في هذا المَساء، لدينا هذا الامتياز العَظيم في أن نَبتدئَ دراسةً رائعةً لِنَصٍّ مُميَّز جدًّا في الكتاب المقدَّس وهو رسالة بُطرس الثَّانية: 1: 5 وما يَليه. لِذا، افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مِن فَضلِكُم. وفي هذا المساء، لن تَكونَ هناكَ عِظَة، بل بالحَرِيِّ سيكونُ هذا دَرسٌ إذْ أريدُ أن أُعَلِّمَكُم بِضعةَ أمور أرجو أن تكونَ مُفيدة لكم. وما سنقولُهُ في هذا المساء سيكونُ نَوعًا مَا تَمهيدًا للنَّصّ. ولكِن لكي تَستوعِبوا ما يَقولُهُ بُطرس، اسمَحوا لي أن أبتدئَ بالقراءةِ مِنَ العددِ الخامِس. رسالة بُطرس الثَّانية 1: 5: "وَلِهذَا عَيْنِهِ، وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ، قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً. لأَنَّ هذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لأَنَّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هذِهِ، هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَةِ. لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ".
والآن، مِن خلالِ هذه الآياتِ، أريدُ أن أَلفِتَ أَنظارَكُم إلى عِبارة وَرَدَت في العددِ العاشِر: "لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْن". أعتقدُ أنَّنا نَمُرُّ جميعًا (نحنُ المُؤمِنينَ) بأوقاتٍ خِلالَ رِحلةِ إيمانِنا المَسيحيِّ لا نَكونُ فيها مُتيقِّنينَ مِن خَلاصِنا. فهناكَ أوقاتٌ تَتسرَّبُ فيها الشُّكوكُ إلى أذهانِنا. وأحيانًا، تكونُ تلك مُجرَّد لَحظاتٍ عابِرة، ولكنَّها قد تَدومُ أحيانًا وقتًا طويلاً. وقد تَبدو في أوقاتٍ أخرى أنَّها نَهْجُ حَياة. وقد تُؤدِّي تلكَ الشُّكوكُ أحيانًا إلى إسقاطِ النَّاسِ في حالةٍ مِنَ اليأسِ والإحباطِ الَّتي يَعجزونَ عنِ النُّهوضِ مِنها. وهناكَ أُناسٌ كثيرونَ اعتَرَفوا عَلَنًا بيسوعَ المسيحِ ولكنَّهُم ليسوا مُتيقِّنينَ مِن مَحبَّةِ اللهِ، وليسوا مُتيقِّنينَ مِن ضَمانِ وحَتميَّةِ الحياةِ الأبديَّةِ، وليسوا مُتيقِّنينَ مِن دَعوتِهم، وليسوا مُتيقِّنينَ مِنَ اختيارِهم، وليسوا مُتيقِّنينَ مِن خَلاصِهم.
وَواحِدٌ مِنَ الواجباتِ الرَّاعَويَّةِ الَّتي عُهِدَ بها إلى الرُّعاةِ مُنذُ أزمنةِ العهدِ الجديدِ هو مُحاولةُ مُساعدةِ النَّاسِ على فَهمِ الحقِّ المُختصِّ بحالتِهم الرُّوحيَّة. وفي كُلِّ شَهرٍ مِن فَترةِ خِدمتي في كنيسةِ النعمة (Grace Church)، الَّتي مَضى عليها الآنَ نَحو اثنتين وعشرينَ سنة، تَعاملتُ بطريقةٍ أو أخرى مع مَوضوعِ الشَّكِّ في حياةِ شخصٍ مَا سَواء كانَ شَخصًا يَشُكُّ في حَتميَّةِ ذَهابِهِ بعدَ موتِهِ إلى السَّماء، أو شخصًا ليسَ مُتيقِّنًا مِن أنَّ اللهَ يُحبُّهُ، أو شخصًا يَشعُرُ بأنَّهُ لا يُحبُّ المسيحَ حُبًّا كافيًا يَدُلُّ على الخلاصِ الحقيقيِّ، أو شخصًا يَظُنُّ أنَّهُ لا يُؤمِنُ إيمانًا كافيًا. فالشُّكوكُ بخصوصِ الخلاصِ هي أمرٌ شائعٌ في حياةِ مؤمنينَ كثيرينَ بالرَّغمِ مِن كُلِّ ما قالَهُ اللهُ. والآن، هناكَ آية رائعة أريدُ أن أقرأها مِنَ العهدِ القديم. وقد تَرغبونَ في كِتابتِها إذْ رُبَّما سترغبونَ في العودةِ إليها لاحقًا، وهي إشعياء 32: 17. والآيةُ إشعياء 32: 17 تَقولُ ما يَلي: "وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلاَمًا، وَعَمَلُ الْعَدْلِ سُكُونًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى الأَبَد". اسمحوا لي أن أقرأها مَرَّةً أخرى: "وَيَكُونُ صُنْعُ الْعَدْلِ سَلاَمًا، وَعَمَلُ الْعَدْلِ سُكُونًا وَطُمَأْنِينَةً إِلَى الأَبَد". وما يَعنيه إشعياءُ هو: عندما يُعطي اللهُ بِرًّا فإنَّهُ يأتي مَصحوبًا بالسَّلامِ والطُّمأنينة.
والحقيقةُ هي أنَّ كُتَّابَ العهدِ الجديدِ يَتحدَّثونَ عنِ اليَقينِ بصيغةِ التَّفضيل. فالآيةُ كُولوسي 2: 2 تَتحدَّثُ عنِ اليقينِ التَّامّ. والآية 1تسالونيكي 1: 5 تَتحدَّثُ عنِ اليقينِ الشَّديد. والآيةُ عِبرانيِّين 6: 11 تَتحدَّثُ عن يَقينِ الرَّجاءِ التَّامِّ. والآية عِبرانيِّين 10: 22 تَتحدَّثُ عن يَقينِ الإيمانِ التَّامّ. اليَقينِ التَّامِّ [ثلاث مَرَّات] واليقينِ الشَّديدِ. واللهُ الَّذي يَهَبُنا بِرًّا يَهَبُنا مَعَهُ يَقينًا. ومعَ أنَّ العهدَ الجديدَ والعهدَ القديمَ يَتحدَّثان عنِ اليَقين، ومعَ أنَّ اليَقينَ يَقتَرِنُ برجائِنا في المسيح، وإيمانِنا بالمسيح، وبالبِرّ، ومعَ أنَّ اليَقينَ يُعطَى لنا مِنَ الله، هناكَ مؤمنونَ كثيرونَ يَفتقرونَ إليه. والآن، قبلَ أن نَتحدَّثَ عن نَصِّنا [الَّذي يُقَدِّمُ الحَلَّ لأولئكَ الَّذينَ يَفتقرونَ إلى اليَقين]، وقبلَ حتَّى أن نَتحدَّثَ عنِ الأمورِ الَّتي ذُكِرَت قبلَ النَّصِّ والَّتي هي الأسبابُ الَّتي تَجعلُ النَّاسَ يَفتقرونَ إلى اليَقين، هناكَ مَسألتانِ ينبغي أن أطرحهُما إن أردنا حَقًّا أن نَفهمَ موضوعَ اليَقينِ هذا.
المسألةُ الأولى هي التَّالية: هناكَ أشخاصٌ لديهم يَقين، ولكنَّهم لا يَملِكونَ أيَّ حَقٍّ في امتِلاكِه. هناكَ أشخاصٌ لديهم يَقين، ولكنَّهم لا يَملِكونَ أيَّ حَقٍّ في امتِلاكِه. فهو يَقينٌ زائف. وهو سَلامٌ زائف. وهو أمانٌ زائف. وهذا اليَقينُ الزَّائف خَطير، ومُضَلِّل، ومُهلِك، ويؤدِّي إلى الدَّينونة لأنَّهُ يُعطي صُورةً مَغلوطةً عن الحالةِ الروحيَّةِ الحقيقيِّةِ للإنسان. وقد عَبَّرَ أحدُهم عن ذلك ببساطة فقال: "ليسَ كُلُّ مَن يَتحدَّثُ عن السَّماءِ يَذهبُ إليها". وهذا صحيح. فهناكَ أشخاصٌ يَشعرونَ بأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام بينَهُم وبينَ الله؛ ولكنَّ ذلكَ غير صَحيح. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ المُتديِّنينَ الزَّائفينَ، والأنبياءَ الكَذبة، والمُعلِّمينَ الكَذبة يريدونَ أن يُعطوا النَّاسَ ذلك الشُّعور. وكذلكَ هي حالُ الشَّيطانِ وأعوانِه. وإن كانَ هؤلاءِ الأشخاصُ الَّذينَ لديهم يَقينٌ زائف [أيِ غيرُ المُخَلَّصينَ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُخَلَّصونَ] سيَخلُصونَ يَومًا، وإن نُزِعَ اليَقينُ الزَّائفُ مِنهم، سيُضطرُّونَ إلى فَحصِ شَيئَيْن: حقيقة الخلاص، وحقيقة حالتِهم الرُّوحيَّة.
والنَّاسُ يَسألونَني غالبًا لماذا أتكلَّمُ كثيرًا عن موضوعِ الخلاص، ولماذا أتكلَّمُ كثيرًا عن هذا الموضوعِ المُختصِّ بحالتِهم الرُّوحيَّةِ وفَحصِ الذَّات. والسَّببُ هو أنَّ هناكَ أشخاصًا لديهم يَقينٌ زائف. وقد كانَ يَسوعُ يَعلمُ ذلك. لِذا فقد قالَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ!" (في إنجيل مَتَّى 7: 21) "فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: اذْهَبُوا عَنِّي! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" وسوفَ تكونُ تلك صَدمة كبيرة لهم حيثُ إنَّ يَقينَهُم سيكونُ على الأرجَح يَقينًا زائفًا. لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولسَ قالَ في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاح 11: "في كُلِّ مَرَّةٍ تأتونَ فيها إلى مائدةِ الرَّبِّ، افحَصوا أنفسَكُم". لِذا فإنَّهُ يَقولُ مَرَّةً أخرى في رسالتهِ الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس 13: 5: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَان؟" لأنَّ هناكَ أشخاصًا لديهم يَقين، ولكنَّهم لا يَملِكونَ أيَّ حَقٍّ فيه.
وقد تقول: "كيفَ حَصلوا على ذلك اليَقين؟" لقد أعطاهُم شخصٌ مَا مَعلوماتٍ عن خَلاصِهم لم تَكُن صَحيحة. وقد صَدَّقوا ذلك. ولأنَّهم صَدَّقوا ما ظَنُّوا أنَّهُ صحيح، شَعروا بالطُّمأنينة. وهُناكَ أُناسٌ آخرونَ أساؤوا تَقييمَ حَالتِهم الرُّوحيَّة. فَهُم يَعرفونَ الحقَّ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قد آمنوا بالفعل بهذا الحَقّ؛ ولكنَّهم لم يُؤمنوا به. والحقيقةُ هي أنَّ الكثيرَ مِنَ الكِرازةِ في وقتِنا الحاضِرِ تُسهِمُ في هذا الرَّجاءِ الزَّائفِ مِن خلالِ استخدامِ أُسلوبٍ أودُّ أن أُسَمِّيه: "اليَقين القِياسِيّ". ولا أريدُ منكم أن تَفقِدوا تَركيزَكُم بسببِ ذلك المُصطلَح. فالقِياسُ هو [ببساطة] شَكلٌ مِن أشكالِ المَنطِق. فهو يَقومُ على مُقَّدِّمةٍ مَنطقيَّةٍ صُغرى ومُقدِّمةٍ مَنطقيَّةٍ كُبرى تُؤدِّيان إلى نَتيجة مُعيَّنة.
والكِرازة الأمريكيَّة الحديثة تُقَدِّمُ للنَّاسِ يَقينًا قِياسِيًّا منذُ سنواتٍ كثيرة جدًّا. والأمرُ يَحدُثُ كالتَّالي: وسوفَ الآيةَ يُوحنَّا 1: 12 كنُقطة بِداية كي نُقَدِّمَ مَثلاً على تلك الطَّريقةِ مِن خلالِ آيةٍ مُحَدَّدة: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ". لِذا فإنَّكَ تقولُ لشخصٍ مَا: هل تَقبلهُ؟" أجل. وهذه هي المُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الكُبرى. فأيُّ شخصٍ يَقبلُهُ يَصيرُ وَلَدًا مِن أولادِه. "هل فَعلتَ ذلك؟" أجل. وهذه هي المُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الصُّغرى. فقد فَعلتَ ذلك. والنَّتيجة هي: أنتَ وَلَدٌ مِن أولادِه". فالمُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الكُبرى تقولُ إنَّكَ إن قَبلتَ المسيحَ فإنَّكَ تَصيرُ وَلدًا مِن أولادِه. والمُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الصُّغرى تَقولُ إنَّكَ فَعلتَ ذلك. والنَّتيجةُ تَقولُ إنَّكَ وَلَدٌ مِن أولادِه.
وقد تَقول: "هذا مَنطقيٌّ". أجل. أجل. ولكنَّ المُشكلةَ هي أنَّكَ لا تَعرِفُ ما إذا كانتِ المُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الصُّغرى صَحيحة. فأنتَ لا تَعلمُ إن كانَ ذلكَ الشَّخص قد فَعَلَ ذلك. وقد تقول: "ولكنَّهُ قالَ إنَّهُ فَعلَ ذلك". هذا شيءٌ مُختلِف. فأنتَ لا تَعلَمُ إن كانَ قد فَعلَ ذلك. فقد كانَ الطَّهوريُّونَ يَقولون: "الفَحصُ أولاً، ثُمَّ الثِّقة". فأنتَ لا تَعلمُ أنَّ ذلكَ الشَّخصَ فَعَلَ ذلكَ ما لم تَفحصهُ. ولكنَّ هذا هو ما يَقولُهُ الاستنتاجُ القِياسيّ: إذا عَرَفتَ حقائقَ الإنجيلِ (وهي المُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الصُّغرى)، وآمنتَ بحقائقِ الإنجيل، فإنَّكَ مُؤمِن. وهذا [بالمُناسبة] عُنصرٌ كبيرٌ في الكِرازةِ المُعاصِرة: الاحتِكامُ إلى القِياسِ المَنطقيِّ بناءً على اعترافٍ لم يَخضَع للفَحص؛ وهي مُقدِّمة مَنطقيَّة صُغرى مَغلوطة.
فنحنُ نَبني اليَقينَ على استِدلالٍ مَحْض لا يُؤكِّدُهُ الرُّوحُ القُدُس. فلا يوجد لدينا تأكيدٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. ولا يوجدُ لدينا بُرهانٌ على ذلك مِن خلالِ أيِّ فَحص. ولكنَّ اليَقينَ الحَقيقيَّ يَنبُعُ مِن إيمانٍ مُمَحَّصٍ ومُثْبَت. ونحنُ نَحصُلُ على ذلكَ البُرهانِ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، لا مِن مُشيرٍ بَشريٍّ. لِذا، هناكَ أشخاصٌ لَديهم يَقينٌ معَ أنَّه لا يَجوزُ أن يكونَ لديهم يَقين لأنَّ شخصًا ما قَدَّمَ لهم بِشارةً زائفة فَصَدَّقوها وصَدَّقوا أنَّهم مُخَلَّصون. وهناكَ أشخاصٌ لديهم يَقينٌ زائفٌ لأنَّ شخصًا أخبرهُم أنَّ إيمانَهُم حَقيقيّ؛ في حينِ أنَّهُ قد لا يكونُ حَقيقيًّا. لِذا، يجب علينا أن نَفهمَ في المَقامِ الأوَّل فيما يَختصُّ بموضوعِ اليَقينِ هذا أنَّ هناكَ أشخاصًا لديهم يَقينٌ في حين أنَّهُم لا يَملِكونَ أيَّ حَقٍّ في ذلك.
ثانيًا، هناكَ مسألة مَبدئيَّة أخرى أريدُ أن أُشاركَكُم بها وهي كما يَلي: هناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّه لا يَحِقُّ لأيِّ شخصٍ أن يكونَ لديهِ يَقين، حَتَّى لو كانَ مُؤمِنًا حَقيقيًّا. والحقيقةُ هي أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ العَجرفةِ أن تَتخيَّلَ أنَّ لديكَ يَقين، وأنَّهُ مِنَ العَجرفةِ أن تَتخيَّلَ أنَّكَ مُتيقِّنٌ مِن خَلاصِكَ في المسيح. وَهُم يقولونَ إنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى عَدمِ المُبالاة، ويؤدِّي إلى عدمِ الاكتِراث، ويُؤدِّي إلى الخطيَّة، ويُؤدِّي إلى عدمِ قَداسَتِك. وهذا هو الرَّأيُ الأرمينيُّ التَّقليديُّ الَّذي يَقولُ بصورة أساسيَّة إنَّهُ إن كُنتُ أَظُنُّ أنَّ خَلاصي مَضمونٌ إلى الأبد، سأذهبُ وأفعلُ أيَّ شيءٍ أُريد. هل سَمِعتُم ذلك؟ وهذا رأيٌ قَديم يَقولُ إنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تَسمَحَ لأيِّ شخصٍ أن يَظُنَّ أنَّ خَلاصَهُ مَضمونٌ لأنَّهُ سيُسيءُ استخدامَ هذهِ الامتيازاتِ لأنَّه في نِهايةِ المَطافِ لا يُمكِن أن يَفقِدَ خَلاصَهُ. لِذا، ما الَّذي يَمنَعُهُ مِنَ العَيشِ بأيَّةِ طَريقةٍ يَشاء؟
وهذه ليست فقط النَّظرة الأرمينيَّة [بالمُناسبة]، بل هي أيضًا النَّظرة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. فهذا هو ما عَلَّمَتْهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّة الرُّومانية دائمًا. وقد قالت نُصوصُ ومُقَرَّراتُ مَجْمَع ترنت (The Council of Trent) ما يَلي [وأنا أَقتبِس]: "لا أحدَ يَستطيعُ أن يَعرفَ بإيمانٍ شَديدٍ لا خطأَ فيهِ أنَّهُ نَالَ نِعمةَ الله. كذلك، لا أحدَ يَستطيعُ، ما دامَ في هذه الحياةِ الفانية، أن يَكشِفَ عن سِرِّ تَعيينِ اللهِ السَّابِق وأن يَعلمَ عِلْمَ اليَقينِ أنَّهُ صارَ بِكُلِّ تأكيد في عِدادِ المُعَيَّنينَ سَابقًا إذ إنَّهُ مِن دُونِ إعلانٍ خاصٍّ، لا يُمكنُ لأحدٍ أن يَعلمَ مَنِ الَّذينَ اختارَهُمُ اللهُ لنفسِه. وإذا قالَ أحدٌ إنَّ الإنسانَ الذي وُلِدَ ولادةً جَديدةً ونالَ التَّبريرَ مُلْزَمٌ بمُقتَضى الإيمانِ أن يؤمنَ بِلا رَيْبٍ بأنَّهُ في عِدادِ المُعَيَّنينَ سابقًا، فليَكُن مَحرومًا". هذا هو ما تَقولُهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّة. لِتَحِلَّ اللَّعنةُ على الأشخاصِ الَّذينَ لَديهم يَقين.
ومعَ أنَّ مَجمعَ ترنت عُقِدَ في القرن السَّادس عشر، فإنَّ تَعليمَ الكنيسة بخصوصِ هذه النُّقطة لم يَتغيَّر. ولإثباتِ ذلك، اقتبستُ المَقطعَ التَّالي مِن قَاموسٍ لاَهوتيٍّ حَديثٍ للكنيسةِ الكاثوليكيَّة. إليكُم ما جاءَ فيه: "يَقينُ الخَلاص". فهذا هو العُنوان. "مَفهومٌ مَوجودٌ في اللاَّهوتِ البروتستنتيِّ يُشيرُ إلى الاعتقادِ بعقيدةِ التَّبريرِ اعتقادًا راسخًا حتَّى إنَّهُ لا يَجوزُ أن يَكونَ مَشوبًا بأيِّ شَكٍّ في خَلاصِ الإنسانِ في النِّهاية. ويَقينُ الخلاصِ هذا الَّذي يَصِفُهُ اللاَّهوتُ الكاثوليكيُّ بأنَّهُ مَغلوط كانَ قد شُجِبَ مِن قِبَلِ مَجْمَع ترنت لأنَّهُ في حين أنَّهُ لا يَحِلُّ البتَّة للمؤمِنِ أن يَشُكَّ في ما فَعلَهُ يسوعُ المسيحُ، أو أن يَشُكَّ في مَشيئَتِهِ الخَلاصيَّةِ الشَّاملة، فإنَّ هذا لا يُلغي كُلَّ شَكٍّ مُحتَمَل في خَلاصِ الإنسانِ في النِّهاية" [نِهايةُ الاقتباس]. يا لهُ مِن قَولٍ سَخيف! فلا يَجوزُ لكَ أن تَشُكَّ في أيِّ شيءٍ آخر سِوى خَلاصِك.
ويُحاولُ "جي.سي. بيركاور" (G.C. Berkouwer) في كِتابِهِ "تَضارُبٌ معَ رُوما" (Conflict With Rome) أن يُوَضِّحَ أنَّ إنكارَ الكنيسةِ الرُّومانيَّة ليقينِ الخلاصِ يَتَّفِقُ معَ مَفهومِها لطبيعةِ الخلاص. "إنَّ السَّببَ الحَقيقيَّ [كما يَقول] وراءَ ذلك يَرجِعُ إلى أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ الرُّومانيَّةَ تَنظُرُ إلى الخلاصِ كما لو كانَ جُهدًا مُشتركًا بينَ الإنسانِ والله، وكما لو كانَ بَرَكَةً لا يُمكِنُ الحِفاظُ عليها إلاَّ مِن خلالِ الأعمالِ الصَّالحةِ حَتَّى إنَّهُ يجب علينا أن نَقولَ للمؤمِن: ’لا يُمكِنُكَ يَومًا أن تَتيقَّنَ تَمامًا مِن خلاصِك‘ لأنَّهُ إن كانَ يَقينُ خَلاصِ المَرءِ قائمًا على قِيامِهِ بأعمالٍ صَالِحَة، فإنَّ أكثرَ مَا يُمكنهُ الحصولُ عليهِ هو اليَقينُ التَّخمينيُّ الَّذي تَسمَحُ به رُوما". لماذا؟ لأنَّهُ إن كانَ خَلاصي يَتوقَّفُ على اللهِ وَعليَّ، قد أُخفِق.
لِذا، حيثُ تَجِدونَ في اللاَّهوتِ الكاثوليكيِّ الرُّومانيِّ أنَّ للإنسانِ دَورًا في الخلاص، أو حيثُ تَجِدونَ في اللاَّهوتِ الأرمينيِّ أنَّ للإنسانِ دَورًا في الخلاص، ستجدونَ أنَّهُ لا يوجد ضَمان لأنَّ الإنسانَ قد يُخفِق. ولكِن حيثُ تَجِدونَ في اللاَّهوتِ الكِتابيِّ التَّاريخيِّ أنَّ الخلاصَ كُلَّهُ هو عَمَلُ اللهِ، ستجدونَ أنَّهُ توجد أيضًا عقيدةُ مُختصَّة بالضَّمان؛ وهذا يُؤدِّي إلى اليَقين. والسُّؤالُ الرَّئيسيُّ هنا هو ما إذا كانَ الإنسانُ يَخلُصُ بالنِّعمةِ وحدِها أَم أنَّ خَلاصَ الإنسانِ يَتوقَّف جُزئيًّا على أعمالِهِ الصَّالحةِ الَّتي تَجعَلُهُ جَديرًا بذلك الخلاص. وإن كانَتِ الحالةُ الأخيرةُ صحيحةً، لن يَتمكَّنَ الإنسانُ يَومًا مِنَ التَّيقُّنِ مِن خَلاصِه. وإن كانتِ الحالةُ الأولى صحيحة (كما عَلَّمَ المُصْلِحون)، سيكونُ بمقدورِ المَرءِ أن يَتيقَّنَ مِن خَلاصِه مع أنَّهُ قد لا يَملِكُ دائمًا ذلكَ اليَقين. لِذا، قد يَشعُرُ أُناسٌ بأنَّنا لن نَكونَ مُتيقِّنينَ مِن ذلكَ يَومًا ويَتركونَ الأمرَ عندَ هذا الحَدّ. وَهُم يَقولونَ إنَّ ذلكَ يُساعدُهم على أن يَعيشوا حياةً صالحةً لأنَّه يجب عليهم أن يَستمرُّوا في عَيشِ الحياةِ الصَّالحةِ لِئلاَّ يَفقِدوا خَلاصَهُم. ولكنَّهُم بصورة أساسيَّة يُنكرونَ اليَقينَ جُملةً وتَفصيلاً.
والآن، لقد وَضَّحنا هَاتينِ النُّقطتين. فهناكَ أُناسٌ لديهم يَقينٌ ولكنَّهُم لا يَملِكونَ أيَّ حَقٍّ في ذلك. وهُناكَ أُناسٌ يُنكرونَ أنَّهُ يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَتيقَّنَ مِن خَلاصِهِ. ولكِنْ لِنُرَكِّز على الحَقِّ المُختصِّ باليَقين. حسنًا؟ أيِ اليَقينُ الحَقيقيُّ كما يُعلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. لا الإيمان الزَّائِف، بلِ اليَقين الحقيقيّ. وما نُريدُ أن نُحَقِّقَهُ تَحديدًا هو ما جاءَ في العددِ العاشِر. وعندما تَنتهي سِلسِلَتُنا التَّعليميَّة هذه، نريدُ منكَ أن تكونَ واثقًا مِن دَعوتِهِ واختيارِهِ لَك. ونُريدُ منكَ أن تَقولَ مِن دونِ ذَرَّةِ شَكٍّ: "أنا في عِدادِ المُعَيَّنينَ سابِقًا، وأنا في عِدادِ المُختارين. فقد تَمَّ اختياري. وقد دُعيتُ. وأنا مَضمونٌ إلى الأبد. وأنا أستمتِعُ بيقينِ خَلاصي". ولكن قبلَ أن نَتمكَّنِ مِن حَلِّ المُعضلةِ، يجب علينا أن نَستعرِضَها. لِذا، أريدُ أن أطرحَ وَحَسْب سؤالاً رئيسيًّا: لِماذا يَفتَقِرُ النَّاسُ إلى اليِقين؟ لِماذا يَفتَقِرُ النَّاسُ إلى اليِقين؟ مِنَ الواضحِ أنَّنا نَستطيعُ الإجابةَ عن ذلك السُّؤال بالقول: "إنَّ بعضًا مِن هؤلاءِ ليسوا مُخَلَّصين. لِذا فإنَّهم لا يَشعرونَ بالطُّمأنينة". وهذا صحيح، ولكن لنتعمَّق قليلاً في ذلك. لِماذا يَفتقِرُ المسيحيُّونَ إلى اليَقين؟ سوفَ أُقَدِّمُ لك بِضعةَ أسباب. حسنًا؟
السَّببُ الأوَّل - وبالمُناسبة، هذه ليست لائحة مُوحَى بها، بل هي مُجرَّدُ لائحة دَوَّنتُها في أثناءِ تَفكيري وتأمُّلي في هذه الآياتِ طَوالَ الأشهُر الستَّة الأخيرة استعدادًا لهذه السِّلسلة. لماذا يَفتقِرُ النَّاسُ إلى اليَقين؟ السَّببُ الأوَّل – وقد تكونُ هناكَ أسبابٌ أخرى. ورُبَّما يُمكنُ التَّعبيرُ عن هذه الأسبابِ بطريقةٍ أفضل؛ ولكنَّ هذه اللاَّئحةَ ستُساعِدُنا. السَّببُ الأوَّل: هناكَ أشخاصٌ قد يَفتقِرونَ إلى اليَقينِ بسببِ استماعِهم إلى عِظاتٍ قويَّةٍ عن مَعاييرِ قَداسةِ الله. هناكَ أشخاصٌ قد يَفتقِرونَ إلى اليَقينِ بسببِ استماعِهم إلى عِظاتٍ قويَّةٍ عن مَعاييرِ قَداسةِ الله. "ماذا تَعني بذلك؟" ما أعنيه هو أنَّ الوَعظَ المُتَطَلِّبَ، أوِ الوعظَ الَّذي يَنطوي على المُواجَهة، أوِ الوعظَ المُبَكِّت الَّذي يُرَكِّزُ على مِعيارٍ عالٍ للقَداسة، أوِ الوعظَ الَّذي يُرغِمُ النَّاسَ على رُؤيةِ حالتِهم الخاطئة، ويُرغمهم على الإقرارِ بقداسةِ الله، ويَدعوهم إلى مِعيارٍ عَالٍ مِنَ الحياةِ المسيحيَّة قد يَدفعُ أُناسًا إلى الافتقارِ إلى اليَقين.
وقد تَقول: "وهل هذا سَيِّء؟" لا، لا، إنَّهُ ليسَ كذلك. فالمِنبَرُ هو بِحَقّ المَكانُ الَّذي يَجعلُ القُلوبَ تَهتَزُّ. فهذا واحدٌ مِن واجباتِه لأنَّه يجب أن يُبَكِّتَ الأشخاصَ الَّذينَ لديهم يَقينٌ زائف. أليسَ كذلك؟ فيجب أن يَتصدَّى للخطيَّة. ويجب أن يَدعو إلى أعلى وأقدسِ مِعيار. ومِن خلالِ كُلِّ هذه الوَصايا، قد يُؤدِّي الوعظُ القويُّ إلى زَعزعةِ فِئةٍ مِنَ النَّاسِ ويَجعلهم يَشُكُّونَ في حقيقةِ حالتِهم الرُّوحيَّة لأنَّهم يُقارنونَ أنفسَهُم بذلك المِعيار ويقولون: "أنا بعيدٌ جدًّا عن ذلك المِعيار. وحَتَّى إنِّي قد لا أكونُ مُؤمِنًا". فالوعظُ المُتَطَلِّب، والوعظُ المُبَكِّت، والوعظُ القويُّ الَّذي يَضَعُ مِعيارًا عاليًا ومُقدَّسًا للمُخَلَّصينَ يُؤدِّي إلى التَّبكيتِ القويِّ على الخطيَّة. وهذا قد يُحْدِثُ شَكًّا، ولا سِيَّما عندَ المُؤمِنِ الَّذي يُخطِئ – ولا سِيَّما عندَ المُؤمِنِ الَّذي يُخطِئ.
والآن، أودُّ أن أقولَ لكم بعدَ كُلِّ ما قُلتُه إنَّ هذا الأمرَ نادرُ الحُدوثِ اليوم. لماذا؟ لأنَّهُ نادرًا ما يُوجَدُ وَعْظٌ مَبَكِّت. فالكنائسُ في جَميعِ أنحاءِ بَلَدِنا تَعِجُّ بأشخاصٍ مَغرورينَ لا يَشعرونَ بعدَمِ الأمان لأنَّهُ لم يَسبِق لأحدٍ أن واجَهَهُم بحقيقةِ ما يَحدُثُ في حياتِهم. فهو نادِرُ الحدوث لأنَّ الوعظَ ليسَ مُبَكِّتًا، وليسَ قَويًّا، ولأنَّ الوعظَ لا يَضَعُ بالضَّرورةِ مِعيارًا مُحَدَّدًا عاليًا. والحقيقةُ هي أنَّهُ إن سألتُم مَجموعةً عاديَّةً مِنَ الوُعَّاظِ إن كانوا قد وَعظوا يَومًا عن يَقينِ الخلاص، مِنَ النَّادِرِ أن تَجدوا شخصًا فَعَلَ ذلك. وإن عَثرتُم على شخصٍ يقول: "أجل، لقد وَعظتُ عن اليَقين"، رُبَّما يَقولُ لكم: "ما قَدَّمتُهُ هو عِظَة تَجعلُ الجَميعَ يَشعرونَ بأنَّهُم مُتيقِّنونَ مِن خلاصِهم". وما فَعَلَهُ في الحقيقة هو أنَّهُ قَدَّمَ لَهُم شَيئًا مَا عن ذلك اليَقينِ القِياسيّ.
فالمَرَّةُ الوحيدةُ تقريبًا الَّتي يُثارُ فيها هذا الموضوع، مِن وُجهة نَظري، هي لِمُجادلةِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يُبدونَ الاستعدادَ لتقديمِ اليقينِ القِياسيّ. فالمرَّةُ الوحيدةُ الَّتي أَخوضُ فيها نِقاشًا حولَ هذا الموضوع هي عندما يَرغبُ النَّاسُ في مُجادلتي لأنَّهم يُريدونَ أن يُقدِّموا للنَّاسِ يَقينًا نَفسيًّا لكي يَشعروا بالطُّمأنينةِ بشأنِ أنفسِهم ولا يَشُكُّونَ البتَّة في حالتِهم الرُّوحيَّة. فالفِكرةُ الوحيدةُ عندما تَقودُ شخصًا إلى المسيح (كما يَحدُثُ منذُ سنواتٍ طويلةٍ في أمريكا) هي: "أوَّلُ مَسؤوليَّة مُلقاة على عاتِقِكَ بعدَ أن يُصَلُّوا ويَقبَلوا الرَّبَّ هي أن تَحرِصَ على أن يَشعروا باليقين". لِذا فإنَّكَ تقولُ لهم: "أَلا يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّهُ إن آمَنتَ بالربِّ يسوعَ المسيحِ فإنَّكَ تَعلمُ أنَّ لكَ الحياة الأبديَّة؟ وها أنتَ قد آمنتَ بالربِّ يسوعَ المسيح. فالمُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الكُبرى تقولُ ذلك. والمُقدِّمةُ المَنطقيَّةُ الصُّغرى تقولُ إنَّكَ تُؤمِن. والنَّتيجة هي أنَّكَ مُخَلَّص. لِذا، يجب عليكَ أن تَشعُرَ بالضَّمان، وأن تَشعُرَ باليقين، وألاَّ تَقلقَ بهذا الخُصوص".
فالمَرَّةُ الوحيدةُ الَّتي يَتحدَّثُ فيها أيُّ شخصٍ عنِ اليقينِ هي عندما يريدُ أن يَجعلَ الآخرينَ يَشعرونَ بالضَّمان؛ لا عندما يريدُ منهم أن يَفحصوا ما إذا كانَ يَقينُهم زائفًا. والحقيقةُ هي أنَّني أعتقدُ أنَّهُ بسببِ ذلك، لا يوجد أشخاصٌ كثيرونَ اليومَ يَشُكُّونَ في خَلاصِهم لأنَّ التَّعليمَ يَفتقِر إلى الدَّعوةِ القويَّةِ إلى القَداسة إذْ إنَّ الوُعَّاظَ يَشعرونَ بأنَّ واجِبَهُم يَقتضي مِنهم أن يَجعلوا الجميعَ يَشعرونَ بمشاعر طَيِّبة. ولكِن مِن جِهة أخرى فإنَّ الوَعْظَ المُبَكِّتَ قد يُؤدِّي إلى الشَّكّ. وقد تَسَلَّمتُ رِسالةً مِن شخصٍ في الكنيسةِ فَكَّرتُ في مُشاركتِها معكم: "عَزيزي جون، أنا أحضر كنيسة النعمة منذ سنواتٍ عديدة. وبسببِ التَّبكيتِ المُتزايِد في قلبي نَتيجةَ وَعظِكَ، وبسببِ عَدَمِ مُقاومتي للتَّجاربِ الَّتي في قلبي وانجِرافي الدَّائم وَراءَها، وبسببِ نِقاشاتي مع الرُّعاةِ والرِّجالِ الأتقياءِ عن شُكوكي المُتزايدة، أعتقدُ أنِّي لستُ مُخَلَّصًا. وكم هو مُحزِنٌ لي، يا جون، ألاَّ أتمكَّنَ مِنَ الإيمان بسببِ الخطيَّةِ الَّتي تُحْكِمُ قَبضَتَها عَليَّ، والَّتي أَتوقُ إلى التَّحرُّرِ مِنها.
"ما أغربَ أن يَحدُثَ شيءٌ كهذا لشخصٍ يُعَلِّمُ في مدرسةِ الأحد بِاقتناعٍ قَلبيٍّ كاملٍ، ويُدرِّبُ في برنامجِ الكِرازةِ الرَّاميةِ إلى إعدادِ تَلاميذ، وشخصٍ درسَ في كُليَّةِ اللاَّهوت، وشخصٍ مُتَلمِذ! لقد عَقدتُ العَزمَ في قلبي مَرَّاتٍ كثيرة على التَّوبةِ، وعلى التَّخَلُّصِ مِن رغبتي في اقترافِ الخطيَّة، وعلى تَرْكِ الكُلِّ لأجلِ يَسوعَ؛ ولكنِّي أَجِدُ دائمًا أنَّني أَقترِفُ الخطيَّةَ الَّتي لا أرغبُ في اقترافِها، وأنَّني لا أفعلُ الصَّلاحَ الَّذي أريدُ أن أفعلَه. وبعدَ أن انقطعتِ العلاقةُ بيني وبينَ خَطيبتي، حَفِظتُ رسالةَ أفسُس كجُزءٍ مِن جُهودي الرَّامية إلى التَّغلُّبِ على الخطيَّة؛ ولكنِّي وَجدتُ نفسي أكثرَ ضَعفًا وإدراكًا لخطيَّتي، وأكثرَ مَيلاً للخطيَّةِ مِن أيِّ وقتٍ مَضى، وأنِّي أَلهَثُ وَراءَ خَطايا رَخيصة مِن أجلِ نِسيانِ آلامِ علاقةِ حُبٍّ خِسرتُها. وأنا أقترفُ الخطيَّةَ غالبًا في قلبي يا جون؛ ولكنَّ الخطيَّة تَبتدئُ مِن هناكَ وتَسكُنُ هناك. أنا أُخطئُ لأنِّي خاطئ. وأنا أُشبِهُ جُنديًّا بلا دِرْع. فأنا أُحارِبُ في أرضِ المَعركةِ وأُصابُ بسِهامِ العَدوُّ المُلتهبة. ولا يُمكنني أن أترُكَ الكنيسةَ حتَّى لو أردتُ ذلك. فأنا أُحِبُّ الرَّعيَّةَ وأتحمَّسُ جدًّا لإنجيلِ المسيحِ العظيم. أنا كَوْمَةٌ مِنَ القَذارةِ على أرضيَّةِ المسيحِ الرُّخاميَّةِ النَّاصِعَةِ البَياض، وأنا كَلبٌ نَجِسٌ يَتَسَلَّلُ مِنَ البابِ الخَلفيِّ لوليمةِ المَلِكِ لكي يَلعَقَ الفُتاتَ مِن على الأرض. ولكنَّ قُربي مِنَ المؤمنينَ الأغنياء ببركةِ المسيحِ يَجعلُني أحصُلُ على فَيضٍ مِنَ البَرَكة. أرجوكَ أن تُصَلِّي لأجلي كُلَّما افتَكرتَني".
إنَّ الوعظَ القَويَّ يُؤدِّي إلى الشَّكّ. وقد تقول: "هل هو مؤمنٌ حقيقيٌّ؟" هناكَ شيءٌ واحدٌ لَفَتَ نَظري في هذه الرِّسالة. فهو يقول: "لقد عَقدتُ العَزمَ في قلبي مَرَّاتٍ كثيرة على التَّوبة، وعلى التَّخَلُّصِ مِن رغبتي في الخطيَّة، وعلى تَرْكِ الكُلِّ لأجلِ يَسوعَ؛ ولكنِّي أَجِدُ دائمًا أنَّني أَقترِفُ الخطيَّةَ الَّتي لا أرغبُ في اقترافِها، وأنَّني لا أفعلُ الصَّلاحَ الَّذي أريدُ أن أفعلَه". وهذا يبدو في نَظري أكثر شَبَهًا بالمؤمنِ المذكور في رومية 7، وأقلّ شَبَهًا بغير المؤمن. ولكنَّ الوعظَ القويَّ قد يُؤدِّي إلى الشَّكّ؛ لا سِيَّما في قلبِ المؤمنِ الَّذي يُخطئ. فلا شَكَّ في ذلك. لِذا، إنَّ كانَ المِنبَرُ قادِرًا على هَزِّ الكِيانِ والقُلوبِ، يجب أن يكونَ قادرًا أيضًا على إعطاءِ الطُّمأنينةِ، وإعطاءِ اليَقين. وقد قال: "جيه. آي. باكر" (J.I. Packer)، وأعتقدُ أنَّهُ على صَواب: "الوعظُ بالكلمة هو أقوى وسيلة لِتَوصيلِ النِّعمة". "الوعظُ بالكلمة هو أقوى وسيلة لِتَوصيلِ النِّعمة". وأرجو أن نَكونَ وسيلةً لتوصيلِ النِّعمةِ إليكم في هذه السِّلسلة الخاصَّةِ عنِ اليَقين.
وهناكَ سَببٌ ثَانٍ لافتقارِ النَّاسِ إلى اليَقين. فهناكَ أشخاصٌ ق يَفتقرونَ إلى اليَقينِ لأنَّهم لا يَستطيعونَ أن يَقبلوا الغُفران. فَهُم مُعَذَّبونَ بسببِ مَشاعرهم ويَشعرونَ بأنَّهم أشرار جدًّا ولا يَستحقُّونَ الخلاص. فهناكَ أشخاصٌ لا يَستطيعونَ وَحَسْب أن يَقبَلوا الخلاص. وهناكَ أسبابٌ لذلك سأذكُرُها لكم. هناكَ ثلاثةُ أسباب. وسوفَ أذكُرُها لكم على انفراد. فالسَّببُ في وُجودِ أشخاصٍ لا يَقبلونَ الخلاصَ ويَشعرونَ بأنَّهم أشرار جدًّا ولا يَستحقُّونَ الخلاصَ، وأنَّهم خُطاةٌ جدًّا ولا يَستحقُّونَ الغُفرانَ هو أوَّلاً: لأنَّ الضَّميرَ يَحتَجُّ على الغُفران. هل فَهمتُم ذلك؟ فضميرُكَ لا يَعرِفُ أيَّ شيءٍ عنِ الغُفران. هل هذا مَفهوم؟ فالشَّيءُ الوحيدُ الَّذي يَعرفُهُ ضَميرُكَ هو ماذا؟ الشُّعورُ بالذَّنبِ والتَّبكيت. فضميرُكَ لا يَعرفُ شيئًا عنِ النِّعمة. وضميرُكَ لا يَعرفُ شيئًا عنِ الرَّحمة. وضميرُكَ لا يَعرفُ شيئًا عنِ الغُفران. والحقيقةُ هي أنَّ ضَميرَكَ يَحتجُّ على الغُفران. فضميرُكَ هو الَّذي يَقولُ لكَ إنَّكَ خاطئٌ جدًّا ولا تَستحقُّ الغُفران.
وهناكَ شُعورٌ آخر قَويٌّ جدًّا يَجعلُ فئةً مِنَ النَّاسِ غير قادرين على قَبول الغُفران وهو التَّالي: أنَّ القَداسةَ وناموسَ اللهِ يَحْتَجَّانِ على الغُفران. وَهُما يَحْتَجَّانِ على الخطيَّةِ بِقوَّة شديدة. اسمعوني: إنَّ القداسةَ لا تَعرِفُ شيئًا عنِ الغُفران. وناموسُ اللهِ لا يَعرِف شيئًا عنِ الغُفران. فالقداسةُ تَحْتَجُّ على الخطيَّةِ ولا تَعرفُ أيَّ شيءٍ عنِ الصَّفحِ عنها. والبِرُّ يَحْتَجُّ على الخطيَّة ولا يَعرِفُ أيَّ شيءٍ عنِ الصَّفحِ عنها. وناموسُ اللهِ يَحْتَجُّ على الخطيَّة ولا يَعرِفُ أيَّ شيءٍ عنِ الصَّفحِ عنها.
وهناكَ نُقطة ثالثة قوية وهي العَدْل. فالعَدْلُ يَحْتَجُّ على الخطيَّة. والعَدلُ لا يَعرِفُ أيَّ شيءٍ عنِ الغُفرانِ أيضًا. وهذه كُلُّها تُلِحُّ عليكم يا أحبَّائي. فإن كنتَ تَشُكُّ في خَلاصِكَ وتقول: "لا يُمكنُني أن أَقبلَ الغُفرانَ لأنِّي شخصٌ خاطئٌ جدًّا ولا أستحقُّ الغُفرانَ، ولأنِّي شخصٌ شِرِّيرٌ جدًّا ولا أستحقُّ الخَلاصَ، وأنا [كما قالَ ذلك الرَّجُل في تلك الرِّسالة] مُجرَّدُ كَوْمَةٍ مِنَ الرَّوْثِ على أرضِ المسيحِ الرُّخاميَّةِ النَّاصعةِ البَياض، ونَجِسٌ جدًّا، وشِرِّيرٌ جدًّا"، فإنَّ السَّببَ في ذلك هو أنَّ ضَميرَكَ يُنكِرُ عليكَ الغُفران، والقَداسةَ تُنكِرُ عليكَ الغُفران، والبِرَّ يُنكِرُ عليكَ الغُفران، والنَّاموسَ يُنكِرُ عليكَ الغُفران، والعَدْلَ يُنكِرُ عليكَ الغُفران. وطَالَما أنَّكَ تَحُوْمُ حَولَ تلك المَجموعة، ستُلاقي صُعوبةً بالغةً في قَبولِ الغُفران.
فقلبُ الإنسانِ الَّذي لديهِ ضَميرٌ قويٌّ يُبَكِّتُهُ، وقلبُ الإنسانِ الَّذي يَفهمُ بعُمق معنى القداسةِ والبِرِّ وناموسِ اللهِ، وقلبُ الإنسانِ الَّذي يَفهمُ العَدْلَ قد يُلاقي صُعوبةً في قَبولِ الغُفران. وبالمُناسبة، هل يُمكنني أن أقولَ لكم مُلاحظةً هامشيَّةً وهي أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَشعرونَ هكذا قد قاموا طَوعًا بِتَتويجِ الشَّيطانِ مَلِكًا. أجل! فقد تَوَّجْتَ الشَّيطانَ مَلِكًا لأنَّ الشَّيطانَ هو المُشتكي على مَن؟ الإخوة. فالشَّيطانُ يَجعَلُكَ تَشعُرُ بالذَّنب، ويُذَكِّرُكَ بأنَّكَ قد انتَهَكتَ مِعيارًا مُقدَّسًا، وبأنَّكَ انتَهكتَ ناموسَ اللهِ، ويُذَكِّرُكَ بالعَدلِ، ويُخبرُكَ بأنَّكَ سَيِّءٌ جدًّا ولا تَستحقُّ الغُفرانَ، وأنَّكَ تَنتمي إليه. وإن صَدَّقتَ ذلك تكونُ قد تَوَّجْتَهُ مَلِكًا وقُلت: "الشُّعورُ بالذَّنْبِ هو الَّذي يَسود، والشُّعورُ بالدَّينونة هو الَّذي يَسود، والخطيَّة هي الَّتي تَسود. والمسيحُ ليسَ مَلِكًا. والنِّعمةُ لا تَسود. والرَّحمةُ لا تَسود. والغُفرانُ لا يَسود".
وصَدِّقوني أنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أن يَفعلَ ذلك. فالشَّيطانُ يُريدُ أن يُشَكِّكَكَ في خَلاصِك. لِذا يجب عليكَ أن تَلبَسَ خُوذةَ الخَلاص لحِمايةِ رأسِكَ مِنَ الضَّرباتَ السَّاحقةِ والمُحَطِّمَةِ للشَّيطانِ الَّذي يُريدُ أن يَجعلكَ تَشُكّ. وقد كَتَبَ واحدٌ مِنَ الطَّهوريِّينَ ما يَلي: "كذلكَ فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يَفتقِرُ إلى يَقينِ محبَّةِ اللهِ يَتكلَّمُ كثيرًا معَ الشَّيطان. فكما أنَّ الشَّخصَ المُتيقِّنَ مِن محبَّةِ اللهِ يَتكلَّمُ معَ المسيحِ، والرُّوحُ يَشهَدُ لهُ بأنَّهُ واحدٌ مِن أولادِ اللهِ، فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يَفتقِرُ إلى اليقينِ يَتكلَّمُ معَ الشَّيطانِ، والشَّيطانُ يَشهَدُ لروحِهِ أنَّهُ ليسَ وَلدًا لله. وأليسَ مِنَ المُحزِنِ أن نُجري هذه المُحادثاتِ معَ الشَّيطانِ وأن نُعَرِّضَ أنفسَنا لهَجماتِهِ الَّتي مَصدرُها جَهنَّم؟ ويا لَهُ مِن عَذابٍ أن نَسقُطَ صَرْعَى قَلبٍ غيرِ مُؤمِن. فالشَّيطانُ يُلاحِقُني ويُغويني بأن أشُكَّ في مَحبَّةِ المسيح. وهو يَفعلُ ذلكَ لكي يَفرِضَ دَهاءَهُ عَليَّ لأنَّ إبليسَ يَعلمُ جيِّدًا أنَّهُ كُلَّما زادَ شَكِّي في محبَّة المسيح، زادَ قبولي لمحبَّة الشَّيطان.
"والحقيقةُ هي، يا أحبَّائي، أنَّ عَدمَ التَّيقُّنِ مِن محبَّةِ المسيحِ أو عَدَمِ الاهتمامِ بالمسيحِ هو مَدخَلٌ للكثيرِ مِنَ الخطايا والبُؤس لأنَّ الإنسانَ يَشُكُّ أوَّلاً في خَلاصِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَستمرُّ في الشَّكِّ بعدَ ذلك، ثُمَّ إنَّهُ يَستنتِجُ في النِّهايةِ قائلاً: ’أنا أعلمُ الآنَ يَقينًا أنَّ المسيحَ لا يُحبُّني. لقد كانَ لديَّ شَكٌّ في ذلك في السَّابق، ولكنِّي أعلمُ الآنَ يَقينًا أنَّهُ لا يُحبُّني‘. وبعدَ أن يَتوصَّلَ إلى هذا الاستنتاجِ فإنَّهَ يَبلُغُ مَرحلةً مُتقدِّمةً مِنَ الشَّكِّ فيقول: ’طَالما أنَّ المسيحَ لا يُحبُّني الآنَ فإنَّهُ لن يُحبَّني أبدًا. وإن لم يَكُن لديَّ أيُّ اهتمامٍ بالمسيحِ الآن بعدَ كُلِّ الوعظِ الَّذي سَمعتُهُ والمائدةِ الَّتي اشتركتُ فيها، لن يَكونَ لديَّ اهتمامٌ بهِ يَومًا. لِذا، كُلَّما عشتُ أكثر زادت شِدَّةُ دَينونتي" [نهايةُ الاقتباس]. لِذا، إذا تَوَّجتَ الشَّيطانَ مَلِكًا، وسَمحتَ لهُ أن يُهاجِمَ ذِهنَكَ مِن خِلالِ النَّاموسِ، ومِن خِلالِ شعورِكَ بالذَّنب، ومِن خِلالِ العَدل، سوفَ تَشُكُّ. سوفَ تَشُكُّ. فكُلٌّ مِنَ الوعظِ القويِّ بخصوصِ المَعيارِ العالي والمُقَدَّسِ ورَفضِ قَبولِ الغُفرانِ يَدفعانِ النَّاسِ إلى الشَّكّ.
وهناكَ سَببٌ ثالثٌ لافتقارِ النَّاسِ إلى اليَقين وهو التَّالي: هناكَ أشخاصٌ يَفتقرونَ إلى اليَقين لأنَّهم لا يَستوعبونَ الإنجيلَ وخُطَّةَ الخلاص. فَهُم لا يَستوعبونَ الإنجيلَ وخُطَّةَ الخلاص. وقد قلتُ لكم إنَّ هناكَ أشخاصًا يقولونَ إنَّهُ لا يَجوزُ لأيِّ شخصٍ أن يَكونَ مُتيقِّنًا. أتَذكرونَ ذلك؟ وهذا يُوافِقُ لاهوتَهُم لأنَّهم يَقولون: "الخلاصُ هو عَملٌ مُشتركٌ يقومُ بهِ اللهُ والإنسان. لِذا، كيفَ يُمكنني أن أكونَ مُتيقِّنًا؟ فيُمكنني أن أتيقَّنَ بشأنِ الله، ولكنِّي لستُ مُتيقِّنًا مِن نَفسي. لِذا، لا يُمكنني أن أتيقَّنَ مِن خلاصي الَّذي يَتطلَّبُ تَعاوُني". وأودُّ أن أُذكِّرَكُم وحسب أنَّه إن كانَت لديكم عقيدة مَغلوطة بخصوصِ الإنجيل، وكانَ لديكم فَهمٌ مَغلوطٌ لخُطَّة الخلاص، لا بُدَّ أن تَشُكُّوا. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ لا يَفهمونَ في المقامِ الأوَّل أنَّ الخلاصَ هو كُلُّهُ مِنَ الله، وأنَّهُ يُعطَى بسيادةِ اللهِ الكاملةِ للإنسان، وأنَّهُ يَتوقَّفُ على اللهِ فقط.
وهناكَ أشخاصٌ لا يَفهمونَ النِّعمة. فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّه عندما غَفَرَ اللهُ لكَ فإنَّهُ غَفرَ لكَ فقط الخطايا الَّتي اقترفتَها حتَّى اللَّحظةِ الَّتي نِلتَ فيها الخلاصَ، وأنَّ الخطايا الَّتي اقترفتَها مِن تلكَ اللَّحظةِ فصاعدًا لم تُغفَر. فهناكَ تَشويشٌ بشأنِ النِّعمة. وهناكَ تَشويشٌ بشأنِ الرَّحمة. وهناكَ تَشويشٌ بشأنِ دَرجةِ الغُفرانِ ونِطاقُهُ في المسيح. وطالما أنَّكَ مُشَوَّشٌ بخصوصِ ذلك، سيكونُ لديكَ سَببٌ للشَّكِّ في خَلاصِك. والأشخاصُ المُشَوَّشونَ بخصوصِ الإنجيل يَشعرونَ أحيانًا باليقين بسببِ شُعورِهم بأنَّهُم على ما يُرام. فَهُم يَشعرونَ بأنَّهم على ما يُرام فيما يَختصُّ بحالتِهم الرُّوحيَّة. وهو نفسُ الشُّعورِ الَّذي تَشعُرُ به عندما تأكُلُ وَجبةً لذيذة. فهو شعورٌ نابعٌ مِن العاطفةِ فقط. وبالمُناسبة، إنَّ مَشاعرَكَ، مَهما كانت قُوَّتُها، ومَهما كانت حَيَّةً، ليست مَلاذًا آمِنًا للحفاظِ على يَقينِك. فمشاعرُكَ لا تستطيعُ أن تَحمي يَقينَك؛ بل ينبغي أن يكونَ يَقينُكَ قائمًا على الفهمِ السَّليمِ للإنجيلِ وعملِ المسيحِ المُخَلِّص.
اسمعوني: لن تَشعُرَ يومًا بمشاعر ذاتيَّة باليقين إلاَّ عندما تَستوعبُ الحقَّ الموضوعيَّ للإنجيل. وهذا شيءٌ عميقٌ جدًّا أقولُهُ لكم. لن تَشعُرَ يومًا بمشاعر ذاتيَّة باليقين إلاَّ عندما تَستوعبُ الحقائقَ الموضوعيَّةَ للإنجيل. وهذا مَبدأٌ مُهمٌّ جدًّا. وقد قالَ الدُّكتور "هاري آيرونسايد" (Dr. Harry Ironside) قبلَ سنواتٍ طويلة: "قد لا تَتمكَّن يَومًا مِن نِسيانِ سَنواتِ التِّيهِ، وَمِن نِسيانِ الخطايا الكثيرة الَّتي اقترفتَها وما تَزالُ تَقترفُها، ولكنَّ الشَّيءَ الَّذي يَمنَحُكَ السَّلامُ هو عِلمُكَ بأنَّ اللهَ لن يَعود يَذكُرُها مَرَّةً أخرى. فقد مَحَاها مِن سِفْرِ التَّذْكِرَة. وقد فَعلَ ذلكَ ببِرٍّ لأنَّ الحِسابَ قد سُدِّدَ تَمامًا، ولأنَّ الدَّيْنَ قد دُفِع" [نهايةُ الاقتباس]. والآن، إن فَهمتُم ذلك، هذا هو الضَّمان. وهذا الضَّمانُ المَوضوعيُّ هو الَّذي يُعطي اليَقينَ ذاتيًّا.
وكما تَرَوْن، يجب عليكَ أن تَفهمَ الإنجيل. ويجب عليكَ أن تَفهمَ أنَّ اللهَ كانَ يَعلمُ أنَّكَ خاطئ، وأنَّ اللهَ أرسلَ يسوعَ المسيحَ إلى العالَم لكي يَدفعَ تمامًا وبالكامِلِ أُجرةَ كُلِّ خطاياكَ الماضية والحاضرة والمُستقبليَّة، ولكي يُبعِدَها كَبُعدِ المَشرِقِ عنِ المَغرِب، ولكي يَدفِنَها في أعماقِ البَحرِ ولا يَذكُرُها في ما بَعد، ولكي تُمحَى إلى الأبد. لِذا، يجب عليكم أن تَفهموا أنَّ الخلاصَ الَّذي قَدَّمَهُ يسوعُ كانَ مَضمونًا بقُدرةِ اللهِ المُطلَقَةِ إلى الأبد، وأنَّ ما فَعَلَهُ غيرُ قابلٍ للنَّقض، أو كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 11: "لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَة". فيجب أن تَفهموا ما حدثَ في القديم جدًّا. ففي العهدِ القديم، قالَ إشعياءُ: "هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوف". بعبارة أخرى، عندما يَغفرُ اللهُ لكَ فإنَّ الأمرَ مُنْتَهٍ. فقد اغتسلتَ تمامًا.
وفي سِفْر إشعياء أيضًا (في الأصحاح 43 والعدد 25)، وكم أُحِبُّ هذه الآية إذ إنَّ اللهَ يَقول: "أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ [لِماذا؟] لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا". هل تبدو هذهُ بُشرى في نَظَرِك؟ فالأشياءُ الَّتي تَعجَزُ عن نِسيانِها لا يَذكُرُها اللهُ. لِذا عندما تَقلقُ لأنَّكَ تَشعُرُ بأنَّكَ سَيِّءٌ جدًّا ولا تَستحقُّ الغُفرانَ، اعلَم أنَّهُ لا مُبَرِّر لقلقِك. فاللهُ يقولُ في سفرِ إشعياء 44: 22 مَرَّةً أخرى: "قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ". فيُمكنني أن أراها، ولكنَّ غَيمةً كثيفةً جاءت، وسَحابةً كثيفةً جاءت وَحَجَبَتها.
وفي الأصحاح 53، نَقرأُ نُبوءةً عن موتِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح، وعن كيفَ فَعَلَ اللهُ ذلك؛ أي كيفَ صَفَحَ اللهُ عن خَطايانا، ونَسِيَها، ومَحاها، ومَسَحَها بسببِ المسيح. انظروا إلى سِفْر إشعياء 53: 5: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا [أنا وأنتُم]، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا". ونَقرأُ في العددِ الثَّامنِ أنَّهُ ماتَ "مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي". وقد حَمَلَ آثامَنا (كما يَقولُ العددُ الحادي عَشَر).
ونَقرأُ في الأصحاح 61 مِن سِفْر إشعياء والعددِ العاشِر: "فَرَحًا أَفْرَحُ بِالرَّبِّ. تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلهِي، لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَصِ [كم أُحِبُّ هذا الآية!] كَسَانِي رِدَاءَ الْبِرِّ". أليست هذه الآية رائعة؟ فمِن خلالِ عملِ يسوعَ المسيحِ على الصَّليب، مُحِيَت خطاياكَ بِجُملَتِها وبأسرِها وبِرُمَّتِها إلى الأبد ولن تُذكَرَ في ما بَعد. فإن فَهمتَ الإنجيلَ (أي أنَّ يسوعَ دَفعَ أُجرةَ خَطاياكَ في الماضي والحاضِر والمستقبل) وأنَّهُ عندما فَعلَ ذلكَ كانَ كُلُّ ذلكَ بكُلِّ تأكيد مُستقبليًّا لأنَّكَ لم تَكُن قد وُلِدتَ بَعد، وأنَّهُ دَفعَ الأُجرةَ كاملةً حتَّى إنَّ اللهَ مَحاها ولا يَعود يَذكُرُها في ما بَعد، سَتَفهمُ السَّببَ الَّذي جَعَلَ مِيخا يَقول: "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟"
عندما كانَ بنو إسرائيل في القديمِ على وَشْكِ الخُروجِ مِن مِصرَ، وكانتِ الضَّربةُ الأخيرةُ على وَشْكِ الوُقوعِ على الأرضِ وشَعبِها مِن خلالِ مَوتِ الأبكار، لَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ اللهَ دَبَّرَ طَريقةً لإنقاذِ شَعبِه. فقد كانَ ينبغي لهم أن يَذبَحوا حَمَلاً، ثُمَّ أن يَأخذوا دَمَ الحَمَلِ ويَجعلوهُ على قائِمَتَيِ البابِ والعَتَبَةِ العُليَا (أوِ القِطعةِ العَرضيَّة). وعندما عَبَرَ ملاكُ المَوتِ (أوِ المَلاكُ المُهْلِكُ) في تلك اللَّيلة، لم يُسمَح لهُ بِالدُّخولِ إلى أيٍّ مِن تلك البُيوتِ المَرشوشَةِ بالدَّم. لماذا؟ لأنَّ اللهَ قال: "عندما أَرَى الدَّمَ أَعْبُرُ عَنْكُمْ". هذا هو مَعنى الفِصح. ففي داخلِ البيتِ، رُبَّما كانت هُناكَ عائلاتٌ تَحتفِل، ورُبَّما كانت هناكَ عائلاتٌ تَرتعِش خَوفًا لأنَّهم اقترفوا خَطايا: لأنَّهم كانوا ظالِمينَ، أو لأنَّهم غَشُّوا جيرانَهُم اليهودَ حتَّى في أرضِ العُبوديَّة، أو لأنَّهُم سَقطوا في الزِّنى أوِ الدَّعارةِ، أو لأنَّهم سَرقوا، أو لأنَّهم كانوا مُرائين. ولكنَّ ضَمانَهُم كانَ مُتوقِّفًا لا على حالتِهم الذِّهنيَّة، ولا على مَشاعرهم، ولا على سِجِلِّ أعمالِهم السَّابقة، بل على حقيقةِ أنَّ الرَّبَّ رأى ماذا؟ الدَّمَ. وعندما رأى الدَّمَ، كانوا مَحْمِيِّين.
وكذلك هو الأمرُ اليوم. صحيحٌ أنَّنا لا نَستطيعُ أن نَرى الدَّمَ الَّذي سُفِكَ قبلَ زَمَنٍ طويلٍ جدًّا مِن أجلِ فِدائِنا في الجُلجُثة، ولكنَّ اللهَ يَراه. وهو يَنظُر إليكَ ولا يقول: "لقد غَشَّ"، أو: "لقد كَذَبَتْ"، أو: "لقد زَنَيَا"، أو: "إنَّهُم مُراؤون"، أو: "إنَّهُم يَفتقرونَ إلى اللُّطف"، أو: "لقد سَكِروا". ففي اللَّحظةِ الَّتي يُؤمِنُ فيها الخُطاةُ بيسوعَ المسيحِ فإنَّ الدَّمَ يُغَطِيهِم. فَهُم يَحْتَمونَ بالدَّم. ومنذُ تلك اللَّحظة فَصاعِدًا فإنَّ الضَّمانَ بنجاتِنا مِنَ الدَّينونةِ الإلهيَّةِ يَتوقَّفُ لا على حياتي أو حَياتِكَ الكاملة، بل على الحقيقةِ المُبارَكَةِ بأنَّني أحتَمي بِدَمِ المسيح. آمين؟ لِذا، هُناكَ أشخاصٌ يَفتقرونَ إلى الضَّمانِ لأنَّهم لا يَفهمونَ الإنجيل. ولا يُمكِنُكَ أن تَفهمَ اليَقينَ ما لم تَفهَمِ الضَّمان.
اسمَعوا ما يَلي: الضَّمانُ هو الحقيقةُ (الحَقيقةُ المَوضوعيَّةُ) الَّتي تَقولُ إنَّ كُلَّ الأشخاصِ الَّذينَ نَالوا الغُفرانَ بالنِّعمةِ في المسيحِ يَسوعَ قد نَالوا الغُفرانَ إلى الأبد. فهو لا يُنقَض. هذا هو الضَّمان. اسمَحوا لي أن أقولَ ذلك مَرَّةً أخرى: الضَّمانُ هو الحقيقةُ الَّتي تَقولُ إنَّ كُلَّ الَّذينَ نالوا الغُفرانَ قد نَالوهُ إلى الأبد. لِذا، قد يكونُ لديكَ ضَمانٌ؛ ولكنَّكَ لستَ مُتيقِّنًا مِنهُ. أليسَ كذلك؟ فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ ليسوا مُتيقِّنين. وأنا أقولُ ذلكَ للأشخاصِ الَّذينَ لا يُؤمنونَ بأنَّهُ يُمكنكَ أن تَكونَ مُتيقِّنًا. فَهُم يَقولون: "أنا لا أعرفُ أنَّ خَلاصي مَضمون". حسنًا! أنتَ لَديكَ ضَمانٌ؛ ولكن مِنَ المؤسفِ أنَّكَ لا تَستمتِعُ به. يُمكِنُكَ أن تُنكِرَ ذلكَ الضَّمان ما شِئتَ، ولكنَّهُ سيَبقى مَوجودًا لديك. ويُمكنكَ أن تَعيشَ في الشَّكِّ قَدْرَ ما تَشاء، ولكنَّكَ ستبقى مَضمونًا. فالضَّمانُ هو الحقيقةُ الموضوعيَّةُ الَّتي تقولُ إنَّ كُلَّ الَّذينَ غُفِرَت خَطاياهُم بالنِّعمةِ في المسيح قد نَالوا الغُفرانَ إلى الأبد. وهو غُفرانُ لا يُنقَض. واليقينُ هو الثِّقة بأنِّي واحدٌ مِن أولئكَ الَّذينَ غُفِرَت خَطاياهُم.
لِذا، إن كانَ اللهُ قد وَهَبَني خَلاصًا مَضمونًا، ينبغي لي بِكُلِّ تأكيد أن أتمتَّعَ بذلك اليَقين. لِذا فإنَّ اليَقينَ قَناعةٌ في المقامِ الأوَّل. وهذا أمرٌ عَقلانيٌّ. وأودُّ أن أُريكُم هذا الأمر. ورُبَّما ينبغي لي أن أتوقَّفَ هُنا معَ أنِّي لم أَقُلْ نِصفَ ما أردتُ أن أقولَهُ. رُومية 8 – وأودُّ أن أُريكم هذا الأمرَ لأنَّهُ مَوضِعٌ مُناسِبٌ لِتَلخيصِ مَا قُلناه. العدد 38، وهو رائعٌ جدًّا. فقد تقول: "بولس، هل لديكَ يَقين يا بولس؟" "أجل، لديَّ يَقين". حسنًا يا بولس! كيفَ تَعلمُ... كيفَ تَعلمُ أنَّكَ ستذهبُ إلى السَّماءِ يا بولس؟" كيفَ تَعلمُ ذلكَ حَقًّا؟ "الحقيقةُ هي أنَّني أشعُرُ بذلكَ وَحَسْب. أنا... أنا... أنا أشعُرُ بأنِّي... أشعُرُ بأنِّي سأذهبُ إليها وَحَسب". حَقًّا؟ ألاَ يُمكِنُ أن يَكونَ هذا الشُّعورُ نابِعًا مِن أنَّ يَومَكَ كانَ جَيِّدًا، أو مِن أنَّكَ أكلتَ وَجبةً لَذيذةً، أو مِن أنَّ شخصًا قالَ لكَ إنَّهُ يُحِبُّكَ، أو مِن أنَّ الشَّمسَ كانت مُشرقة؟ مِن أينَ حَصلتَ على ذلك الشُّعور؟" "أنا أشعُرُ وَحَسْب... أنا أشعُرُ وَحَسب بأنِّي سأذهبُ إلى السَّماء". لا!
فبالنِّسبة إلى بولس، لم يَكُن الأمرُ ذاتيًّا، بل كانَ مَوضوعيًّا. فقد كانَ أمرًا عَقلانيًّا. فالعَدد 38 مُباشِرٌ جدًّا: "فَإِنِّي..." ما الكلمة التَّي تَليها؟ "مُتَيَقِّنٌ". يا للعَجَب! إنَّها كلمة عَقلانيَّة. فهي ليست كَلِمَة تَصِفُ المَشاعِر. فهو لا يَقول: "أنا أشعُرُ بأَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ قُوَّاتِ، ولا عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. أنا أشعُرُ بذلكَ وَحَسْب". فهو لا يَقولُ ذلك، بل يَقول: "أنا مُتَيَقِّنٌ" أو "أنا مُقْتَنِعٌ". بماذا؟ بالمَنطِق. أيُّ مَنطِق؟ وَهُوَ يَقول: "هل ابتدأتُم هذا السِّفرَ بهذه الآية؟ ألم تَقرأوا الأصحاحَ الثَّالثَ والرَّابعَ والخامسَ والسَّادسَ والسَّابعَ والثَّامن؟ "أنا مُتيقِّنٌ لأنِّي أَفهمُ [ماذا؟] الإنجيل". وهو أمرٌ ابتدأَ في التَّحدُّثِ عنهُ في الأصحاحِ الثَّالث. فهو يقول: "أنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ الأمرَ هكذا". وما أعنيه هو أنَّها أقوى جُملة عنِ الضَّمانِ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس.
"فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ [إشارةً إلى الكائناتِ الشَّيطانيَّةِ]، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً [إشارةً إلى كُلِّ الأشياءِ المَوجودة حاليًّا] وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً [إشارةً إلى الأشياءِ الَّتي قد تُوجَد لاحقًا]، ولا قُوَّات [مِن أيِّ نَوعٍ]، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا". أنا مُتَيَقِّنٌ. وهذا هو أساسُ الضَّمان. فيجبُ عليكَ أن تَفهمَ الإنجيل. فهو مُقْنِعٌ. والآن، لو كانَ بولسُ أرمينيًّا لقال: "أتَعلمونَ شيئًا؟ أنا لستُ مُتيقِّنًا بأنَّهُ لا مَوتَ ولا حَياةَ"؛ ولكنَّهُ كانَ مُتيقنًّا. والآن، كيفَ تَيَقَّنَ مِن ذلك؟ إذا ابتدأتُم بقراءةِ الأصحاحِ الثَّالثِ ستَعرفونَ الإجابةَ. إنَّهُ كُلُّ الإنجيلِ المُخَلِّص.
وهو يَصِلُ إلى الذُّروةِ في الأصحاحِ الثَّامن. ويُمكنني فقط أن أُعطيكُم فِكرةً سريعة. فهو يأتي مُزَمْجِرًا في الأصحاحِ الثَّامنِ بعدَ أن تَحَدَّثَ عنِ الغُفرانِ الأبديِّ المُتاحِ برحمةِ يسوعَ المسيحِ ونِعمتِه، ويَبتدئُ الأصحاحَ الثَّامنَ والعددَ الأوَّلَ بالقول: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". وهذا هو تمامًا ما قالَهُ في العدد 38. فلا يوجد شيء البتَّة يَدينُكم. لا يوجد شيء البَتَّة – لا يوجد شيء البَتَّة. "وكيفَ يُمكِنُكَ أن تَقولَ ذلكَ يا بولس؟" كيفَ أقولُ ذلك؟ نَقرأُ في العددِ الثَّاني: "لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْت". فأنتُم لَكُم المسيح، ولَكُم الرُّوح. والنَّاموسُ لا يَستطيعُ أن يُطالِبَكُم بشيء. وعُقوباتُ النَّاموسِ لا تَسري عليكم. فلن تُدانوا يَومًا. وهذا مُدهش! ثُمَّ إنَّهُ يَبتدئُ في العددِ الخامسِ بالتَّحدُّثِ عنِ الرُّوحِ القُدُس. وَهُوَ لا يتوقَّفُ عنِ التَّحدُّثِ عنِ الرُّوح القُدُس إلاَّ في العدد 17. إنَّها فكرة واحدة.
وَهُوَ يَقولُ في كُلِّ هذا المَقطعِ: "عندما حَصلنا على الرُّوحِ القُدُس حَصلنا على سُكنى الرُّوحِ القُدُس لكي يَختِمَنا، ولكي يَضمَنَ تَمجيدَنا المُستقبليَّ، ولكي يَضمَنَ بِرَّنا في الزَّمانِ الحاضِر". وفي العدد 14: "نحنُ مُنقادونَ بالرُّوح". وفي العدد 16: "اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ابتداءً مِنَ العدد 18 إلى نِهايةِ العدد 25: "نحنُ نَعيشُ الآنَ على رَجاءِ المجدِ الأبديِّ". وَهُوَ يقول في الأعداد 26-28: "الرُّوحُ القُدُسُ يَعملُ فينا. واللهُ يَعملُ لأجلِنا. وبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا قد يَحدُث فإنَّ كُلَّ الأشياءِ تَعمل معًا [لماذا؟] لخيرِنا". هل تَرَونَ ما يَفعلُهُ هنا؟ إنَّهُ يَقولُ إنَّ الخلاصَ نَجَّانا [في المسيحِ] مِن عُقوبةِ الخطيَّة. فلا توجد دينونة.
فالخلاصُ وَهَبَنا الرُّوحَ القُدُسَ لكي يُعطينا ضَمانًا، ولكي يَقودنَا ويؤكِّدَ لنا أنَّنا أولادُ الله. فالخلاصُ وَهَبَنا رَجاءً أبديًّا نَنتظرِهُ. واللهُ مِن فَوقِنا والرُّوحُ السَّاكِنُ فينا يأخُذانِ كُلَّ الأشياءِ الَّتي تَحدُثُ في حياتِنا ويَجعلانِها تَعمل معًا للخَير. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّث لاهوتيًّا حقًّا في العدد 29 ويَنتقِل مِن التحدُّثِ عنِ المَعرفةِ السَّابقةِ إلى التَّمجيدِ في العدد 30 فيقولُ إنَّ جميعَ الَّذينَ سَبَقَ اللهُ أن عَرَفَهُم واختارَهُم للخلاصِ سيُمَجَّدون. ثُمَّ إنَّهُ يأتي في العدد 31 ويقول: "انظروا! إنْ كانَ اللهُ مَعَنا، فَمَن عَلينا؟" فإن كانَ قَصدُ اللهِ السَّابقِ بأن يَجعلَنا مُشابِهينَ صُورةَ يسوعَ المسيح لا يُمكِنُ أن يُنقَض، وإن لم يَشَأ اللهُ أن يَدينَنا، وإن لم يَشأ المَسيحُ أن يَدينَنا، مَنِ الَّذي سيَدينُنا؟
وَهُوَ يَقول في العدد 35: "مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيح؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟" وقد تقول: "مِن أينَ جاءَ بهذه اللَّائحة؟ لقد عاشَ ذلك. لقد عاشَ تلك اللاَّئحة. شِدَّة؟ لقد اختبرها. ضِيق؟ لقد اختبرَهُ. اضطهاد؟ لقد اختبرَهُ. جُوع؟ لقد اختبرَهُ. عُرْي؟ لقد اختبرَهُ. خَطَر؟ لقد اختبرَهُ. سَيف؟ لقد اختبرَهُ. والحقيقةُ هي أنَّهُ كانَ يُعاني المَوتَ طُولَ النَّهار، وَلَكِنَّنا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ [ماذا؟] انْتِصَارُنَا. هل تَعلمونَ لماذا قالَ هذا الرَّجُلُ في العدد 38: "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ"؟ اسمعوني: لأنَّهُ عاشَ ذلك. "أنا مُتيقِّنٌ من أنَّ خَلاصي مَضمون. أنا مُتَيَقِّنٌ". لماذا؟ "لأنِّي عِشتُ كُلَّ ذلك. فقد عِشتُ كُلَّ تلكَ الأشياءِ سَواء شِدَّة، أو ضِيْق، أو اضْطِهَاد، أو جُوع، أو عُرْي، أو خَطَر، أو سَيْف. وفي النِّهاية، خَرَجتُ مُنتصِرًا، لا ضَحيَّةً. لِذا، أنا مُتيقِّنٌ. أنا مُتيقِّنٌ".
فلا توجد دَينونة. فسُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ يَقودُنا في طريقِ البِرّ. ونحنُ لدينا رَجاءٌ مُستقبليٌّ بأنَّنا سَنَتَمَجَّد. ونحنُ نَترقَّبُ ذلك. وكُلُّ الأشياءِ تَعمل معًا في حياتِنا للخَير. وكُلُّ شَخصٍ خَلَّصَهُ اللهُ سيُمَجِّدُهُ تَمامًا. وقد عِشتُ كُلَّ تلكَ الأشياء. ولا يوجد شيء يَقدِر أن يَفصلَني عن محبَّة المسيح. والآن، أنا مُتيقِّنٌ. وإن كُنتَ مُتيقِّنًا مِن أنَّ خَلاصَكَ أبديٌّ، ومِن أنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أن يَنْزِعَهُ مِنكَ، هذا هو أساسُ يَقينِك. أليسَ كذلك؟ لِذا فالضمان هو الحَقُّ الَّذي أَعلَنَهُ الرُّوحُ القُدُسُ بأنَّ الخلاصَ هو إلى الأبد. واليَقينُ هو الثِّقةُ بأنِّي قد نِلْتُ ذلك الخَلاص. هل تُدركونَ الفَرقَ؟ فالضَّمانُ هُوَ الحَقُّ الَّذي أَعلَنَهُ الرُّوحُ القُدُسُ بأنَّ الخلاصَ بالمسيحِ هو إلى الأبد. وأنا أَفهمُ ذلك. واليَقينُ هو الثِّقةُ بأنِّي قد نِلْتُ ذلك الخَلاص.
فبولُس يقولُ هنا: "لَقَد حَصلتُ على كِلا الأمْرَيْن. فأنا أعرِفُ الخلاصَ في المسيحِ مِن خلالِ الإعلان. وقد كَتبتُ ذلكَ. وأنا أعرفُ أنَّني في المسيحِ مِن خلالِ الامتحان. أليسَ كذلك؟ فقد عشْتُ كُلَّ تلكَ الأشياء. ولا يوجد شيء يَقدِر أن يَفصلني عن مَحبَّتِه". والآن، يجب علينا أن نتوقَّفَ عندَ هذا الحَدّ. إنَّهُ حَقٌّ غَنِيٌّ. أليسَ كذلك؟ يا أبانا، نَشكُرُكَ على وَقتِنا في هذا المساء، وعلى التَّأمُّلِ في الأمورِ العميقةِ المُختصَّةِ باللهِ والَّتي هي عَزيزة جدًّا على قُلوبِنا. وأنا مُتحمِّسٌ لأنَّ هناكَ المزيدَ والمَزيد. يا أبانا، نَشكُرُكَ على خَلاصِنا الأبديِّ. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
