ دَينونة. فَنَحنُ لَن نَرى كُلَّ تلكَ الأشياء".
لِذا فإنَّ بُطرسَ يُصَحِّحُ هَذا التَّعليمَ المَغلوطَ ويقول في العَددِ الثَّالث: "فِي آخِرِ الأَيَّامِ" – وأريدُ أن أُعَلِّقَ على تِلكَ العِبارَة. فَهِيَ عِبارَةٌ شَائعةٌ في العهدِ الجديد، وفِكرةٌ شَائعةٌ في العهدِ الجديدِ مُقتبسةٌ عَن سِفْر إشعياء والأصحاح الثَّاني. وهي تُشيرُ إلى الحِقبةِ الَّتي ابتدأتْ بِمَجيءِ المَسيحِ أوَّلَ مَرَّة. وَهِيَ تُشيرُ إلى عَصْرِ العهدِ الجديد. فَهذهِ هِيَ آخِرُ الأيَّام. فَهِيَ تُشيرُ وَحَسْب إلى عَصْرِ المِيثاقِ الجَديد، أوْ إلى الوقتِ المُمتدِّ مِن مَجيءِ المَسيحِ فَصاعِدًا، أو إلى كُلِّ الفَترةِ الواقِعَةِ بينَ المَجيءِ الأوَّلِ والمَجيءِ الثَّاني. وَلو كَانَ لَدينا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقتِ لأريتُكُم آياتٍ على ذلك. ولكِنْ رُبَّما تَرغبونَ في تَدوينِ بَعضٍ مِنها: أعمال الرُّسُل 2: 17؛ 2تيموثاوس 3: 1؛ عبرانيِّين 1: 2؛ 1بطرس 1: 20؛ 1يوحنَّا 2: 18-19؛ يَعقوب 5: 3؛ يَهوذا 18. فهناكَ أمثلة كثيرة. وإنْ لم تَتمكَّنُوا مِن تَدوينِها، يُمكِنُكم أن تَسمَعُوا العِظَةَ المُسَجَّلَة.
ولكِنْ عندما نَقرأُ في العهدِ الجديدِ العِبارةَ "آخِرُ الأيَّام" فإنَّها تُشيرُ إلى كُلِّ الفَترةِ الزَّمنيَّةِ المُمتدَّةِ مِن مَجيءِ المَسيحِ إلى عَودَتِه. فَهِيَ كُلُّها آخِرُ الأيَّام. إنَّها كُلّها آخِرُ الأيَّام. وأنا أُحِبُّ مَا يَقولُهُ "جيه. إن. دي. كيلي" (J.N.D. Kelley) في تَفسيرِهِ لرسالة بُطرس الثَّانية. فهو يَقولُ إنَّ هذا العَصرَ بِمُجمَلِهِ يَتَّسِمُ "بظهورِ مُفْسِدِي الدِّيانَةِ الصَّحيحَة" [نِهايةُ الاقتباس]. فالمُفسِدونَ يَعيثُونَ فَسادًا ويُحاولونَ أن يُفسِدُوا المَجيءَ الثَّاني. وَهُم يَفعلونَ ذلكَ مُنذُ أن جَاءَ المَسيحُ وَطَوالَ الفَترةِ المَاضِيَة.
والآن، أرجو أن تُلاحِظُوا مَرَّةً أخرى أنَّ بُطرسَ يَقولُ في العَددِ الثَّالث: "سَيَأتِي...قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُون". فَهُوَ يَستخدِمُ صِيغةَ المُستقبل لأنَّ الكَلامَ نَبَوِيٌّ. ولكِنْ لأنَّهُ يَتنبَّأُ بنفسِ الكلماتِ الَّتي جَاءَتْ في رِسالةِ يَهوذا والعَدد 18: "فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ سَيَكُونُ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ". فيهوذا يَقولُ ذلكَ بتلكَ الطَّريقة. ولأنَّهُ يَتنبَّأ فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ مِنَ الآن فَصاعِدًا إلى آخِرِ الأيَّامِ، سَوفَ يَحدُثُ هَذا الأمر. وهَذا لا يَعني أنَّهُ يَقولُ إنَّ ذلكَ لم يَحدُثُ آنَذاك. فَنَحنُ نَعلمُ أنَّ ذلكَ حَدَثَ آنَذاك.
وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرين مِن إنجيلِ مَتَّى أنَّ الرَّبَّ قَالَ إنَّ هَذا سيَحدُثُ أيضًا. فأوَّل شَيءٍ يَقولُهُ الرَّبُّ رَدًّا على سُؤالِهم في العَددِ الرَّابعِ هُوَ: "انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ [بِشَأنِ عَودَتي]. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ". وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِين". ونَقرأُ في العَدد 23: "حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا! أَوْ: هُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا". أيْ: أنا أقولُ لَكُم ذلكَ مُسَبَّقًا. فهُناكَ الكَثيرُ مِنَ العَقائِدِ المَغلوطَة، والكَثيرُ مِنَ الأنبياءِ الكَذَبة.
لِذا فإنَّ بُطرسَ يُرَدِّدُ صَدَى كلماتِ الرَّبِّ ويقولُ إنَّ ذلكَ سيَحدُث؛ ولكِنَّهُ لا يُنكِرُ أنَّ ذلكَ كَانَ يَحدُثُ آنَذاك. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ ذلكَ الأمرَ لم يَكُن جَديدًا. فإنْ رَجعتُم إلى العهدِ القديمِ يُمكِنُكم أن تَجِدُوا أولئكَ الَّذينَ كَانُوا يَسخرونَ مِنَ الله. فيُمكِنُكم أن تَرجِعُوا إلى سِفْرِ إشعياء والأصحاحِ الخَامِسِ وَأنْ تَسمَعُوا السُّخريةَ التَّاليةَ المُريعَةَ في العَدد 19. فَالخُطاةُ يَقولونَ للهِ: "لِيُسْرِعْ، لِيُعَجِّلْ عَمَلَهُ لِكَيْ نَرَى، وَلْيَقْرُبْ وَيَأْتِ مَقْصَدُ قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ لِنَعْلَمَ".
فَالأنبياءُ قَالُوا: "سَوفَ يَدينُكُم اللهُ". ولكِنَّ المُستهزِئينَ قَالوا: "إذن، لِيَفعلَ ذلك. لِيَفعل ذلك. أسرِع يا الله. إنْ كُنتَ مَوجودًا حَقًّا، وتُريدُ أن تَدينَنا، دَعْنا نَرى أنَّكَ تَفعلُ ذلك". فَهُمْ يُلَوِّحُونَ بِقَبْضاتِ يَدِهِم في وَجْهِ اللهِ، ويَهزَأونَ بَالدَّينونة. لِذا فإنَّ هَذهِ السُّخرية ليسَت شَيئًا جَديدًا، بَل هِيَ مَوجودةٌ دَائمًا. فَهُناكَ دَائِمًا أشخاصٌ يَهزأونَ بالتَّهديدِ بالدَّينونة، ويَسخَرونَ مِنَ الوَعْدِ بالدَّينونة. فَهذهِ السُّخرية ليسَت شَيئًا جَديدًا البَتَّة.
لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ". وبالمُناسَبَة، إنَّهُ يَستخدِمُ أقوى صِيغةٍ عِبريَّةٍ ويَصيغُها باليُونانِيَّةِ قَائِلاً إنَّ هَؤلاءِ المُستهزِئينَ سيأتونَ بِكُلِّ مَا فيهِم مِن استِهزاءٍ. وَهِيَ صِيغةٌ قَويَّةٌ تُؤكِّدُ على مَا يَفعلونَهُ. فَهُم يُحاولونَ أن يُهاجِمُوا حَقيقَةَ عَودةِ المَسيحِ وَدَينونَةِ المَسيحِ مِن خِلالِ الاستِهزاء. فَهُمْ لا يَستخدِمونَ الحُجَّةَ المَنطقيَّة، بَل يَستخدِمونَ حُجَّةً عَاطِفيَّة. فَهِيَ ليسَت حُجَّةً مَنطقيَّةً قَويَّة، بَلْ يَستخدمونَ أسلوبَ التَّخويفِ مِن شَيءٍ يَسْخَرُ الآخرونَ مِنهُ قَائِليَنَ إنَّهُ تَعليمٌ سَخيفٌ يُخاطِبُ العُقولَ الغَبيَّةَ لا الذَّكيَّة. فَهُوَ أسلوبٌ يَستَغِلُّ خَيبةَ الأمل. وَهُوَ أسلوبٌ مَا زَالَ يُستخدَمُ اليومَ تُجاهَ الأشخاصِ الخَائِفينَ مِنْ قِبَلِ مَنْ يُسَمُّونَ أنفَسَهُم "نُخبةَ المُثَقَّفينَ" مِمَّنْ يُنكِرونَ عَودةَ المَسيح.
ولكِنْ لاحِظُوا الحُجَّةَ الثَّانية. فَهُم لا يَتوقَّفونَ عِندَ الأسلوبَ الأوَّلِ فقط. وَهذهِ حُجَّةٌ لا يُريدونَ استِخدامَها؛ ولكنَّها حُجَّةٌ يَستخدِمُها بُطرسُ نِيابَةً عَنهُم. والشَّيءُ المُدهشُ حَقًّا هو أنَّ هذهِ الحُجَّةَ أخلاقيَّة؛ وهي مَذكورةٌ في العَددِ الثَّالثِ إذْ نَقرأُ في نِهايةِ العَدد إنَّ هؤلاءِ المُستهزِئينَ سيأتونَ: "سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ". والآن، يا أصدقائي، هَذا هُوَ الدَّافِعُ الحَقيقيُّ. هَذا هُوَ الدَّافِعُ الحَقيقيُّ. فالعِبارَةُ "سَالِكينَ" تُشيرُ إلى دَافِعِهم. فَهذا هُوَ نَمَطُ حَياتِهم.
فالسُّلوكُ يُشيرُ إلى طَريقةِ العَيش، وأسلوبِ العَيش. وَهُم يَسلُكونَ بِحَسَبِ "إبيثومِيَا" (epithumia). ومَا مَعنى هذهِ الكلمة؟ الشَّهْوَةِ أوِ الرَّغْبَةِ الجِنسيَّة. وبالمُناسَبة، لَقد تَحَدَّثنا في السَّابقِ عَن هؤلاءِ الأنبياءِ الكَذَبة. وهَل تَذكُرونَ ما الصِّفَةُ الَّتي كَانُوا يَتَّصِفونَ بها؟ ارجِعُوا قليلاً إلى الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ الثَّاني. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ الثَّاني أنَّهُم يَسلُكونَ بِحَسَبِ شَهواتِ الجَسَد. فَهُم شَهَوانِيُّونَ. وَنَقرأُ في العَدد 10 أنَّهُم: "يَذْهَبُونَ وَرَاءَ الْجَسَدِ فِي شَهْوَةِ النَّجَاسَة".
ونَقرأُ في العَدد 13: "آخِذِينَ أُجْرَةَ الإِثْمِ. الَّذِينَ يَحْسِبُونَ تَنَعُّمَ يَوْمٍ لَذَّةً. أَدْنَاسٌ وَعُيُوبٌ، يَتَنَعَّمُونَ فِي غُرُورِهِمْ صَانِعِينَ وَلاَئِمَ مَعَكُمْ". ونَقرأُ في العَدد 14: "لَهُمْ عُيُونٌ مَمْلُوَّةٌ فِسْقًا". وَقد أخبرتُكُم مَا مَعنى ذلك. فَهُم لا يَستطيعونَ أن يَنظُروا إلى امرأةٍ مِن دُونِ أن يَرَوْهَا على أنَّها شَريكَةٌ لَهُم في الجِنس. فَهُم لا يَتوقَّفونَ البَتَّةَ عَنِ اقترافِ الخطيَّة. ونَقرأُ في العَدد 18: "يَخْدَعُونَ بِشَهَوَاتِ الْجَسَدِ فِي الدَّعَارَة".
وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّهُم مُعَلِّمونَ زَائِفونَ لا يَعرفونَ الحَقَّ، ولا يَعرِفونَ اللهَ، ولا يُمكِنُهم أن يَقْمَعُوا أجسادَهُم. لِذا فإنَّهُم كَحَيَوَانَاتٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ يَسْلُكونَ بِحَسَبِ شَهَواتِهم. وَهُم يُنكِرونَ المَجيءَ الثَّاني ليسوعَ المسيحَ ويَستَهزِئونَ بِهِ. لماذا؟ لأنَّهُم يُريدونَ أن يَسلُكوا بِحَسَبِ شَهَواتِهِمِ الجِنسيَّةِ والحِسيَّةِ دُونَ أيَّة مُساءَلَة، ودُونَ عِقابٍ، ودُونَ عَواقِب. هَذهِ هِيَ الخُلاصَة. فَاستِهزاؤُهُم قَائِمٌ على انعِدامِ أخلاقِهم. فَكما تَرَوْنَ، إنَّهُم يُريدونَ عِلْمَ أُخْرَوِيَّاتٍ يُلائِمُ سُلوكَهُم. فَكُلُّ انحِرافٍ أخلاقِيٍّ عِنْدَ الأشخاصِ المُتديِّنينَ يَنبغي أنْ يَستَنِدَ إلى لاهُوتٍ يُبيحُه. أليسَ كذلك؟ لِذا فقد وَضَعُوا لاهُوتًا يَسْمَحُ بانحِرافِهم.
اسمَعوني: إذا كُنتُم تُؤمِنونَ بالمَجيءِ الثَّاني، وتُؤمِنونَ بأنَّ الرَّبَّ سيَعودُ، وبإنَّنا جَميعًا سنُعطي حِسابًا عَن حَياتِنا، وَسنُكافَأُ على أساسِ مَا فَعلناه، وَبأنَّ هُناكَ أمورًا مُعيَّنَةً في حَياتِنا ستَحترِق، وإنْ كُنتُم تُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ سَيُظهِرُ خَفايا القُلوب (كَما جَاءَ في رِسالة كورنثوس الأولى 4)، فإنَّ يُوحَنَّا مُحِقٌّ.
فَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ عندما يَأتي فإنَّني أريدُ أن أكونَ طَاهِرًا. أمَّا إنْ لم أرغَب في أن أكونَ طَاهِرًا، وإنْ كُنتُ أرغبُ في أن أعيشَ حَياةً مُنقادَةً وَراءَ الشَّهَواتِ، يَنبغي لي أنْ أتخلَّصَ مِن أيَّة مُساءَلَة مُستقبليَّة. وحينئذٍ سأتحدَّثُ كَثيرًا عَنِ النِّعمة، وأتحدَّثُ كَثيرًا عَنِ المَلكوتِ الدَّاخِليِّ؛ ولكنِّي لن أتحدَّثَ البَتَّة عنِ الدَّينونَةِ والمُساءَلَة، وَلن أتحدَّثَ عن أنَّ اللهَ دَيَّانٌ عَادِلٌ يُطالِبُنا بالقَداسَةِ ويُؤدِّبُنا على الخطيَّة.
وكما تَرَوْنَ فإنَّ الرَّجاءَ في عَودةِ يَسوعَ المَسيحِ يَعني أنْ تَكونَ هُناكَ مُساءلةٌ لَنا عَن حَياتِنا. واسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا قَد لا تَفهمونَهُ حَالاً، ولكِنْ فَكِّرُوا فيه. فأنا أعتقدُ أنَّ اللاَّهُوتَ المُتحرِّرَ لم يَنْجُمْ عَنِ العَقلِ، بَلْ نَجَمَ عَنِ الفَسادِ الأخلاقِيِّ. فَهُوَ وَليدُ الشَّهوة. وَهُوَ مُحاولةٌ لإنكارِ المُساءَلَةِ الرُّوحيَّة.
وَقد قالَ "مايكل غرين" (Michael Green): "مَبدأُ المُتعةِ البَشريَّةِ يَسخَرُ دَائِمًا مِن فِكرةِ المَعاييرِ السَّامِيَةِ والفَصْلِ الأخيرِ بينَ المُخَلَّصينَ وَالهَالِكين. ففي نَظَرِ الأشخاصِ الَّذينَ يَدَّعُونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ نَسبيٌّ، فإنَّ الفِكرةَ القائلةَ إنَّ الأشياءَ النِّسبيَّةَ ستَزولُ بِحُضورِ الأشياءِ المُطلَقَةِ هِيَ فِكرةٌ سَخيفَة. وفي نَظَرِ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بقُدرةِ الإنسانِ عَلى تَقريرِ مَصيرِهِ وتَحديدِ كَمالِهِ، فإنَّ الفِكرةَ القَائلةَ إنَّنا تَحتَ المُساءَلَةِ والحسابِ هِيَ فِكرةٌ يَصعُبُ عليهم أن يَستوعِبوها. لِذا، لا عَجَبَ أنَّهُم يَتَهَكَّمون" [نِهايةُ الاقتباس].
فَهُم يُريدونَ أن يَتجاهَلُوا القانونَ الثَّابِتَ المَذكورَ في رِسالة رُومية 1: 8 والَّذي يَقولُ إنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ. وَهَذا لا يَظهَرُ بوضوحٍ أكبر مِمَّا يَظهَرُ في نَظريَّةِ النُّشوء. وَهُناكَ شَخصٌ مَشهورٌ يُؤمِنُ بالنُّشوءِ ويُنكِرُ الخَلْقَ الإلهيَّ والتَّدخُّلَ الإلهيَّ والدَّينونَةَ الإلهيَّةَ هُوَ "آلدويس هَكسلي" (Aldous Huxley) حَفيد "توماس هكسلي" (Thomas Huxley).
وَقد كَتَبَ "اعترافاتُ مُلْحِدٍ مُعتَرِفٍ" (Confessions of a Professed Atheist). استَمِعُوا إلى مَا قَالَهُ لأنَّهُ مُهمٌّ جدًّا. وَهَذا هُوَ "آلدويس هَكسلي" شَقيقُ "جوليان" (Julian). فقد كَتَبَ مَا يَلي: "لقد كانت لَديَّ دَوافِع لِعَدمِ رَغبتي في أن يَكونَ للعَالَمِ مَغزَى. لِذا فقدِ افترضتُ أنَّ لا مَعنى لَهُ. وَقد تَمَكَّنْتُ دُونَ أيِّ عَناءٍ مِنَ العُثورِ على أسبابٍ مُقنعةٍ لهذا الافتراض. فالفيلسوفُ الَّذي لا يَجِدُ مَغزى في العَالَمِ لا يُبالي حَصريًّا بمُعضلةٍ مِن مُعضلاتِ الميتافيزيقيا العَويصَة. وَهُوَ يُبالي أيضًا بإثباتِ أنَّهُ لا يُوجَدُ سَبَبٌ قَويٌّ يَدفَعُهُ إلى عَدمِ القِيامِ شَخصيًّا بِما يُريدُ القِيامَ بِه.
"وبالنِّسبةِ إليَّ أنا شَخصيًّا..." [كَما يَقولُ هكسلي] "...وبالنِّسبةِ إلى أغلبيَّةِ مُعاصِرِيَّ، فإنَّ فَلسفةَ خَواءِ المَعنى كانت بِصورةٍ أساسيَّةٍ وَسيلةَ تَحرير. فَالتَّحريرُ الَّذي كُنَّا نَرغبُ فيهِ كَانَ في الوقتِ نَفسِهِ تَحرُّرًا مِن نِظامٍ سِياسيٍّ واقتصاديٍّ مُعيَّن...". ثُمَّ استَمِعُوا إلى هذا: "...وَتَحَرُّرٌ مِن نِظامٍ أخلاقيٌّ مُعيَّن. فَنحنُ نُعارِضُ الأخلاقَ لأنَّها تُعارِضُ حُريَّتَنا الجِنسيَّة" [نِهايةُ الاقتباس].
فنَظريَّةُ النُّشوءِ ليسَت وَليدَةَ العِلمِ، بَلْ هِيَ وَليدَةُ التَّحرُّرِ الجِنسيِّ. وَهِيَ لم تَأتِ مِن أُناسٍ فَكَّرُوا فيها تَفكيرًا عَقلانِيًّا، بَل أَتَتْ مِن أُناسٍ لم يَشاؤُوا أنْ يَكونَ للمُجتمعِ مَغزَى، وَلا أنْ يَكونَ للسُّلوكِ مَغزى، ولا الدَّينونَة، وَلا المُساءَلة، وَلا الله لكي يَعيشُوا كَما يَحلُو لَهُم. فالمسألةُ مَسألةٌ أخلاقيَّةٌ وليسَت مَسألةً فِكريَّة. فَهذا هُوَ السَّببُ الحَقيقيُّ للإيمانِ بالإلحاد، أوِ النُّشوء، أوِ اللاَّهُوتِ المُتحرِّر. فَهُم يُريدونَ أن يَقضُوا على المُساءَلَة، وأنْ يَقضُوا على الدَّينونة. وإنْ كُنتَ تُؤمِنُ باللهِ فإنَّ اللهَ أبٌ مُحِبٌّ يَجلِسُ فَي الأعلى ويَبتسِم على كُلِّ شَيء.
فيجبُ عليكَ أن تُنكِرَ أنَّ اللهَ سيَدينُ الخَطيَّةَ إنْ كُنتَ تَرغَبُ في إعطاءِ الحَقِّ لنفسِكَ في أن تُخطِئَ إلى أقصَى حَدٍّ مُمكِن. أليسَ كذلك؟ لا تَخدَع نَفسكَ لَحظةً. فهؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ يَفتخرونَ بأنَّهُم أذكياءُ ليسُوا أذكياء، بَلْ هُمْ أقزامٌ أخلاقيًّا. فَهُم يُريدونَ أن يَتحرَّرُوا مِن أجلِ الحُريَّةِ الجِنسيَّةِ. وَهُمْ بِحاجَةٍ إلى فَلسفةٍ تُبيحُ لَهُم ذلك. لِذا فإنَّ إنكارَهُم لِعودةِ المَسيحِ للدَّينونَةِ يُخفي وَراءَهُ مَحبَّةً للشَّهوة. وَهُم يُريدونَ أن يُمارِسُوا شَهَواتِهم دُونَ مُساءَلَة. إذًا، هَذهِ هِيَ الحُجَّةُ النَّابِعَةُ مِنَ الاستِهزاءِ، والحُجَّةُ النَّابعَةُ مِنَ انعِدامِ الأخلاق.
وهُناكَ حُجَّةٌ أخرى. وسوفَ أتحدَّثُ عَنها قَليلاً فقط. وفي الأسبوعِ القَادِمِ سَنَرى كيفَ يُعالِجُها بُطرس: الحُجَّةُ النَّابِعَةُ مِنْ نَظريَّةِ الاتِّساق. وأنا أُحِبُّ ذلك. وكَمْ كُنتُ أتمنَّى أن يَكونَ لَدينا مُتَّسَعٌ مِنَ الوقتِ في هذا المَساء. فلو كَانَ بِمَقدورِنا أن نَبقى هُنا حَتَّى مُنتصفِ اللَّيلِ فإنَّ ذلكَ سيَكونُ رَائِعًا؛ ولكِنَّ هَذا غَيرُ مُمكِن. نَقرأُ عَن هذهِ الحُجَّةِ في العَددِ الرَّابع، وَهِيَ حُجَّةٌ نَابِعَةٌ مِنْ نَظريَّةِ الاتِّساق. وَهذهِ حُجَّةٌ كَبيرة في العَددِ الرَّابع. وَهُنا نَأتي إلى حُجَّةٍ تَتطلَّبُ ذَكاءً. فَقد تَحدَّثْنا عَنِ الحُجَّةِ القَائِمَةِ على الاستِهزاءِ والتَّلاعُبِ بالعَواطِفِ، وتَحدَّثنا عَنِ الحُجَّةِ الأخلاقِيَّةِ. والآن، نَأتي إلى أفضلِ حُجَّةٍ عَقليَّةٍ لَديهم. حَسَنًا؟
فَهذهِ هِيَ أفضلُ حُجَّةٍ لَديهم. العَدد 4: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" فَهُم يَستخدِمونَ ذَكاءَهُم هُنا: "لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَة". هذهِ هِيَ حُجَّتُهُم. وَقد تَقول: "مَا الَّذي يَقولونَهُ؟" إنَّهُم يَقولونَ إنَّ يَسوعَ لن يَعودَ البَتَّة. لماذا؟ لأنَّهُ لم يَعُد يَوْمًا. فَكُلُّ شَيءٍ بَاقٍ هَكذا. وَكأنَّكَ تَقول: "أنا لَنْ أَمُوتَ لأنِّي لم أَمُتْ يَومًا".
فَقد كَانَ المُعَلِّمونَ الكَذَبَةُ يَتَّكِلونَ على هذا التَّاريخِ المُحَرَّف. فَهُمْ يُعيدونَ كِتابَةَ التَّاريخ. وَهُم يَستخدِمونَ الحُجَّةَ العَاطِفيَّةَ، ثُمَّ يَستخدِمونَ الحُجَّةَ الأخلاقيَّةَ، وَها هُمُ الآنَ يَستخدِمونَ الحُجَّةَ الفَلسفيَّةَ العَقليَّة. وَقد صَارُوا يَستَنِدونَ إلى تَاريخٍ مُحَرَّف. فَهَذا هُوَ مَا يَقولونَهُ: "مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ...". ومَا الَّذي يَقصِدونَهُ بهذا؟ مَن هُمُ الآباءُ؟ هُناكَ مَن يَقولُ إنَّهم آباءُ الإيمانِ المَسيحيِّ. وَهَذا مُمكِن. فَرُبَّما يَتحدَّثونَ هُنا عَنِ مَسيحيِّي الجيلِ الأوَّلِ الَّذينَ مَاتُوا. فَقَد عَاشُوا مُنذُ وَقتٍ طَويل.
ففي كُلِّ مَرَّةٍ تَرَوْنَ الكلمةَ "آباء"، وكُلّ إشارةٍ في العهدِ الجديدِ إلى "الآباءِ" في أيِّ مَوضِعٍ في العهدِ الجديدِ تُشيرُ إلى آباءِ العهدِ القديم. وَهَذا هُوَ مَا يَقصِدونَهُ في الحَقيقة. فَهُم يَرجِعونَ... رَكِّزُوا مَعي... إنَّهُم يَرجِعونَ إلى سِفْرِ التَّكوين ويَقولون: "انظُروا! كُلُّ شَيءٍ بَاقٍ على حَالِهِ مُنذُ الآباءِ الأوائِل. فَإنْ رَجَعْتُم إلى البِدايَةِ ستَجِدونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ بَاقٍ على حَالِهِ"؟
وسَوفَ تُلاحِظونَ في رِسالةِ رُومية 9: 5، وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 1: 1 أنَّهُ تُوجَدُ إشاراتٌ إلى الآباء. وَهَذا يَعني بِكُلِّ تأكيدِ آباءَ العهدِ القديم. لِذا فإنَّهُم لا يَستخدِمونَ حُجَّةً حَديثةً، بَلْ يَستخدِمونَ أقَدَمَ حُجَّةٍ مَوجودَةٍ كَي يُظهِروا الاتِّساقَ، والانتظامَ، وَأنَّ شَيئًا لم يَتغيَّر، وأنَّ كُلَّ شَيءٍ مُستمرٌّ على حَالِهِ، وَأنَّ هُناكَ عَمليَّةً مُستمرَّةً لا تَتَغَيَّر. لِذا فإنَّ لسانَ حَالِهِم في الحَقيقةِ هُوَ: "لا وُجودَ لأيَّةِ تَغييرات كَبيرة. فَهِيَ لا تَحدُث. فأشياءٌ مِثلَ التَّدخُّلِ الإلهيِّ الكَبيرِ والدَّينونةِ لا تَحدُث.
"مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ". وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الكلمةَ "رُقاد" في العهدِ الجديدِ تُشيرُ إلى المَوت. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الكلمة "مَقْبَرَة" مُشتقَّة مِن كلمة يُونانيَّة تَعني "مَهْجَع". وَهذهِ تَسمِيَةٌ مُتفائِلَةٌ أُطلِقَتْ على المَقابِرِ مِنْ قِبَلِ المَسيحيِّين. لِذا، مُنذُ أن مَاتَ الأشخاصُ الأوائل، أو مُنذُ أن مَاتَ الآباءُ الأوائِل، لاحِظُوا مَا يَقولونَهُ في العَددِ الرَّابع: "كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَة". هذهِ هِيَ حُجَّتُهُم الفِكريَّةُ أوِ الفَلسفيَّة.
استَمِعُوا إلى مَا يَلي: إنَّها حُجَّةُ الاتِّساقِ أو عَدَمِ التَّغيُّر. هذهِ هِيَ فَلسفةُ الخَاطِئ. وَما نَجَمَ عَن ذلكَ هُوَ شَيءٌ نَعرِفُهُ جَيِّدًا في مُجتمعِنا: نَظريَّةُ النُّشوء. فنَظريَّةُ النُّشوءِ تَقومُ على مَبدأِ الاطِّراد. فَما الَّذي تَقولُهُ نَظريَّةُ النُّشوء؟ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَسيرُ بانتظامٍ وبالسُّرعَةِ نَفسِها تَمامًا. فَلا يُوجَدُ إلَهُ، وَلا يُوجَدُ تَغييرٌ، وَلا تُوجَدُ دَينونَةٌ، وَلا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ، بَل إنَّ كُلَّ شَيءٍ يَسيرُ هَكذا تَمامًا.
وَهَل تَعلَمونَ مَاذا يَقولون؟ إنَّهُم يَقولونَ: "لَقد رَاقَبنا ذلكَ فَوَجدنا أنَّهُ يَسيرُ هَكذا. لِذا فإنَّهُ يَسيرُ دَائِمًا هَكذا. فقدِ ابتدأَ مِن هَذِهِ النُّقطةِ، وَانتَهى عِندَ تِلكَ النُّقطةِ، واستَغرقَ الوَقتَ الفُلانِيَّ. لِذا، إنْ كَانَ الكَوْنُ قَدِ استَمرَّ في السَّيْرِ بنفسِ الوَتيرةِ... بِنفسِ الوَتيرةِ... بِنفسِ الوَتيرةِ... بِنفسِ الوَتيرةِ، فَإنَّ عُمْرَ الكَونِ خَمسَة مِليارات سَنَة. هَذا هُوَ الاتِّساق، أو نَظريَّةُ الاتِّساق. فَهِيَ فَلسفَةُ الاطِّراد. والشَّيطانُ هُوَ الَّذي ابتَدَعَها في وَقتٍ مُبَكِّرٍ جدًّا... في وَقتٍ مُبَكِّرٍ جدًّا.
والآن، أنتُم تَسْمَعُونَ أنَّ نَظريَّةَ النُّشوءِ المُطَّرِدِ هِيَ فِكْرَةٌ مِن بَناتِ أفكارِ "توماس لايل" (Thomas Lyle) في البِداية، ثُمَّ تَبِعَهُ "داروين" (Darwin)، ثُمَّ تَبِعَهُ "هَكسلي" (Huxley). ولكِنَّ تِلكَ النَّظريَّةَ ظَهَرَتْ قَبلَ وَقتٍ طَويلٍ مِن مَجيءِ هؤلاءِ الأشخاص. فَهؤلاءِ الأشخاصُ جَاؤوا في وَقتٍ مُتأخِّرٍ جدًّا. فتلكَ النَّظريَّةُ تَظهَرُ هُنا في رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث. وَما يَقولونَهُ هُوَ التَّالي: أنَّ المَجيءَ الثَّاني للمَسيحِ شَيءٌ مُستحيل. فيسوعُ لَن يَأتِ البَتَّة، ولن تَكونَ هُناكَ دَينونَةٌ هَائِلَة، ولَن يَكونَ هُناكَ تَدَخُّلٌ إلهِيٌّ. فَهذا لَم يَحدُث مِن قَبل، ولَن يَحدُث في المُستقبل. فلم تَكُن هُناكَ كَوارِث في المَاضي، ولم تَكُن هُناكَ مُعجِزاتٌ، بَلْ إنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَحدُثُ هُوَ عَمليَّاتٌ طَبيعيَّة تَعْقُبُها عَمليَّاتٌ طَبيعيَّةٌ مُتَوالِيَة.
فَهُم يَرفُضونَ الخَلْقَ المُفاجِئَ في سِتَّةِ أيَّام على الرَّغمِ مِن أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ذلك. وَهُم يُحاولونَ أن يَقولوا إنَّ هذهِ القِصَّةَ أُسطورة. وَهُم يُنكِرونَ أنَّ الشَّمسَ تَوقَّفَتْ، وَأنَّ الأرضَ تَوقَّفَتْ عَنِ الدَّورانِ في الأصحاحِ العَاشِرِ مِن سِفْر يَشوع، وَأنَّ هُناكَ أشخاصًا مَاتُوا. وَهُم يُنكرونَ مَا جَاءَ في الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني؛ أيْ أنَّ الظِّلَّ رَجَعَ عَشْرَ دَرَجات. وَهُم يُنكرونَ أنَّ البَحرَ الأحمرَ انْشَقَّ. وَهُم يُنكرونَ أنَّ اللهَ تَدَخَّلَ وَدَانَ الخُطاة. لِذا فإنَّهُم يَقولونَ: "مَا الَّذي يَجعلُنا نَتوقَّعُ مِنهُ أن يَفعلَ أمرًا كَهذا؟"
وبالمُناسَبة، كُلَّما تَأنَّى الرَّبُّ أكثر في الدَّينونة، شَعَرَ هَؤلاءِ المُستهزِئونَ بالأمانِ بشأنِ نَظرتِهم إلى التَّاريخ. فَهُم يَقولونَ إنَّ العالَمَ مُستقرٌّ جدًّا، وإنَّهُ نِظامٌ مُغلَقٌ يَخضَعُ لِقوانينَ ثَابِتَة. وَهُم يَقولونَ في الحَقيقة: "لا يُمكِنُكُم أن تُؤمِنُوا بالكِتابِ المُقَدَّس. فكلماتُ الكتابِ المقدَّسِ ليسَت وَاقِعيَّة". لِذا فإنَّ الخُطاةَ الشَّهْوانِيِّينَ يَجِدونَ أنَّ رَجَاءَهُم الوَحيدَ في أنْ يُخطِئُوا دُونَ أنْ يَرتَعِبُوا يَكْمُنُ في هَذهِ الثِّقَةِ الزَّائِفَة. وَهذا أمرٌ مُهِمٌّ حَقًّا.
فَهُم يَنظرونَ إلى زَمانِهِم المَحدودِ ويَستنتجونَ مَا يُريدونَ بشأنِ كُلِّ التَّاريخ. فَهُم يَنظرونَ إلى بِضعِ سَنَواتٍ لم تَحُدث فيها تَغييراتٌ كَبيرةٌ ويَستَنتِجونَ أنَّهُ لم تَحدُث أيَّة تَغييراتٍ مِن قَبل. ولكِنَّ خِداعَ النَّفسِ، واستِخدامَ الذَّكاءِ مِن أجلِ إشباعِ الشَّهوةِ، وإنكار الحَقِّ الكِتابِيِّ، ونَظريَّة النُّشوءِ هِيَ جَميعُها أداة في يَدِ إبليسَ لاستيعابِ الفَسادِ الأخلاقِيِّ للخُطاةِ الَّذينَ لَن يَأتُوا إلى الله. وَهَذا شَيءٌ مُدَمِّر. فإنِ استَطاعَ الشَّيطانُ أن يُقنِعَ النَّاسَ بنَظريَّةِ النُّشوءِ يَكونُ قَد أبعَدَهُم عَنِ الكِرازَةِ الفَعَّالة.
اسمَعوني: واحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي تَتَعَلَّمونَها إنْ دَرستُم سِفْرَ أعمالِ الرُّسُل (وسوفَ أقولُ لَكُم هَذا في عُجالَةٍ، ورُبَّما يَكونُ أَهَمَّ شَيءٍ قُلتُهُ لَكُم في هذا المَساء). فَواحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي تَتَعَلَّمونَها إنْ دَرستُم سِفْرَ أعمالِ الرُّسُل هُوَ التَّالي: أنَّهُ في كُلِّ مَرَّةٍ كَرَزَ فيها الرُّسُلُ إلى هؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ هُم مِن خَلفيَّةٍ يَهوديَّةٍ، استَخدَمُوا دائمًا الكتابَ المقدَّس. ويُمكِنُكُم أن تُلاحِظُوا ذلكَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ والأصحاحات 2، و7، و8، و10.
فَفي الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، يَعِظُ بُطرسُ مِنَ الأسفارِ المُقَدَّسَة. وفي الأصحاحِ السَّابعِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، يَكرِزُ استفانوس باليهَودَ مِنَ الأسفارِ المُقَدَّسَة. وفي الأصحاحِ الثَّامنِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، يَجِدُ فيلبُّسُ رَجُلاً يَجلِسُ في عَرَبَتِهِ وَيَقرأُ مِن سِفْرِ إشَعْياء فَيَشرَحُ لَهُ الأسفارَ المُقَدَّسَة. وفي الأصحاحِ العاشِرِ نَقرأُ عَن رَجُلٍ يُدعَى كَرنيلِيُوس، وَهُوَ تَقِيٌّ وَخَائِفٌ اللهَ. وبُطرسُ يَذهبُ إليهِ ويُعَلِّمُهُ عَنِ المَسيحِ مِنَ الأسفارِ المُقَدَّسَة. وَما الأسفارُ المُقَدَّسَةُ المُشارُ إليها هُنا؟ إنَّها العهدُ القديم.
فالكِرازَةُ المُوَجَّهَةُ لِهؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ يَعرِفونَ الأسفارَ المُقَدَّسَةَ كَانَتْ قَائِمةً دائمًا عَلى الأسفارِ المُقَدَّسَة. وعندما دَخَلَ بولسُ المَجمَعَ، كَيفَ حَاجَجَهُم؟ مِنَ الأسفارِ المُقدَّسَةِ. ولكنِ استَمِعُوا جيِّدًا إلى ما سأقول: عندما يُكْرَزُ بالإنجيلِ للوثنيِّينَ الَّذينَ لا يَعرِفونَ الكتابَ المقدَّسَ، تَكونُ الكِرازَةُ قَائِمَةً على الخَليقَةِ، وَعلى إلَهِ الخَليقَة. واسمَحُوا لي أن أُريكُم ذلكَ بإيجاز مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 14. استَمِعُوا جَيِّدًا إلى هَذا:
فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 14: 15 أنَّ بُولُسَ كَانَ يَكرِزُ لمَجموعَةٍ مِنَ الوَثنيِّينَ الَّذينَ كَانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ الإلَهُ "زَفْس" وَأنَّ بَرْنابا الإلَهَ "هَرْمَس". فَقد كَانُوا وَثنيِّينَ جدًّا ولا يَعرِفونَ شَيئًا عَنِ الكِتابِ المُقَدَّس. لِذا، إليكُم مَا يَقولُهُ. فَكيفَ سيُكَلِّمُهُم؟ كيفَ تَكْرِزُ لمَجموعَةٍ مِنَ الوَثنيِّينَ الَّذينَ لا يَعرفونَ حَتَّى الكتابَ المقدَّس. "أَيُّهَا الرِّجَالُ..." [في العَدد 15] "...لِمَاذَا تَفْعَلُونَ هذَا؟ نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيل".
والآن، كَيفَ سَيَصِلُ إليهِم؟ وكيفَ سَيَكرِزُ لَهُم بالإنجيل؟ هَل سيُحدِّثُهُم عَنِ العهدِ القديم؟ لا، فَهُمْ لا يَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَنِ العهدِ القديم. إذًا، مَا الَّذي يَقولُهُ؟ "[نَحنُ نُكَلِّمُكُم عَنِ] الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي [فَعَلَ مَاذا؟] خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا". هَل تَرَوْنَ ذلك؟ فَيجبُ عليكَ أن تَكرِزَ دَائِمًا للشَّخصِ الوَثنيِّ مِن خِلالِ شَرْحِكَ للخَلْق.
وفي الأصحاحِ السَّابع عشر، نَقرأُ أنَّ بولسَ وَقَفَ فِي وَسْطِ أَرِيُوس بَاغُوس أمامَ مَجموعَةٍ مِنَ الفَلاسِفَةِ أوِ المُفَكِّرينَ الوَثنيِّين. فَكيفَ يُخاطِبُهُم؟ مِنَ الكتابِ المقدَّس؟ لا. فَهُم لا يَعرِفونَ الكتابَ المقدَّس. إنَّهُم لا يَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَنِ الكتابِ المقدَّس. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 23: "اسمَحُوا لي أن أُحَدِّثَكُم عَنِ اللهِ الَّذي لا تَعرِفونَهُ". هَذا هُوَ اللهُ الَّذي لا تَعرِفونَهُ (في العَدد 24): "الإِلهُ الَّذِي [مَاذا؟] خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْض".
والآن، أريدُ أن أُريكُم مَقطعًا كِتابيًّا آخرَ يُدهِشُني جدًّا وَهُوَ سِفْر الرُّؤيا 14: 6 و7. ففي سِفْر الرُّؤيا 14: 6 و7، استَمِعُوا إلى الكلماتِ التَّالية: "ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ" – وَما هِيَ هَذِهِ؟ "مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ [لا للأشخاصِ الَّذينَ لَديهم الكِتابُ المُقَدَّسُ، بَلْ لِكُلِّ] أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ"؛ أيْ للعَالَمِ الوَثنيِّ.
وَما الَّذي يُبَشِّرُ بِهِ المَلاكُ عِندَما يَكْرِزُ بالبِشارَةِ الأبديَّة؟ وكيفَ يُخاطِبُ الوَثَنِيِّينَ؟ بالطَّريقةِ التَّالية: "خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا [لِمَنْ؟] لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاهِ". فيجبُ عليكُم دَائِمًا أن تُخاطِبُوا الوَثنيِّينَ مِن جِهَةِ الخَلْق. لِذا، مَا هُوَ في رَأيِكُم الشَّيءُ الَّذي يُريدُ الشَّيطانُ أن يُقنِعَ العَالَمَ بِه؟ نَظريَّةُ النُّشوء. لأنَّهُم إنِ اقتَنعُوا بِها، لَن تَعودَ لَدينا نُقطةٌ نَنطَلِقُ مِنها في الكِرازَة. وَلَن نَجِدَ مَدخَلاً أو بَابًا مَفتوحًا، أو طَريقَةً لمُخاطَبَتِهم.
فإنِ استَطاعَ الشَّيطانُ أن يَجعلَ الجَميعَ يُصَدِّقونَ كِذْبَةَ النُّشوءِ... وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّهُم لا يُؤمِنونَ بذلكَ لأنَّهُم أذكياء، بَلْ لأنَّهُم يَرغَبونَ في التَّحرُّرِ كَي يُخطِئُوا كَما يَحلُو لَهُم... حِينئذٍ، يُمكِنُهُ أنْ يُعيقَ جدًّا الكِرازَةَ للوثنيِّين. وصَدِّقوني، يا أصدقائي الأعِزَّاء، أنَّنا نَعيشُ في أُمَّةٍ وَثنيَّة. ويجبُ علينا أن نُكَلِّمَ مُجتَمَعَنا الوَثنيَّ الَّذي نَعيشُ فيهِ بالطَّريقةِ التَّالية: "انظُر إلى العَالَمِ مِن حَولِك. أَليسَ مِنَ المَعقولِ أنَّهُ يُوجَدُ إلَه؟ أريدُ أن أُحَدِّثَكَ عَنْ ذلكَ الإلَه". هَذِهِ هِيَ طَريقةُ الكِرازَةِ إلى الوَثنيِّين.
أمَّا إذا كَانَ الوَثنيُّونَ مُقْتَنِعينَ بأنَّ كُلَّ الكَوْنِ جَاءَ مِنَ العَدَم، وَبأنَّ حَاصِلَ ضَرْبِ "لا أَحَد" في "لا شَيء" يُساوي "كُلَّ شَيء"، لَن تَجِدُوا طَريقةً لِتَبشيرِهم! فَلا يُوجَدُ جِسْر. لِذا فإنَّ المُعَلِّمينَ الكَذَبَةَ يَستخدِمونَ ثَلاثَ طُرُقٍ في هُجومِهم: الاستهِزاء، والأخلاق، والاتِّساق. فَهُم يَستخدِمونَ هذهِ الأشياءَ لكي يُنكِرُوا أنَّ المسيحَ سيأتي ثَانيةً ليَدينَ العَالَم.
فَهُم يَقولونَ إنَّهُ لن يَأتِ. وَهُم يَسخَرونَ مِن تِلكَ الفِكرة. وَهُم لا يُريدونَ أن تَدخُلَ تلكَ الفِكرةَ إلى أذهانِهم. فَهِيَ قَد تُعَطِّلُ حَياتَهُم المُنغَمِسِة في الخَطيَّة. لِذا فإنَّهُم يَستخدِمونَ دَهاءَهُم الفِكريَّ، ويُفَلْسِفونَ الأشياءَ، ويَخرُجونَ بنظريَّةِ الاتِّساق. وهذا هُوَ كُلُّ مَا في وُسْعِهِم أن يَفعلوهُ يا أحبَّائي. وإنْ أردتُم أن تَعرِفُوا مَا الَّذي يَقولُهُ بُطرسُ رَدًّا عليهم، تَعالُوا إلى هَذا المَكانِ مَساءَ الأحدِ القادِم. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على هَذهِ الكلمةِ الواضحَةِ الَّتي تُرينا استراتيجيَّاتِ المُستهزِئينَ والمُتَهَكِّمينَ الَّذينَ هُمْ أعداءُ نُفوسِنا. وَنَشكُرُكَ على مَا قَدَّمَهُ بُطرسُ لَنا. وَليتَنا نَتذكَّرُ أنَّهُ قَالَ: " عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً"؛ أيْ أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَفهمَ الخِدْعَةَ الَّتي يَستخدِمونَها. فيجبُ علينا أن نَحذَرَ مِنها، وأنْ نَحتَرِزَ مِنها لِئلاَّ نَصيرَ ضَحيَّةً لَها.
نَحنُ نَثِقُ في كَلِمَتِكَ، ونُؤمِنُ بكلمتِكَ، ولَن نَخافَ مِنَ الاستِهزاء، ولَن نَقَعَ ضَحِيَّةَ نَمَطِ الحَياةِ المُتَحَرِّرِ لهؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ لا يُريدونَ أيَّةَ مُساءَلَة. وَنَحنُ لَن نَنْخَدِعَ بالمَنطِقِ الغَبِيِّ وَالسَّخيفِ الَّذي يَستخدِمُهُ أنصارُ نَظريَّةِ الاتِّساقِ المُنحرفة. يا رَبّ، نَحْنُ ثَابِتونَ في كَلِمَتِكَ، وَثابِتونَ في حَقِّك. نُشكُرُكَ على ثِقَتِنا بِكَلِمَتِك. باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
