Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ في هذا المَساءِ [مِن أجلِ مُتابعةِ دِراسَتِنا للحَقِّ الإلهيِّ الثَّمين] على رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث. وَنَحنُ نَخْتِمُ الآنَ دِراسَتَنا مِن خِلالِ التَّأمُّلِ في المَقطعِ الأخيرِ مِن هذهِ الرِّسالةِ العَظيمة. وأرجو أن نَتمكَّنَ مِنَ القِيامِ بِذلكَ في هذا المَساء؛ ولكنِّي لن أبذُلَ جُهدًا كَبيرًا مِن أجلِ تَحقيقِ ذلك لأنَّ الحَقَّ المَذكورَ هُنا مُهِمٌّ جدًّا لنا. رِسالةُ بُطرسَ الثَّانية والأصحاح الثَّالث. ونَحنُ نَتأمَّلُ في المَقطَعِ المُمتدِّ مِنْ بِدايةِ العَدَد 11 إلى نِهايةِ العَدَد 18، وَهُوَ بِعُنوان: "العَيشُ في ضَوْءِ عَودَةِ المَسيح". وَقد طَرَحْنا السُّؤالَ التَّالي. فَحيثُ إنَّنا نَقرأُ في هذا الأصحاحِ الثالثِ عن عَودةِ المَسيح، فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ هُنا هُوَ: مَا الَّذي يَعنينا نَحنُ المُؤمِنينَ إنْ كَانَ يَسوعُ سَيَعود؟

لَقد تَحَدَّثَ بُطرسُ عن مَجيءِ يَومِ الرَّبِّ. وَقد قُلنا لَكُم إنَّهُ بَعدَ يَومِ الرَّبِّ، هُناكَ يَومٌ عَظيمٌ آخر يُدعَى "يَوم الله"، ويُدعَى أيضًا في العَدد 18: "يَوم الدَّهر". وَنَحنُ المُؤمِنينَ لا نَترَقَّبُ بالضَّرورةِ يَومَ الرَّبِّ (أيِ الدَّينونة)، بَل نَتَرَقَّبُ يَومَ اللهِ (أيِ اليَومَ الأبديَّ، أو يَومَ السَّماواتِ الجَديدة والأرض الجَديدة).

فَنَحنُ نَترَقَّبُ بِفَرَحٍ الدُّخولَ إلى خَليقَةِ اللهِ المَجيدةِ والأبديَّة. فَنَحنُ نَتوقُ إلى ذلك، وَلا نَتوقُ إلى يَومِ الرَّبِّ الَّذي هُوَ وَقتُ دَينونَةٍ مُريعَة، وَوَقتُ هَلاكٍ للخُطاةِ، بَلْ نَتوقُ إلى الحَالةِ الأبديَّةِ مِنَ المَجدِ والبِرِّ في يَومِ اللهِ، أو إلى ذلكَ اليَوم الَّذي يَكونُ فيهِ اللهُ الكُلَّ في الكُلِّ. وَ "يَومُ اللهِ" هَذا [كَما تُلاحِظون] مَذكورٌ في العَددِ الثَّاني عَشَر مِن هذا النَّصّ.

وَمَعَ أنَّنا لَم نَدخُل بَعد في يَومِ اللهِ، ولَن نَدخُلَهُ إلاَّ بَعدَ المُلْكِ الألفِيِّ، فإنَّنا نَترَقَّبُ ذلكَ مُنذُ الآن. كذلكَ، نَحنُ مُواطِنونَ أصلاً في تِلكَ الحَالَةِ الأبديَّة. "فَمُواطِنِيَّتُنا..." [كَما يَقولُ بُولسُ في رِسالةِ فيلبِّي] "هِيَ في السَّماوات". وَنَحنُ نَنتَظِرُ المَدِينَةَ الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا الله. وتِلكَ هِيَ المَدينَةُ السَّماويَّة، أو أورُشَليمُ الأبديَّةُ الجَديدة، أوِ السَّماواتُ الجَديدةُ والأرضُ الجَديدة الَّتي سَتَكونُ مَسْكَنَنا الأخير. لِذا فإنَّنا نَعيشُ في تَرَقُّبٍ لذلكَ المَجدِ الأبديِّ، ويَومِ اللهِ الأبديِّ ذاك.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ!" فَما هِيَ آثارُ دَمارِ الكَونِ كُلِّهِ عِنْدَما يَحتَرِقُ كُلُّهُ بِنار، ثُمَّ يَأتي خَلْقُ السَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدةِ، وَيَأتي مَجيءُ يَومِ اللهِ الَّذي سَتَسكُنونَ فيه؟ فَحَيْثُ إنَّهُ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُم مُواطِنونَ تَنْتَمونَ إلى ذلكَ اليَومِ المَجيد، وإلى ذلكَ المَلكوتِ الأبديِّ، وإلى ذلكَ الكَونِ الجَديدِ الأبديِّ، أيُّ أُناسٍ يَجِبُ أن تَكونوا!

وَقد قُلنا إنَّ هَذا ليسَ سُؤالاً، بَلْ هُوَ جُملةٌ تَنْتَهي بِعلامَةِ تَعَجُّب. وَكَأنَّ لِسانَ حَالِ بُطرسُ هُوَ: "أيَّ أُناسٍ رَائِعينَ يَجِبُ عَلينا أن نَكون!" أو "يَا لَها مِن حَالةٍ مُمتازَةٍ يَنبغي أن نَتَّصِفَ بِها وَنَعيشَ بِها!" فحيثُ إنَّ يَسوعَ آتٍ لِكَي يَدينَ الأشرارَ، وإنَّهُ آتٍ لِكَي يُدَمِّرَ الكَونَ المَلعونَ بِسَببِ الخَطيَّةِ ويَخلِقَ عِوَضًا عَنهُ كَوْنًا جَديدًا مِن أجلِنا لِكَي نَسكُنَ فيهِ إلى الأبد، يَنبغي أن يُؤثِّرَ ذلكَ في حَياتِنا بِقوَّة. فَنَحنُ مُواطِنونَ في ذلكَ المَلكوتِ الأبديِّ.

كيفَ يَنبغي أن يُؤثِّرَ ذلكَ فينا؟ يَقولُ بُطرسُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى". والسِّيْرَةُ المُقَدَّسَةُ تُشيرُ إلى أفعالِنا. أمَّا التَّقوى فَتُشيرُ إلى مَواقِفِنا. فَفي مَواقِفِنا وأفعالِنا، يَجِبُ علينا أن نَنفَصِلَ عَنِ الخَطيَّةِ وَأنْ نَكونَ قِدِّيسينَ وَأتقياء. والآن، مَا مَعنى ذلك؟ وَكيفَ نَفهَمُ ذلك؟ وَما هِيَ مُكَوِّناتُ ذلك؟ وَما هِيَ عَناصِرُ ذلكَ المَوقِفِ التَّقِيِّ وَذلكَ السُّلوكِ التَّقِيِّ؟ للإجابَةِ عَن هذا السُّؤالِ يَنبغي أن نَنظُرَ إلى العَددِ الثَّاني عَشَر. وَقد قُلتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ بُطرسَ سَيَذكُرُ لَنا بِضْعَ صِفاتٍ أو عَناصِرَ أو سِماتٍ تُلائِمُ تِلكَ المَواقِفِ والأفعالِ الَّتي يَنبغي أنْ نَتَّصِفَ بِهَا. وَهذهِ الصِّفاتُ هِيَ تَعريفٌ مُفَصَّلٌ للسِّيْرَةِ المُقَدَّسَةِ والتَّقوى.

في المَرَّةِ السَّابقةِ، قُلتُ لَكُم إنَّ الصِّفَةَ الأولى هِيَ التَّرَقُّب. فَنحنُ نَقرأُ في العَدَدَيْن 12 و 13: "مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ". لاحِظُوا أنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّاني عَشَر إنَّنا نَنْتَظِرُ تَحقيقَ ذَلِكَ بِسُرعَة. ونَقرأُ في العَدد 13 أيضًا أنَّنا نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَة. لِذا، يَجِبُ علينا أن نَعيشَ في انتظارٍ أو تَرَقُّب. وَقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ بالتَّفصيل في المَرَّةِ السَّابقة.

والآن، لِنَنتقِل إلى الأمرِ الثَّاني أوِ العُنصُرِ الثَّاني في وَصاياه هُنا. فَلا يَكفي أنْ نَتَّصِفَ بالتَّرَقُّب، بَلِ اسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم كلمةً أخرى ثُمَّ سَأشرَحُها. فينبغي أنْ نَتَّصِفَ بالسَّلام. يَنبغي أنْ نَتَّصِفَ بالسَّلام. فينبغي أنْ نَكونَ في سَلام. وينبغي أن نَكونَ في حَالةٍ مِنَ السَّلام. أرجو أن تُلاحِظُوا مَا جَاءَ في العَدد 14: "لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ... فِي سَلاَم" – "لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ... فِي سَلاَم"..

"لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ..." – مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ هُنا؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَن يَومِ اللهِ، والسَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة، والحَالَةِ الأبديَّة، والمَملكةِ المَجيدةِ الَّتي تَنتَظِرُنا في حَضرةِ اللهِ إلى أبدِ الآبِدين. فحيثُ إنَّنا نَتَرَقَّبُ تلكَ الأشياء... وبالمُناسَبَة، إنَّ العِبارَةَ "أيُّها الأحِبَّاءُ" تَجعَلُ هَذا الكَلامَ مَقْصُورًا على المُؤمِنينَ فقط. فَهُوَ يَقولُ: "إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ [أيِ السَّماواتِ الجَديدةَ والأرضَ الجَديدةَ بِكُلِّ مَا فيها مِن أمجاد]، اجْتَهِدُوا". بِعبارةٍ أخرى: ابذُلُوا كُلَّ جُهْدٍ مُمكِن. فَهُوَ يُرَكِّزُ على وَاجِبِ المُؤمِن، ويُرَكِّزُ على مَسؤوليَّةِ المُؤمِنِ في أنْ يَبذُلَ كُلَّ جُهْدٍ مُمكِنٍ لأنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ في سَلام.

وأريدُ أن أُعَلِّقَ تَعليقًا صَغيرًا على العِبارَةِ "لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ". فَهذهِ عِبارَةٌ مُدهشةٌ جدًّا. فعندما يَأتي الرَّبُّ يَسوعُ، يَنبغي أنْ تُوجَدوا [شَخصيًّا] عِندَهُ. وأريدُ أن أُذَكِّرَكُم بذلكَ وَحَسْب. فَلن يَكونَ هُناكَ أيُّ شَيءٍ مَحجوب في ذلكَ اليوم، ولَن يَتِمَّ التَّغَاضِي عَن أيِّ شَيءٍ في ذلكَ اليوم؛ بَلْ إنَّ كُلَّ شَيءٍ سَيَنكَشِفُ في اليومِ الَّذي سَيَأتي فيهِ الرَّبُّ يَسوع. وَنَحنُ نُدرِكُ ذلكَ تَمامًا. فَنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الرَّابعِ أنَّهُ عندما يَأتي يَسوعُ فإنَّهُ سَيُنيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوب.

فعندما يأتي يَسوعُ، سَيَكشِفُ كُلَّ شَيءٍ فَعَلناه في حَياتِنا؛ خَيْرًا كَانَ أَم شَرًّا (كَما جَاءَ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كُورِنثوس والأصحاحِ الخَامِس). فَسَوفَ نُوْجَدُ عِندَهُ. وَهَذا يُؤكِّدُ على أنَّهُ هُوَ الَّذي سَيَأتي، وَأنَّهُ هُوَ الَّذي سيُواجهُنا عِندَما يَأتي. وحيثُ إنَّنا نَتَوَقَّعُ كُلَّ هذا، يَنبغي عِنْدَما يَجِدُنا أنْ يَرى أنَّنا اجْتَهَدْنا في العَيْشِ في سَلام. لِذا فإنَّهُ سَيَجِدُنا في سَلام.

وما الَّذي يَقصِدُهُ بذلك؟ مَا الَّذي يَقصِدُهُ بِقولِهِ إنَّهُ عِنْدَ عَودَتِهِ، أو عِندَما يَحدُثُ ذلك، يَنبغي أنْ نُوجَدَ في سَلام؟ مَا الَّذي يَقصِدُهُ؟ قَد يَعني هَذا أنْ نَكونَ في سَلامٍ مَعَ الله. وَقد يَعني هَذا أنْ يَجِدَنا في عَلاقَةِ سَلامٍ مَعَ الله؛ وَهَذا أَمْرٌ مُساوٍ للخَلاص (كَما جَاءَ في الأصحاحِ الخامِسِ مِن رِسالةِ رُومية، وفي الأصحاحِ الثَّاني مِن رِسالةِ أفسُس). ولكِنَّ النَصَّ هُنا يُخاطِبُ المُؤمِنينَ لأنَّهُ يَدعونا "أَحِبَّاء". فَهُوَ يَكتُبُ إلى مُؤمِنين. لِذا، لا يُعقَلُ أنْ يَقولَ إنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَكونَ مُخَلَّصين.

ولكِنَّهُ قَد يُشيرُ هُنا إلى عَدَدٍ مِنَ الأشخاصِ المُعتَرِفينَ الَّذينَ لَم يَخلُصوا في الكَنيسةِ والَّذين يَفتَخِرونَ بخَلاصٍ لا يَملِكونَهُ. لِذا، رُبَّما يُخاطِبُهُم ويَقولُ لَهُم أنْ يَجتَهِدوا حَتَّى عندما يَأتي يَسوعُ نَكونُ مُخَلَّصينَ حَقًّا. ولكنِّي لا أَظُنُّ أنَّ هَذا هُوَ المَعنى الرَّئيسيّ؛ مَعَ أنَّهُ قَد يَكونُ مَعنىً ثَانويًّا.

كذلك، مِنَ المُحتمَلِ أنَّهُ يَعني أنْ نَكونَ في سَلامٍ مَعَ المُؤمِنينَ الآخرين. وفي هذهِ الحالَةِ فإنَّهُ يَقولُ: عندما أعودُ لِتَأسيسِ مَملكتي المَجيدة، أريدُ أن أجِدَكُم تَعيشونَ في سَلامٍ بَعضُكُم مَعَ بَعض؛ أيْ في سَلامِ المَحبَّةِ المَسيحيَّةِ، وفي وَحْدانِيَّةِ الرُّوحِ بِرباطِ السَّلامِ (كَما نَسمَعُ مِنَ الرَّسولِ بولُس)؛ أيِ السَّلام مَع البَشَر.

ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّ هَذا التَّفسيرَ هُوَ أفضلُ تَفسيرٍ أيضًا مَعَ أنَّهُ قَد يَكونُ جُزءًا مِنْهُ بِكُلِّ تَأكيد. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ مَا يَقولُهُ هُنا هُوَ أنْ تَتَمَتَّعُوا بِسلامِ اللهِ، وَرَاحَةِ البَالِ الشَّخصيَّة، والسَّلامِ الَّذي يَنْبُعُ مِنَ الإيمانِ القَوِيِّ بالرَّبّ. فَفي الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي والأصحاحِ الرَّابع، نَجِدُ الكَلماتِ التَّاليةَ المَألوفَة الَّتي يَجْدُرُ أنْ نُذَكِّرَ أنفُسَنا بها: "فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع".

أعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ عَن ذلكَ النَّوعِ مِنَ السَّلامِ الَّذي يَحفَظُ القَلبَ والعَقل، أو عَن ذلكَ النَّوعِ مِنَ السَّلامِ الَّذي يَجعلُنا نَتحرَّرُ مِنَ القَلق، أو عَن ذلكَ النَّوعِ مِنَ السَّلامِ الَّذي يَجعلُنا نَتحرَّرُ مِنَ الخَوف، أو عَن ذلكَ النَّوعِ مِنَ السَّلامِ الَّذي يُجَنِّبُنا القَلَقَ مِنْ عَودةِ المَسيحِ خَوفًا مِن أن يَكتَشِفَ خَطايانا وَخَجَلَنا، أو عن ذلكَ النَّوعِ مِنَ السَّلامِ الَّذي يَجعلُنا مُتَحَرِّرينَ مِنَ القَلقِ بشأنِ المستقبل، أو عن ذلكَ النَّوعِ مِنَ السَّلامِ الَّذي يَجعلُنا لا نَخافُ مِن يَومِ الرَّبِّ، ودَينونَةِ المَسيحِ، وظُروفِ العَالَمِ، أو أيِّ شَيءٍ آخرَ لأنَّنا نَتمتَّعُ بِسلامِ الله. وَهَذا السَّلامُ (كَما يَقولُ الرَّسولُ بولُسُ في النَّصِّ الَّذي قَرأتُهُ لَكُم للتَّوّ) هُوَ سَلامٌ يَفوقُ العَقلَ البَشريَّ، ويَفوقُ قُدرةَ العَقلِ البَشريِّ على التَّفكير، ويَفوقُ التَّعريفَ البَشريَّ والتَّفسيرَ البَشريَّ.

فأعتقدُ أنَّ مَا يَقصِدُهُ هُوَ: "أريدُ عندما أعودُ أن تَكونوا في سَلامٍ تَامٍّ وَأنْ تَعيشُوا دُونَ خَوف". وهُناكَ طَريقةٌ أخرى لِقولِ ذلكَ وَهِيَ الطَّريقةُ الَّتي استَخدَمَها بولسُ عندما كَتَبَ إلى تيموثاوسَ وتَكلَّمَ عَن أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَ ظُهورَ المَسيح. فَهؤلاءِ الأشخاصُ يُحِبُّونَ ظُهورَ المَسيحِ لأنَّهُم لا يَشعُرونَ بالخَوفِ، وَلا يَشعرونَ بالقَلق. وَهَذا يَعني أنَّهُ يَنبغي أنْ تَكونَ مُتَيَقِّنًا مِن خَلاصِك. وَهَذا يَعني أنْ تَكونَ مُتيقِّنًا مِن حَقيقةِ إيمانِكَ المَسيحيِّ وَطاعَتِكَ حَتَّى إنَّكَ لا تَشعُرُ بالخَجَلِ مِن مَجيئِه.

وَهُوَ يَعني ألاَّ تَشعُرُ بالخَوفِ مِن أنْ يَتِمَّ القَبْضُ عَليكَ أوْ أنْ تُدَانَ في دَينونَةِ يَومِ الرَّبِّ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّ كُلَّ شَيءٍ عَلى مَا يُرام بينَكَ وبينَ الله. وَأنْ تَكونَ مُرتاحًا تَمامًا فيما تَتَرَقَّبُ نِهايَةَ العالَم. وَحَتَّى لو كُنتَ تَعلَمُ أنَّ ذلكَ سيَحدُثُ في السَّاعاتِ الأربع والعِشرينَ القادِمَة، يُمكِنُكَ أنْ تَضَعَ رَأسَكَ على وِسادَتِكَ بِطُمأنينَةٍ وَتَنام. فَأنتَ مُتَحَرِّرٌ مِنَ الخَوف، ومُتَحَرِّرٌ مِنَ القَلق.

وأتساءَلُ إنْ كَانَت هذهِ هِيَ حَالَتُكَ. وَأتساءَلُ إنْ عَرَفْتَ أنَّ يَسوعَ سَيَعودُ يَومَ غَدٍ مَساءً، كَيفَ سَتكونُ الحَالُ خِلالَ تِلكَ السَّاعاتِ الأربع والعشرين؟ أيْ أنْ تَعيشَ في سَلامٍ تَامٍّ، وَهُدوءٍ، ورَاحَةٍ عَالِمًا أنَّ حِسابَكَ مَعَ اللهِ سَليمٌ حَتَّى اللَّحظةِ الأخيرةِ، وَأن تَكونَ مُتَيَقِّنًا مِن أنَّهُ إنِ ابتدأَ يَومُ الرَّبِّ بعدَ أربعٍ وعشرينَ ساعة، وإنِ ابتدأتْ دَينونةُ اللهِ على العالَم، فإنَّ كُلَّ شَيءٍ سيَكونُ عَلى مَا يُرام بالنِّسبةِ إليك. فالتَّحَدِّي الحَقيقيُّ في الحَياةِ المسيحيَّةِ، يا أحبَّائي، هُوَ ليسَ أن تَرى إنْ كانَ بِمَقدورِكَ أن تَتَخلَّصَ مِن كُلِّ شَيءٍ مُزعِجٍ في حَياتِك.

كَما أنَّ التَّحَدِّي الحَقيقيَّ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ لا يَعني أنْ تَخلِقَ عَالَمًا كَامِلاً لكي تَكونَ سَعيدًا، بَل أن تَعيشَ في عَالَمٍ سَاقِطٍ بِصِفَتِكَ إنسانًا سَاقِطًا وَخاطِئًا مُحَاطًا بأُناسٍ سَاقِطينَ، في خِضَمِّ كُلِّ أشكالِ اللَّعنَةِ، وأنْ تَحتَمِلَ كُلَّ الألمِ، وتَشعُرَ بِسلامٍ تَامٍّ بأنَّ كُلَّ شَيءٍ على مَا يُرام بينَكَ وبينَ اللهِ، وبأنَّ مَقاصِدَهُ لأجلِكَ سَتتحقَّقُ تَمامًا كَما هِيَ مُعلنةٌ في الكتابِ المقدَّس. هَذا هُوَ السَّلامُ النَّابِعُ مِنَ اليَقين. وَهَذا هُوَ السَّلامُ النَّابِعُ مِنَ الشُّعورِ بالأمان. وَهَذِهِ هِيَ رَاحَةُ البَالِ لدى الإنسانِ الَّذي يَعلَمُ أنَّ الكُلَّ على مَا يُرام مَعَ اللهِ وَلا يَخجَلُ عِندَ ظُهورِ المَسيح. فَهَذا السَّلامُ (كَما يَقولُ بولُسُ في الأصحاحِ الرَّابعِ مِن رِسالةِ فيلبِّي) سَيَحفَظُ قُلوبَكُم ويَحفَظُ أفكارَكُم.

فإذا فَكَّرْتَ في عَودةِ المَسيحِ والحَالَةِ الأبديَّة، وفي السَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة، وفي الخُطَطِ الأبديَّةِ المَجيدةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ لَكَ، وَإذا فَكَّرْتَ في رُؤيَتِهِ وَجْهًا لِوَجهٍ، وإذا فَكَّرْتَ في اليومِ الَّذي سَتَدخُلُ فيهِ إلى أمجادِ حَضرَتِهِ وتَسكُنُ هُناكَ إلى الأبد، يَجِبُ عليكَ أن تَفرحَ وتَبتَهِجُ وَتَتَرَقَّبَ ذلكَ، وَأنْ تُحِبَّ ظُهورَهُ، وَأنْ تَصيحَ قَائِلاً: "آمين تَعالَ أيُّها الرَّبُّ يَسوع". فَينبَغي أَلاَّ يَكونَ هُناكَ أيُّ خَوفٍ في قَلبِكَ لأنَّكَ تَعلَمُ دُونَ أدنَى شَكٍّ أنَّ كُلَّ شَيءٍ على مَا يُرام.

وَنَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 4: 17: "أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّين". فَينبغي أنْ نَكونَ وَاثِقينَ تَمامًا مِن أنَّنا سَنَنجو مِن ذلكَ اليَوم. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "فيما تَنتَظِرونَ عَودةَ يَسوعَ المَسيحِ، يَنبغي أن تَعيشُوا في تَرَقُّبٍ، ويَنبغي أن تَعيشُوا في حَالةٍ مِنَ الطُّمأنينةِ في سَلامٍ تَامّ".

ثَالثًا، هُناكَ عُنصرٌ آخر في العَيشِ في ضَوْءِ عَودةِ المَسيحِ سَنُسَمِّيه: "الطَّهارَة". لِنَرجِع إلى العَدد 14 مَرَّةً أخرى. فَهُوَ يَقولُ في العَدد 14: "لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ" - "لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ". والآن، هَذا يُناقِضُ تَمامًا في اعتقادي المُعَلِّمينَ الكَذَبة. فَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ في العَددِ الثَّاني عندما وَصَفَ المُعَلِّمينَ الكَذَبَةَ أنَّهُ قَال إنَّهُم "أَدْنَاسٌ وَعُيُوبٌ".

فَعَلى النَّقيضِ مِن أنْ تَكونوا أَدْنَاسًا وَعُيُوبًا، أو أنْ تَكونوا كالقُروحِ والدَّمَامِل، يَنبغي أن تَكونوا بِلا دَنَسٍ وَلا عَيْب. وَهاتانِ اللَّفْظَتانِ تُشيرانِ إلى الشَّخصيَّةِ والسُّمعَة. وَهُما تُشيرانِ إلى شَخصيَّتِنا الحَقيقيَّةِ وَنَظرةِ النَّاسِ إلينا. فالعِبارَةُ "بِلا دَنَس" تُشيرُ إلى شَخصيَّتي أو مَنْ أكون في الحَقيقَة. فَلا يَجوزُ أنْ تَكونَ هُناكَ شَائِبَةٌ أوْ وَصْمَةٌ في حَياتي. والعِبارةُ "بِلا عَيْب" تُشيرُ إلى سُمعَتي، أو إلى نَظرةِ النَّاسِ إليَّ. فيَنبغي أنْ أكونَ "بِلا دَنَس" (أيْ: نَقِيًّا في حَقيقَتي)، وَأنْ أكونَ "بِلا عَيْبٍ" (أيْ: نَقِيًّا في سُمعَتي). فَهَكذا يُريد الرَّبُّ أن يَجِدَنا: أَنقياءَ في الحَقيقة، وأنقياءَ في السُّمعَة. بِلا دَنَسٍ في شَخصيَّتِنا، وبِلا عَيبٍ في سُمعَتِنا.

والآن، هُناكَ أربعَةُ احتِمالاتٍ بخصوصِ هَاتينِ العِبارَتَيْن. ويجبُ علينا أن نَتعامَلَ مَعَها بطريقةٍ وَاقِعيَّة. اسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم الاحتمالات الأربعة. فَهُناكَ احتمالٌ في أن تَكونَ بِلا دَنَسٍ ولكِنْ دُوْنَ أنْ تَكونَ بِلا عَيْب. مَا الَّذي أعنيهِ بذلك؟ أيْ أنَّهُ مِنَ المُحتَمَلِ أنْ تَعيشَ حَياةً نَقِيَّةً وَتَقيَّةً وَفَاضِلَةً، ولكِنَّكَ في نَظَرِ العَالَمِ لَسْتَ بِلاَ عَيْب. وَقَد يَرجِعُ السَّببُ في ذلكَ عَادَةً إلى أنَّهُ كَانَتْ تُوجَدُ شَائِبَةٌ في حَياتِكَ السَّابقةِ لَطَّخَتْ سُمعَتِكَ إلى حَدٍّ مَا حَتَّى إنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّكَ الآنَ بِلاَ دَنَسٍ فإنَّ النَّاسَ مَا زَالُوا يَذكُرونَ تِلكَ الشَّائِبَة.

لِذا، مَعَ أنَّهُ في الوقتِ الَّذي يَعودُ فيهِ المَسيحُ قَد يَكونُ كُلُّ شَيءٍ على مَا يُرام، وَأنَّكَ قَد تَكونُ بِلا دَنَس، قَد لا تَكُونُ بِلا عَيْب لأنَّهُ في وَقتٍ مَا مِن حَياتِكَ لَطَّخْتَ سُمعَتَكَ وشَهادَتَكَ للمَسيحِ وَتَتَحَمَّلُ الذَّنْبَ عَن ذلك. فَمِنَ المُمكِنِ أن تَكونُ بِلا دَنَسٍ وَلكِنْ دُونَ أنْ تَكونَ بِلا عَيْب.

وَمِنَ المُحتَمَلِ أنْ تَكونَ بِلا عَيْبٍ، ولكِنْ دُونَ أنْ تَكونَ بِلا دَنَس. فَمِنَ المُحتَمَلِ أَلاَّ يَعرِفَ النَّاسُ حَقيقَتَك. وَمِنَ المُحتَمَلِ أنَّهُ في حينِ أنَّ النَّاسَ قَد يَظُنُّونَ أنَّكَ بِلا دَنَسٍ فإنَّكَ لَستَ كَذلك، وَأنَّهُ في حِينَ أنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ أنَّكَ بِلا عَيْبٍ، وَأنَّ سُمعَتَكَ مُمتازَة، فَإنَّ الحَقيقةَ هِيَ أنَّكَ لَستَ بِلا دَنَس. لِذا، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ هُناكَ أشخاصًا بِلا دَنَس ولكِنَّهُم ليسُوا بِلا عَيْب، وَإنَّ هُناكَ أشخاصًا بِلا عَيْب ولكِنَّهُم ليسُوا بِلا دَنَس.

وَهُناكَ احتِمالٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أنَّهُ عِندما يَعودُ يَسوعُ فإنَّكَ سَتَكونُ بِلا دَنَسٍ مِنْ جِهَةِ شَخصيَّتِكَ قَدْرَ الإمكانِ مِن خِلالِ نِعمَتِهِ، وستَكونُ بِلا عَيْبٍ مِن جِهَةِ سُمعَتِك. أيْ أنْ تَكونَ حَياتُكَ وَسُمعَتُكَ نَظيفَتَيْن، وَأنْ تَكونَ حَياتُكَ وَسُمعَتُكَ نَقِيَّتَيْن. فَلَم تَكُن هُناكَ شَائِبَةٌ تُذْكَر في حَياتِك. وَهُناكَ احتِمالٌ رَابِعٌ وَهُوَ أنَّكَ لَسْتَ بِلا دَنَسٍ، وَلَسْتَ بِلا عَيْب. وأنا أَعني بذلكَ أنَّهُ يُوجَدُ دَنَسٌ وَيُوجَد عَيْبٌ. فَقَد تَكونُ بِلا دَنَسٍ وَلا عَيْب، وَقَد لا تَكونُ بِلا دنَسٍ وَلا بِلا عَيْبٍ. وفي تِلكَ الحَالَةِ، سَتَكونُ حَياتُكَ وَسُمعَتُكَ مُلَطَّخَتَيْنِ بالدَّنَسِ وَالعَيْب.

لِذا، مِنَ المُحتَمَلِ إذًا أنْ تَكونَ (كَما ذَكَرْنا) بِلا دَنَسٍ، ولكِنَّكَ لَسْتَ بِلا عَيْب. أيْ أنَّكَ خَلَصْتَ، ولكِنَّ الأشياءَ الرَّديئةَ الَّتي صَنَعْتَها في حَياتِكَ بَقِيَتْ عَالِقَةً في أذهانِ النَّاس. وَقَد تَكونُ بِلا عَيْبٍ ولكِنَّكَ لَسْتَ بِلا دَنَس. وَهَذا يَعني أنَّكَ مُراءٍ. وَقَد تَكونُ بِلا دَنَسٍ وَلا عَيْبٍ. وَهَذا يَعني أنَّكَ مُقَدَّسٌ. أو قَد لا تَكون بِلا دَنَسٍ وَلا بِلا عَيْبٍ. وَهَذا يَعني أنْ تَكون خَاطِئًا. وَقد ذَكَرْتُ هَذا لَكُم لكي تَرَوْا المَعاني العَديدةَ لهذهِ الجُملةِ الَّتي قَد تَبدو في الظَّاهِرِ بَسيطَة. فيجبُ علينا أنْ نَحذَرَ مِن وُجودِ الخَطيَّةِ في حَياتِنا. هَذا هُوَ المَعنى المَقصود. أوْ أنْ نَعيشَ حَياةً مُقَدَّسَة. فعندما يَعودُ الرَّبُّ فإنَّهُ يُريدُ مِنَّا أن نَكونَ طَاهِرين.

وَكيفَ يُمكِنُكَ أن تَكونَ هَكذا؟ اعلَم أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَعرِفَ خَطيَّتَكَ، وأنْ تُبغِضَ خَطيَّتَكَ، وَأنْ تَعتَرِفَ بِخَطِيَّتِكَ، وأنْ تَرغَبَ في أن تَعيشَ حَياةً مُقَدَّسَةً، وَأنْ تَمتَنِعَ عَنِ المَواقِفِ الَّتي فيها تَجرِبَة، وَأنْ تَكونَ أمينًا في استِخدامِ وَسائِطِ النِّعمَة (أيْ في استِخدامِ الوَسائِطِ الرُّوحيَّةِ مِثلَ دِراسَةِ الكتابِ المقدَّسِ، والصَّلاةِ، والعِبادَةِ) لكي تُحافِظَ على طَهارَةِ حَياتِك. فالرَّبُّ يَقول: "هَكَذا أريدُ مِنكُم أن تَعيشُوا إلى أن أعود". وَهَذا يَتَّفِقُ مَعَ مَا تَتَرَقَّبُهُ في الحَالَةِ الأبديَّة. فإنْ كُنتُ مُعَيَّنًا للطَّهارةِ الأبديَّةِ، وَإنْ كُنتُ مُعَيَّنًا للمَجدِ الأبديِّ، يَنبغي لي أن أسعَى للعَيشِ بتلكَ الطَّريقةِ الآن.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ: فيما نَتَرَقَّبُ عَودةَ المَسيحِ، هَذا هُوَ نَوعُ النَّاسِ الَّذينَ يَنبَغي أن نَكون. فينبغي أن نَتَّصِفَ بالتَّرَقُّبِ، والسَّلامِ، والطَّهارة. ثُمَّ إنَّ العَددَ الخَامِس عَشَر يُطْلِعُنا على الفِكرةِ الرَّابِعَة؛ وَهِيَ فِكرةٌ رَائِعَة. فَيَجِبُ عَلينا أنْ نَتَّصِفَ بالكِرازَة. يَجِبُ عَلينا أنْ نَتَّصِفَ بالكِرازَة. ففي أثناءِ انتظارِ هذهِ الحَالَةِ العَظيمةِ والمَجيدةِ والأبديَّةِ، فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 15 إنَّهُ يَنبغي لَنا أنْ نَحسِبَ: "أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا". بِعبارةٍ أخرى، يَجِبُ علينا أن نُحْسِنَ استِغلالَ وَقتِنا، وَطاقَتِنا، وَمَواهِبِنا، وَحَياتِنا لأجلِ الخَلاص. فالرَّبُّ يَتَأنَّى لِكَيْ يُخَلِّص.

لِنرجِع إلى العَددِ التَّاسِع. فَقد كَانَ المُشَكِّكونَ يَقولون: "الرَّبُّ لَمْ يَعُد. لَقد قالَ إنَّهُ سَيَعودُ ولكِنَّهُ لم يَعُد. انظُروا كَم مَضى مِنَ الوَقتِ دُونَ أن يَعود". لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ"؛ أيْ كَما قَد يَظُنُّ أُناسٌ. فَهَذا هُوَ المَعنى المَقصود. ولكِنَّ السَّببَ الَّذي يَجعَلُهُ يَبدو وَكأنَّهُ بَطيءٌ هُوَ أنَّهُ "يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَة". فَهُوَ يَنتَظِرُ بِصَبْر.

وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الثَّامِن: "وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ". لِذا فإنَّهُ لا يَحسِبُ الوَقتَ كَما تَفعلونَ أنتُم. بَلْ إنَّهُ صَبورٌ جدًّا، ورَحيمٌ جدًّا. فاللهُ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ. وَهُوَ لا يُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّير. واللهُ مُخَلِّصُنا (في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 2: 4) "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُون". فَهُوَ يَتَوانَى ويَتَوانَى، ويَتَأنَّى ويَتَأنَّى، وَيُريدُ أنْ يَتجاوَبَ الأشخاصُ الَّذينَ لم يَتوبوا بَعد مِن خِلالِ التَّوبة. وعندما قَالَ اللهُ لإسرائيل: "لِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟" (في سِفْر حِزْقيال 18: 31)، كَانَ يُؤكِّدُ عَطْفَهُ، ويُؤكِّدُ رَحمَتَهُ.

ويُمكِنُكم أن تَرَوْا صُورةَ هذهِ الأناةِ العَظيمةِ والرَّحيمةِ في قِصَّةِ الابنِ الضَّالّ الجَميلَة في الأصحاحِ الخَامِس عَشَر مِن إنجيل لُوقا. فالابنُ الضَّالُّ عَاشَ في العَالَمِ حَياةً جَامِحَةً مُمتلئةً بالفِسْقِ، وَأهْدَرَ امتيازاتِهِ المَذكورةِ في الكتابِ المقدَّسِ، وأهدَرَ فُرَصَهُ؛ ولكِنَّ أباهُ كَانَ يَنتظِرُ في البيتِ بِصَبْرٍ، ونِعمَةٍ، وتَحَنُّن. فقد رَاحَ يَنتَظِرُ ويَنتظِرُ ويَنتظِرُ إلى أنْ عَادَ الابنُ إلى البيت. وكذلكَ هِيَ الحَالُ مَعَ اللهِ الآب.

لِذا فإنَّ مَا يَقولُهُ بُطرسُ هُوَ: في هَذا الوقتِ مِن أناةِ اللهِ: "احْسِبُوا [في العَدد 15] أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا". وَعَودة إلى تِلكَ الفِكرةِ الَّتي ذَكَرناها قَبلَ بِضعة أسابيع؛ وهي أنَّ حَقيقةَ انتِظارِنا لِعَودةِ المَسيحِ لا تُعطينا رُخْصَةً للجُلوسِ دُونِ أن نَفعلَ أيَّ شَيء. فَلا يَجوزُ لَنا (كَما قُلتُ آنذاك) أنْ نَرتَدي مَلابِسَ النَّومِ وَنَجلِسَ على السَّطْحِ إلى أنْ يَأتي إلى هُنا، بَل يَنبغي لَنا أن نَنهَمِكَ في خِدمَةِ المُصالَحَة.

والحَقيقَةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كُورِنثوس أنَّ الرَّسولَ بُولسَ عَبَّرَ حَقًّا عَنْ شَوقِ قَلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ يَنتَظِرُ عَودةَ المَسيح. وإليكُم مَا قَالَهُ: "فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبِّ [أوْ رَهْبَةَ الرَّبِّ] نُقْنِعُ النَّاسَ". بِعبارةٍ أخرى، عندما أُفَكِّرُ في يَومِ اللهِ الَّذي هُوَ بَرَكَةٌ لي، لا بُدَّ أن أُفَكِّرَ أيضًا في يَومِ الرَّبِّ الَّذي هُوَ لَعْنَةٌ لَهُم.

وَهُناكَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ تَصويريٌّ لِنَفسِ هَذا المَوقِفِ يَصْدُرُ عَن قَلْبِ الرَّسولِ يُوحَنَّا وَقَلَمِه. فعندما كانَ الرَّسولُ يُوحَنَّا يَتأمَّلُ في الدَّينونَةِ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ العَاشِر، جَاءَ المَلاكُ حَامِلاً سِفْرًا وأعطَى السِّفْرَ لِيُوحَنَّا وَقال: "خُذْهُ وَكُلْهُ". وَبالمَعنى الرَّمزِيِّ، أَكَلَهُ يُوحَنَّا. وَقالَ المَلاكُ: "فَسَيَجْعَلُ جَوْفَكَ مُرًّا، وَلكِنَّهُ فِي فَمِكَ يَكُونُ حُلْوًا كَالْعَسَل. فَأَخَذْتُ السِّفْرَ الصَّغِيرَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ وَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ فِي فَمِي حُلْوًا كَالْعَسَل. وَبَعْدَ مَا أَكَلْتُهُ صَارَ جَوْفِي مُرًّا".

مَا هَذا؟ إنَّ السِّفْرَ الصَّغيرَ يَرمِزُ إلى الحَقِّ الإلهيِّ المُختصِّ بالدَّينونةِ الأخيرةِ الَّتي هي مُرَّةٌ وَحُلوة. فَهِيَ، مِن جِهَة، حُلوة لأنَّها تَقودُنا إلى يَومِ الله. وَهِيَ، مِن جِهةٍ أخرى، مُرَّة لأنَّها تَعني دَينونَةَ العَالَمِ غَيرِ المُؤمِن. والمُؤمِنُ الحَقيقيُّ الَّذي يَنتظرُ في أثناءِ أناةِ اللهِ يَرى أنَّ القَصدَ مِن أناةِ اللهِ هِيَ أنْ يُقَدِّمَ نَفسَهُ مِن خِلالِ تَخليصِ الخُطاة.

إذًا، مَا المَوقفُ الَّذي يَنبغي لنا أن نَتَّخِذَهُ فيما نَنتظِرُ يَومَ اللهِ أوِ الأبديَّةَ المَجيدَةَ الَّتي أَعَدَّها اللهُ لَنا؟ وَما المَوقفُ الَّذي يَنبغي لنا أن نَتَّخِذَهُ فيما نَنتظِرُ ذلكَ المَجدَ الأخير؟ يَنبغي أنْ نَنتَظِرَ بِتَرَقُّب. فيَنبغي أنْ نَنتَظِرَ بِلَهفةٍ أن يَأتي، وَأنْ يَأتي بسُرعة. وَيَنبغي أنْ نَنتَظِرَ بِسَلامٍ إذْ يَنبغي لَنا أنْ نُوْجَدَ عِنْدَهُ في سَلامٍ تَامٍّ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ على مَا يُرام مَعَ الرَّبّ. فالحِسابُ سَيَكونُ قَد سُدِّدَ حَتَّى تِلكَ اللَّحظَة. لِذا، عندما يَأتي لَن يَكونَ هُناكَ أيُّ خَجَلٍ، وَلَن يَكونَ هُناكَ أيُّ خَوفٍ لأنَّ اليَقينَ يَحفَظُ قُلوبَنا. وَيَنبغي أنْ نَنتَظِرَ بِطَهارَةٍ؛ أيْ أنْ نَعيشَ حَياةَ فَاضِلَةً وَنَقِيَّةً في شَخصيَّتِنا وَسُمعَتِنا. ثُمَّ يَنبغي أنْ نَنتَظِرَ بِكِرازَةٍ؛ أيْ أن نَتَيَقَّنَ مِن أنَّهُ فيما يَتَأنَّى اللهُ فإنَّ حَماسَتَنا لاقتيادِ النَّاسِ إلى الخَلاصِ سَتَكونُ في ذِروَتِها في وَقتِ أَناتِه.

خَامِسًا: التَّمييز... التَّمييز. فَينبغي لنا أيضًا أن نَتَّصِفَ بهذهِ الصِّفَة. وأريدُ مِنكُم أن تُصغُوا بانتباهٍ شَديدٍ فيما نَتأمَّلُ في هذا المَقطَعِ لأنَّهُ نَصٌّ مُهِمٌّ جدًّا. وَهُوَ قَد يَقودُنا إلى التَّحَدُّثِ عَن مَواضيعَ كَثيرة جدًّا مُختلفة. ولكنِّي أريدُ أن أُقاوِمَ هذا الشُّعورَ في التَّحدُّثِ عَن أُمورٍ نَاقَشناها في المَاضي، أو عَن أمورٍ سَنُناقِشُها في المُستقبَل، وأنْ أُرَكِّزَ على تَسَلسُلِ أفكارِ بُطرس.

العَدد 15. فحيثُ إنَّنا نَنْتَظِرُ هَذِهِ، يَنبغي لَنا لا فقط أن نَجْتَهِدَ في أنْ نَحْسَبَ أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، بَل رَكِّزُوا في مَا يَقولُهُ: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ. فَأَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ قَدْ سَبَقْتُمْ فَعَرَفْتُمُ، احْتَرِسُوا مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ الأَرْدِيَاءِ، فَتَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ".

والآن، قَد تَشعُرونَ أوَّلَ وَهْلَةٍ أنَّكُم ضَائِعُون. أنا أعلَمُ ذلك. ولكنِّي أريدُ أن أَرجِعَ بِكُم وَأنْ أُساعِدَكُم على فَهْمِ ذلكَ لأنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا. أعتقدُ أنَّ الكَلِمَةَ "كَمَا" في العَدد 15 [في مُنتَصَفِ العَدَد] تَطْرَحُ فِكرةً جَديدة. فَهُوَ يَقولُ: "كَمَا...أيضًا". وأعتقدُ حَقًّا أنَّهُ يُمكِنُكُم أن تَبتَدِئُوا جُملةً جَديدةً هُنا وَأنْ تَنتَقِلُوا إلى فِكرةٍ جَديدةٍ تَمامًا. فَهُوَ يَقولُ: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا"، ثُمَّ إنَّهُ يَنطَلِقُ في قَولِ شَيءٍ مَا عَن بُولُس، وعَن تَحذيرِ بُولُس مِنَ التَّعليمِ المُضِلّ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "احْتَرِسُوا مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ الأَرْدِيَاءِ فَتَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ". وَهذِهِ دَعوةٌ إلى التَّمييز.

فَهُوَ يَقولُ: فيما تَعيشونَ مُتَرَقِّبينَ مَجيءَ يَومِ اللهِ، يَنبغي أن تُدركوا أنَّهُ سيأتي أُناسٌ كَثيرونَ وَيُحاولونَ أن يُشَوِّشُوكُم بهذا الخُصوص. ويَنبغي لَكُم أن تُحْسِنُوا التَّمييز. فَأخونا الحَبيبُ بُولُسُ حَذَّرَ مِن ذلك، كَما حَذَّرتُكُم أنا. هذهِ هِيَ الفِكرةُ العَامَّةُ هُنا. والآن، لِنَنظُر إلى هَذا النَّصِّ جُزءًا جُزءًا. فَهُوَ يَصِفُ بُولُسَ بأنَّهُ "أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ". وَقَد كَانَ بولُسُ حَقًّا رَسولاً حَبيبًا. فَبُطرسُ يَستخدِمُ مُفرداتٍ مُفْعَمَةً بالنِّعمَةِ لِوَصْفِ بُولُس. وَهذا أمرٌ رَائعٌ جدًّا جدًّا. فَقد كَانَا مَعًا في مَجْمَعِ أورُشَليم. فَنَحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِس عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ أنَّهُم كانا مَعًا هُناك.

وَقد استَعَانَا في خِدمَتِهما بنفسِ الرَّجُل. هَل تَعلَمونَ ذلك؟ فَقد استَعانَا في خِدمَتِهما بنفسِ شَريكِ الخِدمَة. وَقَد حَصَل كِلاهُما على نَفسِ المُساعِدِ وَهُوَ رَجُلٌ يُدعَى "سِيلا". قَارِنُوا مَا جَاءَ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 5: 12 بِما جَاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 15: 40. لِذا فقد اشتَرَكَا في نَفسِ الخِدمةِ مَعًا في مَجمَعِ أورُشَليم. وَقَدِ استَعانَا بِحَياةِ شَخصٍ وَاحِدٍ هُوَ "سِيلا". وَلا شَكَّ في أنَّهُما أَحَبَّا نَفسَ الرَّبِّ وَآمَنا بِنَفسِ الحَقّ. ولكِنْ هَل تَذكُرونَ أنَّهُ في وَقتٍ مُبَكِّرٍ مِن حَياةِ بُولسَ، كَانَ هُناكَ خِلافٌ كَبيرٌ جِدًّا بينَ بُولُس وبُطرُس؟

فَإذا رَجعتُم إلى الرِّسالةِ إلى أهلِ غَلاطيَّة والأصحاحِ الثَّاني قَليلاً، سَأُخبِرُكُم عَن ذلكَ الخِلاف. فَفي الرِّسالةِ إلى أهلِ غَلاطيَّة والأصحاحِ الثَّاني، نَقرأُ أنَّ بُولسَ كَانَ في أنطاكِيَة. وَكانَ قَد ذَهَبَ إلى هُناكَ ليكونَ أداةً بِيَدِ الرَّبِّ لتأسيسِ كَنيسةٍ هُناك. وَكانتِ الكَنيسةُ في أورُشَليم قد أرسَلَت أُناسًا لتأسيسِ كَنيسةٍ في أنطاكِيَة. وَمِن أنطاكِيَة، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُم ابتدأوا يَنطلِقونَ في الخِدمَةِ إلى العَالَم إذْ إنَّ بُولُسَ وَبَرنابا كانا قَد أُرْسِلا مِن هُناك.

ولكِنْ عندما كانَ بولسُ في أنطاكِيَة، جَاءَ بُطرُس. وقد جَاءَ بُطرسُ إلى أنطاكِيَة وَفَعَل شَيئًا مُريعًا. فَقَد أَعَادَ في الحَقيقةِ كُلَّ المُؤمِنينَ إلى النَّاموسِيَّة. وَكانَتْ تِلكَ خَطيئَةٌ وَاضِحَةٌ جِدًّا مِن جَانِبِ بُطرس. وفي العَددِ الحَادي عَشَر مِن رِسالةِ غَلاطيَّة والأصحاح الثَّاني، يَقولُ بُولُس: "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً" – "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا". ثُمَّ إنَّهُ يُواصِلُ حَديثَهُ قَائِلاً: "لأَنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الأُمَمِ، وَلكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَان. وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أَيْضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ! لكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ: «إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟»"

لَقد قالَ لَهُ في الحَقيقة: "لماذا كُنتَ تَأكُلُ بِحُريَّةٍ مَعَ الأُمَمِ قَبلَ أن يَأتي هَؤلاءِ اليَهود، ولكِنَّكَ الآنَ لا تُفعلُ ذلكَ أيُّها المُرائي؟" فَقَدْ قَاوَمَهُ مُواجَهَةً أمامَ الجَميع. والآن، يَجِبُ عليكم أن تَتذكَّروا أنَّ بُطرسَ كَانَ أوَّلَ قائدٍ للكنيسة، والنَّاطِقَ الرَّئيسيَّ باسْمِها. وَلا شَكَّ في أنَّهُ بِسَببِ مَكانَتِهِ لم يَكُن يُحَبِّذُ فِكرةَ إحراجِهِ أمامَ الآخرين. أليسَت هذهِ الفِكرةُ رَائعةً! أيْ أنَّهُ عندما يَسودُ الحَقُّ، وعندما يَعرِفُ كِلا الرَّجُلَيْنِ الحَقَّ فإنَّهُ بِمَقدورِهِما أن يُعالِجَا الخَطيَّةَ لِكَوْنِها خَطِيَّة دُونَ أنْ يَأخُذا الأمرَ على مَحْمَلٍ شَخصيٍّ؟

ولكِنْ مِنَ الوَاضِحِ أنَّ بُطرسَ لم يَأخُذِ الأمرَ على مَحمَلٍ شَخصيٍّ. فقد كانَ بُطرسُ يَعلَمُ أنَّ مَا فَعَلَهُ خَطِيَّة. وَكانَ بُطرُسُ يَنظُرُ إلى ذلكَ بأنَّهُ خَطِيَّة. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ بُطرسَ أدركَ نُضْجَ بُولُسَ وَأحَبَّهُ بِسَببِ ذلك. لِذا فإنَّهُ يَقولُ هُنا: "أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ". وَهُناكَ كُنوزٌ كَثيرةٌ في هذهِ الكلماتِ تَعجَزُ العَينُ عَن رُؤيَتِها أوَّلَ وَهلة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ". وَهَذهِ جُملةٌ رَائِعَة. وَيَقولُ "فريتز راينيكر" (Fritz Rienecker) عنها إنَّها حِكمَةٌ مُعطاةٌ مِنَ اللهِ؛ أيْ: "بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ مِنَ اللهِ وَكَتَبَها لَكُم".

والآن، إنَّهُ يُشيرُ إلى رِسالةٍ كَتَبَها بولُس. وَهُوَ يَذكُرُ بولسَ لِتَدعيمِ حُجَّتِهِ على النُّقطةِ التَّاليةِ الَّتي يُريدُ أن يَذكُرَها بخصوصِ رُوحِ التَّمييز. فَهُوَ يَقولُ: اسمَحُوا لي أن أُذَكِّرَكُم بِما قَالَهُ بولُسُ عن مَا أعطاهُ اللهُ إيَّاه مِن حِكمةٍ كَتَبَها لَكُم. مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ هُنا؟ مَا هَذا؟ وَهَل كَانت رِسالة؟ إنَّهُ لا يَقولُ إنَّها كانت رِسالة واحِدَة. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّها كانت رِسالةً خَاصَّةً أُرسِلَت إليهِم تَحديدًا. وَحَتَّى إنَّنا لا نَعلَمُ إنْ كَانُوا مَجموعةً خَاصَّةً يَسهُلُ تَحديدُها. فَهُوَ يَقولُ بِبَساطَة: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ...بُولُسُ... بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ مِنَ الله".

ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ: "كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا" – "...في الرَّسائِلِ كُلِّها...". مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ هُنا؟ هَل كَانَ يُفَكِّرُ في رِسالةٍ مُحَدَّدَةٍ في ذِهنِه؟ إنْ كانَ يُفَكِّرُ في رِسالةٍ مُعَيَّنة، لا سَبيلَ إلى مَعرِفَتِها. واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم رَأيًا. حسنًا؟ وَهُوَ رَأيٌ قَوِيٌّ جدًّا على الرَّغمِ مِن أنِّي لا أستطيعُ أنْ أُثْبِتَهُ بالبَراهين. ولكِنَّ رِسالةَ بُطرسَ الثَّانية كُتِبَتْ إلى نَفسِ مَجموعَةِ المُؤمِنينَ الَّذينَ تَسَلَّمُوا رِسالةَ بُطرسَ الأولى. وَقد تَقول: "وكيفَ تَعلَمُ ذلك؟" انظروا إلى الأصحاح الثَّالثِ والعَددِ الأوَّل: "هذِهِ أَكْتُبُهَا الآنَ إِلَيْكُمْ رِسَالَةً ثَانِيَةً". فَليسَ مِنَ الصَّعبِ جدًّا علينا أن نَفهمَ مَعنى هذهِ الكلمات. أليسَ كذلك؟

وَإلى مَنْ كَتَبَ بُطرسُ رِسالَتَهُ الأولى؟ لِنَرجِع إلى رِسالةِ بُطرسَ الأولى 1: 1 ونُجيبَ عَن هذا السُّؤال. لَقد كُتِبَتْ "إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، الْمُخْتَارِين". فقد كُتِبَتْ إلى المُؤمِنينَ في كُلِّ تلكَ المِنطَقَة. لِذا، لا يُمكِنُنا أن نُحَدِّدَ بِدِقَّةٍ الجَماعَةَ الَّتي أُرسِلَتْ إليهِم تِلكَ الرِّسالة. فَيَبدو لي أنَّها أُرسِلَتْ إلى مَجموعَةٍ كَبيرةٍ مِنَ الأشخاص. لِذا، أيًّا كَانَتِ المَجموعَةٌ الَّتي خَاطَبَها بُطرسُ في رِسالَتِهِ الأولى فإنَّها نَفسُ المَجموعَةِ الَّتي خَاطَبَها في رِسالَتِهِ الثَّانية.

وَجَميعُ تلكَ الأماكِنِ المَذكورةِ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 1: 1 (أيْ: بُنْتُس وَغَلاَطِيَّة وَكَبَّدُوكِيَّة وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّة) مَوجودةٌ في أَسِيَّا الصُّغرى. وَكانت مِنطَقَةُ أسِيَّا الصُّغرى المِنطقةَ الَّتي كَتَبَ إليها بُولسُ رَسائِلَ عَديدة مِثلَ غَلاطِيَّة، وأفسُس (وَهِيَ رِسالَةٌ دَوَّارَةٌ وَصَلَتْ إلى جَميعِ المُؤمِنين)، وَكولوسي. ونَحنُ نَعلَمُ أيضًا أنَّ الرَّسائلَ الَّتي كُتِبَت إلى أهلِ غَلاطِيَّة، وأفسُس، وكولوسي (وَكَما قُلتُ، فإنَّ الرِّسالةَ إلى أهلِ أفسُس كَانَتْ رِسالةً دَوَّارَةً ذَهَبَتْ إلى أماكِن كَثيرة مُختلفة)... نَعلَمُ أنَّ تِلكَ الرَّسائِل كانَت مُشتَرَكَة مَعَ كَنائِس أخرى. فَلا شَكَّ في ذلك. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى أهلِ كولوسي 4: 16: "وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أَيْضًا فِي كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أَيْضًا". فَقد كَانُوا يَتَبادَلونَ الرَّسائل. لَقد كانُوا يَتبادَلونَ الرَّسائِل. وَقد كَانُوا يُرسِلونَ الرَّسائِلَ مِن كَنيسةٍ إلى أخرى. وَقدِ ابتدأوا في الحَقيقةِ يَجمَعونَ هذهِ الرَّسائِلَ فيما كَانُوا يَشترِكونَ في قِراءَتِها مَعَ كَنائِسَ أخرى.

وفي الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 5: 27، يَكتُبُ بولُسُ إلى أهلِ تسالونيكي ويقول: "أُنَاشِدُكُمْ بِالرَّبِّ أَنْ تُقْرَأَ هذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى جَمِيعِ الإِخْوَة...". لِذا، لا أدري إنْ كَانَ بِمَقدورِنا أن نَقولَ إنَّهُ يُشيرُ هُنا إلى أيَّة رِسالة مُحَدَّدة. ولكِنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ: "أنتُم على عِلْمٍ بالحِكمةِ المُعطاة مِنَ اللهِ لأخينا الحَبيب بولُس الَّذي كَتَبَ لَكُم مَا كَتَبَهُ في كُلِّ الرَّسائل". ولكِنَّنا لا نَدري إنْ كَانَ يُشيرُ ببساطَةٍ إلى هذهِ الرَّسائل أَمْ إلى واحِدَةٍ مِن هذهِ الرَّسائل، أَمْ إلى رِسالة أخرى مُحَدَّدة لم تُكْتَبْ بِوَحْيٍ مِنَ الله.

ولكنِّي أُحِبُّ حَقيقةَ أنَّهُ يَقولُ في العَدد 16: "كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا". لِذا فإنِّي أَفْهَمُ مِن هَذا أنَّهُ يُشيرُ ببساطَةٍ إلى كِتاباتِ بُولُس. وَمِنَ المُحتَمَلِ أنَّ بُولسَ كَتَبَ رِسالةً مُعَيَّنَةً إلى هذهِ المَجموعَة. ولكِنْ مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن نُعَيِّنَ هُوِيَّةَ هذهِ المَجموعة، وَأنْ نَكتَشِفَ الرِّسالةَ الَّتي يُشيرُ إليها. ورُبَّما مِنَ الأفضلِ أن نَقولَ إنَّهم كَانُوا على اطِّلاعٍ على كِتاباتِ بُولُس.

وَما المَقصودُ هُنا؟ يَقولُ بُطرسُ إنَّ بولسَ كَتَبَ إليكُم بخصوصِ المَجيءِ الثَّاني، وَإنَّ بولسَ كَتَبَ إليكُم بخصوصِ أمجادِ السَّماء، وَإنَّ بولسَ كَتَبَ إليكُم بخصوصِ يَومِ الله. فَمَعَ أنَّهُ رُبَّما لم يَستخدِم نَفسَ تِلكَ اللَّفظةِ فإنَّهُ تَحَدَّثَ دُونَ شَكٍّ عَنِ الأبديَّة.

فَالرِّسالَتانِ الأولى والثَّانية إلى أهلِ تَسالونيكي [على سَبيلِ المِثالِ] هُما أقدمُ مَا كَتَبَهُ بُولُس. وَهُما تَتَحَدَّثانِ كَثيرًا عنِ النُّبوءاتِ المُختصَّةِ بعَودةِ الرَّبِّ يَسوع. والمَجموعَةُ الثَّانيةُ مِنَ الرَّسائلِ تَضُمُّ رِسالةَ رُومية، وغَلاطِيَّة، ورِسالَتَيّ كورِنثوسَ الأولى والثَّانية؛ وَهِيَ جَميعُها تَحوي مَقاطِعَ عَن تَرَقُّبِ عَودةِ يَسوعَ المَسيحِ، ومَقاطِعَ تُوَضِّحُ خُطَّةَ اللهِ المُستقبليَّة لإسرائيل والكنيسة.

ثُمَّ إنَّ المَوجَةَ الثَّالثةَ مِنَ الرِّسائِلِ هِيَ تِلكَ الَّتي تُعرَفُ بِرسائِلِ السِّجْنِ (وَهِيَ: أفسُس، وكولوسي، وفيلبِّي، وفِلِيمون). وَمَرَّةً أخرى، نَجِدُ في هذه الرَّسائلِ جُمَلاً عنِ المُستقبلِ، وعَن يَسوعَ بِصِفَتِهِ رَأسَ كُلِّ شَيء، وَعَن أنَّ كُلَّ الأشياءِ تَتَّجِهُ نَحوَ ذِروةٍ مَجيدةٍ وتَنتَهِي بِهِ، وَعن الرَّدِّ الأخيرِ لِكُلِّ شَيء. ثُمَّ إنَّ المَوجَةَ الرَّابِعَةَ والأخيرةَ مِنَ الرَّسائِلِ هِيَ الرَّسائِلُ الرَّاعَوِيَّة (أيْ: الرِّسالة الأولى إلى تِيموثاوس، والرِّسالَة الثَّانية إلى تيموثاوس، والرسالة إلى تِيطُس)، وَحَتَّى إنَّ تِلكَ الرَّسائِلَ تَتَحَدَّثُ عَن تَرَقُّبِ عَودةِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "كَمَا [كَتَبَ بُولُسُ] فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا" بِما في ذلكَ تِلك الرِّسالة الَّتي وَصَلتكُم، أو تِلك الرَّسائلِ الَّتي تَقرأونَ فيها عَن عَودةِ المَسيحِ، وعَن أمجادِ السَّماءِ والحَالةِ الأبديَّة. بِعبارةٍ أخرى، أنا أَلْتَجِئُ إلى بُولسَ هُنا لِتَدعيمِ أقوالي. فَما أقولُهُ قَدْ أَكَّدَهُ هُوَ. فَقد كَتَبَ عَن يَومِ الَّربِّ، وكَتَبَ عَنِ الأبديَّة، وكَتَبَ عَن حَقيقةِ أنَّ اللهَ سَيَحفَظُ وَعدَهُ، ويَدينُ الأشرارَ، ويُغَيِّرُ الكَونَ، ويَجلِبُ المَجْدَ الأبديَّ الأخيرَ وَالبِرّ.

ولكِنَّ بُطرسَ لم يَخْتِمْ حَديثَهُ بَعْد، بَل إنَّهُ سيَتَعَمَّقُ في ذلك. تَابِعُوا مَا يَقول إذْ إنَّنا نَجِدُ شَيئًا مُدهشًا جِدًّا في العَدد 16: "الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْم". فَفي بِضْعٍ مِن كِتاباتِ بولسَ عَنِ المُستقبَل، قَد يَكونُ فَهْمُ تِلكَ الأشياءِ أمرًا عَسِرًا. والفِعلُ المُستخدَمُ هُنا في الحَقيقةِ يَعني: "عَسِرَةُ التَّفسير". وأرجو أن تُلاحِظُوا مَا يَلي: أنَّهُ لا يَقولُ إنَّها مُستحيلة. هَل سَمِعتُموني؟ فَهُناكَ أُناسٌ يَقولون: "لا يُمكِنُنا أن نَعرِف. أنا لا أَتَشَبَّثُ بِتَفسيرٍ مُعَيَّن. وَلا أعتقدُ أنَّهُ يُمكِنُنا أن نَعرِف".

ولكِنَّهُ لا يَقولُ إنَّ تلكَ الأشياءَ مُستعصِيَة على الفَهْم، بَل يَقولُ إنَّها عَسِرَة الفَهْم. فَهُناكَ أُمورٌ قَالَها بُولسُ عَنِ اختِطافِ الكَنيسةِ، وَوَقتِ الضِّيقةِ، وَمَجيءِ إنسانِ الخَطيَّةِ، وعَودةِ المَسيحِ للدَّينونَة، والعَصرِ العَظيمِ الَّذي نُسَمِّيهِ المُلكَ الألفيَّ، والسَّماءِ الأخيرةَ المَجيدةِ والأبديَّة... هُناكَ أمورٌ قَالَها بُولسُ يَصْعُبُ فَهْمُها، أو حَرفيًّا: "عَسِرَةُ التَّفسير".

وَقد تَقول: "هَل هَذا يَعني أنَّ بُطرَسَ لم يَكُن يَفهَمُها؟" لا، أنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ بُطرسَ كَانَ يَفهَمِهُا بالقَدْرِ الَّذي يُمكِنُ أنْ تُفْهَمَ فيه. فَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُ لم يَكُن يَفهَمُها. رَكِّزُوا مَعي: إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب إنَّ فَهْمَها صَعبٌ، أو إنَّ تَفسيرَها صَعبٌ. لِذا فإنَّ غَيْرَ العُلَمَاءِ وَغَيْرَ الثَّابِتِينَ يُحَرِّفونَها. وَأريدُ أن أُؤكِّدَ لَكُم أنَّ بُطرسَ لا يَضَعُ نَفسَهُ في تِلكَ الفِئَةِ مَعَ غَيرِ العُلماءِ وَغيرِ الثَّابِتين، بَلْ يَقولُ إنَّها صَعْبَةٌ وَحَسْب. لِذا فإنَّ النَّاسَ يُمْكِنُ أنْ يُخْدَعُوا بِسُهولة... يُمكِنُ أنْ يُخْدَعُوا بِسُهولة.

وأريدُ أن أقولَ لَكُم، يا أحبَّائي، إنَّ هُناكَ كَلامًا كَثيرًا جدًّا يُقالُ عنِ الحَقِّ النَّبويِّ المُختصِّ بالمُستقبَل. فَهُوَ يُقالُ كُلَّ الوقت. ولا شَكَّ في أنَّهُ بالنِّسبةِ إلى غَيرِ الثَّابِتينَ وَغيرِ العُلماءِ قَد يُخْدَعونَ بِذلكَ وَلا سِيَّما عِندَما يُقالُ مِن خِلالِ مُعَلِّمينَ كَذَبَة عَديمي الضَّمير. والآن، إنَّهُم لا يَفعلونَ ذلكَ بالنُّبوءاتِ فقط، بَل إنَّهُ يَقولُ إنَّ غَيرَ العُلماءِ وَغَيرَ الثَّابِتينَ يُحَرِّفونَ ذلكَ كَما يَفعلونَ بِبَقيَّةِ أجزاءِ الكتابِ المقدَّس. فَهُم يَفعلونَ ذلكَ بِكُلِّ الكتابِ المقدَّس. والعِبارة "غَيرُ العُلماء" تَعني أنَّهُم يَفتَقِرونَ إلى المَعلومات. والعِبارَة "غَير الثَّابِتين" تَعني أنَّهُم يَتَأرجَحونَ في شَخصيَّتِهم الرُّوحيَّة.

فَغيرُ العُلماءِ وَغيرُ الثَّابِتينَ هُم ضَحَايا الضَّلال. وعندَما تُستخدَمُ الكلمة "يُحَرِّف" بالمَعنى الجَسديِّ فإنَّها تُشيرُ إلى وَضْعِ إنسانٍ في مِخْلَعَة أو جِهازِ تَعذيبٍ لِتَعويجِ ذلكَ الجَسَد. وَهؤلاءِ الأشخاصُ يَأخذونَ الحَقَّ ويَضَعونَهُ على مِخْلَعَةٍ مِن أجلِ تَحريفِه. فَهُم يَلْوُونَ الحَقَّ ويُعَوِّجونَهُ. فَهُمْ تُجَّارٌ فَاسِدونَ، وَمُخادِعون. فَعَدَمُ وُضوحِ المَسائِلِ النَّبويَّةِ يُفْسِحُ في المَجالِ أمامَ الجُهَّالِ والفَاسِدينَ لِتحريفِ الحَقّ. وَهُم لا يَفعلونَ ذلكَ بالنُّبوَّاتِ فقط (كَما يَقول)، بَل يَفعلونَ ذلكَ بِبَقيَّةِ أجزاءِ الكتابِ المقدَّسِ أيضًا.

والآن، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ مَا جَاءَ في العَددِ الثَّالثِ إذْ إنَّ السَّببَ في إنكارِ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة للمَجيءِ الثَّاني لا يَرجِعُ إلى أنَّهُم وَجَدُوا حَقًّا نَبويًّا عَظيمًا، بَلْ يَرجِعُ إلى أنَّهُم يَتْبَعونَ شَهَواتِهم ويُريدونَ مُستقبَلاً لا يُحَمِّلُهُم مَسؤوليَّةَ فَسادِهِم الأخلاقِيِّ. لِذا، إلى جَانِبِ تَحريفِهم وتَشويهِهِم وتَعويجِهم للتَّعليمِ المُختصِّ بالدَّينونَةِ المُستقبليَّةِ، والمَجدِ المُستقبليِّ للقِدِّيسينَ، وكُلِّ مَا يَختصُّ بِعَودَةِ المَسيحِ، إلى جانِبِ تَحريفِ ذلكَ كُلِّه، اعلَمُوا يَقينًا أنَّهُم يُحَرِّفونَ التَّعليمَ عَنِ الدَّينونَةِ نَفسِها، والتَّعليمَ عَن نَاموسِ اللهِ، والتَّعليمَ عَنِ البِرّ، والتَّعليمَ عَنِ القَداسَة، والتَّعليمَ عَنِ التَّوبة، والتَّعليمَ عَنِ الخَلاصِ بالنِّعمَةِ مِن خِلالِ الإيمان. فَهُم مُعادُونَ للنَّاموس. لِذا فَإنَّهُم يُحَرِّفونَ كُلَّ الأشياء.

وبالمُناسَبَة، أريدُ أن أقولَ مُلاحَظَةً: هَل لاحَظتُم أنَّهُ يَقولُ إنَّهُم يُحَرِّفونَ بَقِيَّةَ الكِتابِ المُقَدَّس؟ وَهَذا يَعني أنَّهُ يُسَمِّي مَا كَتَبَهُ بولسَ جُزءًا مِنَ الكتابِ المقدَّس. فَهُوَ يَقولُ إنَّ بُولُسَ كَتَبَ في كُلِّ رَسائِلِهِ عن هذهِ الأمورِ النَّبويَّةِ، وإنَّها صَعْبَةُ التَّفسيرِ أو عَسِرَةُ التَّفسير "يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا". وَهذهِ هِيَ أوضَحُ جُملةٍ في صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّسِ تُؤكِّدُ أنَّ مَا كَتَبَهُ بُولُسُ هُوَ جُزءٌ مِنَ الكتابِ المقدَّس. وَهَذِهِ هِيَ شَهادَةُ بُطرسَ بأنَّ مَا كَتَبَهُ بُولُسُ هُوَ جُزءٌ مِنَ الكتابِ المقدَّس. والمُعَلِّمونَ الكَذَبَةُ يُحَرِّفونَ كُلَّ الكِتاب. ونَقرأُ في نِهايةِ العَدد 16: "لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ" – "لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ".

وَإنْ رَجَعتُم قَليلاً إلى الأصحاحِ الثَّاني، سَتَرَوْنَ ذلكَ بوضوحٍ شَديد. فَنحنُ نَقرأُ في نِهايةِ العَددِ الأوَّلِ إنَّ الأنبياءَ الكَذَبَةَ والمُعَلِّمينَ الكَذَبَةَ "يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكًا سَرِيعًا". ونَقرأُ في العَددِ الثَّالث: "دَيْنُونَتُهُمْ مُنْذُ الْقَدِيمِ لاَ تَتَوَانَى، وَهَلاَكُهُمْ لاَ يَنْعَسُ". فَهُمْ سَيَهلِكونَ مَعَ تِلكَ المَخلوقاتِ الَّتي سَتَهلِكُ أيضًا، أيْ مَعَ هَؤلاءِ الَّذينَ يُشَبِّهُهُم بِحَيَوَانَاتٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَددِ السَّابعِ أنَّهُ سيَكونُ هُناكَ يَوْمُ دِيْنٍ وَهَلاَكٍ للنَّاسِ الفُجَّار. وَنَقرأُ أربعَ مَرَّاتٍ الكلمة "هَلاك". وَهِيَ تُشيرُ في جميعِ المَرَّاتِ الأربعِ إلى المُعَلِّمينَ الكَذَبة، وَالأنبياءِ الكَذَبة، وأولئكَ الَّذينَ يَتبَعونَهُم.

ونَقرأُ في رِسالةِ يَهوذا والعَدد 10: "فَفِي ذلِكَ يَفْسُدُونَ... كَالْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ النَّاطِقَة". وَنَقرأُ في العَدد 13 أنَّهُم يُشبِهونَ نُجومًا تَائِهَةً "مَحْفُوظٌ لَهَا قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَد". والآن، اسمَعوني جِيِّدًا: إنَّهُ يَقولُ إنَّ هؤلاءِ النَّاسَ الَّذينَ يُحَرِّفونَ تَعاليمَ بُولُسَ سيَهلَكونَ أبديًّا. واسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم فِكرةً أخرى: إنْ كانَ هَذا صَحيحًا، لا بُدَّ أن تَكونَ كِتاباتُ بُولُس جُزءًا مِنَ الكتابِ المقدَّسِ لأنَّكَ إنْ حَرَّفْتَها فَإنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى الدَّينونَةِ الأبديَّة. فَلا بُدَّ أنْ تَكونَ كِتاباتُ بُولُس جُزءًا مِنَ الكتابِ المقدَّسِ لأنَّكَ إنْ حَرَّفْتَها فَإنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى الدَّينونَةِ الأبديَّة. وَهَذا يُشبِهُ مَا جَاءَ في سِفْر الرُّؤيا 22: 18 و 19. أليسَ كذلك؟ "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ....".

والآن، لِنَرَى خُلاصَةَ ذلك. "فَأَنْتُمْ..." [في العَدد 17] "...أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ قَدْ سَبَقْتُمْ فَعَرَفْتُمُ..." – عَرفتُم مَاذا؟ "حَيثُ إنَّكُم عَرَفتُم أنَّهُ يُوجَدُ مُعَلِّمونَ كَذَبَة سَيَأتونَ وَيُعَوِّجونَ أو يُحَرِّفونَ الكتابَ المقدَّسَ، ويَقودونَ النَّاسَ إلى هَلاكِهم، وَحيثُ إنَّكُم قَد عَرفتُم ذلكَ مُسَبَّقًا، وحَيثُ إنَّكُم عَرفتُم هذهِ المَعلوماتِ، احْتَرِسُوا". احتَرِسُوا مِنَ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة، وَمِن بِدَعِهم المُهلِكَة. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لتيموثاوس: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى".

"احتَرِسوا". لماذا؟ "مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ الأَرْدِيَاء". وَهَذهِ صِفَةٌ أخرى للمُعَلِّمينَ الكَذَبة. فَضَحاياهُم هُم غَيرُ العُلَماءِ وَغَيرُ الثَّابِتينَ الَّذينَ يُحَرِّفونَ الكتابَ المقدَّس. أمَّا الَّذينَ يَقودونَ ذلكَ التَّحريفَ فَهُم "الأردِياء" – إشارةً إلى المُعَلِّمينَ الكَذَبة. وَالأردِياءُ هُمُ الأَثَمَة. إنَّهُم الأثَمَة. وَهُوَ يَقولُ: "لا تَنقادُوا بِضَلالِهم". وَهِيَ نَفسُ الكلمةِ الَّتي استُخدِمَت في رِسالةِ غَلاطِيَّة 2: 13 إذْ نَقرأُ أنَّ بَرنابا "انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ". لِذا، لا تَنقادُوا بِضَلالِهِم.

فَهؤلاءِ الأشخاصُ الأردياءُ، أوِ الأثَمَة، وَهؤلاءِ الأشخاصُ الَّذينَ يَعيشونَ مِن دُونِ نَاموسِ اللهِ، اسمَعوني: في كُلِّ مَرَّةٍ تُرافِقُ فيها المُعَلِّمينَ الكَذبةَ الَّذينَ يُحَرِّفونَ الكتابَ المقدَّسَ، أو تَستَمِعُ فيها إليهم، فإنَّكَ تُخاطِرُ بأنْ تَنقادَ بِضلالِهم. فَلا يُمكِنُكَ أن تَجلِسَ في كَنيسةٍ يُعَوِّجُ فيها أَحَدُهُم الكِتابَ المُقَدَّسَ أو يُحَرِّفُهُ دُونَ أنْ تُخاطِرَ بأنْ تَنقادَ بِضَلالِهِ.

وَلا يُمكِنُكَ أن تَجلِسَ في كُليَّةٍ [مَسيحيَّةٍ أو غَير مَسيحيَّة] وأن تَستَمِعَ إلى أُناسٍ يُحَرِّفونَ الكتابَ المقدَّسَ دُونَ أنْ تُخاطِرَ بأنْ تَنقادَ بِضلالِهم. وَلا يُمكِنُكَ أن تَذهبَ إلى كُليَّةِ لاهُوتٍ مُعيَّنَةٍ بِسببِ سُمعَتِها الأكاديميَّةِ وأنْ تَجلِسَ هُناكَ وتَستَمِعَ إلى الضَّلالِ طُولَ الوقتِ دُونَ أن تُخاطِرَ بأنْ تَنقادَ بِضلالِ الأردياءِ أوِ الأشرار. فالحَقُّ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يُقَدِّس. والحَقُّ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يُبَرِّر.

لِذا، يَنبغي أنْ تُحْسِنُوا التَّمييز. ونَقرأُ في نِهايةِ العَدد 17: "فَتَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ" – فَتَسقُطُوا مِن ثَباتِكُم. فَقد تَنْقادُ بِضلالِهم وَتَسقُطُ مِن ثَباتِك. وَما المَقصود بالكلمة "ثَبات" هُنا؟ الرُّسوخ. وَهُوَ نَقيضُ الزَّعزَعَة... النَّقيضُ التَّامُّ للزَّعزَعَة. وَقد كَانَ بُطرسُ يُفَكِّرُ في المَوقِفِ الرَّاسِخِ مِنَ الحَقّ... المَوقِفِ الرَّاسِخ.

وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ عندما كَتَبَ بُولسُ رِسالَتَهُ الأولى إلى تيموثاوس أنَّهُ تَحَدَّثَ في نِهايةِ الأصحاحِ الأوَّلِ عَن "هِيمِينَايُس" وَ "الإِسْكَنْدَر" وَقالَ إنَّهُما أَضَلاَّ أُناسًا مِن جِهَةِ الإيمانِ فَسَقطُوا مِن ثَباتِهم. وَهُوَ لا يَقولُ هُنا إنَّكَ قَد تَفقِدُ خَلاصَكَ. فَخَلاصُكَ أبديٌّ. ولكِنَّكَ قَد تَسقُطُ مِن ثَباتِكَ، وتَسقُطُ مِن رُسوخِكَ في العَقيدةِ، أوِ الحَقِّ، أوِ المُعتقداتِ، أوِ الثِّقَة. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ: "انظُروا! إنَّ العَيْشَ في ضَوْءِ مَصيرِنا الأبديِّ يَتَطلَّبُ حُسْنَ تَمييز".

وَقَد كَتَبَ بُولسُ كُلَّ هذهِ الأمورِ عَنِ المَجيءِ الثَّاني. والمُعَلِّمونَ الكَذبةُ (الَّذينَ يُدْعَوْنَ أُناسًا أردياءَ) سيَأتونَ وَيَأخُذونَ هذهِ الأشياءَ الَّتي هِيَ عَسِرَةُ التَّفسيرِ، ويُحَرِّفونَها، ويُشَوِّهونَها. وَمِن خِلالِ ذلكَ التَّحريفِ والتَّشويهِ فإنَّهُم يَقودونَ أُناسًا إلى الضَّلالِ يَعمَلونَ هُم أيضًا على تَحريفِ وَتَشويهِ أجزاءٍ أخرى مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، وَيَسقُطونَ مِن ثَباتِهم في التَّشويشِ، والاضطرابِ، والشَّكِّ، والفَوضَى.

لِذا، لا تَسمَحُوا بِحدوثِ ذلك. فَيجبُ عَليكَ أن تَعيشَ في ضَوْءِ مَصيرِكَ الأبديِّ وَأنْ تُحْسِنَ التَّمييز. فَهُوَ يَقول: "احتَرِسُوا"... احتَرِسُوا. احذَروا. والطَّريقةُ الوَحيدةُ الَّتي تُساعِدُكَ على القِيامِ بذلكَ هِيَ أنْ تَدرُسَ الكتابَ المقدَّسَ وَتُزَكِّي نَفسَك. لِذا فإنَّهُ يُضيفُ حُسْنَ التَّمييزِ إلى الكِرازَةِ، والتَّطهيرِ، والسَّلام، والتَّرَقُّب.

وَفي عُجالَةٍ، بَقِيَتْ نُقْطَتانِ في العَدد 18، وَهُما بَسيطَتانِ جدًّا. النُّضْج في العَدد 18: "وَلكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فَهُوَ يَقولُ: "فيما تَنتَظرونَ، وفيما تَتَرَقَّبونَ مَجدَكُم الأبديَّ، انْمُوا في ذلك". وَقد قَالَ بولُس: "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَل" (في رِسالة أفسُس 4: 14).

وَقد قَالَ بُطرس ذلكَ في رِسالَةِ بُطرسَ الأولى 2: 2 إذْ نَقرأ: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ". لِذا فإنَّهُ يُذَكِّرُنا هُنَا وَحَسْب بأنَّهُ حيثُ إنَّنا سَنَقضي الأبديَّةَ مَعَ الرَّبِّ يَسوعَ، يَجِبُ علينا أن نَنمُو في النِّعمَةِ وَفي مَعرِفَتِه. والفِعْلُ "أوكسانو" (auxano) يَعني أنْ نَتَقَدَّمَ في نِطاقِ النِّعمةِ مِن خِلالِ المَعرفة – أنْ نَتَقَدَّمَ في نِطاقِ النِّعمَةِ مِن خِلالِ مَعرفةِ رَبِّنا وَمُخَلِّصِنا يَسوعَ المَسيح.

وَكيفَ نَحصُلُ على تِلكَ المَعرفة؟ بأنْ نَعرِفَهُ مَعرفةً أفضل مِن خِلالِ دِراسةِ الكلمةِ، ومِن خِلالِ الشَّرِكَةِ الحَميمَةِ مَعَهُ. وَهَذا كُلُّهُ يَعني أنْ نَعرِفَ المَسيحَ مَعرفةً أعمَق وأعمَق. وَقد قَالَ بُولُس: "لأَعْرِفَهُ". فالنِّعمَةُ هِيَ نِطاقُ نُمُوِّنا. والمَعرِفَةُ هِيَ العُنصُرُ اللاَّزِمُ لذلكَ النُّمُوّ.

ففي نِطاقِ النِّعمَةِ حيثُ يَغفِرُ اللهُ خَطايانا ويَتَغاضَى عَن ضَعْفِنا، نَتَغَذَّى على كلمةِ اللهِ ونَشتَرِكُ مَعَ المَسيحِ الحَيِّ فَنَنمُو في مَعرِفَتِهِ في نِطاقِ النِّعمَةِ الَّتي تُعالِجُ إخفاقاتِنا وَضَعَفاتِنا. وَهذا تَدبيرٌ احتياطِيٌّ ضَروريّ. فَإنْ أردتُ أن أحتَرِسَ، يَنبغي لي أن أنمُو في مَعرفةِ الرَّبِّ والمُخَلِّصِ يَسوعَ المَسيح.

وأرجُو أن تُلاحِظُوا أنَّهُ رَبٌّ وَمُخَلِّصٌ. فَهُوَ لَيسَ مُخَلِّصًا فقط، وَلا رَبًّا فقط. وَهَذا تَدبيرٌ احتياطِيٌّ ضَروريٌّ. فإنْ أردتُ أن أعيشَ في ضَوْءِ مَجدي الأبديِّ، يَنبغي لي في هَذا الوقتِ الَّذي أعيشُ فيهِ حَياتي في هذا العَالَمِ أنْ أَحْرِصَ في نِطاقِ عَطْفِ اللهِ وَرَحمَتِهِ وَنِعمَتِهِ على أنْ أَتَعَمَّقَ أكثرَ وَأكثرَ في مِلْءِ شَخصِ المَسيحِ؛ أيْ في كُلٍّ مِن رُبوبيَّتِهِ وَعَمَلِهِ الخَلاصِيّ. فهذهِ هي الطَّريقةُ الوَحيدةُ الَّتي يُمكِنُني مِن خِلالِها أنْ أَتَجَنَّبَ الوُقوعَ في الضَّلال.

وَهُناكَ كَلمِةٌ أخيرةٌ فيما يَختِمُ بُطرسُ هَذا الأصحاحَ وَهِيَ: "العِبادَة" – العِبادَة. فَهُوَ يَقولُ: "لَهُ الْمَجْدُ الآنَ وَإِلَى يَوْمِ الدَّهْرِ. آمِين". وَهِيَ دَعْوَةٌ وَحَسْب إلى العِبادَة. فَهِيَ دَعوةٌ وَحَسْب إلى العِبادَة. أعطوهُ المَجدَ الآنَ وَإلى يَومِ الدَّهر. وَقد قَالَ بُولُس: "افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ الله". فيجبُ علينا أن نَعيشَ لِمَجدِهِ. وَقد كَتَبَ بولسُ إلى أهلِ أفسُس وقالَ إنَّهُ يَنبغي أنْ يَتَمَجَّدَ اللهُ، ويَنبغي أنْ يَتَمَجَّدَ المَسيحُ في الكَنيسَة. وَهَذا يَعني: "مِن خِلالِكُم". فيجبُ علينا أن نَكونَ لِمَدْحِ مَجْدِه.

ولكِنْ يُوجَدُ حَقٌّ عَظيمٌ هُنا لا يُمكِنُني أنْ أُقاوِمَ التَّحدُّثَ عَنه: "لَهُ الْمَجْدُ". مَنْ هُوَ المَقصود بالكلمة "لَهُ"؟ مِنَ الوَاضِحِ أنَّ رَبَّنا وَمُخَلِّصَنا يَسوعَ المَسيحَ هُوَ المَقصودُ هُنا. وَهَذا مُهِمٌّ جدًّا يا أحبَّائي. فَالمَجدُ هُوَ لله. فَالمَجدُ هُوَ للهِ، وللهِ وَحدِهِ. فالعَهدُ القَديمُ يَقولُ إنَّ اللهَ قَالَ: "وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ". وَهُنا، يَقولُ الرُّوحُ القُدُسُ: "أَعطُوا المَجدَ ليسوعَ المَسيح". وَماذا يَعني هَذا؟ إنَّهُ تَأكيدٌ عَظيمٌ لِلاَّهُوتِ يَسوعَ المَسيحِ وَمُساواتِهِ لله.

وَفي إنجيل يُوحَنَّا 5: 23، نَجِدُ الجُملةَ التَّاليةَ المُهِمَّةَ جدًّا: "لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ". فَهُما مُتَساوِيان. وَنَقرأُ في رِسالةِ رُومية 11: 36 تَسبيحَةً عَظيمَةً لله. ونَقرأُ في رِسالةِ يَهوذا والعَدد 25 تَسبيحَةً عَظيمَةً لله. ونَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية 3: 18 تَسبيحَةً عَظيمَة. وَهِيَ تَسبيحَةٌ عَظيمَةٌ مُقَدَّمَةٌ للرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. لِذا، نَستَنتِجَ أنَّ اللهَ والمَسيحَ هُما الله، وَأنَّهُما جَديرانِ بِتَسبيحِنا. فَلا شَكَّ في أنَّ المَسيحَ مُساوٍ للهِ ويَستَحِقُ التَّمجيد.

إذًا، كَيفَ يَنبغي لي أن أعيش؟ كَيفَ يَنبغي لي أن أعيشَ في ضَوْءِ الدُّخولِ يَومًا إلى الأبديَّةِ والعَيشِ إلى الأبدِ في يَومِ اللهِ، أو يَومِ الدَّهرِ، أو في السَّماواتِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدة الَّتي يَسكُنُ فيها البِرُّ إلى الأبد؟ كَيفَ أعيشُ في ضَوْءِ ذلكَ في هذهِ الحَياة؟ يَقولُ بُطرسُ: "أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا؟" أو "مَا المُستوى الرَّفيعُ الَّذي يَنبغي أنْ تُراعُوهُ في حَياتِكُم؟"

وَيُجيبُ بُطرُسُ عَن سُؤالِهِ قَائِلاً إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَعيشُوا في تَرَقُّبٍ، ويَنبغي أنْ تَعيشُوا في سَلامٍ [أيْ في سَلامٍ تَامٍّ مِنْ مُنْطَلَقِ يَقينِكُم بأنَّ يَومَ الرَّبِّ سَيَعبُرُ عَنكُم كَما عَبَرَ مَلاكُ المَوتِ، وَأنَّكُم سَتَدخُلونَ في يَومِ الله]. وَيَنبغي لَكُم أن تَعيشُوا في طَهارَةٍ [أيْ أن تَكونُوا بِلا دَنَسٍ وَلا عَيْب]. ويَنبغي أنْ تَعيشُوا في كِرازَةٍ [مِن مُنطَلَقِ إدراكِكُم بأنَّ الاستِغلالَ الصَّحيحَ للوقتِ يَقتَضِي مِنكُم أن تَكرِزوا بالإنجيلِ إلى الخُطاة].

ويَنبغي أن تَعيشُوا في تَمْييزٍ [أيْ أنْ تَحذَرُوا جدًّا وتَحتَرِسُوا لِئلاَّ يَأتي شَخصٌ ويُحَرِّف الحَقَّ الإلهيَّ ويُسقِطُكُم مِن ثَباتِكُم]. ويَنبغي أن تَعيشُوا في نُضْجٍ [أي أنْ تَنمُوا دَائِمًا في مَعرفةِ المَسيحِ في نِطاقِ النِّعمَة]. ويَنبغي أن تَعيشُوا في عِبادَةٍ [أيْ أن تَعيشُوا حَياةَ تَسبيحٍ، وأنْ تَكونوا أداةَ تَسبيحٍ لِمَجدِ اللهِ وَمَجْدِ المَسيحِ الَّذي خَطَّطَ يَومَ الدَّهرِ لأجلِكُم]. إذًا، هَكذا يَنبغي لَنا أن نَعيشَ في ضَوْءِ مُستقبَلِنا المَجيد. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا حَتَّى نُصَلِّي:

أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ نَكون؟ يا أبانا، نَحنُ نَعرِفُ الإجابَة. رَسِّخْ هَذِهِ الحَقائِقِ العَظيمَةَ في قُلوبِنا إكرامًا للمَسيحِ وَتَمجيدِ اسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize