والآن، لِنَعُد إلى كلمةِ اللهِ مِن أجلِ مُتابَعَةِ دِراسَتِنا في هذا المَساء مِن رِسالة بُطرس الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث. نَحنُ نَتأمَّلُ في المَقطعِ الأخيرِ مِن هذهِ الرِّسالةِ؛ أيْ في الأعداد مِن 11 إلى 18. وَدَرْسُنا هُوَ بِعُنوان: "العَيشُ في ضَوْءِ عَودةِ المَسيح". وقد بَيَّنَ بُطرسُ الإعلانَ الإلهيَّ في هذهِ الرِّسالةِ الرَّائِعَةِ بِقَصْدِ حِمايةِ الكَنيسةِ مِنَ الهَجَماتِ المُستمرَّةِ للمُعَلِّمينَ الكَذَبة.
ولَعَلَّكُم تَتذكَّرونَ أنَّهُ قَدَّمَ لَنا في الأصحاحِ الأوَّلِ تَعليماتٍ مُهِمَّةً جدًّا بخصوصِ كيفيَّةِ التَّيَقُّنِ مِن أنَّنا نَتمتَّعُ بِعلاقةٍ سَليمةٍ بالله. ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ في الأصحاحِ الثَّاني صِفاتِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة. وَفي الأصحاحِ الثَّالثِ، رَاحَ بُطرسُ يُفَنِّدُ أخطاءَهُم الرَّئيسيَّةَ في الكنيسةِ الَّتي كَانَ يُوَجِّهُ كَلامَهُ إليها. وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّ هؤلاءِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة كَانُوا يُهاجِمونَ المَجيءَ الثَّاني. لِذا فقد أَبْلَى بُطرسُ في الآياتِ العَشْرِ الأولى مِنَ الأصحاحِ الثَّالثِ بَلاءً حَسَنًا في تَفنيدِ حُجَجِ هَؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يُنكِرونَ المَجيءَ الثَّاني ليسوعَ المَسيح.
لِذا فإنَّ الأصحاحَ الأوَّلَ يَضَعُ الأساسَ مِن خِلالِ التَّحدُّثِ عن عَلاقَتِنا الشَّخصيَّةِ باللهِ الحَيِّ والتَّيَقُّنِ مِن أنَّها عَلاقَةٌ جَيِّدةٌ كَما يَنبغي أن تَكون. وَقَد قَدَّمَ لَنا الأصحاحُ الثَّاني فِكرةً وَاضِحةً جدًّا عَنِ المُقَوِّماتِ الَّتي يَنبغي لنا أن نَبحثَ عَنهُ عِنْدَما نُقَيِّمُ الأشخاصَ الَّذينَ يَدَّعُونَ إنَّهُم مُعَلِّمونَ حَقيقيُّونَ في حينِ أنَّهُم لَيسُوا كذلك. ثُمَّ إنَّ الأصحاحَ الثَّالثَ يُرَكِّزُ على تَقديمِ البَراهينِ على حَقيقةِ المَجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيح. لِذا، بعدَ أن تَأمَّلنا في هذهِ الآياتِ العَشْرِ، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنْ بُطرسَ وَجَّهَ ضَربةً قَاضيةً حَقًّا إلى مُرَوِّجي الأكاذيبِ عَن عَودةِ يَسوعَ المَسيح.
فَقَد نَزَعَ القِناعَ عَنِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة في هذهِ الرِّسالة. وَقد سَلَّحَ جَميعَ المَسيحيِّينَ الَّذين قَرأوها وَفَهِموها بأنْ وَفَّرَ لَهُم الحِمايَة. وَقد فَنَّدَ أخطاءَهُم بخصوصِ الدَّينونَةِ وعَودةِ المَسيح. والآن، كَادَتِ الرِّسالةُ أن تَنتهي. وَقَد أَكَّدَ بِقُوَّةٍ حَقيقةَ أنَّ يَسوعَ سَيعود. ويَنبغي لنا أن نَشكُرَهُ حَقًّا على ذلك. وينبغي للعالَمِ أن يَشكُرَهُ على ذلك. وَحَتَّى إنَّهُ يَنبغي للعالَمِ الَّذي لم يُولَد ثَانيةً أن يَشْعُرَ بالامتِنانِ لأنَّ التَّاريخَ لَهُ قَصْدٌ، وَلأنَّ التَّاريخَ لَهُ غَايَة.
فإنْ لم يَكُن يَسوعُ سيَعودُ، وإن لم تَكُن هُناكَ دَينونَة، وإنْ لم يَكُنِ اللهُ سيَتدخَّل، فَكِّرُوا في مَعنى ذلك. فَهُوَ يَعني أنَّ البَشَرَ سيُترَكونَ بِلا رَجاء، وبِلا مُستقبَل، وبِلا أيِّ شَيء. وَقد ذَكَرَ "وليام باركليه" (William Barclay) ثَلاثةَ أمثلةٍ رَائعة مُستَمَدَّة مِنْ أضرِحَةِ أشخاصٍ وَثنيِّينَ على مَا يَحدُثُ عندما يَرفُضُ النَّاسُ النَّظرةَ التَّاريخيَّةَ الَّتي تَقولُ إنَّهُ يُوجَدُ قَصْدٌ للتَّاريخ، وتُوجَدُ ذِروَةٌ، وَإنَّ اللهَ سيَتدخَّل مِن خِلالِ مَجيءِ المَسيحِ ويَضَعُ نِهايةً مُناسبةً للتَّاريخ. وَواحدٌ مِن تلكَ الأضْرِحَةِ يُعَبِّرُ عَنِ مَبدأِ المُتعَة. وَهُوَ يَقول: "لم أَكُنْ شَيئًا في المَاضي. وأنا لَسْتُ شَيئًا الآن. لِذا يَا مَعشَرَ الأحياءِ: كُلُوا، واشرَبُوا، وامرَحُوا".
فعندما لا يَكونُ هُناكَ قَصْدٌ للتَّاريخ، وعندما لا تَكونُ هُناكَ نِهايةٌ لَهُ، وعندما لا يَكونُ هُناكَ مُستقبَل، فإنَّ مَبدأَ المُتعَةِ يَجِدُ طَريقُهُ إلى قُلوبِ أُناسٍ مُعَيَّنينَ لِيَعيشُوا كَما يَحلو لَهُم. ففي النِّهايَة، لا يُوجَدُ شَيءٌ يَستطيعُ أن يُعَطِّلَكَ عَنِ القِيامِ بذلك. ثُمَّ إنَّ هُناكَ ضَريحًا آخرَ يَقول: "لم يَكُن لي وُجودٌ في المَاضي. وَالآن، أنا لَستُ مَوجودًا. أنا لا أُحِسُّ بوجودي، وَلا يَهُمُّني شَيء". وَهَذا يُشيرُ إلى أنَّهُ بالنِّسبةِ إلى فِئةٍ مِنَ النَّاسِ، لم يَكُن هُناكَ سِوى عَدَمُ الاكتِراث. فأنا لا أُبالي. فَلَم يَكُن لي أيُّ وُجودٍ في المَاضي، وليسَ لِي أيُّ وُجودٍ الآن، ولَنْ يَكونَ لي أيُّ وُجودٍ في المُستقبَل. لِذا فإنَّ الحَياةَ لا تَعني أيَّ شَيء.
ففي النِّهايَة، إنَّ عَدَمَ وُجودِ هَدَفٍ أو غَايةٍ للتَّاريخ يَقودُ إلى اليَأس. وَهُناكَ ضَريحٌ ثَالثٌ قَديمٌ يَقول: "يَا كاريداس! مَاذا تَجِدُ في الأماكِنِ السُّفلَى؟" "أَجِدُ ظَلامًا دَامِسًا". "ولكِنْ مَاذا تَجِدُ في الأماكِنِ العُليا؟" "أنَّ كُلَّ شَيءٍ كِذْبَة". "إذًا، لَقد هَلَكْنا". يا لَها مِن كَلِماتٍ مُحزِنَةٍ تُكتَبُ على ضَريح! ولكِنْ سَواءَ نَظرنا إلى ما يَقولُهُ مَذهبُ المُتعَة، أو إلى عَدمِ الاكتراثِ، أو إلى اليأس، فإنَّهُ بِدونِ تَدَخُّلٍ إلهيٍّ في التَّاريخِ البَشريِّ، وبِدونِ وُجودٍ قَصْدٍ للتَّاريخ، وبِدونِ وُجودِ غَايَةٍ للتَّاريخ، وبِدونِ وُجودِ نِهايةٍ للتَّاريخ، وبِدونِ وُجود تَقويمٍ للأخطاء، فإنَّ الحَياةَ لا تَعني أيَّ شَيءٍ البَتَّة. لِذا، يَنبغي حَتَّى لأولئكَ الَّذينَ لا يَعرِفونَ المَسيحَ أن يَشكُروهُ لأنَّهُ سيَعودُ لكي يُصَحِّحَ ذلك.
ولكِنْ عَدا عَن ذلك فإنَّ بُطرسَ لا يُبالي بِغيرِ المُؤمِنينَ كَما يُبالي بالمُؤمِنين. فَهُوَ قَلِقٌ مِنْ أنْ يَكونَ فَهْمُنا، نَحنُ المُؤمِنينَ، مَغلوطًا، وَأنْ يَكونَ تَجاوُبُنا مَغلوطًا تُجاهَ عَودةِ يَسوعَ المَسيح. لِذا، قَبلَ أنْ يَختِمَ هذهِ الرِّسالة، هُناكَ شَيءٌ أخيرٌ يَرغَبُ في قَولِه. وَقد عَبَّرَ أَحَدُ الكُتَّابِ عَن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "بالقُوَّةِ القَليلةِ الَّتي بَقِيَتْ لَديهِ، أمسكَ بِقَلَمِهِ بإحْكامٍ أكثر ثُمَّ كَتَبَ بِيَدٍ حَازِمَةٍ على قِطعةِ الجِلدِ الَّتي أمامَهُ الكلماتِ الأخيرةَ في مُحاولتِهِ الأمينةِ لتَشجيعِ إخوتِه.
"كانت حَبَّاتُ الرَّمْلِ في السَّاعةِ الرَّمليَّةِ تَنزِلُ شَيئًا فَشيئًا، وسُرعانَ مَا سَيَعجَزُ عَنِ استِخدامِ صَوتِهِ أو قَلَمِهِ لِخِدمةِ المُخَلِّصِ هُنا بينَ بَني البَشَر. فالأوباشُ يُحْكِمونَ قَبْضَتَهُم عَليهِ، ورُبَّما كَانَ حُكْمُ الإعدامِ قَد صَدَر. وسُرعانَ مَا ستَجُرُّهُ الأيدي الوَحشيَّةُ وَتأخُذُهُ إلى الخَشَبَةِ المَلعونَةِ الَّتي سيُصلَبُ عليها. وإذْ يَتأمَّلُ في الاحتمالاتِ الوَشيكَةِ، ويُراجِعُ مَرَّةً أخرى الكلماتِ الَّتي كَتَبَها للتَّوِّ، فإنَّهُ يَتساءَلُ مَا إذا كانَتْ هُناكَ حَاجَةٌ إلى التَّشديدِ أكثر على أمرٍ مَا. وَهُوَ يَرى أنَّهُ يُوجَدُ أمرٌ يَلْزَمُهُ أنْ يُشَدِّدَ عليه. لِذا فإنَّهُ يَكتُبُ كَلماتِهِ الأخيرة".
وتَبتدِئُ الكلماتُ الأخيرةُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ [كما يَقولُ بُطرس]، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ". تَوقَّفُوا عِندَ تِلكَ النُّقطَة. فَبعدَ أنْ بَيَّنَ بوضوحٍ شَديدٍ أنَّ يَسوعَ آتٍ، فإنَّهُ يَطرحُ الآنَ المَسألةَ المُهِمَّةَ جدًّا جدًّا وَهِيَ: مَا مَعنَى ذلكَ بالنِّسبةِ إليكُم؟ وَأيُّ أُناسٍ يَجِبُ أن تَكونوا؟ فإذا عَرفتُم أنَّ يَسوعَ آتٍ، وَإذا كُنتُم تَتَرَقَّبونَ مَا يُسَمِّيهِ "يَومَ الله"، أو مَا يُسَمِّيهِ في العَدد 18 "يَوم الدَّهر"، وإن كُنتُم تَنتظرونَ الحَالةَ الأخيرةَ، أوِ المُستقبَلَ المَجيدَ، أوِ الأبديَّةَ الَّتي أعَدَّها اللهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَهُ، كَيفَ سَيُؤثِّرُ ذلكَ في حَياتِكُم الآن؟ فإنْ كُنتُم تَتُوقونَ إلى تِلكَ السَّماءِ الأخيرةِ، وإلى ذلكَ المَجدِ الأخير، أَلاَ يَنبغي أنْ يَترُكَ ذلكَ الأمرُ تَأثيراتٍ قَويَّةً جدًّا جدًّا في أسلوبِ حَياتِكُم؟
والآن، تَذَكَّروا مَا يَلي: أنَّهُ يَستخدِمُ هُنا العِبارَةَ "يَوم الله" كما سَنَرى. وَهُوَ يَستخدِمُ في نِهايةِ العَدد 18 العِبارَةَ "يَوم الدَّهر". وَكِلا العِبارَتَيْن "يَوم الله" (في العَدد 12) ويَوم الدَّهر" (في العَدد 18) تُشيران إلى الحَالةِ الأبديَّة. فَهُوَ يَقولُ: إذا كُنتُم تَتوقونَ إلى تِلكَ الحَالةِ الأبديَّة، أو إلى تِلكَ السَّماواتِ الجَديدَةِ والأرضِ الجَديدة، أو إلى تِلكَ الأبديَّةِ المَجيدَة، إنْ كُنتُم تَتوقونَ إليها، يَنبغي أنْ تَترُكَ تَأثيرًا في حَياتِكُم.
فَنحنُ لا نَتوقُ إلى يَومِ الرَّبّ. فَهذهِ اللَّفظةُ مُستخدَمَةٌ في العَددِ العَاشِر. وَهِيَ لَفْظَةٌ تَدُلُّ على الدَّينونَةِ والدَّمارِ والهَلاك. لِذا فإنَّنا لا نَتُوقُ إلى يَومِ الرَّبّ. وَنَحنُ لا نَتوقُ بِشِدَّة إلى أنْ يَأتي الرَّبُّ بِدَينونَةٍ أخيرةٍ مُهلِكَةٍ وَشَديدة. صَحيحٌ أنَّنا نَعلمُ أنَّها سَتَأتي لا مَحالَة، وَأنَّها شَيءٌ مِنَ المُؤلِمِ أن نُفَكِّرَ فيه، ولكِنَّنا نَتوقُ إلى مَا سيَحدُثُ بَعدَ يَومِ الرَّبِّ؛ أيْ إلى يَوْمِ اللهِ الأبديّ، أو إلى الحَالَةِ الأبديَّةِ مِنَ البِرِّ والمَجد عندما يَؤولُ كُلَّ شَيءٍ في النِّهايةِ [كَما يَقولُ بُولسُ في رِسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس] إلى مَجدِ الله.
لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "انظُروا! إذا كُنتُم تَنتظرونَ مَجيءَ يَومِ اللهِ العَظيم، أوِ الحَالةِ الأبديَّة، وتَنتظرونَ المَجدَ الَّذي سيَكونُ مِنْ نَصيبِكُم في حَضرةِ يَسوعَ المسيحِ عندما يَأتي ويُؤسِّسُ مَجدَهُ الأبديَّ، إذا كُنتُم تَنتظرونَ ذلك [في العَدد 11] وكُنتُم تَنتظرونَ مَا سيَحدُثُ بَعدَ الدَّمارِ الَّذي سيَحدُثُ في يَومِ الرَّبِّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا! أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا!
وَالعِبارَةُ "فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ" تُعيدُنا إلى العَددِ العَاشِرِ الَّذي يَقولُ إنَّ السَّماواتِ: "تَزولُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا". وَهِيَ تُعيدُنا إلى العَددِ السَّابعِ الَّذي يَقولُ إنَّ "السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ الْكَائِنَةَ الآنَ...مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّارِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّار".
والآن، حيثُ إنَّنا نَعلَمُ أنَّ هذا سيَحدُث، وحيثُ إنَّ كُلَّ هذهِ الأشياءِ سَتَزولُ بهذهِ الطَّريقةِ الَّتي سَتُؤدِّي إلى يَومِ اللهِ، أوِ الحَالةِ الأبديَّةِ، أوِ المَجدِ الأبديِّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا! والآن، سَوفَ تُلاحِظونَ [في التَّرجمةِ الَّتي بينَ أيديكُم] أنَّ العَددَ الحادي عَشَر لا يَحوي عَلامَةَ استِفهام. فَمَعَ أنَّهُ قَد يَبدو أوَّلَ وَهلةٍ سُؤالاً، فإنَّهُ ليسَ سُؤالاً، بَلْ هُوَ جُمْلَةٌ تَنْتَهي بِعلامَةِ تَعَجُّب. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ العِبارةَ القصيرةَ "أَيَّ أُنَاسٍ" هِيَ تَرجَمَةٌ لِلَفْظَةِ يُونانيَّةٍ هِيَ "بوتابوس" (potapos). وَهِيَ ليسَ سُؤالاً البَتَّة، بَلْ هِيَ لَفْظَةٌ تَدُلُّ على التَّعَجُّبِ والدَّهشة. فَهِيَ لا تَتَوَقَّعُ إجابَةً.
وَيُمكِنُنا أن نُتَرجِمَ هذهِ الآيَةَ هَكذا: "أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا" إشارةً إلى مُستوى القَداسَةِ الَّذينَ يَنبغي أنْ تُظْهِروهُ في حَياتِكُم [عَلامَةُ تَعَجُّب] عِندما تُدركونَ أنَّكُم سَتَنْجُونَ مِن يَومِ الرَّبِّ وتَنتقلونَ إلى يَومِ اللهِ والمَجدِ الأبديِّ. وهَذا تَحَدٍّ مُباشِر للمَسيحيِّينَ كَي يَعيشُوا حَياتَهُم في ضَوْءِ الأبديَّة.
فَحيثُ إنَّ يَسوعَ سَيَأتي لِمُكافأتِكُم، وَحيثُ إنَّ يَسوعَ سَيَأتي لِكَي يَأخُذَكُم لتَكونوا مَعَهُ، وحَيثُ إنَّ يَسوعَ سَيَأتي لِكَيْ يَصْنَعَ لَكُم سَماواتٍ جَديدةً وأرضًا جَديدة، وحيثُ إنَّ يَسوعَ سَيَأتي لكي يُنَجِّيكُم مِنَ الدَّينونَةِ ويَنقِلَكُم إلى يَومِ اللهِ الأبديِّ العَظيم، وحيثُ إنَّ يَسوعَ سَيَأتي لِيَأخُذَكُم إلى مَلكوتِ البِرِّ الأبديِّ، يَنبغي أنْ يُؤثِّرَ ذلكَ في حَياتِكُم. بِعبارةٍ أخرى، حَيثُ إنَّكُم صُنِعْتُمْ لذلك، وَخُلِقْتُم لذلك، وافتُديتُم لذلك، وَقُدِّسْتُم لذلك، يَنبغي أن تَبتدِئُوا في العَيشِ في ضَوْءِ ذلك. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ بُطرس.
يا أحبَّائي، حيثُ إنَّنا نِلْنا الخَلاصَ لأجلِ ذلك، أيَّ حَياةٍ مُقَدَّسَةٍ يَنبغي أنْ نَعيشَ الآنَ انسِجامًا مَعَ مَصيرِنا! والحَقيقةُ هِيَ أنَّ بُولسَ يَضُمُّ صَوتَهُ في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 5: 9 إلى صَوتِ بُطرسَ ويقول: "لِذلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضًا مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ. لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا". فَسَوفَ يَأتي الوَقتُ الَّذي نَحصُلُ فيهِ على مُكافأتِنا الأبديَّة. وسَوفَ نَقِفُ جَميعًا أمامَ كُرسيِّ المَسيح. وكَما يَقولُ بولسُ في رِسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس، عِنْدَما يَأتي ذلكَ الوَقتُ الَّذي يُظْهِرُ فيهِ الرَّبُّ آرَاءَ قُلوبِنا، سَيَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ، وَسَنَحصُلُ على مُكافأتِنا الأبديَّة.
أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا إذًا؟ نَحنُ لا نَعيشُ لأجلِ هَذا العَالَم. فَنَحنُ غُرَباء، أو مُتَغَرِّبونَ، أو أجَنَبِيُّونَ. فَنَحنُ المَسيحيِّينَ لَسنا جُزءًا مِن نِظامِ هَذا العَالَم. وَنَحنُ لا نُحِبُّ العَالَمَ وَلا الأشياءَ الَّتي في العَالَم. فَهُوَ ليسَ مَكانَنا، بَلْ إنَّنا مُتَغَرِّبون. وَنَحنُ نَنتَمي إلى السَّماء. وَنَحنُ نَنتظِرُ مَدينةً صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ، أو مَدينَةً غَيرَ مَصنوعَةٍ بِيَدٍ، أبديَّةً في السَّماوات. أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ نَكون! أو أيَّ مُستوى رَفيع يَنبغي أن نُظهِرَ في حَياتِنا (كَما يَقول)! لِذا فإنَّ الإيمانَ بِمَجدِ يَومِ اللهِ الآتي الَّذي سَنَسكُنُ فيهِ إلى الأبد في البِرِّ مَعَهُ يَدفَعُنا إلى العَديدِ مِنَ التَّطبيقات.
ويَذكُرُ بُطرسُ عَددًا مِن هذهِ التَّطبيقاتِ الَّتي سَنتحدَّثُ عَنها في هذا المَساءِ وَفي مَساءِ يَومِ الرَّبِّ القَادِم. أوَّلاً، هُناكَ جُملةٌ عَامَّةٌ في العَدد 11. انظُروا إليها: "أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟" وَهَذا هُوَ النِّطاقُ الَّذي يَتحدَّثُ عنه. فَعندما يَقولُ "أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا" فإنَّهُ يُشيرُ إلى نِطاقِ القَداسَةِ وَنِطاقِ التَّقوى. والسِّيرةُ المُقَدَّسَةُ تُشيرُ إلى السُّلوكِيَّات. والتَّقوى تُشيرُ إلى المَواقِف. فالسِّيرةُ المُقَدَّسَةُ تُشيرُ إلى الطَّريقةِ الَّتي أعيشُ بها حَياتي. والتَّقوى تُشيرُ إلى رُوْحِ التَّوقيرِ الَّذي فِيَّ وَأعيشُ حَياتي بِمُوجَبِه. والسِّيرَةُ المُقَدَّسَةُ تُشيرُ إلى الأمورِ الَّتي تَحْكُمُ سُلوكيَّاتي. والتَّقوى تُشيرُ إلى الأمورِ الَّتي تَحكُمُ قَلبي. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا في القَلبِ والسُّلوك، أو في الدَّافِعِ والتَّصَرُّف، أو في المَوقِفِ وَالوَاجِب.
وَكِلتا اللَّفْظَتَيْنِ [بالمُناسَبة] هُما في صِيغةِ الجَمْع وَلا يُمكِنُ أنْ تُتَرْجَما في اللُّغَةِ الإنجليزيَّة. أمَّا في اللُّغةِ اليُونانِيَّةِ فإنَّهُما تُشيرانِ إلى أخذِ فِكرةِ القَداسَةِ والتَّقوى وَتَطبيقِها في الحَياةِ بأسرِها. فَكأنَّهُ يَقولُ: أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى حَتَّى إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تُطَبِّقوا ذلكَ في كُلِّ شَيءٍ، وفي كُلِّ جَانِبٍ مِن جَوانبِ حَياتِنا. هذهِ هِيَ رِسالةُ بُطرسَ الأخيرة. وَهذهِ هِيَ كَلِمَتُهُ الأخيرة. وكَما تَعلَمونَ، فإنَّ التَّقليدَ يُخبرُنا أنَّهُ صُلِبَ، وَأنَّهُ شَعَرَ بأنَّهُ لا يَستَحِقُّ أنْ يُصلَبَ مِثلَ رَبِّهِ. لِذا فقد طَلَبَ أنْ يُصلَبَ رَأسًا عَلى عَقِب. وَقَد حَقَّقُوا لَهُ رَغْبَتَهُ. وَلَكِنَّ كَلمَتَهُ الأخيرةَ هِيَ هذهِ: "نَحنُ مُتَّجِهونَ نَحوَ المَجد. "أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ نَكونَ في مَجالِ السُّلوكِ والقَلبِ، أو في مَجالِ القَداسَةِ والتَّقوى في ضَوْءِ هَذا المُستقبَلِ المَجيد". وَهَذهِ هِيَ، في الحَقيقةِ، النُّقطةُ الجَوهريَّة.
وَما الجَوابُ على ذلك؟ مَا الجَواب؟ الجَوابُ يَأتي بَعدَ ذلكَ ابتداءً مِنَ العَددِ 12 وَحَتَّى نِهايةِ العَدد 18. فَما الصِّفَاتُ الَّتي يَنبغي أنْ نَتَّصِفَ بها؟ اسمَحُوا لي أن أَذْكُرَ لَكُم عَددًا مِنها، ثُمَّ سَنتحدَّثُ عَنها: الانتظار، والسَّلام، والطَّهارَة، والكِرازَة، والتَّمييز، والنُّضْج، والعِبادَة. ولَستُم بِحاجَةٍ إلى تَدوينِ هذهِ الصِّفاتِ الآن، ولكنِّي أردتُ أن أَذكُرَها لَكُمْ وَحَسْب هُنا. فَهذهِ هِيَ الصِّفاتُ الَّتي يَنبغي أنْ نَتَّصِفَ بها في سِيْرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقوى.
وبِصراحَة، إنَّ هَذهِ الإشارةَ إلى المَجيءِ الثَّاني تُعيدُنا إلى رِسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاحِ الأوَّل. وأريدُ أنْ أصْحَبَكُم إليها. فَفي رِسالةِ بُطرسَ الأولى 1: 13، يَقولُ بُطرُس: "لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ"؛ وهذهِ إشارةٌ إلى الخَارِج. "صَاحِينَ" – وَهذهِ إشارةٌ إلى الدَّاخِل. لِذا، أَصْلِحُوا سُلوكَكُم، وَأصْلِحُوا مَوقِفَكُم. وَهَذا يُعيدُنا إلى ذلكَ السُّلوكِ المُقَدَّسِ وإلى تِلْكَ التَّقوى الدَّاخليَّةِ مَرَّةً أخرى. وَهُوَ يَقولُ: "فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فَنَحنُ نَجِدُ هُنا نَفسَ الفِكرة.
عِيشُوا في ضَوءِ النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدما يُستَعلَنُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ تَمامًا في مَجدِهِ ويُؤسِّسُ مَلكوتَهُ الأبديَّ. عِيشُوا في ضَوْءِ ذلك. وَحِينئذٍ سيُؤثِّرُ ذلكَ في سُلوكِكُم، وسيُؤثِّرُ في أذهانِكُم، أو في قُلوبِكُم، أو في كِيانِكُم الدَّاخِليّ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ [في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 1: 14]، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ". فَهُوَ يَدعو مَرَّةً أخرى إلى القَداسَةِ في ضَوْءِ العَيْشِ لأجلِ الأبديَّة.
إذًا، يَنبغي أنْ تَمْتَدَّ القَداسَةُ لِتَشمَلَ كُلَّ جَوانِبِ الحَياةِ وَكُلَّ شُؤونِ الحَياة. وَهَذا يَنسَجِمُ مَعَ المَكانِ الَّذي نَحنُ ذَاهِبونَ إليه. وَهَذا هُوَ الاتِّجاهُ الَّذينَ يَنبغي لنَا أن نَسلُكَهُ. والعَددُ الخَامِس عَشَر يُشَدِّدُ كثيرًا على هذهِ النُّقطة: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِين". فَإنْ كُنَّا أولادَ اللهِ، وَإنْ كُنَّا مُتَّجِهينَ إلى مَلكوتِه، يَنبغي لنا أن نَسلُكَ سُلوكًا يُوافِقُ تِلكَ الهُوِيَّة. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ مَا جَاءَ في إنجيل مَتَّى 5: 48 في بِدايةِ العهدِ الجديدِ عندما قَرأنا عَن أوَّلِ عِظَةٍ مُدَوَّنَةٍ ليسوعَ إذْ نَقرأ: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ".
وَقد قالَ الرَّسولُ بولسُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ كُولوسي: "اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض". وَقد قَالَ بُولسُ إنَّ مُواطَنَتَنا ليسَت على الأرضِ، بَل في السَّماء. بِعبارةٍ أخرى، يَجِبُ علينا أن نَعيشَ في ضَوْءِ المَجدِ الآتي. وَهَذا يُحَتِّمُ علينا أنْ نَعيشَ بِمُستوىً رَفيعٍ مِنَ القَداسَةِ والتَّقوى في الحَياةِ بأسْرِها. والرَّجاءُ يَجعَلُنا قِدِّيسين. الرَّجاءُ يَجعلُنا قِدِّيسين. والآن، حَيثُ إنَّنا سَنَكونُ في يَومٍ مَا مَعَهُ، كَيفَ نَبتَدِئُ في عَمليَّةِ القَداسَةِ هَذِهِ؟ وَما هِيَ الصِّفاتُ الَّتي تَجعَلُنا الأشخاصَ الَّذي يُريدُنا اللهُ أن نَكون؟
أوَّلاً، سَوفَ نُسَمِّي الصِّفةَ الأولى "التَّرَقُّب". فالنُّقطةُ الأولى هِيَ التَّرَقُّب. لاحِظُوا العَددَ الثَّاني عَشَر: "مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ". نَجِدُ هُنا فِكرةَ التَّرَقُّب. فحيثُ إنِّي مُتَّجِهٌ إلى المَجدِ الأبديِّ، وحَيثُ إنِّي سأكونُ مُواطِنًا في مَلكوتِ اللهِ الأبديِّ، وحَيثُ إنِّي سَأنجُو مِن يَومِ الرَّبِّ وأدخلُ إلى يَومِ اللهِ الأبديِّ، يَنبغي لنا أن أعيشَ مُتَرَقِّبًا ذَلِكَ اليَوم. فَالأمرُ وَاضِحٌ جدًّا.
لِنَنظُر إلى العَددِ الثَّاني عَشَر وَنَرى الأجزاءَ الَّتي تُؤلِّفُ هَذا الحَقَّ العَظيم: "مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الله". وَكَأنَّ لِسانَ حَالِ بُطرسَ هُوَ: "مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لا حَاجَةَ إلى الخَوفِ مِنه. مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لا حَاجَةَ البَتَّةَ إلى الخَوفِ مِنه. فيجبُ عليكم أن تَكونوا مِثلَ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يُكَلِّمُهُم بُولسُ ويَقْرِنُ نَفسَهُ بِهِم في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 4: 8 عندما يَتحدَّثُ عن أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَ ظُهورَ المَسيح. وَيَجِبُ عَليكم أن تَكونوا مِثلَ يُوحَنَّا الَّذي قَالَ: "آمين تَعالَ أيُّها الرَّبُّ يَسوع". ويَجِبُ عَليكم أن تَكونوا مِثلَ بُولسَ الَّذي قَال: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا". فَيجبُ أن يَكونَ هُناكَ شَوقٌ في قُلوبِكُم إلى مَجيءِ يَومِ الله.
والفِعلُ "مُنتظِرينَ" يَحْمِلُ فِكرةَ التَّرَقُّب، ويَحمِلُ فِكرةَ الانتظارِ مَعَ السَّهَرِ واليَقَظَةِ إلى أنْ يَعودَ الرَّبّ. والكلمة "سُرعَة" تُضيفُ فِكرةَ الشَّوقِ الشَّديد. فَلا يَكفي أنْ تُراقِبُوا وتَنتظروا، بَل يَنبغي أنْ تَطلُبوا بِلَهفةٍ أنْ يَتِمَّ ذلك. فَلا يَكفي أنْ تَنتظِروا ذلك، بَلْ إنَّكُم تَنتظرونَ ذلكَ وَتُريدونَ حُدوثَ ذلكَ بِشِدَّة، وتُريدونَ أنْ يَحدُثَ ذلكَ بِسُرعة. هذهِ هي الفِكرة. فَعِوَضًا عَن أن تَعيشُوا في خَوفٍ مِنَ المُستقبلِ، وخَوفٍ مِنَ الدَّينونَةِ، وخَوفٍ مِن يَومِ الرَّبِّ، يَنبغي أن تَعيشُوا في شَوقٍ مُقَدَّس. ويَنبغي أن تَعيشُوا في أجواءِ تِلْكَ العِبارَةِ المَذكورة في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 16: 22 وَهِيَ "مَارَانْ أَثَا"، وَأنْ تُرَدِّدوها عَلى شِفاهِكُم قَائِلين: "تَعالَ أيُّها الرَّبُّ"، وَأنْ تَعيشُوا دَائِمًا في تَرَقُّبٍ وانتظار.
وَما مَعنى ذلك؟ هَذا يَعني أنَّهُ يَنبغي لي أن أُعالِجَ عِدَّةَ أمورٍ في حَياتي. فَهَذا يَعني أنَّهُ يَنبغي لي أنْ أُعالِجَ عِدَّةَ أشياءٍ في حَياتي لكي يَصيرَ بِمَقدوري أن أقولَ إنَّني أريدُ لَهُ أنْ يَعودَ لأنِّي أعلمُ أنَّهُ عندما يَعودُ لَن أَسْتَحي مِنْ مَجيئِه. فَالأصحاحُ الثَّاني مِن رِسالةِ يوحنَّا الأولى يَتحدَّثُ عن عَدَمِ الخَجَلِ عندمَا يَأتي يَسوع. فَنحنُ نَقرُأ في الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 28: "حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ". فَإنْ كَانَتْ حَياتي مُستقيمةً، لَنْ أخجَل، بَل سأكونُ مُتَلَهِّفًا ومُتَشَوِّقًا وَرَاغِبًا في أنْ يَأتي يَسوع.
والكلمة "مَجيء" هِيَ مَرَّةً أخرى نَفسُ الكلمة الرَّائعة "باروزيا" (parousia). وَهِيَ تَعني حَرفيًّا: "حُضُور". فَيُمكِنُنا أن نَقرأَ الآيَةَ هَكذا: "مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ حُضُورِ يَوْمِ الله". وَإنْ أخذتُم الكلمة "باروزيا" وَنَظَرتُم إليها في كُلِّ العهدِ الجديد، أينَما وَجَدْتُموها سَتَجِدونَ أنَّها تُرَكِّزُ على الحُضورِ الشَخصيِّ والجَسديِّ ليسوعَ المسيح. فَهِيَ لا تُشيرُ إلى حُضورِ الحَدَث، وَلا إلى حُضورِ المَكان، بَلْ تُشيرُ إلى حُضورِ شَخص.
لِذا فإنَّنا نَنتظِرُ حُضورَ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي سيَكونُ مَجْدَ يَومِ اللهِ الأبديِّ الَّذي سيَكونُ نُورَ السَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة. وَإنْ كَانَتْ حَياتُنا مُستقيمةً، لَن نَخجَلَ لأنَّهُ لَن تُوجَدَ خَطايا لم نَعتَرِف بها ولم نَتُبْ عَنها. حِينئذٍ، يُمكِنُنا أن نَنتظرَ بشوقٍ مَجيءَ يَسوعَ المَسيح. فَنَحنُ نَتوقُ إلى عَودَتِه.
وَكما ذَكرتُ سَابِقًا، فإنَّ تلكَ العِبارَةَ "يَوم الله" لا تُشيرُ إلى يَومِ الرَّبِّ في اعتقادي. فَهُناكَ أُناسٌ يُساوونَ بينَهُما، ولكنِّي أعتقدُ أنَّها تُشيرُ إلى ذلكَ اليَومِ الأبديِّ المَذكورِ [كَما قُلتُ] في العَدد 18؛ أيْ إلى الحَالَةِ الأبديَّةِ عندما يَكونُ اللهُ الكُلَّ في الكُلِّ. لِذا فإنَّنا لا نَتوقُ إلى يَومِ الرَّبِّ، بَل نَتوقُ إلى يَومِ الله. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: إنْ كُنتُم تَنتظرونَ ذلكَ اليوم بِتَرَقُّبٍ، وَإنْ كُنتُم تَطلُبونَ سُرعَةَ مَجيءِ ذلكَ اليوم، أيْ تَتَرَقَّبونَهُ بِشَوقٍ، وتَنتظرونَ مَجيئَهُ، فإنَّهُ يَقولُ: "الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ"، وَهَلُمَّ جَرَّا.
وَهُوَ يَذكُرُ نُقطةً مُدهشةً جدًّا. تَابِعوها. إذا كُنتُم تَتَرَقَّبونَ وتَطلبونَ سُرعَةَ مَجيءِ يَومِ الله، لِكَي يَحدُثَ ذلكَ يَجبُ أن يَحدُثَ شَيءٌ آخر. فَفي ضَوْءِ يَومِ اللهِ، يَجِبُ أنْ يُدَمِّرَ اللهُ الكَونَ الحَالِيَّ. لِذا، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ مَا يَقصِدُهُ هُوَ أنَّهُ لكي يَأتي يَومُ اللهِ، يَجِبُ أنْ يَأتي يَومُ الرَّبِّ أوَّلاً. فَإنْ كَانَ سَيَظهَرُ يَومٌ جَديدٌ، ومَملكةٌ جَديدةٌ، وسَماواتٌ جَديدة، وأرضٌ جَديدة، وَإنْ كَانَ سَيَظهَرُ كَوْنٌ جَديدٌ يَسكُنُ فيهِ البِرُّ، يَنبغي أنْ يُدَمِّرَ الرَّبُّ الكَونَ القَديم. فَيَنبغي أنْ يَأتي دَمارُ كُلِّ الكَونِ المَلعونِ بِسَببِ الخَطيَّة.
وَكَما قُلنا عِندَما دَرسنا العَددَيْنِ الخامِس والسَّادِسِ؛ أيْ أنَّ الرَّبَّ دَمَّرَ هَذا الكَونَ مَرَّةً بِالماءِ، أوْ دَمَّرَ هَذا الجُزءَ الأرضِيَّ مِنَ الكَونِ وَأغْرَقَ كُلَّ البَشَرِ الَّذينَ كَانُوا عَليهِ بواسِطَةِ المَاءِ الَّذي خَرَجَ مِن أسفَل والمَاءِ الَّذي نَزَلَ مِنَ فَوقِ الأرض، فَإنَّهُ سيُدَمِّرُ الكَونَ في المُستقبلِ بِنار. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ إنَّهُ عِندما يَحينُ وَقتُ مَجيءِ يَومِ اللهِ، لا بُدَّ أنْ يَأتي يَومُ الرَّبِّ أوَّلاً. وأرجو أن تُلاحِظُوا مَا يَلي: أنَّ يَومَ الرَّبِّ لَنْ يَجيءَ نَتيجَةَ أيَّة عَمليَّة طَبيعيَّة. فَهُوَ لَنْ يَجيءَ نَتيجَةَ أيَّةَ كَارثةٍ طَبيعيَّة، وَلَن يَجيءَ لأنَّ أُمَمًا مُعَيَّنَةً استَخدَمَتْ أسلِحَةً ذَريَّة. فَهُوَ لَنْ يَجيءَ نَتيجَةَ أيِّ إنسانٍ أو حَدَثٍ طَبيعيٍّ أو كَارثةٍ طَبيعيَّة؛ بَل إنَّهُ يَجيءُ نَتيجَةَ دَينونَةِ اللهِ القَديرِ مِن خِلالِ قُوَّةِ المَسيحِ الَّذي أعطَى لَهُ الدَّينونة. فَهُوَ عَمَلُ الله.
فأنا أسمَعُ أشخاصًا يُحاولونَ أن يُفَسِّروهُ بأنَّهُ يَأتي نَتيجَةَ حَربٍ نَوَوِيَّةٍ أو لأنَّ عَالِمًا مَا ضَغَطَ على الزِّرِّ الخَطأ فَأحْدَثَ سِلسلةً مِنَ التَّفاعُلاتِ الَّتي تُدَمِّرُ كُلَّ الذَّرَّات. ولكِنَّهُ لَن يَأتِ بِفِعْلِ إنسان، بَلْ بِفِعْلِ الله. وللتَّشديدِ عَلى هَوْلِ ذلكَ اليوم، يُكَرِّرُ بُطرسُ مَا قَالَهُ في العَددِ العَاشِر. انظُروا إلى العَددِ الثَّاني عَشَر مَرَّةً أخرى: "الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ". وَهَذا يُشبِهُ تَمامًا مَا جَاءَ في العَددِ العَاشِرِ، ويُشبِهُ جدًّا مَا جَاءَ في العَددِ السَّابعِ (الَّذي قَرأتُهُ قَبلَ قَليل).
وَهُناكَ مُعايَنَةٌ لِذلكَ. تَذَكَّروا أنَّ يَومَ الرَّبِّ يأتي في جُزءَيْن. فَهُوَ يَأتي عندما يَعودُ يَسوعُ في المَجيءِ الثَّاني في نِهايةِ الضِّيقةِ العَظيمَة. ثُمَّ إنَّهُ يُؤسِّسُ مُلْكَهُ الألفِيَّ. وفي نِهايةِ تلكَ الألفِ سَنَة، تَأتي المَرحلةُ الثانيةُ مِن يَومِ الرَّبّ. واللهُ يَراهُ يَومًا وَاحِدًا لأنَّ أَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ عَندَهُ (كَما جَاءَ في العَددِ الثَّامن).
ولكِنْ في المَرَّةِ الأولى الَّتي يَأتي فيها يَسوعُ في بِدايةِ الألفِ سَنَة، هُناكَ مُعايَنَة لِما سيَحدُثُ في نِهايةِ الألفِ سَنَة عندما يَحتَرِقُ كُلُّ الكَون. واسمَحُوا لي أن أُريكُم تِلكَ المُعايَنَة لما سيَحدُثُ قَبلَ ألفِ سَنَة. انظروا إلى سِفْر الرُّؤيا. فَهذهِ نَظرةٌ أوليَّةٌ أو لَمْحَةٌ صَغيرةٌ عَمَّا سيَحدُث.
فَنَحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 8: 7 أنَّ المَلاكَ بَوَّقَ مُعلِنًا الدَّينونَةَ في نِهايةِ فَترةِ الضِّيقةِ العَظيمَة. وعندما بَوَّقَ "حَدَثَ بَرَدٌ وَنَارٌ مَخْلُوطَانِ بِدَمٍ، وَأُلْقِيَا إِلَى الأَرْضِ، فَاحْتَرَقَ ثُلْثُ الأَشْجَارِ، وَاحْتَرَقَ كُلُّ عُشْبٍ أَخْضَرَ. ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ الثَّانِي، فَكَأَنَّ جَبَلاً عَظِيمًا مُتَّقِدًا بِالنَّارِ أُلْقِيَ إِلَى الْبَحْرِ، فَصَارَ ثُلْثُ الْبَحْرِ دَمًا. وَمَاتَ ثُلْثُ الْخَلاَئِقِ الَّتِي فِي الْبَحْرِ الَّتِي لَهَا حَيَاةٌ، وَأُهْلِكَ ثُلْثُ السُّفُن".
وَمِنَ الصَّعبِ علينا أن نَتخيَّلَ أنَّ كُرَةً نَاريَّةً ضَخمةً جدًّا تَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَضرِبُ البِحارَ، وتُدَمِّرُ ثُلْثَ البِحارِ دُونَ أنْ تُحْدِثَ أمواجًا تَفوقُ الوَصف. فَسوفَ تَكونُ هُناكَ كُرَةٌ نَاريَّةٌ تُطْرَحُ في البَحر؛ عَدا عَنِ النِّيرانِ الأخرى الَّتي ستَنزِلُ على الأرضِ وتَحرِقُ ثُلْثَ كُلِّ شَيءٍ على الكُرةِ الأرضيَّة. وَهَذِهِ لَمْحَةٌ عَنِ النَّارِ المُدَمِّرَةِ للكَونِ الَّتي ستَلتَهِمُ كُلَّ شَيءٍ في نِهايةِ الألفِ سَنَة عندما يَصنَعُ اللهُ سَماواتٍ جَديدةً وأرضًا جَديدة.
ونَجِدُ في الأصحاحِ التَّاسِعِ مِن سِفْر الرُّؤيا لَمحَةً أخرى لِما سيَحدُث. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسعِ والعددِ السَّابع عَشَر أنَّ جَيشًا عَظيمًا سيَأتي عِندَ التَّبويقِ بالبُوقِ السَّادِس. "وَهكَذَا رَأَيْتُ الْخَيْلَ فِي الرُّؤْيَا وَالْجَالِسِينَ عَلَيْهَا، لَهُمْ دُرُوعٌ نَارِيَّةٌ وَأَسْمَانْجُونِيَّةٌ وَكِبْرِيتِيَّةٌ، وَرُؤُوسُ الْخَيْلِ كَرُؤُوسِ الأُسُودِ، وَمِنْ أَفْوَاهِهَا يَخْرُجُ نَارٌ وَدُخَانٌ وَكِبْرِيتٌ. مِنْ هذِهِ الثَّلاَثَةِ قُتِلَ ثُلْثُ النَّاسِ، مِنَ النَّارِ وَالدُّخَانِ وَالْكِبْرِيتِ [الَّتي تُشبِهُ الحُمَمَ البُركانِيَّةَ] الْخَارِجَةِ مِنْ أَفْوَاهِهَا".
وَهَذا وَصْفٌ تَصويريٌّ لِقُوَّةٍ نَارِيَّةٍ هَائِلَة. فَرُبَّما سيَفتَحُ اللهُ الأرضَ ويُطلِقُ كُلَّ مَا فيها مِنْ حُمَمٍ بُركانِيَّةٍ تَصِلُ حَرارَتُها كَما نَعلَمُ إلى أكثرِ مِن خَمسةِ آلافِ دَرَجَةٍ مِئويَّة فَتَلتَهِمُ ثُلْثَ العَالَم. وهذهِ نَظرةٌ أوليَّةٌ وَحَسْب. فَهِيَ لَمْحَةٌ وَحَسْب عَمَّا سيَحدُثُ في نِهايةِ المُلْكِ الألفِيِّ.
ثُمَّ افتَحُوا على الأصحاحِ السَّادس عَشَر مِن سِفْر الرُّؤيا والعَددِ الثَّامِن حيثُ تَجِدونَ الدَّينوناتِ الأخيرة. فأنتُم تَقرأونَ أوَّلاً عَن دَينوناتِ الأختام، ثُمَّ تَقرأونَ عَن دَينوناتِ الأبواقِ الَّتي سَتَأتي في صُورةِ نَارٍ سَريعَة. ثُمَّ تَقرأونَ عَن دَينوناتِ الجَامات الَّتي هِيَ أسرَعُ مِنَ البَقِيَّةِ إذْ إنَّها تَحدُثُ بِسُرعةً عَاليةٍ جدًّا جدًّا في نِهايةِ فَترةِ الضِّيقةِ العَظيمَةِ قَبلَ مَجيءِ الرَّبِّ يَسوعَ مُباشرةً. وَنَقرأُ في العَددِ الثَّامِنِ مِنَ الأصحاحِ السَّادس عَشَر: "ثُمَّ سَكَبَ الْمَلاَكُ الرَّابعُ جَامَهُ عَلَى الشَّمْسِ، فَأُعْطِيَتْ أَنْ تُحْرِقَ النَّاسَ بِنَارٍ، فَاحْتَرَقَ النَّاسُ احْتِرَاقًا عَظِيمًا، وَجَدَّفُوا عَلَى اسْمِ اللهِ الَّذِي لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى هذِهِ الضَّرَبَاتِ، وَلَمْ يَتُوبُوا لِيُعْطُوهُ مَجْدًا".
لا أدري مَا الَّذي يَفعلُهُ الرَّبُّ. فَكأنَّهُ يَأمُرُ المَلاكَ بأنْ يَسكُبَ وَقودًا على الشَّمسِ فتَصيرُ أَحْمَى مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى وتَبتدِئُ حَرفِيًّا بِحَرْقِ النَّاسِ الَّذينَ في العَالَم.
وَنَجِدُ في الأصحاحِ الثَّامِن عَشَر نَظرةً أخرى لِما سيَحدُث. فنَحنُ نَقرأُ هُنا عنْ تَفَكُّكِ عَالَمِ الإنسانِ، ومُؤسَّساتِه، واقتِصادِه، أيْ عَن سُقوطِ بَابِل العَظيمَة. فنَحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "...فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَتَأتِي ضَرَبَاتُهَا: مَوْتٌ وَحُزْنٌ وَجُوعٌ، وَتَحْتَرِقُ بِالنَّارِ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ الَّذِي يَدِينُهَا قَوِيٌّ".
ثُمَّ أخيرًا، هُناكَ مَا جَاءَ في الأصحاحِ العِشرين والعَددِ التَّاسع. فَنَحنُ نَجِدُ في نِهايةِ الألفِ سَنَة أنَّ الشَّيطانَ حُلَّ مِنْ سِجْنِه. وَهُوَ يَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ عَاشُوا خِلالَ الألفِ سَنَة وَرَفَضُوا المَسيح. فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ...". وَسَوفَ يُحاوِلُ جَميعُ المُتمرِدينَ الَّذينَ خَرَجُوا مِنَ المَلكوتِ أنْ يَشُنُّوا هُجومًا على "...الْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ. وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِين".
هذهِ هِيَ نُقطةُ البِدايةِ للدَّمارِ الأخيرِ بالنَّارِ الَّتي سَتَحرِقُ كُلَّ الكَون. فَهكذا سَيَنتهي كُلُّ العَالَم. وقد أَعطانا الرَّبُّ تَحذيراتٍ كَثيرةً جدًّا في العهدِ القديمِ، وفي العهدِ الجديدِ، وَأعطانا نَظرةً أوليَّةً زَاخِرَةً جدًّا بالتَّفاصيلِ لِما سيَحدُثُ في نِهايةِ سَنواتِ الضِّيقةِ السَّبْع قَبلَ عَودةِ يَسوعَ لتأسيسِ مُلْكِهِ الألفِيِّ. ثُمَّ إنَّهُ يُعطينا لَمْحَةً عَنْ تِلكَ النَّارِ الشَّديدةِ الَّتي سَتَنزِلُ على ذلكَ الجَيشِ المُتَمرِّدِ الَّذي سيُحارِبُ يَسوعَ المَسيحَ في نِهايةِ مَمْلَكَتِهِ الأرضيَّة.
ثُمَّ يَأتي الدَّمارُ الشَّامِلُ عندما يَحتَرِقُ كُلُّ الكَونِ وتَذوبُ العَناصِرُ بِفِعْلِ النَّارِ القَويَّة. فَهِيَ سَتَذوبُ تَمامًا. وَما الَمقصودُ بالكلمة "عَناصِر"؟ إنَّها تَرجمةٌ للكمة "ستويكيا" (stoicheia) مَرَّةً أخرى. وَهِيَ تَعني أصغرَ المُكَوِّناتِ الَّتي تُؤلِّفُ المَادَّة. فَأصغرُ الأجزاءِ في المَادَّةِ سَتَذوب. ونَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 17: "وَالْعَالَمُ يَمْضِي". أيِ الكَونُ والأرضُ. والكلمة "عَالَم" تُشيرُ إلى النِّظامِ كُلِّهِ بأجزائِهِ الاجتماعيَّةِ، والاقتصاديَّةِ، والثَّقافيَّةِ، والدِّينيَّةِ وَغَيرِها. فَكُلُّ شَيءٍ فيهِ سيَحترِق.
وعِندَما يَأتي يَومُ اللهِ، يَكونُ الدَّمارُ الأخيرُ قَد حَدَث. ويَكونُ يَومُ الإنسانِ قَدِ انتَهى. لِذا فإنَّهُ يُسَمَّى يَومُ الله. فَهُوَ ليسَ يَومَ الإنسان. فَإفسادُهُ للكَونِ هُوَ والمَلائِكَةُ السَّاقِطَةُ قَدْ دِيْنَ أخيرًا. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ في العَددِ الثَّالث عَشَر: "وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ..." [لا يَومَ الرَّبِّ، بَلْ نَنتظرُ يَومَ اللهِ... أو يَومَ الدَّهرِ] "...سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ".
"بِحَسَبِ وَعْدِهِ" (بِصيغَةِ المُفرَد). فالوَعْدُ ذُكِرَ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ بأنَّ الرَّبَّ سيَصنَعُ سَماواتٍ جَديدةً وأرضًا جَديدةً، وَبأنَّ الفِرْدَوْسَ سَيُستَرَدُّ بعدَ الهَلاكِ بالنَّار. وَنَحنُ نَنتظرُ ذلك؛ أيْ نَنتظرُ سَماواتٍ جَديدةً وأرضًا جَديدة. وهذهِ هِيَ حَقًّا فِكرةٌ وَاحِدَة. فَلا تُوجَدُ أَداتَا تَعريفٍ هُنا. لا تُوجَدُ أيَّةُ أداةِ تَعريفٍ هُنا. بَلْ إنَّنا نَنتظِرُ سَماواتٍ وأرضًا جَديدة بِوَصْفِهِما شَيئًا واحِدًا. هَذا هُوَ وَعدُ الله. فَبِحَسَبِ وَعْدَ اللهِ الَّذي لا يَكذِب، والَّذي يَقولُ الحَقَّ دَائِمًا، فإنَّنا نَنتظِرُ عَالَمًا جَديدًا، أو كَوْنًا جَديدًا.
وَهَذا الوَعدُ قَديمٌ جدًّا. فَهَذا الوَعدُ قَديمٌ جدًّا إذْ إنَّنا نَقرأُ عَنهُ في سِفْرِ المَزامير. ففي المَزمور 102 على سَبيلِ المِثال، نَقرأُ في العَدد 25: "مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ". السَّماواتُ الجَديدةُ والأرضُ الجَديدة. وَقد رآها إشَعياءُ أيضًا إذْ نَقرأُ في سِفْر إشَعْياء 65: 17: "لأَنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً..." [ثُمَّ استَمِعُوا إلى مَا يَقول]: "...فَلاَ تُذْكَرُ الأُولَى وَلاَ تَخْطُرُ عَلَى بَال".
اسمَعوني: إنَّ واحِدةً مِنَ الحَقائقِ العَظيمةِ المُختصَّةِ بالأبديَّةِ هِيَ أنَّكُم لَن تَذكُروا مَا حَدَثَ قَبلاً. فَسوفَ تَنشَغِلونَ تَمامًا في السَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدةِ فَلا تَذكرونَ الأشياءَ القَديمَةَ وَلا تَخطُرُ حتَّى على بَالِكُم. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "بَلِ افْرَحُوا وَابْتَهِجُوا إِلَى الأَبَدِ فِي مَا أَنَا خَالِقٌ". ثُمَّ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 66: 22 أنَّهُ يَقولُ مَرَّةً أخرى: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي أَنَا صَانِعٌ تَثْبُتُ أَمَامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وَاسْمُكُمْ".
يَقولُ بُطرسُ: "أجل! بِحَسَبِ وَعْدِهِ، سَتَكونُ هُناكَ سَماواتٌ جَديدةٌ وأرضٌ جَديدة". والكَلِمَة "جَديدة" هِيَ تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "كاينوس" (kainos). وَهِيَ تَعني: جَديدةٌ في شَكلِها وليسَ في تَرتيبِها الزَّمَنِيِّ. فَهِيَ ليسَت جَديدةً فقط في التَّرتيب، بَل أيضًا في شَكلِها. فَهِيَ ستَكونُ مُختلفةً، ولا تُشبِهُ أيَّ شَيءٍ آخرَ عَرَفناه. وكيفَ يُلَخِّصُ جِدَّتَها؟ بِصورةٍ بَديعةٍ إذْ يَقولُ في العَدد 13: "يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ". والكلمة "يَسكُنُ" لا تَفي الكَلِمَةَ حَقَّها يا أحبَّائي... لا تَفِي الكَلِمَةَ حَقَّها. فَهُناكَ كَلِمة يُونانيَّة هِيَ "أويكيئو" (oikeo) تَعني: "يَجلِسُ في البيت" – "يَجلِسُ في البَيت". أمَّا هذهِ الكلمة فَهِيَ "كاتويكيه" (katoikeo).
وَكما قُلتُ لَكُم سَابِقًا، عندما تُضيفونَ حَرْفَ جَرٍّ إلى فِعْلٍ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ فإنَّكُم تُشَدِّدونَ عَلى مَعناه. لِذا فإنَّ الفِعلَ "كاتويكيئو" (katoikeo) يَعني: يَسكُنُ ويَستقِرُّ في البيت. يَسكُنُ ويَستقِرُّ في البيت، أو يَتَّخِذُهُ لَهُ مَقَرًّا دَائِمًا وَمُريحًا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ العَالَمَ الجَديدَ هُوَ عَالَمٌ لا يَعودُ فيهِ البِرُّ غَريبًا، وَلا يَعودُ فيهِ البِرُّ هَائِمًا، وَلا يَعودُ فيهِ البِرُّ أجنَبِيًّا؛ بَلْ هُوَ عَالَمٌ يَستوطِنُ فيهِ البِرُّ ويَجِدُ فيهِ سُكْنَى دَائِمَة وَرَائِعَة. هَذا هُوَ العَالَمُ الَّذي نَتوقُ إليه. وَهَذا هُوَ العَالَمُ الَّذي وُعِدْنا بِهِ في يَسوعَ المَسيح. وَهَذا هُوَ العَالَمُ الَّذي يَتَّجِهُ إليهِ تَاريخُنا. وَهَذا هُوَ مَا أُعِدَّ لِلَّذينَ يُحِبُّونَهُ.
وَفي سِفْر إشَعْياء 60: 19، يَكتُبُ إشَعْياءُ عَن ذلكَ العَالَم. استَمِعُوا إلى مَا يَقول: "لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُورًا فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئًا". ألَنْ يَكونَ هَذا الأمرُ مُدهشًا؟ فَلَنْ تَكونَ هُناكَ شَمسٌ تُنيرُ العَالَمَ، وَلَن يَكونَ هُناكَ قَمَرٌ يُنيرُ العَالَم. "بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا". يا لَها مِن جُملةٍ رَائِعَة! "وَإِلهُكِ زِينَتَكِ. لاَ تَغِيبُ بَعْدُ شَمْسُكِ، وَقَمَرُكِ لاَ يَنْقُصُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا، وَتُكْمَلُ أَيَّامُ نَوْحِكِ. وَشَعْبُكِ كُلُّهُمْ أَبْرَارٌ". يا لَها مِن كَلماتٍ رَائِعَة! فَكُلُّ شَعبِكَ سيَكونونَ أبرارًا.
انظُروا إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الحَادي والعِشرين. وَهَذا وَصفٌ مِنَ العهدِ الجديد. رُؤيا 21: 1: "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ". فَلا يُوجَد فَصْلٌ بينَهُما. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ". هَذا هُوَ مَسْكَنُ البِرِّ لأنَّهُ مَسكَنُ اللهِ لأنَّ اللهَ هُوَ النُّورُ... النُّورُ الأبديُّ.
ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الرَّابع: "وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». وَقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ [أيِ الرَّبُّ]: «هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!»". فَكُلُّ الأشياءِ سَتَصيرُ جَديدةً. "وَقَالَ لِيَ: «اكْتُبْ: فَإِنَّ هذِهِ الأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ». ثُمَّ قَالَ لِي: «قَدْ تَمَّ! أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّانًا. مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا".
فَإذا أردتَ أن تَكونَ في هذهِ المَملكةِ، يَجِبُ عَليكَ أن تَغلِب. وَقد تَقول: "وكيفَ أغلِب؟" لَقد أَجابَ يُوحَنَّا عَن هَذا السُّؤال. فَما الَّذي يَغلِبُ؟ "إيمانُنا". الإيمانُ بِمَن؟ "الإيمانُ بيسوعَ المَسيح". ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّامِن: "وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي".
انظروا إلى العَدد 23. وَهُنا أيضًا نَقرأُ كَلماتٍ مُشابهةً لما جاءَ في سِفْر إشَعْياء: "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا. وَتَمْشِي شُعُوبُ الْمُخَلَّصِينَ بِنُورِهَا، وَمُلُوكُ الأَرْضِ [أيِ المَفديُّونَ] يَجِيئُونَ بِمَجْدِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا. وَأَبْوَابُهَا لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا، لأَنَّ لَيْلاً لاَ يَكُونُ هُنَاكَ. وَيَجِيئُونَ بِمَجْدِ الأُمَمِ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا". فَجَميعُ الأُمَمِ سَتَكونُ هُناكَ تَتَمَتَّعُ بهذا المَجد. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَدد 27: "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوف".
فَهِيَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ فيهِ البِرُّ ويَستَقِرُّ إلى الأبد. وَهُوَ المَكانُ الَّذي لا يَشعُرُ فيهِ البِرُّ بأنَّهُ غَريب. وَهُوَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُهُ اللهُ. يا لَهُ مِن عَالَم! يَا لَهُ مِن عَالَم! وَيَنبغي أنْ يَكونَ رَدُّنا شَبيهًا بِرَدِّ يُوحَنَّا. افتَحُوا على الأصحاحِ الثَّاني والعِشرين مِن سِفْر الرُّؤيا والعَددِ الثَّامن: "وَأَنَا يُوحَنَّا الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ وَيَسْمَعُ هذَا. وَحِينَ سَمِعْتُ وَنَظَرْتُ، خَرَرْتُ لأَسْجُدَ". فَقد كَانَ قَلبُهُ مُستقيمًا، ولكِنَّهُ سَجَدَ في المَكانِ الخَطأ. فَقد سَجَدَ أمامَ رِجْلَيِّ مَلاكٍ فقَالَ لَهُ المَلاكُ: "انهَض واسجُد لله. فَهُوَ الَّذي فَعَلَ هَذا". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 20: "يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا: «نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا»". وَما هُوَ رَدُّ يُوحَنَّا؟ "آمِين!" ثُمَّ مَاذا؟ "تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ!" - "تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ!"
وَكَما تَرَوْنَ، حَيثُ إنَّنا نَعلَمُ أنَّنا مُتَّجِهونَ إلى السَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة، وَحَيثُ إنَّنا نَعلمُ أنَّنا سَنَنجُو مِن يَومِ الرَّبِّ بِمَرْحَلَتَيْهِ الأولى والثَّانية، وَحَيثُ إنَّنا نَعلَمُ أنَّنا سَنَنجُو مِنَ الدَّينونَةِ لأنَّهُ تَمَّ تَعيينُنا للحَياةِ الأبديَّةِ، والمَجدِ الأبديِّ، والبِرِّ الأبديِّ، وَأنَّ مَسْكَنَنا الأبديَّ سيَكونُ في يَومِ اللهِ الأخيرِ حيثُ يَسكُنُ البِرُّ، وَحَيثُ إنَّ هذهِ هِيَ خُطَّةَ اللهِ لَنا وَإنَّ هَذا هُوَ السَّببَ في أنَّهُ فَدانا، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ نَكون! مِنَ المُؤكَّدِ أنَّنا لَن نَكونَ مِثلَ الأشخاصِ الَّذينَ سيَقضُونَ الأبديَّةَ في بُحيرةِ النَّار.
إذًا أوَّلاً، يَجِبُ علينا أن نَكونَ شَعبًا يَتَّصِفُ بالتَّرَقُّب. فيجبُ علينا أن نَعيشَ في تَرَقُّب. فَهُناكَ سِلسلةٌ مِنَ الأحداث. فسوفَ يَأتي الرَّبُّ يَسوعُ لِكَيْ يَخطَفَ كَنيسَتَهُ، ثُمَّ سَتَأتي المَرحلةُ الأولى مِن يَومِ الرَّبِّ حيثُ الدَّينونَة. ثُمَّ سَنأتي مَعَهُ لِنَملِكَ مَعَهُ في ذِلكَ المُلْكِ الألفِيِّ في أجسادِنا المُمَجَّدَة.
وَفي نِهايةِ تلكَ الفَترةِ سَيُدَمِّرُ اللهُ الكَونَ ويَحفَظُ الأبرارَ والمَفديِّينَ مِن ذلكَ الدَّمارِ، ويأتي بِنا أخيرًا في نِهايةِ الألفِ سَنَة إلى يَومِ الله. هَذا هُوَ المَصيرُ الَّذي أَعَدَّهُ لَنا، وَهَذا هُوَ مَا يَنبغي لَنا أن نَتَرَقَّبَهُ. فيجبُ علينا أن نَعيشَ في تَرَقُّب. وَما زَالَتِ الزُّبْدَةُ في انتِظارِنا. فَهُناكَ أشياءٌ غَنِيَّةٌ كَثيرةٌ جدًّا في هذا النَّصّ. دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ يا أبانا مَرَّةً أخرى على هذا التَّذكيرِ الرائعِ بالمُستقبلِ الَّذي يَنتظرُنا. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ كَتَبْتَ أسماءَنا في سِفْرِ حَياةِ الخَروف. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ جَعلتَ قُلوبَنا تَرْنُو بإيمانٍ إلى يَسوعَ المسيحِ وَنَخلُص. ونَشكُرُكَ لأنَّنا نَتَّجِهُ إلى السَّماء. ونَشكُرُكَ لأنَّنا لَنْ نُدانَ، بَلْ سَنَعرِفُ فقط المَجدَ الأبديَّ؛ لا لأنَّنا نَستَحِقُّ ذلك، وَلا لأنَّنا فَعلنا أيَّ شَيءٍ يَجعلُنا نَستَحِقٌّ ذلك، بَل لأنَّكَ أحببتَنا وَبَذَلْتَ نَفسَكَ عَنَّا، ولأنَّنا تَلَقَّيْنا [بِبَساطَةٍ] الدَّعوةَ إلى الخَلاصِ مَجَّانًا.
يا أبانا، صَلاتي مِن أجلِ جَميعِ الأشخاصِ الحَاضِرينَ هُنا ويَتَّجِهُونَ نَحوَ أهوالِ الدَّينونَةِ هِيَ أنْ تُغَيِّرَ في هَذا المَساءِ قُلوبَهُم لكي يَأتُوا إلى يَسوعَ المَسيح؛ لا فقط لكي يَحصُلوا على البَرَكَةِ والفرَحِ والسَّلامِ في هذهِ الحَياةِ، بَل لِكَي يَحصُلوا أيضًا على المَجدِ الأبديِّ. يا رَبّ، نُصَلِّي أن تُخَلِّصَ كَثيرينَ في هذا المَساء، وَأنْ تَجذِبَهُم إليكَ ليَصيروا أولادَ اللهِ الَّذينَ يَرِثُونَ السَّماواتِ الجَديدةَ والأرضَ الجَديدة. وصَلاتُنا لأجلِنا نَحنُ المُؤمِنينَ، يا رَبُّ، هِيَ أن نَعيشَ في تَرَقُّب، وَأن نَعيشَ في شَوقٍ مُنتظرينَ عَودةَ المُخَلِّصِ، وَأن نَترقَّبَ بِشَوقٍ وَلَهفةٍ أنْ يَعودَ كَيْ نَدخُلَ إلى ذلكَ المَكانِ الَّذي أُعِدَّ لَنا ونَصيرَ مُشابِهينَ لِيَسوعَ المَسيح، وَنَسكُنَ في بِرِّهِ الأبديِّ في حَضرَتِكَ. نُصَلِّي هذا باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
