افتَحُوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مَعي مِن فَضلِكُم على رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث. فَنحُن نَعودُ في الجُزءِ الثَّاني مِن سِلسِلَتِنا للحَديثِ عَن حَتمِيَّةِ المَجيءِ الثَّاني ونتُابِعُ دِراسَتَنا لرِسالةِ بطرسَ الثَّانية. ولكي نُرَسِّخَ في أذهانِنا مَرَّةً أخرى هَذا النَّصَّ الرَّائِع، أودُّ أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الأعدادَ مِن 1 إلى 9:
رِسَالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الثَّالثِ، ابتداءً مِنَ العَددِ الأوَّل: "هذِهِ أَكْتُبُهَا الآنَ إِلَيْكُمْ رِسَالَةً ثَانِيَةً أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فِيهِمَا أُنْهِضُ بِالتَّذْكِرَةِ ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ، لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ. عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ». لأَنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ، اللَّوَاتِي بِهِنَّ الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهَلَكَ. وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الْكَائِنَةُ الآنَ، فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّارِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ. وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَة".
إنَّ الكلماتِ الأخيرةَ للرَّسولِ العَظيمِ "بُولُس" تُعَبِّرُ في اعتقادي عنِ الرَّجاءِ الرَّاسخِ لَدى كُلِّ مُؤمِنٍ إذْ إنَّهُ يُعَرِّفُ المُؤمِنينَ (في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 4: 7-8) بأنَّهُم أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَ ظُهورَهُ. فالمُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ يُحِبُّونَ ظُهورَ يَسوعَ المَسيح. فَهَذا هُوَ رَجاؤُنا، وَهذا هُوَ شَوقُ قُلوبِنا، وَهَذا هُوَ هَدَفُنا وَمَجدُنا في المَقامِ الأوَّل. وَقد قُلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ المَجيءَ الثَّاني لرَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، ورَجَاءَنا في ذلكَ الحَدَثِ المَجيدِ والعَظيمِ هُوَ أعظمُ حَافِزٍ لِفَرَحِنا، وأعظمُ حَافِزٍ لِخِدمَتِنا، وأعظمُ حَافِزٍ لِقداسَتِنا. فَنحنُ نَعيشُ مُتَرَقِّبينَ عَودةَ يَسوعَ المَسيح.
وقد قُلنا إنَّهُ عندما يَعودُ فإنَّهُ سيَعودُ لِكَي يَجمَعَ خَاصَّتَهُ إليه. وَهُوَ سَيَأتي لِكَي يُهْلِكَ الأشرار سَواءَ كَانُوا بَشَرًا أو شَياطين. وَهُوَ سَيَأتي لِكَي يُؤسِّسَ مَلكوَتَهُ ويَجلِبَ أخيرًا البِرَّ الأبديَّ. وذلكَ الحَدَثُ، أو في الحَقيقةِ تِلكَ السِّلسلةُ مِنَ الأحداثِ هِيَ هَدَفُ الإيمانِ المَسيحيِّ، وَقَصْدُهُ، وَذُروَتُهُ. ولأنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا، وَلأنَّ إيمانَنا يَصِلُ إلى الذُّروةِ مِنْ خِلالِ إيمانِنا بذلك فإنَّ الشَّيطان يَعملُ جَاهِدًا على إنكارِ المجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيح. والشَّيطانُ يَعملُ جَاهِدًا على إنكارِ وُجودِ دَينونَةٍ مُستقبليَّة.
وَقَد قُلنا في المَرَّةِ السَّابقةِ [بشيءٍ مِنَ التَّفصيلِ] إنَّ الكنيسةَ كَانَت وَمَا زالَت تَتعرَّضُ للغَزْوِ مِنَ المُعَلِّمينَ الكَذبةَ الَّذينَ يُنكرونَ عَودةَ المسيحِ ويُنكرونَ الدَّينونةَ القادِمَة. وعندما كَتَبَ بُطرسُ هذهِ الرِّسالةَ، لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ كَتَبَها لكي يُساعِدَ المُؤمِنينَ على التَّصَدِّي للمُعلِّمينَ الكَذبةِ وتَعاليمِهم المُضِلَّة. وعندما يَصِلُ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والأخيرِ مِن هذهِ الرِّسالةِ القَصيرةِ فإنَّهُ يَصِلُ إلى ذُروةِ حَديثِهِ عَنِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة. وَهَذا هُوَ المَقطَعُ الَّذي يَتَصَدَّى فيهِ لإنكارِهم لعَودةِ المَسيح.
ونحنُ لَسنا مُندهِشينَ مِن أنَّ المُعَلِّمينَ الكَذبة يُعَلِّمونَ هَذا؛ لا سِيَّما بَعدَ أن عَرَفنا أنَّ عَودةَ المَسيحِ هِيَ أعظمُ حَافِزٍ لفرَحِنا وخِدمَتِنا وقَداسَتِنا. لِذا، يَجِبُ علينا أن نَتوقَّعَ أن يُهاجِمَ العَدُوُّ هذهِ العَقيدة. وَعليهِ فإنَّنا لا نَتَعَجَّبُ حينَ نَعلمُ أنَّ هؤلاءِ المُعَلِّمينَ الكَذبة يُمَثِّلونَ الشَّيطانَ ويُساعِدونَهُ في شَنِّ هُجومِه. كَذلكَ فإنَّنا لا نَتَعَجَّبُ حينَ نَرى أنَّ بُطرسَ يُريدُ أن يَتَصَدَّى لَهُم لكي نَتمكَّنَ مِنَ الصُّمودِ في وَجْهِ تَعليمِهم المُضِلِّ بهذا الشَّأن.
والآن، لقد نَظرنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إلى حُجَّتِهم؛ أيْ إلى حُجَّةِ المُستهزِئينَ ضِدَّ المَجيءِ الثَّاني. وأريدُ وَحَسْب أن أُلَخِّصَ ذلكَ بسُرعة. فَهُمْ يَصيغونَ حُجَّتَهُم في العَددِ الرَّابعِ قَائِلين: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" بِصورةٍ مَبدئيَّةٍ، هَذا إنكارٌ صَريحٌ لِحَقيقةِ أنَّهُ سيَعود. أينَ هُوَ؟ إنْ كَانَ يَنبغي لنا أن نُؤمِنَ بهذهِ العَقيدةِ المُختصَّةِ بالمَجيءِ الثَّاني، أينَ هُوَ؟ إذًا، هَذا إنكارٌ سَاخِرٌ ومُتَهَكِّم.
والآن، نَرى مِن خِلالِ النَّصِّ أنَّ حُجَّتَهُم تَتَّخِذُ ثَلاثَةَ مَساراتٍ أو ثَلاثَةَ أشكال: وَقد ذَكَرْنا [أوَّلاً] أنَّ حُجَّتَهُم تَقومُ على السُّخرية. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّالثِ: "أَنَّهُ سَيَأتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ". فَقدِ استَخدمُوا أُسلوب السُّخريةِ، والتَّهَكُّمِ، والاستِهزاءِ، والازدراءِ، وَوَصْفِ المَجيءِ الثَّاني وَدَينونَةِ المَسيحِ بأنَّهُما مُنافِيانِ للعَقل.
وَهذهِ خُدعَةٌ عَاطِفيَّة. وَقدِ استَخدموها ضدَّ الأشخاصِ الَّذينَ طَالَ انتِظارُهُم ليسوعَ ولكِنَّهُ لم يَعُد؛ لا سِيَّما إنْ كانَتِ الحَياةُ قَاسِيَةً عَليهِم فَشَعَروا باليأسِ وخَيبةِ الأمل. لِذا فإنَّ المُعَلِّمينَ الكَذَبَةَ المُستَهزِئينَ يَأتونَ ويَستغِلُّونَ خَيبةَ أمَلِهِم وإحباطِهِم، ويُهاجِمونَهُم بأسلوبِهِم السَّاخِرِ والمُتَهَكِّمِ قَائِلينَ: "أينَ هُوَ مَوعِدُ مَجيئِه؟" إذًا، هَذِهِ هِيَ الحُجَّةُ القَائِمَةُ على السُّخريةِ والَّتي تَستَغِلُّ خَيبةَ الأَمَلِ العَاطِفيَّةِ عِندَ النَّاس.
ثُمَّ إنَّ هُناكَ الحُجَّةَ الأخلاقِيَّة. فَالسَّببُ الحَقيقيُّ الكَامِنُ وَراءَ لاهُوتِهم المَغلوطِ مُشارٌ إليهِ في نِهايةِ العَددِ الثَّالثِ حيثُ نَقرأُ إنَّهُم يَسْلُكونَ بِحَسَبِ شَهَواتِ أنفُسِهم. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ السَّببَ في إنكارِهم للمَجيءِ الثَّاني هُوَ ليسَ أنَّهُم يَستطيعونَ أنْ يَنْقُضوهُ بآياتٍ مِنَ الكتابِ المقدَّس. وَالسَّببَ في إنكارِهم للدَّينونةِ المُستقبليَّةِ الَّتي سيَجلِبُها المَسيحُ هُوَ ليسَ أنَّهُم يَمْلِكونَ دَليلاً لاهُوتِيًّا دَامِغًا. بل إنَّ السَّببَ في إنكارِهم للمَجيءِ الثَّاني، والسَّببَ في إنكارِهم لِدَينونَةِ المَسيحِ هُوَ أنَّهُم يُحِبُّونَ خَطاياهُم ولا يُريدونَ أن تَتِمَّ مُحاسَبَتُهُم عليها في النِّهايَة.
فَهُم يُريدونَ [بِبَساطَةٍ] عَقيدةً أُخْرَوِيَّةً تُلائِمُ فَسادَهُم الأخلاقِيَّ. فَعودةُ المَسيحِ تَعني أنَّهُ ستَكونُ هُناكَ دَينونَةٌ للخُطاة. وَعَودةُ المَسيحِ تَعني أنَّهُ ستَكونُ هُناكَ مُساءَلَة لَهُم على نَمَطِ حَياتِهم. ولكِنَّهُم لا يُريدونَ تِلكَ المُساءَلَة، وَلا يُريدونَ أنْ تَكونَ هُناكَ أيَّةُ دَينونَة. لِذا، إنْ كُنتَ تُحِبُّ خَطاياكَ، لَنْ تَرغَبَ في أن تَكونَ هُناكَ دَينونَة. وَعليهِ فإنَّكَ تَضَعُ عَقيدَةً أُخْرَوِيَّةً تُلائِمُ فَسادَكَ الأخلاقِيَّ.
أمَّا الحُجَّةُ الثَّالِثَةُ [الَّتي تَحَدَّثْنا عَنها بالتَّفصيلِ على غِرارِ الحُجَّتينِ الأولى والثَّانية] فَهِيَ الحُجَّةُ القَائِمَةُ على الاتِّساقِ في العَددِ الرابعِ إذْ إنَّهُم يَقولون: "لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ". فَحُجَّتُهُم هِيَ كَالتَّالي: لَن تَكونَ هُناكَ دَينونَةٌ كَبيرةٌ في نِهايةِ التَّاريخِ لأنَّ التَّاريخَ لا يَسيرُ بهذهِ الطَّريقة، بَل يَسيرُ في اتِّساقٍ مُطْلَقٍ وفي عَمليَّةٍ مُطَّرِدَةٍ لا تَتغيَّر.
فَكُلُّ شَيءٍ يَسيرُ باطِّرادٍ طَوالَ الوقت. وَلا تُوجَدُ تَغييراتٌ كَبيرةٌ، وَلا أحداثٌ هَائِلَةٌ تَهُزُّ الأرضَ، وَلا يُوجَدُ تَدَخُّلٌ إلَهِيٌّ، وَلا تُوجَدُ دَينوناتٌ خَارقةٌ للطَّبيعة، بَل إنَّ كُلَّ شَيءٍ في العَالَمِ هُوَ نِظامٌ مُستقرٌّ، ومُغلَقٌ وثَابِتٌ يَسيرُ وَفْقًا لأنماطٍ وَمبادِئَ لا تَتغيَّرُ البَتَّة. فَلم تَحدُث أحداثٌ هَائِلَةٌ مِن قَبل، ولَن تَحدُثَ أحداثٌ هَائلةٌ في المُستقبل.
إذًا، هُناكَ الحُجَّةُ العَاطِفيَّةُ، والحُجَّةُ الأخلاقيَّةُ، والحُجَّةُ العَقليَّة. وَهَذهِ هِيَ حُجَّتُهُم العَقليَّةُ القَائِمَةُ على تَاريخُهُم المُحَرَّف. وَلا شَكَّ في أنَّهُ لكي يَتَمَكَّنُوا مِنَ القِيامِ بِذلكَ، لا بُدَّ أنْ يَرفُضُوا الكتابَ المقدَّسَ. وَهَذا هُوَ مَا يَفعلونَهُ. فَقد فَعَلُوا ذلكَ آنَذاك، وَهُم يَفعلونَهُ الآن. فاللاَّهُوتِيُّونَ المُتَحرِّرونَ الَّذينَ يُنكِرونَ المَجيءَ الثَّاني ليسوعَ المَسيحِ يَفعلونَ ذلكَ مِن دَاخِلِ الكَنيسةِ مِن خِلالِ إنكارِ الكتابِ المقدَّس.
فَهُم يُنكِرونَ مَا قَالَهُ يَسوعُ عَن عَودَتِه. وَهُم يُنكِرونَ مَا قَالَهُ بُولسُ وبُطرسُ عَن عَودَتِهِ، وَيُنكِرونَ مَا قَالَهُ كُلُّ شَخصٍ آخرَ في الكتابِ المقدَّسِ عَن عَودَتِه. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُم يُخبرونَنا أنَّ تلكَ الآياتِ غَير صَحيحَة، وَأنَّها ليسَت مُوحَى بِها مِنَ الله، وَأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَطهيرِ الكتابِ المقدَّسِ مِنَ الأساطير. فَهِيَ مُجرَّدُ خُرافاتٍ يَنبغي استِئصالُها مِنَ الكتابِ المقدَّس. إذًا، هَذِهِ هِيَ الحُجَّةُ الثُّلاثِيَّةُ الأبعادِ للمُستَهزِئينَ الَّذينَ يُنكرونَ عَودةَ المَسيح.
والآن، لِنَنظُر إلى حُجَّةِ القِدِّيسينَ الَّتي تُؤكِّدُ المَجيءَ الثَّاني. فَقد رَأينا حُجَّةَ المُستهزِئينَ ضِدَّها. والآن، لِنَنظُر إلى حُجَّةِ المُؤمِنينَ الَّتي تُؤكِّدُ المَجيءَ الثَّاني. فَهذهِ الآياتُ رَائعةٌ، بَلْ رَائِعَةٌ جدًّا، لا سِيَّما أنَّ بُطرسَ يَرُدُّ فيها على حُجَجِ المُستهزِئينَ وَكَلامِهِم. وبالمُناسَبَة، يُمكِنُنا أن نَجِدَ خُلاصَةَ حُجَّةِ بُطرسَ في العَددِ العَاشِرِ إذْ يَقول: " وَلكِنْ سَيَأتِي...يَوْمُ الرَّبِّ". يُمكِنُكُم أن تَتوقَّفُوا عِندَ تِلكَ النُّقطة.
هذهِ هِيَ الخُلاصَة. فَهُوَ يَقولُ إنَّ ذلكَ سيَحدُث. صَحيحٌ أنَّكُم قَد تَسخَرونَ مِنها، وصَحيحٌ أنَّكُم قد لا تَرغبونَ في حُدوثِ ذلكَ لأنَّكُم لا تُريدونَ أيَّةَ مُساءَلَة، بَلْ تُريدونَ أن تَعيشُوا في الشَّهوةِ والفَسادِ الأخلاقِيِّ والحُريَّةِ الجِنسيَّةِ، وصَحيحٌ أنَّكُم تُؤمِنونَ بنَظريَّةِ الاتِّساقِ في التَّاريخِ (أيِ النَّظريَّةِ الَّتي تَقولُ إنَّ كُلَّ شَيءٍ يَسيرُ بانتظامٍ كَما هِيَ الحَالُ دَائِمًا)؛ ولكِنَّ ذلكَ سيَحدُثُ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تُؤمِنونَ بِهِ، وبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تُريدونَهُ، وبِغَضِّ النَّظرِ عنْ تَهَكُّمِكُم عَليه.
والآن، سَوفَ يُقَدِّمُ لَنا بُطرسُ حُجَجًا عَديدة: أوَّلاً، الحُجَّةُ الأولى... الحُجَّةُ الأولى هِيَ الحُجَّةُ القائِمَةُ على تَعليمِ الكتابِ المقدَّس... الحُجَّةُ القائِمَةُ على تَعليمِ الكِتابِ المُقَدَّس. ولكي نَرى هذهِ الحُجَّة، لِنَنظُر إلى العَددَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني. وَهَذا المَقطَعُ تَحديدًا (أيِ العَدَدانِ الأوَّل والثَّاني) هُوَ حَقًّا افتِتاحِيَّةُ الأصحاح؛ ولكِنَّهُ يَنْسَجِمُ تَمامًا مَعَ خُطَّةِ بُطرسَ الجَدليَّة... مَعَ خُطَّتِهِ الجَدليَّة. لِذا فإنَّها تُلائِمُ حُجَّتَهُ تَمامًا في العَدَدَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني. انظروا إلى العَددِ الأوَّل. فَهُوَ يَبتَدِئُ الحَديثَ عَنِ المَوضوعِ بالقَول: "هذِهِ أَكْتُبُهَا الآنَ إِلَيْكُمْ رِسَالَةً ثَانِيَةً أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فِيهِمَا أُنْهِضُ بِالتَّذْكِرَةِ ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ".
وإليكُم بِضعَ مُلاحَظاتٍ عَن هذهِ المُقدِّمَة. فَهُوَ يَقولُ إنَّ هَذِهِ الرِّسالةَ هِيَ رِسالَتُهُ الثَّانية. وَهَذا يَعني أنَّ هُناكَ فَترةً زَمنيَّةً قَصيرةً جدًّا تَفصِلُ بينَ الرِّسالةِ الأولى والرِّسالةِ الثَّانية. فَيَبدو أنَّ تلكَ العِبارَة تُشيرُ إلى قِصَرِ المُدَّةِ بينَ الرِّسالةِ الأولى والرِّسالةِ الثَّانية. واستِخدامُ العِبارَةِ "أيُّها الأحِبَّاءُ" هُوَ أمرٌ مَألوفٌ لَدى بُطرسَ لأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ قَلبِهِ الرَّاعَوِيِّ واهتِمامِهِ الرَّاعَوِيِّ بهؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يَهتمُّ لأمرِهم. وعندما يَقولُ إنَّ هَذِهِ الرِّسالةَ هِيَ رِسالَتُهُ الثَّانية، لا أعتقدُ أنَّكُم لم تَفهَمُوا مَا يُشيرُ إليه. ولكنَّكُم ستُصْدَمونَ تَمامًا إنْ أحضرتُ إلى هُنا نَحْوَ عَشَرَةِ تَفاسيرٍ وَأريتُكُم نَحْوَ مِئَتَي صَفْحَةٍ يُحاوِلُ فيها الشُّرَّاحُ أنْ يَعرِفُوا مَا هِيَ الرِّسالةُ الأولى!
ولكنِّي أريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ لا يَنبغي لَكَ أن تَكونَ نَابِغَةً لكي تَعرِفَ أنَّهُ عندَما كَتَبَ رِسالةَ بُطرسَ الثَّانية وَقالَ إنَّهُ كَتَبَ رِسالةً أولى، لا بُدَّ أنَّهُ يُشيرُ إلى رِسالةِ بُطرسَ الأولى. ولكنِّي أتَعَجَّبُ حَقًّا مِنَ الجُهودِ الهَائلةِ الَّتي يَبذُلُها هَؤلاءِ الشُّرَّاحُ في مُحاولةِ إثباتِ أنَّهُ لا يُشيرُ إلى رِسالةِ بُطرسَ الأولى البَتَّة. فَهُوَ يَقولُ: "انظُروا! لقد كَتَبْتُ هذهِ الرِّسالةَ والرِّسالةَ الأولى إليكُم لِغايةٍ واحِدَةٍ وَهِيَ أنْ أُنْهِضُ بِالتَّذْكِرَة...". وَما مَعنى ذلك؟ أيْ أنْ أَحْفِزَ أو أُنَبِّهَ أو أُنْهِضَ ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ. فأنا أريدُ أن أُحَذِّرَكُم.
تُحَذِّرُنا مِن مَاذا؟ مِن خَطَرِ غَزْوِ التَّعليمِ المُضِلِّ، والمُعَلِّمينَ الكَذَبَة، والأكاذيبِ الشَّيطانِيَّة. فَهُوَ يَقولُ: "لِكَيْ أُحَذِّرَكُم وَأُنَبِّهَكُم، يَنبغي لي أنْ أُنْهِضُ بِالتَّذْكِرَةِ ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ". فَهُناكَ أُمورٌ تَعرِفونَها. فَقَد سَمِعتُموهَا في المَاضي. ولكِنَّكُم بِحاجَةٍ إلى تَذكيرٍ، أو إلى إنعاشِ ذَاكِرَتِكُم.
والآن، أَلاَ لاحَظتُم قَليلاً العِبارةَ الصَّغيرةَ "ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ"؟ فَهذا مَديحٌ جَيِّدٌ جدًّا. وَهِيَ تُخبرُنا أنَّ بُطرسَ كَانَ يُؤمِنُ بأنَّ قُرَّاءَهُ كَانُوا مُؤمِنينَ حَقيقيِّين. والكلمة "ذِهْن" تُشيرُ إلى الفَهْمِ أوِ التَّفكير. والكلمة "نَقِيّ" تُشيرُ إلى الطَّهارَةِ، أو عَدَمِ التَّلَوُّثِ، أو إلى عَدَمِ الاختلاطِ بالتَّأثيراتِ المُغرِيَةِ للعَالَمِ والجَسد. وبالمُناسَبَة، لقدِ استَخدمَ أفلاطُون نَفسَ العِبارَةِ قَائِلاً: "لِسَبَبٍ نَقِيٍّ".
فبُطرسُ يَقولُ: "انظُروا! إنَّ ذِهْنَكُم نَقِيٌّ. فلأنَّكُم مُؤمِنونَ حَقيقيُّونَ فإنَّكُم تَملِكونَ حِسًّا نَقِيًّا وتَمييزًا رُوحِيًّا. وأنا أريدُ أن أُنْعِشَ ذلكَ الذِّهْنَ المَفدِيَّ، وَتِلكَ القُدرةَ الطَّاهرةَ على التَّمييزِ الرُّوحيِّ". وبالمُناسَبة، فَإنَّ هَذا الذِّهْنَ يَختَلِف كُلَّ الاختلافِ عَنْ ذِهْنَ المُعَلِّمينَ الكَذَبة. فَالمُعَلِّمونَ الكَذبةُ يَملكونَ ذِهْنًا مُختلفًا جِدًّا جِدًّا. فَهُم يَمْلِكونَ ذِهْنًا مُظلِمًا، وذِهْنًا فَاسِدًا، وذِهْنًا مُمَرَّغًا في وَحْلِ الخَطيَّةِ كَما أشارَ في الأصحاحِ الثَّاني.
أمَّا ذِهْنُ المُؤمِنِ فإنَّهُ طَاهِر. فَنَحنُ نَملِكُ ذِهْنًا طَاهِرًا، وغَيرَ مُلَوَّثٍ، وَغيرَ مُختَلِطٍ بالتَّأثيراتِ السَّلبيَّةِ للعَالَمِ والجَسَد. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "انظُروا! أريدُ أن أدخُلَ إلى ذلكَ الذِّهْنِ النَّقِيِّ، أو إلى ذلكَ الذِّهْنِ الجَديدِ الَّذي وَهَبَكُم إيَّاهُ المَسيحُ عندَ الخَلاصِ، وَأريدُ أن أَحْفِزَ ذلكَ الذِّهْنَ الجَديدَ، وأريدُ أن أُنْعِشَ الحَقَّ الَّذي تَعرِفونَهُ لكي تَتَمَكَّنُوا مِن خِلالِ عَقلِكُم المُقَدَّسِ وحُسْنِ تَمْييزِكُم الرُّوحِيِّ مِنْ فَهْمِ التَّعليمِ المُضِلِّ والتَّصَدِّي لَهُ بالطَّريقةِ الصَّحيحَة. فعندما يَأتي هَؤلاءِ المُعَلِّمونَ الكَذَبَةُ ويُنكِرونَ المَجيءَ الثَّاني، أريدُ أن أُنْهِضَ ذِهْنَكُم النَّقِيَّ لكي تَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّصَدِّي لذلكَ الهُجوم". لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "أنا أفعلُ ذلكَ مِن خِلالِ تَذكيرِكُم".
والآن، مَا الشَّيءُ الَّذي يُريدُ أن يُذَكِّرَهُم بِهِ؟ مَا هُوَ التَّدبيرُ الاحتياطِيُّ الأوَّل؟ يَقولُ بُطرسُ في العَددِ الثَّاني: هَذا هُوَ مَا يَنبغي أن تَتذكَّروه: "لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ". تَوَقَّفُوا هُنا. فَهَذهِ، يا أحبَّائي، إشارةٌ إلى العهدِ القديمِ؛ أيْ: "يَجِبُ عليكُم أن تَرجِعُوا وَتُنعِشُوا أذهانَكُم بما جَاءَ في العهدِ القديم". فأسفارُ العَهدِ القَديمِ المُوحَى بِها مِنَ اللهِ تَقولُ الكَثيرَ عَنِ الدَّينونةِ الأخيرةِ للمُستَهزِئين. وبالمُناسَبة، لا بُدَّ أنَّ المُعَلِّمينَ الكَذَبَةَ تَرَكُوا تَأثيرًا كَبيرًا في المُؤمِنينَ؛ وَإلاَّ لَما كَلَّفَ بُطرُسُ نَفْسَهُ عَناءَ كِتابَةِ هذهِ الرِّسالة.
فقد كانَ لَهُم تَأثير. لِذا فإنَّهُ يَقول: "انظُروا! لا يُمكنكُم أن تَقبَلوا حُجَّتَهُم القَائمةَ على السُّخرية. وَلا يُمكِنُكم أن تَقبلُوا حُجَّتَهُم القائمةَ على الأخلاق. وَلا يُمكِنُكم أن تَقبلُوا حُجَّتَهُم القائمةَ على الاتِّساق؛ أيْ على تَاريخِهم الجَديدِ الَّذي يَنظُرُ إلى الوَراءِ ويقولُ إنَّ اللهَ لم يَتدخَّل مِن قَبل في التَّاريخ لأنَّ الكَونَ كَانَ وَما زَالَ على الحَالِ نَفسِها". فَلا يَجوزُ أن تَقبَلوا تلكَ الأشياء. والأشياءُ الَّتي سَتُساعِدُكُم في عَدمِ قَبولِ تِلكَ الأشياءِ هِيَ أوَّلاً: أنْ تَرجِعُوا وتَستَذكِروا في أذهانِكُم العَهدَ القَديمَ الَّذي يَصِفُهُ بأنَّهُ الأَقْوَالُ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُون.
ارجِعُوا إلى الأصحاحِ الأوَّلِ قَليلاً. ففي الأصحاحِ الأوَّلِ والعَدد 20، يَتحدَّثُ بُطرسُ عنِ العهدِ القديم. وَهُوَ يَقولُ إنَّ: "كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ [أيِ العَهدِ القَديم] لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". لِذا، يَنبغي أن تَرجِعُوا وتَقرأوا مَا تَكَلَّمَ بِهِ هَؤلاءِ الأنبياءُ القِدِّيسونَ عِندَما قَادَهُمْ الرُّوحُ القُدُسُ إلى التَّكلُّمُ بكلامِ اللهِ لأنَّكُم إذا رَجَعتُم وقرأتُم مَا كَتَبوهُ سَتقرأونَ عَنِ الدَّينونة.
وبالمُناسَبة، إنَّ السَّببَ في استِخدامِهِ للكلمة "قِدِّيسون" بَسيطٌ جدًّا. فَهُوَ يُبايِنُ بينَ هَؤلاءِ الأنبياءِ والأنبياءِ الكَذَبة. فَكَما أنَّ الفِئةَ الأولى مِنَ الأنبياءِ [أيِ الأنبياءَ الكَذَبَةَ] يَحتاجونَ إلى صِفَة، فإنَّ الأنبياءَ الحَقيقيِّينَ يَحتاجونَ إلى صِفَةٍ أيضًا. وَهُوَ يَختارُ صِفَةَ القَداسَة. فالأنبياءُ الكَذبةُ غَيرُ مُقَدَّسينَ، والأنبياءُ الحَقيقيُّونَ قِدِّيسون. وَهَذا صَحيح. فإذا رَجعتُم إلى العهدِ القديمِ وقرأتُم الكلماتِ الَّتي كُتِبَتْ آنذاكَ، أيْ قبلَ وَقتٍ طَويلٍ، مِنْ قِبَلِ الأنبياءِ القِدِّيسينَ، ستَقرأونَ عَنِ الدَّينونَةِ القادِمَة.
وكَم كُنتُ أتَمَنَّى أنْ يَسمَحَ لنا الوقتُ بِتَخصيصِ دِراسةٍ كَاملةٍ عَنْ كُلِّ مَا يَقولُهُ العهدُ القديمُ عَنِ الدَّينونَةِ الأخيرة. ولكِنَّ وَقْتَنا لا يَسمَحُ بذلك. لِذا، اسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم بِضعَ آياتٍ. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 50: 1: "إِلهُ الآلِهَةِ الرَّبُّ تَكَلَّمَ، وَدَعَا الأَرْضَ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا. مِنْ صِهْيَوْنَ، كَمَالِ الْجَمَالِ، اللهُ أَشْرَقَ. يَأتِي إِلهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ. نَارٌ قُدَّامَهُ تَأكُلُ، وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدًّا. يَدْعُو السَّمَاوَاتِ مِنْ فَوْقُ، وَالأَرْضَ إِلَى مُدَايَنَةِ شَعْبِهِ".
إنَّ هَذا المَقطَعَ يُحاكي العَديدَ مِنَ المَقاطِعِ في العهدِ القديم. فإذا نَظرتُم إلى نُبوءَةِ إشَعْياء وتَفَحَّصتُم مَا جَاءَ في الأصحاحِ الثَّالث عَشَر، ستَقرأونَ ابتِداءً مِنَ العَددِ العَاشِر: "فَإِنَّ نُجُومَ السَّمَاوَاتِ وَجَبَابِرَتَهَا لاَ تُبْرِزُ نُورَهَا. تُظْلِمُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَالْقَمَرُ لاَ يَلْمَعُ بِضَوْئِهِ. وَأُعَاقِبُ الْمَسْكُونَةَ عَلَى شَرِّهَا، وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى إِثْمِهِمْ، وَأُبَطِّلُ تَعَظُّمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَضَعُ تَجَبُّرَ الْعُتَاةِ. وَأَجْعَلُ الرَّجُلَ أَعَزَّ مِنَ الذَّهَبِ الإِبْرِيزِ، وَالإِنْسَانَ أَعَزَّ مِنْ ذَهَبِ أُوفِيرَ. لِذلِكَ أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَتَتَزَعْزَعُ الأَرْضُ مِنْ مَكَانِهَا فِي سَخَطِ رَبِّ الْجُنُودِ وَفِي يَوْمِ حُمُوِّ غَضَبِهِ".
ونَجِدُ في سِفْرِ إشَعْياء والأصحاحِ الرابعِ والعِشرينَ مَقطَعًا مُشابِهًا. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرينَ ابتِداءً مِنَ العَدد 19: "اِنْسَحَقَتِ الأَرْضُ انْسِحَاقًا. تَشَقَّقَتِ الأَرْضُ تَشَقُّقًا. تَزَعْزَعَتِ الأَرْضُ تَزَعْزُعًا. تَرَنَّحَتِ الأَرْضُ تَرَنُّحًا كَالسَّكْرَانِ، وَتَدَلْدَلَتْ كَالْعِرْزَالِ، وَثَقُلَ عَلَيْهَا ذَنْبُهَا، فَسَقَطَتْ وَلاَ تَعُودُ تَقُومُ. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الرَّبَّ يُطَالِبُ جُنْدَ الْعَلاَءِ فِي الْعَلاَءِ، وَمُلُوكَ الأَرْضِ عَلَى الأَرْضِ. وَيُجْمَعُونَ جَمْعًا كَأَسَارَى فِي سِجْنٍ، وَيُغْلَقُ عَلَيْهِمْ فِي حَبْسٍ، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَهَّدُونَ. وَيَخْجَلُ الْقَمَرُ وَتُخْزَى الشَّمْسُ، لأَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ مَلَكَ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ، وَقُدَّامَ شُيُوخِهِ مَجْدٌ". إنَّها الدَّينونَة. ويُمكِنُكُم أن تَقرأوا المَزيدَ في إشعياء 30، وإشعياء 34، وإشعياء 51، وإشعياء 64، وإشعياء 66، ودانيال 7.
ولكِنْ لِننظُر إلى عَدَدٍ مِنَ الأنبياءِ الصِّغار في عُجالَةٍ شَديدة. انظروا إلى سِفْرِ مِيْخَا. لا تَفتَحُوا عَليهِ إنْ لم تَكونُوا تَعرِفونَ مَكانَهُ. فَسوفَ أقرأُ النَّصَّ لَكُم. مِيخا 1: 4: "فَتَذُوبُ الْجِبَالُ تَحْتَهُ، وَتَنْشَقُّ الْوِدْيَانُ كَالشَّمْعِ قُدَّامَ النَّارِ. كَالْمَاءِ الْمُنْصَبِّ فِي مُنْحَدَرٍ". ونَقرأُ في سِفْرِ مَلاخي والأصحاحِ الرَّابِعِ؛ وَهُوَ أقربُ سِفْرٍ إلى العَهدِ الجَديدِ، أو آخِرُ سِفْرٍ في العهدِ القديم: "فَهُوَذَا يَأتِي الْيَوْمُ [في الأصحاحِ الرَّابعِ] الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ، وَكُلُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشًّا، وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعًا".
فالدَّينونَةُ قَادِمَة. إنَّها قَادِمَة. فَهيَ أمْرٌ مَحْتوم. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ العهدُ القديم. إذًا، إلى أيْنَ نَلتَجِئٌ للدِّفاعِ عَن عَقيدةِ المَجيءِ الثَّاني؟ وإلى أينَ نَلتَجِئُ للدِّفاعَ عَن عَقيدةِ دَينونَةِ اللهِ في النِّهايَة؟ يَجِبُ علينا أن نَذهبَ أوَّلاً إلى الكتابِ المقدَّسِ؛ وأنْ نَذهبَ في المَقامِ الأوَّلِ إلى أسفارِ العهدِ القديم. اذهَبوا إلى سِفْر صَفَنْيا والأصحاحِ الأوَّل. اذهَبُوا إلى سِفْر صَفَنْيا والأصحاحِ الثَّالث. فَهَذا التَّعليمُ مَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ في العهدِ القديم.
ولكِنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ هُنا. ارجِعُوا الآنَ إلى رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث وانظُروا أيضًا إلى مَا يَقولُهُ بُطرس. تَذَكَّرُوا لا فقط الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، بَل تَذَكَّرُوا أيضًا وَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ. مَا المَقصودُ بذلك؟ العَهد الجَديد. وَما هُوَ العهدُ الجديد؟ إنَّهُ وَصَايا الرَّبِّ والمُخَلِّصِ الَّتي وَصَلَتْ إلينا مِن خِلالِ الرُّسُلِ الَّذينَ كَتَبُوا العهدَ الجديد.
تَذَكَّرُوا رُسُلَكُم؛ أيْ أولئكَ الأشخاصَ الَّذينَ وُهِبُوا لَكُم بِنِعمَةِ اللهِ الفَائِقَةِ لأنَّهُم يُقَدِّمونَ لَكُم الحَقَّ. فَهُوَ يُشيرُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ اختارَهُم المَسيحُ [بِمَنْ في ذلكَ بُولس] الَّذينَ كَتَبُوا العهدَ الجديد. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "ادرُسُوا الرُّسُلَ الَّذينَ كَتَبُوا وَصَايا المَسيح"؛ أيِ العَهدَ الجَديد. والوَقتُ لا يَسمَحُ لَنا بالاطِّلاعِ عَلى كُلِّ مَا يَقولُهُ العهدُ الجديدُ عَنِ المَجيءِ الثَّاني والدَّينونة. ولكِنْ يَكفي أن أقولَ لَكُم مَا يَلي. هَل أنتُم مُستعِدُّونَ لِهذا؟
هُناكَ سَبعةٌ وعِشرونَ سِفْرًا في العهدِ الجديد. ويُشيرُ ثَلاثَةٌ وعِشرونَ مِنْ هذهِ الأسفارِ السَّبعةِ والعِشرينَ إلى عَودةِ الرَّبِّ صَراحَةً. ثَلاثةٌ وعِشرونَ سِفْرًا مِنْ أصْلِ سَبعةٍ وعِشرينَ سِفْرًا. وَثَلاثَةٌ مِنَ الأسفارِ الأربَعةِ البَاقِيَةِ تَحوي أصحاحًا واحِدًا فقط (وَهِيَ الرِّسالة إلى فليمون، ورِسالة يُوحنا الثَّانية، ورِسالة يوحنَّا الثَّالثة). والسِّفْرُ الرَّابعُ الَّذي لا يَتحدَّثُ صَراحَةً عَنِ المَجيءِ الثَّاني هُوَ الرِّسالة إلى أهلِ غَلاطِيَّة الَّتي تَتحدَّثُ ضِمنيًّا عَنِ المَجيءِ الثَّاني؛ بَلْ إنَّها تَتحدَّثُ عَنهُ ضِمْنِيًّا بِصورةٍ وَاضِحَةٍ جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى أهلِ غَلاطيَّة 1: 4: "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّير". فَهذهِ إشارةٌ إلى الاختطافِ وَتَحريرِنا. وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ الخَامِسِ والعَددِ الخَامِس إنَّنا: "نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ". والمَقصودُ بِذلكَ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، هُوَ عَودةُ المَسيحِ ومَجدُنا الأبديُّ.
هُناكَ مِئَتانِ وسِتُّونَ أصحاحًا في العهدِ الجديد. مِئتانِ وسِتُّون. وهُناكَ ثَلاثُمئة شَاهِدٍ على المَجيءِ الثَّاني. ويَزْخُرُ العَهدُ الجَديدُ بالتَّحذيراتِ مِنَ الدَّينونَةِ، ويَزخُرُ بمعلوماتٍ عَن مَجيءِ اللهِ ليَجمَعَ مُختاريه، ويَزخُرُ بالتَّعليمِ عن حَقيقةِ أنَّهُ سيَدينُ الأشرارَ، ويُؤسِّسُ مَلكوتَهُ، ويَأتي بالبِرِّ الأبديِّ. ويُؤكِّدُ بُطرسُ بِطريقةٍ رَائعةٍ في هذا العَددِ الثَّاني على حَقيقةِ أنَّ العهدَ القديمَ والعَهدَ الجَديدَ يُؤلِّفانِ الكتابَ المقدَّس.
وَحُجَّتُهُ الأولى هِيَ حُجَّةٌ قَائِمَةٌ على الكتابِ المقدَّسِ الَّذي يَشْهَدُ على قُوَّةِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح ومَجيئِه. لِذا، في حينِ أنَّ المُستهزِئينَ قَد يَستهزِئونَ، فإنَّ بُطرسَ يَقولُ: "اذهبوا إلى العهدِ القديم، واذهبوا إلى العهدِ الجديد. فَهذا التَّعليمَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكان". وإذا دَرستُم الكتابَ المقدَّسَ ستَجِدونَ كُلَّ مَا يَلزَمُكُم أن تَعرِفوه. فَهُوَ يُخبرُنا أنَّهُ سيَأتي مَعَ السَّحابِ، وَأنَّهُ سَيأتي بِمَجْدِ أبيهِ، وَأنَّهُ سيَأتي بِمَجدِهِ هُوَ، وَأنَّهُ سيَأتي بِلَهيبِ نَار، وَأنَّهُ سيَأتي بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ عَظيم، وَأنَّهُ سيَأتي كَما ارتَفَعَ، وَأنَّهُ سَيَأتي بِهُتافٍ، وَأنَّهُ سَيأتي مَعَ مَلائكةٍ، وسَيأتي مَعَ قِدِّيسيه، وسيأتي فَجأةً، وسيأتي على نَحوٍ غَيرِ مُتوقَّع، وسيأتي كَلِصٍّ، وسيَأتي كالبَرقِ، وَأنَّ السَّماواتِ والأرضَ ستَنْحَلُّ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهُوَ يَقولُ إنَّ الغَايَةَ مِن مَجيئِهِ هِيَ أنْ يُكَمِّلَ خَلاصَ القِدِّيسين، وَأنْ يَتَمَجَّدَ في القِدِّيسين، وَأن يُتَعَجَّب مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِين، وَأنْ يُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ، وأنْ يَدينَ، وَأنْ يَمْلِكَ، وَأنْ يُهْلِك. هذهِ هِيَ الحُجَّةُ الأولى وَحَسْب. وَهُناكَ ثَلاثُ حُجَجٍ أخرى.
الحُجَّةُ الثَّانية: يَقولُ بُطرسُ إنَّ الحُجَّةَ الثَّانيةَ الَّتي تُؤكِّدُ المَجيءَ الثَّاني هِيَ الحُجَّةُ القَائِمَةُ على التَّاريخ. وأنا أُحِبُّ ذلك. الحُجَّةُ القَائِمَةُ على التَّاريخ. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الخَامِسِ... رَكِّزُوا في مَا يَقولُهُ. فَقد قَالُوا في العَددينِ الثَّالثِ والرَّابعِ اللَّذَيْنِ دَرَسْناهُما في المَرَّةِ السَّابقة: "كُلُّ شَيْءٍ بَاقٍ هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَة". ولكِنَّ بُطرسَ يَقول: " لأَنَّ هَذَا" – ما الَّذي يُشيرُ إليهِ هُنا؟ أيْ نَظريَّةَ الاتِّساق، أو نَظريَّةَ الاطِّرادِ الَّتي تَقولُ إنَّ كُلَّ شَيءٍ بَاقٍ على حَالِهِ، وَإنَّهُ لم تَحدُث أحداثٌ كَبيرةٌ، وَإنَّ اللهَ لم يَتدخَّل بطريقةٍ كَبيرة، وَإنَّهُ لا تُوجَدُ دَينونة.
"لأنَّ هَذا [بِحَسَبِ التَّرجمةِ الأمريكيَّةِ الجَديدةِ القِياسِيَّة] يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ غَرِقَ". فَهَذا هُوَ مَغزَى كَلامِهِ في النِّهاية. ولكِنْ قبلَ أنْ يَقولَ ذلكَ فإنَّهُ يَقولُ إنَّ: "السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "اللَّوَاتِي بِهِنَّ الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهَلَكَ".
والآن، رَكِّزُوا مَعي قَليلاً، يا أحبَّائي، لأنَّكُم ستَتعلَّمونَ أمورًا عَميقةٌ وغَنِيَّةً جدًّا. فعندما يَقولونَ: "لَن يَكونَ هُناكَ مَجيءٌ ثَانٍ لأنَّهُ لم تَحْدُث أيَّةُ أحداثٍ مُفاجئةٍ مِن قَبل، ولم تَحدُث أيَّةُ كَارِثَة مِن قَبل. فكُلُّ شَيءٍ يَسيرُ كَما هِيَ الحَالُ دَائِمًا. "لأَنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ". الحَقيقةُ هِيَ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ تَرجَمُوا هذهِ العِبارَةَ كَانُوا مُهَذَّبينَ جِدًّا. مُهَذَّبينَ جِدًّا. فالنَّصُّ اليُونانِيُّ يَقولُ: "لأنَّهُم أَغْمَضُوا أعيُنَهُم عَنِ الحَقائِق". وَهذهِ تَرجمةٌ مُختلفةٌ جِدًّا. وأنا أُحِبُّ مَا تَقولُهُ التَّرجمةُ المُعتمدة؛ أيْ تَرجمةُ المَلِك جيمس القَديمة إذْ نَقرأ: "لأنَّ هَذا يَخْفَى عَليهم بإرادَتِهم".
فَهذا الأمرُ لا يَخْفَى عَليهم، بَلْ إنَّهُم أغلَقُوا أعيُنَهُم عَنِ الحَقائِقِ قَائِلين: "لا تُشَوِّشُونا بالحَقائِق". فَهُوَ جَهْلٌ مُتَعَمَّدٌ، ونِسْيانٌ مُتَعَمَّد. لِماذا؟ لأنَّهُم يُحِبُّونَ شَرَّهُم، ويُحِبُّونَ خَطاياهُم، ويُحِبُّونَ شَهَواتِهم، ولا يُريدونَ أن يَعرِفُوا الحَقَّ، ولا يَرغَبونَ في الفَضيلة. لِذا فإنَّهُم لا يُريدونَ أيَّةَ دَينونَةٍ، وَلا يُريدونَ أنْ يَعودَ المَسيحُ. لِذا فإنَّهُم يَبْتَدِعونَ نِظامًا يَقولُ إنَّهُ لَن يَعودَ. وَهَذا يَقودُهُم إلى نَظريَّةِ الاتِّساقِ أوِ الاطِّراد.
ولكِنْ هَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ لا بُدَّ أنَّهُم أغلَقُوا أعيُنَهُم عَنْ حَدَثَيْنِ تَاريخِيَّيْنِ عَظيمَيْنِ ومُفاجِئَيْنِ يَنْقُضانِ تَمامًا نَظريَّةَ النُّشوءِ ونَظريَّةَ الاتِّساق. وَقد تَقولُ: "وَما هُما؟ مَا الحَدَثانِ اللَّذانِ أَغْلَقُوا أعيُنَهُم عَن رُؤيَتِهِما؟" الحَدَثُ الأوَّلُ هُوَ الخَلْق... الخَلْق. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يُغلِقونَ أعيُنَهُم طَوْعًا عَن حَقيقةِ أنَّ العَالَمَ خُلِقَ بكلمةِ اللهِ؛ لا بنظريَّةِ الاتِّساقِ أوِ النُّشوءِ، وَلا لأنَّهُ كَانَ يُوجَدُ شَيءٌ مُؤلَّفٌ مِن خَليَّةٍ واحِدَةٍ ويَعيشُ في بِرْكَةِ مَاءٍ في مَكانٍ مَا فقال: "أعتقدُ أنِّي سَأنقسمُ إلى خَلِيَّتَيْنِ" فَخُلِقَ الكَون. بَلْ إنَّ السَّماواتِ خُلِقَتْ بكلمةِ اللهِ مُنذُ القَديمِ، وَإنَّ الأرضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَة مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ.
فَهُوَ يَقولُ إنَّ الخَلْقَ كَانَ تَدَخُّلاً هَائِلاً وَمُفاجِئًا مِنَ الله. فالخَلْقُ حَدَثَ لأنَّ اللهَ تَدَخَّلَ في العَالَم. فَهُوَ لم يَحدُثُ بسببِ نَظريَّةِ الاتِّساق، بَلْ بِسَبَبِ حَدَثٍ هَائِلٍ، أو حَدَثٍ عَظيمٍ مُفاجِئٍ، أوْ خَلْقٍ مُباغِت. فَالأشياءُ لا تَسيرُ على نَفسِ المِنوالِ وتَتطوَّر. لا، البَتَّة. بَلْ إنَّهُ بكلمةِ اللهِ، وقُدرتِهِ على الخَلْقِ، وهَيمَنَتِهِ، وسِيادَتِهِ، وَحِفْظِهِ، تَمَّ خَلْقُ الخَليقَة.
والآن، لا شَكَّ في أنَّ هَذا الكَلامَ يُناقِضُ جدًّا كَلامَ المُعَلِّمينَ الكَذَبةَ الَّذينَ لا يُريدونَ إلهًا. فَهُمْ لا يُريدونَ إلهًا يَدينُهُم على خَطاياهُم. وإنْ كَانُوا يُؤمِنونَ باللهِ... مَعَ أنَّهُ كَانَ يَنبغي لَهُم أن يُؤمِنوا بِهِ لأنَّهُم كانُوا في الكَنيسة. ولكِنْ إنْ كَانُوا يُؤمِنونَ بوجودِ اللهِ، فإنَّهُم يُؤمِنونَ بأنَّهُ لا يَتَدَخَّلُ في الخَليقَة. وَبُطرسُ يَقولُ إنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِم. لِنَنظُر إلى العَددِ الخَامِس. فَهُوَ عَددٌ مُدهِش. فَهُوَ يَقولُ: "لأَنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيم". فالسَّماواتُ كَانَتْ مُنذُ القَديم. والآن، تَابِعُوا هذهِ الفِكرةَ بِتَركيزٍ شَديد. مُنذُ القَديم، كَانَتْ هُناكَ سَماوات. حسنًا؟ وهذهِ السَّماواتُ لم تُوجَد بِسَببِ النُّشوء، بَلْ وُجِدَتْ بِكَلمةِ الله. هَل تَفهمونَ ذلك؟ فَاللهُ خَلَقَها بكلمةٍ مِنهُ. فَاللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَها.
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ جُملةً مُدهشة. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ بَعدَ أنْ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ فإنَّهُ خَلَقَ الأرضَ. وَقد خَلَقَها هَكذا: "وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ". هَل تَعلمونَ ذلك؟ هَل تَعلَمونَ أنَّ الأرضَ قَائمةٌ مِنَ المَاءِ وبالماء؟ وَقد تَقول: "مَا مَعنى ذلك؟" إنَّهُ يَعني أنَّ الأرضَ كانَتْ كُتلةً مَائيَّةً عَشوائيَّةً في البِداية. لِذا، فَقَد خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ بِكلمةٍ مِنهُ. والكلمةُ العِبريَّةُ تَستخدِمُ دَائِمًا صِيغَةَ الجَمْعِ. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَستخدِمُ في النَّصِّ اليُونانِيِّ صِيغَةَ الجَمْعِ أيضًا لأنَّ اليَهودَ يُشيرونَ إلى السَّماءِ دَائِمًا بصِيغَةِ الجَمْع. لِذا، عِندَما وُجِدَتِ السَّماواتُ قبلَ وَقتٍ طَويلٍ، كَانَ اللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَها بكلمةٍ مِنهُ. وفي الوَقتِ نَفسِهِ فإنَّ الأرضَ خُلِقَتْ مِنْ كُتلةٍ مَائيَّة.
والآن، لكي تَفهُموا ذلكَ، يَجِبُ عليكُم أن تَرجِعُوا إلى الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْر التَّكوين. لِنَرجِع إليه. سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل. وَمَا يَقولُهُ في العَددِ الأوَّلِ بَسيطٌ جدًّا: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض". أَلاَ يُشبهُ هَذا مَا قَالَهُ بُطرس؟ فَقد قالَ إنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ، ثُمَّ خَلَقَ الأرضَ مِن كُتلةٍ مَائيَّة. وَحَتَّى إنَّهُ يُخبرُنا عَنها. وَهَذا مُدهشٌ حقًّا.
استَمِعُوا إلى مَا يَقول. فَهُوَ يَقولُ: "وَكَانَتِ الأَرْضُ [عندما ابتدأَ اللهُ في خَلْقِها] ’تُوهُو‘ وَ ’بُوهُو‘" وَهُما كَلِمتانِ عِبريَّتانِ تُتَرْجَمانِ هَكذا: "خَرِبَةً وَخَالِيَةً". فَقد كَانَتْ في حَالَةِ فَوضَى. وَقد تَقول: "وَما المَادَّةُ الَّتي خُلِقَتْ مِنها؟ مَاذا دَعَا بُطرسُ المَادَّةَ الَّتي خُلِقَتْ مِنها الأرض؟ مَاذا دَعَاهَا؟ المَاء. وَكانَ هَذا المَاءُ مَوجودًا في السَّماواتِ الَّتي كانت شَيئًا مُظْلِمًا. وَقد تَقول: "وكيفَ تَعلَمُ أنَّهُ كَانَ مُظلِمًا؟" لأنَّ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ العَددُ الثَّاني: "وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ". تَوَقَّفُوا هُنا.
إذًا، نَرى هُنا أنَّ هذهِ الكُتلةَ المَائيَّةَ الَّتي لا هَيئةَ لَها وَلا شَكلَ لَها كانت مُظلِمَة. وبالمُناسَبة، إذا دَرستُم بعنايةٍ أيَّامَ الخَلْقِ السِّتَّة سَتَجِدونَ أنَّ الأيَّامَ الثَّلاثةَ الأولى تَتحدَّثُ عَن إعطاءِ تِلكَ الكُتلةِ شَكلاً، وَأنَّ الأيَّامَ الثَّلاثةَ الثَّانيةَ تَتحدَّثُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ عَنْ مَلْءِ ذلكَ المَكانِ الخَالِي. فَفي الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ الأيَّامِ الثَّلاثةِ الأولى، يُعطي اللهُ تِلْكَ الكُتلةَ شَكْلاً، ثُمَّ إنَّهُ يَبتدئُ في خَلْقِ الكَائِناتِ ابتداءً مِنْ نِهايةِ اليومِ الثَّالثِ إلى اليَومِ السَّادسِ لِمَلْءِ ذلكَ المَكانِ الخَالِي. لِذا فقد كانت الأرضُ في البِدايةِ خَرِبَة.
وفَجأةً، يَعملُ اللهُ شَيئًا. انظروا إلى ذلكَ في العَددِ الثَّاني: "وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاه". نَقرأُ هُنا مَرَّتَيْنِ أنَّ تلكَ الكُتلةَ المَائيَّةَ كَانَ لَها "وَجْه"... وَجْه. فالمِياهُ لم تَكُن مُجَرَّدَ كُتلةٍ مَائيَّة، بَلْ كَانَ لَها وَجْه. وَإنْ كَانَ لَها وَجْهٌ، لا بُدَّ أنَّهُ كانَ لَها شَكْل. فقد شَكَّلَها اللهُ على هَيئةِ دَائِرة. وَنَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَنْ خَلْقِ الجَاذبيَّة. فَقَدْ ثَبَّتَ اللهُ تِلكَ الدَّائرةَ في مَكانِها بأنْ خَلْقَ الجَاذبيَّة. وقد أخذَتْ تِلْكَ الكُتلةُ المَائيَّةُ شَكْلَ دَائرةٍ. فَقد جَعَلَ جُزيئاتِ الماءِ تَتماسَكُ مَعًا. لِذا فقد صَارتْ هذهِ الكُتلةُ المَائيَّةُ دَائرةً.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّ اللهَ يَقولُ في سِفْرِ الأمثال 8: 27: "لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ". فقد كانت كُتلةً لا شَكْلَ لَها فَجَعَلَها على شَكْلِ دَائرةٍ، ثُمَّ استَخدَمَ الجَاذبيَّةَ الَّتي خَلَقَها خِصِّيصًا لكي يَصنَعَ تلكَ الدَّائرةَ ويُعطيها شَكلاً فَصارَتْ دَائرةً تُعْرَفُ بِدائرةِ الأرض. إذًا، صَارَتْ هُناكَ جَاذبيَّة، وَصارَتْ هُناكَ هَيْئَةٌ للكُتلةِ المَائيَّةِ في العَددِ الثَّاني. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثالث: "وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ". ففجأةً، صَارَ هُناكَ نُورٌ.
لَم تَكُن هُناكَ أيَّةُ أَجْرامٍ سَماوِيَّة، ولم تَكُن هُناكَ أيَّةُ نُجوم، ولم تَكُن هُناكَ شَمسٌ، ولم يَكُن هُناكَ قَمَرٌ، بَلْ كَانَ هُناكَ نُوْرٌ وَحَسْب. فَقد تَمَّ خَلْقُ الطَّيْف، أيْ أنَّ كُلَّ الأشِعَّةِ الَّتي يَتألَّفُ مِنها الطَّيفُ قَد خُلِقَتْ آنَذاك؛ أيْ كُلَّ المَوجاتِ والأشِعَّةِ والأشياءِ الَّتي تُؤلِّفُ النُّور.
ثُمَّ إنَّهُ يَنتقلُ إلى الأرضِ في العَددِ السَّادس: "وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ»". ماذا؟ لَقد قالَ اللهُ: أريدُ أن أفعلَ شَيئًا. أريدُ أن آخُذَ جُزءًا مِنَ المِياهِ المَوجودةِ في هذهِ الكُتلةِ المَائيَّةِ وَأنْ أجذِبَها إلى أعلى. وأريدُ أن أترُكَ جُزءًا مِنها هُنا في تِلْكَ الدَّائرة. وأريدُ أن أصنَعَ جَلَدًا بينَ الاثنين".
لِذا فقد صَارتْ هُناكَ كُتلةٌ مَائيَّةٌ، وَصارَ هُناكَ جَلَدٌ فَاصِلٌ، وَصارَ هُناكَ مَاءٌ في شَكْلِ قُبَّةٍ تُحيطُ بِهِ. فَقد كانت هُناكَ قُبَّةٌ مَائيَّةٌ تُحيطُ بالأرض. وَهَذا يَصِفُ السَّماواتِ الَّتي قَالَ بُطرسُ إنَّها كَانَتْ مُنذُ القَديم. فَاللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَها. وَقد فَعَلَ كُلَّ هَذا في بِضْعَةِ أيَّام. وَاليَومُ لا يَعني بالضَّرورةِ يَومًا مُؤلَّفًا مِن أربعٍ وعشرينَ سَاعَة، بَلْ رُبَّما كَانَ مُؤلَّفًا مِن ثَلاثةٍ وعِشرينَ سَاعةٍ وَعَددٍ مِنَ الدَّقائِق. ولكنَّ اللهَ خَلَقَها بِكَلِمَةٍ مِنه. لِذا فقد صَارَتْ لَدينا السَّماواتُ الَّتي خُلِقَتْ مُنذُ القَديمِ، وَهِيَ مُنيرة. وَصارَتْ تُوجَدُ قُبَّةٌ مَائِيَّةٌ في الأعلى، وَجَلَدٌ أو جَوٌّ في الوَسَط، وَكُتلةٌ مَائيَّةٌ لَها سَطْحٌ ومُتماسِكَةٌ مَعًا بواسطةِ تلكَ الدَّائرة. "وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً" في العَددِ الثَّامن. وقد فَعَلَ كُلَّ هَذا في اليومِ الثاني.
ولكِنَّهُ لم يَنْتَهِ بَعْد. فهو لم يَنْتَهِ بَعد. وبالمُناسبة، قَد يَهُمُّكُم أن تَعرفوا أنَّ الكلمةَ العِبريَّةَ الَّتي تُتَرْجَم "سَماوات" مُرتبطة بالكلمةِ العِبريَّةِ الَّتي تُتَرجَم "مِياه" لأنَّ السَّماءَ الَّتي خُلِقَتْ في البِدايةِ كَانَتْ تَحوي مَاءً. ونَحنُ نَفهَمُ ذلكَ الآن لأنَّ سَمَاواتِنا الآنَ تَحوي مَاءً. ولكِنَّ القُبَّةَ كَانَتْ مَوجودةً وتُحيطُ بالأرض. ونَقرأُ في العَددِ التَّاسع: "وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ..." – مَا المَقصودُ بذلك؟ أيِ الكُتلة المَائيَّة الموجودة في شَكلٍ دَائِريّ.
فهو يَقول: "لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ". وفجأةً، ظَهرتِ اليابِسَةُ في الكُتلةِ المَائيَّةِ وابتدأت تَظهرُ في كُلِّ مَكان. كَما أنَّ المِياهَ ابتدأت في التَّجَمُّعِ في الأنهارِ والبُحيراتِ والبِحار. وابتدأتِ الأرضُ تَتَشَكَّل. فقد اجتَمَعَتِ المِياهُ السُّفليَّةُ عندما خَلَقَ اللهُ اليَابِسَة.
هذا هُوَ مَا حَدَث. فقد أخذَ "تُوهُو" وَ "بُوهو" وَأعطاها شَكلاً، وسَحَبُ جُزءًا مِنَ المَاءِ الَّذي يُحيطُ بالكُرةِ الأرضيَّةِ كَقُبَّة. وَقَد تَرَكَ جَلَدًا أو فَراغًا بينَ القُبَّةِ والسَّطح. وعلى سَطْحِ هذهِ الكُتلةِ المَائيَّةِ أَوْجَدَ يَابسةً وَجَعَلَها على ارتفاعاتٍ مُختلفة، وجَعَلَ المِياهَ تَندفعُ نَحوَ الأوديةِ الكَبيرةِ، وفَصَلَ البَحرَ عَنِ اليَابِسَة.
وَهل تَعلمونَ مَاذا قالَ عَنها؟ نَقرأُ في العَددِ العَاشِرِ أنَّها مَاذا؟ "وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ". والحَقيقةُ هِيَ أنَّها كانت أكثرَ مِنْ حَسَنَة يا أحبَّائي. فاللهُ هُوَ سَيِّدُ التَّواضُع. فقد كانت أكثر مِنْ حَسَنَة، بَل كانَت كَاملةً، بَل كَاملةً جدًّا. وهي مَكانٌ مُناسبٌ جدًّا يُمكنُ للإنسانِ أن يَعيشَ فيه. وهُناكَ قُبَّةٌ تُحيطُ بالأرضِ وتَحميها تَمامًا مِنَ الأشِعَّةِ فَوق البنفسجيَّة - تَمامًا. فهي بيئةٌ كاملةٌ جدًّا... كَامِلَة. وَقَد عَاشَ الإنسانُ في ذلكَ العالَمِ الَّذي خُلِقَ مُنذُ القَديم.
ومَا مَدى حُسْنِ الأرض؟ اقرأوا الأصحاحَ الخامِسَ مِن سِفْر التَّكوين، حَتَّى بعدَ السُّقوط. ولكِنْ لا تَقرأوهُ الآنَ مِن فَضلكم. فَهُوَ سِلسلةُ أنسابٍ! أنتُم مُطيعونَ جدًّا! اقرأوهُ في البيت. ولكن انظروا وَحَسْب إلى عُمْرِ الإنسانِ آنذاك. فقد كانَ مُتَوَسِّطُ عُمرِ الإنسانِ في تلكَ اللاَّئِحَةِ يَزيدُ عَن 900 سَنة، رُبَّما 910 سِنين. لماذا؟ لأنَّهُ لم يَكُن هُناكَ نُورٌ مُباشِرٌ مِنَ الشَّمس. فقد كانتِ القُبَّةُ تُغَطِّي الأرض. ولم يَكُن هُناكَ مَطَر، ولم تَكُن هُناكَ شَمس، بَلْ نَقرأُ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ ضَبابٌ يَطلَعُ مِنَ الأرضِ ويَسقي جَنَّةَ عَدْن. وكانتِ المياهُ المَوجودةُ في هذهِ القُبَّةِ الرَّائعةِ تُنَقِّي كُلَّ الأشِعَّةِ فَوقِ البَنفسجيَّةِ الضَّارَّةِ للشَّمس وَتُروي الأرضَ بطريقةٍ جَميلةٍ مِن خِلالِ النَّدَى. فقد كانت بِيئةً كَاملة. وكانَ النَّاسُ يَعيشونَ أكثرَ مِن 900 سنة في المُتوسِّط.
ولكِنْ حَتَّى في تِلكَ البيئةِ الكَاملةِ الَّتي خَلَقَها اللهُ، لا مِن خِلالِ النُّشوءِ المُطَّرِد، بَلْ مِن خِلالِ الخَلْقِ المُباشِرِ في ثَلاثةِ أيَّام، وَمَعَ أنَّهُ مَلأَها في الأيَّامِ الثَّلاثةِ الَّتي أَعْقَبَتْها إذْ إنَّهُ مَلأَ الأرضَ الخَرِبَةَ، أوِ البُوهو، أوِ الأرضَ الخَاليةَ، مَلأها بالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ والأسماكِ والبَشَر، حَتَّى في تِلكَ البِيئةِ الكَاملةِ، سَقَطَ الإنسانُ في الخطيَّة. وقد نَظرَ اللهُ إلى العالَمِ بعدَ وَقتٍ ليسَ بالطَّويلِ... فقد نَظرَ إلى العالَمِ في سِفْر التَّكوين 6: 5 وَرَأَى أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ وقالَ: "سَوفَ أُهْلِكُ كُلَّ شَيء".
وكيفَ سيُهلِكُهُ؟ سَوفَ يَستخدِمُ... سَوفَ يَستخدِمُ ذَاتِ الشَّيءِ الَّذي خَلَقَهُ مِنْهُ لإهلاكِه. وَما هُوَ؟ المَاء. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ... ارجِعُوا الآنَ إلى رِسالة بُطرس الثانية والأصحاحِ الثَّالث. فبُطرسُ يَقولُ مَا يَلي: "أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ"، ثُمَّ في العَددِ السَّادس: "اللَّوَاتِي بِهِنَّ الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهَلَكَ". فقد أَهْلَكَ اللهُ العالَمَ بالماءِ المُحيطِ بِه.
اسمَعُوا مَا يَلي. اسمَعُوا مَا سَأقول. لقد وَضَعَ اللهُ في خَليقَتِهِ وَسيلَةَ هَلاكِه. أَلاَ لاحَظْتُم أيضًا مِن فَضلِكُم مَا يَقولُهُ بُطرس: " اللَّوَاتِي بِهِنَّ الْعَالَمُ الْكَائِنُ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَهَلَكَ". فَهُوَ لا يَقولُ "الأرضَ"، وَلا يَتحدَّثُ عَنِ العَالَمِ المَادِّيِّ، بَلْ يَتَحَدَّثُ عَنِ النِّظامِ العَالَمِيِّ. فَهُوَ مَادِّيٌّ جُزئيًّا، ولكِنَّهُ يَتحدَّثُ لا فقط عَنِ التُّرابِ لأنَّ الأرضَ نَفسَها لم تَزول، بَلْ يَتحدَّثُ أيضًا عَنِ النِّظامِ السَّائِدِ في الأرض. وَهَذا يُشيرُ إلى القُبَّةِ الموجودةِ في الأعلى، والمَاءِ في الأسفل، والسَّماواتِ في المُنتصف، والحَياةِ الطَّويلة، وكُلِّ النَّدَى الَّذي يَسقي الأرضَ، والقُدرةِ الهائلةِ الَّتي تَتمتَّعُ بها الأرضُ لِكَونِها مُسْتَنْبَتًا يَنمُو فيهِ كُلُّ شَيءٍ بِكَميَّاتٍ كَبيرة، وَهَلُمَّ جَرَّا.
وبالمُناسبة، هَذا هُوَ الوقتُ الَّذي ظَهَرَتْ فيهِ الدَّيناصُورات. فَقد ظَهَرَتْ في حِقْبَةِ مَا قَبلَ الطُّوفان، وَكَبِرَتْ وَنَمَتْ. ولكِنَّ ذلكَ النِّظامَ القَديمَ، وتِلكَ القُبَّةَ القَديمة، وذلكَ النِّظامَ القَديمَ للحَياةِ يُوْصَفُ في اللُّغَةِ اليُونانيَّةِ بأنَّهُ "أبولومي" (apollumi)؛ أيْ أنَّهُ "هَلَك". فَقد فَاضَ عَليهِ المَاء. والكلمةُ "فَاضَ"... استَمِعُوا إلى هذهِ الكلمة... إنَّها "كاتاكلوتزو" (katakluzo). هَل تَبدو مَألوفَةً؟ إنَّها تُشيرُ إلى طُوفانٍ مُباغِت، وتَعني أنَّ المَاءَ فَاضَ تَمامًا أو غَمَرَ الأرضَ تَمامًا. واللهُ هُوَ الَّذي فَعلَ ذلك.
وكيفَ فَعلَ ذلك؟ كانت هُناكَ مِياهٌ كَثيرةٌ جدًّا في كُلِّ مَكانٍ حَتَّى إنَّ الأمرَ لم يَكُن صَعبًا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين 7: 11: "فِي سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِى، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ". فقد انفجرتِ القُبَّةُ المَائيَّةُ مِن فَوق، وانفجرت اليَنابيعُ والمِياهُ الجَوفيَّةُ وكُلُّ مَصادِرِ المِياهِ، واندفعتِ المِياهُ بِقُوَّةٍ هَائلةٍ مِن مَركَزِ الأرضِ إلى أعلى، ونَزَلَتِ المِياهُ بِكَمِّيَّاتٍ هَائلةٍ مِنَ السَّماء.
ونَقرأُ في العَددِ الثَّاني والعِشرين مِنَ الأصحاحِ السَّابعِ مِن سِفْر التَّكوين عَمَّا حَدَثَ على تلكَ اليَابِسَة: "كُلُّ مَا فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاةٍ مِنْ كُلِّ مَا فِي الْيَابِسَةِ مَاتَ". فقد مَحَا اللهُ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ على سَطْحِ اليابسةِ أوِ الأرض. فَقد حَدَثَ طُوْفانٌ في كُلِّ العَالَمِ لأنَّهُ كَانَتْ هُناكَ قُبَّةٌ تُحيطُ بالأرضِ كُلِّها. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامنِ والعَددِ الثَّاني: "وَانْسَدَّتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ وَطَاقَاتُ السَّمَاءِ، فَامْتَنَعَ الْمَطَرُ مِنَ السَّمَاءِ". فَقد استَخدمَ اللهُ المَاءَ في الأسفل بأنْ جَعَلَهُ يَنْفَجِر إلى أعلى ويَفيضُ في كُلِّ مَكان، وَجَعَلَ المَاءَ يَهْطُلُ مِنَ السَّماءِ بِغَزارَةٍ شَديدةٍ على الأرض. لِذا فقد انفجرَ المَاءُ مِن كُلِّ مَكان. وَقد كانت هذهِ دَينونَة. فقد هَلَكَ العَالَمُ كُلُّهُ.
لِذا، لا تَقولوا إنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَة. لا! هَذا غيرُ صَحيح. فَنَحنُ لا نُؤمِنُ بالنُّشوءِ المُطَّرِد، بَل نُؤمِنُ بأنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ هَذا في ثَلاثةِ أيَّام، بَل في أَقَلِّ مِن ثَلاثةِ أيَّامٍ في الحَقيقة. ثُمَّ إنَّ اللهَ عَمِلَ في لَحظةٍ على مَحْوِ السَّماواتِ والأرضِ الأوَّلَيْن. فَنَحنُ نَعيشُ الآنَ، يا أصدقائي، في السَّماءِ الثَّانيةِ والأرضِ الثَّانية. فَهُوَ نِظامٌ مُختلف. فَلا أحدَ يَعيشُ أكثرَ مِن 900 سَنة، وَلا حَتَّى فَترةً قَريبةً مِن ذلك. فَالكِتابُ يَقولُ إنَّ الإنسانَ يَعيشُ "سَبعينَ سَنَة". لِذا فإنَّنا نَعيشُ في السَّماءِ الثَّانيةِ والأرضِ الثَّانية. وَنَحنُ نَنتظرُ مَاذا؟ سَماءً ثَالثةً وَأرضًا ثَالِثَة. ولكِنَّ المُعَلِّمينَ الكَذبةَ وأنصارَ نَظريَّةِ الاطِّرادِ يُنْكِرونَ عَمْدًا الطُّوفان.
وبالمُناسَبة، قَد يَهُمُّكُم أن تَعرِفُوا بِدافِعِ الفُضولِ أنَّ عُلماءَ الآثارِ يَدرُسونَ العالَمَ. وفيما هُمْ يَدرُسونَ الحَضاراتِ القَديمةَ والعالَمَ القَديمَ وَجَدُوا أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ لَدى الأشورِيِّينَ والبابِليِّينَ والمِصريِّينَ قِصَصًا عَنِ الخَلْقِ تَتحدَّثُ عَنْ وُجودِ بَحْرٍ بِدائِيٍّ نَشَأَ مِنهُ الكَونُ في الأصل. وَهَذا يَعني أنَّ حَتَّى تِلكَ البِلادَ الوَثنيَّةَ تَأثَّرَتْ بالقِصَّةِ الحَقيقيَّة. وكانَتْ تُوجَدُ لَدى العَديدِ مِن تِلكَ الشُّعوبِ قِصَصٌ عَنْ طُوفانٍ كَونِيٍّ هَائِلٍ في تُراثِهِم وَتَقاليدِهم.
وَإذا نَظرتُم إلى سِجِلِّ الأحافيرِ اليوم، ونَظرتُم إلى طَبقاتِ الأرضِ، يُمكِنُ تَفسيرُ ذلكَ كُلَّهُ مِنْ خِلالِ ذلكَ الطُّوفانِ العَنيفِ المُفاجِئ. فَهُوَ كَارِثَةٌ جَعَلَتْ عَالَمَنا على الصُّورةِ الَّتي هُوَ عليها، وليسَ نَظريَّةَ الاطِّراد... ليسَ نَظريَّةَ الاطِّراد. فَإنْ أَلقيتَ وَرَقَةَ شَجَر في حَديقةِ بَيتِكَ، وَهَذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ وَحَسْب، كَمِ الوقتُ اللاَّزِمُ لكي تَصيرَ أُحْفُورًا؟ كَم؟ إنَّها لَن تَصيرَ أُحْفُورًا. فَإنْ طَرَحْتَ وَرَقَةَ شَجَر في حَديقَةِ بَيتِكَ وَحَدَثَ زِلزالٌ هَائِلٌ، وانشَقَّتْ حَديقةُ بَيتِكَ وَبَلَعَتْ تِلكَ الوَرَقَة، قَد تَصيرُ تِلكَ الوَرَقَة أُحْفورًا. فالطُّوفانُ، لا نَظريَّةُ الاطِّرادِ، هُوَ الَّذي يُفَسِّرُ سِجِلَّ الأحافيرِ وطَبقاتِ الأرض.
لِذا فقد كانَ المُعَلِّمونَ الكَذَبَةُ يَرفُضونَ أن يَقبَلوا التَّاريخَ الحَقيقيَّ. وَقَدْ عَمِلُوا عَلى تَحريفِ التَّاريخ. فَهُم يَبْتَدِعونَ تَاريخًا خَاصًّا بِهِم يَخْلُو مِنَ التَّدَخُّلِ الإلهيِّ لكي يَعيشوا كَما يَحلُو لَهُم. وَلكِنَّ الأشياءَ لم تَستَمِرّ على نَفسِ الوَتيرة، بَلْ إنَّ دَينونَةً هَائلةً حَلَّتْ على العَالَمِ كُلِّهِ، وَسَوفَ تَحِلُّ دَينونَةٌ أخرى عليهِ في المُستقبل.
انظُروا إلى العَددِ السَّابع. لا بُدَّ أن أُعَلِّقَ على هَذا العَدَد. فالسَّماواتُ والأرضُ الحَاليَّةُ تَختَلِفُ عَن تلكَ الَّتي كَانَتْ مَوجودَةً مُنذُ القَديم. "وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الْكَائِنَةُ الآنَ، فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً..." [لأيِّ شَيء؟] "...لِلنَّار" وليسَ للمَاء. هَل تَذكُرونَ قَوْسَ قُزَح؟ مَا الَّذي يَرْمِزُ إليه؟ إنَّهُ يَرمِزُ إلى أنَّ اللهَ لَن يُهْلِكَ العالَمَ مَرَّةً أخرى بالماء. لِذا فإنَّهُ مَحفوظٌ الآنَ لكي يَهْلِكَ بِماذا؟ بالنَّارِ "إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّار".
لِذا فإنَّ النِّظامَ العَالَمِيَّ الحَالِيَّ مَحفوظٌ لدَينونَةٍ مُستقبليَّة. وتِلكَ الدَّينونَةُ المُستقبليَّةُ ستَأتي بِكلمةِ اللهِ على غِرارِ الدَّينونةِ السَّابقةِ الَّتي حَدَثَتْ، وَعلى غِرارِ مَا حَدَثَ عِنْدَ الخَلْق. فاللهُ سيَفعلُ ذلكَ بكلمةٍ مِنه. فَهُوَ الخَالِقُ، وَهُوَ المُهْلِك. ولكِنَّهُ سيَفعلُ ذلكَ في المَرَّةِ القَادِمَةِ بِواسِطَةِ النَّار. فَهِيَ مَحفوظَةٌ للنَّار. والكلمة "مَحفوظَة" أوْ "مَخْزُونَة" هِيَ تَرجمة للكلمة اليُونانِيَّة "ثيساريتزو" (thesaurizo) الَّتي اشتُقَّتْ مِنها الكلمة الإنجليزيَّة "ثيسورَس" (thesaurus) ومَعناها: "خَزينَة" أو "مُستودَع".
فالعَالَمُ يَنتظِرُ الهَلاكَ بالنَّار. فَقد هَلَكَ مَرَّةً بالماءِ، وسيَهلِكُ مَرَّةً أخرى بالنَّار. وعندما تَقرأونَ عَنِ الدَّينونةِ المُستقبليَّةِ للعالَم، وعندما تَقرأونَ عَنِ المَجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيحِ، غَالِبًا مَا تَقرأونَ عَنِ النَّار. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إشَعْياء والأصحاحِ الثَّالث عَشَر أنَّهُ عندما تَهْلِكُ بَابِل أخيرًا فإنَّها ستَهلِكُ كَما هَلَكَتْ سَدوم وعَمُورَة. وَكيفَ هَلَكَتا؟ بالنَّارِ والكِبريت.
ويَقولُ النَّبِيُّ إشَعْياء أيضًا، وَهُوَ يَقولُ الكَثيرَ عَنِ الدَّينونَةِ، ويَقولُ أشياءً كَثيرةً يُمكِنُنا أن نَتَعَلَّمَ مِنها الكَثير، ولكِنَّهُ يَقولُ في الأصحاح 66 والعَدد 15: "لأَنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ بِالنَّارِ يَأْتِي، وَمَرْكَبَاتُهُ كَزَوْبَعَةٍ لِيَرُدَّ بِحُمُوٍّ غَضَبَهُ، وَزَجْرَهُ بِلَهِيبِ نَارٍ" (سِفْر إشَعْياء 66: 15). كَذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في سِفْر مَلاخي 4: 1 عَنِ النَّار، ونَقرأُ في سِفْر مِيخا 1: 4 عنِ النَّار، ونَقرأُ في سِفْر دانيال 7: 9 و10 عنِ النَّار. وفي إنجيل مَتَّى 3: 11 و12، قَالَ يُوحَنَّا المَعمَدان إنَّ المَسيحَ سيَأتي، وَإنَّهُ سَيأتي بِنار. ونَجِدُ في الرِّسالةِ الثانيةِ إلى أهلِ تسالونيكي 1: 7 و8 وَصْفًا دَقيقًا جدًّا لِذلك. اسمَعوا مَا يَقول: "...عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ". فَفي المَرَّةِ القادِمَةِ، سَيَهلِكُ العَالَمَ بِنار.
والآن، نَحنُ نَعرِفُ كَيفَ يُمكِنُ لذلكَ أن يَحدُث. فالسَّماءُ لم تَعُد مُمتلئة بالماءِ الآن، بَلْ مُمتَلِئَة بِماذا؟ بِكُراتٍ مِنْ نَار. أليسَ كذلك؟ فَهِيَ مُمتلئةٌ بِنَارٍ مُحْرِقَةٍ بِسَببِ وُجودِ النُّجومِ والشَّمس. فالنَّارُ يُمكِنُ أن تَأتي مِن فَوق إلى أسفَل. وَهُناكَ طَريقةُ أخرى يُمكِنُ فيها للنَّارِ أن تَأتي أيضًا وَهِيَ مِن خِلالِ انشِطارِ الذَّرَّاتِ إذْ إنَّ انفِجارًا نَوَوِيًّا يَستطيعُ أن يَحرِقَ الأرضَ والسَّماوات. أليسَ كذلك؟ فَحالَما تَبتَدِئُ سِلسِلَةُ التَّفاعُلاتِ الَّتي تَشْطرُ الذَّرَّاتِ فإنَّها قَادِرَةٌ على تَدميرِ الكَونِ كُلِّهِ بِنارٍ عَظيمَةٍ لا يُمكِنُنا أن نَستوعِبَها أو أن نَصِفَها.
وَقد تَأتي النَّارُ مِن أسفَل. فَجَوفُ الأرضِ مُمتَلِئٌ بِنارٍ تُقَدَّرُ حَرارَتُها بِنَحوِ 6870 درجة مِئويَّة. وَهُناكَ قِشْرَةٌ أرضيَّةٌ رَقيقَةٌ لا يَزيدُ سُمْكُها عَن 15 كيلومترًا تَفصِلُنا عَن تِلكَ النَّار. وبينَ الحينِ والآخر، تَخرُجُ تِلكَ النَّارُ ونَرى قُدرَتَها التَّدميريَّةَ مِن خِلالِ الحِمَمِ البُركانِيَّةِ المُنصهِرَة. وبالمُناسَبَة، يُمكِنُ لِتلكَ النَّارِ أن تُذيبَ كُلَّ شَيء. فَأكثرُ مَعْدِنٍ يَتَحَمَّلُ أعلى دَرَجَةَ انصِهارٍ هُوَ مَعْدِنِ التَّنجستن (tungsten). وَهُوَ يَذوبُ عندَ دَرَجة حَرارة تَبلُغ نَحو 3600 درجة مِئويَّة. لِذا فإنَّ حَرارةَ جَوفِ الأرضِ الَّتي تُقَدَّرُ بنحوِ 7000 دَرجة مِئويَّة قَادِرَة على إذابَةِ أيِّ شَيء.
لِذا، سَواءَ حَدَثَ ذلكَ بواسِطَةِ كُراتٍ نَاريَّةٍ تَسقُطُ مِنَ السَّماءِ، أوْ حَدَثَ ذلكَ بواسِطَةِ تَفاعُلٍ نَوَوِيٍّ هَائِلٍ يُدَمِّرُ الكَونَ كُلَّهُ، أوْ حَدَثَ ذلكَ بواسِطَةِ اندِفاعِ النَّارِ مِن بَاطِنِ الأرضِ، فإنَّ الأرضَ مَوجودَةٌ في مُحيطٍ مِنْ نَار. لماذا؟ لأنَّها بَاقِيَةٌ هُناكَ أو مَحفوظَةٌ هُناكَ "إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّار".
والآن، تَذَكَّرُوا ذلك. فَمِنَ الجَيِّدِ أنْ نَرى الكلمةَ "فُجَّار" هُنا. فعندما أَغرَقَ اللهُ العَالَمَ نَجَّى الأبرارَ. وكَمْ كانَ عَدَدُهم؟ ثَمانِيَة. فَقَدْ نَجَّى نُوحًا، وزوجَتَهُ، وأبناءَهُ الثَّلاثَةَ وَزَوجاتِهم. وهُناكَ سِفْرٌ مَحفوظٌ لَدى اللهِ (كَما يَقولُ مَلاخي). وَهُوَ يَكتُبُ أسماءَ الأشخاصِ الَّذينَ يَنْتَمونَ إليهِ في ذلكَ السِّفْر). وعندما يَأتي كَيْ يَدينَ العَالَمَ بِنارٍ فإنَّهُ سَيَأتي لِيَدينَ الفُجَّارَ، لا نَحْن. لِذا، عندما يَحتَرِقُ كُلُّ هَذا العَالَمِ بِنارٍ، وعندما يَحتَرِقُ هَذا الكَونُ بالنَّار، لَنْ نَكونَ هُنا.
بَلْ إنَّنا سَنَنْجُو قَبلَ أنْ يَأتي يَومُ دَينونَةِ الرَّبّ. وَبالمُناسَبَة، فإنَّ تِلكَ الدَّينونَةَ سَتُهْلِكُ هَذا الكَونَ، ثُمَّ سَيَخلِقُ اللهُ سَماواتٍ جَديدةً وأرضًا جَديدة. وَهُوَ يَذكُرُها. انظروا قَليلاً إلى العَددِ الثَّاني عَشَر إذْ يَقول: "الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ". وَهَذا وَعْدٌ رَائعٌ!
وهُناكَ حُجَّةٌ أخرى أريدُ أن أُحَدِّثَكُم عَنها بإيجازٍ، وَهِيَ الحُجَّةُ القائِمَةُ على الأبديَّة. فقد رَأينا الحُجَّةَ القائِمَةَ على الكتابِ المقدَّس، والحُجَّةَ القَائِمَةَ على التَّاريخ. وسوفَ نَتحدَّثُ في عُجالَةٍ عَنِ الحُجَّةِ القائِمَةِ على الأبديَّة إذْ نَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ". وَهَذا اقتباسٌ مِنَ المَزمورِ التِّسعين والعَددِ الرَّابع. ومَا الَّذي يَقصِدُهُ هُنا؟ كَانَ هُناكَ أشخاصٌ يَقولون: "إنَّ المَسيحَ لم يَأتِ ثَانيةً. مَا الَّذي يَنتَظِرُهُ؟" وبُطرسُ يَرُدُّ عليهِم قَائِلاً: لِمَ لا تَنظُرونَ إلى الأمرِ مِن وُجْهَةِ نَظَرِ الله؟ فَمِنْ وُجْهَةِ نَظَرِكُم، قَد يَبدو الانتظارُ طَويلاً، ولكِنْ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِهِ هُوَ فإنَّ الأمرَ ليسَ كذلك".
إنَّ مَا يَقولُهُ بُطرسُ هُنا هُوَ ليسَ مُحاولةً لإقناعِنا بأنْ نَحْسِبَ الألفَ سَنَة على أنَّها سَنَة، بَلْ إنَّ مَا يَفْعَلُهُ هُنا ببساطَةٍ هُوَ أنَّهُ يُقَدِّمُ مَثَلاً إيضاحِيًّا على حَقيقةِ أنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى الزَّمَنِ نَظرةً مُختلفةً عَنَّا. أليسَ كذلك؟ هذهِ هِيَ الحُجَّةُ القائِمَةُ على الأبديَّة. فَلاَ يُمكِنُكَ أن تَحصُرَ اللهَ في جَدوَلِكَ الزَّمَنِيّ. وَقد تَقول: "أنا أُحاوِلُ أن أَفْهَمَ ذلكَ في ضَوْءِ وَقْتي المَحدود، ولكنِّي لا أدري كيفَ أفعلُ ذلك. فَقَدْ مَرَّ وَقتٌ طَويلٌ جِدًّا". لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ".
وَما يَقولُهُ بُطرسُ هُنا هُوَ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ مَسيحيُّونَ تَأثَّرُوا بِاستِهزاءِ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة وَقَولِهم إنَّ اللهَ لا يَفعلُ أيَّ شَيءٍ لأنَّهُ عَاجِزٌ أو غَيرُ مُبالٍ، وَإنَّ الانتظارَ طَويلٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُم يَشُكُّونَ في أنَّهُ لا يَقدِرُ أن يَفعلَ أيَّ شَيءٍ أو لن يَفعلَ أيَّ شَيء. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "انظُروا! في حينِ أنَّكُم تَنظرونَ إلى الوقتِ بطريقَتِكُم، فإنَّ اللهَ يَنظُرُ إليهِ بطريقةٍ مُختلفةٍ تَمامًا. فأنتُم تَقولونَ إنَّ ألْفَي سَنَة قَد مَضَت، ولكِنَّ هذا الوقتَ يَبدو في نَظَرِ اللهِ كَيَوْمَيْن. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر". وَهُناكَ أُمورٌ أخرى في تلكَ الآيةِ غَنِيَّةٌ جدًّا، وتُساعِدُنا جدًّا، ورائعةٌ جدًّا؛ ولكِنِّي سأُحَدِّثُكُم عَنها عندما نَدرُسُ المَقطعَ التَّالي مِنَ النَّصِّ لأنَّها مرتَبِطَةٌ بِه.
وَهُناكَ حُجَّةٌ أخيرةٌ وَهِيَ حُجَّةٌ قَائمةٌ على طَبيعةِ الله. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يُمْكِنُ الدِّفاعُ عَن حَتْمِيَّةِ المَجيءِ الثَّاني للمَسيحِ مِن خِلالِ الكتاب المقدَّس، ومِن خِلالِ التَّاريخ، ومِن خِلالِ النَّظرةِ إلى الأبديَّة، ورابِعًا: مِن خِلالِ طَبيعةِ الله. وَهَذا رَائِعٌ. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ التَّاسع: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَة".
هَل تَعلَمونَ لماذا يُوجَدُ تَأخير؟ إنَّ السَّببَ في ذلكَ لا يَرجِعُ إلى أنَّ الرَّبَّ يَتَبَاطَأُ عَنْ وَعْدِهِ، ولا يَرجِعُ إلى أنَّ اللهَ لا يَحفَظُ وَعدَهُ، ولا لأنَّهُ غَيرُ أمينٍ لِكَلمتِه، ولا لأنَّهُ لا يَقولُ الحَقيقة، ولا لأنَّهُ غَيرُ قَديرٍ، ولا لأنَّهُ لا مُبالٍ، ولا لأنَّهُ مَشغولٌ بالقيامِ بشيءٍ آخرَ كَما يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤ.
وَهذهِ جُملةٌ مُحزِنَة لأنَّ هذا يَعني أنَّهُ كانَ يُوجَدُ مَسيحيُّونَ يُصَدِّقونَ أكاذيبَ هؤلاءِ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة بأنَّ اللهَ قَد تَأخَّرَ بسببِ عَدَمِ مُبالاتِهِ، أو بسببِ عَجْزِهِ، أو بسببِ عَدَمِ استِعدادِهِ للمَجيء. ورُبَّما يَظُنُّ أُناسٌ أنَّ الأمرَ هَكذا. ولكِنَّ السَّببَ في تَأخُّرِهِ لا يَرجِعُ إلى عَجْزِهِ أو عَدَمِ مُبالاتِهِ، بل إنَّ السَّببَ في تَأخُّرِهِ هُوَ أنَّهُ يَتَأنَّى على النَّاسِ كَيْ يَتُوبُوا. هَل تَرَوْنَ ذلك؟ فَهُوَ طَويلُ الأناة.
وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ مَا جَاءَ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 3: 20 إذْ إنَّهُ كَتَبَ عَنْ أناةِ اللهِ في أيَّامِ نُوح. فَكَمِ استَغرقَ الأمرُ نُوحًا لبناءِ الفُلْك؟ مِئَةً وعِشرينَ سَنَةً. وَقد كَانَ طَوالَ ذلكَ الوَقتِ يَكرِزُ بالبِرّ. فَقد تَأنَّى اللهُ كَثيرًا. لَقد تَأنَّى كَثيرًا. ثُمَّ انظروا إلى مَا يَقولُهُ في العَدد 15: "وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا". لِذا فإنَّ السَّببَ في ذلكَ يَعودُ إلى أنَّهُ لا يُريدُ أنْ يَهْلِكَ أُناسٌ، بَل أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ الَّتي يَنتَظِرُها.
هُناكَ أشياءٌ أخرى كثيرة نَقولُها عن تِلكَ الآية، وسوفَ نَقولُها في المَرَّةِ القادِمَة. ولكِنَّ هذهِ الحُجَجَ حُجَجٌ قَويَّةٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ وَهِيَ تُساعِدُنا على التَّيَقُّنِ مِن حَتميَّةِ المَجيءِ الثَّاني للمسيح. فَاللهُ يَستخدِمُ وَقتَهُ للتَّعبيرِ عَن أَناتِهِ ونِعمَتِهِ حَتَّى يَخلُصَ النَّاسُ. ولكِنْ عندما يأتي مِلْءُ الأُمَم ويَخلُصُ آخِرُ شَخصٍ، سَيَجمَعُ الرَّبُّ كَنيسَتَهُ. وحِينئذٍ، تَكونُ أَناتُهُ قدِ بَلَغَتْ مَداها وَحَلَّتِ الدَّينونَة. دَعُونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ مَنَحْتَنا هذهِ الدَّقائقِ الخَمسينَ مَعًا لدراسةِ كلمتِكَ والانتعاشِ مَرَّةٍ أخرى بحقيقةِ عَودةِ مُخَلِّصِنا يَسوعَ المَسيح. فَكَمْ نَتوقُ إلى ذلكَ اليوم! ونَحنُ نَشعُرُ أنَّهُ قَد يَكونُ قَريبًا. لِذا فإنَّنا نُصَلِّي أنْ يَتَمَجَّدَ الرَّبُّ، وأنْ نَنْضَمَّ إليهِ في شَرِكَةٍ أبديَّة. نُصَلِّي هذا باسمِهِ المُبارَك. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
