لَقد تَرَكَ الرَّبُّ فَريضَتَيْنِ فقط للكنيسة وَهُما: مَائِدَة الرَّبّ، والمَعموديَّة. وَنَحنُ نُعَلِّمُ كَثيرًا عَن مَائدةِ الرَّبِّ لأنَّنا نَشترِكُ في مَائدةِ الرَّبِّ كَثيرًا ونَتحدَّثُ عَن مَعناها غَالبًا. ولكِنَّ أغلبيَّةَ الوُعَّاظِ قَد لا يَتطرَّقونَ كَثيرًا إلى مَوضوعِ المَعموديَّة. وَحَتَّى في حَالتي أنا شَخصيًّا، فإنِّي لَستُ أمينًا في الحِفاظِ على التَّوازُنِ بينَ المَوضوعَيْنِ لكي تَفهَموا أهميَّةَ المَعموديَّةِ ومَعناها. وبصراحَة، لم يَعُد هَذا المَوضوعُ يُطرَحُ في الكَنيسةِ اليوم. فَنَحنُ لا نَسمَعُ الكَثيرَ عَنه.
وَقد مَضَتْ سَنَواتٌ عَديدةٌ مُنذُ أن كَتَبَ أيُّ شَخصٍ كِتابًا يُرَكِّزُ فيهِ على المَعموديَّة. وَقد مَضَتْ سَنَواتٌ عَديدةٌ مُنذُ أن سَمِعتَ أيَّ وَاعِظٍ أو مُعَلِّمٍ يُرَكِّزُ على المَعموديَّة. كَما أنَّ البَرامِجَ الإذاعِيَّةَ والتِّلفزيونيَّة الدِّينيَّة لا تَتطَرَّقُ إلى المَعموديَّة. وبَرنامَجُنا الإذاعِيُّ اليَومِيُّ "غريس تُو يُو" (Grace to You) هُوَ البَرنامَجُ الإذاعِيُّ الوَحيدُ في أمريكا الَّذي يَبُثُّ خَدَماتِ المَعموديَّة على الهَواء. وَنَحنُ نَبُثُّ خَدَماتِ المَعموديَّة مِن هُنا بِصورةٍ دَوريَّةً إلى جَميعِ أنحاءِ الأُمَّة. ولكِن يَبدو أنَّهُ لا يُوجَدُ اهتمامٌ كَبيرٌ بِمَوضوعِ المَعموديَّة. والسَّببُ الرَّئيسيُّ في ذلكَ يَرجِعُ إلى حَقيقةِ أنَّهُ يُوجَدُ اختلافٌ كَبيرٌ في الآراءِ بشأنِ مَعناها وأهميَّتِها حَتَّى إنَّ الجَميعَ رَاحُوا يَتَجَنَّبونَ الحَديثَ عَن هَذا المَوضوعِ كَما لو أنَّهُ مَوضوعٌ مَهْجورٌ أو عَتيقٌ يَنْتَمي إلى تلكَ المُجادلاتِ الكَنَسِيَّةِ القَديمَة. لِذا، لم يَعُد هُناكَ اهتِمامٌ يُذكَرُ بأهميَّتِها الرُّوحيَّة.
وَأوَدُّ أن أقولَ شَيئًا آخر: إنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ فقط على مَوقِفِ عَدَمِ المُبالاةِ مِنَ المَعموديَّة، بل أُريدُ أن أقولَ أيضًا إنَّهُ رُبَّما كانَ أغلبُ النَّاسِ، أوِ السَّوادُ الأعظَمُ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَقولونَ عَن أنفُسِهِم إنَّهُم مَسيحيِّونَ لم يَعْتَمِدُوا مَعموديَّةً صَحيحةً بِحَسَبِ تَعليمِ العهدِ الجديد. فُرُبَّما كَانَ أغلبيَّةُ النَّاسِ الَّذينَ يَقولونَ عَن أنفُسِهم إنَّهُم مَسيحيُّونَ لم يَعتَمِدُوا مَعموديَّةً صَحيحةً بِحَسَبِ تَعليمِ العهدِ الجديد. ولا يُمكِنُني بالضَّرورة أن أُثْبِتَ ذلك، ولكِنِّي أعتقدُ أنَّ هَذا المَفهومَ صَحيح. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يُوجَدُ مَسيحيُّونَ كَثيرونَ لم يَعْتَمِدُوا. وَهَذا يَضُمُّ عَدَدًا مِنكُم. ورُبَّما لم يُشاهِد بَعضٌ مِنكُم خِدمةَ مَعموديَّة في حَياتِه، ولا سِيَّما إنْ كُنتَ لا تَأتي مَساءَ يَومِ الأحد عندما تُزاحُ هَذِهِ المِنَصَّةُ، وتُرفَعُ أجزاءٌ مِنَ الأرضيَّةِ الَّتي أَقِفُ عَليها الآنَ بواسِطَةِ رَوافِعَ هَيدروليكيَّة لِتَكشِفَ عَنْ حَوْضِ المَعموديَّةِ كَما سَنَفعل في هَذا المَساء، وَكما نَفعلُ كُلَّ مَساءِ يَومِ أحدٍ أيضًا. فهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم لم يَعتَمِدُوا بَعد، ولم يُشاهِدُوا خِدمَةَ مَعموديَّة.
وَأودُّ أن أَتَعَمَّقَ في هذهِ الفِكرة قَليلاً وأقولُ أيضًا إنَّني أُوْمِنُ بأنَّ هَذا التَّقصيرَ في النَّظرِ إلى المَعموديَّةِ نَظرةً جَادَّةً في الكَنيسةِ، وَبأنَّ هَذا التَّقصيرَ في اتِّباعِ المَعموديَّةِ كِتابِيًّا في الكَنيسةِ هُوَ على الأرجَحِ أَصْلُ جُزءٍ مِنَ المَشاكِلِ العَويصَةِ المَوجودةِ في الكنيسةِ لأنَّه يَكْشِفُ عَن عَدَمِ أمانَةِ النَّاسِ في إطاعَةِ وَصايا الرَّبِّ المُباشِرَةِ والبَسيطَة. والسُّؤالُ المُباشِرُ هُوَ: إنْ لم يَكُن بِمَقدورِكَ أن تُطيعَ الرَّبَّ في أمْرٍ بَسيطٍ مِثلَ المَعموديَّةِ الَّتي أَوصَى الرَّبُّ كُلَّ مُؤمِنٍ تَحديدًا أن يُمارِسَها، أَلاَ يَدُلُّ ذلكَ على حَياةٍ غَيرِ مُطيعَة؟ وَهَذا يُفَسِّرُ الكَثيرَ مِنَ الضُّعفِ المَوجودِ في الكنيسةِ في يَومِنا هَذا.
عِندَما قَالَ يَسوعُ: "اذهَبُوا إلى العَالَمِ كُلِّهِ وَتَلمِذُوا النَّاسَ وَعَمِّدوهُم"... عندما قَالَ ذلكَ أعطَى وَصِيَّةً إلى الكنيسةِ بأن تُعَمِّد. وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ هِيَ الوَصِيَّةُ العُظمَى. وعندما قَالَ الرُّوحُ القُدُسُ: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ" في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 38، أعطَى هذهِ الوَصيَّةَ لِكُلِّ فَرْدٍ مُؤمِنٍ بأن يَعْتَمِد. فالمسيحُ يَأمُرُ الكَنيسةَ بأن تُعَمِّد. وَالرُّوحُ القُدُسُ يَأمُرُ الفَردَ المُؤمِنَ بأن يَعتَمِد. وعندما اعْتَمَدَ جَميعُ الأشخاصِ (وَعَدَدُهم ثَلاثَة آلاف) في يَومِ الخَمسين حَالَ إيمانِهم، كَانُوا قُدوةً للكنيسة. لِذا، هُناكَ وَصِيَّةُ المسيحِ للكنيسةِ بأن تُعَمِّد، وهُناكَ وَصِيَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ لَنا بِصِفَتِنا أفرادًا بأنْ نَعْتَمِد. وَنَحنُ نَتْبَعُ النَّمَوذَجَ والمِثالَ الَّذي تُرِكَ لَنا عِندَما وُلِدَتِ الكَنيسةُ حيثُ إنَّ كُلَّ شَخصٍ آمَنَ قَدِ اعتَمَدَ حَالاً.
والآن، هُناكَ أمرٌ وَاضِحٌ وَلا شَكَّ فيهِ بخصوصِ هذهِ الآياتِ الكِتابيَّةِ وَهُوَ أنَّ هُناكَ عِصْيانٌ وَاسِعٌ النِّطاقِ لهذهِ الوَصيَّةِ البَسيطَة. والآن، لِنَنُظُر إلى الأمرِ نَظرةً تَحليليَّة. فَهُناكَ خَمسةُ أسبابٍ عَامَّةٍ فقط تَدفَعُ الشَّخصَ الَّذي يَعتَرِفُ بالمَسيحِ إلى عَدمِ مُمارسةِ المَعموديَّة. حسنًا؟ السَّببُ الأوَّلُ هُوَ أن يَكونَ هَذا الشَّخصُ جَاهِلاً، ولم يَتَلَقَّ تَعليمًا صَحيحًا، ولم يَحصُل على تَعليمٍ كَافٍ عَنِ المَعموديَّة، أو لَم يَتَعَلَّم أيَّ شَيءٍ عَنها. فَمِنَ المُحتَمَلِ أن يَكونَ الجَهلُ هُوَ السَّبب. فَرُبَّما لم تَحصُل على تَعليمٍ كَافٍ عنها. وَالسَّببُ الثَّاني هُوَ أنَّهُ يُوجَدُ أشخاصٌ مُتَكَبِّرون. فَهُناكَ تَكَبُّرٌ رُوحِيٌّ يَمنَعُ أشخاصًا مِن أن يَعتَمِدُوا. وَقد تَقول: "وَكيفَ ذلك؟" لأنَّهُ مَضَى عليكَ وَقتٌ طَويلٌ جدًّا دُونَ أن تَعتَمِدَ مَعموديَّةً صَحيحة. لِذا فإنَّ مُمارسَتِكَ للمَعموديَّةِ ستكونُ إقرارًا عَلَنِيًّا مِنكَ بوجودِ عِصيانٍ في حَياتِكَ مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ جدًّا، أو وُجودِ جَهْلٍ لَديكَ مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ جدًّا. لِذا فإنَّهُ سيَكونُ أمرًا مُحْرِجًا لَك.
فَرُبَّما يَشعُرُ المَرءُ بالاتِّضاِعِ حِينَ يَنزِلُ إلى مِياهِ المَعموديَّةِ ويَقول: "أنا أَعلَمُ أنَّهُ كَانَ يَنبغي لي أن أَعتَمِدَ؛ ولكنِّي لم أَكُن مُطيعًا طَوالَ السَّنواتِ المَاضِيَة". وَهُناكَ أشخاصٌ ليسُوا مُستعدِّينَ للاتِّضاعِ، وليسُوا مُستعدِّينَ للإقرارِ بِعِصيانِهم، وَيَشعرونَ بالحَرَجِ مِنَ الاعترافِ بِتَقصيرِهم في هَذا الأمر. لِذا فإنَّها مُشكلةُ كِبرياءٍ رُوحِيَّة. وَكَما قُلتُ قَبلَ بِضعةِ أسابيع، إنَّ هَؤلاءِ يُفَضِّلونَ الخِزْيَ في يَومِ الدَّينونَةِ على أنْ تُخْدَشَ كِبرِياؤُهُم أمامَ الكَنيسة.
وَهُناكَ سَبَبٌ ثَالِثٌ يَدفَعُ النَّاسَ إلى عَدمِ إطاعَةِ وَصِيَّةِ المَعموديَّةِ وَهُوَ عَدَمُ المُبالاة. فَهُم أشخاصٌ غيرُ مُبالين. بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُم لا يَكتَرِثون. فَقَد فَهِمُوها، وَهُم ليسُوا ضِدَّها، ورُبَّما يُؤمِنونَ بها؛ ولكِنَّها لَيسَت مُهِمَّة وَحَسْب، أو ليسَت أولويَّة. فَهُم لا يُفَكِّرونَ البَتَّة فيها. فَهُم لا يَستطيعونَ المجيءَ عندما نُعَمِّد هُنا، بَل يُفَضِّلونَ الذَّهابَ إلى مَكانٍ آخر عندما تَجري الاستعداداتُ لها. وَهُمْ يُصَفِّفُونَ شَعْرَهُم دَائِمًا كُلَّ يَومِ سَبْتٍ ولا يُريدونَ أن يُفسِدُوا تَسريحَتَهُم مَساءَ يَومِ الأحد! فَهِيَ لَيسَت مَسألةً مُهِمَّةً عِندَهُم. لِذا، هُناكَ عَدَمُ المُبالاة.
إذًا، هُناكَ الجَهلُ، والكِبرياءُ، وعَدَمُ المُبالاة. وَهُناكَ سَبَبٌ رَابِعٌ يَمنَعُ النَّاسَ مِنَ الإقدامِ على المَعموديَّة. ويُمكِنُنا أنْ نَصِفَ هَؤلاءِ بأنَّهُم مُتَمَرِّدون. فَهُم يَرفُضونَ ذلكَ وَحَسْب. فَهُم مُتَمَرِّدون. وَغالبًا مَا يَقتَرِنُ ذلكَ بحقيقةِ أنَّهُم إنِ اعتَمَدُوا فإنَّ ذلكَ سيَكونُ رِياءً. وَهُم يَعلَمونَ ذلك. فَهُم يَتَمَرَّدونَ على المَعموديَّةِ لأنَّهُ تُوجَدُ خَطِيَّةٌ في حَياتِهم. وَهُم لا يُبدونَ الاستِعدادَ للوقوفِ أمامَ الرَّعيَّةِ وَالإقرارِ عَلَنًا بِخُضوعِهم لِرُبوبِيَّةِ يَسوعَ المَسيحِ والتَّمَتُّعِ بِفَرَحِ مَعرِفَتِهِ في حينِ أنَّهُ تُوجَدُ خَطِيَّةٌ في حَياتِهم. لِذا فِإنَّ رِياءَهُم هُوَ الَّذي يَجعَلُهُم يَتَمَرَّدونَ على الوَصِيَّةِ المُختصَّةِ بالمَعموديَّة. وعندما تَرَوْنَ شَخصًا يَرفُضُ أن يَعتَمِد، اعلَمُوا أنَّ السَّببَ هُوَ إمَّا الجَهْل، أو الكِبرياء، أو عَدَم المُبالاة، أو التَّمَرُّد.
أو يُوجَدُ سَبَبٌ خَامِسٌ وَأخيرٌ وَهُوَ أنَّهُم لم يُولَدُوا ثَانيةً. فَهُم ليسُوا مُؤمِنينَ أصلاً. لِذا، لا يُوجَد تَحريضٌ مِنْ رُوحِ اللهِ لَهُم بأنْ يَكونُوا مُطيعين. فَهُم لا يَرغبونَ في الاعترافِ عَلَنًا، بَل يُريدونَ أن يَتَسَكَّعُوا في الكَنيسة، وَأن يَظُنَّ النَّاسُ أنَّهُم مَسيحيُّون. ولكِنَّ هَذا ليسَ إيمانًا حَقيقيًّا. وَهُم لا يُريدونَ أن يَقِفُوا أمامَ النَّاسِ ويُؤكِّدوا حَقيقةَ إيمانِهم بالمَسيح لأنَّهُ ليسَ حَقيقيًّا البَتَّة.
لِذا، إن لم تَكُن قَدِ اعْتَمَدْتَ فإنَّكَ تَنتَمي إلى فِئَةٍ أو أُخرى مِن تلكَ الفِئاتِ ويجبُ عليكَ أن تَسألَ نَفسكَ السُّؤالَ التَّالي: إن لم أعتَمِد، هَل يَرجِعُ السَّببُ في ذلكَ إلى عَدَمِ فَهمي لأهميَّةِ المَعموديَّة؟ في هَذهِ الحَالَة، سَوفَ تُغادِرُ في هذا الصَّباحِ مِن دُونِ هَذا الاحتمالِ وتُفَكِّر في الاحتمالاتِ الأخرى. هَل أنا غَيرُ مُبالٍ بأهميَّتِها؟ هَل أنا مُتَكَبِّر؟ هَل أنا مُتَمَرِّد بسببِ وُجودِ خَطِيَّة في حَياتي؟ هَل أنا مُتَمَرِّدٌ على اللهِ وغيرُ مُستعدٍّ للطَّاعَة؟ أَم هَل أنا غَيرُ مُؤمِنٍ أصلاً وَلا أشعُرُ بأيَّةِ رَغبةٍ في المِعمُوديَّة لأنَّهُ لا يُوجَدُ لَديَّ أيُّ دَافِعٍ مُحَدَّدٍ إلى الاعترافِ بيسوعَ عَلَنًا؟
والآن، لكي أُساعِدَكُم على فَهْمِ ما يَنبغي أن تَفهَموهُ عَنِ المَعموديَّة، أريدُ أن أطرَحَ أسئلةً عَديدةً ثُمَّ أُحاولُ أن أُجيبَ عَنها مِن كلمةِ الله. حسنًا؟ السُّؤالُ الأوَّل: مَا هِيَ المَعموديَّة؟ عندما نَتحدَّثُ عَنِ المَعموديَّة، مَا الَّذي نَتحدَّثُ عنه؟ لِنَفترِض أنَّنا لا نَعرِفُ حَتَّى مَا الَّذي نَتحدَّثُ عنه. ولنبتدِئ مِنَ البِداية: مَا هِيَ المَعموديَّة؟ الجَوابُ ببساطَة، مِنَ النَّاحِيَةِ الجَسَدِيَّة: المَعموديَّةُ احتفالٌ يَتِمُّ فيهِ تَغطيسُ المُؤمِنِ (أو إنزالُهُ أو غَمْرُهُ) في المَاء. هَذا هُوَ تَعريفُها. فَهُوَ احتفالٌ يَتِمُّ فيهِ تَغطيسُ المُؤمِنِ (أو إنزالُهُ أو غَمْرُهُ) في المَاء. هَذهِ هِيَ المَعموديَّة، أو هَذا هُوَ التَّعريفُ الجَسَدِيُّ للمَعموديَّة.
والآن، هُناكَ فِعلانِ في العهدِ الجديدِ يُؤكِّدانِ هَذا التَّعريفَ البَسيطَ للمَعمودِيَّة. ونَحنُ نَتحدَّثُ وَحَسْب عنِ العَمَلِ نَفسِهِ أو عَنِ الاحتفالِ نَفسِهِ، لا عَن مَعناها. وَسَوفَ نَتحدَّثُ عن مَعناها بَعدَ قَليل. والفِعلانِ المُستخدَمانِ في العهدِ الجديدِ هُما "بابتو" (bapto) وَ "بابتيتزو" (baptizo). والفِعْل "بابتو" (bapto) يُستخدَمُ أربعَ مَرَّاتٍ فقط. وَهُوَ يَعني دائِمًا: "يُغَطِّس" أو "يَغْمِس" أو "يَغمُر" في صِبْغَة. لِذا، في كُلِّ هذهِ الحَالاتِ، مَعناها هُوَ أن يُغَطِّس أو يَغْمِس أو يَغمُر في. والصِّيغَةُ الأقوى مِن "بابتو" (bapto)، وَهِيَ صِيغَةُ التَّوكيدِ مِنَ الفِعل "بابتو" هِيَ: "بابتيتزو" (Baptizo) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "بابتايز" (baptize) ومَعناها: "يُعَمِّد". وقدِ استُخدِمَت الكلمة "بابتيتزو" مَرَّاتٍ عَديدة وكثيرة؛ على النَّقيضِ مِنَ المَرَّاتِ الأربعِ الَّتي استُخدِمَت فيها الكلمة "بابتو". فالكلمة المُؤكَّدة استُخدِمَتْ مَرَّاتٍ أكثر بكثير. وَهِيَ تَعني دَائِمًا "يُغَطِّس تَمامًا". وَهِيَ الكلمة الَّتي تَعني: "يَغرَق" أو "يَغوصُ تَمامًا" أو "يُغمَس" أو "يُغمَر" في المَاء.
وَصيغَةُ الاسمِ المُستخدَمَةُ هِيَ "بابتيزموس" (baptismos). والكلمة "بابتيزموس" تُشيرُ دَائِمًا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل إلى غَمْرِ المُؤمِنِ في المَاء. لِذا، مِنَ النَّاحِيَةِ اللُّغَوِيَّة فإنَّ اللَّفظَةَ تُشيرُ دَائِمًا إلى الغَمْرِ أوِ التَّغطيسِ في المَاء. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ المَعموديَّةَ صَارَت لَفظةً اصطِلاحِيَّةً للتَّغطيسِ حَتَّى إنَّها صَارَتْ تُنْقَلُ صَوْتِيًّا عِوَضًا عَن أن تُتَرجَم. فَتَرجَمَةُ لَفظةٍ مَا تَعني إعطاءُ مَعناها. أمَّا النَّقلُ الصَّوتِيُّ لِلَفْظَةٍ مَا فيَعني أنْ تَنْقِلَ لَفظَ الكلمةِ مِن لُغَةٍ إلى أُخرى مِن دُونِ إعطاءِ مَعناها. بِعبارةٍ أخرى فإنَّ الكلمة "بابتيتزو" صَارت "بابتايز". وَهَذا لا يُعطي مَعناها. فَمَعناها هُوَ: "يُغَطِّس". ويُمكِنُكُم أن تَأخُذوا كُلَّ استِخدامٍ للكلمة "بابتو" أو "بابتيتزو" أو بابتيزموس" وَأن تُتَرجِموها: "يُغَطِّس" أو "تَغطيس" لأنَّ هَذا هُوَ مَعناها. ولكِنْ لأنَّها صَارت لَفظةً اصطِلاحِيَّةً لاحتفالِ التَّغطيس، نَقَلوها نَقْلاً صَوْتِيًّا مِنَ اللُّغَةِ الأصليَّةِ وَأبقَوْها: "بابتايز". وَحَتَّى في إنجلترا، صَارَت تِلكَ الكلمةُ تَعني "يُغَطِّس" أو "يَغمُر بالماء".
فَيُمكِنُكُم أن تَبحَثُوا في كُلِّ العهدِ الجديدِ على الكلمة "بابتايز" وأنْ تُتَرجِموها "يُغَطِّس"، وَأن تَكونَ تَرجَمَتُكم صَحيحةً ومَفهومَةً في كُلِّ مَرَّة. لِذا فإنَّ كُلَّ استِخدامٍ في العهدِ الجديدِ للألفاظ "بابتو" أو "بابتيتزو" أو بابتيزموس" يَتَطَلَّبُ أو يَقتضي أو يَسمَحُ بِتَرجمتِهِ: "يُغَطِّس" أو "تَغطيس". والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هَذا وَاضِحٌ جدًّا وَمُحْكَمٌ جدًّا حَتَّى إنَّ "جون كالفن" (John Calvin) الَّذي كَانَ قَادِمًا مِن قَلبِ الكَنيسةِ المَشيخيَّةِ الَّتي تُعَمِّدُ بالرَّشِّ لا بالتَّغطيسِ قَال: "مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ التَّغطيسَ كَانَ المُمارَسَةَ المَألوفَةَ في الكَنيسةِ البَاكِرَة". فَهَذا هُوَ مَعنى الكلمة. وَهَذا هُوَ مَا كَانُوا يَفعلونَهُ.
فَضلاً عَن ذلك، مِنَ المُدهِشِ أن نَفهمَ أنَّ الفِعْلَيْن "بابتو" وَ "بابتيتزو" لم يُسْتَخْدَما قَطّ بصيغةِ المَبني للمَجهول. فَهُما لم يُستَخدَما قَطّ بصيغةِ المَبني للمَجهول. بِعبارةٍ أخرى، لم يُذكَر قَطّ أنَّ المَاءَ عُمِّدَ لِشَخصٍ مَا. هَل فَهِمتُم ذلك؟ فَنحنُ نَقرأُ دائِمًا أنَّ الشَّخصَ عُمِّدَ بالماء، ولكِنَّنا لا نَقرأُ قَطّ إنَّ المَاءَ عُمِّدَ لِشَخصٍ مَا كَما هِيَ الحَالُ عندما نَتَحَدَّثُ عَن رَشِّ المَاءِ أو سَكبِهِ أو وَضْعِهِ عَلى أطرافِ أصَابِعِكَ وَسَكْبِهِ على رأسٍ أَحَدِهم. فَلا نَقرأُ البَتَّة أنَّ المَاءَ عُمِّدَ لِشخصٍ مَا، بَل نَقرأُ دَائِمًا إنَّ الشَّخصَ عُمِّدَ في المَاء. فالمَعموديَّةُ تَعني دَائِمًا التَّغطيسُ أوِ الغَمْرُ أوِ الغَمْسُ في المَاء.
والآن، إنَّ المَرَّاتِ الَّتي يُشارُ فيها في العهدِ الجديدِ إلى المَعموديَّةِ تُؤكِّدُ هَذا المَعنى الواضِح جدًّا. واسمَحُوا لي أن أُعطيكُم بِضعَةَ أمثلةٍ إيضاحِيَّة. فَفي إنجيل مَتَّى 3: 6، نَرى خِدمةَ يُوحَنَّا المَعمَدان. وَسوفَ نَقولُ المَزيدَ عَنها بعدَ قَليل. ولكِنَّنا نَرى خِدمةَ يُوحَنَّا المَعمدانِ ونَقرأُ أنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأتونَ إليهِ (في العَددِ السَّادسِ) ويَعتَمِدونَ مِنهُ في نَهْرِ الأُردُنّ. فَقد كَانُوا يَعْتَمِدونَ في النَّهر. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ كَانَ في البَرِّيَّةِ عندَ النَّهرِ لأنَّهُ كَانَ المَكانَ اللاَّزِمَ للمَعموديَّة. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ إنْ كَانُوا قَدِ اعتَمَدُوا في النَّهرِ، لا بُدَّ أنَّهُم غُطِّسُوا فيه. فأنتَ لَستَ بِحاجَةٍ إلى نَهْرٍ إنْ كُنتَ سَتَرُشُّ نُقطةَ مَاءٍ على جَبْهَةِ شَخصٍ مَا أو إنْ كُنتَ سَتَصُبُّ مِقدارًا قَليلاً مِنَ المَاءِ عليهِ بطريقةٍ أو بأخرى.
ونَقرأُ في العَدد 16، بَعدَ مَعموديَّة يَسوع، بعدَ أنِ اعتَمَد، نَقرأُ في العَدد 16 أنَّ يَسوعَ "صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاء". فَقد كَانَ يَسوعُ في المَاء. وَقد خَرَجَ مِنَ المَاء. لِذا، نَرى مَرَّةً أخرى أنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ في النَّهر، وَأنَّ يَسوعَ كَانَ في ذلكَ النَّهرِ وَخَرَجَ مِن ذلكَ النَّهر.
والآن، يَتحدَّثُ إنجيلُ مَرقُس والأصحاحُ الأوَّل أكثر عَن خِدمةِ يُوحَنَّا ويقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ..." [في إنجيل مَرقُس 1: 5] "...وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ". ولكِنَّكَ لستَ بِحاجَةٍ إلى النُّزولِ إلى النَّهرِ إنْ كَانَ كُلُّ مَا سَتَفعَلُهُ هُوَ رَشُّ المَاء. ويُشيرُ إنجيل يُوحَنَّا 3: 23 أيضًا إلى خِدمةِ يُوحَنَّا المَعمَدان ويَقولُ جُملةً مُهِمَّةً جدًّا في إنجيل يُوحَنَّا 3: 23. فَهُوَ يَقول: "وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ..." [وَهِيَ مِنطَقَةٌ بالقُربِ مِن نَهرِ الأُردُنِّ] "...لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ". ولكِن مَا حَاجَتُهُ إلى مِياهٍ كَثيرة؟ لأنَّهُ كَانَ يُوجَدُ أُناسٌ كَثيرونَ بِحاجَةٍ إلى التَّغطيسِ في المَاء. لِذا، كانت المِياهُ الكَثيرةُ لازِمَةً للمَعموديَّة.
ثُمَّ يُمكِنُنا أن نَنظُرَ إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ والأصحاحِ الثَّامِن؛ وَهِيَ قِصَّةٌ مَعروفَةٌ عَن فِيلُبُّس وَالخَصِيّ. فَقَد كَرَزَ فيلُبُّس بالمَسيحِ فَآمَنَ الخَصِيُّ. وبسببِ إيمانِهِ قَال: "مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِد؟" وَفي العَدد 38 بَعدَ أنِ اعتَرَفَ بإيمانِهِ، أَمَرَ فيلُبُّس المَرْكَبَةَ أن تَقِف فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. فَقَد غَطَّسَهُ بالماء، أو وَضَعَهُ تَحتَ الماء، أو غَمَرَهُ تَحتَ المَاء. "وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ..." – والمَعنى الضِّمنِيُّ هُنا وَاضِحٌ جدًّا. فَهذا احتفالُ تَغطيسٍ يَنزِلُ فيهِ المَرءُ تَحتَ المَاء، أو يُغَطَّسُ فيهِ في المَاء، أو يَتِمُّ إنزالُهُ تَحتَ الماء، أو يَتِمُّ غَمْرُهُ تَحتَ المَاء ثُمَّ يَتِمُّ إخراجُهُ مِنَ المَاء.
والآن، هناكَ مُلاحظة أخرى حَولَ هَذهِ المسألةِ الاصطِلاحِيَّةِ المُختصَّةِ بِماهِيَّةِ المَعموديَّة وَهِيَ التَّالية: التَّغطيسُ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُلائِمُ الحَقيقةَ الَّتي تُصَوِّرُها المَعموديَّة. التَّغطيسُ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُلائِمُ الحَقيقةَ الَّتي تُصَوِّرُها المَعموديَّة. وَهَذِهِ الحَقيقَةُ هِيَ أنَّ المُؤمِنَ في لَحظةِ الخَلاصِ يَتَّحِدُ بالمَسيحِ في مَوتِهِ وَقيامَتِه. فالتَّغطيسُ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يَرمِزُ إلى المَوتِ أوِ الدَّفْنِ عِنْدَ النُّزولِ تَحتَ المَاءِ، وَإلى القِيامَةِ للسُّلوكِ في جِدَّةِ الحَياةِ عِندَ الصُّعودِ مِنَ المَاء. فالتَّغطيسُ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُحافِظُ على هذهِ الصُّورة؛ أيْ عَلى الصُّورةِ الَّتي تَرْمِزُ إليها المَعموديَّة.
والآن، هُناكَ مُلاحَظةٌ وَهِيَ أنَّ هُناكَ مَعموديَّاتٌ في الكتابِ المقدَّسِ لَن نَتحدَّثَ عَنها في هذا الصَّباح. الأولى هِيَ مَعموديَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ في جَسَدِ المَسيح. والأصحاحُ الثَّاني عَشَر مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس يُحَدِّثُنا عَنها. والثَّانية هِيَ مَعمودِيَّةُ النَّار؛ أوِ عَذابُ النَّارِ الَّذي تَوَعَّدَ بِهِ اللهُ غَيرَ المُؤمِنين. ونَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 20: 15 عن هَذهِ المَعموديَّة. وبالمُناسَبَة، لَقد تَنَبَّأَ يُوحَنَّا المَعمدانُ في إنجيل مَتَّى 3: 11-12 عَن كِلتا هَاتينِ المَعموديَّتينِ عندما قَالَ إنَّهُ سَيَأتي شَخصٌ أعظمُ مِنهُ سَيُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَنَار. لِذا، لَن نَتحدَّثَ عَن مَعموديَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَلَن نَتحدَّثَ عَن مَعموديَّةِ النَّارِ في الدَّينونَةِ؛ بَل إنَّ كُلَّ مَا نُريدُ أن نُرَكِّزَ عَليهِ هُوَ مَعموديَّةُ المَاء – أيْ هَذِهِ الفَريضَة الرَّائِعَة.
والآن، إنَّ التَّغطيسَ في المَاءِ هُوَ وَصِيَّة مُوَجَّهَة إلى كُلِّ مُؤمِن. وَهِيَ شَيءٌ مُهِمٌّ جدًّا لا فقط لأنَّها تُظهِرُ قَلبَ الإنسانِ المُطيع، بل أيضًا بسببِ الصُّورةِ الَّتي تُمَثِّلُها. فَكما تَرَوْنَ فإنَّ المَعموديَّةَ هِيَ أداةٌ تَعليميَّة. فالمَعموديَّةُ هِيَ دَرسٌ عَمليٌّ. والمَعموديَّةُ هِيَ تَشبيهٌ مَادِّيٌّ لحَقيقةٍ رُوحيَّةٍ عَميقةٍ. وَأيُّ دَارِسٍ للكِتابِ المُقدَّسِ يَعلمَ أنَّ اللهَ يُحِبُّ أن يُعَلِّمَ مِن خِلالِ الرُّموزِ، والصُّوَرِ، والأمثلةِ الإيضاحِيَّةِ، والأمثالِ، والتَّشبيهات. وَالحقيقةُ هِيَ أنَّكُم إذا رَجَعتُم إلى العهدِ القديمِ... وَأرجو أن تُرَكِّزُوا مَعي في مَا سأقولُهُ لأنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا. إذا رَجَعتُم إلى العهدِ القديمِ سَتُلاحِظونَ أنَّ اللهَ أعطاهُم صُوَرًا عَديدةً، وأعيادًا عَديدةً، ودُروسًا عَمليَّةً عَديدة. فَعلى سَبيلِ المِثالِ، كانَ يَتِمُّ إحياءُ كُلِّ المُناسباتِ الرَّئيسيَّةِ في تَاريخِ بني إسرائيلَ مِن خِلالِ دَرسٍ عَمليٍّ مُعَيَّن، أو ذِكرى مُعَيَّنة. وكانت كُلُّ الحَقائقِ الرُّوحيَّةِ الرَّئيسيَّةِ تُوَضَّحُ لَهُم بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ مِن خِلالِ رَمْزٍ مَا، أو تَشبيهٍ مَا، أو صُورةٍ مَا. وَكانَ القَصدُ الرَّئيسيُّ مِن هذهِ الأشياءِ هِيَ أن تَكونَ وَسائِلَ تَعليميَّة.
فَمَثلاً، لِنَفتَرِض أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ لَديكَ طِفلانِ في العَائلة عُمرُهُما خَمسَ سِنين أو سِتَّ سِنين، أو مَا شَابَهَ ذلك، وَأنَّ زَوجَتَكَ أنجَبَتْ أَخًا لَهُما. في اليَومِ الثَّامِنِ مِن وِلادَةِ الأخِ الصَّغير، حَانَ وَقتُ خِتانِ الأخِ الصَّغيرِ في العَائِلة. لِذا، عِندَما يُختَنُ الأخُ الصَّغيرُ قَد يَقولُ أخوهُ أو أُختُهُ: "أبي، لِماذا تَفعلونَ ذلك؟" هَذا هُوَ القَصدُ المُحَدَّدُ مِنْ ذلكَ الاحتفال: تَوصيلُ حَقٍّ رُوحِيٍّ إلى الجِيلِ القَادِم. والحَقُّ الرُّوحيُّ هُوَ التَّالي: تُوجَدُ فينا خَطيَّةٌ مُتَأصِّلَة. فَهِيَ مَوجودةٌ في طَبيعَتِنا. وكُلُّ مَا يُمكِنُنا فِعلُهُ هُوَ أن نُنْجِبَ خُطاةً. لِذا، يَنبغي للإنسانِ أن يُدركَ أنَّهُ يَمْلِكُ عُضْوًا تَناسُلِيًّا قَادِرًا على إنجابِ الشَّرِّ، وَأنَّهُ بِحاجَةٍ مُلِحَّةٍ إلى استِئصالِ تِلكَ الخَطِيَّةِ، أو إلى التَّطهيرِ مِنها. لِذا فإنَّكَ تَقولُ لأطفالِكَ إنَّ الخِتانَ هُوَ صُورةٌ تُظْهِرُ كَيفَ أنَّ قَلبَ الإنسانِ وَرُوحَهُ بِحاجَةٍ مُلِحَّةٍ إلى التَّطهيرِ مِنَ الخَطيَّة.
وعندما يَذهبُ الطِّفلُ الصَّغيرُ مَعَ أُمِّهِ وَأبيهِ إلى الهَيكلِ ويَرى الذَّبائِحَ الدَّمويَّةَ تُقَدَّم، قَد يَقول: "أُمِّي! لِماذا يَفعلونَ ذلك؟" وَسَوفَ تُجيبُهُ الأُمُّ عَن سُؤالِهِ قَائلةً: "مَا تَراهُ يَعني أنَّ خَطايانا تَستَوجِبُ المَوت. لِذا، يَنبَغي أن يَموتَ شَخصٌ أو شَيءٌ عَنِ الخَطيَّة. وَقَد سَمَحَ اللهُ لَنا بِنِعمَتِهِ أن نُقَدِّمَ حَيَوانًا لِيَموتَ بَدَلاً عَنَّا. لِذا فإنَّ هذهِ الذَّبائِحَ صُورةٌ لِلبَديل". وَقد تَقولُ الأُمُّ: "وَفي يَومٍ مَا، سَيُرسِلُ اللهُ حَمَلاً حَقيقيًّا ليكونَ البَديلَ الأخير. وَحينئذٍ فإنَّ كُلَّ الذَّبائحِ الأخرى سَتَتوقَّف. ولكِنَّ الخَطيَّةَ سَيِّئةٌ جِدًّا وَتَجلِبُ المَوتَ... المَوتَ الدَّمَوِيَّ". وَسَوفَ يُصابُ الطِّفلُ الصَّغيرُ الَّذي يَقِفُ في الهَيكَلِ بِصَدمَةٍ حَقيقيَّةٍ عِندَما يَرى مِئاتَ أو آلافَ الحَيواناتِ تُذبَح. وَسَوفَ يَكونُ ذِلكَ المَشهَدُ صُورةً حَيَّةً لِشَناعَةِ الخَطيَّةِ في حَياةِ الإنسانِ، وَعِاقِبَةِ تِلكَ الخطيَّة. وعندما أَسَّسَ اللهُ الفِصْحَ، قَد يَسألُ أَحَدُ الأطفال: "لِماذا نَفعلُ هَذا؟" فيُجيبُ الأبُ: "لِكَي نَتذكَّرَ أنَّ اللهَ هُوَ مُخَلِّصُنا العَظيمُ، وَأنَّهُ خَلَّصَنا مِن مِصْر".
فَقد كَانَ كُلُّ شَيءٍ يَفعَلونَهُ وَسيلةً تَعليميَّةً تَرْمِي إلى إنشاءِ جِيْلٍ تَقِيٍّ. فَهَكذا كَانَ يَتِمُّ تَوصيلُ الحَقِّ الرُّوحيِّ: بِألفاظٍ حَيَّة. ويا أحبَّائي، لَقد تَوَقَّفَتْ كُلُّ تلكَ المُمارَسات. فبانتهاءِ العهدِ القديم، تَوقَّفَتْ كُلُّ تِلكَ الصُّوَر. ولَم يَترُك لَنا الرَّبُّ سِوى صُورَتَيْن: مَائِدَةَ الرَّبِّ، والمَعموديَّة. وَلا شَكَّ في أنَّهُما أَهَمُّ صُورَتَيْنِ لَديه. فَمائِدَةُ الرَّبِّ هِيَ صُورةٌ مَادِّيَّةٌ تُصَوِّرُ مَوتَ المَسيحِ وَذَبيحَتِه. وَالمَعمودِيَّةُ هِيَ صُورةٌ مَادِّيَّةٌ تُصَوِّرُ مَوتَ الإنسانِ وَدَفنَهُ، ووِلادَتَهُ الجَديدَة عِندَما يُؤمِنُ بالمُخَلِّص. فَهُوَ دَرسٌ عَمليٌّ. وَهُوَ عَرْضٌ بَصَرِيٌّ لِحَقيقةٍ رُوحِيَّة. هَذا هُوَ مَعنى المَعموديَّة.
والآن، اسمَحُوا لي أن أتحدَّثَ قَليلاً عَن تَاريخِ المَعموديَّة. وَهَذا هُوَ السُّؤالُ الثَّاني. فَمِن أينَ جَاءَت؟ وكيفَ حَصَلنا عَليها؟ وأينَ ابتدأت؟ حسنًا! سَنَرجِعُ إلى مَا قَبل العهدِ الجديد. فَقد كَانَ يُوجَدُ شَعبٌ للهِ هُوَ إسرائيل. وَقد كانوا الشَّعبَ الَّذي تَسَلَّمَ الشَّريعةَ، والوُعودَ، والأنبياءَ، والعُهود. فَقد كَانُوا شَعبَ الله. وَقد عَبَدُوا اللهَ الحَقيقيَّ. وَقد حَصَلُوا على الإعلانِ الحَقيقيِّ عَنِ اللهِ الحَقيقيّ. ولكِن كَانَت هُناكَ شُعوبٌ كَثيرةٌ أخرى حَولَهُم تُدعَى "الأُمَم". وَغالِبًا، كانَ الأُمَمُ يَرغَبونَ في الاقترانِ بِإسرائيل، ويُريدونَ أن يَعبُدوا اللهَ الحَقيقيَّ بالطَّريقةِ الصَّحيحَة، ويُريدونَ أن يَصيروا يَهودًا؛ لا عِرْقِيًّا لأنَّ هَذا مُستحيل، بَل دِينيًّا أو رُوحِيًّا. لِذا فقد كَانُوا يَرغبونَ في اعتِناقِ اليَهوديَّة.
ولكي يَتمكَّنَ الأُمَمِيُّ مِنَ القِيامِ بذلك، كَانَ يُسَمَّى "دَخيلاً". لِذا فقد وَضَعُوا نِظامًا لِدُخولِ الدُّخَلاءِ إلى اليَهوديَّة. وَكانَ هَذا النِّظامُ يَتَألَّفُ مِن ثَلاثةِ أجزاء. حسنًا؟ فَهذهِ هِيَ أوَّلُ مَرَّةٍ تَظهَرُ فيها المَعموديَّةُ في التَّقاليدِ اليَهوديَّةِ المُختصَّةِ بالأُمَمِ الدُّخَلاء. فَمِن هُنا ابتدأتِ المَعموديَّةُ بالظُّهور؛ أيْ مِن خِلالِ تَعميدِ الدُّخَلاءِ؛ أيِ الأُمَمِ الَّذينَ يَرغَبونَ في اعتناقِ اليَهوديَّة.
والآن، كانَ طَقْسُ اعتِناقِ الدَّخيلِ لليَهوديَّةِ يَتألَّفُ مِن ثَلاثِ خُطُوات. وأعتقدُ أنَّ هذهِ الخُطُواتِ مُدهشة. استَمِعوا إليها: فَهُناكَ مَا يُعرَفُ بالميلاه (milah)، والتيبولا (tebula)، والقُربان (corbin). "ميلاه"، وَ "تيبولا"، وَ "قُربان". وَكانَ يَنبغي لِكُلِّ دَخيلٍ أُمَمِيٍّ يَرغبُ في اعتِناقِ اليَهوديَّةِ بِقَلبٍ يَتُوقُ إلى عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ أنْ يَقومَ بِهَذهِ الخُطُواتِ الثَّلاث.
الخُطوةُ الأولى: "ميلاه" (milah): الخِتان... الخِتان. فَبِغَضِّ النَّظَرِ عَن عُمْرِ الرِّجالِ، كَانُوا يُخْتَنون. لِماذا؟ لأنَّ هذهِ العَلامَةَ المُمَيِّزَةَ لِشعبِ اللهِ كَانَت تُظهِرُ أنَّهُم خُطاةٌ بِطبيعَتِهم، وَأنَّهُم خُطاةٌ في صَميمِ أعضائِهم الحَيَّة. بِعبارةٍ أخرى: إنَّ الخَطِيَّةَ تِلِدُ خَطِيَّة. فَعلى غِرارِ آدَم فَإنَّ الجَميعَ أمواتٌ بالخَطيَّة. لِذا فإنَّ الجِنسَ البَشريَّ كُلُّهُ مُلَوَّث. لِذا فقد كانُوا يُخْتَنونَ إقرارًا مِنهُم بأنَّهُم خُطاةٌ في ذَواتِهم، وَبأنَّهُم بِحاجَةٍ إلى التَّطهيرِ والتَّقديس. لِذا، كانَ يُرمَزُ إلى ذلكَ التَّطهيرِ والتَّقديسِ بالخِتان. لِذا، كَانَ الأُمَمِيُّ يُؤّكِّدُ خَطيئَتَهُ الدَّاخليَّة... لا فقط أنَّ أعمالَهُ الظَّاهريَّةَ خَاطئة، بل إنَّ طَبيعَتَهُ الدَّاخليَّةَ مُلَوَّثة بالخطيَّة ولا يُمكِنُ أن تُنجِبَ إلاَّ نَسْلاً خَاطِئًا. وَكانَ هذا اعترافٌ عَظيمٌ مِن شَخصٍ أُمَمِيٍّ. هذهِ هِي خُطوةُ الميلاه (milah).
أمَّا الخُطوةُ الثَّانيةُ فَكانَت "تيبولا" (tebula). والتيبولا هُوَ التَّغطيسُ في المَاء. فَبعدَ أن يُخْتَنَ الأُمَمِيُّ الَّذي يَرغبُ في اعتِناقِ اليَهوديَّة، كَانَ يُغَطَّسُ في المَاء. لماذا؟ لأنَّهم كَانُوا يَقولونَ إنَّ ذلكَ التَّغطيسَ يَرمِزُ إلى أنَّ ذلكَ الأُمَمِيَّ مَاتَ عَنِ العَالَمِ الأُمَمِيّ. فالحَياةُ العَتيقَةُ قَد مَاتَت، أيِ الحَياةُ العَتيقةُ بِمَعزِلٍ عَنِ اللهِ، وبِمَعزِلٍ عَن وُعودِ اللهِ، وبِمَعزِلٍ عَن مَعرفةِ اللهِ، وبِمَعزِلٍ عَن مَعرفةِ الحَقِّ المُختصِّ باللهِ. فَتلكَ الحَياةُ مَاتَتْ، وَقد صَارَ إنسانًا جَديدًا يَتمتَّعُ بِحياةٍ جَديدةٍ وَعائلةٍ جَديدةٍ، وعَلاقةٍ جَديدةٍ باللهِ الحَقيقيّ. لِذا فقد كَانُوا يَقولونَ إنَّهُ لا يُوجَدُ شَيءٌ يُوَضِّحُ ذلكَ أفضلَ مِنَ التَّغطيس. لِذا، كَانَ تَغطيسُ الأُمَمِيِّينَ الدُّخَلاءَ هُوَ أوَّلُ ظُهورٍ للمَعموديَّةِ في تَاريخِ الفِداء.
أمَّا الخُطوةُ الثَّالثةُ فَهِيَ "قُربان" (corbin)؛ أيْ: تَقديمُ ذَبيحَةٍ حَيَوانِيَّة. فَقد كانَت هُناكَ خُطوةُ الخِتانِ، وخُطوةُ التَّغطيسِ، وخُطوةُ تَقديمِ ذَبيحَة. وعندما كَانَ الحَيَوانُ يُقَدَّمُ على المَذبَح، كَانَ الدَّمُ يُرَشُّ على الأُمَمِيِّ أوِ الدَّخيلِ رَمْزًا... رَكِّزُوا مَعي... رَمزًا إلى حَاجَتِهِ إلى التَّطهيرِ مِن خَطاياهِ اليَوميَّة. فَهُوَ ليسَ بِحاجَةٍ فقط إلى التَّطهيرِ مِن طَبيعَتِهِ الشِّرِّيرةِ، بَل أيضًا مِن خَطاياه اليَوميَّة؛ أيْ ليسَ فقط مِن عُبوديَّتِهِ للخطيَّة، بَل أيضًا مِنَ الخَطايا الَّتي يَقتَرِفُها. لِذا، كانَ الشَّيءُ الرَّئيسيُّ في طُقوسِ التَّهويدِ هَذِهِ هُوَ الاعترافُ بالخطيَّةِ على مُستوى الطَّبيعةِ الدَّاخليَّةِ العَميقةِ، وَعلى المُستوى السُّلوكِيِّ مِن خِلالِ كُلِّ الأعمالِ الحَياتِيَّةِ، والاعترافُ بالحَاجَةِ المُلِحَّةِ إلى المَوتِ عَن كُلِّ تلكَ الحَياةِ، والقِيامَةُ للسُّلوكِ في جِدَّةِ الحَياةِ في عَائلةٍ جَديدةٍ وَعَلاقَةٍ جَديدةٍ باللهِ الحَقيقيّ. لِذا، هَكذا ابتدأَ التَّغطيس. وَهُوَ يَرمِزُ إلى المَوتِ عَنِ الحَياةِ القَديمَةِ، والقِيامَةِ للسُّلوكِ في جِدَّةِ الحَياة.
والآن، لِنَتَتَبَّع تَاريخَ المَعموديَّةِ قَليلاً. وَهَذا أمرٌ مُدهِشٌ مِن وُجهَةِ نَظري. فَآخِرُ نَبِيٍّ مِن أنبياءِ العهدِ القديمِ جَاءَ إلى العَالَمِ هُوَ يُوحَنَّا المَعمَدان. وَكانَ عَمَلُهُ بِصِفَتِهِ مُمَهِّدَ الطَّريقِ قُدَّامَ المَسيحِ هُوَ أن يَأتي وَيُهَيِّئَ النَّاسَ لِمَجيءِ المَسيح. فَكيفَ سَيَفعلُ ذلك؟ لَقد كانَ يَعلمُ أنَّ المَسيحَ الآتي سيَكونُ قُدُّوسًا. وَكانَ يَعلمُ أنَّ المَسيحَ الآتي سَيَطلُبُ بِرًّا. لِذا فقد كَرَزَ بالتَّوبةِ والقَداسَةِ والبِرّ، وَراحَ يَدعُو كُلَّ إنسانٍ إلى التَّوبةِ لأنَّ المَلكوتَ اقتَرَب، وإلى التَّوبةِ لأنَّ المَلِكَ قَادِمٌ، وَإلى تَرْكِ الخَطيَّة. ثُمَّ إنَّهُ عَمَّدَهُم كَمِثالٍ إيضاحِيٍّ أو كَرَمْزٍ مَنظورٍ على ذلكَ التَّغييرِ الدَّاخِلِيّ.
والآن، لاحِظُوا مَا يَلي لأنَّهُ مُدهشٌ: يَأتي هُنا يُوحنَّا المَعمَدان ويَطلُبُ مِنَ اليَهودِ أنْ يُغَطَّسُوا في المَاء! وَهَذا شَيءٌ يَتَطَلَّبُ اتِّضاعًا شَديدًا لأنَّ اليَهوديَّ يَنظُرُ إلى نَفسِهِ بِصِفَتِهِ ابنَ العَهد. فَفي نَظَرِ اليَهوديِّ، إنَّهُ ليسَ بِحاجَةٍ إلى مُمارَسَةِ تِلكَ الطُّقوسِ التَّهويديَّةِ لكي يَصيرَ مِن شَعبِ الله. ولكِنَّ حَقيقةَ الأمرِ هِيَ أنَّ الشَّعبَ كَانَ يأتي أفواجًا أفواجًا إلى يُوحَنَّا (كَما هُوَ مُدَوَّنٌ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّالث)، وَأنَّهُم كَانُوا يَتَعَمَّدونَ بأعدادٍ كَبيرةٍ طَوعًا. لماذا؟ لأنَّهُم كَانُوا يُقِرُّونَ بأنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّهُم يَهودٌ مِن جِهَةِ العِرْقِ، فإنَّهُم كانوا عُصاةً، وَغيرَ أبرارٍ، وخُطاةً، وَمُرتَدِّينَ مِن جِهَةِ عَلاقَتِهم السَّليمَةِ باللهِ، وَإنَّهُم كَانُوا هُمْ أيضًا بحاجةٍ إلى التَّطهيرِ، وبِحاجَةٍ إلى مَوتِ شَيءٍ مَا فيهم، وَبحاجَةٍ إلى نَوعٍ جَديدٍ مِنَ العَلاقَةِ بالله.
لِذا فقد كَرَزَ يُوحَنَا بالتَّوبة، وَكَرَزَ بالبِرّ، وكَرَزَ بالقَداسَةِ، ودَعا النَّاسَ إلى تَرْك الإثْمِ والالتفاتِ إلى القَداسَة. وَقد غَطَّسَهُم في نَهرِ الأُردُنِّ كَرَمْزٍ بَصَرِيٍّ على مَا كَانَ يَجري في قُلوبِهم التَّائِبَة. فَلا يُوجَدُ رَمزٌ خَارِجِيٌّ أفضلَ مِنَ التَّغطيسِ للشَّهادَةِ على القَلبِ الَّذي تَغَيَّرَ مِنَ الدَّاخِل. فَهَذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ رَائِع. وَهُناكَ أيضًا تَطهيرٌ أو غَسْلٌ في هَذا الرَّمْز. لِذا فقد جَاءَ يُوحَنَّا بِتلكَ المَعموديَّةِ الرَّائعةِ، وتِلكَ الصُّورةِ الرَّائعةِ للشَّعبِ التَّائِب. لِذا فإنَّ بُولسَ يَقولُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 19: 4: "إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". لِذا فقد دَعَا الشَّعبَ إلى الإيمانِ بيسوعَ، وَتَرْكِ الخَطِيَّةِ، والتَّحَوُّلِ بإيمانٍ إلى المَسيحِ، وإلى التَّدليلِ على ذلكَ مِن خِلالِ إبداءِ استِعدادِهِم أمامَ الجَميعِ لتأكيدِ حَاجَتِهِم إلى الاغتسالِ، وحَاجَتِهِم إلى التَّغييرِ، وحاجَتِهِم إلى أنْ يَمُوتُوا عَنِ الطَّبيعَةِ القَديمَةِ وأنْ يَقومُوا وَيَسلُكُوا في جِدَّةِ الحَياةِ على الرَّغمِ مِن كَونِهِم يَهودًا. وعندما فَعلوا ذلكَ، كَانَ الأمرُ مُذهِلاً! فَلم يَكُن مِنَ المُذهِلِ أن يَفعلَ الأُمَمِيُّ ذلكَ، ولكِن كانَ مِنَ المُذهِلِ أن يَفعلَ اليَهودُ ذلكَ وَأن يُظْهِرُوا التَّوبةَ الحَقيقيَّةَ لِقُلوبِهم.
لِذا، كَانَ جَميعُ الأشخاصِ الَّذينَ عُمِّدُوا في نَهرِ الأردُنِّ على يَدِ يُوحَنَّا يَعتَرِفونَ بِخطاياهُم، وبأنَّهُم لا يَستَحِقُّونَ سِوى المَوت، وَبأنَّهُم لا يَستَحِقُّونَ سِوى الدَّفْن، وكانُوا يَتضرَّعونَ لأجلِ السُّلوكِ في جِدَّةِ الحَياةِ وَيُعلنونَ أنَّ المَوتَ والدَّفنَ والقِيامَةَ هِيَ أشياءٌ يُرمَزُ إليها في تِلكَ المَعموديَّة. فَقد كانَت تِلكَ المَعموديَّةُ نُقطةَ تَحَوُّلٍ في حَياةِ اليَهوديِّ الخَاطِئِ الَّذي يُريدُ أن يَكونَ مُستعدًّا لمُقابَلةِ المَسِيَّا، ويُريدُ أن يَقتَرِنَ بالأشخاصِ الآخرينَ الَّذينَ اعتَمَدُوا بِصِفَتِهِم شَعبًا تَائِبًا حَصَلَ عَلى الغُفرانِ وَباتَ مُستعدًّا لاستقبالِ المُخَلِّص.
لِذا، كَانَ يُوحَنَّا يَفعلُ ذلك. وَفي يَومٍ خَاصٍّ جدًّا في وَسَطِ خِدمَتِهِ الرَّائعةِ، حَدَثَ شَيءٌ رَائع. ويَتحدَّثُ العَددُ الثَّالِث عَشَر مِنَ الأصحاحِ الثَّالِث مِن إنجيل مَتَّى عَن ذلك إذْ نَقرأ: "حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ". وَهذا شَيءٌ مُدهِش! فَقد كانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ كُلَّ تِلكَ الجُموعِ مِنَ النَّاسِ التَّائِبينَ الَّذينَ أَقَرُّوا قَائِلينَ: "نُريدُ أن نَموتَ وَأن نَحصُلَ على حَياةٍ جَديدة". وَكانَت كُلُّ تِلكَ الأُمورِ المُدهشةِ تَجري. وَفجأةً يَأتي يَسوعُ. وَكانَ يُوحَنَّا يَعلَمُ مَن يَكونُ لأنَّهُ قَالَ عَنهُ في مُناسَبَةٍ سَابِقَة: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَم". فَقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ المَسِيَّا، وَكانَ يَعلمُ أنَّهُ حَمَلُ اللهِ، والمُخَلِّصِ، والآتي؛ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ في وَقتٍ لاحِقٍ مِن خِدمَتِهِ شَكَّ في ذلك. ولكِنَّهُ أَكَّدَ في هَذا الوقتِ أنَّ المَسيحَ هُوَ حَمَلُ الله. فَقد كَانَ يَعلَمُ أنَّهُ ليسَ خَاطِئًا. وَكانَ يَعلَمُ أنَّهُ لَيسَ بِحاجَةٍ إلى التَّوبة. لِذا، لِماذا يُريدُ أن يَعتَمِد؟
لِذا، عندما جاءَ يَسوعُ وَأرادَ أن يَعتَمِدَ، نَقرأُ في العَدد 14 أنَّ يُوحَنَّا حَاولَ أن يَمنَعَهُ قَائِلاً لَهُ: "أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!" كَيفَ يُعقَلُ أن أقومَ أنا الخَاطِئ بِتَعميدِ إنسانٍ بِلا خَطِيَّة؟ أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ. فَقد كَانَ هَذا الأمرُ غَيرُ مَعقولٍ البتَّة في نَظَرِ يُوحَنَّا المَعمَدان. فَقد كانَ يَعرِفُ يَسوعَ، وَكانَ يَعرِفُ هُوِيَّتَهُ، وَيَعرِفُ أنَّهُ مَسيحُ الرَّبِّ، وَيَعرِفُ أنَّهُ الحَمَلُ الَّذي بِلا عَيب وبِلا خَطِيَّة. ولم يَكُن بِمَقدورِهِ أن يَفهمَ كَيفَ يُعقَلُ أنَّ المَسيحَ سيَعترِف بالخطيَّةِ في حين أنَّهُ ابنُ اللهِ الكَامِلِ الخَالي مِنَ الخَطيَّة. لِذا فقد حَاولَ أن يَمنَعَهُ.
ولكِنَّ يَسوعَ أجابَهُ في العَدد 15 وَقالَ لَهُ: "اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ". حِينئذٍ سَمَحَ لَهُ. وَلكِن مَا الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ يَا لَها مِن جُملَة! "أن نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ!" فَهُوَ يَقولُ: "هَذا ضَروريٌّ يا يُوحَنَّا. فَمِنَ الضَّرورِيِّ أنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ".
واسمَحُوا لي أن أطرحَ عَليكُم سُؤالاً: كَيفَ أَكْمَلَ يَسوعُ بِرَّ الله؟ قَد تقولُ إنَّهُ عَاشَ حَياةً كَاملةً. ولكِنَّ ذلكَ لا يَعني أنَّهُ أَكْمَلَهُ. كَيفَ أَكْمَلَ يَسوعُ مُتَطَلَّباتِ بِرِّ الله؟ كَيف؟ بأن مَاتَ على الصَّليب. لِذا، أيًّا كَانَ مَعنى مَعموديَّة يَسوعَ فإنَّها مُرتبطَةٌ بطريقةٍ مَا بِإكمَالِهِ كُلَّ بِرّ. لِذا فإنَّها مُرتبطةٌ بطريقةٍ مَا بالعَمَلِ الَّذي عَمِلَهُ حَتَّى إنَّهُ عِندَما سُكِبَ غَضَبُ اللهِ على الرَّبِّ يَسوعَ المسيحِ، وَأُكْمِلَتْ ذَبيحَتُهُ الكَاملةُ ومَوتُهُ عَنِ الخَطيَّة، تَمَّ إكمالُ كُلِّ بِرٍّ فَرَضِيَ اللهُ بِذلكَ وَحَسِبَ البِرَّ للمُؤمِنين. فَقد كانَ يَنبغي إكْمالُ كُلِّ بِرٍّ على الصَّليب. لِذا فإنَّ مَعموديَّةَ يَسوعَ المسيحِ مُرتبطة بطريقةٍ مَا بالصَّليب. أعتقدُ أنَّ الأمرَ كذلك، وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هَذا صَحيح. وَأنا أُوْمِنُ بأنَّ المَعموديَّةَ كَانَت رَمْزًا لِمَوتِهِ وقِيامَتِه.
فَعندما كانَ الأُمَمِيُّ الدَّخيلُ يَعْتَمِد، كَانَ يَقولُ: "أنا أستَحِقُّ المَوتَ على خَطِيَّتي. وأنا أريدُ حَياةً جَديدةً في ظِلِّ اللهِ الحَقيقيّ". وَفي مَعموديَّةِ يُوحَنَّا المَعمَدان، كَانَ اليَهوديُّ يَقول: "أنا أستحقُّ الموتَ وَحَسْب على خَطيَّتي، وعلى ارتدادي وتَقصيري، وأستحقُّ أن أموتَ. وَأنا أريدُ أن أقومَ وَأسلُكَ في جِدَّةِ الحَياةِ وأن أكونَ مُستعدًّا لاستقبالِ المَسِيَّا". فَرَمْزُ المَوتِ والقِيامَةِ يُلائِمُ تَمامًا إكمالَ كُلِّ بِرّ؛ وَهُوَ الشَّيءُ الَّذي يَرغَبُ يَسوعُ في القِيامِ به. لِذا، أعتقدُ أنَّ مَعموديَّتَهُ كَانَتْ صُورَةً مُسَبَّقَةً عَن مَوتِهِ وَقِيامَتِه. لِذا، فإنَّها تَتَضَمَّنُ نَفسَ المَغزى الرَّمزيِّ الَّذي تَتَضَمَّنُهُ مَعموديَّتُنا في هَذا الجَانِبِ مِنَ الصَّليبِ لأنَّها تُصَوِّرُ مَوتَهُ وَقِيامَتَهُ الَّتي كَانَتْ سَتَحدُثُ كَما أنَّ مَعموديَّتَنا تُصَوِّرُ مَوتَهُ وقِيامَتَهُ في المَاضي.
وَيُمكِنُنا أن نُدَعِّمَ هَذا التَّفسيرَ ببساطَةٍ مِن خِلالِ آيَتَيْنِ مِنَ الأناجيل. فَفي إنجيل لُوقا 12: 50، استَمِعُوا إلى مَا قَالَهُ يَسوع. وبالمُناسَبة، لم يَقُل يَسوعُ ذلكَ قَبلَ وَقتٍ طَويلٍ مِن رِحلتِهِ الأخيرةِ إلى أورُشَليم. فَقد كانَ يُناقِشُ تلكَ الأمورَ مَعَ تَلاميذِه. وَهُوَ يَقولُ في إنجيل لُوقا 12: 50 مَا يَلي. سَوفَ أقرأُ الآيةَ لَكُم. فَهُوَ يَقول: "وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا". أَلاَ تَجِدونَ هُنا اختيارًا مُدهِشًا للمُفرَدات؟ لِمَاذا لَمْ يَقُل: "وَلِي مِيْتَةٌ أَموتُها"؟ وَلماذا لَمْ يَقُل: "وَلِي ذَبيحَةٌ أذبَحُها"؟ ولماذا لَمْ يَقُل: "وَلِي تَضْحِيَةٌ ذَاتِيَّةٌ أُضَحِّي بِها"؟ وَلِماذا لَم يَقُل: "وَلِي صَليبٌ أُصلَبُ عَليه"؟ فَقد قَالَ: "وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا. وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟" فَقد كَانَ يَنظُرُ إلى مَوتِهِ بأنَّهُ تَغطيسٌ أو اصْطِباغٌ، وبأنَّهُ قِيامَةٌ مَرَّةً أخرى. وَهذهِ إشارةٌ جَميلةٌ إلى مَعموديَّتِه.
وَفي إنجيل مَرقُس 10: 38، قَالَ يَسوعُ ليَعقوب ويُوحَنَّا اللَّذانِ أرادا أن يَجلِسا عَن يَمينِهِ وَيَسارِهِ في المَلكوت: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا..." [ثُمَّ اسمِعُوا مَا قَالَهُ لَهُما:] "...وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟" لِماذا لَم يَقُل: "أو أن تَموتَا بالمِيتَةِ الَّتي سَأموتُها؟" لَقد تَكَلَّمُ بألفاظٍ تَصويريَّة. وَقد نَظَرَ إلى مَوتِهِ على أنَّهُ مَعموديَّة لأنَّهُ يُشبِهُ التَّغطيس. فَقد غُطِّسَ في المَوتِ، وَدُفِنَ، وَصَعِدَ ثَانيةً مِن خِلالِ القِيامَة. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ عندما نَظَرَ يَسوعُ إلى مَعموديَّتِهِ وَقالَ إنَّهُ يُريدُ أن يَعتَمِدَ لكي يُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ، كَانَ يَعني بذلك: "إنَّ مَوتي وَقِيامَتي سَيُكَمِّلانِ كُلَّ بِرٍّ. وَسَوفَ أُقَدِّمُ عَرْضًا رَمْزِيًّا لِتلكَ المَعموديَّةِ العَظيمةِ الَّتي سَتَأتي".
لِذا، عندما اعْتَمَدَ يَسوعُ شَخصيًّا، صَوَّرَ القَصدَ الَّذي جَاءَ لأجلِه وَهُوَ أن يَموتَ عَنِ الخطيَّة، وأن يَحمِلَ خَطايا العَالَم. فَقد مَاتَ لِكَيْ يَحمِلَ خَطايانا، وَلِكَيْ يُدْفَنَ تَحتَ أمواجِ الدَّينونَةِ الإلهيَّةِ، ثُمَّ لِكَيْ يَقومَ ثَانِيَةً إلى الحَياةِ الجَديدة. وَمَعموديَّتُهُ، يَا أحبَّائي، في اليَهوديَّةِ كَانَت ظِلاًّ لِمَعموديَّةٍ أعظَم في أورُشليم ستَحدُثُ قَريبًا. فَقد كانَتْ ضَروريَّةً... لَقد كانَت ضَروريَّة.
لِذلكَ، حَتَّى مَعموديَّةَ المَسيحِ كَانَت صُورة عَن مَوتِهِ وَدَفنِهِ وَقِيامَتِه. وِبِذلكَ المَعنى فإنَّ مَعموديَّتَنا كذلك. فَهِيَ أيضًا تُصَوِّرُ رَمزيًّا مَوتَهُ وَدَفنَهُ وَقِيامَتَهُ، واتِّحادَنا بِهِ في ذلك. وبالمُناسَبة يا أحبَّائي، أرجو أن تَفهموا أنَّ هَذا السَّببَ هُوَ سَبَبٌ مُهِمٌّ آخر يُريكُم أنَّهُ لا يُمكِنُكم أن تَفهَموا أنَّ المَعموديَّةَ المَسيحيَّةَ يُمكِنُ أن تُمَارَس بأيَّةِ طَريقةٍ أخرى غَيرَ التَّغطيس. فَلا تُوجَد طَريقةٌ أخرى تُلائِمُ هذهِ الصُّورة. فَرَشُّ المَاءِ أو سَكْبُهُ أو تَنقيطُهُ على رَأسِ شَخصٍ مَا لا يَرمِزُ إلى المَوتِ والدَّفْنِ والقِيامَةِ، وَلا يُظْهِرُ التَّطهيرَ الكَامِلَ، والغَسلَ. وَهُوَ لا يَتَطَلَّبُ اتِّضاعًا. في حينِ أنَّ مَعموديَّةَ المَاءِ هِيَ شَيءٌ يَتَطَلَّبُ مِنَ الإنسانِ أنْ يَتَّضِعَ جدًّا لأنَ هَذا مَطلوبٌ.
إذًا، هُناكَ أوَّلاً مَعموديَّةُ الدُّخَلاء، ثُمَّ مَعموديَّة يُوحَنَّا، ثُمَّ مَعموديَّة يَسوع. وَماذا بَعدَ ذلك؟ لقدِ ابتدأَ يَسوعُ يُعَمِّد. فَبعدَ أنِ اعتَمَدَ، نَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا 4: 1 أنَّ الرَّبَّ كَانَ "يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا". فقدِ ابتدأَ يَسوعُ خِدمةَ مَعموديَّة. وَقد تَقول: "حسنًا! ولكِن مَا الَّذي تُشيرُ إليهِ خِدمَةُ المَعموديَّةِ الَّتي كَانَ يَقومُ بِها؟" لَقد كانَت تُشيرُ هِيَ أيضًا إلى أنَّ الخُطاةَ الَّذينَ آمَنُوا بِهِ يُؤكِّدونَ أنَّهُم بِحاجَةٍ إلى المَوتِ والدَّفْنِ عَنِ الطَّبيعَةِ العَتيقةِ، وَإلى أن يَقومُوا وَيَسلُكُوا في جِدَّةِ الحَياة. وَلا شَكَّ في أنَّ يَسوعَ كَانَ يَنظُرُ إلى تِلكَ المَعموديَّةِ وَيَرى مَوتَهُ وَدَفْنَهُ وَقِيامَتَهُ. وبَعدَ أنْ مَاتَ، وبَعدَ أن قَامَ ثَانيةً، أعطَى الوَصِيَّة: "اذهَبُوا إلى العَالَمِ أجمَع، وتَلمِذوهُم وَعَمِّدوهُم". إذًا، هُناكَ مَعموديَّةُ الأُمَمِ الدُّخلاءِ، ومَعموديَّةُ يُوحَنَّا، ومَعموديَّةُ يَسوع، والمَعموديَّةُ الَّتي كَانَ يَقومُ بِها يَسوع، ثُمَّ وَصِيَّةُ يَسوع: "اذهَبُوا وَعَمِّدُوا". هَذهِ هِيَ الخُطوةُ الأولى في التَّلمَذَة.
وَقد تَأسَّسَتِ الكَنيسةُ فآمَنَ ثَلاثةُ آلافِ شَخصٍ واعتَمَدُوا جَميعًا. فَهُناكَ استِمراريَّة مُطلَقَة، وهُناكَ مَعموديَّة دَائِمًا. وَهِيَ صُورة رَائِعَة لِلمَوتِ عَنِ الطَّبيعةِ القَديمةِ، والقِيامَةِ للسُّلوكِ في جِدَّةِ الحَياة. وَهِيَ تَجِدُ تَحقيقَها الكَامِلَ في مَوتِ يَسوعَ المَسيحِ، وَدَفنِهِ، وَقِيامَتِه.
السُّؤالُ الثَّالِث: مَا هِيَ الأهميَّةُ اللاَّهُوتِيَّةُ للمَعمودِيَّةِ المَسيحيَّة؟ لَقد لَمَّحْتُ إلى ذلكَ قَبلَ قَليل إذْ كَانَ لا بُدَّ أن أُشيرَ إلى ذلكَ في النِّقاطِ السَّابقة؛ ولكِن اسمَحُوا لي أن أُوَضِّحَ الإجابَة. مَا هِيَ الأهميَّةُ اللاَّهُوتِيَّةُ للمَعمودِيَّةِ المَسيحيَّة؟ أو مَا هِيَ الأهميَّةُ الرُّوحيَّةُ للمَعمودِيَّةِ المَسيحيَّة؟ وَما الَّذي تُشيرُ إليهِ حَقًّا؟ فَهَل تُشيرُ فقط إلى مَوتِ المَسيحِ وَدَفْنِهِ وَقِيامَتِهِ؟ لا. استَمِعُوا جَيِّدًا إلى مَا سَأقول: عندما تُعَمَّدُ بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا مِن خِلالِ تَغطيسِكَ في المَاءِ فإنَّكَ تُظْهِرُ لا مَوتَ المَسيحِ وَدَفنَهُ وَقِيامَتَهُ وَحَسْب، بَل تُظهِرُ أيضًا اتِّحادَكَ مَعَ المَسيحِ في ذلكَ المَوتِ والدَّفْنِ والقِيامَة. أَتَرَوْنَ ذلك؟
مِن أجلِ مَن مَاتَ المَسيح؟ مِن أجلِكَ أنت. وَما الخَطايا الَّتي حَمَلَها؟ خَطاياكَ أنت. وَمِنْ أجلِ مَن قَام؟ مِن أجلِكَ أنت... مِن أجلِكَ أنت. فَبولُسُ يَقول: "مَعَ المَسيحِ صُلِبْتُ". أليسَ كذلك؟ في رِسالة غَلاطيَّة 2: 20. "لَقد مُتُّ فيهِ، وَدُفِنْتُ فيهِ، وَقُمْتُ فيهِ لِكَي أَسْلُكَ في جِدَّةِ الحَياة". هَذِهِ هِيَ الأهميَّةُ الرُّوحيَّة. فمَعموديَّةُ المُؤمِنِ تُعطي الحَقَّ الرُّوحِيَّ شَكلاً مَادِّيًّا أو تَجعَلُهُ دَرسًا عَمليًّا. ففي اللَّحظةِ الَّتي تُؤمِنُ فيها في المَسيحِ وَتَصيرُ مَسيحيًّا، فإنَّ اللهَ يَضَعُكَ بِطريقةٍ خَارِقَةٍ للطَّبيعَةِ، وبِمُقتَضَى سِيادَتِهِ، وبِمُعجِزَةٍ إلهيَّةٍ رُوحِيَّةٍ في المَسيحِ فتَموتُ عَلى الصَّليبِ وَتَقومُ لِتَسلُكَ في جِدَّةِ الحَياة.
فَأنتَ تَتَّحِدُ حَالاً مَعَ المَسيحِ في مَوتِهِ وَقِيامَتِهِ، وَتَصيرُ خَليقَةً جَديدةً فيه. هَذِهِ هِيَ الرِّسالة. وَهَذِهِ هِيَ النُّقطةُ الجَوهريَّةُ هُنا. فَحَتَّى في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 10: 2 حيثُ نَقرأُ إنَّ جَميعَ إسرائيلَ "اعْتَمَدُوا لِمُوسَى"، فإنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ أنَّهُم اتَّحَدُوا بِمُوسَى. فَقد كَانَ قَائِدَهُم. وَحَالَمَا أَرْشَدَهُ اللهُ، اعتَمَدُوا هُم أيضًا [لِكَونِهِم تَحتَ قِيادَتِهِ] في البَرَكَةِ وَالعَمَلِ الكَامِنَيْنِ في ذلكَ الإرشاد. فَالمَعمُوديَّةُ تَعني الاتِّحادَ بِشَيءٍ مَا. وَأنتُم اعتَمَدتُم للمَسيح. وَهذِهِ فِكرةٌ رَائعةٌ في العهدِ الجديدِ؛ وَلا سِيَّما في الرَّسائل. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ غَلاطِيَّة 3: 27: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ..."؛ وَهَذا لا يُشيرُ إلى مَعموديَّةِ المَاءِ، بَل إنَّهُ يَقولُ: "لأنَّ كُلَّكُم الَّذينَ غُطِّسْتُم في المَسيحِ" قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. وَهَذا مَرموزٌ إليهِ بالمَاء.
ونَقرأُ َفي رِسالةِ كُولوسي 2: 12: "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ..." – وَهَذا لا يَعني في المَاءِ هُنا، بَل يَعني أنَّكُم دُفِنتُم مَعَهُ حَرفيًّا في مَوتِهِ، وَقُمْتُم. "أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا". فَهُوَ اتِّحادٌ في مَوتِ المَسيح، وَاتِّحادٌ رُوحِيٌّ في دَفنِهِ، وَاتِّحادٌ مَعَهُ في قِيامَتِهِ حَيثُ إنَّنا نَموتُ وَهُوَ يَحيا فينا. وَبولسُ يَقولُ: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". فَأنا أموتُ فيهِ، وَأقومُ فيه.
وَرُبَّما كَانَ أوضَحُ مَقطَعٍ على الإطلاقِ هُوَ مَا جَاءَ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ السَّادِس إذْ نَقرأ: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ..." [وَهُوَ لا يَتحدَّثُ هُنا عَن مَعموديَّةِ المَاءِ، بَلْ عَنِ الاتِّحادِ بالمَسيح] "...اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟" فَنَحنُ نَموتُ مَعَهُ. وَنَحنُ نُدفَنُ مَعَهُ. وَنَحنُ نَقومُ مَعَهُ وَنَتَّحِدُ بِهِ. وَمَعَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لا تُشيرُ إلى المَاءِ، فإنَّ مَعموديَّةَ المَاءِ تَرمِزُ إلى تِلكَ الحَقيقةِ الرُّوحِيَّة. وعندما يَقولُ بُطرسُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 3: 21 الكلماتِ التَّاليةِ فإنَّهُ يُشيرُ إلى ذلكَ الفَرْق. فَهُوَ يَقولُ: "المَعموديَّةُ تُخَلِّصُكُم". أَيَّةُ مَعْمُودِيَّة؟ "لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ"؛ أيْ لَيسَت مَعموديَّةُ المَاءِ، بَلْ إنَّ الاتِّحادَ الرُّوحِيَّ هُوَ الَّذي يُخَلِّصُكُم؛ أيْ: "بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي" (كَما جَاءَ في الرِّسالةِ إلى تِيطُس 3: 5)، أو "بِغَسْلِ خَطاياكُم" (كَما جَاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 22: 16). ولكِنَّ المَعموديَّةَ هِيَ رَمْزُ ذلك؛ أي مَعموديَّة المَاء.
والآن، هَذا يَقودُنا إلى السُّؤالِ الرَّابع، ثُمَّ إلى سُؤالٍ آخر. والسُّؤالُ الرَّابعُ هُوَ التَّالي: مَا عَلاقَةُ التَّغطيسِ بالخَلاص؟ هُناكَ مَن يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَعْتَمِدَ لكي تَصيرَ مَسيحيًّا. وَإنْ لم تَعتَمِد فإنَّكَ لستَ مُخَلَّصًا. مَا هِيَ العَلاقَة؟ اسمَحُوا لي أن أقولَ ذلكَ بأبسطٍ أُسلوبٍ مُمكِن: عَلاقَةُ مَعموديَّةِ المَاءِ بالخَلاصِ هِيَ عَلاقَةُ الطَّاعَةِ بالخَلاص. فَحيثُ إنَّنا نِلْنا الخَلاصَ فإنَّنا نَدخُلُ في الطَّاعَة. فالمَعموديَّةُ كَانَت مؤشِّرًا مُباشِرًا لا يَنفَصِلُ عَنِ الخَلاص. لِماذا؟ لأنَّ الخَلاصَ في الأصلِ يُنشِئُ طَاعَةً. لِذا، كانَ المُؤمِنونَ يُطيعونَ وَصِيَّةَ المَعموديَّة. فَفي يَومِ الخَمسين، آمَنَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ، واعتَمَدَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ، ووَاظَبَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ على تَعليمِ الرُّسُلِ، والصَّلاةِ، والشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الخُبْز. فَلم يَتَقاعَس أيٌّ مِنهُم عَن ذلك. فقد آمَنَ ثَلاثةُ آلافِ شَخصٍ، وَقَدِ اعتَمَدَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ، ووَاظَبَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ. فَكُلُّ شَخصٍ مِنهُم آمَنَ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم اعتَمَدَ حَالاً. وَهَذا هُوَ مِعيارُ الله. وَهَذِهِ هِيَ وَصِيَّةُ الله. وَقد أَصَرَّ الرُّسُلُ على ذلك.
والآن، اسمَعوني جَيِّدًا: لم يَكُنِ الأمرُ سَهلاً. فأنتُم تَتَحَدَّثونَ عَن يَومِ الخَمسين، وَعَن إيمانِ ثَلاثةِ آلافِ شَخصٍ في أورُشَليم؛ أيْ في نَفسِ المَدينةِ الَّتي صُلِبَ فيها يَسوعُ المَسيحُ قبلَ بِضعةِ أسابيع بِتُهمَةِ أنَّهُ إنسانٌ مُحْتالٌ وَمُخادعٌ، وَأنَّهُ يُشَكِّلُ خَطَرًا على الدِّيانَةِ اليَهوديَّةِ والسُّلطَةِ الرُّومانِيَّة. وَقَد سَخِرُوا مِنهُ، وَبَصَقُوا عَليهِ، وَصَلَبوهُ بِتُهمَةِ أنَّهُ قَائِدٌ دِينيٌّ زَائِفٌ. لِذا، كَانَ هَذا يَعني أنَّكَ تَضَعُ حَياتَكَ على المِحَكِّ إنْ قَرَنْتَ نَفسَكَ بالمَسيح. لِذا، كَانَ أيُّ يَهودِيٍّ يُعَمَّد في يَومِ الخَمسين باسمِ يسوعَ المسيحِ يَخْطُو خُطوةً جَريئةً، ويَعزِلُ نَفسَهُ عَنِ المُجتَمَع، ويَعزِلُ نَفسَهُ عَنِ المَجمَع، ويَعزِلُ نَفسَهُ عَنِ العَائلةِ، ويَعزِلُ نَفسَهُ عَن كُلِّ شَيء.
فَقد كَانَ الثَّمَنُ بَاهِظًا، وَكانَ الأمرُ بَسيطٌ جدًّا. فَلم يَكُن يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ يُؤمِنُ بِنِصْفِ قَلبِهِ أنْ يَعتَمِد. لِذا، كَانَ النَّاسُ الَّذينَ اعتَمَدوا مُؤمِنينَ حَقيقيِّينَ لأنَّهُم كَانُوا مُستعدِّينَ لِدَفْعِ الثَّمَن. لِذا فإنَّنا نَقرأُ أنَّ ثَلاثةَ آلافِ شَخصٍ آمَنُوا، وَأنَّ ثَلاثةَ آلافِ شَخصٍ اعتَمَدُوا، وَأنَّ ثَلاثةَ آلافِ شَخصٍ استَمَرُّوا. فَغالبًا مَا تَسمعونَ اليَومَ شَخصًا يَقول: "لَقد حَدَثَتْ نَهضةٌ عَظيمةٌ إذْ إنَّ ثَلاثةَ آلافِ شَخصٍ نَالُوا الخَلاصَ، وَاعتَمَدَ مِنهُم اثنان وَأربَعون، واستَمَرَّ مِنهُم عَشرة". فالأمرُ مُختَلِف! لَقد كانَ ثَمَنُ المَعموديَّةِ آنذاكَ بَاهِظًا جدًّا. ولم يَكُنِ الأشخاصُ غَيرُ الجَادِّينَ في إيمانِهِم بالمَسيحِ مُستعدِّينَ لِدَفْعِ ذلكَ الثَّمن. فَلا يُعقَلُ أن يَتَخَلَّوْا عَن مُجتَمَعِهم وَرُبَّما أن يَخسَرُوا حَياتَهُم. لِذا، كَانَتِ المَعموديَّةُ مُلازِمَةً للخَلاص.
لِذا، غَالِبًا مَا تَقرأونَ في العهدِ الجديدِ الكلمة "مَعموديَّة" عَوِضًا عَنِ الخَلاصِ لأنَّ الوَسيلةَ الَّتي تَعلَمُونَ مِن خِلالِها أنَّ شَخصًا نَالَ الخَلاصَ هِيَ مَاذا؟ أن يَعتَمِد. فَإن لم يَكُنِ المُؤمِنُ مُستعدًّا لإطاعَةِ وَصيَّةِ المَعموديَّة، لَم تَكُن تُوجَدُ ثِقَةٌ كَبيرةٌ في تَوبَتِه. أمَّا إنْ كَانَ مُستعدًّا للمَعموديَّة فإنَّهُ يَكونُ قَد دَفَعَ ثَمَنًا بَاهِظًا وَكَشَفَ عَن حَقيقةِ قَلبِهِ التَّائِب.
لِذا، عِندَما يَقولُ يَسوعُ: "اذهَبُوا إلى العَالَمِ كُلِّه وَتَلمِذوهُم وَعَمِّدوهُم"، مَا الَّذي يَقصِدُه؟ إنَّهُ يَعني: "اجذِبوهُم إلى الخَلاص". وَهَذا أمرٌ يَظهَرُ مِن خِلالِ استِعدادِهِم للمَعموديَّةِ وَدَفْعِ ثَمَنِ الاقترانِ بيسوعَ المَسيحَ عَلى المَلأ. وَهَذا هُوَ مَعنى مَا جَاءَ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ العَاشِرِ إذْ نَقرأُ: "إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ". فالإيمانُ هُوَ الَّذي يُخَلِّص. والاعترافُ هُوَ الَّذي يُؤكِّدُ حَقيقةَ ذلكَ الإيمان. لِذا، قَد تَقرأُ مَثلاً مَا جَاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 38: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ...لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا"، قَد تَقول: "هَل هَذا يعني أنَّ مَعمودِيَّتَكَ في المَاءِ تَغسِلُ خَطاياك؟" لا. فعندما يَقولُ تُوبوا واعتَمِدُوا لِغُفرانِ الخَطايا، فإنَّهُ يَعني أنَّ المَعموديَّةَ لا تَنفصِلُ عَنِ الخَلاص. وَهِيَ المَوضِعُ الَّذي يَظهَرُ فيهِ أنَّ خَطاياكَ قَد مُحِيَتْ أو غُفِرَت.
والنَّاسُ يَقولون: "هَل يَنبغي أن تَعتَمِدَ لكي تَدخُلَ السَّماء؟" هَل يَنبغي أن تَعتَمِدَ لكي تَدخُلَ السَّماء؟ إنَّ اللِّصَّ الَّذي تَابَ وَمَاتَ على الصَّليب لم يَعتَمِد. وَقَد تَطرأُ أُمورٌ تَحُوْلُ دُونَ المَعموديَّة، ولكِنِّي أريدُ أن أقولَ لَكُم مَا يَلي: إنْ كُنتَ مُتَرَدِّدًا في مُمارسةِ المَعموديَّة، هُناكَ شَكٌّ بخصوصِ استِعدادِكَ للطَّاعَة. والقَلبُ غَيرُ المُستعدُّ للطَّاعَةِ قَد يَكشِفُ عَن شَخصٍ لم يُولَد ثَانيةً لأنَّ يَسوعَ قَال: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا [مَاذا؟] وَصَايَاي". وَقد قَالَ: "وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟" فالأمرُ يَبتدِئُ بهذهِ الوَصيَّةِ البَسيطَة... بِهذهِ الوَصِيَّةِ البَسيطَة. فالشَّخصُ الَّذي يَرفُضُ المَعموديَّة لا يَعتَرِف بِيَسوعَ عَلى المَلأ. وَهُوَ شَخصٌ لا يَعتَرِف بِهِ يَسوع. فَكُلُّ حَديثٍ عَنِ الخَلاصِ في الكتابِ المقدَّسِ يُبَيِّنُ بوضوحٍ أنَّ الخَلاصَ هُوَ بالنِّعمةِ مِن خِلالِ الإيمان مِن دُونِ أيَّة زِيادَة أو نُقصان؛ أي مِن دُونِ أعمالٍ. فَهُوَ بالنِّعمَةِ مِن خِلالِ الإيمانِ. والمَعموديَّةُ تُظْهِرُ وَحَسْب الإيمانَ الحَقيقيَّ والتَّغييرَ الحَقيقيَّ الَّذي يَقودُ إلى الطَّاعَة. وَكَانَ أوَّلُ عَمَلٍ مِن أعمالِ الطَّاعَةِ هُوَ المَعموديَّة.
إنَّ المَعموديَّةَ لا تَجعَلُكَ قِدِّيسًا. والمَعموديَّةُ لا تُخَلِّصُكَ. والمَعموديَّةُ لا تَضْمَنُ مَصيرَكَ. والمَعموديَّةُ لا تُعطيكَ قُوَّةً دَائِمَةً. فَكُلُّ مَا تَفعلُهُ المَعموديَّةُ هُوَ أنَّها تُظهِرُ طَاعَتَكَ وتَمنَحُكَ فَرَحَ الطَّاعَةِ وبَرَكَةَ الطَّاعَة.
ويُمكِنُنا أن نَصِفَ الأمرَ بالطَّريقةِ التَّالية. فَيُمكِنُكَ أن تَنظُرَ إلى المَعموديَّةِ بالطَّريقةِ التَّالِيَة: أن يَأتي الشَّخصُ إلى المَاءِ ويَقول: "أنا أعترفُ مِن خِلالِ خُضوعي الطَّوعِيِّ لِهَذِهِ الفَريضَةِ الَّتي أوصَاني بها اللهُ بِطاعَتي بِفَرَحٍ لِوَصِيَّةِ رَبِّي وَمُخَلِّصي. وَمِن خِلالِ هذهِ الطَّريقةِ الرَّمزيَّةِ أُظهِرُ اتِّحادي بِذاكَ الَّذي حَمَلَ خَطايايَ، وَحَلَّ مَحَلِّي، وَماتَ عَنِّي، وَدُفِنَ وَقامَ ثَانيةً لأجلِ تَبريري. فَكما أنَّ المَسيحَ اختَبَرَ آلامَ المَوتِ الحَقيقيَّة لِكَي يَضْمَنَ خَلاصي، فإنِّي أُعلِنُ عَلى المَلأِ مِن خِلالِ تَغطيسي في المَاءِ وَصُعودي مِنهُ عَنِ اتِّحادي بِرَبِّي في مَوتِهِ وَدَفنِهِ وَقِيامَتِهِ نِيابَةً عَنِّي بِقَصْدِ السُّلوكِ مَعَهُ في جِدَّةِ الحَياة". هَا هُوَ نَموذَجٌ على الاعترافِ في المَعموديَّة. وَلا تُوجَد صُورةٌ أجملُ أو أبسطُ مِن هَذِه.
السُّؤالُ الأخير: حَيثُ إنَّ المَعموديَّةَ مُهِمَّةٌ جدًّا، وَحيثُ إنَّها تُظهِرُ الطَّاعَةَ، وَحيثُ إنَّها صُورةٌ جَميلةٌ جدًّا، وَحيثُ إنَّها مَصدرُ كُلِّ هَذا الفَرَحِ وَهَذهِ البَرَكَة، لِماذا هُناكَ تَشويشٌ كَبيرٌ جدًّا بِشأنِ المَعموديَّة؟" هَلِ الكتابُ المقدَّسُ مُرْبِكٌ بِشأنِها؟ وَهَل شَعرتُم بالتَّشويشِ في هذا الصَّباحِ بِسببِ مَا قَالَهُ الكتابُ المقدَّس؟ لا يُوجَدُ أيُّ تَشويش، بَل يُوجَدُ أُناسٌ كَثيرونَ يُشَوِّشونَ الآخرين... أُناسٌ كَثيرون. وَقد تَقول: "لِماذا؟" لأنَّهُ إنْ كَانَ يُوجَدُ شَيءٌ وَاحِدٌ يُريدُ الشَّيطانُ أن يَفعلَهُ في حَياةِ المُؤمِنِ فَهُوَ أن يُحَطِّمَ كُلَّ نَموذَجٍ للطَّاعَةِ في حَياتِهِ. فَهُوَ يُريدُ أن يُحَطِّمَ ذلكَ مُنذُ البِدايَة. وَإنِ استَطاعَ أن يَجعَلَ المَعموديَّةَ مُشَوَّشَةٌ وَيَدفَعَكَ إلى إهمالِها، يَكونُ قَد وَضَعَكَ مُنذُ البِدايَةِ على دَرْبِ عَدمِ المُبالاةِ وَالعِصيان.
وَقَد يَأخُذُ هَذا الأمرُ شَكلاً مُنَظَّمًا جدًّا أحيانًا. فَجَماعَةُ الكويكرز (Quakers)، وكَنيسةُ الأصدقاء (Friends Church)، وَجَيشُ الخَلاصِ (Salvation Army)، والتَّدبيريُّونَ المُتَطَرِّفون (Hyper-dispensationalists) يُنكِرونَ جَميعًا أنَّ للمَعموديَّةِ أيُّ دَورٍ في حَياةِ المُؤمِن. فَهُم يُنكِرونَها جُملَةً وَتَفصيلاً. مِن جِهَةٍ أخرى فإنَّ كَنائِسَ المَسيحِ تَقولُ إنَّها تُخَلِّصُك. فَلا يُمكِنُكَ أن تَخلُص مِن دُونِ المَاء. فإنْ آمَنْتَ وَحَسْب ولم تَعتَمِد فإنَّكَ سَتَذهبُ إلى جَهَنَّم. فَهؤلاءِ يُخطِئونَ مِن جِهَةِ النِّعمَةِ، وَهؤلاءِ يُخطِئونَ مِن جِهَةِ النَّاموس. وَواحِدٌ يَتجاهَلُ وَصِيَّةَ الطَّاعَةِ، وَواحِدٌ يَتجاهَلُ الخَلاصَ بالإيمان.
ثُمَّ إنَّ هُناكَ جَماعَةُ المُورمون (Mormons) الَّذينَ يُعَمِّدونَ الواحِدُ الآخَرَ مِن أجلِ الأموات؛ وَهِيَ مَا تُسَمَّى "مَعموديَّة بالوَكالَة". وَليسَ مِنَ المُستغَرِبِ أنَّهُم قَامُوا في إحدى السَّنواتِ بِمُمارسةِ ثَلاثةِ مَلايين مَعموديَّة بالوَكالَة نِيابَةً عَن أشخاصٍ مَاتُوا أصلاً. ثُمَّ إنَّ الكَنيسةَ الرُّومانِيَّةَ الكَاثوليكيَّةَ أَدْخَلَتْ شَيئًا هَدَّدَ حَقًّا صِّحَّةَ الكَنيسَةِ العَقليَّة بِخُصوصِ هَذهِ الفَريضَة. وَهَذا الشَّيءُ يُعرَفُ بِمَعموديَّةِ الأطفالِ الرُّضَّع. فَقدِ ابتدأتِ الكَنيسةُ الرُّومانِيَّةُ الكَاثوليكيَّةُ بِتَعميدِ الأطفالِ الرُّضَع مِن خِلالِ مَا يُعرَفُ بِطَقْسِ التَّجديد. ويَجِبُ أن تُدركوا أنَّ لاهُوتَ الكنيسةِ الرُّومانِيَّةِ يُعَلِّمُ أنَّ المَاءَ يُطَهِّرُ الطِّفلَ مِنَ الخَطيَّةِ الأصليَّةِ ويَقودُ إلى التَّجديد. فَهُم يُؤمِنونَ بذلك. وبالمُناسَبَة، لَقد كَانُوا حَتَّى العُصورِ الوُسطَى يُعَمِّدونَ كُلَّ الأطفالِ بالتَّغطيس، ثُمَّ إنَّهُم ابتدأوا بِتَعميدِهم بالرَّشِّ بَعدَ ذلك.
وَيُعَلِّمُ لاَهوتُ الكَنيسةِ الرُّومانِيَّةِ أنَّ الطِّفلَ الَّذي يَموتُ مِن دُونِ أن يَصيرَ مَسيحيًّا، أو مِن دُونِ أن يُعَمَّدَ أو أن يُرَشَّ بالماءِ... رَكِّزُوا مَعي... أنَّ أيَّ طِفلٍ يَموتُ مِن دُونِ أن يُعَمَّد يَذهبُ إلى "مَثْوَى الأبرياء". وَهَذا مَكانٌ. فَهُوَ يَذهَبُ إلى مَثْوَى الأبرياء حيثُ يَعيشُ إلى الأبد ويَتمتَّعُ بالنَّعيمِ الطَّبيعيِّ مِن دُونِ أن يُعايِنَ الله. لِذا فإنَّهُم يُريدونَ أن يُعَمِّدُوا كُلَّ طِفلٍ كَاثوليكيٍّ حَتَّى إذا مَاتَ يَذهبُ إلى السَّماءِ وَيُعايِنُ اللهَ مِن دُونِ أن يَنزِلَ إلى ذلكَ المَكانِ الأدنَى الَّذي يُسَمَّى "مَثْوَى الأبرياء". فَهُم يُؤمِنونَ حَرفيًّا بأنَّ المَعموديَّةَ تَقدِرُ أن تُجَدِّدَ ذلكَ الطِّفلَ وَأن تَجعَلَهُ يَمثُلَ في حَضرةِ الله.
وَقد كَانَ "مَارتن لوثر"، بَارَكَ اللهُ قَلبَهُ، مُتَشَدِّدًا في التَّبريرِ بالإيمانِ؛ ولكِنَّهُ لم يُحَرِّر نَفسَهُ مِن مَعموديَّةِ الأطفالِ الرُّضَّعِ والأسرارِ الكَنَسِيَّةِ الرُّومانِيَّة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ كَتَبَ كِتابًا بعُنوان: "كِتاب المَعموديَّة المُصَغَّر" (The Small Baptismal Book). فَفي سَنة 1526 كَتَبَ هَذا الكِتاب. وَهُوَ لم يُعلِن إنكارَهُ لِمَعموديَّةِ الأطفالِ الرُّضَّع، بَل كَتَبَ هَذا الكِتابَ الَّذي صَارَ دَليلَ الكَنيسةِ اللُّوثَريَّةِ في مَعموديَّةِ الأطفالِ الرُّضَّع. وَكَانَ يُؤمِنُ بأنَّ تَعميدَ الطِّفلِ يَجلِبُ التَّجديدَ لذلكَ الطِّفل، ويُطَهِّرُ الطِّفلَ مِنَ الخَطيَّة. وعِندَما سُئِلَ: "كيفَ تَقولُ ذلكَ في حين أنَّكَ تُؤمِنُ بالتَّبريرِ بالإيمان؟" فَأجابَ قَائِلاً: "بِطريقةٍ مَا، يَنبغي للطِّفلِ أن يَكونَ قَادِرًا على الإيمان". وَهَذا أمرٌ غَريبٌ يُظْهِرُ الصُّعوبَةَ الَّتي كَانَ يُواجِهُها في التَّحَرُّرِ مِن ذلكَ الفِكْر.
وَإليكُم الصَّلاةَ الَّتي يُصَلِّيها رَجُلُ الدِّينِ اللُّوثَرِيِّ عِندَ تَعْميدِ أحدِ الأطفالِ الرُّضَّع: "أيُّها الإلَهُ العَظيم، أَتَضَرَّعُ إليكَ بِخصوصِ هَذا الطِّفلِ عَبدِكَ الَّذي يَطلُبُ عَطِيَّةَ مَعموديَّتِكَ ويَطلُبُ نِعمَتَكَ مِن خِلالِ الوِلادةِ الرُّوحيَّةِ الجَديدة. اقْبَلْهُ، يَا رَبّ، واسْبِغْ جُوْدَكَ عَلى الشَّخصِ الَّذي يَقرَعُ لكي يَحصُلَ على البَرَكَةِ الأبديَّةِ لِهذا الحَمَّامِ السَّماوِيِّ، ولكي يَحصُلَ على مَلكوتِ السَّماءِ الَّذي تَعِدُ بإعطائِهِ مِن خِلالِ يَسوعَ المَسيحِ رَبِّنا. آمين". فَأنتَ تُصَلِّي وتَطلُبُ أن يَعمَلَ ذلكَ الحَمَّامُ على تَخليصِ الطِّفل!
ثُمَّ إنَّ الأبَوَيْنِ يَتَقَدَّمانِ وَيَقِفانِ عَن يَمينِ الطِّفلِ وَيَسارِهِ فَتُوَجَّهُ الأسئلةُ إلى الطِّفلِ، ويَنبغي للأبَوَيْنِ أن يُجيبَا: "هَل تُنكِرُ الشَّرَّ وَكُلَّ أعمالِهِ وطَبيعَتِه؟" فَيُجبُ الأبوان: "أجل" (نِيابَةً عَنِ الطِّفل). "هَل تُؤمِنُ باللهِ الآبِ، وَبِيَسوعَ المَسيحِ ابنِهِ، وَبِالرُّوحِ القُدُسِ، وَبالكَنيسةِ المَسيحيَّةِ الواحِدَة؟" فَيُجبُ الأبوان: "أجل" (نِيابَةً عَنِ الطِّفلِ المُعَمَّد). ثُمَّ تَأتي الصَّلاةُ الخِتامِيَّةُ: "لَقَدْ وَلَدَكَ اللهُ القَديرُ وِلادَةً جَديدةً مِن خِلالِ المَاءِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، وَغَفَرَ لَكَ كُلَّ خَطاياك. آمين".
هَذا تَحريفٌ لِتَعليمِ العهدِ الجديد. فَلا يُوجَد شَيء في العهدِ الجديد عَن تَعميدِ الأطفال. وَلا يُوجَد شَيء في العهدِ الجديد عَنِ الخَلاصِ مِن دُونِ إيمانٍ شَخصِيٍّ بالربِّ يَسوعَ المَسيح؛ وَهُوَ أمرٌ لا يَحصُلُ عليهِ إلاَّ الشَّخص الَّذي يَفهمُ مَعنى الإنجيل. فَلا تُوجَد مَعموديَّةُ أطفالٍ رُضَّع في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. وَلا تُوجَد وَصِيَّة بِذلك، وَلا تُوجَد أمثلة عَلى ذلك، وَهُوَ أمرٌ لَم يُمارَس وَلم يَكُن لَهُ وُجود.
وَقد تَقول: "لِماذا كَانُوا يُمارِسونَ ذلك؟" في البِدايَة، كَانتِ الكنيسةُ الرُّومانِيَّةُ الكاثوليكيَّةُ تَفعلُ ذلكَ لِكي تَضمَنَ بَقاءَ جَميعِ النَّاسِ في النِّظام. فَقد أرادُوا أن يُبْقُوا جَميعَ النَّاسِ في النِّظام. لِذا فَقد عَمَّدُوا كُلَّ الأطفالِ، وَجَعَلوهُم "مَسيحيِّين"، ثُمَّ جَعلوهُم يَنتَمونَ إلى الكَنيسةِ فَصَارُوا تَحتَ سَيطرةِ الكَنيسة، وَصَارُوا تَحتَ هَيمَنةِ الكَنيسة. وَحَتَّى إنَّ نَظرةَ المُصْلِحينَ إلى مَعموديَّةِ الأطفالِ، على الرَّغمِ مِن أنَّها مُختَلِفَة عَن هذهِ النَّظرةِ إذْ إنَّهُم يُؤمِنونَ بأنَّ الأبَوَيْنِ المُؤمِنَيْنِ يَستطيعانِ أن يُعَمِّدا أطفالَهُما فيَصيرونَ أعضاءً صِغارًا في العَهدِ الَّذي يَتَثَبَّتْ في الوقتِ الَّذي يُمكِنُهم فيهِ أن يقرأوا التَّعليمَ المَسيحيَّ قِراءَةً سَليمة؛ ولكِنَّ هَذهِ النَّظرةَ أيضًا مُتَأصِّلَة في هَذا النِّظامِ الكَاثوليكيِّ الرُّومانِيِّ. وَقد كانَتِ الفِكرةُ مِن ذلكَ هُوَ إبقاءُ جَميعِ النَّاسِ تَحتَ سُلطةِ الكَنيسةِ وَسَيطرتِها.
والآن، هَذا يَقودُني إلى نُقطةٍ أخرى مُدهشة جدًّا. فَمِنَ الوَاضِحِ أنَّ الشَّيءَ الَّذي هَدَّدَ كَنيسةَ رُوما هُوَ أنَّ مَجموعَةً مِنَ الأشخاصِ جَاؤوا... أنَّ مَجموعَةَ مِنَ الأشخاصِ جَاؤوا وَقالوا: "هَذا خَطَأ. مَعموديَّةُ الأطفالِ الرُّضَع خَطَأ. يَنبغي أن تَقتَصِرَ المَعموديَّةُ على المُؤمِنين. فَهِيَ فقط للمُؤمِنين. وَهِيَ فقط للأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ عَنْ وَعْيٍ بيسوعَ المَسيح. لِذا فإنَّ مَعموديَّةَ الأطفالِ الرُّضَّعِ ليسَت مُهِمَّةً البَتَّة. فَهِيَ عَديمةُ النَّفعِ، وعَديمةُ الفَائدةِ، وَلا تَعني أيَّ شَيء". لِذا فقد رَاحُوا يَجولونَ وَيَكرِزونَ بالإنجيلِ في العُصورِ الوُسطَى ويَجتَذِبونَ النَّاسَ إلى المَسيح. وَكانَ الأشخاصُ المُهْتَدونَ إلى المَسيحِ يُعَمَّدون. لِذا فَقد صَارَ هَؤلاءِ يُعَرفونَ باسم "مُعيدو المَعموديَّة". وَهُمْ يُعرَفونَ تَاريخيًّا باسْم: "الآنابابتست" (Anabaptists). والكلمة "آنا" (ana) هِيَ كَلمةٌ يُونانيَّةٌ تَعني: "مَرَّةً أخرى". فَقَد كَانُوا يُعرَفونَ باسم "مُعيدُو المَعمُودِيَّة".
وَكانَ الأمرُ خُطيرًا جدًّا حَتَّى إنَّهُم تُعَرَّضُوا للكَراهِيَةِ لا فقط مِنَ الكَنيسةِ الكَاثوليكيَّةِ، بَل إنَّهُم تَعَرَّضُوا للكَراهِيَةِ أيضًا مِنَ البُروتستنتِ الَّذينَ كَانُوا مَا يَزالونَ يُمارِسونَ المَعموديَّةَ وَفْقًا للخُطَّةِ الكَاثوليكيَّة. فَقد كَانُوا مَا يَزالونَ يُمارِسونَ مَعموديَّةَ الأطفالِ الرُّضَّعِ بِالطَّريقةِ القَديمةِ بِصِفَتِها سِرًّا مِن أسرارِ الكَنيسة. وَقد كَانُوا عِدائِيِّينَ... رَكِّزُا مَعي... حَتَّى إنَّ بَعضًا مِنَ البروتستنت قَتَلوا عَدَدًا مِنَ الآنابابتست. فَقد أرادُوا أن يُحافِظُوا على سَيطرتِهم على رَعِيَّتِهم مِن خِلالِ تَعميدِ الأطفال. وَكانَ الأنابابتست يُشَكِّلونَ خَطَرًا عَلى سُلطَتِهم أيضًا.
لِذا، خِلالَ العُصورِ الوُسطَى، كَانتِ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانِيَّةُ تُعَمِّدُ الأطفالَ الرُّضَّع. وَبعدَ ذلك، وَحَتَّى بَعدَ الإصلاح، كَانَ البروتستنت مَا يَزالونَ يُعَمِّدونَ الأطفالَ؛ ولكِنَّهُم شَعَرُوا بالتَّهديدِ بِسَببِ الأنابابتست الَّذينَ كَانُوا يُؤمِنونَ بِمَعموديِّةِ المُؤمِنِ فقط. والنَّاسُ يَسألونَني دَائِمًا: "هَل يَنبغي أن أَتَعَمَّدَ مَرَّةً أخرى؟" إنْ لم تَكُن قَدْ عُمِّدْتَ بِحَسَبِ العهدِ الجديدِ، وَإنْ لم تَكُن قَد غُطِّسْتَ في المَاءِ بَعدَ أنْ اخْتَرْتَ أن تُكَرِّسَ حَياتَكَ ليسوعَ المَسيحِ بَعدَ أنْ نِلْتَ الخَلاصَ، يَجِب أن تُعَمَّدَ لأنَّ مَا فَعَلْتَهُ قَبلَ ذلكَ لا يَعني أيَّ شَيء. فَهُوَ لا يَعني أيَّ شَيء. فَالمَعموديَّةُ هِيَ للمُؤمِنينَ فقط، ويَنبغي أن تُمارَسَ حَالاً.
هَل يَنبغي أن أُلَخِّصَ ذلك؟ لَقد كَانَ رَبُّنا يُدركُ أنَّ المَعموديَّةَ لَها قَصْدٌ إلَهِيٌّ. وَكَانَ يَفهمُ أنَّها شَيءٌ وَضَعَهُ اللهُ. وَالحقيقةُ هِيَ أنَّ يَسوعَ يَقولُ في إنجيل مَتَّى 21: 25 – إنَّهُ يَقول: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟" وَيُؤكِّدُ يَسوعُ أنَّ مَعموديَّةَ يُوحَنَّا كَانَت مِنَ السَّماء. وَحَتَّى إنَّهُ يُؤكِّدُ المَصدرَ السَّماوِيَّ لِمُعموديَّةِ يُوحَنَّا بالتَّغطيس. فَنَحنُ نَقرأُ في إنجيل لُوقا والأصحاحِ السَّابع... وَهِيَ آيةٌ أخيرةٌ في عُجالَة... نَقرأُ في إنجيل لُوقا 7: 29: "وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ". فَقد رَفَضَ الفَرِّيسيُّونَ مَعموديَّةَ يُوحَنَّا الَّتي كَانَتْ بِحَسَبِ قَصْدِ الله. وَما تَزالُ المَعموديَّةُ هِيَ قَصْدُ الله. لِذا فَإنَّ رَفْضَ مُمارسةِ المَعموديَّةِ هُوَ رَفْضٌ للقَصدِ الإلَهِيِّ.
لِذا، إن لم تَعتَمِد بَعد، لا يُمكِنُكَ أن تَدَّعي أنَّكَ تَجهلُ ذلك. ليسَ بَعدَ الآن. فَإنْ رَفضتَ المَعموديَّةَ فإنَّكَ مُتَكَبِّر، أو لا تُريدُ أن تَتواضَع، أو لا تُريدُ أن يَظُنَّ النَّاسُ أنَّكَ غَير مُطيع، أو رُبَّما أنَّكَ عَديمُ المُبالاةِ وَلا تَرى أنَّ الأمرَ مُهِمًّا بالنِّسبةِ إليك. أو رُبَّما تَكونُ عَنيدًا أو تَسْمَحُ بوجودِ خَطِيَّةٍ في حَياتِكَ وتَسيرُ في الدَّربِ الَّذي يَجعَلُكَ أسوأَ شَخصٍ مُراءٍ. أو رُبَّما أنَّكَ لستَ مُؤمِنًا أصلاً.
أَلاَ فَحَصْتَ قَلبَكَ؟ يا أحبَّائي، أنا مُقتَنِعٌ بأنَّ جُزءًا كَبيرًا مِنَ المُشكلةِ في الكَنيسةِ اليوم تَنبُعُ مِن هَذا الأصْلِ المُتَمَثِّلِ في عَدَمِ الطَّاعَةِ وَيَظهَرُ جَلِيًّا في مَوضوعِ المَعموديَّة البَسيط. وَأنا مُقْتَنِعٌ بأنَّ الشَّيطانَ يُحاولُ أن يُشَوِّشَ هَذا المَوضوعَ مُنذُ قُرون، وَأن يَجعلَ المُؤمِنينَ يَزيغونَ عَن أنماطِ الطَّاعَةِ البَسيطةِ والمُباشرةِ الَّتي وَضَعَها الله. لِذا، يَجِبُ عَلينا أن نَكونَ مُطيعينَ لِكَي نَتَبارَك.
This article is also available and sold as a booklet.
