إذْ نَأتي إلى الوقتِ الَّذي نُهَيِّئُ فيهِ قُلوبَنا لِمائدةِ الرَّبِّ، نَتذكَّرُ دائمًا حَقيقةَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُوصينا بأن نَفحَصَ أنفسَنا. وذلكَ الفَحصُ يَنبغي أن يَبتدِئَ مِن نُقطةٍ أساسيَّةٍ جدًّا وَهِيَ إنْ كُنَّا نَعرِفُ أو لا نَعرِفُ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيح. فَفِي نِهايةِ رِسالةِ بولسَ إلى أهلِ كُورِنثوسَ (الَّتي تُعرَفُ بِرسالة كورِنثوس الثَّانية) يَقول: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟"
فَلا شَكَّ في أنَّ فَحْصَ الذَّاتِ عندما تَأتي إلى مَائدةِ الرَّبِّ يَبتدِئُ بِفَحصِ حَالَتِكَ الرُّوحيَّةِ أَمامَ الله. فَهَل تَعرِفُ حَقًّا يَسوعَ المَسيحَ؟ وَهَلِ اتَّكَلتَ عَليهِ وآمَنْتَ بِهِ حَقًّا؟ هَذِهِ هي نُقطةُ البِداية.
وَلا يَجوزُ لَنا أن نَتَوَهَّمَ أنَّ مُجَرَّدَ مَجيءِ شَخصٍ إلى الكنيسةِ، حَتَّى إنْ كَانَ يَحضُرُ إلى هُنا كَثيرًا أو حَتَّى بانتظامٍ، يَعني أنَّهُ مُؤمِنٌ؛ بل يَنبغي لنا أن نَفترِضَ أنَّهُ في رَعِيَّةٍ كَهذهِ هُناكَ العَديدُ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لم يُسَلِّموا حَياتَهُم لِيَسوعَ المَسيح. وبالنِّسبةِ إلى هَؤلاءِ سيَكونُ الاشتراكُ في هَذهِ المَائدةِ دَينونَةً لَهُم أنْ فَعَلُوا ذلك. فبولسُ يَقولُ إنَّهُ إن لم تَفحَص نَفسكَ فإنَّكَ قد تَجلِبُ دَينونةً على نَفسِكَ إنِ اشتَرَكْتَ فِيها.
فَإنْ أردتَ أنْ تَتَذَكَّرَ مَوتَ المَسيحِ مِن خِلالِ تَناوُلِ الخُبزِ والكَأسِ، يجبُ عَليكَ أن تَعرِفَ المَسيحَ، وأنْ تَكونَ قَد جِئتَ إليهِ مِن خِلالِ قَبولِ الخَلاصِ، وأن تَكونَ قدِ اعتَرَفتَ بكُلِّ خَطاياكَ المَعلومَة وَطَلَبتَ مِنهُ أن يُطَهِّرَ قَلبَكَ ويُنَقِّيهِ حَتَّى لا يَكونَ هُناكَ أيُّ عَائِقٍ بَينَكَ وبينَ المَسيح. ولكِنَّ هَذا كُلَّهُ يَبتدِئُ مِن نُقطةِ الخَلاص. وأنا أَعلَمُ مِن خِلالِ سَنواتِ خِدمَتي الطَّويلةِ أنَّ أُناسًا كَثيرينَ قَد يَأتونَ إلى الكَنيسةِ (وَحَتَّى إلى هَذِهِ الكَنيسةِ) دُونَ أن يَكونوا قد أَتَوْا إلى المَسيحِ، وأنَّ ذلكَ قد يَستَمِرُّ طَوالَ أسابيع أو أشهُر أو أحيانًا سِنين.
لِذا فقد فَكَّرتُ في هذا الصَّباح أنَّني سَأفعلُ مَا حَضَّنِي رُوحُ اللهِ بِكُلِّ تأكيدٍ على فِعْلِهِ في هذا الأسبوعِ في أثناءِ دِراسَتي لإنجيلِ يُوحَنَّا دِراسَةً مُفَصَّلَةً وَهُوَ أنْ أتحدَّثَ عن مَوضوعِ الإيمانِ الحَقيقيِّ بالرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ المُؤدِّي للخَلاص.
لِذا، أريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على الأصحاحِ الثَّامنِ مِن إنجيل يُوحنَّا... على الأصحاحِ الثَّامنِ مِن إنجيل يُوحنَّا. فقد سَمِعنا جَميعًا العِبارَةَ: "لا يَنبغي أن يَلومَ أَحدًا إلاَّ نَفسَهُ". وهذهِ عِبارَةٌ كِتابيَّة. فَهِيَ عِبارةٌ يَستخدِمُها رُوحُ اللهِ مَرَّاتٍ عَديدةً في الكتابِ المقدَّسِ عندَما يَتحدَّثُ عنِ الخَاطِئ. فإنْ هَلَكْتَ في خَطاياكَ فإنَّ اللَّومَ كُلَّهُ يَقَعُ عَليكَ وَحدَك. ولا يُوجَدُ نَصٌّ يُبَيِّنُ أو يُوَضِّحُ ذلكَ أكثرَ مِنَ الأصحاحِ الثَّامنِ مِن إنجيلِ يُوحنَّا. إنجيل يُوحنَّا والأصحاحِ الثَّامن. وأريدُ أن أبتَدِئَ بالقِراءةِ مِنَ العَدد 21:
"قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا» فَقَالَ الْيَهُودُ: «أَلَعَلَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ حَتَّى يَقُولُ: حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟». فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ».
"فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِهِ. إِنَّ لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَتَكَلَّمُ وَأَحْكُمُ بِهَا مِنْ نَحْوِكُمْ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقّ. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أَقُولُهُ لِلْعَالَمِ».
"وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ الآبِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي. وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهذَا آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ".
في الأصحاحاتِ الثَّمانيةِ حَتَّى هذهِ النُّقطةِ مِن إنجيلِ يُوحنَّا، كانَ يُوحنَّا يَتحدَّثُ عن إعلانِ يَسوعَ عَن ذَاتِهِ حيثُ إنَّهُ أَعطَى بَني إسرائيلَ بَراهينَ كَافِيَة تُثبِتُ أنَّهُ المَسِيَّا وابنَ اللهِ. والحقيقةُ هي أنَّ البَراهينَ كَانَت أكثر مِن كَافِيَة لكي يُؤمِنوا بِهِ إيمانًا مُخَلِّصًا. وحيثُ يُوجَدُ استِعدادٌ للإيمانِ تُوجَدُ بَراهينُ كَثيرة. وفي فِكْرِ يَسوع، فإنَّ أيَّ شَخصٍ رَأى مَا فَعَلَهُ، وَسَمِعَ مَا قَالَهُ، واخْتَبَرَهُ وَشَاهَدَ كُلَّ تِلكَ الأشياءِ الَّتي كَانَت تَحدُثُ مِن حَولِهِ دُونَ أن يُؤمِن بِهِ يَتَحَمَّلُ ذَنْبَ عَدَمِ الإيمانِ بِهِ لأنَّ الإعلانَ كَانَ كَافِيًا لِجَعلِ عَدمِ الإيمانِ بِلاَ عُذْر.
ففي الجَليلِ على سَبيلِ المِثالِ، أيْ في المَوضِعِ الَّذي ابتدأتْ فيهِ خِدمةُ يَسوعَ (والجَليلُ مِنطقةٌ في الجُزءِ الشِّمالِيِّ مِن أرضِ إسرائيل)، رَاحَ يَسوعُ يَصنَعُ مُعجِزاتٍ، وَلا سِيَّما مُعجِزاتِ شِفاءٍ أَظهَرَ مِن خِلالِها أنَّهُ اللهُ لأنَّهُ كانَ يُهَيمِنُ تَمامًا على العَالَمِ الطَّبيعيِّ. ولا يُمكِنُ لأحدٍ سِوى اللهِ أن يُهَيمِنَ على هَذا العَالَم. وَقَد رَاحَ يَطرُدُ الشَّياطينَ ويُبَرهِنُ على أنَّهُ يُهَيمِنُ على العَالَمِ الخَارِقِ للطَّبيعةِ. وَهذا يُثبِتُ مَرَّةً أخرى أنَّهُ اللهُ لأنَّهُ لا يُمكِنُ لأحدٍ سِوى اللهِ أن يُهيمِنَ على ذلكَ العَالَم.
وقد كانَ تَعليمُهُ مُدهِشًا جدًّا، ومُذهِلاً جدًّا، وعَميقًا جدًّا، وذَا سُلطانٍ حَتَّى إنَّهُم لم يَسمَعوا قَطّ شَخصًا يَتحدَّثُ كَما كانَ يَتحدَّث، ولم يُوَضِّح لَهُم أَحَدٌ مِن قَبل الحَقَّ الإلهيَّ كَما وَضَّحَهُ هُوَ لَهُم. لِذا، كَانَ مِنَ الواضحِ جدًّا أنَّهُ يَملِكُ سُلطانًا خَارِقًا للطَّبيعةِ، وقُدرةً خَارِقَةً للطَّبيعة، وَأنَّهُ كانَ يَقولُ أمورًا عَميقةً لم يَسمَعوا مَثيلاً لَها مِن قَبل. والحقيقةُ هي أنَّهُم انجَذَبوا إليهِ بسببِ شِفائِهِ للأمراض. فقد أرادُوا حَياةً خَاليةً مِنَ المَرَض. أَلاَ يَتَمَنَّى الجَميعُ ذلك؟ فقد أُعجِبُوا بذلك. وقد كانَ يَتَّصِفُ بالصِّفاتِ الخَاصَّةِ للمُلوك. وقد كانَ بِمَقدورِهِ أن يَكونَ مَلِكًا إنِ كانَ بِمَقدورِهِ أن يَشفي أمراضَهُم ويُخَلِّصَهُم مِنَ الألَم. فالجَميعُ يَرغَبُ في ذلك.
كذلكَ، كانَ مِنَ الواضِحِ أيضًا في مُناسَباتٍ عَديدةٍ أَطعَمَ فيها حَشْدًا كَبيرًا جدًّا مِنَ النَّاسِ، وَخَلَقَ حَرفِيًّا طَعامًا لَهُم، أنَّهُ يَستطيعُ أيضًا أن يُوَفِّرَ الطَّعامَ للجَميع. وقد كانَ السَّعيُ وَراءَ لُقْمَةِ العَيشِ مُشكلةً عَويصةً في الحَياةِ قبلَ أنْ نَدخُلَ حِقبَةَ الطَّعامِ السَّريعِ الَّتي نَعيشُ فيها الآن. لِذا فقد كَانَ شَافِيًا، وكانَ قَادِرًا على الانتصارِ على قُوَى الظُّلمةِ، وكانَ قادِرًا على خَلْقِ الطَّعامِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ. فقد كانَ يَتَّصِفُ بِصِفاتِ المَلِك. وكانَ بمقدورِهِ أن يُوَفِّرَ حَياةً كَريمةً لم يَحْلُموا بِها يَومًا حيثُ إنَّها سَتكونُ حَياةً خَاليةً مِنَ الأمراضِ، وخَاليةً مِنَ الحَاجَةِ إلى الكَدِّ مِن أجلِ تَوفيرِ لُقمةِ العَيشِ أو شِراءِ الخُبز. فقد كانَ شَخصًا يَستطيعُ بسهولةٍ أن يَكونَ مَلِكًا. فَطالَما أنَّهُ يَعمَلُ في النِّطاقِ الاجتمِاعيِّ، والنِّطاقِ الجَسديِّ، وطَالَما أنَّهُ يَغلِبُ الشَّيطانَ الَّذي يُضْعِفُ النَّاسَ، فإنَّهُم يُظهِرونَ اهتِمامًا بِهِ.
وَلكِنَّهُ لم يَتوقَّف عندَ ذلك. فقد كَانوا يُفَكِّرونَ في شَيءٍ آخر. فقد كَانُوا يَأمُلونَ في أنَّهُ سيَعملُ في نِطاقٍ آخر وَهُوَ النِّطاقُ السِّياسِيُّ أوِ العَسكَرِيُّ، وأنَّهُ سَيُطيحُ بِرُومَا، وأنَّهُ سَيُجَرِّدُ رُومَا مِن هَيمَنَتِها على إسرائيل، وأنَّهُ سَيُحَرِّرُ أرضَ فِلَسطين ويَجعلُ إسرائيلَ مُستقلَّةً بِذاتِها. وقد كَانُوا يَأمُلونَ في أنَّهُ سَيُشَكِّلُ قُوَّةً عَسكريَّةً ضِدَّ رُوما، وأنَّهُ سَيَقودُ ثَورةً أو أنَّهُ سَيَعملُ شَيئًا خَارِقًا للطَّبيعةِ للإطاحَةِ بِرُومَا. ولكِنَّهُ لم يَفعل ذلك.
فالشَّيءُ الوحيدُ الَّذي فَعَلَهُ فَضْلاً عَن شِفاءِ المَرضَى، وَطَردِ الشَّياطينِ، وَالتَّعليمِ العَميقِ... الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي فَعَلَهُ فَضلاً عَن ذلكَ وَكانَ أَهَمَّ مَطلَبٍ لَديهِ هُوَ أنَّهُ طَالَبَ بالتَّطهيرِ الرُّوحيِّ، وأنَّهُ تَحَدَّثَ عَنِ التَّوبةِ، وأنَّهُ تَحَدَّثَ عَنِ الاعترافِ بالخَطيَّةِ، والرُّجوعِ عَنِ الخَطيَّةِ، وأنَّهُ تَحَدَّثَ عَنِ البَرَكاتِ الرُّوحيَّة. وحينَ قَالَ ذلكَ فَقَدَ النَّاسُ اهتِمامَهُم. فَحَالَما وَاجَهَهُم بِخَطاياهُم، غَادَروا المَكان. فعندما أرادَ أن يَتحدَّثَ عَنِ التَّوبةِ، أَدَرُوا ظُهورَهُم وَغادَروا. فَهُوَ لم يَعُد في نَظَرِهم يَصْلُحُ مَلِكًا في تلكَ اللَّحظة.
لِذا فقد تَرَكَ الجَليلَ وَجَاءَ إلى الجُزءِ الجَنوبِيِّ مِن أرضِ إسرائيلَ الَّتي تُعرَفُ باسمِ اليَهودِيَّة والَّتي تُوجَدُ فيها مَدينةُ أورُشليم المُهِمَّة. وهُناكَ ابتدأَ يَسوعُ خِدمَتَهُ. وكانَ رَدُّ فِعلِ النَّاسِ مُشابِهًا لِرَدِّ فِعلِ النَّاسِ في الجَليل. فقد تَجاوَبوا بِطريقةٍ مُشابِهَةٍ جدًّا. فعندما أَظهَرَ سُلطانَهُ على العَالَمِ الطَّبيعِيِّ، وعِندَما أَظهَرَ سُلطانَهُ على العَالَمِ الخَارِق للطَّبيعةِ، أُعْجِبَ النَّاسُ بِهِ وَتَبِعوهُ في جُموعٍ غَفيرةٍ عندما كَانَ يَشفيهم ويُطعِمُهم. وقد أرادَ بَعضٌ مِنهُم أن يَجعَلوهُ مَلِكًا.
ولكِنْ مَرَّةً أخرى، كانَ لا بُدَّ أن يُغَرْبِلَ الجُموع. وكانَ لا بُدَّ أنْ يَصِلَ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَنظُرونَ إليهِ نَظرةٍ سَليمةً، وإلى الأشخاصِ الَّذينَ يُبالونَ حَقًّا بالمَجيءِ إلى اللهِ مِن أجلِ الخَلاصِ الرُّوحِيِّ والبَرَكَةِ الرُّوحيَّةِ، والَّذينَ كَانُوا بِحُكْمِ الضَّرورةِ مُستعدِّينَ للتَّوبةِ عن خَطاياهُم. لِذا فقدِ ابتدأَ في غَرْبَلَةِ الحُشودِ مِن خِلالِ تَقديمِ الحَقِّ الرُّوحيِّ، ومِن خِلالِ مُطالَبَةِ النَّاسِ بالإقرارِ بِخطاياهُم، ومِن خِلالِ إدانَةِ الرِّياءِ، ومِن خِلالِ إدانَةِ الدِّيانَةِ البَاطِلَةِ والقادَةِ الدِّينيِّينَ الزَّائِفين. وحينئذٍ ابتدأَتِ الحُشودُ تَتَراجَع. وقد تَحَوَّلَ اهتِمامُهُم إلى عَدَمِ مُبالاةٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ عَدَمُ مُبالاتِهم إلى غَضَبٍ، وأخيرًا تَحَوَّلُ غَضَبُهم إلى عَداوَةٍ إلى حَدِّ أنَّهُم صَلَبوهُ في نِهايَةِ المَطاف. لِذا فإنَّ مَا قَالَهُ يُوحَنَّا قد تَحَقَّقَ: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ".
ولكِنَّنا نَرى شَيئًا واحدًا يَتَّضِحُ المَرَّةَ تِلو المَرَّةِ في إنجيلِ يُوحَنَّا وَهُوَ التَّالي: لقد كَانوا مَسؤولينَ عَمَّا فَعلوهُ لأنَّهُم رَأَوْا مَا يَكفي، وسَمِعُوا مَا يَكفي لِيُؤمِنوا بالحَقّ. وقد آمَنَ بَعضٌ مِنهُم. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّابعِ والعَدد 40: "فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لَمَّا سَمِعُوا هذَا الْكَلاَمَ قَالُوا: «هذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ». بِعِبارةٍ أخرى: النَّبِيُّ الَّذي تَنَبَّأَ مُوسَى أنَّهُ سيَكونُ المَسِيَّا. ونَقرأُ في العَدد 41: "آخَرُونَ قَالُوا: «هذَا هُوَ الْمَسِيحُ!» [أوِ المَسِيَّا]. "وَآخَرُونَ قَالُوا: «أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْجَلِيلِ يَأتِي؟»".
لِذا فقدِ انقسَمَ النَّاسُ بِكُلِّ تأكيدٍ؛ ولكِنَّ بَعضًا مِنهُم أَقَرَّ بأنَّهُ النَّبِيُّ المَوعودُ والمَسِيَّا المَوعود. ولكِنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ رَفَضُوه. والحَقيقةُ هي أنَّهُ يَجدُرُ بِنا أن نَتذكَّرَ أنَّهُ عندما ذَهَبَ يَسوعُ أخيرًا إلى الجَليلِ بعدَ قِيامَتِهِ، وظَهَرَ للتَّلاميذِ في الجَليل، كانَ هُناكَ خَمسمئةُ شَخصٍ مِنهُم يَجتمعونَ هُناكَ. وَهذا عَدَدٌ صَغيرٌ جدًّا في ضَوْءِ عَدَدِ السُّكانِ الكَبيرِ في مِنطَقةِ الجَليل.
وعندما كانَ تَلاميذُ يَسوعَ مُجتَمِعينَ في العِلِّيَّةِ في أورُشَليمَ ويُمَثِّلونَ الأشخاصَ الَّذينَ آمَنوا في الجُزءِ الجَنوبِيِّ مِنَ البَلَدِ، كانَ هُناكَ مِئةٌ وعشِرونَ شَخصًا فقط يَجتمعونَ هُناكَ عندما جَاءَ الرُّوحُ في يَومِ الخَمسين. فقد جَاءَ مَا بين 700 إلى 800 شَخصٍ في هَاتينِ المُناسَبَتَيْنِ العَظيمَتَيْنِ وَحُسِبوا في عِدادِ الأشخاصِ الَّذينَ آمَنُوا بيسوعَ المسيح. وَلكِنَّهُ عَدَدٌ صَغيرٌ في ضَوْءِ كُلِّ أُمَّةِ إسرائيل.
ولكِنَّهُم جَميعًا سَمِعُوا تَعليمَهُ. وقد رَأَوْا جَميعًا مُعجِزاتِهِ. فَقَد شَفَى كُلَّ مَرَضٍ في كُلِّ أرضِ فِلَسطين. وقد وَصَلَ خَبَرُ مُعجِزاتِهِ إلى جَميعِ أنحاءِ تلكَ الأرضِ بِما في ذلكَ قِيامَةُ الأمواتِ؛ وتَحديدًا إِقامَةُ لِعازَرَ مِنَ المَوتِ لأنَّها كانت أَبرَزُ مُعجِزَةٍ إقامَةِ أَمواتٍ صَنَعَها لأنَّ لِعازَرَ لم يَكُن قد مَاتَ وَحَسْب، بل إنَّهُ بَقِيَ في القَبْرِ بِضعةَ أيَّام.
وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ الجُموعَ في أرضِ فِلَسطينَ رَفَضَتِ المَسيح. ورِسالَةُ يوحنَّا في كُلِّ إنجيلِهِ هي أنَّهُ لا يَجوزُ لَهُم أن يَلومُوا أيَّ شَخصٍ سِوى أنفسِهم. فإنْ سَمِعتَ الحَقَّ، وإنْ عَرَفتَ عَنْ يَسوعَ المَسيحِ دُونَ أن تُؤمِنَ بِهِ فإنَّكَ تَتَحَمَّلُ العَواقِبَ الكَامِلَةَ لِعَدمِ إيمانِكَ ذاك.
وفي العَددِ 21 مِن هذا المَقطعِ، يَقولُ يَسوعُ جُملةً مُدهشةً. فقد قالَ لَهُم: "أَنَا أَمْضِي". وَهُوَ يَتَحدَّثُ هُنا عَن مَوْتِهِ الوَشيكِ وصُعودِهِ في النِّهايةِ إلى أبيه. "أَنَا أَمْضِي، وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا". وَهُنا يُوَضِّحُ يَسوعُ واحِدةً مِنَ النِّقاطِ الرَّئيسيَّةِ في إنجيلِ يوحنَّا وَهِيَ كَما يَلي: فالنَّاسُ الَّذينَ يَرفُضونَ يسوعَ المَسيحَ يَموتونَ في خَطاياهُم. وَهذا يَعني أنَّهُم يَموتونَ بِخَطِيَّةٍ لم تُغفَر. وَهُم يَموتونَ بَعدَ حَياةٍ صَرَفوها في خَطايَا لم يُكَفَّرْ عَنها، ولم تُدفَع أُجرَتُها، وفي حَياةٍ مِنَ الآثامِ المُتراكِمَة. لِذا فإنَّ الأبديَّةَ الَّتي تَنتَظِرُهم هِيَ عِقابٌ لا نِهايَةَ لَهُ. فيسوعُ يَقولُ لهؤلاءِ اليَهودِ إنَّهُم لن يَتمكَّنوا مِنَ الذَّهابِ إلى المَكانِ الَّذي سيَذهبُ إليه. وإلى أينَ سَيَذهَب هُوَ؟ سوفَ يَذهبُ إلى السَّماءِ ليكونَ مَعَ أبيه. ولكِنَّهُم لن يَذهبوا إلى هُناك.
ارجِعوا إلى الأصحاحِ السَّابعِ قَليلاً وانظُروا إلى العَدد 33 حيثُ نَجِدُ حَديثًا مُشابِهًا دَارَ بينَ يَسوعَ والفَرِّيسيِّينَ وَرُؤساءِ الكَهَنَة. فَيَسوعُ يَقولُ في العَدد 33: "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا يَسِيرًا بَعْدُ، ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي". وقد كَانَ يَتحدَّثُ هُنا عَن مَوتِهِ، وقِيامَتِهِ، وصُعودِهِ، وعَودَتِهِ إلى السَّماء. "سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا". فقد أَعلنَ لَهُم أنَّهُ سيَذهبُ إلى مَكانٍ لا يُمكِنُهم البَتَّة أن يَرَوْهُ فيه.
لِذا فقد قالَ اليَهودُ فِيما بَينَهُم... وَهَذا رَدٌّ سَاخِرٌ يَهْدِفُ إلى السُّخريةِ مِنهُ. فقد قَالوا: "إِلَى أَيْنَ هذَا مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لاَ نَجِدَهُ نَحْنُ؟ أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ الْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ الْيُونَانِيِّينَ [أوِ الأُمَم؟]" فقد كَانُوا يُبغِضونَ الأُمَمَ. لِذا فقد قَالُوا بِسُخريةٍ: "إلى أينَ يَنْوي أن يَذهبَ؟ هَل سيَترُكُ البَلَدَ ويَذهبُ لِيَخدِمَ بينَ شَتاتِ الأُمَم؟ هَل هَذا هُوَ ما سَيَفعلُهُ؟ وَهَل سيُحاوِلُ أن يَكرِزَ لليَهودِ في الشَّتاتِ مِمَّنْ تَشَتَّتُوا بينَ الأُمَم؟ "مَا هذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَ: سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟"
لِذا فقد قَالَ لَهُم ذلكَ ولكِنَّهُم سَخِروا مِنهُ وَحَسْب وَهَزِئُوا بِهِ. وَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أخرى في الأصحاحِ الثَّامِنِ شَيئًا مُشابِهًا جدًّا: "أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا". وَهَذِهِ هي الكَارِثَةُ الكُبرى، يا أحبَّائي: أن تَمُوتوا في خَطاياكُم، وأنْ تَمُوتوا دُونَ أن تُغفَرَ خَطاياكُم، وأن تَمُوتوا دُونَ أن يُكَفَّرَ عَن خَطاياكُم، ودُونَ أن تُدفَعَ أُجرةَ الخَطيَّة. وعندما تَمُوتونَ في خَطاياكُم، لن تَذهبوا إلى المَكانِ الَّذي يَسكُنُ فيهِ يَسوع.
وَمَا زَالَ هذا الأمرُ يَحدُثُ اليوم. فالإحصائِيَّةُ الأخيرةُ الَّتي قَرأتُها تَقولُ إنَّ نَحوَ مِئةِ شَخصٍ يَموتونَ كُلَّ دَقيقة. وَهذا يَعني أنَّ نَحوَ مِئَةِ شَخصٍ يَذهبونَ كُلَّ دَقيقةٍ إلى جَهَنَّم. فَهُم يَموتونَ في خَطاياهُم. وَهُم يَموتونَ دُونَ غُفران. وَهُم يَموتونَ وَهُمْ يَتَحَمَّلونَ كُلَّ اللَّومِ وكُلَّ المَسؤوليَّةِ عَن إثْمِهم. وَهُم يَموتونَ ويَختبِرونَ البُكاءَ الأبديَّ، والعَويلَ، وَصَريرَ الأسنانِ، والنَّارَ، والعَطَشَ، والانفصالَ عَنِ اللهِ، والنَّدَمَ الَّذي لا يَهدَأ، والتَّأنيبَ المُستمرَّ للضَّمير. وَها هُوَ يَسوعُ هُنا يُحَذِّرُ مِن ذلك.
وَقد كَتَبَ يُوحَنَّا هذا الإنجيلَ، وَهُوَ يَقولُ في الأصحاحِ العِشرينَ والعَدد 31: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا...، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". فقد كَتَبَهُ لكي تُؤمِنوا بأنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ، أوِ المَسِيَّا، أوِ ابنُ اللهِ، أوِ المُخَلِّص. وَلِكَي تَكونَ لَكُم إذا آمَنتُم حَياةً أبديَّة. وأمَّا بالنِّسبةِ إلى أولئكَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ فإنَّ يُوحَنَّا يُوَضِّحُ لَهُم المَرَّةَ تِلوَ الأخرى أنَّهُم سيَموتونَ في خَطاياهُم، وأنَّهُم لن يَذهَبوا البَتَّة إلى المَكانِ الَّذي يُوجَدُ فيهِ يَسوع.
فالعَواقِبُ المَحتومَةُ لعَدمِ الإيمانِ والرَّفضِ في أيِّ دَهْرٍ هي أن يَختفي النَّاسُ مِن حَضرةِ اللهِ إلى الأبد. وَهَذا ليسَ فَناءً، وليسَ رُقادَ نَفسٍ، وليسَ زَوالاً، بل هُوَ عَذابٌ أبدِيٌّ. فَيَسوعُ يَقولُ: إنْ رَفضتُموني سَتَموتونَ وتَتَحَمَّلونَ المَسؤوليَّةَ لأنَّ غَضَبَ اللهِ لن يَهدَأَ إلاَّ بِذَهابِكُم إلى العَذابِ الأبديِّ.
وحيثُ إنَّ أُناسًا كَثيرينَ يَختارونَ هذا الرَّفضَ، مِنَ المُهِمِّ أن نَنظُرَ إلى هذا النَّصِّ وَنَفهمَ مَا يَقولُهُ يُوحَنَّا هُنا. وَفيما نَفحصُ أنفسَنا اليومَ، لِنَبتدِئ مِن البِدايةِ ونَتيقَّنَ مِن أنَّنا في الإيمانِ، ومِن أنَّنا لَن نَموتَ ونَتَحَمَّلَ المسؤوليَّةَ الكَامِلةَ عن خَطايانا والعَذابَ الأبديَّ.
"تَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ" (العَدد 21). وكيفَ يَحدُثُ ذلك؟ اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم أربعَ طُرُقٍ تَضْمَنُ أنَّكَ ستَموتُ في خَطِيَّتِكَ. وسوفَ أَستَعيرُ تلكَ الطُّرُقَ الأربعَ مِن كَلِماتِ يَسوعَ هُنا. فَهُناكَ أربعُ طُرُقٍ تَضمَنُ أنَّكَ ستَموتُ في خَطِيَّتِكَ، أو أربعُ طُرُقٍ تَضمَنُ أنَّ مَوْتَ يَسوعَ المَسيحِ على الصَّليبِ لا يَسري عَليكَ.
الطَّريقةُ الأولى: أن تَكونَ بَارًّا في عَينيِّ نَفسِك. أن تَكونَ بَارًّا في عَينَيِّ نَفسِك. فَهذِهِ طَريقةٌ مَضمونَة. فالطَّريقةُ الأولى المَضمونَةُ للمَوتِ في خَطاياك هي أن تَكونَ مُقتَنِعًا بقُدرَتِكَ الذَّاتِيَّةِ على إرضاءِ الله؛ أيْ أن تُصَدِّقَ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَكونَ صَالِحًا بالقَدْرِ الكَافي، أو مُتَدَيِّنًا بالقَدرِ الكَافي، أو أنَّكَ تُصَلِّي بالقَدرِ الكَافي، أو أنَّكَ تَذهبُ إلى الكَنيسةِ بالقَدرِ الكَافي، أو أنَّكَ خَلوقٌ بالقَدرِ الكَافي، أو أنَّكَ تَعملُ أعمالاً صَالحةً يَفوقُ وَزْنُها وَزْنَ أعمالِكَ الطَّالِحَة؛ أيْ أن تَكونَ بَارًّا في عَينيِّ نَفسِك.
انظُروا إلى العَدد 22: "فَقَالَ الْيَهُودُ: «أَلَعَلَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ حَتَّى يَقُولُ: حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟»" مَا الَّذي قَصَدوهُ بذلك؟ وَما هَذا الجَوابُ؟ لقد حَرَّفُوا كَلماتِ يَسوعَ لِتَعني أنَّهُ سيَذهبُ بِكُلِّ تَأكيدٍ إلى جَهَنَّم، ولكِنَّنا سنَذهبُ بِكُلِّ تأكيدٍ إلى السَّماء. فَلا بُدَّ أنَّهُ سَيَذهبُ إلى جُزءٍ مِن جَهَنَّمَ مَحفوظٌ لأولئكَ الَّذينَ يَنتَحِرون.
لِماذا قَالوا ذلك؟ كانَ اليَهوديُّ القَويمُ يَحتَقِرُ الانتحارَ. وَهَذِهِ هِيَ الحَالُ دَائِمًا. فَبِحَسَبِ المُؤرِّخِ اليَهودِيِّ "يوسيفوس" (Josephus)، فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يَنتَحِرُ يَذهبُ إلى أكثرِ مَكانٍ مُظلِمٍ في جَهَنَّم لأنَّ أَشنَعٍ جَريمةٍ قد يَقتَرِفُها المَرءُ هِيَ الانتحار. وأَكثرُ جُزءٍ مُعتِمٍ أو مُظلِمٍ في جَهَنَّمَ مَحفوظٌ للشَّخصِ الَّذي يَقتُلُ نَفسَهُ. لِذا فقد كانوا يَقولونَ بِسُخريةٍ: "حسنًا! رُبَّما سَيَقتُلُ نَفسَهُ ويَذهبُ إلى أكثرِ مَكانٍ مُظلِمٍ في جَهَنَّمَ؛ أيْ إلى ذلكَ المَكانِ المَحفوظِ للأشخاصِ الَّذينَ يَنتَحِرونَ؛ وَهُوَ مَكانٌ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّنا لن نَذهبَ إليهِ يَومًا".
لِذا فقد سَخِروا مِنهُ. وقد وَقفوا هُناكَ ولم يَسمَعوا التَّحذيرَ بأنَّهُم سيَموتونَ في خَطِيَّتِهم، ولم يَلتَفِتُوا إلى كُلِّ ذلكَ الرُّعبِ الَّذي يَنطَوي عليهِ ذلك، بل إنَّهُم رَاحُوا يَسخَرونَ مِن يَسوعُ قَائِلينَ إنَّهُ سَيَنتَحِرُ ويَذهَبُ شَخصيًّا إلى مَكانٍ مُظلِمٍ في العَذابِ الأبديِّ. وقد صَدَّقوا أنَّهُم لن يَذهَبوا إلى أيِّ مَكانٍ آخرَ سِوى السَّماء. ومَا أكثرَ مَا كَانُوا مَخدوعين!
ومَرَّةً أخرى، فَعَلَ قَادَةُ اليَهودِ مَا فَعَلوهُ مِرارًا في أثناءِ حَياةِ يَسوعَ على الأرضِ إذْ إنَّهُم نَفَثُوا سُمَّهُم على ابنِ اللهِ. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ سيَموت، ولكِنَّ مَوتَهُ لم يَكُن انتحارًا. فَهَل كَانَ سيَموتُ طَوعًا؟ أجل. وَهَل كانَ سيَموتُ باختيارِهِ؟ أجل. وَهَل كَانَ سَيُضَحِّي بنفسِهِ؟ أجل. ولكِنَّهُ لم يَكُن سيَموتُ بِيَدِهِ؛ بل بِيَدِ رِجالٍ، وَبِيَدِ أولئكَ الحَاقِدينَ الَّذينَ تَكَلَّموا عَنهُ بهذهِ الطَّريقة.
وقد سَخِروا مِنهُ بِجَهلٍ بسببِ بِرِّهِم الذَّاتِيِّ. هَل تُدركونَ ذلك؟ فقد سَخِروا مِنهُ لأنَّهُم لم يَكونوا يَحسَبونَ أنَّهُم بحاجةٍ إلى مُخَلِّص. فالفِكرةُ كُلُّها مِنَ المَوتِ في خَطاياهُم كانت مَرفوضَةً لَديهم. فقد كانوا يَحسَبونَ أنَّهُم الأشخاصُ الرُّوحِيُّون، وأنَّهُم الأشخاصُ المُتَدَيِّنون، وأنَّهُم الأشخاصُ قَويمو العَقيدة. فقد كانُوا يَحفظونَ كُلَّ النَّاموسِ، وكُلَّ الطُّقوسِ، وكُلَّ الشَّعائِرِ، وكُلَّ المُناسَباتِ، وكُلَّ التَّقاليدِ بِتَدقيقٍ شَديد.
وَلَم تَكُن لَديهم أَدنَى فِكرة بأنَّهُم سيَذهبونَ إلى أيِّ مَكانٍ آخرَ سِوى السَّماء. فقد كانوا أبرارًا جِدًّا في أعيُنِ أنفسِهم حَتَّى إنَّ تَحذيرَ يَسوعَ كانَ مُزحَةً في نَظَرِهم فَضَحِكوا إلى أن مَاتُوا، ثُمَّ رَاحُوا يَبكونَ، واستَمَرُّوا في البُكاء. لِذا فقد كَانُوا يَتَّكِلونَ كَثيرًا على بِرِّهِمِ الذَّاتِيِّ فَسَخِروا مِنَ المُخَلِّص. وقد كانُوا وَاثِقينَ جدًّا مِن بِرِّهِم الذَّاتِيِّ حَتَّى إنَّهُم سَخِروا مِن فِكرةٍ أنَّهُم قد يَموتونَ في خَطاياهُم.
لِذا فإنِّي أُحَذِّرُكُم بأنَّ البِرَّ الذَّاتِيَّ مُميتٌ. فَهُوَ ضَمانَةٌ بأنَّكَ ستَموتُ في خَطاياكَ. فإنْ لم تُقِرَ بِعَدَمِ قُدرتِكَ على تَخليصِ نَفسِكَ، وإن لم تُقِرّ بأنَّ سِجِلَّ أعمالِكَ الصَّالحةِ لن يَنفَعَكَ في الخَلاصِ الأبديِّ، وإن لم تُقِرّ بأنَّ مُمارَساتِكَ الدِّينيَّة، وطُقوسَكَ، وشَعائِرِكَ، وحُضورَ الكَنيسةِ، والصَّلواتِ، وَكُلَّ شَيءٍ آخرَ تَفعلُهُ لن يُخَلِّصَكَ أبديًّا، سَتَموتُ في خَطاياك.
أَمَّا عندما تُقِرُّ بأنَّ كُلَّ أخلاقِكَ، وبأنَّ كُلَّ مُمارَساتِكَ الدِّينيَّة، وكُلَّ الشَّعائِرِ الدِّينيَّةِ الَّتي تُمارِسُها لا تُسْهِمُ في خَلاصِكَ لأنَّ خَطاياكَ عَميقةٌ جدًّا ومُسْتَفْحِلَةٌ جدًّا حَتَّى إنَّ كُلَّ مَجهوداتِكَ لا تَنفَعُ في استِئصالِها، فإنَّكَ سَتَطرَحُ نَفسَكَ عِندَ قَدَمَيِّ المُخَلِّصِ الَّذي سَيُقَدِّمُ الذَّبيحةَ عَن خَطاياك.
ولكِنْ بِمَعزِلٍ عن ذلك، ستَموتُ في خَطاياك. وَسَتَكونُ مِثلَ الفَرِّيسيِّ المَذكور في لُوقا 18 إذْ سَتَقولُ: "أنا مَسرورٌ لأنِّي لستُ مِثلَ بَقِيَّةِ النَّاسِ، وَبِكُلِّ تَأكيدٍ لَستُ مِثلَ ذلكَ الخَاطِئِ القَذِرِ الوَاقِفِ هُناكَ. فأنا أُعَشِّرُ، وَأَصُومُ، وأفعلُ كُلَّ شَيء". وقد قالَ يَسوعُ إنَّ ذلكَ الرَّجُلَ لم يَذهب إلى بَيتِهِ مُبَرَّرًا.
وَهَذا يُذَكِّرُنا بِما جاءَ في سِفْرِ الأمثال 12: 15 إذْ نَقرأُ: "طَرِيقُ الْجَاهِلِ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ". وَلا يُوجَدُ شَخصٌ أحمقُ أكثرَ مِنْ أَحْمَقٍ بَارٍّ في عَينيِّ نَفسِهِ لا يَقبَلُ الخَلاصَ بالنِّعمةِ لأنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ يَستطيعُ أن يُسْهِمَ في خَلاصِ نَفسِه. "إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ". هَذا هُوَ مَا تَقولُهُ الآية لُوقا 16: 15.
فقد كانَ هؤلاءِ اليَهودُ يُحاولونَ أن يَكسَبوا خَلاصَهُم بِجدَارَتِهم كَما يَفعلُ أُناسٌ كَثيرونَ غَيرُهم. ولكِنْ في كُلِّ عَالَمِ التَّدَيُّنِ القَائِمِ على الإنجازاتِ الشَّخصيَّةِ، فإنَّ كُلَّ دِياناتِ العَالَمِ الَّتي تُحاوِلُ أنْ تَحصُلَ على الخَلاصِ مِن خِلالِ الجُهدِ البَشريِّ تَنتَمي إلى نَفسِ تلكَ الفِئَة. فَهُم يَظُنُّونَ أنَّهُ باستِطاعَتِهم مِن خِلالِ أَعمالِ بِرِّهِم أن يَستَوفُوا مَطالِبَ اللهِ. وحيثُ أنَّهُم حَصَلُوا على الخَلاصِ فإنَّهُم ذَاهِبونَ إلى السَّماء. والمَكانُ الوَحيدُ الَّذي قَد يَذهبُ إليهِ يَسوعُ وَلا يُعقَلُ أن يَذهَبوا هُم إليهِ هُوَ جَهَنَّمَ في ذلكَ الجُزءِ مِن جَهَنَّم المَحفوظ لِمَن يَنتَحِرون.
لِذا، يُمكِنُكَ أن تَضمَنَ أنَّكَ ستَموتُ في خَطاياكَ مِن خِلالِ التَّمَسُّكِ بالبِرِّ الذَّاتِيِّ. فإنْ كُنتَ وَاثِقًا مِن أنَّكَ لستَ خَاطِئًا، وإنْ كُنتَ وَاثِقًا مِن أنَّكَ لستَ بحاجَةٍ إلى مَن يُخَلِّصَكَ، وإنْ كُنتَ تَبتَكِرُ نَمَطَ حَياةٍ دِينيَّة تُلائِمُكَ، وإنْ كُنتَ لا تُقِرُّ بأنَّكَ بِحاجَةٍ إلى مُخَلِّص، وإنْ كُنتَ لا تَقرَعُ على صَدرِكَ وتَقول: "اللَّهُمَّ ارْحَمْني أنا الخَاطِئ"، وإنْ كُنتَ تَتَّكِلُ على أعمالِكَ، وإنْ كُنتَ تَتَّكِلُ على دِيانَتِكَ، وإنْ كُنتَ تَتَّكِلُ على طُقوسِكَ، سَأضمَنُ لَكَ أنَّكَ ستَموتُ في خَطيَّتِك.
وهُناكَ ضَمانَةٌ ثانيةٌ بأنَّكَ سَتَموتُ في خَطاياكَ في العَدد 23: " فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ". فقد أَساؤُوا فَهْمَ قَصدِهِ. وَهَذا يَختصُّ بالنُّقطةِ الأولى. فقد فَهِمُوا الأمرَ بالمَقلوب. فقد ظَنُّوا أنَّهُم مِن فَوق وأنَّهُ مِن أسفَل. فَقَد فَهِموا الأمرَ بطريقةٍ مَعكوسَة. فَفَوق هُوَ السَّماء، والأسفَل هِيَ جَهَنَّم. "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ". ولكِنَّكُم فَهِمتُم الأمرَ بطَريقةٍ مَعكوسَة.
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ مَا يَلي: "أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ". وَهَذِهِ هي الطَّريقةُ الثَّانيةُ الَّتي تَضمَنُ مِن خِلالِها أنَّكَ ستَموتُ في خَطاياكَ وَهِيَ أن تَكونَ نَظرَتُكَ دُنيويَّةً أو أرضِيَّةً. فَهذهِ طَريقةٌ مَضمونَةٌ أخرى. أيْ أن تَكونَ مُنهَمِكًا في التَّفكيرِ في العَالَم، وأنْ تَعيشَ لأجلِ العَالَم، وأنْ تَعيشَ لأجلِ النِّظامِ المُؤقَّت، وأنْ تَعيشَ لأجلِ أيديولوجيَّاتِ هَذا النِّظامِ العَالَمِيِّ.
وَما الَّذي يَعنيهِ بِقولِهِ: "أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَم"؟ إنَّ الكلمة "عَالَم" مُهِمَّة جدًّا في إنجيلِ يُوحَنَّا، وَهُوَ يَستخدِمُها مِرارًا. وَهِيَ تَستخدَمُ بِمَعانٍ عَديدةٍ مُختلفَة. فَهيَ تُشيرُ أحيانًا إلى النَّاسِ، وتُشيرُ أحيانًا إلى الأيديولوجِيَّات. وَهِيَ تُشيرُ هُنا إلى تلكَ الأيديولوجِيَّاتِ الَّتي تَجتاحُ أذهانَ النَّاسِ بِكُلِّ تأكيد. ولكِن عندما يَتحدَّثُ عن "هَذا العَالَم" فإنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ النِّظامِ الرُّوحيِّ غيرِ المَنظورِ الَّذي يُهيمِنُ على العَالم؛ أيْ نِظامُ الشَّرّ.
فالشَّيطانُ هُوَ إلَهُ هذا الدَّهرِ ورَئيسُ هَذا العَالَم. وَهُوَ الَّذي ابتَكَرَ نِظامَ الإيمانِ، ونِظامَ الأخلاقِ، ونِظامَ الدِّينِ، ونِظامَ الأيديولوجِيَّاتِ، ونِظامَ السُّلوكِ، ونِظامَ المَاديَّةِ، وكُلَّ تلكَ الأشياءِ المُعادِيَةِ لله. وَهَذا يُشبِهُ مَا جَاءَ في الرسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ العَاشِر. فَهُوَ كُلُّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ. وَهُوَ العَالَمُ كُلُّهُ، وكُلُّ النِّظامِ الرُّوحِيِّ غيرِ المَنظورِ للشَّرّ.
ونحنُ نَستخدِمُ الكلمة "عَالَم" بتلكَ الطَّريقة. فنحنُ نَتحدَّثُ عن عَالَمِ السِّياسَةِ، وعَالَمِ التِّجارةِ، وعَالَمِ الطِّبِّ، وعَالَمِ الرِّياضَة. ونَحنُ نُشيرُ بذلكَ إلى البِيئةِ أوِ النِّطاقِ الَّذي تُهيمِنُ عليهِ تلكَ الأشياء. وهُناكَ عَالَمٌ نَعيشُ فيهِ بِصِفَتِنا بَشَر. وَهُوَ نِظامٌ مُنَظَّمٌ مِنَ الأكاذيبِ الشَّيطانِيَّةِ والخِداعِ يَرتَفِعُ ضِدَّ مَعرفةِ الله. إنَّهُ نِظامُ الشَّيطانِ المُعادي لِنِظامِ المَسيح.
وفي إنجيل لُوقا 16: 8، يُسَمِّي يَسوعُ المُؤمِنينَ "أبناءَ النِّظام". فَقد تَبِعُوا هذهِ الأيديولوجِيَّةَ في نُقطةٍ مُعيَّنة. والنِّظامُ مُعادٍ للهِ، ومُعادٍ للمَسيح. وَهُوَ تَحتَ هَيمنةِ المَاديَّة. وَهذا يَعني الانشغالَ بالأمورِ الزَّائِلَة. وَهُوَ تَحتَ سَيطرةِ النَّزعةِ الإنسانِيَّةِ، وتَأليهِ الإنسانِ، والرَّفعِ مِن شَأنِ عَقلِ الإنسانِ، والقَولِ إنَّهُ يَستطيعُ أن يَفدي نَفسَهُ بنفسِه. وَهُوَ نِظامٌ يَخضَعُ لِهَيمنةِ الجِنسِ، والإشباعِ المَادِّيِّ للمُتَع، والطُّموحِ الجَسديِّ، والكِبرياءِ، والجَشعِ، والمُتعة الذَّاتِيَّةِ، والرَّغبةِ الذَّاتِيَّة.
ولكِنَّ آراءَهُ مَغلوطَة، وَأهدافَهُ أنانِيَّة، وَمُتَعَهُ خَاطِئَة، وتَأثيرَهُ مُفْسِدٌ للأخلاقِ، وَسِياسَتَهُ فَاسِدَة، وكِبرياءَهُ فَارِغٌ، وابتسامَتَهُ مُصْطَنَعَة، ومَحَبَّتَهُ زَائِفَة، إلخ، إلخ. هَذا هُوَ نِظامُ العَالَم. فَهُوَ يَحوي الكثيرَ مِنَ الفَلسفاتِ، وعِلمِ النَّفسِ، والدِّينِ، والأيديولوجِيَّاتِ الَّتي تُشَكِّلُ التَّفكيرَ البَعيدَ عَنِ الوِلادةِ الجَديدةِ، والبَعيدَ عَنِ اللهِ، والبَعيدَ عن تَعليمِ الكتابِ المقدَّس.
وَهُوَ عَالَمٌ سَيَبِيد. فالعالَمُ وَكُلُّ مَا فيهِ سَيَزول (كَما يَقولُ يُوحنَّا). لِذا فإنَّهُ يَقولُ في رِسالةِ يُوحنَّا الأولى 2: 15: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". فَحيثُ تُوجَدُ مَحبَّةُ العَالَمِ فإنَّ مَحبَّةَ الآبِ غير مَوجودة.
ويُشيرُ يَسوعُ هُنا إلى هذا التَّناقُضِ الكَبير. فَهُوَ يَقولُ لَهُم في العَدد 23: "أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ". فَنَحنُ لَدينا أيديولوجِيَّتانِ مُتعارِضَتانِ تَمامًا... ونِظامانِ فِكريَّانِ مُتَعارِضانِ تَمامًا. "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". كَما أنَّ "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ [كَما تَقولُ رِسالةُ يَعقوب 4: 4] هِيَ عَدَاوَةٌ للهِ". فمَعَ أنَّ هَؤلاءِ القادَةَ اليهودَ كانُوا يَقولونَ إنَّهُم مُتَدَيِّنونَ وإنَّهُم رُوحِيُّونَ، فإنَّهُم كَانُوا في الحَقيقةِ عَالِقينَ وَواقِعينَ في فَخِّ النِّظامِ الشَّيطانِيِّ الَّذي يَحكُمُ مِن خِلالِهِ العَالَمَ أوِ النُّفوسَ الخَاطئةَ والأنانِيَّةَ الأرضيَّةَ الَّتي تَعيشُ نِظامًا يَحكُمُهُ رَئيسُ هَذا العَالَم. وقد كَانُوا مُنفصِلينَ عَنِ اللهِ وَعَنِ المَسيحِ بسببِ تلكَ الفَجوةِ الشَّاسِعَة.
إذًا، لِكَي يَموتَ الإنسانُ في خَطِيَّتِهِ فإنَّ كُلَّ مَا يَحتاجُ إليهِ هُوَ أن يُرَكِّزَ على الأمورِ الدُّنيويَّة، وأن يُصَدِّقَ وَحَسْب أكاذيبَ الشَّيطانِ الَّتي يُرَوِّجُ لَها النِّظام. فكُلُّ مَا يَنبغي لكَ أن تَفعلَهُ هُوَ أن تُحِبَّ النِّظامَ وَكُلَّ مَا فيه حَتَّى تَضمَنَ أنَّكَ ستَموتُ في خَطاياك.
وأحيانًا، يَنْجَحُ الإنجيلُ في الوُصولِ إلى ذلكَ النَّوعِ مِنَ العَقلِ والقَلبِ وَقتًا قَصيرًا كَما هي الحَالُ في المَثَلِ المَذكور في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13. ولكِن بسببِ مَحبَّةِ هذا العَالَمِ وَغُرورِ الغِنَى فإنَّهُ يَموت. ولا بُدَّ مِن وُجودِ خَرْقٍ واقتِحام. وَيَسوعُ ليسَ مِن هذا العَالَم. فقد قالَ لبيلاطُس: مَملكتي ليست مِن هَذا العَالَم". ونَقرأُ في رسالة يُوحنَّا الأولى أنَّ: "العَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ". أمَّا نَحنُ المُؤمنينَ فَلَسْنَا كذلك. فقد مَيَّزْنا ذلك. ويَعقوبُ يَقولُ إنَّهُ يجبُ علينا أن نَحفظَ أنفسَنا بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ؛ أيْ دُونَ أن نَتأثَّرَ بأيديولوجِيَّاتِهِ الشَّيطانِيَّة.
وهُناكَ طَريقةُ ثَالثةٌ. وَهَذِهِ هي ذُروةُ المَقطَع. فهُناكَ طَريقةٌ ثَالثةٌ تَضمَنُ مِن خِلالِها أنَّكَ سَتَموتُ في خَطاياك. فالطَّريقةُ الأولى هي أن تَتَّكِلَ على بِرِّكَ الذَّاتِيِّ، وتَظُنَّ أنَّكَ لستَ بحاجةِ إلى مُخَلِّص، وأنَّكَ تَستطيعُ أن تُخَلِّصَ نَفسكَ أو أن تُسهِمَ في تَخليصِ نَفسِكَ أيًّا كانت تلكَ المُساهَمَة. والطَّريقةُ الثَّانيةُ هي أن تَكونَ مُرتبطًا ارتباطًا شَديدًا بالأرض؛ أيْ أن تُحِبَّ النِّظامَ العَالَمِيَّ ولا تُبدي أيَّ استِعدادٍ للتَّخَلِّي عنه. ثالثًا، نَقرأُ في العَدد 24: "فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ". هَذِهِ هي الطَّريقةُ الثَّالثةُ الَّتي تَضمَنُ فيها أنَّكَ ستَموتُ في خَطاياك: عَدَم الإيمان. فهُناكَ البِرُّ الذَّاتِيُّ، والتَّمَسُّكُ بالحَياةُ الدُّنيويَّة، وعَدَمُ الإيمان. فهذا هُوَ مَا يَتَطَلَّبُهُ ذلك. عَدَمُ الإيمان.
والطَّريقةُ الوَحيدةُ للنَّجاةِ مِن جَهَنَّمَ هي أن تُؤمِنَ بالرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فيوحَنَّا يَقولُ، وأنا أقتَبِسُ مَرَّةً أخرى مَا قَالَهُ في الأصحاح 20 والعَدد 31: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". فَلا يُوجَد شَخصٌ مُضطَرٌّ إلى المَوتِ في خَطاياه. ولكِنَّ الشَّخصَ الَّذي يُصِرُّ على الرَّفضِ سيَموتُ في خَطيَّتِهِ بسببِ عَدمِ إيمانِهِ.
والآن، مَا الَّذي يَنبغي أن نُؤمِنَ بِهِ؟ إنَّهُ يُجيبُ عَن هذا السُّؤالِ هُنا: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ". وَمَا يَقولُهُ هُنا هُوَ اسمُ اللهِ، أيْ: مَا لَم تُؤمِنُوا بأنِّي أنا الله، وبأنِّي أنا المُرسَلُ مِنَ الله. فأنا هُوَ اللهُ العَظيم. فَهُوَ يَستخدِمُ في الحَقيقةِ الاسمَ العِبريَّ للهِ: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ". إنْ لَم تُؤمِنُوا أنِّي أَنا هُوَ".
وَمَا مَعنى "أنا هُوَ"؟ إنَّها تَعني كُلَّ كِيانِهِ. أيْ: "إنْ لم تُؤمِنوا بِكُلِّ الحَقِّ المُختصِّ بي". هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ. فكيفَ يَصيرُ الإنسانُ مَسيحيًّا. بأن يُؤمِنَ بالحَقِّ المُختصِّ بيسوعَ المَسيح. هَذا هُوَ السُّؤالُ المُختصُّ بالابن، وهذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. وَنَحنُ مَا زِلنا حَتَّى الآن نَتجادَلُ في ذلك. وَهذا يُدهِشُني جدًّا.
فقد ذَهبتُ مُؤخَّرًا إلى "سكوتسديل" (Scottsdale) في أريزونا (Arizona)، إلى كَنيسةِ "ديريل ديلوسيه" (Darrel DelHousaye's Church)، وقَدَّمتُ سِلسلةً عَن لاهُوتِ الإيمان، وَوَعْظتُ سِتَّ عِظاتٍ عن لاهوتِ الإيمان. وبعدَ أن تَحَدَّثتُ عن كُلِّ ذلك، مَا زِلتُ أندهشُ حينَ أَرى أنَّ النَّاسَ في الإطارِ العَامِّ والعَريضِ في الوَسَطِ الإنجيليِّ مَا زَالوا يُحاولونَ أن يَفهموا مَا يَتَطَلَّبُهُ الأمرُ لكي يَصيرَ المَرءُ مَسيحيًّا. فهذا يُدهِشُني. فالسُّؤالُ هُوَ: مَا الَّذي يَنبغي للمَرءِ أن يُؤمِنَ بِهِ لكي يَخلُصَ حَقًّا؟ ولا يَجوزُ أن يَكونَ هُناكَ أيُّ غُموضٍ في هذا الشَّأن. فالأمرُ واضِحٌ جدًّا في الكتابِ المقدَّس.
ويُمكنُني أن ألَخِّصَ ذلكَ بِبَساطَةٍ مُتناهِيَةٍ مِن خِلالِ ما قَالَهُ يَسوعُ هُنا: "يجبُ أن تُؤمِنُوا أنِّي أنا هُوَ". مَا مَعنى ذلك؟ يجب أن تُؤمِنوا أنَّ المَسيحَ هُوَ الله.
وَمَا الَّذي يَعنيهِ ذلك؟ سوفَ أَذكُرُ لَكُم خُلاصَةَ الحَقِّ الإنجيلِيِّ، أو مُتَطَلَّبات الحَقِّ الإنجيليِّ. إليكُم نُقطةَ البداية. إن أردتَ أن تُؤمِنَ بالحَقِّ المُختصِّ بالمَسيح، إليكَ مَا يَتطلَّبُهُ ذلك. أوَّلاً، يجب أن تُؤمِنَ بالثَّالوثِ الأبديِّ لأنَّ المَسيحَ قَالَ إنَّهُ واحِدٌ مَعَ الآبِ، وإنَّهُ أزَلِيٌّ، وإنَّهُ كَانَ مَوجودًا مِن قَبلِ أن يُخلَقَ إبراهيم. لِذا، يجب عليكَ أن تُؤمِنَ بأنَّهُ جُزءٌ مِنَ الثَّالوثِ الأزليِّ. فأيُّ شَيءٍ أقَلَّ مِنَ الثَّالوثِ يَجعلُ المَسيحَ شَخصًا آخر.
لِذا فإنَّ جَوهرَ الإيمانِ الإنجيليِّ، وجَوهرَ الحَقِّ الإنجيليِّ هُوَ الإيمانُ بالثَّالوثِ؛ أيْ أنَّ اللهَ مُثَلَّثُ الأقانيم؛ ولكِنَّهُ وَاحِد. فإنْ قُلتَ شَيئًا غَيرَ ذلكَ فإنَّكَ تُشَوِّهُ صُورَتَهُ الحَقيقيَّة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ يجبُ عليكَ أن تُؤمِنَ بأنَّهُ هُوَ الله. لِذا فإنَّكَ تَبتدِئُ بالإيمانِ بالثَّالوث. فالأشخاصُ الَّذينَ يُنكِرونَ الثَّالوثَ لا يَفهمونَ مَن هُوَ يَسوعُ المَسيح. وَهُم لا يُؤمِنونَ بأنَّهُ هُوَ الله.
ثانيًا، يجب عليكَ أن تُؤمِنَ بأنَّهُ تَجَسَّدَ في هَيئةٍ بَشريَّة، وبأنَّ هَذا الأُقنومَ في الثَّالوثِ دَخَلَ إلى التَّاريخِ البَشريِّ في إطارِ الزَّمانِ والمَكانِ في جَسَدٍ بَشريٍّ. لِذا، يجبُ عليكَ أن تُؤمِنَ بِتَجَسُّدِ اللهِ في هَيئةِ يَسوعَ المَسيح. وَهذا يَضُمُّ وِلادَتَهُ مِن عَذراء. فَهذا هُوَ تَعريفُ اللهِ لِكيفيَّةِ حُدوثِ هذا التَّجَسُّدِ حَتَّى يَستطيعَ المَسيحُ أن يُولَدَ في هذا العَالَمِ بِلا خَطيَّة. لِذا، يجبُ عليكَ أن تُؤمِنَ بأنَّهُ اللهُ، وبأنَّهُ أَزَلِيٌّ، وبأنَّهُ أُقنومٌ في الثَّالوثِ الأزليِّ، وبأنَّهُ تَجَسَّدَ وَجَاءَ إلى العَالَمِ مِن خِلالِ الوِلادةِ مِن مَريمَ العَذراء.
ثُمَّ يجبُ عليكَ أن تُؤمِنَ بوجودِ حَياةٍ خَاليةٍ مِنَ الخَطيَّةِ لأنَّ هَذا يَسري عَليهِ أيضًا. فَقد عَاشَ حَياةً خَاليةً مِنَ الخَطيَّة. فَلم يَكُن يَجوزُ أن يُولَدَ كَسَائِرِ البَشرِ العَادِيِّينَ وَإلاَّ فإنَّهُ لن يَكونَ الله-الإنسان. ولم يَكُن يَجوزُ أن تَكونَ هُناكَ خَطيَّةٌ في حَياتِهِ، أو ضَعفٌ في حَياتِهِ، أو إخفاقٌ في حَياتِهِ؛ وَإلاَّ فإنَّهُ لن يُكْمِلَ كُلَّ بِرٍّ. وَهَذا هُوَ البِرُّ الَّذي يُحسَبُ لِجَميعِ مَن يُؤمِنونَ بِهِ.
لِذا، يجبُ عليكَ أن تُؤمنَ بالثَّالوث. فَيجبُ عليكَ أن تُؤمِنَ بالثَّالوثِ الأزليِّ؛ أيْ أنَّ يَسوعَ المَسيحَ هُوَ أُقنومٌ في الثَّالوثِ، وأنَّهُ تَجَسَّدَ، وَوُلِدَ مِنَ العَذراءِ مَريمَ، وَجاءَ إلى العَالَمِ وَعاشَ حَياةً خَاليةً مِنَ الخَطيَّةِ، وأنَّهُ بِذلكَ تَمَّمَ كُلَّ بِرٍّ وَصَارَ بِرًّا يُمكِنُ أن يُحسَبَ لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بِهِ.
ثُمَّ يَجبُ أن تُؤمنَ بأنَّهُ مَاتَ على الصَّليبِ كَفَّارةً عَنَّا للتَّكفيرِ عن خَطايانا، وأنَّهُ مَاتَ هُناكَ وَدَفَعَ أُجرةَ خَطايا جَميعِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِهِ لأنَّ هَذهِ هي طَبيعَتُهُ. فَهُوَ حَمَلُ اللهِ. فيجبُ عليكَ أن تُؤمِنَ بأنَّ مَوتَهُ أَرْضَى اللهَ تَمامًا، وبأنَّ تلكَ الكَفَّارةَ الكَاملةً قَد قُدِّمَتْ. وَهذا هُوَ السَّببُ في أنَّ اللهَ أَقامَهُ مِنَ الأمواتِ في اليومِ الثَّالثِ وَأخَذَهُ وَأَجلَسَهُ عَن يَمينِهِ بِصِفَتِهِ رَبًّا. وَقَد أعطاهُ اسمًا فَوقَ كُلِّ اسمٍ وَهُوَ اسمُ "الرَّبِّ". وَهُوَ يَجلِسُ عَن يَمينِ الآبِ ويَشفَعُ في خَاصَّتِهِ، ويَحكُمُ. وفي يَومٍ مَا، سوفَ يَأتي مَرَّةً أخرى لِكي يُؤسِّسَ مَملكَتَهُ على الأرضِ ويُمَجِّدَ إلى الأبدِ خَاصَّتَهُ الأحبَّاء أو شَعبَهُ المَفديَّ.
هَذا هُوَ جَوهَرُ الإيمانِ المَسيحيِّ. أمَّا إنْ حَذَفْتَ أيَّ جُزءٍ مِن ذلكَ فإنَّكَ تَحصُلُ على يَسوعَ آخر. وَقَد قَالَ بولسُ إنَّهُ إنْ كَرَزَ أيُّ شَخصٍ بيسوعَ آخَرَ فليَكُم أناثيما. وَهذا يَسري على أيِّ إنجيلٍ آخر وأيَّة رِسالة أخرى. وَقَد قَالَ بولسُ للكورِنثيِّينَ في رِسالةِ كورنثوس الثَّانية: "لا أُريدُ أن تُفْسَدَ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيح". فإنْ كَرَزَ أحدٌ بِمَسيحٍ آخرَ فإنَّهُ لا يَكرِزُ بالحَقِّ.
فَما هُوَ وَجْهُ الصُّعوبةِ في أنْ نَفْهَمَ أنَّ هَذا هُوَ المَسيحَ الَّذي يَنبغي أن نُؤمِنَ بِه؟ فَهذا هُوَ الحَقُّ، وهَذا هُوَ مَا يُؤمِنُ بِهِ المَسيحيُّون. أمَّا إذا لم تَكُن تُؤمِنُ بذلكَ فإنَّكَ لستَ مَسيحيًّا. وقد تَقول: "وماذا عَنِ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بالله؟" إنَّهُم ليسوا مَسيحيِّين. وَهذا يَعني أنَّهُم سَيَموتونَ في خَطاياهُم. "وماذا عَنِ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِكُلِّ ذلكَ عَنِ المسيحِ ولكِنَّهُم يُؤمِنونَ أيضًا بأنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَعملوا أعمالاً مُعَيَّنةً مِثلَ المَعموديَّةِ أوِ الطُّقوسِ أوْ مُراعاةِ شَرائعَ مُعيَّنة لِتَعزيزِ خَلاصِهم؟" إنَّ هَؤلاءِ لن يَذهَبوا أيضًا إلى السَّماء، بل سيَموتونَ في خَطاياهُم ويَذهبونَ إلى الأبد إلى جَهنَّم. لماذا؟ لأنَّهُم لم يُدركوا أنَّ المَسيحَ وَحدَهُ هُوَ الذَّبيحةُ الكَامِلَةُ عَنِ الخطيَّةِ، وأنَّهُ لا يَجوزُ أنْ يُضيفوا أيَّ شَيءٍ إليها.
فَالخَلاصُ هُوَ بالنِّعمةِ مِن خِلالِ الإيمانِ فقط. وأيَّةُ مُحاولةٍ لإضافةِ أيِّ شَيءٍ إليهِ تُبْطِلُهُ لأنَّ النِّعمةَ لا تَعودُ نِعمَةً. فأيُّ شَيءٍ تُحاولُ القِيامَ بِهِ لِكَسْبِ أيِّ جُزءٍ مِن خَلاصِكَ يُسيءُ فَهمَ ذَبيحةِ المَسيح. وأيُّ سُوءِ فَهْمٍ لِمَعنَى ذَبيحةِ المَسيحِ هُوَ تَشويهٌ للإنجيل. وصَدِّقوني أنَّ المَسيحيَّةَ أوِ العَالَمَ المَسيحيَّ يعِجُّ بأُناسٍ يَعرِفونَ الكثيرَ مِنَ المَعلوماتِ عَمَّا قُلتُهُ للتَّوِّ بخصوصِ الإنجيلِ، ولكِنَّهُم لا يَملِكونَ تلكَ الثِّقةَ الكَاملةَ المُطلقةَ بيسوعَ المسيحِ وَحدِهِ، وَلا بِما يَقولُهُ عَن ذَاتِهِ، ولا بأنَّهُ الذَّبيحةُ الوَحيدةُ والكَامِلةُ عَنِ الخطيَّة. لِذا فإنَّهُم لا يَثِقونَ بِهِ كَما يَنبغي بسببِ اتِّكالِهم على جُهودِهم أو أعمالِهم.
ومِنَ المُحزِنِ أن نَقولَ إنَّ كَثيرينَ مِمَّنْ يُسَمُّونَ اسمَ المَسيحِ ويقولونَ "يا رَبُّ، يا رَبُّ، لقد فَعلنا كَذا، وَفَعلنا كَذا"، لَيسُوا مَعروفينَ لَديه. لِذا فإنَّهُم سيَموتونَ في خَطاياهُم ولَن يَذهبوا إلى حَيثُ سَيَذهبُ هُوَ.
لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ لَهُم: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا..." [في العَدد 24] "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ". لِذا فإنَّكُم سَتَدفعونَ إلى الأبد أُجرةَ خَطاياكُم.
وهُناكَ طَريقةٌ أخرى مَضمونَة للمَوتِ في خَطاياك. وَقَدْ فَعَلوا ذَلِكَ كَما هُوَ وَاضِحٌ. فهُناكَ البِرُّ الذَّاتِيُّ، والتَّمَسُّكُ بالأمورِ الدُّنيويَّةِ، وعَدمُ الإيمانِ. رابعًا، أن تَتَعَمَّدَ أن تَبقى جَاهِلاً، أو أن تَبقى جَاهِلاً بِسَببِ عِنادِك. وهَذا مُذكورٌ في العَدد 25، وَهُوَ أمرٌ مُدهِش. "فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ؟»". وَإنَّهُ لأمْرٌ عَجيبٌ جدًّا في أن يَقولوا ذلكَ بعدَ كُلِّ ما رَأَوْهُ، وكُلِّ مَا فَعَلَهُ، وكُلِّ مَا سَمِعوه. "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِهِ". وَهَذا يُرينا غَلاظَةَ قُلوبِهم! "إِنَّ لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَتَكَلَّمُ وَأَحْكُمُ بِهَا مِنْ نَحْوِكُمْ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أَقُولُهُ لِلْعَالَم". فَهُوَ يَقولُ: "لقد كُنتُ أتكلَّمُ وأتكلَّمُ. وَمَا كُنتُ أقولُهُ هُوَ كَلامُ اللهِ".
ولكي أُريكُم غَلاظَةَ قُلوبِهم، نَقرأُ في العَدد 27: "وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ الآبِ" على الرَّغمِ مِن أنَّهُ قالَ ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا. "أنا والآبُ وَاحِدٌ". "لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ". وَكُلُّ مَا قالَهُ حَتَّى الأصحاحِ الثَّامِنِ قَد سَمِعوهُ بِمُجملِه.
مَا هَذا؟ لقد كَانُوا قَبلَ أيِّ شَيءٍ آخَرَ يَهزأونَ بِهِ. "أنتَ! مَن أنتَ؟ مَن تَظُنُّ نَفسَكَ حَتَّى تَقولَ هَذا الكَلامَ الَّذي تَقول؟ مَنِ الَّذي أعطاكَ الحَقَّ في القيامِ بِدَورِ نَبِيٍّ أو مُنادٍ بالحَقّ؟ وَمَنْ تَظُنُّ نَفسَكَ حَتَّى تَتكلَّمَ بالطَّريقةِ الَّتي تَتَكَلَّمُ بها؟ ولكِنْ كانَ يَجدُرُ بِهم أن يَعلَموا مَن هُوَ. فقد وَضَّحَ ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا.
ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ ما حَدَثَ في الأصحاحِ الَّذي يَلي هذا الأصحاحَ (أيْ في الأصحاحِ التَّاسعِ) عندما شُفِيَ الرَّجُلُ الأعمَى على يَدِ يَسوعَ فجاءَ القادَةُ إليهِ وَقَالوا: "مَن هَذا وَمِن أينَ جَاء؟" فَقالَ الرَّجُلُ الأعمَى: "إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ!" بعبارةٍ أخرى، هَذا جَهْلٌ مُتَعَمَّد.
ولكِن لماذا كَانَ جَهلُهُم مُتَعَمَّدًا؟ نَجِدُ السَّببَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّالث: "وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنْ..." مَاذا؟ فقد كانت هُناكَ ظُلمةٌ لأنَّهُم أرادوا أن يَبقى الأمرُ هَكذا. والظُّلمةُ تَبقى دائمًا عندما تُحِبُّ خَطيَّتَكَ. فقد كانت ظُلمَةٌ طَوعِيَّة. ونحنُ نَقرأُ أنَّهُ قالَ في الأصحاحِ الثَّامنِ والعَدد 19: "لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا".
أنتُم لا تَعرِفونَ أيًّا مِنَّا. أنتُم تَعيشونَ في الظَّلام. وَأنتُم تُريدونَ أن تَعيشوا هَكذا لأنَّكُم تُحِبُّونَ خَطاياكُم. ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّابعِ والعَدد 17 أنَّ يَسوعَ قَال: "إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ...". فعندما تَرغَبُونَ في عَمَلِ مَشيئةِ اللهِ عَوَضًا عَن خَطيَّتِكُم، سَتَعرِفونَ تَعليمي. فَالحَقُّ يُعلَنُ لِمَن يَرغَبُونَ في مَعرفَتِه.
وَهَذا يُشبِهُ مَا جَاءَ في العهدِ القديمِ إذْ نَقرأُ: "وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ". فعندما تُبدونَ الاستعدادَ لِمَعرفةِ مَشيئةِ اللهِ ستَعرِفونَ تَعليمي. وَحينئذٍ ستَعرفونَ أنِّي أتكَلَّمُ بِكلامِ اللهِ. ولكِنْ مَا دُمتُم تُحِبُّونَ خَطاياكُم بِكُلِّ عِنادٍ وتُعجَبونَ بها، بِما في ذلكَ خَطِيَّة الكِبرياءِ والبِرِّ الذَّاتِيِّ، فإنَّكُم ستَموتونَ في خَطِيَّتِكُم.
فقد كانُوا مُكْتَفينَ بأنفسِهم ويَسخَرونَ مِنهُ بسببِ حُبِّهم لِكِبريائِهم. فقد سَمِعوا مَن هُوَ مَرَّاتٍ كَثيرة. وقد رأوا بَراهينَ كَافية على ذلك؛ ولكِنَّ الخَطيَّةَ تُنشِئُ عَدَمَ إيمانٍ. والإيمانُ يُنشِئُ جَهلاً عَنيدًا. لِذا فقد رَفَضُوا أن يَعرِفوا لأنَّهُم كانوا يُحِبُّونَ خَطاياهُم.
إذًا، هَل تُريدُ أن تَموتَ في خَطاياكَ؟ اتَّكِل على بِرِّكَ الذَّاتِيِّ، وَتَمَسَّكَ بالأمورِ الدُّنيويَّةِ، وَلا تُؤمِن، وَاعقِدِ العَزمَ على أن تَبقى جَاهِلاً فَتَموتُ في خَطاياكَ. وَيَسوعُ يَقولُ في العَدد 29: "وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ". فقد كانَ يَنبغي أن تَرَوْا اللهَ فِيَّ. وكانَ يَنبغي أن تَعلَموا، وأن تَسمَعوا؛ ولكِنَّكُم لم تَفعلوا ذلك.
ويَنتَهي المَقطعُ بكلماتٍ مُشَجِّعَة إذْ نَقرأُ في العَدد 30: "وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهذَا آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ". وَهَذِهِ هِيَ صَلاتي في هذا الصَّباح. فأنا أرجو بعدَ الكَلامِ الَّذي كَلَّمتُكُم بِهِ، وبعدَ أنِ اقتَبَسْتُ كَلامَ يَسوعَ أن يُؤمِنَ كَثيرونَ بِهِ.
هَل تُريدُ أن تَموتَ في خَطاياك؟ إذًا استمرَّ في طَريقِك. آمِنْ وَحَسْب بأنَّكَ إنسانٌ صَالِحٌ كَما أنتَ. وَاستمرَّ في حُبِّكَ للأيديولوجِيَّاتِ البَشريَّة. وارفُض أن تُؤمِنَ بالحَقائقِ العَظيمةِ المُختصَّةِ بالمسيح. وَأَحْبِبْ خَطيَّتَكَ كثيرًا واخْتَرْ الظُّلمةَ والجَهلَ الطَّوعِيَّ. ولكِن إن فَعلتَ ذلكَ فإنَّكَ سَتَدوسُ الصَّليبَ. أجل! فسوفَ تَدوسُ بِكُلِّ قَسْوةِ قَلبٍ وَاحتقارٍ دَمَ المَسيحِ لأنَّكَ تَعرِفُ الإنجيل. لِذا، سوفَ تَدوسُ على الصَّليب.
وفي هذا الصَّباحِ، إذْ نَتقدَّمُ للاشتراكِ في مَائدةِ الرَّبِّ، فإنَّ الصَّليبَ سَيُعلَنُ مَرَّةً أخرى. وسَوفَ تَرفُضُهُ مَرَّةً أخرى وتُتابِعُ السَّيرَ في المَسارِ الَّذي تَسيرُ فيه. وَهذا أمرٌ يَصعُبُ حَقًّا تَصديقُه! فلِماذا تُريدُ أن تَموتَ في حينِ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَحيا؟ ولِمَ لا تَكُن مِثلَ أولئكَ الأشخاصِ الكثيرينَ الذينَ آمَنوا ولم يَرغبوا في أن يَموتوا في خَطاياهُم؟ ولِمَ لا تَقبَل الكَفَّارةَ عن خَطاياكَ؟ هَذا هُوَ السُّؤالُ المُهِمُّ. والجَوابُ هُوَ أنَّكَ بَارٌّ في عَينيِّ نَفسِك، وَأنَّكَ تَظُنُّ أنَّكَ صَالِحٌ كَما أنتَ، وأنَّكَ تُحِبُّ العَالَمَ كَثيرًا، وأنَّكَ تَرفُضُ أن تُؤمِن، أو أنَّكَ تُحِبُّ خَطاياكَ وتُحِبُّ الظُّلمةَ والجَهلَ المُصاحِبَ لَها. وفي كُلِّ الأحوالِ فإنَّ الثَّمَنَ سيَكونُ أبديًّا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، فيما نُفَكِّرُ في قُوَّةِ كلماتِ يَسوعَ، وفي حَماقَةِ الأشخاصِ الَّذينَ يَرفُضونَ أن يُؤمِنوا، فإنَّنا نَتذكَّرُ أنَّ هَذا الأمرَ يَحدُثُ اليومَ وُكلَّ يَومٍ، وَحَتَّى إنَّ المَعارِكَ الَّتي خَاضَها يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّامنِ تَدورُ رَحَاهَا في قُلوبِ العَديدِ مِنَ الأشخاصِ الحَاضِرينَ هُنا في هذا الصَّباح. وصَلاتي هي أن تَعمَلَ قُوَّةُ رُوحِكَ على كَسْرِ هَيمنةِ البِرِّ الذَّاتِيِّ، والعَالَمِ، وعَدَمِ الإيمانِ، وحُبِّ الخَطيَّة، وأن يَرغبَ القَلبُ في عَمَلِ مَشيئَتِكَ حَتَّى إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَرغبُ في فِعْلِ مَشيئَتِكَ يَعرِفُ الحَقَّ.
وَيا أبانا، إذْ نَتقدَّمُ إلى هذهِ المَائدةِ فإنَّنا نَتذكَّرُ مَرَّةً أخرى الذَّبيحةَ الَّتي قَدَّمَها يَسوعُ المَسيحُ عَن خَطايانا على الصَّليبِ، ونَتذكَّرُ أنَّهُ حَمَلَ خَطايانا كما قَرأنا مِن سِفْرِ إشَعْياء، وأنَّهُ تَحَمَّلَ أَوجاعَنا، وأنَّهُ سُحِقَ لأجلِ آثامِنا، وَجُرِحَ لأجلِ مَعاصينا، وأنَّ تَأديبَ سَلامِنا عَليهِ، وأنَّنا بِجَلْدَتِهِ شُفِينَا. نَشكُرُكَ يا أبانا على الوَعدِ بأنَّ كُلَّ مَن يُؤمِن بأنَّ يَسوعَ هُوَ المَسِيَّا ابنُ اللهِ سيَنالُ غُفرانًا كَامِلاً وَتَامًّا. لِذا فإنَّنا نُصَلِّي لأجلِ كُلِّ شَخصٍ حَاضِرٍ هُنا.
ويا رَبُّ، فيما يَختصُّ بالمُؤمِنينَ مِنَّا، نَسألُكَ أن تُساعِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا أن يَفحصَ قَلبَهُ أيضًا فيما نَتقدَّمُ إلى هذهِ المائدةِ، وأن نَتَيَقَّنَ مِن أنَّنا مُخَلَّصونَ ونَنَتَمي إليكَ. وَلَيتَنا نَتذكَّرُ مَرَّةً أخرى مَرارَةَ الخَطِيَّةِ الَّتي تُبْطِلُ حَلاوَةَ عَلاقَتِنا بِكَ، ولَيتَنا نَعتَرِف بِكُلَّ خَطيَّةٍ نَعلَمُ عَنها ونَسألُكَ أن تُطَهِّرَ كُلَّ خَطيَّةٍ لا نَعلَمُ عَنها أيضًا لكي نَتقدَّمَ إلى هذهِ المَائدةِ بِقُلوبٍ طَاهِرَة.
This article is also available and sold as a booklet.
