سوفَ نَدرسُ مَوضوعَ اليَقين: يَقين الخَلاص. وسوفَ نَبتدئُ دِراسَتَنا مِن رسالةِ بُطرسَ الثَّانية. لِذا، يُمكنكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على رسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الأوَّل إذْ إنَّنا سنقومُ معًا بدراسَةٍ كِتابيَّةٍ مُقتَضَبَة في هذا المساء. والحقيقةُ هي أنَّها لن تكونَ مِن رسالة بُطرس الثَّانية، ولكنَّنا سنَستخدِمُ هذا النَّصَّ كنُقطةِ انطلاقٍ فقط. ففي رسالة بُطرس الثَّانية 1: 10 و11، نَقرأُ الكلماتِ التَّالية الَّتي تَضَعُ هذا الموضوعَ في إطارِه: "لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لأَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ". فالعددُ العاشِرُ يَقول: "لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا... أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْن".
الموضوعُ هنا إذًا هو يَقينُ الخَلاص. وقد ذَكَرنا أنَّهُ يوجدُ سُؤالانِ رَئيسيَّان يَنبغي طَرحُهُما. السُّؤالُ الأوَّل: هلِ الخلاصُ أبديٌّ؟ هلِ الخلاصُ أبديٌّ؟ هل هو مَضمون؟ والسُّؤالُ الثَّاني هو: هل يُمكنني أن أشعُرَ بذلك اليَقين؟ الأوَّلُ حقيقة، والثَّاني ثِقة شخصيَّة. وَهُما أمرانِ لا يَنفصلان. وقد قُلنا في دراسَتِنا إنَّهُ إن لم يكن الخلاصُ أبديًّا، وإن لم يكن الخلاصُ مَضمونًا، لن يكونَ هناكَ نِقاشٌ عنِ اليقين لأنَّهُ كيفَ ستكونُ مُتيقِّنًا مِن خَلاصٍ غير مَضمون؟ أمَّا إذا كانَ الخلاصُ أبديًّا، ومَضمونًا، يُمكنكَ أن تَختبرَ اليَقين.
لِنرجِع إلى السُّؤالِ الأوَّل قليلاً: هل خَلاصُنا أبديٌّ؟ بعبارة أخرى، حالَما تَعرِف يسوعَ المسيح، هل ذلكَ الخلاصُ أبديٌّ؟ والجوابُ بِكُلِّ تأكيد هو: أجل. وهناكَ آياتٌ كثيرة في كلمةِ اللهِ تُبَيِّن ذلكَ بوضوحٍ شديد لنا. استمعوا إلى بِضعِ آياتٍ مِنها: إنجيل يوحنَّا 5: 24: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاة". فإن آمنتَ فَلَكَ الحياةُ الأبديَّة، ولن تأتي إلى دَينونة، بل قدِ انتقلتَ مِنَ الموتِ إلى الحياة. وسوفَ تُلاحِظونَ أنَّهُ لا توجدُ استثناءات.
وفي إنجيل يوحنَّا 6: 27 (ونحنُ نَرجِعُ إلى الوراء عن قَصدٍ إلى بدايةِ رِواياتِ الإنجيل لكي نَنظُرَ إلى الأناجيلِ نَفسِها في العهدِ الجديد ونَرى كيفَ أنَّ هذا التَّعليمَ جَوهريٌّ). إنجيل يوحنَّا 6: 27: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ". بعبارةٍ أخرى، نحنُ لا نَتعاملُ مع شيءٍ يأتي ويَزول، بل نَتعاملُ مع شيءٍ يأتي ويَبقى إلى الأبد. فهو لا يَزول، بل يَبقى مَدى الحياة. فخلاصُنا أبديٌّ.
وفي العدد 35 مِن إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ السَّادس، قالَ يسوع: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا". وفي العدد 51: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي". فأنتَ تَحيا إلى الأبد. ولا توجد هنا أيضًا أيُّ استثناءات. فالخلاصُ هو إلى الأبد. فهو أمرٌ واضحٌ تمامًا. وعَودة إلى ذلكَ الأصحاح والعدد 37: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا. لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير". لِذا، نَعلمُ مِن خلالِ هذهِ الآياتِ، ومِن خلالِ تَعليم يسوعَ، أنَّ الخلاصَ أبديٌّ.
والأصحاحُ الأوَّلُ مِن رِسالة أفسُس يُطلِعُنا على تَعليمِ بولس إذ نَقرأُ في العدد 11: "الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأيِ مَشِيئَتِهِ". فاللهُ عَيَّنَ ذلكَ سَابِقًا. وقد عَمِلَ ذلكَ حَسَبَ مَشيئَتِهِ. وقد حَصلنا على مِيراثٍ مَضمونٍ لا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أن يَحرِمَنا مِنه. ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 5 أنَّنا: "...بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". فنحنُ لدينا [بالمُناسبة] مِيراثٌ لاَ يَفْنَى، وَلاَ يَتَدَنَّسُ، وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِنا. ونحنُ مَحروسونَ لكي نَحصُلَ على ذلك المِيراث. فيَدُ اللهِ الحَافِظَة تَضمَنُ خلاصَنا إلى الأبد.
وفي رسالة يهوذا والعدد 24، وهي آية أخرى إذْ إنَّني أَقرأُ لكم بِضعَ آياتٍ مُختارَة: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاجِ، الإِلهُ الْحَكِيمُ الْوَحِيدُ مُخَلِّصُنَا، لَهُ الْمَجْدُ وَالْعَظَمَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ، الآنَ وَإِلَى كُلِّ الدُّهُورِ. آمِين". فهو القادرُ أن يَحفظَكَ ويَجعلَكَ تَقِفُ أمامَهُ. فهو الَّذي يَحمينا، ويَحفظُنا، ويَضمنُنا، وأعطانا مِيراثًا أبديًّا سنحصُلُ عليه. فلن تكونَ هناكَ أيَّة خَسارة: "لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَة..." (رُومية 8: 1) "...عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع".
ولا يوجد شيءٌ يَقدِر أَنْ يَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيح. ولا يوجد شخصٌ يَقدِرُ أن يَشتَكي على مُختاري الله (كما يَقولُ الأصحاحُ الثَّامنُ مِن رسالة رُومية). لِذا فإنَّنا مَضمونونَ في خلاصٍ دائمٍ وأبديّ. استمعوا إلى ما جاءَ في نِهايةِ رسالة تسالونيكي الأولى 5: 23: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وقد تقول: "مِن المؤكَّد أنَّني أريدُ ذلك". والعدد 24 يَقول: "أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا". يَفعلُ ماذا؟ يَحفظُ نَفسَكُم وجَسَدَكُم كاملةً بلا لَومٍ عندَ مَجيءِ رَبِّنا يسوعَ المسيح.
إنَّ هذه الآياتِ تُذكِّرُنا وَحَسْب بأنَّ خلاصَنا أبديٌّ. لِذا، حالما تَخلُص، ستَبقى مُخَلَّصًا إلى الأبد. والسُّؤالُ الثَّاني، وَهُوَ السُّؤالُ الَّذي نُريدُ أن نُرَكِّزَ عليه هو: هل يُمكنُني أن أشعُرَ باليَقين؟ ونحنُ نُدركُ أنَّنا قد نَكونَ مَضمونينَ دُونَ أن نَشعُرَ بذلك. فَمِنَ المُمكِنِ أن نَحصُلَ على الخلاصِ الأبديِّ دُونَ أن نَتمتَّعَ به؟ ولكنَّ السُّؤالَ هو: هل يُمكنني أن أكونَ مُتيقِّنًا؟ وقد صَرَفنا ثلاثة أسابيعَ في التَّحدُّثِ عن الأسبابِ الَّتي تَجعلُ الأشخاصَ المُخَلَّصينَ حقًّا يَشعرونَ بأنَّهم غير مُخَلَّصين. وقد قُلنا إنَّ هناكَ أسبابًا عديدة: أولاً، الوعظُ القويُّ عن المعاييرِ العاليةِ لقداسةِ اللهِ قد تَجعلُ النَّاسَ يَشعرونَ بعدمِ اليَقين؛ ولا سيَّما إن كانوا يُخطِئون. وهناكَ سببٌ آخر وَهُوَ أنَّ هناكَ أشخاصًا لا يَقبلونَ الغُفران. وهناكَ أشخاصٌ لا يَفهمونَ مِلْءَ الإنجيل. وهناكَ أشخاصٌ لا يَتذكَّرونَ وَقتَ خَلاصِهم. لِذا فإنَّهم يَشعرونَ بعدمِ اليَقين. وهناكَ أشخاصٌ يَشعرونَ بالتَّأثيرِ القويِّ للجسد ويَشُكُّونَ في حَقيقةِ حُصولِهم على الطَّبيعةِ الجديدة. وهناكَ أشخاصٌ لا يَرَوْنَ يَدَ اللهِ في تَجاربهم؛ لِذا فإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ تَجاربهم تُبرهِنُ على أنَّهم ليسوا أولادَ الله. وهناكَ أشخاصٌ لا يَسلكونَ في الرُّوحِ، وأشخاصٌ يَعصونَ كلمةَ الله. هذه هي الأسبابُ الرئيسيَّةُ الَّتي تَجعلُ النَّاسَ يَشُكُّونَ في خَلاصِهم بالرَّغمِ مِن أنَّهُم مُخَلَّصونَ إلى الأبد.
والآن في هذا المساء، أريدُ أن نَنظُرَ إلى الجانبِ الإيجابيِّ إن أَمْكَنني ذلك. وقبلَ أن نَتأمَّلَ في هذا النَّصِّ مِن رسالة بُطرس (وَهُوَ أمرٌ سنَفعلُهُ على مَدى بِضعة أسابيع)، أريدُ أن نَفتحَ على رسالة يوحنَّا الأولى لأنَّنا نَجِدُ في رسالة يوحنَّا الأولى عَرضًا إيجابيًّا جدًّا. فهذه امتحاناتٌ مَوضوعيَّةٌ لمعرفةِ ما إذا كُنتُ مُؤمِنًا حقيقيًّا. فإن نَجحتُ في هذه الامتحاناتِ، يُمكنني أن أتمتَّعَ بخلاصي الأبديِّ بيقين. وبالمُناسبة، فإنَّ الرَّسول يوحنَّا في هذه الرِّسالة مُهْتَمٌّ بالموضوعِ نَفسِه. فهو مُهتمٌّ بالخلاصِ الحقيقيِّ، ومُهتمٌّ باليقين. لِذا فإنَّهُ يَذكُرُ في رسالتهِ الأولى عَددًا مِنَ الامتحاناتِ الَّتي يُمكنكَ أن تُطَبِّقَها على حياتِك وتَعرف ما إذا كنتَ مُخَلَّصًا حقًّا. وبالمناسبة، إنَّ بعضًا مِن هذه الامتحاناتِ شَبيهٌ بما تَعَلَّمناهُ في رسالة بُطرس الثانية والأصحاحِ الأوَّل، ولكنَّها مُختلفة عنها وتَتطلَّبُ انتباهَنا لأنَّها تُقدِّمُ لنا خَلفيَّةً رئيسيَّةً تُساعِدُنا على فَهْمِ ما جاءَ في رسالة بُطرس. لِذا، لِننظُر إلى رسالة يوحنَّا الأولى وامتحاناتِ اليَقين.
وسوفَ أَذكُرُها في شَكلِ مَجموعةٍ مِنَ الأسئلة. حسنًا؟ وسأذكُرُ [إن سَمَحَ الوقتُ بذلك... وسوفَ أَتحدَّثُ بسرعة] سأذكُرُ أحدَ عَشَرَ سُؤالاً. وهي مَجموعة مِن الأسئلة الَّتي تَجعلُنا نَغوصُ في سِفرٍ غَنِيٍّ وتَقودُنا إلى فَرَحِ اليقينِ استِنادًا إلى حَقيقةِ أنَّنا مُخَلَّصون. أو قد تُقنِعُنا بأنَّنا لسنا مُخَلَّصين. وفي كِلتا الحَالتَيْن، فإنَّها ستفعلُ ما يُريدُ اللهُ مِنها أن تَفعلَهُ. السُّؤالُ الأوَّل؛ وهذا في اعتقادي هو ما كانَ يُفَكِّرُ فيهِ يوحنَّا في قَلبِهِ وهو يَكتُب. السُّؤالُ الأولُ الَّذي ينبغي أن تَطرحَهُ على نَفسِك إن أردتَ أن تَعرفَ يَقينًا حقيقةَ حالتِكَ الروحيَّة هو: هل لكَ شركة معَ المسيحِ والآب؟ هل لكَ شركة معَ المسيحِ والآب؟ فهذا عُنصرٌ رئيسيٌّ في الخلاصِ الحقيقيّ.
انظروا معي إلى الأصحاحِ الأوَّل والعددِ الثَّاني. ويوحنَّا هُنا يَكتُبُ عن كلمةِ الحياة، وعن إعلانِ اللهِ فيقول: "فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ [وَهُوَ يَعني هُنا: المَسيح] الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". والآن، مِنَ الواضحِ أنَّهُ يُشيرُ إلى ما هو أكثر مِنَ المَعرفةِ الأرضيَّةِ الَّتي كانَت لهُ معَ يسوع لأنَّهُ لم يَكُن يَتمتَّعُ بهذه المعرفة الأرضيَّة معَ الآب. لِذا عندما يَقولُ في نهايةِ العددِ الثالثِ: "وأمَّا شَرِكَتُنا نَحْنُ فَهِيَ..." [وليسَ "كانت"]، "فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيح"، فإنَّهُ يَعني بذلكَ: "أنا في الوقتِ الحاليِّ أوِ الحاضرِ أتمتَّعُ بالشَّركة معَ المسيحِ الحيِّ واللهِ الحَيّ". فهذا عُنصرٌ في اختبارِ المُخَلَّصينَ حقًّا.
ويُقَدِّمُ لنا الأصحاحُ الخامسُ والعددُ الأوَّلُ آيةً أخرى تَتحدَّثُ عن نفسِ الموضوعِ إذْ نَقرأُ في العددِ الأوَّل: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا". وهُنا، يَقولُ يوحنَّا إنَّهُ مِن صِفاتِ المؤمنِ أنَّهُ يُحبُّ اللهَ ويُحبُّ المسيحَ. وهذا يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى العلاقة. فنحنُ لنا عَلاقة بالمسيح، ولنا عَلاقة بالله. فنحنُ نُحبُّ اللهَ، ونُحبُّ المسيحَ. ونَقرأُ في العددِ الرَّابع: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ... [أي: مَنْ وُلِدَ ولادةً جديدةً، أو وُلِدَ ثانيةً، أو اختبرَ الفداءَ أوِ الخلاصَ] "...يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟"
فعندما تُؤمنُ بأنَّ يسوعَ هوَ ابنُ اللهِ، وتُؤمِنُ بهِ، وتُؤمِنُ باللهِ، فإنَّكَ تَغلِبُ العالمَ بِمَعنى أنَّكَ تَدخُلُ في مُستوى جديد مِنَ الشَّركة. فأنتَ لا تَعودُ في شركة رئيسيَّة مَعَ العالَم، بل إنَّ شَرِكتكَ الرئيسيَّةَ هي معَ اللهِ الحيِّ مِن خلالِ علاقةِ مَحبَّة. وأنا أُوْمِنُ حقًّا بأنَّ يوحنَّا هُنا يُوَجِّهُ أنظارَنا إلى أنَّ واحدةً مِن صِفاتِ المؤمنِ هي أن يَكونَ في شَركة مُحبَّة مُستمرَّة معَ المسيحِ والله. فهذا شيءٌ جَوهريٌّ، وشيءٌ رئيسيٌّ، وشيءٌ أساسِيٌّ للخَلاص. والحقيقةُ هي أنَّهُ في رسالة كورِنثوس الأولى 1: 9، يَكتُبُ بولُس: "أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا". ونَقرأُ في رسالةِ غلاطيَّة 2: 20 أنَّ المسيحَ يَحيا فِيَّ إذْ إنَّنا نَشتركُ معًا في نفسِ الحياةِ المُشتركةِ الحَميمة.
والفكرةُ هنا هي أنَّكَ إذا كنتَ مُؤمنًا فإنَّكَ تَشتركُ في الحياةِ معَ المسيح، وتَشتركُ في الحياةِ معَ الله. فأنتَ في شَركةٍ معهما. وأنتَ في علاقةٍ معهما. ولكن هناكَ شيءٌ اختباريٌّ جدًّا في هذا الأمر. فالأمرُ لا يَقتصِر على حقيقةِ أنَّ حياةَ اللهِ تَسكُنُ فيها، بل إنَّنا اختبرنا ذلكَ عَمليًّا. اسمَحوا لي أن أُذكِّرَكُم بآية. فرُبَّما تَذكرونَ الآية يوحنَّا 10: 10 حيثُ قالَ يَسوع: "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ [ماذا؟] أَفْضَلُ". ما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ لو أنَّه قال فقط: "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ" لِقُلنا إنَّهُ قد وَضَعَ حياتَهُ الأبديَّة فينا. بعبارة أخرى، هناكَ خَليقة جديدة وطبيعة جديدة إذ إنَّ اللهَ قد وَضَعَ حَياتَهُ في الإنسان. وهذه حقيقة.
ولكن عندما أضافَ قائلاً: "وَلِيَكُونَ لَكُم أَفْضَل"، فإنَّهُ ابتدأَ بالتَّحدُّثِ عن نَوعٍ فَيَّاضٍ جدًّا مِنَ الحياة. وأعتقد أنَّهُ انتقلَ إلى نِطاقِ الاختبار. فهي حياة غَنيَّة، وحياة تَجعلُنا نَختبِر الفَرح، والسَّلام، والمحبَّة، والقَصد. ففي كُلِّ مَرَّة تَسمعونَ فيها شخصًا يَشهدُ في مَعموديَّتِه بأنَّهُ قد عَرَفَ يسوعَ المسيح فإنَّهُ لا يَكتفي بالقول: "الحقيقةُ يا أصدقائي هي أنَّني نلتُ الخلاصَ، وأنَّني جئتُ إلى هُنا لأُعلِنَ هذه الحقيقة"، بل مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ سيَصِف لكم شُعورَهُ. فسوفَ يَصِفُ لكم شُعورَ المحبَّة والفرح والسَّلام والغُفران والقَصد والإرشاد في حياتِه. وهذا هو العُنصُرُ الفَيَّاضُ جدًّا مِنَ الحياةِ الأبديَّة.
فهو إلهُ كُلِّ تَعزية، وإلهُ كُلِّ نِعمة، واللهُ الَّذي يَملأُ كُلَّ احتياجِكم بحسب غِناه في المجد في المسيحِ يَسوع. وهو اللهُ الَّذي نَتمتَّعُ بالشَّركةِ معهُ ونُكَلِّمُ بعضُنا بعضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِنا. وَهُوَ اللهُ الَّذي نأتي إليهِ ونَصرُخُ قائِلينَ "يَا أَبَا الآبُ" كَما يَصرُخُ طِفلٌ صَغيرٌ إلى أبيهِ الَّذي يُحبُّه. وَهُوَ اللهُ الَّذي نَلتجئ إليهِ في الأوقاتِ العَصيبةِ طَلَبًا للرَّحمة. وَهُوَ المسيحُ الَّذي نَجِدُ فيهِ تَعزيتَنا، وراحَتَنا، والَّذي نَنعُم بمحبَّتِه. وهو المسيحُ الَّذي نَملِكُ سَلامَهُ ونَتمتَّعُ به. فهذه هي خِبراتُ الحياةِ الفَيَّاضة. وهذه هي عناصِرُ الشَّركة. وهذه هي الأشياءُ الَّتي تُغنينا جدًّا.
هلِ اختبرتُموها؟ هلِ اختبرتُم الشَّركة معَ المسيح بِكُلِّ غِناها؟ هلِ اختبرتُم الشَّركة معَ الله؟ هل شَعرتُم بحضورِه؟ هلِ اختبرتُم كُلَّ تلكَ الأشياءِ الَّتي يَعمَلُها مِن خلالِ رُوحِه؟ هل تَشعرونَ في قُلوبِكم بمحبَّةِ المسيح، وبمحبَّةِ اللهِ الَّتي تَجذبكم إلى حَضرتِه؟ هذا هو السُّؤال الَّذي ينبغي أن تَبتدئوا به. هل اختبرتَ قُدرتَهُ في الشَّهادة؟ هلِ اختبرتَ حَلاوةَ الصَّلاةِ إليهِ وأنتَ على رُكبتيك؟ والفَرحَ العَظيمَ النَّاجِمَ عنِ التَّكلُّمِ إلى اللهِ الحَيّ؟ وهلِ اختبرتَ ذلكَ الشُّعورَ المُنعِشَ والرَّائعَ بالنِّعمةِ الَّتي تَغمُرُكَ عندما تَكتشفُ حَقًّا جديدًا وغَنيًّا في الكلمة. وهلِ اختبرتَ بَرَكَةَ الصَّومِ في حضرةِ الله؟ هذه هي الشَّركة. فإنِ اختبرتَ هذه الأشياء فإنَّ لكَ شركة مع المسيح، ولكَ شركة مع الله. وهذه هي شركة الخلاص. وحيثُ إنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ مَضمون، يُمكنكَ أن تَتمتَّعَ بيَقينِ خَلاصِك.
السُّؤال الثَّاني، وأنا أشعرُ أنَّنا لن نَتمكَّنَ سِوى مِن إنهاءِ نِصفِ الأسئلة. ولكن لا بأسَ في ذلك. السُّؤال الثَّاني: هل أنتَ مُرهَفُ الحِسِّ للخطيَّة؟ هل أنتَ مُرهَفُ الحِسِّ للخطيَّة؟ ارجِعوا إلى الأصحاحِ الأوَّل قليلاً. فهذا مَقطعٌ مُهمٌّ جدًّا مِنَ الكتابِ المقدَّس. رسالة يوحنَّا الأولى 1: 5: "وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّة". والمَعنى المقصودُ هنا هو أنَّ الرِّسالةَ الَّتي أرسلَها الرَّبُّ إلينا مُختصَّة بِهِ. والرِّسالةُ هي أنَّ اللهَ بلا أيَّة خطيَّة، وأنَّهُ قُدُّوس تمامًا، وأنَّهُ كاملٌ تمامًا، وأنَّهُ لا عَيبَ فيه، ولا خطيَّة، ولا جَهل، وبحسبِ النَّصِّ اليونانيِّ الحَرفيِّ فإنَّهُ لا توجدُ ذَرَّةُ ظُلمَةٍ فيه. هذا هو الحَقُّ الأساسيُّ في هذا المَقطع.
ونحنُ نَنتقل مُباشرةً إلى العددِ السَّادس، ويُمكنكم أن تُتابعوا النَّصَّ أثناءَ قِراتي لَهُ: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ". بعبارة أخرى، إن كانَ اللهُ نُورٌ، أي أنَّهُ كُلُّهُ نُورٌ، ولا يوجدُ فيهِ شيءٌ آخرُ سِوى النُّور، وسَلَكنا في الظُّلمة، فإنَّ هذه ليست شَركة معه. ثُمَّ نَقرأ في العدد 7: "وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِبًا، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا".
والآن، لدينا تَباينٌ واضحٌ جدًّا هنا. وأريدُ منكم أن تُتابعوا ذلك. فهناكَ حقيقة جَوهريَّة وهي أنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّة. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هناكَ أشخاصٌ يَزعُمونَ أنَّ لَهُم شركة معَ الله. فَهُم يَزعُمونَ أنَّ لهم شركة معَ الله؛ ولكنَّ مَزاعِمَهُم باطلة. ففي العددِ السَّادس، أرجو أن تُلاحظوا أنَّهم يقولون: "إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ". فَهُم يَزعمونَ أنَّ لهم شركة معَ الله. وفي العددِ الثَّامنِ يَزعمونَ أيضًا أنَّهم لم يَفعلوا خَطيَّة. "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا". فهناكَ أشخاصٌ يَزعُمونَ أنَّهُ ليسَ لهم خطيَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ العاشرِ شيئًا يَصعُبُ تَصديقُه. فَهُم يَزعُمونَ أنَّهم لم يُخطِئوا يَومًا. "إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِبًا، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا".
لِذا، هناكَ أشخاصٌ يَقولون: "أجل، نحنُ نَعرِفُ اللهَ، ولنا شركة معَ الله، ونَسلُكُ معَ الله"؛ ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّهم يَسلكونَ في الخطيَّة ويَفعلونَ ماذا؟ يُنكرونَ ذلك. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ عُمْيٌ تمامًا حَتَّى إنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّهم يَسلُكونَ في النُّورِ في حين أنَّهم يَسلُكونَ في الظُّلمة. ومعَ أنَّهم يَسلُكونَ في الظُّلمةِ فإنَّهم يَزعُمونَ أنَّهُ ليسَ لَهُم خطيَّة، أو أنَّهم لم يُخطِئوا البتَّة. فَمِن صِفاتِ الشَّخصِ الَّذي لم يُولَد ثانيةً، وغيرِ المُؤمِن، هي أنَّهُ لا يُدركُ البتَّة حالةَ الخطيَّةِ الَّتي تَتَّسِمُ بها حَياتُه. وهذا هو ما يُشيرُ إليهِ يوحنَّا. فالشَّخصُ المذكور في العددِ السَّادس لا يَعترف بخطيَّته لأنَّه لا يَعتقد أنَّ ذلك ضَروريّ. وحتَّى إنَّهُ لا يُدركُها، ولا يُقِرُّ بها، بل يَسلُكُ في الظُّلمة ويَظُنُّ أنَّهُ في شركة معَ الله. والشَّخصُ المذكور في العددِ الثَّامن لا يَعترف بخطيَّته لأنَّه يَظُنُّ أنَّهُ وَصَلَ إلى حالةٍ لا يُخطئُ فيها. والشَّخصُ المذكور في العددِ العاشر لا يَعترف بخطيَّته لأنَّه لم يَعترف يَومًا بها ولم يُقِرّ يومًا بأنَّهُ أخطأ.
وهناكَ ثلاثُ كلماتٍ تَصِفُ وُجهاتِ النَّظر الثَّلاث هذه: الكلمة الأولى مَذكورة في العددِ السَّادس وهي: "ظُلمة". والكلمة الثَّانية مَذكورة في العددِ الثَّامن وهي: "نُضِلّ". والكلمة الثالثة مَذكورة في العددِ العاشر وهي "تَكذيب" الله لأنَّكَ تَجعلُ اللهَ كاذبًا لأنَّ اللهَ يقولُ إنَّكَ أخطأت. لِذا، هناكَ أشخاصٌ يَزعُمونَ أنَّهم مَسيحيُّونَ؛ ولكنَّهم لا يُدركونَ البتَّة أنَّهُم يُخطئون. فَهُم يَظُنُّونَ [مِن جانب] أنَّه يُمكنهم أن يَستمرُّوا في مُمارسةِ الخطيَّة والسُّلوكِ في الظُّلمة كما يَحلو لَهُم دُونَ أن يَعترفوا بذلك، وأن يكونوا في شركة معَ الله. مِن جانبٍ آخر، قد يُنكرونَ كُلَّ ذلكَ ويَظُنُّونَ أنَّهم يَستطيعونَ أن يَسلُكوا معَ اللهِ ويكونوا في شركة معه. فَهُم لا يُدركونَ البتَّة حَقيقةَ حَالتِهم. والحقيقةُ هي أنَّهم لا يَعرفونَ اللهَ، ولا يَسلُكونَ في الحَقِّ؛ بل يَخدعونَ أنفسَهم والحقُّ ليسَ فيهم لأنَّهم يَجعلونَ اللهَ كاذبًا وكلمتُهُ ليست فيهم.
فنحنُ نَقرأُ هنا عن شخصٍ غيرِ مؤمنٍ ولا يُدركُ البتَّةَ حَالتَهُ الخاطِئَة. لِذا فإنَّنا نَقولُ دائمًا إنَّهُ عندما تَكرزونَ بالإنجيل، ما الَّذي ينبغي أن تَكرزوا بهِ أوَّلاً؟ خطيئة الإنسان. مِن جانبٍ آخر، لِنرجِع ونَقرأ الآياتِ الأخرى. العدد 7: "وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّور...". بعبارة أخرى، إن سَلَكنا سُلوكًا تَقِيًّا "...فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ". والعبارة "بَعضنا مع بعض" تُشيرُ [بالمُناسبة] إلى اللهِ، لا إلى المؤمنينَ الآخرين. "...وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ". فالأشخاصُ المُخَلَّصونَ حَقًّا تَمْتازُ حياتُهم بأنَّهم يَسلكونَ في النُّور. فالأشخاصُ المُخَلَّصونَ حَقًّا [انظروا إلى العددِ التاسع] لا يُنكرونَ خَطيَّتهم، بل ماذا؟ يَعترفونَ بها. واللهُ أمينٌ وعادلٌ لأنَّهُ يَستمرُّ في غُفرانِها، ويَستمرُّ في تَطهيرها.
لِذا، يُمكننا أن نقولَ إنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ يَسلُكُ دائمًا في النُّور، ويَعترِف دائمًا بأعمالِ الظُّلمةِ الَّتي يَفعلُها في النُّور. فهو لَديهِ حِسٌّ مُرهَفٌ تُجاه الخطيَّة. وهو يَعرفُ أنَّهُ إن أرادَ أن يكونَ في شركة معَ الله، يجب عليهِ أن يَسلُكَ في القَداسة، ويجب عليهِ أن يَسلُكَ في النُّور. وهو يَعلمُ أنَّهُ عندما يَقترِف خطيَّةً في حياتِه، يجب عليهِ أن يَعترفَ بها. وفي الأصحاحِ الثَّاني والعددِ الأوَّل، يَقولُ يوحنَّا: "يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ". فالعددُ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ الثَّاني يَقولُ إنَّهُ لا يوجدُ ما يُحَتِّمُ عليكَ أن تُخطِئ. فهناكَ حُريَّة جديدة هنا. فهو يقول: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. فأنا لا أريدُ منكم أن تُخطئوا. فليسَ هُناكَ ما يُحَتِّمُ عليكم أن تَفعلوا ذلك. ولكن إن أخطأتم، هناكَ غُفران".
فالمؤمنُ الحقيقيُّ: أولاً، يُدركُ أنَّهُ ينبغي أن يَسلُكَ في الطَّهارةِ إن أرادَ أن تكونَ لهُ شركة معَ الله. وَهُوَ يُدركُ [ثانيًا] أنَّهُ عندما يُخطِئ، يجب عليهِ أن يَعترفَ بها. وَهُوَ يُدركُ [ثالثًا] أنَّهُ لا يُوجَد ما يُحَتِّمُ عليهِ أن يُخطِئ. ولكن عندما يُخطِئ فإنَّه يَعلمُ إلى مَن يَذهب: إلى الشَّفيعِ يسوعَ المسيح. والمَعنى هو التَّالي: أنَّ الشَّخصَ المُخَلَّصَ حقًّا يَكونُ مُرهَفَ الحِسِّ تُجاهَ الأشياءِ الخاطئةِ في حياتِه. ففي الأصحاحِ السَّابعِ مِن رسالةِ رُومية، يَقولُ بولس: "أنا أَعلمُ ما هُوَ فِيَّ. فهناكَ ناموسٌ يَعملُ فِيَّ يُسَمَّى ناموس [أو مَبدأ] الخطيَّة. وأنا أُدركُ ذلك جدًّا جدًّا". هل يَسري هذا الوَصفُ عليك؟ هل أنتَ مُرهفُ الحِسِّ تُجاهَ الخطيَّة؟ وهل تُدركُ جيدًّا جدًّا أنَّ هناكَ مَعركة رُوحيَّة؟
وهل تُدركٌ بوضوحٍ تامٍّ جدًّا جدًّا أنَّهُ لكي تَكونَ لكَ شركة حقيقيَّة معَ اللهِ يجب عليكَ أن تَعيشَ حياةً مُقدَّسةً وأن تَسلُكَ في النُّور، وأنَّهُ لا يُمكنكَ أن تَسلُكَ في الظُّلمة وتَدَّعي أنَّ لكَ شركة معه؟ وهل أنتَ مُستعدٌّ للإقرارِ بحقيقةِ وجودِ خطيَّةٍ في حياتِكَ والاعترافِ بها؟ وهل تُدركُ أنَّهُ لا يوجدُ ما يُحَتِّمُ عليكَ أن تُخطِئ، ولكن إن أخطأتَ يُمكنكَ أن تَلتجئَ إلى الشَّفيعِ يسوعَ المسيح؟ هل أنتَ مُرهفُ الحِسِّ تُجاهَ الخطيَّة (كما كانَ بولُسُ في رسالة رُومية) وتَصرُخُ أحيانًا وتقول: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْت؟" لأنَّكَ مُتعَبٌ جدًّا مِن ثِقْلِ الخطيَّة في جسدك؟ إن كان هذا الوَصفُ يَسري عليكَ، فإنَّ خلاصَكَ مَضمونٌ إلى الأبد. وإن كانَ خلاصُكَ مَضمونًا إلى الأبد، فإنَّكَ في مأمَنٍ ويُمكنكَ أن تَتمتَّعَ بهِ وأن تكونَ مُتيقِّنًا منه.
السُّؤالُ الثَّالث: هل أنتَ مُطيعٌ لكلمةِ الله؟ هل أنتَ مُطيعٌ لكلمةِ الله؟ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعددِ الثَّالث: "وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ [ماذا؟] حَفِظْنَا وَصَايَاهُ". ولا يُوجدُ كَلامٌ أوضحُ مِن هذا. بهذا نَعرفُ ونُدركُ اختباريًّا. فيبدو أنَّ هذه هي قوَّة الـفِعل "غينوسكو" (ginosko). بهذا نَعرِفُ اختباريًّا أو عَمليًّا. نَعرفُ ماذا؟ "أنَّنا قد عَرَفناه". ما الَّذي يُشيرُ إليهِ هُنا؟ الخلاص. فكيفَ نَعلمُ أنَّنا مُخَلَّصون؟ بهذا. بماذا؟ "إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ". فإن أردتَ أن تَعرفَ أنَّكَ مُؤمنٌ حقيقيٌّ، اسأل نفسكَ إن كنتَ تُطيعُ وَصايا كلمةِ الله. فعندما تَمَّ إرسالُ التَّلاميذِ في المأموريَّةِ العُظمَة قيلَ لَهُم: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ، وتَلمِذوهُم [كما قالَ يسوعُ] وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ".
فإطاعةُ وَصايا اللهِ تُعطي يَقينًا. والكلمة "يَحفَظوا" هُنا تُشيرُ إلى الطَّاعةِ الواعية، وإلى الطَّاعةِ اليَقِظَة والدَّقيقة والتَّامَّة. فهي تَنطوي لا فقط على عَملِ الطَّاعة، بل أودُّ أن أُسَمِّي ذلكَ رُوح الطَّاعة، والاستعداد، والتَّطبيق الدَّائم للكلمة؛ لا بالحَرف، بل بالرُّوح. والكلمة "وَصَاياه" هُنا [بالمُناسبة] هي ليست الكلمة "نوموس" (nomos). فهي ليست الكلمة المُعتادة للإشارة إلى النَّاموس. فيوحنا يَستخدِمُ تلك الكلمة خمسَ عشرةَ مَرَّةً في إنجيلِهِ. ولكنَّهُ يَستخدِمُ هنا الكلمة "إنتوليه" (entole). وهو يَستخدمُها أربعَ عشرةَ مَرَّةً للإشارةِ إلى تَعاليمِ المسيح. لِذا فإنَّ الكلمة "وَصاياهُ" هنا تَعني في الحقيقة: الوَصَايا أو الأوامِر أوِ المَعاييرَ الَّتي وَضَعها المسيح. وهو يُطالبُ بما هو أكثر مِن مُجرَّد الطَّاعة الإلزاميَّة النَّابعة مِن عهدِ الأعمال. فهو يَدعونا إلى الطَّاعةِ الطَّوعيَّةِ النَّابعةِ مِن عهدِ النِّعمة.
فالطَّاعةُ الإلزاميَّةُ [بالمُناسبة] تَتطلَّبُ الكَمالَ تَحتَ طائلةِ العِقاب. أمَّا الطَّاعةُ الطَّوعيَّةُ فتَقبلُ الإخفاقَ مِن دونِ عُقوبة بسببِ يسوعَ المسيح. هل هذا مَفهوم؟ لِذا فإنَّهُ يَدعونا إلى تلك الطَّاعة الطَّوعيَّةِ النَّابعة مِنَ النِّعمة. فإن أردتَ أن تَعرفَ إن كنتَ مُؤمِنًا، انظر إلى حياتِك. هل تَحفظُ الوصايا لكي تُطيعَها؟ ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الرَّابع: "مَنْ قَالَ: قَدْ عَرَفْتُهُ" – وهذا ادِّعاء. هل تقولُ إنَّكَ قد عَرَفتَهُ؟ ولكنَّ الَّذي يقولُ إنَّهُ قد عَرَفَهُ "وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيه". فهو ادِّعاءٌ كاذِب. إنَّهُ ادِّعاءٌ كاذِب. وفي العددِ الخامِس: "وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيه". بماذا؟ بِحِفْظِ كَلمتِه. ومَرَّةً أخرى، إنَّها الطَّاعةُ الدَّائمة. وهذا يعني أنَّ مَحبَّةَ اللهِ قد سَكَنَتْ فيهِ ودَفَعَتْهُ إلى الطَّاعة.
إذًا كيفَ تَعلمُ أنَّ الشَّخصَ مُؤمنٌ حقًّا؟ ليسَ مِن خلالِ العاطفة، وليسَ مِن خلالِ المشاعرِ الصُّوفيَّة، بل مِن خلالِ الطَّاعة. فإن كنتَ تَرغبُ في إطاعةِ كلمةِ الله، وإن كنتَ عندَ قراءتكَ لها تَتوقُ في قَلبكَ إلى تَطبيقِها، وإن كانت رَغبتُكَ لا تَقتصِرُ فقط على الطَّاعةِ الإلزاميَّة بدافعِ الخوف، بل إنَّكَ ترغبُ في ذلكَ بدافعِ مَحبَّتِكَ للمسيح، وإن كنتَ تَرى أنَّ تلكَ الرَّغبة تَظهرُ مِن خلالِ حَياةٍ تَتَّسِمُ بالطَّاعة (ونحنُ لا نَتحدَّثُ هنا عنِ الكَمالِ، بل عن حَياةٍ تَتَّسِمُ بالطَّاعة)، فإنَّكَ مُخَلَّص. وإن كنتَ مُخَلَّصًا، فإنَّكَ مُخَلَّصٌ إلى الأبد. وإن كُنتَ قد حَصلتَ على خَلاصٍ أبديٍّ مَضمون، يُمكنكَ أن تَتمتَّعَ به.
السُّؤالُ الرَّابع: اسأل نَفسكَ: هل تَرفُضُ العالَم؟ هل تَرفُضُ العالَم؟ أيِ النِّظام؟ فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 15: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآب". والآن، عندما يَستخدِمُ الكلمة "تُحِبُّوا" هنا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن أعمقِ المُعَوِّقاتِ، وعن أقوى عاطفةٍ ودافعٍ يُحَرِّكُنا ويَدفعُنا ويَجذبُنا. وَهُوَ يقولُ بصراحةٍ إنَّهُ لا يَجوزُ للمؤمنينَ أن يُحبُّوا نِظامَ الشَّيطان ("كوزموس" – "kosmos"). فَمِنَ المُحالِ أن يُحبَّ المؤمنُ نِظامَ الشَّيطان. فكما أنَّهُ مِنَ المُحالِ أن تكونَ هُناكَ خُلطةٌ بينَ النُّورِ والظُّلمة، مِنَ المُحالِ أيضًا أن تَكونَ هُناكَ خُلطة بينَ مَحبَّةِ اللهِ ومحبَّةِ العالَم.
والآن، عندما نَتحدَّثُ عنِ العالَم فإنَّنا نَتحدَّثُ عن كُلِّ شَرِّه، وكُلِّ ما فيه. ارجعوا إلى العدد 13: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ". وهو يُشيرُ مَرَّتين هُنا إلى الشِّرِّير.
فقد وَضَعَ الشِّرِّيرُ نِظامًا يُسَمِّيهِ الكتابُ المقدَّسُ: "العَالَم" ("كوزموس" – "kosmos")؛ أي النِّظام: نِظام الشَّيطان. وَهُوَ يَضُمُّ الدِّياناتِ الزَّائفة، ويَضُمُّ الجَرائمَ، ويَضُمُّ الفَلسفاتِ المُعادية لله، ويَضُمُّ الحياةَ البعيدةَ عنِ الله، والخطايا الجنسيَّة، والسُّكر، والماديَّة، وهَلُمَّ جَرَّا. وعندما تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّكَ لا تُحبُّ ذلك، بل في الحقيقة تَكرهُ ذلك. وقد تُغوَى أحيانًا بسببِ ذلك، ولكنَّكَ لا تُحبُّ ذلكَ، بل تُبغِضُه. لِذا، مِنَ العَجيبِ جدًّا أن يَفعلَ المؤمنُ شيئًا يَكرَهَهُ، وألاَّ يَفعلَ ما يُحبُّه. وهذا يُعيدُنا إلى رسالة رُومية والأصحاحِ السَّابعِ مَرَّةً أخرى. أليسَ كذلك؟ فما أُبغِضُهُ فإيَّاهُ أفعل. ولكنَّ الحياةَ الجديدةَ في المسيح تَزرَعُ فينا مَحبَّةً لله.
"لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ [كما يقولُ في العدد 16]: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَد". فالعالَمُ موجودٌ، ولكنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ الَّذي لهُ حياة أبديَّة وسيَثبُت إلى الأبد لا يَنشغلُ بالعالَم. صحيحٌ أنَّهُ قد يَنجذب إليهِ بينِ الحينِ والآخر، أو يُغوَى بينَ الحينِ والآخر، ولكنَّ محبَّتَهُ هي تُجاهَ الله. هل تَرفُضُ العالَم؟ هل تَرفُضُهُ؟ وهل تَرفُضُ دياناتِهِ الزَّائفة، وجرائمهِ، وفلسفاتِه الباطلة، وحياته الباطلة، وخطاياه الجنسيَّة، وما يُقدِّمُهُ مِن سُكْرٍ، وماديَّةٍ، وكُلِّ أيديولوجيَّاتِه الزَّائفة الَّتي تَدينُ الإنسان؟ هل تَرفضُ كُلَّ هذه الأشياء؟
وهل تُحبُّ اللهَ، وتُحبُّ حَقَّهُ، وتُحبُّ مَلكوتَهُ، وتُحبُّ ما يُوصي بِه؟ أنتَ لا تَفعلُ ذلك بصورةٍ طبيعيَّة، ولا تَفعلُ ذلكَ بصورةٍ اعتياديَّة. فالبشرُ بطبيعتِهم يُحبُّونَ الظُّلمة، ويَتبعونَ أباهُم إبليس. لِذا، اسأل نفسَك: هل تَرفضُ العالَم؟ فإن كنتَ تَرفُضُ العالَمَ فإنَّ هذا يَدُلُّ على الحياةِ الجديدةِ في المسيح. وحيثُ إنَّ الحياةَ الجديدةَ في المسيح هي إلى الأبد، إن كنتَ مُخلَّصًا، فإنَّ خلاصكَ مَضمونٌ إلى الأبد ويُمكنكَ أن تَتمتَّعَ به.
السُّؤالُ الخامِس [وهو سؤالٌ مُهمٌّ أيضًا]: هل تُحبُّ المسيحَ حَتَّى إنَّكَ تَنتظرُ بِشَوقٍ مَجيئَهُ؟ هل تُحبُّ المسيحَ حَتَّى إنَّكَ تَنتظرُ بِشَوقٍ مَجيئَهُ؟ فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الثَّاني: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ". ثُمَّ مِن زاوية أخرى، هناكَ أشخاصٌ يَفعلونَ الخطيَّةَ والتَّعَدِّي. لِذا، ما الَّذي يَقولُهُ يوحنَّا؟ إنَّهُ يقولُ إنَّكَ إن كنتَ مُؤمنًا حقيقيًّا سيكونُ عندكَ رجاءٌ في قلبِك، وسيكونُ رجاؤكَ مُثَبَّتًا على المسيح. وذلكَ الرَّجاءُ بمجيءِ المسيحِ سيُطَهِّرُ حياتَك.
هل تُحبُّ المسيحَ حتَّى إنَّكَ تَنتظرُ بشوقٍ مَجيئَهُ حَتَّى عندما يُظهَرُ تَكونُ مِثلَهُ؟ فهذا هو الرَّجاءُ المُبارَك. وهذا أعظمُ فَرَحٍ لدينا. فبولسُ يَقول في رسالة رُومية والأصحاح الثَّامن إنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا بانتظارِ استعلانِ أبناءِ الله. ويوحنَّا يقولُ ثلاثةَ أشياء: إنَّهُ سَيُظهَر، وإنَّنا سنَراهُ، وإنَّنا سنكونُ مِثلَهُ. هل هذا هو رَجاؤُك؟ هل أنتَ مِثلَ الرَّسول بولس؟ هل تقول: "أنا أنتظرُ بِشَوق" (كما جاءَ في رسالة فيلبِّي 3: 20)؟ "أنا أنتظرُ [بِشَوقٍ] مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ". هل تَنتظرُ ذلك؟ هل تَحتقرُ الخطيَّةَ والجسدَ السَّاقط، وتَتوقُ إلى أن تَصيرَ مِثلَ يسوعَ المسيح؟
هل يُمكنكَ أن تَشعُر باللَّهفةِ الَّتي يَتحدَّثُ بها بولس حينَ يقولُ في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 15: 49: "وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ"؟ هل يُمكنكَ أن تُرَدِّدَ وتَرجو تَحقيقَ كلماتِ بولس إلى تِيطُس: "مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح"؟ هل تُحبُّ المسيحَ حَتَّى إنَّكَ تَرجو بشوقٍ مَجيئَهُ، وحتَّى إنَّ ذلكَ الرَّجاءَ المُتَلَهِّفَ يُعطيكَ قُوَّةً أخلاقيَّةً ويُطهِّرُكَ؟ إن وَجدتَ أنَّكَ [وأنا لا أعني بذلكَ شَوقًا جَامِحًا يَدفعُكَ إلى عَدمِ تَحمُّلِ المسؤوليَّة]، بل عندما تَجِدُ أنَّكَ تَتوقُ إلى مَجيءِ يسوعَ المسيح فإنَّ ذلكَ الشَّوقَ دَليلٌ على الخلاص، ودَليلٌ على الطَّبيعةِ الجديدة. عندما تَجِدُ نَفسكَ تَتوقُ إلى التَّحرُّرِ مِن جسدِ الخطيَّة، وتَرغبُ في أن تَصيرَ مِثلَ المسيحِ الكامل، فإنَّ هذا الشَّوقَ دَليلٌ على الخلاص. وإن كنتَ مُخَلَّصًا فإنَّهُ خَلاصٌ أبديٌّ. لِذا، يُمكنكَ أن تَتمتَّعَ به.
اسمَحوا لي أن أُراجعَ ما قُلتُهُ: السُّؤال الأوَّل: هل لكَ شركة مع المسيحِ والآب؟ السُّؤال الثَّاني: هل أنتَ مُرهفُ الحِسِّ للخطيَّة في حياتِك؟ السؤالُ الثَّالث: هل تَتَّصِفُ حياتُكَ بإطاعةِ كلمةِ الله؟ السُّؤال الرَّابع: هل تَرفُضُ النِّظامَ العالميَّ؟ السُّؤال الخامس: هل تُحبُّ المسيحَ حتَّى إنَّكَ تَنتظرُ بلهفةٍ وشَوقٍ مَجيئَهُ؟ إن نَجحتَ في هذه الامتحاناتِ فإنَّ نَجاحَكَ فيها يَدُلُّ على أنَّكَ مُخَلَّص. وحيثُ إنَّ الخلاصَ مَضمونٌ، يَنبغي أن تكونَ مُتيقِّنًا منه. وقد كَتبَ يوحنَّا هذه الأشياءَ لكي يُعطينا ثِقةً. انظروا إلى الأصحاحِ الثَّالث والعدد 21. وسوفَ أَخْتِمُ حَديثي بتلكَ النُّقطة. فيوحنَّا يقول: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا، فَلَنَا [ماذا؟] ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ الله".
فيوحنَّا يريدُ مِنَّا أن نُجري امتحانًا. فإن سَألتَ نَفسكَ هذه الأسئلةَ الخمسة (حَتَّى مِن دونِ الأسئلة الستَّة الباقية)، ولم يَلُمْكَ قَلبُك، يُمكنكَ أن تَكونَ واثقًا مِن نَحوِ الله. فإن كانَ بمقدوركَ أن تقول: "أجل، أنا أتمتَّعُ بشركةٍ حُلوةٍ معَ المسيح؛ وأجل، أنا أتمتَّعُ بشركةٍ حُلوةٍ معَ الله؛ وأجل، أنا أُدركُ تمامًا أنَّني لا أستطيعُ أن أَسلُكَ معَ اللهِ بوجودِ خطيَّةٍ في حياتي؛ وأجل، أنا أُقِرُّ وأعترفُ بخطاياي؛ وأجل، أنا ألتجئُ إلى الشَّفيعِ يسوعَ المسيحِ البارّ"، وإن كانَ بمقدوركَ أن تقول: "أجل، أنا لديَّ لَهفة عميقة في قلبي بإطاعةِ كلمةِ الله، وأنا لا أفعلُ دائمًا ما ينبغي أن أفعلَهُ، ولكنَّني أرغبُ بذلكَ مِن كُلِّ قلبي؛ وأجل، أنا أرفضُ النِّظامَ العالميَّ، وأكرهُ ما يُنادي بهِ العالَم، وأكرهُ ما يُدافعُ عنهُ؛ وأجل، أنا أُحبُّ المسيحَ وأتوقُ إلى اليومِ الَّذي سأراهُ فيهِ وأصيرُ فيهِ مِثلَهُ"؛ إن نَجحتَ في هذه الامتحاناتِ ولم يَلُمْكَ قَلبُكَ، يُمكنكَ أن تكونَ واثقًا أمامَ الله. ويا لهُ مِن فَرحٍ في أن تَعلمَ أنَّ اللهَ يريدُ مِنَّا أن نَكونَ كذلك. فاللهُ يُريدُ مِنَّا [كما يقولُ العدد 19 مِن نفسِ ذلك الأصحاح] أن نكونَ واثِقينَ أمامَهُ. وهو يُريدُ أن نَكونَ واثقينَ في قُلوبِنا، وأن نَكونَ مُتيقِّنين لأنَّ ذلكَ يُعطينا فَرَحًا، وسلامًا. لِذا فإنَّهُ يُعطينا أسئلةَ امتحانٍ واضحة جدًّا لكي نُمَيِّزَ حالتَنا الروحية. وأنا أقولُ لكَ أيضًا إنَّهُ إن كانَ قلبُكَ يَلومُكَ، وليست لديكَ ثقة، وليسَ لديكَ يَقين، قَدِّم حياتَكَ بِصدقٍ ليسوعَ المسيحَ كي تَعرفَهُ مَعرفةَ حقيقيَّةً. والآن، دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى على هذا التَّعليمِ الواضح. فنحنُ نَستمرُّ، يا رَبُّ، في تَعَلُّمِ الكلمةِ الواضحة جدًّا لكي نَعرفَ حالتَنا الروحيَّة لأنَّكَ، يا رَبُّ، لا تُريدُ أن تكونَ لدينا ذَرَّةُ شَكٍّ في ذلك. لِذا فإنَّكَ تُوضِّحُ ذلكَ تمامًا. نَشكُرُكَ على التَّعليمِ الَّذي يُعطي ثِقةً للمُخَلَّصينَ، ويُعطي خَوفًا لغيرِ المُخَلَّصين لأنَّكَ تُريدُ مِنَ الأشخاصِ المُخَلَّصينَ حَقًّا ويَنجحونَ في الامتحانِ أن يَفرحوا؛ وَتُريدُ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَنجحونَ في الامتحانِ أن يَتوبوا ويَقبَلوا المُخلِّص. نُصلِّي هذا باسمِهِ. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
