Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كَما تَعلمون، نحنُ نَدرسُ رسالةَ بُطرس الثَّانية. وأودُّ أن أطلبَ منكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مِن فَضلكم على رسالة بُطرس الثَّانية والأصحاح الأوَّل. وفي مَعرِضِ دراستِنا للأصحاحِ الأوَّل، نحنُ نَدرسُ مَوضوعًا عامًّا بعُنوان "إيمانُنا الثَّمين" – إيمانُنا الثَّمين. وقد وَصلنا إلى المقطعِ الَّذي يَبتدئُ بالعددِ الخامسِ ويَنتهي بنهايةِ العددِ الحادي عشر. رسالة بُطرس الثَّانية 1: 5-11. وهذا المَقطعُ يَتحدَّثُ عن يَقينِ الخلاص. ولأنَّهُ موضوعٌ مُهمٌّ، وموضوعٌ يَستقطِبُ نِقاشًا كثيرًا اليومَ كَما حَدَثَ على مَرِّ تاريخِ الكنيسة، استَفَضْتُ قليلاً في دراسةِ مَوضوعِ اليَقينِ هذا. والحقيقةُ هي أنَّ هذه هي العِظةُ الثَّامنةُ عن موضوعِ إيمانِنا الثَّمين، والعِظَةُ الخامسةُ عن موضوعِ اليَقين. ونحنُ لم نَتطرَّق إلى النَّصِّ بعد. ولكِن مِن المهمِّ جدًّا أن نُرَسِّخَ هذا الفَهمَ الأساسيَّ لدينا.

وأودُّ في أثناءِ تأمُّلِنا في النَّصِّ أن أَلفتَ أنظاركم مَرَّةً أخرى إلى العَددَيْن 10 و11؛ وَهُما عَددانِ يُرَسِّخانِ الفِكرةَ في الذِّهنِ مِن دونِ الخَوضِ في الكثيرِ مِنَ التَّفاصيل. فبُطرسُ يَقولُ هُنا: "لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْن". وهو يَتحدَّثُ هنا عنِ اليَقينِ المُختصِّ باختيارِكم، واليَقينِ المُختصِّ بفدائِكُم، واليقينِ المُختصِّ بخلاصِكُم. فهو مُهتمٌّ بأن تَعلَموا أنَّكم مُخَلَّصون. وفي العددِ التَّاسع، نَرى أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَفتقرونَ إلى صِفاتٍ مُعيَّنة ويَصِفُهم بأنَّهُم مُصابونَ بالعَمى أو قِصَرِ البَصَر قَدْ نَسَوْا تَطْهِيرَ خَطَايَاهم السَّالِفَة. فهو لا يُريدُ أن تَنْسَوا حالَتَكُم الروحيَّة الحقيقيَّة، بل بالحَرِيِّ أن تَكونوا مُتيقِّنينَ مِن دَعوتِكُم واختيارِكُم. لِذا فإنَّ هذا النَّصَّ يُهَيِّئُنا لهذا الموضوعِ المُختصِّ بيقينِ الخَلاص.

وهذا المَوضوعُ يَتلخَّصُ في سؤالَيْنِ رَئيسيَّيْن ذَكَرناهُما في دراستِنا. السُّؤالُ الأوَّلُ هو: هلِ الخلاصُ إلى الأبد؟ هلِ الخلاصُ إلى الأبد؟ هلِ خَلاصُنا أبديٌّ؟ لأنَّهُ لا يُمكننا أن نَتيقَّنَ مِن أنَّ خلاصَنا أبديٌّ إلاَّ إذا كانَ في الحقيقةِ أبديًّا. لِذا فإنَّ السُّؤالَ الأوَّلَ هو: هلِ الخلاصُ إلى الأبد؟ هل هو مَضمونٌ؟ والسُّؤالُ الثَّاني هو: هل يُمكنُني أن أتمتَّعَ بذلك اليَقين؟ فالأوَّلُ يَختصُّ بالحقيقة، والثَّاني يَختصُّ بالشُّعور. والأوَّلُ يَختصُّ بالواقِع، والثَّاني يَختصُّ بالاختبار. هل لديَّ خلاصٌ أبديٌّ؟ وهل يُمكنُني أن أتمتَّعَ بيقينِ ذلك الخلاص؟ وكما ذَكَرنا فإنَّ هذينِ الجانبينِ لا يَنفصلان لأنَّهُ إن لم يكن الخلاصُ أبديًّا، لن يكونَ هناكَ شُعورٌ حقيقيٌّ باليقين.

فإن كانَ مِنَ المُمكن أن أفقدَ خلاصي، سأُلاقي صعوبةً كبيرةً في التَّمتُّعِ بيقيني. فإن كانَ خلاصي مُؤقَّتًا، ففي أفضلِ الأحوالِ سيكونُ يَقيني مؤقَّتًا أيضًا. أمَّا إن كانَ خلاصي أبديًّا، يُمكِنُ أن يكونَ يَقيني دائمًا. وقد خَطَرَت هذه المسألة المُحَدَّدة في ذهني مَرَّةً أخرى في الأيامِ القليلةِ الماضية في أثناءِ قراءتي للسِّيرة الذَّاتيَّة الدَّقيقة والرَّائعة الَّتي كَتَبَها "إيان موراي" (Ian Murray) عن "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards). ففي سنة 1746، أي بعدَ سِتِّ سَنواتٍ مِنَ الصَّحوة الكُبرى الَّتي كانَ فيها جوناثان إدواردز الأداةَ الرَّئيسيَّةَ بيدِ اللهِ للكرازةِ بالإنجيلِ وجَلْبِ أعظمِ نَهضةٍ في التَّاريخِ الأمريكيّ، بعدَ نحوِ سِتِّ سنواتٍ مِن ذلك [وتَحديدًا في سنة 1746]، كَتَبَ إدواردز "أطروحة في الأشواقِ الدِّينيَّة" (A Treatise on Religious Affections).

والسَّببُ في أنَّهُ كَتَبَ ذلك هو أنَّهُ أرادَ أن يُعالجَ مُشكلةً لا تَختلفُ عن المشكلةِ الَّتي نُناقشها في هذا المساء. فقد كانَت تلكَ الأطروحة ("أطروحة في الأشواقِ الدِّينيَّة") تُعالجُ موضوعَ البُرهانِ على الاهتداءِ الحَقيقيّ. وكانَ قَصدُ إدواردز مِن كتابتها هو حَسْمُ القضايا المُختصَّة بهُويَّةِ المُؤمِنِ الحَقيقيّ. ففي خِضَمِّ الأحداثِ الدَّراميَّة الَّتي جَرَت بينَ سنة 1739 وسنة 1740 (أي خِلالَ سنواتِ الصَّحوةِ الكُبرى) بَدَا أنَّ الإيمانَ بالمسيحِ يَحدُثُ بأعدادٍ هائلة. ولم يَمْضِ وقتٌ طويلٌ بعدَ تلك السَّنواتِ حَتَّى تَبَيَّنَ أنَّ هناكَ أشخاصًا يَدَّعونَ الإيمانَ دُونَ أن يكونَ إيمانُهم حَقيقيًّا. فقد كانت هناكَ مُبالغاتٌ كبيرة. وكانَ هناكَ أشخاصٌ كثيرونَ انجرفوا وراءَ العاطفةِ والاختباراتِ العاطفيَّةِ؛ وهو أمرٌ سَابقٌ نَوعًا مَا للهَوَسِ الكَارزماتيِّ المُعاصِر.

فقد كانَ هناكَ أشخاصٌ ادَّعَوْا أنَّ لهم اختبارات حقيقيَّة معَ يسوعَ المسيح؛ ولكنَّ حياتَهُم لم تُظهِر أيَّ دليلٍ يُؤكِّدُ صِحَّةَ ذلك. لِذا، كانَ هُناكَ أشخاصٌ يُقاومونَ الصَّحوةَ الكُبرى ويقولونَ إنَّها ليست سِوى مَوجة عاطفيّة كبيرة، وإنَّهُ لا يوجدُ شيءٌ حَقيقيٌّ بشأنِها. لِذا، في سبيلِ الدِّفاعِ عنِ الاهتداءِ الحقيقيِّ، وفي سبيلِ كَشْفِ الاهتداءِ الزَّائفِ، أمسكَ جوناثان إدواردز قَلَمَهُ وكَتَبَ "أطروحة في الأشواقِ الدِّينيَّة". وكانَ ما يَرمي إليه هو أن يُقَدِّمَ الدَّليلَ على الاهتداءِ الحَقيقيّ. ولتلخيصِ ذلكَ ببساطةٍ مُتناهية فإنَّ "الدَّليلَ القاطِعَ [كما يقولُ إدواردز] على الاهتداءِ الحقيقيِّ هو الأشواقُ المُقدَّسة، والحماسةُ للأمورِ المُقدَّسة، والتَّوقُ إلى الله، والتَّوقُ إلى القَداسة، والرَّغبةُ في الطَّهارة".

وقد لَمَسَ حَقًّا لُبَّ الاهتداءِ الحقيقيِّ. فَلُبُّ الاهتداءِ الحقيقيِّ هو وُجودُ مَجموعةٍ مِنَ الرَّغْباتٍ الجديدة. فهذا هو ما قالَهُ. فقد قال: "حيثُ يُوجَدُ اهتداءٌ حَقيقيٌّ تُوجَدُ حَماسةٌ للأشياءِ المُقدَّسة". فقد كانَ يُبالي جدًّا بالاهتداءاتِ الزَّائفةِ الَّتي مَصدرُها الشَّيطانُ في فترةِ الصَّحوةِ الكُبرى. لِذا فقد أرادَ أن يُمَيِّزَ بينَ ما أَسماهُ "الأعمال الخَلاصيَّة للرُّوح القُدُس" وَ "الأعمال العاديَّة للرُّوح القُدُس". فَمِنَ الواضحِ أنَّ الأعمالَ الخَلاصيَّةَ للرُّوحِ القُدُس تُنشِئُ خَلاصًا. أمَّا "الأعمالُ العاديَّةُ للرُّوحِ القُدُسِ [حَسَبَ قَولِهِ] فإنَّها قد تَجعلُ النَّاسَ يَفيقونَ، أو تَسترعي انتباهَهُم، أو تُبَكِّتهُم، وحتَّى إنَّها قد تَقودُهُم إلى ما يَبدو أوَّلَ وَهلة أنَّهُ تَوبة وإيمان، ولكنَّ هذه التَّأثيراتِ لا تَرقَى إلى مُستوى التَّجديدِ الدَّاخليِّ المُخَلِّص".

لِذا فإنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ مِن هذهِ الأطروحةِ الَّتي هي واحدة مِن أعظمِ المُؤلَّفاتِ الأمريكيَّةِ، عَدا عَن كَونِها واحدةً مِن أهمِّ المؤلَّفاتِ اللاهوتيَّةِ، الفِكرة الرَّئيسيَّة مِن هذه الأطروحة الكلاسيكيَّة هي أنَّ القَداسةَ والسَّعيَ إلى القَداسةِ هُما أمرانِ لا بُدَّ مِن وُجودِهما في الخلاصِ الحقيقيِّ. "النِّعمةُ [أيِ النِّعمةُ المُخَلِّصَةُ] الَّتي تُزرعُ في القلبِ عندَ الولادةِ الجديدةِ هي [حَسَبَ قَولِهِ] مَبدأُ العملِ أوِ الإجراءِ المُقدَّس". ورُبَّما سَمِعتُم شُبَّانًا في خِدمةِ المَعموديَّةِ في هذا المساءِ يُخبرونَكُم أنَّهُ في اللَّحظةِ الَّتي قَبِلوا فيها يسوعَ المسيحَ شَعروا برغبةٍ في إطاعةِ الله. فَهُم يَشعرونَ بأشواقٍ مُقدَّسة. فبالرَّغمِ مِن بَساطةِ إيمانِهم وَحداثَتِه، شَعروا برغبةٍ في فِعل الصَّواب، وشَعروا بالرَّغبةِ في أن يَعرفوا اللهَ، وأن يَتبعوا اللهَ، وأن يَجِدُّوا في طَلبِ القداسة. "النِّعمةُ المَزروعةُ في القلب [كما يقولُ إدواردز] تُنشئُ أعمالاً مُقدَّسة".

والحقيقة هي أنَّهُ قال: "كما أنَّ المبدأَ الَّذي يَدُلُّ على الحياةِ هو الحَركة، فإنَّ المبدأَ الَّذي يَدُلُّ على النِّعمةِ المُخَلِّصةِ هو الأعمالُ المُقدَّسة". وقد قالَ إنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ يُنشِئُ دائمًا تَغييرًا مَلموسًا في طبيعةِ المؤمنِ الحقيقيِّ. لِذا، عندما لا يَكونُ الإقرارُ بالاهتداءِ مَصحوبًا بقداسةِ الحياة، ينبغي أن نُدركَ أنَّ الشَّخصَ المَعنيَّ ليسَ مُؤمِنًا. ومِن النَّاحيةِ التَّاريخيَّةِ، كانَ إدواردز يَعلمُ أنَّهُ يُوجَدُ بَديلان. البَديلُ الأوَّلُ هو التَّالي: الطَّبيعةُ الدَّائمةُ للتَّجديدِ في الواقِعِ والاختبار. هذا هو البَديلُ الأوَّلُ لاهوتيًّا. فيُمكنكَ أن تُؤمنَ بالطَّبيعةِ الدَّائمةِ للتَّجديد في كُلٍّ مِنَ الواقِعِ والاختبار. بعبارة أخرى، إن كنتَ مُخَلَّصًا حَقًّا فإنَّكَ مُخَلَّصٌ إلى الأبد، وسوفَ تَختبرُ أشواقًا للقداسةِ إلى الأبد إلى أن تَصيرَ قِدِّيسًا.

أمَّا البَديلُ الثَّاني فهو التَّالي: الطَّبيعةُ المؤقَّتةُ للتَّجديدِ في الواقعِ والاختبار. فالرَّأيُ الآخرُ يَقول: "لا! الخلاصُ مُؤقَّتٌ. وقد تَفقِدَهُ. فهو مُؤقَّتٌ في واقِعِهِ. لِذا فإنَّهُ مُؤقَّتٌ أيضًا في اختبارِهِ. وإن سَقطتَ مِنهُ، لن تَختبرَ تلكَ الأشواق". وقد حَصَرَ اللاَّهوتُ نَفسَهُ حَرفيًّا بهاتينِ النَّظرَتَيْن. فهناكَ الأشخاصُ التَّقليديُّونَ، أوِ المُصلِحونَ، أوِ الكَالفينيُّونَ الَّذينَ قالوا: "الطَّبيعةُ الدَّائمةُ للتَّجديدِ في الواقعِ والاختبارِ هي ما يُعلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس". وهناكَ الوِسليُّونَ الأرمينيُّونَ وَ "جون وِيسلي" (John Wesley) نَفسهُ الَّذي صارَ نَصيرًا لهذا الرَّأيِ ضِدَّ إدواردز إذ إنَّهُ قالَ: "لا! بل إنَّها الطَّبيعةُ المؤقَّتةُ للتَّجديدِ في كُلٍّ مِنَ الواقعِ والاختبار". وأنا أُشيرُ إلى هَاتينِ النَّظرتينِ لأنَّهما الخِيارانِ الوحيدانِ المُتاحان.

أمَّا اليوم فهناكَ بَديلٌ جديد هو البَديلُ الثَّالث. والبَديلُ الثَّالثُ يُنادي بالطَّبيعةِ الدَّائمةِ للتَّجديدِ في الواقِع، وبالطَّبيعةِ المؤقَّتةِ للتَّجديدِ في الاختبار. ومِن أينَ جاءَ ذلك؟ مَن يَدري! ولكنَّهُ ليسَ مِنَ الكتابِ المقدَّس. فهناكَ أشخاصٌ يقولونَ اليومَ إنَّهُ في حينِ أنَّ خلاصَكَ أبديٌّ في الواقع، فإنَّهُ قد يكونُ مُؤقَّتًا اختباريًّا. هل تَفهمونَ ما أَرمي إليه؟ فهذا لاهوتٌ جديد. وهو لاهوتٌ لم يُبالي إدواردز في التَّصدِّي لَهُ بأيِّ شكلٍ مِنَ الأشكال معَ أنِّي أعتقدُ أنَّ جُذورَهُ كانت مَوجودةً حتَّى في زَمانِه. ولا أعتقد أنَّ إدواردز كانَ سَيَدعَمُ ذلك الرَّأي، وأَعلمُ أنَّ وِيسلي لم يَكُن سَيُدافعُ عن ذلك الرَّأي.

فإدواردز لم يَكُن ليُوافِقَ يَومًا على أنَّ السَّعيَ إلى القداسة قد يكونُ مُؤقَّتًا بالرَّغمِ مِن أنَّ خلاصَكَ دائمٌ. ولم يَكُن وِيسلي لِيُوافِقَ يَومًا على أنَّ خَلاصَكَ دائمٌ. لِذا فإنَّنا أمامَ فِكرٍ جديدٍ اليوم. فنحنُ أمامَ عقيدةٍ جديدةٍ تقولُ إنَّكَ قد تَخلُصَ إلى الأبد، ولكنَّ أشواقَكَ إلى القداسةِ قد تكونُ مُؤقَّتة. وقد تَصيرُ غيرَ مُؤمِنٍ، أو شخصًا لاأدريًّا، أو مُلحِدًا، أو فاسدًا تَعيشُ بأيَّةِ طَريقةٍ تَشاء. وقد قالَ جوناثان إدواردز (وهذه هي خُلاصةُ ما يَقولُهُ في "أطروحة في الأشواقِ الدِّينيَّة"): "المُخَلَّصونَ حَقًّا يَجِدُّونَ في طَلَبِ القَداسة". وَهُم ليسوا قِدِّيسينَ كما ينبغي أن يكونوا، ولكنَّهم يَجِدُّونَ في طَلَبِها. فَهُم أشخاصٌ مِنَ النَّوعِ المَذكورِ في رسالة رُومية والأصحاحِ السَّابعِ إذْ إنَّهم يَتوقونَ إلى فِعْلِ الصَّوابِ حَتَّى لو لم يكونوا يَفعلونَهُ. فَهُم لديهم أشواقٌ مُقدَّسة، وتَطلُّعاتٌ مُقدَّسة، ورغبات مُقدَّسة.

لِذا فقد قالَ إنَّ الدَّليلَ على حقيقةِ خلاصِ الإنسانِ هي ببساطة وبصورة شاملة [وأنا أَقتبسُ كلامَهُ]: "حُبُّهُ للقَداسةِ وَسَعْيُهُ إليها". وقد عَلَّمَ بأنَّ هذه هي السِّمة الدَّائمة للمؤمن. لِذا فإنَّها أفضلُ طريقةٍ للتَّلامُسِ معَ واقعِ الحالةِ الروحيَّةِ وَمَصدرِ اليَقين. فقد قال: "معَ أنَّ اختبارَ المؤمنِ الشَّابِّ قد يَكونُ شَبيهًا بالفَوضى العارِمَة، فإنَّهُ ما يَزالُ يَجِدُّ في طَلَبِ القداسة. والأشواقُ الرُّوحيَّةُ الحقيقيَّة تَختلفُ عن المشاعِر الزَّائفة في أنَّ الأشواقَ الحقيقيَّةَ تَكونُ دائمًا وَثيقةَ الصِّلة بالقداسة؛ أي أنَّها تَتوقُ إلى فِعلِ الصَّوابِ وإلى فِعْلِ كُلِّ ما يُمَجِّد الله". واسمَحوا لي أن أَقتبسَ ما قالَهُ إدواردز في أُطروحتِه "أشواقٌ دينيَّة":

"البشرُ الطَّبيعيُّونَ لا يَعرفُ شَيئًا عن صَلاحِ الأشياءِ المُقدَّسة وروعتِها، ولا حَتَّى قَداسَتِها. أمَّا فيما يَختصُّ بالقدِّيسينَ فإنَّ القداسةَ هي أروعُ وأحلى شيءٍ موجود في السَّماءِ أو على الأرض. فعندما يَشعُرُ النَّاسُ بمشاعرَ زائفة ويَظُنُّونَ أنَّهُم بِمنأى عن خَطرِ جَهنَّم فإنَّهم يَتخلَّصونَ مِن حِمْلِ الصَّليب، ويَنْأونَ بأنفسِهم عن مَشقَّةِ الواجباتِ الصَّعبة، ويَسمحونَ لأنفسهم بالانغماسِ أكثر في راحتِهم وشَهواتِهم. وهناكَ فئةٌ مِن هؤلاءِ يُعلِنونَ في الوقتِ نَفسِهِ عن مَحبَّتِهم لله، ويَقينِهم مِن إحسانِه، وفَرَحِهم بأنَّهم يَذوقونَ حَلاوةَ مَحبَّتِه.

"ومعَ أنَّ الأفراحَ والأشواقَ الدِّينيَّةَ الأخرى هي مشاعر زائفة وباطلة [كما يقول] فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كانوا في لَحظةٍ ما واثقينَ مِن أنَّهم اهتدوا لا يَعودون يَتوقونَ ويَتشوَّقونَ إلى النُّورِ والنِّعمة، بل يَعيشونَ وَفقًا لأعمالِهم الأولى أو وَفقًا لخبراتٍ رائعةٍ سابقة. وهذه هي نهايةُ صُراخِهم وسَعيِهم إلى اللهِ والنِّعمة. ولكنَّ المبادئَ المُقدَّسةَ الَّتي تَحْفِزُ القِدِّيسَ الحقيقيَّ تَتركُ تأثيرًا قويًّا مؤثِّرًا يَحفِزُهُ على السَّعيِ بِجِدٍّ في طَلبِ اللهِ والقَداسة" [نهايةُ الاقتباس]. وقد تكونُ هذه الكلماتُ الَّتي قَرأتُها على مَسامِعِكم صَعبةً؛ ولكنَّ ما يَقولُهُ بصورةٍ رئيسيَّة هو أنَّ المسيحيَّ الزَّائفَ قد يَدَّعي الإيمانَ، ولكنَّهُ لا يَملِكُ أيَّة أشواقٍ مُقدَّسة. أمَّا المؤمنُ الحقيقيُّ فيُعلنُ إيمانَهُ ولديهِ أشواقٌ مُقدَّسة.

أنا لا أفعلُ دائمًا ما أريد، ولكنِّي أريدُ أن أفعلَ ما يُريدُهُ الله. وأنا لا أفعلُ دائمًا ما أرغبُ فيه، ولكنِّي أريدُ دائمًا أن أفعلَ ما يَرغبُ اللهُ فيه. وعندما تكونُ رَغبتي مُوافقةً لرغبتِه فإنَّ هذا لا يعني أنَّ جسدي سيتعاونُ دائمًا. ولكنَّ أشواقي المُقدَّسةَ هي دَليلٌ على التَّجديد. لِذا فقد كانَ جوناثان إدواردز يُصِرُّ على أنَّ عملَ المسيحِ في التَّبرير يكونُ مَصحوبًا دائمًا بعملِ الرُّوحِ القُدُسِ في التَّقديس. والفصلُ بينَ الاثنينِ هو تَعَدٍّ سَافِرٍ عن كُلٍّ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ ومقاصِدِ اللهِ في الفِداء. "النِّعمةُ المجَّانيَّةُ وأعمالُ القَداسةِ [كما يَقولُ] لا يُمكنُ أن تكونَ مُتنافِرَةً، بل إنَّها مُنسجمةٌ تمامًا. فكما أنَّ المُؤشِّرَ الرَّئيسيَّ لوجودِ حياةٍ هو الحركة، فإنَّ المُؤشِّرَ الرَّئيسيَّ لوجودِ النِّعمةِ المُخلِّصةِ هو الحركة المُقدَّسة؛ أيِ السَّعيُ إلى القَداسة".

وبالمناسبة، في نفسِ السَّنةِ الَّتي نُشِرَت فيها "أُطروحةٌ في الأشواقِ الدِّينيَّة" (أي في سنة 1746)، قامَ رَجُلُ يُدعى "فايليمون روبنز" (Philemon Robbins) بمُهاجمتها قائلاً إنَّ الدَّليلَ الحقيقيَّ الوحيدَ على الخلاصِ الحقيقيِّ هو الشُّعورُ الَّذي يَستنِدُ إلى الاختبار؛ وهو عادةً الاختبارُ في لحظةِ الاهتداء. وهذا يَقودُ إلى هذه الفكرةِ المَغلوطةِ بأنَّ حالةَ الإنسانِ الحقيقيَّة تُقاسُ بخبرتِهِ السَّابقة، لا بسَعيِهِ الحاضِرِ إلى الأشياءِ المُقدَّسة. لِذا فقد مَضَى جوناثان إدواردز في حَديثِهِ عنِ اليَقينِ فقال: "لِذا فإنَّ يَقينَكَ يَستنِدُ إلى حقيقةِ أنَّكَ تَرى في حياتِكَ سَعيًا إلى الأشياءِ المُقدَّسة". هذا هو أساسُ يَقينِك.

والآن، لقد أَكَّدنا مِن خلالِ دراستِنا للكتابِ المُقدَّسِ أنَّ الخلاصَ أبديٌّ. أليسَ كذلك؟ أي أنَّكَ إذا كنتَ تُؤمِنُ إيمانًا مُخَلِّصًا فإنَّكَ مُخَلَّصٌ إلى الأبد. والسُّؤالُ الوحيدُ المُتَبَقِّي إذًا هو: هل كانَ إيماني إيمانًا مُخَلِّصًا؟ هل كانَ إيماني إيمانًا حَقيقيًّا؟ كيفَ أَعلمُ ذلك؟ اسأل نَفسكَ إن كانَت توجدُ لديكَ أشواقٌ للأشياءِ المُقدَّسة. اسأل نَفسَكَ إن كُنتَ تَسعى إلى الأشياءِ الَّتي تُمَجِّدُ الله. اسأل نَفسكَ إن كُنتَ تَتوقُ إلى إطاعةِ كَلمتِه، وإن كُنتَ تُحبُّ شَريعَتَهُ وتُسَرُّ بها. اسأل نَفسكَ إن كنتَ تَحزنُ جدًّا بسببِ خطاياك لأنَّ لديكَ أشواقًا مُقدَّسة. أجل! كانَ جوناثان إدواردز سيُوافقُ على ذلكَ ويقول: "أجل! الإيمانُ بالمسيحِ يَكفي لإعطاءِ اليَقين". أجل! الإيمانُ بالمسيح يَكفي لإعطاءِ اليَقينِ إن كنتَ تَعلمُ أنَّ إيمانَكَ حَقيقيٌّ. وكيفَ تَعلمُ أنَّهُ حَقيقيٌّ؟ مِن خلالِ حُبِّكَ للأشياءِ المُقدَّسة. مِن خلالِ حُبِّكَ للأشياءِ المُقدَّسة.

والآن، هذا هو بالضَّبط ما قَصَدَهُ بُطرس. وقد كانَ جوناثان إدواردز يُوافِقُ تمامًا الرَّسولَ بُطرس. فما الَّذي يَقولُهُ بُطرس؟ انظروا إلى العددِ الخامسِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل. لِنَعثُر على الإجابة. "وَلِهذَا..." [كما يقول]؛ أي بعدَ أن نَاقشنا موضوعَ الخلاصِ في الأعدادِ الأربعةِ الأولى، فإنَّهُ يقولُ في العددِ الخامِس: "وَلِهَذا عَيْنِهِ، وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ، قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً". ماذا تَعني؟ يجب عليكم أن تَجِدُّوا في طَلبِ كُلِّ هذه الصِّفات. "لأَنَّ هذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ" سَيَحدُثُ شَيئان:

أوَّلاً: "تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". ثانيًا: لن تُصابوا بالعَمى أو قِصَرِ الْبَصَرِ بخصوصِ حَالتِكُم الروحيَّة. وكما تَرَونَ فإنَّ المَعنى المقصودَ هو أنَّهُ إن أَضفتَ هذه الأشياءَ إلى حياتِك (أي كُلَّ هذه الأشياء المُختصَّة بالأشواق المُقدَّسة) وكنتَ تَتوقُ إلى الفَضيلةِ الأخلاقيَّة، والمَعرفة، والتَّعَفُّف، والصَّبر، والتَّقوى، والمَودَّة الأخويَّة، والمحبَّة، فإنَّ شَيئَيْنِ سيَحدُثان: سوفَ تَصيرُ مُثمِرًا؛ ثانيًا، لن تَنْسَ أنَّكَ مُخَلَّص. لِذا فإنَّ اليَقينَ [كما يقولُ بُطرس] يَتوقَّفُ على الأشواقِ المُقدَّسةِ، أو على السَّعيِ إلى القَداسة. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلك بشيءٍ مِنَ التَّفصيل.

وقبلَ أن نَفعلَ ذلك، أريدُ أن نَعودَ إلى النَّصِّ الَّذي كُنَّا نَنظرُ إليه في رسالة يوحنَّا الأولى لأنَّ هذا هو كُلُّ ما قَصَدَهُ يوحنَّا أيضًا. لِذا، أريدُ أن نَرجِعَ إلى رسالة يوحنَّا الأولى. والآن، لقد أَكَّدنا للتَّوّ المبدأَ الأوَّل وهو أنَّ الخلاصَ أبديٌّ. وقد أكَّدنا للتَّوّ المبدأَ الثَّاني وهو أنَّهُ يجب عليكَ أن تَتمتَّعَ بيقينِ ذلكَ الخلاصِ الأبديّ. وما يَقولُهُ جوناثان إدواردز هو أنَّهُ إن أردتَ أن تَتمتَّعَ بخلاصِكَ وتكونَ واثقًا مِن أنَّكَ مُخَلَّص، افحَص حياتَكَ وانظر إن كانت توجدُ لديكَ أشواقٌ مُقدَّسة، أو إن كُنتَ تَجِدُّ في طَلبِ القَداسة. وبُطرس يقول إنَّكَ إن أَضفتَ هذه الأشياء، وسَعيتَ إلى الحُصولِ على كُلِّ هذه الأشياء، واجتهدتَ في كُلِّ هذه الأشياء، سوفَ تكونُ مُثمِرًا. وحينئذٍ، ستَنظُرُ إلى نفسكَ ولن تَنْسَ أنَّكَ مُخَلَّص؛ بل ستَعرف ذلك.

ويوحنَّا يَقولُ بصورةٍ رئيسيَّةٍ الشَّيءَ نَفسَهُ. فيوحنَّا في رسالتِهِ الأولى كُلِّها يُحَدِّدُ عوامِلَ هذا السَّعي. فبُطرسُ يقولُ إنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ إيمانًا، ومَعرفةً، وتَعَفُّفًا، وصَبرًا، وصلاحًا، ومَودَّةً أخويَّةً، ومحبَّةً. وهل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ إنَّ يوحنَّا يقولُ بصورةٍ رئيسيَّةٍ الشَّيءَ نَفسَهُ؛ ولكنَّ يوحنَّا يَقولُ ذلكَ بتفصيلٍ أكبر بكثير. فيوحنَّا يَقولُ إنَّ هذهِ العناصرَ نَفسَها الَّتي تُعَرِّفُ الأشواقَ المُقدَّسةَ أوِ السَّعيِ إلى القداسةِ هي سِماتُ الشَّخصِ الَّذي اختبرَ التَّجديد. والآن، لقد ذَكرنا أوَّلَ خمسة عناصر. فقد طَرَحنا مجموعةً مِنَ الأسئلةِ الَّتي تُساعدنا على فَهْمِ ما يَقولُهُ يوحنَّا. السُّؤالُ الأوَّل... اسمَحوا لي أن أَذكُرَ هذه الأسئلةَ لكم بسُرعة؛ أيِ الأسئلةَ الخمسةَ الأولى الَّتي ذَكرناها.

كيفَ تَعلمُ إن كنتَ تَجِدُّ في طَلبِ القَداسة؟ كيفَ تَعلمُ إن كانت لديكَ أشواقٌ مُقدَّسة؟ كيفَ تَعلمُ إن كنتَ تَتوقُ إلى اللهِ، وتَرغبُ في عَملِ مَشيئتِه، والسُّلوكِ في طَريقِه، وفي فِعْلِ ما هو صَواب؟ كيفَ تَعلمُ إن كنتَ تَنتمي إلى الله؟ كيفَ تَعلمُ إن كنتَ مُخلَّصًا حَقًّا؟ السُّؤالُ الأوَّل: هل لكَ شركة معَ المسيحِ والآب؟ وهذا سؤالٌ جوهريٌّ جدًّا. هل تَذَكَّرونَ أنَهُ في الأصحاحِ الأوَّل يَتحدَّثُ عن أنَّ شَركتَنا هي معَ الآب (في العدد 3)، ومعَ ابنِهِ يسوعَ المسيح؟ ثُمَّ إنَّه يَتحدَّثُ عن ذلك في الأصحاحِ الخامسِ والعددِ الأوَّل: "وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا". وقد تَحدَّثنا قليلاً عن حقيقةِ أنَّ أوَّلَ شَوقٍ مُقدَّسٍ لدى الشَّخصِ الَّذي وُلِدَ ثانيةً حَقًّا هو الشَّوقُ إلى الشَّركة معَ اللهِ والمسيح.

هل لديكَ رَغبةٌ في الشَّركة معه؛ أي في أن تُصلِّي، وتَعرفَهُ، وتكونَ مَعَهُ، وتكونَ في حَضرتِه؟ هذا هو اختبارُ الحياةِ الفَيَّاضةِ الغنيَّةِ بالفَرح، والسَّلام، والمحبَّة، والقَصد. فإن كُنتَ تَجِدُّ في طَلبِ هذه الأشياء، فإنَّهُ شَوقٌ مُقدَّس. وإن كُنتَ تَتمتَّعُ بتلك الشَّركة، وكُنتَ تَختبرُ إلهَ كُلِّ تَعزية، واللهَ الَّذي يَملأُ كُلَّ احتياجاتِكَ، واللهَ الَّذي لَهُ شركة معنا ويُعطينا القوَّةَ لكي نَحيا حياتَنا المسيحيَّة؛ وإن كنتَ تَطلُبُ إلهَ كُلِّ حِكمةٍ الَّذي لا يَبْخَلُ علينا بأيِّ شَيءٍ، بل يُعطي بسخاءٍ كُلَّ مَن يَطلُب؛ وإن كنتَ تَسعى إلى صَرفِ وقتٍ معَ اللهِ وإلى الشَّركةِ معِ اللهِ الَّذي تَتَرَنَّمُ في حَضرتِهِ بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِي رُوحِيَّة، مُرَنِّمًا ومُرَتِّلاً في قَلبكَ؛ وإن كنتَ تأتي إلى اللهِ وتَصرُخُ إليهِ قائلاً: "أبي" لأنَّهُ الإلهُ الَّذي تَلتجئُ إليهِ طَلبًا للرَّحمةِ والنِّعمةِ في وقتِ الحاجة؛ وإن كنتَ تَتوقُ إلى الشَّركة معَ المسيحِ الَّذي هو تَعزيتُنا، وقوَّتُنا، ورجاؤنا، والَّذي تُضيءُ مَحبَّتُهُ فينا ومِن خلالِنا، والَّذي يَغمرُنا بسلامِهِ وفَرَحِه، فإنَّ هذه مُؤشِّراتٌ واضحةٌ على أنَّكَ تَتوقُ إلى الشَّركة.

السُّؤالُ الثَّاني: هل أنتَ مُرهَفُ الحِسِّ للخطيَّة؟ فإن كانت لديكَ أشواقٌ مُقدَّسة وتَتوقُ إلى القداسة، سوفَ تكونُ مُرهَفَ الحِسِّ للخطيَّة. ففي الأصحاحِ الأوَّل والعددِ الخامس، يَبتدئُ يوحنَّا بالتحدُّثِ عن ذلك. فهو يَتحدَّثُ عن حقيقةِ أنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ يَسلُكُ في النُّورِ ويَعترِف بخطيَّتِه، وعن أنَّ المؤمنَ يَنالُ الغُفرانَ عن خَطاياه. وعندما يُخطئ فإنَّهُ يُدركُ [كما جاءَ في الأصحاح الثَّاني] أنَّهُ يوجد شَفيعٌ، يسوعُ المسيحُ البارّ الَّذي هو كَفَّارة... كَفَّارة... أي أنَّهُ يَسْتُرُ الخَطيَّة. هل أنتَ مُرهفُ الحِسِّ للخطيَّة. فقد طَرحنا هذا السُّؤال. ويوحنَّا طَرَحَهُ. أَم أنَّكَ تُنكِرُ ذلك؟ فهل تقولُ إنَّكَ لم تَفعل خطيَّة؟ فإن أنكرتَ ذلكَ فإنَّكَ تَجعلُ اللهَ كاذبًا. لا! فواحدٌ مِنَ البراهينِ على وُجودِ أشواقٍ مُقدَّسةٍ لديَّ هو أنَّني أَكرهُ الخطيَّةَ في حياتي وأُبغِضُها.

السُّؤالُ الثَّالثُ الَّذي يُشيرُ إلى وجودِ أشواقٍ مُقدَّسة هو: هل أنتَ مُطيعٌ لكلمة الله؟ وقد رأينا ذلكَ في الأصحاحِ الثَّاني والعددِ الثَّالث: "بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ". فالأشواقُ المُقدَّسةُ هي طاعة. أنا أَتوقُ أن أفعلَ مَشيئتكَ، وأريدُ أن أعملَ ما تَطلُبُهُ مِنِّي كَلِمَتُكَ، وأريدُ أن أفعلَ الصَّواب، وأريدُ أن أُرضيكَ". هذه هي الأشواقُ المُقدَّسة. وهذا دليلٌ على الطَّبيعة الجديدة. أمَّا الطَّبيعةُ الَّتي لم تَختبر الفِداء فإنَّها ليست كذلك. فهي لا تَرغبُ البتَّة في أن تُطيعَ اللهَ، وليست مُرهفةَ الحِسِّ البتَّة تُجاهَ الخطيَّة، ولا تَرغبُ في التَّواصُلِ والشَّركةِ معَ اللهِ والمسيح. فهذه أشواقٌ مُقدَّسةٌ تُشيرُ إلى قلبٍ اختبرَ التَّجديد.

السُّؤالُ الرَّابع: هل تَرفُضُ العالَم؟ ففي الأصحاحِ الثَّاني والعدد 15، ذَكَّرنا أنفسنَا بأنَّهُ لا يَجوزُ لنا أن نُحِبَّ العالَم. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 17 ما هو أكثر مِن ذلك: "وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَد". فنحنُ أبديُّونَ. أمَّا العالَمُ فسيَزول. ونحنُ لا نُحبُّ العالَم. والحقيقةُ هي أنَّنا إن كُنَّا نُحبُّ العالمَ [بحسبِ العدد 15] فإنَّ مَحبَّةَ الآبِ ماذا؟ ليست فينا. فهناكَ شَوقٌ مُقدَّسٌ آخر يَتمثَّلُ في رَفضِ العالَمِ والتَّوقِ إلى المَلكوت.

ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ الخامسَ الَّذي طَرَحناهُ في أثناءِ تأمُّلِنا في ما ذَكَرَهُ يوحنَّا عن هذه الأشياء هو: هل تُحبُّ المسيحَ وتَنتظرُ بِلَهفةٍ مَجيئَهُ؟ هل تَتوقُ إلى مَجيئِه؟ فهذا شَوقٌ مُقدَّسٌ آخر. ففي الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الثَّاني، يَتحدَّثُ يوحنَّا عن حقيقةِ أنَّنا سنكونُ مِثلَهُ، وأنَّنا سنَراه. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العددِ الثَّالث: "وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ". وهذا شَوقٌ مُقدَّسٌ آخر: التَّوقُ إلى السَّماء، والتَّوقُ إلى أن تكونَ في المَجد، والتَّوقُ إلى مَجيءِ المسيح. فهذا هو رَجاؤُنا، وهذا هو فَرَحُنا. فنحنُ نَنتظرُ مَجيئَهُ. نحنُ نَنتظرُ ذلكَ بشَوق. وهذا هو الرَّجاءُ المُبارَك.

والآن، هل لَديكَ هذه الأشواق المُقدَّسة؟ هل تَتوقُ إلى الشَّركة معَ اللهِ والمسيح؟ هل تَمتلِكُ حِسًّا مُرهَفًا تُجاهَ خطاياكَ حتَّى إنَّ خطاياكَ تُضايِقُكَ؟ هل تَتوقُ إلى إطاعةِ اللهِ وكلمتِه؟ هل تَجِدُ أنَّكَ تَرفُضُ العالمَ وتَتوقُ إلى المَلكوت؟ وهل تَتوقُ إلى مَجيءِ ذاكَ الَّذي تُحبُّهُ؟ هذه أشواقٌ مُقدَّسة. ويوحنَّا يقولُ في رسالتِه إنَّ هذه هي العلاماتُ الَّتي تَدُلُّ على المؤمنينَ الحقيقيِّين. والآن، لنُتابِع بقيَّةَ الأسئلة:

السُّؤال السَّادس: هل تَرى تَراجُعًا مُستمرًّا للخطيَّة في حياتِك؟ هل تَرى تَراجُعًا مُستمرًّا للخطيَّة في حياتِك؟ فإحدى الطَّرائقِ الَّتي تَظهَرُ مِن خلالِها الأشواقُ المُقدَّسة هي تَراجُع الخطيَّة. ففي الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الخامِس – لِنَنظُر إلى هذه الآية. فهذا مَقطعٌ قويٌّ جدًّا. والحقيقةُ هي أنَّنا قد لا نَنتقلُ إلى نُقطةٍ أخرى؛ ولكن لا بأسَ في ذلك. فالاستمرارُ في عملِ الخطيَّة يُشيرُ إلى شخصٍ لم يَختبر التَّجديد. فبالرَّغمِ مِمَّا يَدَّعيهِ بَعضٌ، إن كانَ هناكَ نَمَطٌ مُستمرٌّ للخطيَّة في حياتِهم، ولم يَتغيَّر شيء بعدَ زَعْمِهم بأنَّهم آمنوا، فإنَّ زَعْمَهُم هو مُجرَّدُ ادِّعاءٍ وليسَ حَقيقة. فعندما تَصيرُ مُؤمنًا حقيقيًّا وتَتغيَّر فإنَّ نَمطَ الخطيَّة يُكسَرُ ويَحِلُّ مَحَلّهُ نَمَطٌ جديد يَتَّسِمُ بالطَّاعة، والبِرّ، والصَّلاح، والقَداسة. فالأشواقُ المُقدَّسة تَغلِب. وحينئذٍ يَصيرُ النَّمطُ السَّائدُ في حياةِ المؤمنِ هو السَّعي إلى القداسة.

والآن قد تقول: "هل هذا يعني أنَّنا لا نَعودُ نُخطئ؟" لا، بل إنَّ الخطيَّةَ ستَبقى موجودة لأنَّ الجسدَ غيرَ المَفديَّ ما يَزالُ موجودًا؛ ولكن كُلَّما زَادَ سَعيُنا إلى القداسة، وزادَت أشواقُنا المُقدَّسة تلك للأشياءِ الصَّحيحة، ستَتراجَعُ وَتيرةُ الخطيَّة. ويوحنَّا يُوضِّح ذلك تمامًا في الأعداد مِن 5 إلى 10. وكلامُهُ واضحٌ جدًّا حتَّى إنَّهُ لا جِدالَ فيه. ويوحنَّا يُرينا [وهذه هي النُّقطةُ الرَّئيسيَّة] أنَّ الخطيَّة كَنَمَطِ حياةٍ لا تَنسجمُ معَ الخلاص. فهي لا تَنسجمُ معَ الخلاص. وهي لا تَنسجمُ بصورةٍ خاصَّةٍ مع عملِ المسيحِ في الخلاص. فإن قُلنا إنَّ شخصًا ما قد نالَ الخلاصَ بعملِ يسوعَ المسيح، وإنَّهُ صارَ مُخلَّصًا ومُفديًّا ومُستعدًّا للسَّماء، وإنَّهُ صارَ خَليقةً جديدةً ولكنَّ وَتيرةَ الخطيَّة استمرَّت في حياتِهِ دونَ انقطاع، فإنَّ هذا يَقولُ شَيئًا بخصوصِ الخلاص. فهو يقولُ عنِ الخلاصِ إنَّهُ غيرُ فَعَّال. ولكنَّ هذا غير صحيح. لِذا فإنَّ يوحنَّا يُطلِعُنا على عملِ المسيحِ ويُرينا مَدى فاعليَّتِه.

فهو يَتحدَّثُ [أوَّلاً] عن مَوتِهِ في العددِ الخامِس. انظروا إليه: "وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ [أي أنَّ المَسيحَ أُظهِرَ] لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا". وقد قالَ في العددِ الرَّابع إنَّ هناكَ أشخاصًا يَفعلونَ الخطيَّةَ ويَفعلونَ التَّعدِّي. وهو يقولُ الآنَ إنَّ المَسيحَ أُظهِرَ لكي يَرفعَ خطايانا. لِذا، إن قُلنا إنَّ عَمَلَ المسيحَ يَسري في حياةِ هؤلاءِ الأشخاص ولكنَّهم يَستمرُّونَ في نفسِ نَمَطِ الخطيَّة فإنَّنا نُنكرُ القصدَ المُحَدَّدَ الَّذي جاءَ لأجلِه وهو أن يَرفعَ خطايانا. فالاستمرارُ في عملِ الخطيَّة لا يَتَّفِقُ معَ عملِ المسيح. فقد رَفَعَ خَطايانا عَنَّا ("آيرو" – "airo"). فقد رَفَعَ خَطايانا. فالقصدُ مِن تَجَسُّدِهِ هو أن يَرفعَ خطايانا لكي لا يَمضي أتباعُهُ في فِعلِ الخطيَّةِ باستمرار.

أمَّا إن فَعلنا ذلكَ فإنَّ مَوتَهُ [بالرَّغمِ مِن أنَّهُ سيكونُ لهُ تأثيرٌ في الأبديَّة] لن يكونَ فاعِلاً في الحاضِر. ولكنَّهُ جاءَ لكي يَرفعَ خَطايا شَعبِه. فكيفَ تقولُ إذًا إنَّ هناكَ أشخاصًا مُخَلَّصينَ ولكنَّ خطاياهُم لم تُرفَع؟ فالحقيقةُ هي أنَّهم ما زالوا على حالِهم! هذا لا يَجوز. فقد جاءَ لكي يُعطي أولادَهُ نَمَطًا جديدًا للحياةِ يَتَّسِمُ بتراجُعِ الخطيَّة. فهذا هو المَعنى الحقيقيُّ لموتِه. وليسَ هذا وحسب، بل إذا نَظرتُم إلى عملِ المسيحِ في اتِّحادِنا بهِ في العددين 6 و7، ستَرَونَ عُنصرًا آخرَ في العددِ السَّادس: "كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ". هل تَعني [يا يُوحنَّا] أنَّنا لن نُخطئَ البتَّة؟ مِنَ الواضحِ أنَّهُ لا يعني ذلك، بل يَتحدَّثُ عنِ الخطيَّةِ كَنَمَطِ حياة. "كُلُّ مَنْ يُخْطِئُ [أي كانتِ الخطيَّةُ نَمَطًا مُستمرًّا في حياتِهِ] لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَهُ. أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ: مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ".

والآن، إنَّ العِبارةَ الرئيسيَّةَ هُنا في العددِ السَّادس هي: "يَثْبُت فيه". فموتُهُ لم يَكُن يَرمي فقط إلى رَفْعِ خَطايانا، بل إنَّ اتِّحادَنَا الثَّابتَ فيهِ قد كَسَرَ نَمَطَ الخطيَّةِ المُستمرّ. لِذا، مِن خلالِ كُلٍّ مِن مَوتِهِ [اسمعوا ما سأقول] مِن خلالِ مَوتِهِ على الصَّليب، وحياتِهِ المُستمرَّةِ في المؤمن، فإنَّهُ يَرفعُ الخطيَّة. وهذا لا يعني أنَّنا لن نَفعلَ خطيَّةً واحدةً يَومًا. فقد قالَ في الأصحاحِ الثَّاني: "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ". ولكنَّنا لن نكونَ خُطاةً مُعتادينَ على الخطيَّةِ في الفِكرِ والقولِ والفِعل كما كُنَّا قبلَ أن نَخلُص.

فالبِرُّ سيكونُ الصِّفةَ السَّائدة فينا لأنَّنا في البَارّ. لِذا، كيفَ تأتي إذا بتلكَ الفكرةِ القائلةِ إنَّ الخلاصَ أبديٌّ في الواقع، ولكنَّهُ مُؤقَّتٌ في الاختبار؟ أي أنَّكَ مُخلَّصٌ إلى الأبد، ولكنَّكَ قد تَرجِعُ فجأةً إلى النَّمطِ الَّذي كُنتَ تَعيشُ فيهِ قبلَ أن تَنالَ الفِداء، وأنَّكَ قد تَعيشُ حياةً خاطئةً تمامًا! مَهلاً. فقد ماتَ لكي يَرفعَ خطايانا. وهو يَعيشُ في وَحدةٍ معنا لكي نَتغلَّبَ على ذلك النَّمَط، ولكي يُعطينا نَمَطًا جديدًا في السُّلوكِ في البِرّ.

والنُّقطةُ الثَّالثةُ في نِقاشِهِ تَختصُّ بالشَّيطان في العددِ الثَّامن: "مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيس". والآن، افهموا هذه الفكرة؛ فهي فكرة بسيطة جدًّا: الشَّيطانُ خاطئٌ، ولا شيءَ سِوى ذلك. وكُلُّ مَن يَنتسِب إلى إبليسَ هو خاطئ ولا شيءَ سِوى ذلك. وقد ماتَ المسيحُ لكي يَنقُضَ أعمالَ إبليس. وأعمالُ إبليس هي ماذا؟ الخطيَّة. لِذا فقد عَمِلَ مِن خلالِ مَوتِهِ على إنقاذِ الأشخاصِ الَّذينَ كانوا مُستعبَدينَ لإبليس؛ وعليهِ فقد كانوا مُستعبَدينَ للخطيَّة. والمَعنى المقصودُ هو التَّالي: الخطيَّةُ المُستمرَّة تُشيرُ إلى الاتِّحادِ بإبليس. ولكنَّهُ جاءَ لكي يُنقذَ النَّاسَ مِن ذلك: لكي يَنقُضَ قُوَّةَ إبليس.

لِذا كيفَ تقولُ إنَّ فُلانًا شخصٌ مُخَلَّصٌ مع أنَّهُ يَعيشُ في نَمَطٍ مُستمرٍّ تحتَ سُلطانِ إبليس؟ فكأنَّكَ تقولُ إنَّ العملَ الَّذي يَعملُهُ المسيحُ غيرَ فَعَّالٍ البتَّة. أليسَ كذلك؟ وهذا يُناقِضُ قَصدَهُ. فقد جاءَ لكي يَنقُضَ أعمالَ إبليسَ (الَّتي هي أعمالُ خاطئة) ويَستأصِلَها مِن حياةِ شَعبِه. فالخلاصُ قد تَمَّ لِنَقضِ أعمالِ إبليسَ الشِّرِّيرة فينا. وإن لم يَفعلِ الخلاصُ ذلك فإنَّهُ لم يَفعل ما كانَ ينبغي لهُ أن يَفعل. وهذا يعني أنَّ عَمَلَهُ غيرُ فَعَّالٍ البتَّة وغيرُ نافعٌ. لِذا، أَقفِلوا الكنيسةَ وانْسَوا الأمرَ بِرُمَّتِه. وكما تَرَونَ، إن كانَت غايةُ عملِ المسيحِ على الصَّليب هي رَفعُ الخطيَّة، وإن كانَ قَصدُ المسيحِ هو أن يَجْعَلَنا نَتَّحِدُ بهِ في بِرِّه، وإن كانَ قَصدُ المسيحِ هو أن يَنقُضَ أعمالَ إبليس، لا يُمكِنُ أن تكونَ الخطيَّةُ النَّمَطَ السَّائدَ في حياةِ المؤمنِ؛ وإلاَّ سيكونُ المسيحُ قد جاءَ عَبَثًا.

ثُمَّ إنَّهُ في العددِ التَّاسِعِ يُضيفُ حُجَّةً أخرى. فالخطيَّةُ لا تَنسجمُ معَ الرُّوحِ القُدُس. فنحنُ نَقرأُ في العدد 9: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ [كُلُّ واحدٍ مِنهم] لاَ يَفْعَلُ [بصورةٍ مُستمرَّةٍ ومُعتادةٍ] خَطِيَّةً". لماذا؟ "لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ. بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ: كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ، وَكَذَا مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ". فهو يقولُ في العددِ التَّاسع: "انظروا إلى الولادةِ الجديدة. فهناكَ زَرْعٌ قد زُرِع". ونحنُ نَعلمُ أنَّ مَن فَعَلَ ذلكَ هو الرُّوحُ القُدُس. فنحنُ مَولودونَ مِنَ الرُّوح. والرُّوحُ يأتي ويَزرعُ ذلك الزَّرعَ؛ أيِ الطَّبيعةَ الجديدة، أو مبدأَ الحياةِ الجديدة، أوِ الزَّرعَ الجديد، أو زَرعَ اللهِ، أو بِذرَتَهُ.

وعملُ الرُّوحِ القُدُسِ ذاكَ يَعني أنَ حياةً جديدةً قد ابتدأت. فولادتُنا الخارقةُ للطَّبيعةِ مِن زَرعِ اللهِ تُعطينا حياةَ الله. والرُّوحُ القُدُسُ يُجَدِّدُنا مِن خلالِ ذلك الزَرع الجديد. وذلكَ الزَّرعُ الجديدُ يُعطي نَوعًا جديدًا مِنَ الحياة. فكما أنَّ الزَّرعَ في الأرضِ يُعطي حياةً مُعيَّنةً، فإنَّ الزَّرعَ الجديدَ يُعطي حياةً بارَّةً، ويَكسِرُ نَمطَ الخطيَّة المُستمرّ. فعندما نُولَدُ مِن روحِ اللهِ، لا يُمكننا أن نَستمرَّ في الخطيَّة. لِذا، انظروا إلى ذلكَ مِن زاويةِ موتِ المسيح. وانظروا إلى ذلكَ مِن زاويةِ حياةِ المسيحِ فينا. وانظروا إلى ذلكَ مِن زاويةِ سَحْقِ الشَّيطان. وانظروا إلى ذلكَ مِن زاويةِ رُوحِ اللهِ وعملِ التَّجديدِ الَّذي يَعملُهُ. فكيفَما نَظرتُم إلى ذلك فإنَّ نَمطَ الخطيَّة المُستمرّ ماذا؟ قدِ انكسَر. قدِ انكسَر.

إذًا، ما الَّذي يَقولُهُ يوحنَّا؟ إنَّ يوحنَّا يقولُ ببساطة: هل تَرَى تَراجُعًا في نَمطِ الخطيَّة في حياتِك؟ إن كنتَ تَرى ذلك فإنَّهُ دَليلٌ على وُجودِ أشواقٍ مُقدَّسة. والعددُ العاشرُ يُلَخِّصُ كُلَّ ذلكَ وَحَسب. فهناكَ فَرقٌ ظاهِرٌ بينَ أولادِ اللهِ وأولادِ إبليس. فهذا ظاهِرٌ. وهو يَستخدمُ الكلمة "ظاهِرونَ". فإن كُنتَ تَفعلُ البِرَّ فإنَّكَ وَلَدٌ مِن أولادِ الله. وإن لم تَكُن تَفعلُ ذلك فإنَّكَ لستَ كذلك. فالأمرُ واضحٌ وبسيط. لِذا، يُمكنُنا أن نَتَّفِقَ معَ جوناثان إدواردز على أنَّ التَّجديدَ أبديٌّ في الواقعِ، وأبديٌّ في الاختبار. لماذا؟ لأنَّ الواقعَ هو واقعُ التَّغييرِ الكاملِ إذْ إنَّهُ عندما نُولدُ مِنَ اللهِ لا يُمكنُنا أن نَستمرَّ في الخطيَّة. فإن رأيتَ نُصرةً على الخطيَّة في حياتِكَ، وإن رأيتَ دَوافِعَ بارَّةً، ورغباتٍ بَارَّة، وكلماتٍ بارَّة، وأفعالاً بارَّةً، وأنَّكَ لستَ كُلَّ ما ينبغي أن تكونَ عليه، ولكنَّكَ بِكُلِّ تأكيد ليسَ كما كُنتَ في السَّابقِ، اعلَم أنَّ لكَ حياةً أبديَّةً وَتَمَتَّع بها.

هل تَعلمونَ أنَّ المُجتمعَ المسيحيَّ يَزخُرُ بأشخاصٍ لديهم يَقينٌ ضَئيلٌ جدًّا أو ليسَ لديهم أيُّ يَقينٍ في خلاصِهم؟ وأنا أُتَّهَمُ دائمًا (في الكُتُبِ والعِظاتِ وأماكنَ كثيرة) بأنِّي أَسلِبُ النَّاسَ يَقينَهُم، وبأنِّي أجعلُ المسيحيِّينَ يَشعرونَ بعدمِ الضَّمان. ولكنِّي لا أريدُ أن أجعلَ المسيحيِّينَ يَشعرونَ بعدمِ الضَّمان، بل أريدُ أن أجعلَ غيرَ المؤمنينَ يَشعرونَ بعدمِ اليقين لِخَيرِهم. فأنا لا أريدُ أن تَشعروا بعدمِ الضَّمان، بل أريدُ أن تشعروا بالضَّمان. فإن كنتَ مُؤمنًا حقيقيًّا، أريدُ أن تَشعرَ بمشاعرَ تَفيضُ باليقين. وأنا لا أقولُ إنَّهُ يجب عليكَ أن تعيشَ حياةً كاملةً لكي تكونَ مُتيقِّنًا مِن أنَّكَ مُخَلَّص، ولا أقولُ إنَّكَ إن سَقطتَ يومًا في الخطيَّة فإنَّكَ قد لا تكونُ مُخَلَّصًا.

بل إنَّ ما أقولُهُ هو: إن كانت لديكَ أشواقٌ وتَطلُّعاتٌ مُقدَّسة، كما ذَكرتُ في مَرَّاتٍ أخرى، وإن كنتَ تُحبُّ اللهَ، وتُبغضُ الخطيَّة، وتَتوقُ إلى الطَّاعة، فإنَّ هذا دَليلٌ على أنَّكَ حَصلتَ على حياةٍ جديدة. وقد كانَ جوناثان إدواردز مُحقًّا. فقد كانَ مُثَقَّلاً جدًّا لأنَّهُ ظَهَرت بسببِ الصَّحوةِ الكُبرى كنيسة كبيرة. ومع ظُهورِ تلك الكنيسة الكبيرة، أدركَ أنَّهُ توجدُ كُلُّ أشكالِ المشاعِر، وبأنَّ النَّاسَ يَنجرفونَ وراءَ أوهامٍ ورُؤى، وأنَّهم يَدَّعونَ أنَّهُم اختبروا أمورًا غريبةً وعجيبة، وأنَّ هناكَ أشخاصًا قَبلوا المسيحَ واعترفوا به في لحظةٍ عاطفيَّةٍ وَحَسْب. وقد كانَت هناكَ حاجة إلى التَّمييزِ بينَ ما هو صَحيح وما هو خطأ؛ لا فقط لأجلِ الأشخاصِ غير المُخَلَّصينَ حَقًّا حتَّى يَزولَ يَقينُهم الزَّائف، بل أيضًا لأجلِ مَجدِ اللهِ لأنَّهُ كانَ هناكَ أشخاصٌ يقولونَ إنَّ الصَّحوةَ الكُبرى بِأسرِها كانت مَهزلة. وقد أرادَ أن يَحفظَ نَزاهةَ عملِ اللهِ في تلك السِّنين المَجيدة. لِذا فقد قال: "يجب علينا أن نُمَيِّزَ بينَ ما هو صَحيح وما هو خطأ". ومِن ذلك القلب والعقل العظيمين، وتلك المعرفة بالكتاب المُقدَّس جاءتِ الحقيقةُ البسيطةُ بأنَّهُ حيثُ وُجِدَت أشواق مُقدَّسة، وُجِدَ الدَّليلُ على الحياةِ الجديدة.

وهذا هو بالضَّبط ما يَقولُهُ بُطرس. وهذا هو ما دَفَعُهُ إلى القول بأنَّهُ يجب عليكم أن تَجِدُّوا في طَلبِ تلك الأشياء إن أردتُم أن تَتمتَّعوا باليقين. وهذا هو بالضَّبط ما يَقولُهُ يوحنَّا. فيجب عليكم أن تَرَوْا البُرهانَ على السِّعيِ إلى هذه الأشياء إن أردتُم أن تَعرفوا أنَّكم تَنتمونَ إلى المسيح. والحقيقة هي أنَّ هذا هو السَّبب الرئيسيّ الَّذي دَفَعَ يوحنَّا إلى كِتابةِ هذه الرِّسالة. وهذا هو ما كانَ يَدورُ في ذِهنِهِ طَوالَ الوقت. فهو يقولُ في الأصحاحِ الخامسِ والعدد 13: "كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ، لِكَيْ [ماذا؟] تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ [ماذا؟] حَيَاةً أَبَدِيَّةً". فالربُّ لا يُريدُ منكَ أن تَشُكَّ في يَقينِ خلاصِك. فالربُّ لا يُريدُ ذلك. وأوَّلُ شيءٍ يَنبغي أن تَفهمَهُ هو أنَّ خلاصَكَ أبديٌّ. والشَّيءُ الثَّاني هو أنَّكَ تَملِكُ إيمانًا يَضمَنُ ذلكَ الخلاصَ الأبديَّ، وأنَّهُ يُمكنكَ أن تَتمتَّعَ بتلك الثِّقة.

وقد كَتبَ يوحنَّا هذه الأشياء لا لكي يَسلِبَنا اليقين، بل لكي يُعطينا اليقين. وقد كَتبَ بُطرسُ هذهِ الأشياءَ لا لكي يَسلِبَنا اليقين، بل لكي يُعطينا اليقينَ إن كانَ خَلاصُنا حقيقيًّا. أمَّا إن لم يكن حقيقيًّا، ستكونُ هذه الأدواتُ أدواتٍ فَعَّالةً تُرينا حقيقةَ يَقينِنا الزَّائف. دَعونا نَحني رؤوسَنا معا حتَّى نُصَلِّي: "يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ عندما أرسلتَ ابنَكَ، أرسلتَهُ لكي تكونَ لنا حياة، وليكونَ لنا أفضل. وجُزءٌ مِن تلك الحياة الفَيَّاضة هو اليَقين لأنَّه كيفَ يُمكننا أن نَتمتَّعَ بحياتِنا المسيحيَّةِ إن لم يَكُن بمقدورنا أن نَتيقَّنَ مِن أنَّنا سنذهبُ إلى السَّماء؟ لِذا فقد أعطيتنا الكثيرَ مِنَ الآياتِ عنِ اليقين. يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّهُ يُمكننا أن نَتيقَّنَ مِن لحظةِ إيمانِنا المُخَلِّصِ أنَّ خَلاصَنا حَقيقيٌّ لأنَّهُ ستكونُ لدينا أشواقٌ مُقدَّسة ورَغْباتٌ مُقدَّسة. فالأمرُ لا يَقتصر فقط على الشُّعورِ بأنِّي نَجَوتُ مِن جَهنَّم، ولا فقط على أنَني صِرتُ الآنَ في صَفِّ اللهِ وأنَّهُ لن يُعاقبني، ولا فقط على فكرةِ أنَّ مَشاكِلي قد حُلَّت، ولا فقط على فكرةِ أنَّني أَنتمي الآنَ إلى هذه المجموعةِ مِنَ الأشخاصِ الطَّيِّبين.

لا! فالخلاصُ الحقيقيُّ يُستَدَلُّ عليهِ مِن خلالِ هذهِ الأشواقِ المُقدَّسة. ونحنُ نُؤمِنُ بأنَّها موجودة فينا منذُ اللَّحظةِ الأولى، يا أبانا. وهي تَنمو، وتَمتدُّ، وتَصيرُ أكثر غِنَى. ونحنُ نَشكرُكَ على تلك الثِّقة. فأنتَ لا تُريدُ أن تَحرِمَنا مِن يَقينِنا، بل أن تَزيدَهُ لكي تكونَ لنا حياة، ويكونَ لنا أفضل. نَشكُرُكَ لأنَّ عملَ المسيحِ في التَّبريرِ يُرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بعملِ الرُّوحِ في التَّقديس، ولأنَّهُ كما أنَّنا تُقْنَا في البداية إلى المسيحِ عندما لَمَسَ قُلوبَنا، فإنَّنا نَتوقُ الآنَ إليهِ فيما يَستمرُّ في لَمْسِ قُلوبِنا. يا أبانا، ساعِدنا على التَّمتُّعِ باليقينِ الَّذي لنا في المسيح. أمَّا فيما يَختصُّ بالأشخاصِ الَّذينَ ليسَ لديهم يَقين لأنَّهم لم يَنالوا الخلاصَ الحقيقيَّ، خَلِّصهُم يا رَبُّ في هذا المساء لأجلِ مَجدِكَ أنت. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize