لِنَفتَحِ الآنَ كلمةَ اللهَ على إنجيل لوقا والأصحاحِ الخامِس عَشَر. فالمَقطَعُ الكِتابِيُّ الَّذي سَنتأمَّلُ فيهِ في هذا الصَّباحِ هُوَ مِن إنجيل لوقا والأصحاحِ الخامِس عَشَر. وسوفَ نَبتدئُ مِنَ العَددِ الحادي عَشَرَ إذْ سَنَتأمَّلُ في مَثَلٍ مَعروفٍ جدًّا مِن أمثالِ رَبِّنا، بَلْ رُبَّما كَانَ أَشْهَرَ مَثَلٍ قَالَهُ وَيَعرِفُهُ النَّاسُ، وَهُوَ يُعرَفُ بِمَثَلِ الابْنِ الضَّالِّ. وَقَد قَالَ "تشارلز ديكنز" (Charles Dickens) إنَّ هذَا المَثَلَ هُوَ أعظمُ قِصَّةٍ قَصيرةٍ كُتِبَتْ يَومًا. وهَذا هُوَ أيضًا مَا قَالَهُ "رالف والدو إيميرسون" (Ralph Waldo Emerson)؛ وَهُما رَجُلانِ بَارِعانِ في كِتابةِ القِصَص. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هذا المَثَلَ هُوَ أكثرُ أمثالِ يَسوعَ غِنًى وَدَسَمًا؛ ولكِنْ في الوقتِ نَفسِهِ يُمكِنُ لِطِفلٍ أن يَفهَمَ الحَقَّ الرَّئيسيَّ الَّذي يُعَلِّمُه.
وعندما نَتأمَّلُ في مَثَلٍ كَهذا، مِنَ المُهمِّ حَقًّا أن نَتذكَّرَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ هُوَ كِتابٌ شَرْقُ أَوْسَطِيٍّ. فَهُوَ كِتابٌ قَديمٌ شَرْقُ أَوْسَطِيٍّ. والحَقائقُ الَّتي يُعَلِّمُها مَكتوبةٌ في ثَقافَةٍ مُختلفةٍ جدًّا عن ثَقافَتِنا. فنحنُ نَعيشُ في العَالَمِ الغَربِيِّ بعدَ نَحْوِ ألفَيِّ سَنَةٍ مِن قَوْلِ هَذا المَثَل، وليست لَدينا دِرايَةٌ كَافيةٌ عنِ الحَياةِ في الشَّرقِ الأوسطِ لا قَديمًا وَلا حَديثًا. لِذا، مِنَ السَّهلِ جدًّا أن نُخْرِجَ هذهِ القِصَّةَ مِن سِياقِها وَأنْ نَنقِلَها إلى عَالَمِنا المُعاصِرِ ونَستَخلِصَ مِنها بِضعَةَ تَطبيقاتٍ ضَحْلَةٍ في أحسنِ الأحوال.
ولكِنَّ هَذا المَثَلَ يَستحِقُّ مُعالَجَةً عَميقة. فَهُوَ ليسَ قِصَّةً يُمكِنُ فَهمُها فَهْمًا سَطحيًّا مِنْ جِهَةِ ثَرائِها وَرِسالَتِها. فَهِيَ تَحوي أمورًا صَغيرةً، وَتَفاصِيلاً دَقيقةً، ومَواقِفَ وَسِماتٍ ثَقافيَّة تُضْفي عَليها مَعناها الكَامِل. وتَذَكَّرُوا أنَّ المَعنى الَّذي قَصَدَهُ الكتابُ المقدَّسُ للنَّاسِ الَّذي كُتِبَ إليهِم هُوَ المَعنى الَّذي يَقصِدُهُ اليوم. فَالمَعنى الَّذي قَصَدَ يَسوعُ أنْ يَفهَمَهُ النَّاسُ الَّذي تَكَلَّمَ إليهم آنذاك هُوَ المَعنى المَقصودُ مِن كَلامِهِ اليوم.
وَواحِدٌ مِنَ الأشياءِ المُحزِنَةِ في عَالَمِنا المُعاصِرِ هُوَ أنَّنا نَقرأُ الكتابَ المقدَّسَ وَنُطَبِّقُهُ في عُجَالَةٍ مِن دُونِ شَرْحِه. وفي مُحاولةٍ دَؤوبَةٍ لِعَصْرَنَةِ الكتابِ المقدَّسِ فإنَّنا نَتَغاضَى عن سِياقِهِ الأصلِيِّ في خِضَمِّ مُحاولاتِنا لإلباسِهِ ثَوبَ القَرنِ الحَادي والعِشرين.
ولكِن إن أردنا أن نَستخلِصَ مِنهُ المَعنى الَّذي يُريدُ مِنَّا اللهُ أن نَعرِفَهُ، وَما يُريدُ أن يَكشِفَهُ لَنا لأجلِ بُنيانِنا، مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن نَفهمَ أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَسمَعَهُ بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي سَمِعَهُ فيها جُمهورُ يَسوع. فَقد كانت هُناكَ أفكارٌ مُعَيَّنة مَنقوشَةٌ في أذهانِهم، ومَواقِفُ ثَقافيَّة مُحَدَّدة، وأنماطٌ مُعَيَّنة، وَمَشاعِرُ وَأحاسيسُ لا يُعَبَّرُ عنها بالكلماتِ ولكِنَّها مَوجودةٌ في الحَياةِ القَرَوِيَّةِ الشَّرقِ أوسَطِيَّة. وهذهِ هي الأشياءُ الَّتي تُنيرُ القِصَّة. وهذهِ هي الأشياءُ الَّتي تَجعَلُها حَيَّة. وهذهِ هي الأشياءُ الَّتي سَتُتيحُ لَنا أن نَعيشَ فيها.
لَقد خَاطَبَ المَسيحُ أشخاصًا قَرَوِيِّينَ شَرْق أوسَطِيِّين. والأناجيلُ تُخاطِبُ النَّاسَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ في ذلكَ السِّياق. وَحَتَّى إنَّ أكثرَ النَّاسِ ثَقافَةً في ذلكَ الوقتِ كَانُوا مُتَأصِّلينَ في الحَياةِ القَرَوِيَّةِ والزِّراعِيَّةِ البَسيطَة. فَالأشياءُ الَّتي كانَت تَحدُثُ في ثَقافَتِهم وَحَياتِهم الاجتماعِيَّةِ وَتَرَسَّخَتْ على مَدَى أجيالٍ طَويلةٍ في أَحَاسيسِهِم ما تَزالُ مَوجودةً حَتَّى اليوم في الحَياةِ القَرَوِيَّةِ الشَّرقِ أوسَطِيَّة. فَهُناكَ أشياءٌ كَانُوا يَشعُرونَ بها دُونَ أن يُعَبِّروا عَنها بالكلمات. وَهُناكَ مَواقفُ عَميقة لم تُكْتَبْ يَومًا، ولَم يَستوعِبها أحدٌ استيعابًا وَاعِيًا ولكِنَّها مَوجودة في العَقلِ البَاطِنِ مُنذُ وَقتٍ طَويل.
وإن أردنا أن نَفهَمَ مَعنى هذهِ القِصَّةِ العَظيمةِ وكُلِّ مَعانيها الرُّوحيَّةِ، يجبُ علينا أن نَرجِعَ إلى الوراءِ وأن نَبذُلَ كُلَّ جُهدٍ لَدينا في وَضْعِ أنفُسِنا في ذلكَ المَكانِ وذلكَ الزَّمان. فيجبُ علينا أن نَضَعَ أنفسَنا في نَفسِ المَواقفِ والتَّوقُّعاتِ الَّتي كانت مَوجودةً في الثَّقافةِ القَرَوِيَّةِ أوِ الرِّيفِيَّةِ الشَّرقِ أوسَطِيَّة. فَحِينئذٍ فقط يُمكِنُ لِغِنَى هذهِ القِصَّةِ أن يُشِعَّ في أذهانِنا.
والآن، قَبلَ أن نَنظُرَ إلى هذهِ القِصَّة، إليكُم هذهِ الخَلفيَّة الَّتي سَتُساعِدُنا على فَهْمِها. فَقد كانَ المَسيحُ في طَريقِهِ إلى أورُشَليم في الأشهُرِ الأخيرةِ مِن حَياتِه. وَهُوَ مُزْمِعٌ أن يُقَدِّمَ نَفسَهُ ذَبيحَةُ اللهِ الكَامِلَةِ عنِ الخَطيَّة، وأن يَموتَ على الصَّليبِ، ثُمَّ أن يَقومَ في يَومِ الأحدِ مِنَ الأمواتِ، وَأنْ يَفْدينا. وَكانَ قَد أَمْضَى في الخِدمةِ الآنَ نَحوَ ثَلاثِ سَنواتٍ، وكَانَ يَكرِزُ عَن مَلَكوتِ اللهِ والتَّوبةِ، ويَدعو الرِّجالَ والنِّساءَ إلى دُخولِ مَلكوتِ اللهِ مِن خِلالِ التَّوبةِ والإيمانِ بِهِ بِصِفَتِهِ المَسِيَّا والرَّبَّ الإلَه.
وَكانَ يُوجَدُ أشخاصٌ يُعادُونَهُ بِشِدَّة؛ ولا سِيَّما الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَة. وكَانَ هَؤلاءِ يُشرِفونَ على الدِّيانَةِ اليَهوديَّةِ السَّائِدَةِ في ذلكَ الوقت. وكانُوا أصحابَ نُفوذٍ في المَجامِعِ اليَهودِيَّةِ الَّتي كَانَتْ مَجامِعَ مَحَلِّيَّة للشَّعبِ اليهوديِّ حيثُ يَجتمعونَ فيها لِكي يَتَعَلَّمُوا. فَقد كانوا القُوَّةَ الأكثرَ تَأثيرًا، وَكَانُوا نَامُوسِيِّينَ، وَكانُوا فَاسِدينَ مِنَ الدَّاخِل، وَكانُوا مُرائينَ، وَكانُوا مُعادينَ ليسوع. وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، كانَ لَهُم أعظمُ تَأثيرٍ على الإطلاق. لِذا فقد كانَ النَّاسُ إمَّا يُعادونَ يَسوعَ وَإمَّا لا يُبالونَ بِهِ بِسَببِ تَأثيرِ هؤلاءِ القَادَة. وَقد صَبُّوا جَامَ غَضَبِهِم على رَأسِهِ في نِهايَةِ المَطافِ حينَ صَرَخوا وَطَالَبوا بِدَمِهِ في أورُشَليمَ وَقَتَلوه.
وكانَ امتِعاضُ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَةُ نَابِعًا مِن حَقيقةِ أنَّ يَسوعَ تَصَدَّى لَهُم مُباشرةً وَكَشَفَ رِياءَهُم. فقد وَصَفَهُم بأنَّهُم أبرارٌ في أعيُنِ أنفسِهم، وَأنَّهُم ليسوا أبرارًا حَقًّا. وَقَد قَالَ عَنهُم إنَّهُم لا يَفهمونَ حَقًّا الكتابَ المقدَّسَ أو مَشيئةَ اللهِ. وَقد قالَ لَهُم إنَّهُم لا يَعرِفونَ اللهَ وَلا يَعرفونَ الطَّريقَ الحَقيقيَّ للخَلاص. وَقد قالَ لَهُم إنَّهُم لن يَدخُلوا مَلكوتَ اللهِ لأنَّهُم كانُوا فَاسِدينَ مِنَ الدَّاخِل، وَإنَّهُم مُتَّجِهونَ إلى الدَّينونةِ الإلهيَّة. وَلا شَكَّ في أنَّهُم لم يَرغَبوا في سَماعِ ذلك.
وَمَعَ أنَّهُ قَالَ ذلكَ بِشَغَفٍ وَرَحمةٍ ونِعمَة، وَمَعَ أنَّهُ قَالَ ذلكَ مِرارًا وَتَكرارًا في مُناسَباتٍ عَديدة بِطَرائقَ كَثيرة، فإنَّهُم كَرِهُوا ذلك. وبسببِ رَغبتِهِم في مُقابَلَةِ هُجومِ يَسوعَ بِهُجومٍ مُقابِل، قَالُوا أَشْنَعَ مَا يُمكِنُ أن يُقالَ عنهُ وَهُوَ أنَّهُ كانَ يَفعلُ مَا يَفعلُ بِقُوَّةِ الشَّيطان. وَقد قَالوا إنَّهُ لا يُمَثِّلُ اللهَ، بَل يُمَثِّلُ إبليسَ نَفسَهُ، وَقَالوا إنَّ كَلامَهُ شَيطانِيٌّ وَمَنْبَعُهُ جَهَنَّم. وَقد كانَت هذهِ هِيَ قَناعَتُهُم. لِذا فقد نَشَروا هذهِ الكِذْبَة في كُلِّ الأرض.
فَهُم لم يَترُكوا طَريقةً أو وَسيلةً لِنَشرِ تلكِ الكِذْبَة إلاَّ واستَخدَموها. وَيبدو أنَّهُم وَجَدُوا طَريقةً فَعَّالَةً جدًّا لِتَحقيقِ هَدَفِهم وَهِيَ أن يَقولوا للنَّاسِ: "انظُروا إلى الأشخاصِ الَّذينَ يُخالِطُهم يَسوع. فَهُوَ لا يُخالِطُ شَعبَ اللهِ، بَل يُخالِطُ شَعبَ إبليس. فَهُوَ يَجلِسُ مَعَ العَشَّارينَ، والزُّناةَ، والمُجرِمينَ، وَالعَامَّةَ الَّذينَ كَانُوا يُسَمُّونَ ’خُطاةً‘". وفي كُلِّ مَرَّةٍ وَجَدوهُ فيها يَجلِسُ مَعَ خُطاةٍ، كَانُوا يُحِبُّونَ أن يَفعلوا ذلكَ لِلتَّشكيكِ فيهِ، وَلِتأكيدِ كَلامِهم بأنَّهُ يُحِبُّ الاختلاطَ بِشَعبِ الشَّيطانِ، وَبأنَّهُ لا يُطيقُ شَعبَ اللهِ الَّذي كَانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُم يَنتَمونَ إليه.
لِذا، هذهِ هي المُناسَبةُ الَّتي قَادَتْ إلى سَرْدِ القِصَصِ الَّتي قَالَها يَسوعُ في إنجيل لوقا والأصحاح 15. فالنَّصُّ يَقولُ في العَددِ الأوَّل: "وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ". فَقَد كانوا يَدْنُونَ مِنهُ لأنَّهُ رُبَّما لاحَظتُم أنَّهُ قَالَ في نِهايةِ الأصحاحِ الرَّابع عَشَر، في الجُملةِ الأخيرةِ مِنهُ: "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ". فقد كانوا مُستعدِّينَ للاستماع. لِذا فقد جَاءوا. "فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ..." [الَّذينَ كانُوا الخُبَراءَ اللاَّهُوتِيِّينَ في الحَرَكَةِ الفَرِّيسِيَّة] "...قَائِلِينَ: «هذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ!»". ولا شَكَّ في أنَّكَ إنْ كُنتَ تَأكُلُ مَعَ فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النَّاسِ، قَد يُفهَمُ مِن ذلكَ أنَّكَ تُقِرُّ بِتِصَرُّفاتِهِم وتُوافِقُ ضِمْنِيًّا على أفعالِهم.
لِذا فقد غَضِبوا جدًّا. فَقد كانُوا يَرفُضونَ قَطعًا الاختلاطَ بتلكَ الفِئاتِ مِنَ النَّاس. ولم يَكونوا مُستعدِّينَ لِتَناوُلِ الطَّعامِ مَعَ هؤلاءِ النَّاسِ بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوال. فقد كَانوا يَتَعَمَّدونَ البَقاءَ بِمَعزِلٍ عن تلكَ الفِئاتِ مِنَ النَّاسِ في مُحاولةٍ شَخصيَّةٍ مِنهُم لِحِمايَةِ طَهارَتِهم المَزعومَة.
وعلى الرَّغمِ مِن مُعجِزاتِ يَسوعَ الَّتي لم يَكُن بِمَقدورِهم أن يُنكِروها ولَم يُحاوِلوا إنكارَها، وعلى الرَّغمِ مِنَ البَراهينِ الوَاضِحَةِ الَّتي قَدَّمَها عَلى لاهُوتِه، وعلى الرَّغمِ مِنْ قُدرةِ كَلِماتِهِ وَوُضوحِها وطَبيعَتِها المُغَيِّرَةِ، استَمَرُّوا في القَولِ إنَّهُ مِنَ الشَّيطان. وَقَد قَالوا إنَّ هَذا وَاضِحٌ في هذهِ المُناسَبَةِ لأنَّهُ كانَ يُخالِطُ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى إبليس.
وَلَم يَقتَصِر الأمرُ فقط على أنَّهُ كَسَرَ التَّقاليدَ اليَهودِيَّةَ، ولا على أنَّهُ كَسَرَ عَاداتِ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَة، ولا على أنَّهُ لم يُبالِ قَطّ بِطَريقَتِهم في حِفْظِ السَّبتِ أو غَيرِ ذلكَ مِنَ القَواعِدِ المُختصَّةِ بهم، بَل إنَّهُ كانَ بِصورةٍ خَاصَّةٍ يُخالِطُ الخُطاةَ المَنبوذين. لِذا فقد طَرَحُوا هذهِ النُّقطةَ مَرَّةً أخرى هُنا كَما فَعلُوا في الأصحاحِ الخَامِسِ والأعداد 29-32. فَهُوَ نَفسُ التَّذَمُّر.
وَقد أدَّى ذلكَ إلى رَدِّ رَبِّنا عَليهم. والرَّدُّ هُوَ رَدٌّ بَسيطٌ جدًّا: "أنتُم لا تَفهَمون! أليسَ كذلك؟ إنَّ سَبَبَ مُخالَطَتي لهؤلاءِ الخُطاةِ هُوَ أنِّي أَتيتُ لِكَيْ أَطْلُبَ وَأُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَك" (كَما قَالَ صَراحَةً في إنجيل لوقا 19: 10). "أنا أفعلُ ذلكَ لأنَّ هَذا يَسُرُّ الآبَ. فَاللهُ يُسَرُّ بِتَخليصِ الخُطاةِ الهَالِكين". وَهُوَ يَمضي ويَحكي قِصَّةً عَنْ رَاعٍ يَرعَى مِئَةَ خَروفٍ وَفَقَدَ وَاحِدًا مِنها، وَذَهَبَ وَبَحَثَ عَنهُ إلى أنْ وَجَدَهُ وَأعادَهُ. وَهُوَ يَقول: "مَا الغَايَة مِنَ القصة؟" نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ". وَهذا تَوبيخٌ سَاخِرٌ للفَرِّيسيِّينَ أنفسِهم الَّذينَ كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم أبرارٌ ولا يَحتاجونَ إلى التَّوبة. فَهُوَ يَقولُ لَهُم: "إنَّ السَّماءَ لا تَفرَحُ بِكُم، بل إنَّ فَرَحَ السَّماءِ يَكمُنُ في رَدِّ خَاطِئٍ ضَالٍّ يَتوب".
ثُمَّ سَرَدَ يَسوعُ قِصَّةً أخرى عنِ امرأةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وأَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَراحَتْ تَبْحَثُ عَنهُ إلى أنْ عَثَرَتْ عَليه. وَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أخرى في العَددِ العَاشِر: "هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ".
وَما يَقولُهُ لَهُم هُوَ التَّالي: "أنتُم بَعيدونَ جدًّا عنِ اللهِ، ولا تَفهَمونَ حتَّى ما يُسِرُّ قَلبَ اللهِ، ولا تَفهَمونَ ما يَجعلُ اللهَ رَاضِيًا عَنكُم، ومَسرورًا وفَرِحًا بِكُم". إنَّها تَوبَةُ الخُطاة. أنتُم بَعيدونَ جدًّا عن مَعرفةِ الله".
وَهذا، بِكُلِّ تَأكيدٍ، قَادَ إلى سَرْدِ قِصَّةٍ ثَالثة وَهِيَ المَثَلُ الرَّئيسيُّ. فقد رأينا رَدَّ الخَروفِ الضَّالِّ والدِّرهَمِ المَفقود. وَنَقرأُ هُنا عن رَدِّ ابنٍ ضَالّ. ولكِنَّ هذهِ القصةَ تَرمِي إلى إظهارِ نَفسِ الحَقيقةِ وَهِيَ: أنَّ اللهَ يَفرَحُ بِرَدِّ خَاطِئٍ واحِد. ولكِنَّ هذهِ القِصَّةَ تَقولُ مَا هُوَ أكثرُ مِن ذلكَ وَتَصِفُ طَبيعَةَ التَّوبَة.
فالتَّوبَةُ ذُكِرَت في العَددِ السَّابِعِ وَذُكِرَت في العَددِ العَاشِر، ولكِنَّها لم تُعَرَّف. أمَّا في هذهِ القِصَّةِ فإنَّها تُعَرَّفُ تَمامًا. وهَذِهِ هِيَ أوَّلُ مَرَّةٍ في هذهِ القِصَّةِ يَظهَرُ فيها الفَرِّيسيُّونَ والخُطاةُ حَقًّا. فَهُم شَخصيَّةٌ مِن شَخصيَّاتِ هذهِ القِصَّة. وَسَوفَ نَراهُم بِكُلِّ قُبْحِهِم. وَقد رَأَوْا أنفُسَهُم كذلك. وهَذهِ هِيَ النِّهايةُ المُفاجِئَةُ للقِصَّة.
فَحَتَّى تلكَ اللَّحظَة، كَانُوا يُوافِقونَ على كُلِّ مَا جَاءَ في القِصَّة. وَهَذهِ هِيَ دَائِمًا طَريقَةُ المَسيح. فَهُوَ يَترُكُهم يَنْدَمِجونَ في القِصَّةِ وَيُظهِرونَ اهتِمامَهُم وَفَهْمَهُم لَها، ثُمَّ إنَّهُ يَجعلُهُم يَفهَمونَ المَسائِلَ الأخلاقِيَّةَ في القِصَّةِ لأنَّهُم كَانُوا يَتَباهَوْنَ بِأخلاقِهِم العَالِيَة. ثُمَّ إنَّهُ يَأخُذُ فَهْمَهُم الأخلاقِيَّ ويَقلِبُهُ عَليهِم، وَيَأخُذُ اللاَّهُوتَ في القِصَّةِ ويَستخدِمُهُ كَسِكِّينٍ تَخِزُ قُلوبَهُم الخَاطِئَة. وكُلُّ هَذا وَغَيرُهُ يَحدُثُ في هذهِ القِصَّة.
تُرَكِّزُ القِصَّتانِ الأولى والثَّانيةُ (أيْ مَثَلُ الخَروفِ الضَّالِّ وَمَثَلُ الدِّرْهَمِ المَفقودِ) على أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَبحَثُ، وَهُوَ الَّذي يَجِدُ، وَهُوَ الَّذي يَفرَح. ولكِنَّ القِصَّةَ الثَّالثةَ تَنظُرُ لا إلى الجَانِبِ الإلَهِيِّ، بَل إلى الجَانِبِ البَشريِّ؛ أيِ الخَطيَّةِ، والتَّوبةِ، والرَّدِّ، والرَّفض. فهذهِ قِصَّةٌ درامِيَّة. وَهِيَ قِصَّةٌ مُؤثِّرَة. والقِصَّةُ بِمُجمَلِها مُدهشةٌ جدًّا وَتَترُكُ أَثَرًا عَميقًا في ذِهْنِ أيِّ شَخصٍ يَهتمُّ بالحَقِّ الإلَهِيِّ.
والقِصَّةُ لا تَحوي كُلَّ شَيءٍ يَنبغي أن يُقالَ عَنِ الخَلاص. فَهِيَ لا تَعرِضُ كُلَّ لاهُوتِ الخَلاص؛ ولكِنَّها تَقودُنا إلى الصَّليبِ مَعَ أنَّ يَسوعَ لم يَكُن قَد صُلِبَ بَعد لأنَّها قِصَّةٌ عَنِ المُصالَحَة. فَلا تُوجَدُ مُصالحةٌ بِمَعزِلٍ عن مَوتِ المَسيحِ الَّذي دَفَعَ الأُجرةَ كاملةً عن الخَاطِئِ وَوَفَّرَ لَهُ المُصالَحَة. ولكِنَّ الصَّليبَ ليسَ في القِصَّة، بَل سَيَحدُثُ لاحِقًا. لِذا فإنَّ هذهِ القِصَّةَ لا تُقَدِّمُ لاهُوتًا كَامِلاً عَنِ الخَلاصِ، ولكِنَّها تَتحدَّثُ عن بِضعة عَناصِر مِثلَ الخَطِيَّة، والرَّدّ، والفَرَح، والرَّفض.
والآن، هُناكَ ثَلاثُ شَخصيَّاتٍ في القِصَّة: الابنُ الأصغَر، والأبُ، والابنُ الأكبَر. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يَنبغي تَقسيمُ القِصَّةِ بتلكَ الطَّريقة. فأنا أُحِبُّ أن أُقَسِّمَها إلى ثَلاثةِ أقسام. وَقد كانَ هَذا هَدَفًا في حَياتي مُنذُ أن ابتدأتُ الوَعظ؛ وَهُوَ هَدَفٌ لم أُحَقِّقْهُ بَعد. لِذا، سَوفَ نَفعلُ ذلكَ في حِينِه.
ولكِنَّنا نَبتدئُ بالابنِ الأصغَر... بالابنِ الأصغَر. وعندما نَنظُرُ إلى قِصَّةِ الابنِ الأصغَر، أريدُ أن أَذكُرَ لَكُم شَيئَيْنِ كي تُفَكِّروا فيهِما: الأوَّلُ: فَهُناكَ طَلَبٌ شَائِنٌ، وَهُناكَ تَمَرُّدٌ شَائِن. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "وَقَالَ: إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ...". وَسوفَ نَتوقَّفُ هُنا قَليلاً.
إنَّ الابنَ الأصغَرَ ليسَ الشَّخصيَّة الوَحيدة. ففي العَددِ الحَادي عشَر، تَقرأونَ عَن رَجُلٍ كَانَ لَهُ ابْنان. وَهَذا هُوَ مَا جَعَلَني أُسَمِّيها: "قِصَّةُ ابْنَيْن". فَهِيَ ليست قِصَّةَ ابنٍ واحِدٍ فقط، بل هِيَ قِصَّةُ ابْنَيْن. وَذُروةُ القِصَّةِ كُلِّها تُشيرُ إلى أنَّ الابنَ الآخَرَ (أيِ الابنَ الَّذي لا نُفَكِّرُ فيه) هُوَ المَغزى الرَّئيسيُّ مِنَ القِصَّة. ولكِنَّنا نُسَمِّي هَذا الابنَ الأصغَرَ [في اللُّغَةِ الإنجليزيَّة]: "the prodigal son". وأعتقدُ أنَّني إنْ سَألتُكُم: "مَا مَعنَى الكلمة prodigal؟" أعتقدُ أنَّكُم رُبَّما سَتَبحثونَ في القَاموسِ لِمَعرفةِ مَعناها الحَقيقيِّ. لِذا، سوفَ أُريحُكُم قَليلاً مِن هَذا العَناء.
إنَّها كلمة... إنَّها كلمة إنجليزيَّة قَديمة. ونحنُ لا نَستخدِمُها كَثيرًا. وَهِيَ تَعني في الأصل: "مُسْرِف". وأنتُم تَعرِفونَ مَعنى تلكَ الكلمة. فنحنُ نَقولُ إنَّ فُلانًا مُسْرِف، أو يُبَذِّرُ مَالَهُ، أو يَعيشُ لإشباعِ رَغَباتِه. وهَذهِ كلمةٌ تَصِفُ حَقًّا هَذا الابنَ الأوَّل. لِذا فإنَّها كلمة استُخدِمَت وَقتًا طَويلاً. ولكِنَّها ليست كلمة مَوجودة في أيِّ مَوضِعٍ في القِصَّة، بل هِيَ كلمة كانت تُلائِمُ التَّرْجَماتِ الإنجليزيَّةَ الأصليَّةَ جَيِّدًا. فالابنُ الأصغَرُ هُوَ المِثالُ الكَلاسيكِيُّ على تَبذيرِ حَياتِكَ، وَعلى الانغِماسِ في المَلَذَّات. لِذا فإنَّهُ يُسَمَّى "the prodigal son".
ولكِن لِنَنظُر إلى القِصَّةِ ونَرى أنَّها في الحَقيقةِ قِصَّةٌ عنِ ابْنَيْنِ وَأَبٍ مُحِبٍّ. فقد قالَ يَسوع: "إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَال". وعِندَما قَالَ يَسوعُ ذلك، يُمكِنُكم أن تَتَخَيَّلوا أنَّ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَةَ الَّذينَ كَانوا يَسمَعونَهُ قَالوا: "يا للهَوْل!" هَذا طَلَبٌ شَائِنٌ وَوَقِحٌ جدًّا. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هَذا الابنَ الأصغَرَ لم يَكُن مُتَزَوِّجًا لأنَّهُ يُريدُ أن يَذهبَ ويَنغَمِس في حَماقاتِ الشَّباب. لِذا، رُبَّما كَانَ شَابًا في مُقْتَبَلِ العُمر. وَهُوَ لا يُظهِرُ أيَّ احترامٍ لأبيه. وَهُوَ لا يُظْهِرُ أيَّةَ مَحَبَّةٍ البَتَّة لأبيه. وَهُوَ لا يُضْمِرُ ذَرَّةَ امْتِنانٍ في قَلبِهِ لذلكَ الإرْثِ الَّذي تَرَكَتْهُ الأجيالُ السَّابقةُ مِن عَائِلَتِهِ لأبيهِ؛ وَهُوَ نَفسُ الإرْثِ الَّذي سَيَصيرُ مِن نَصيبِهِ ذَاتَ يَوم.
والحقيقةُ هي أنَّ مَا قَالَهُ الابنُ في بِيئةِ الشَّرقِ الأوسَطِ القَديمةِ والحَياةِ القَرَوِيَّةِ كانَ وَقاحَةً شَديدةً لأنَّ كَلامَهُ كَانَ يَعني مَا يَلي: "أبي، أتَمَنَّى أن تَموتَ لأنَّكَ تَقِفُ في طَريقِ خُطَطي. أنتَ عَائِقٌ. أنا أريدُ حُرِّيَّتي، وأريدُ أن أفعلَ مَا أشاء، وأريدُ أن أَتَحَرَّرَ مِن هذهِ العَائلةِ الآن. فأنا لَديَّ خُطَطٌ أخرى لا صِلَةَ لَها بِكَ، ولا صِلَةَ لَها بهذهِ العَائلة، وَلا صِلَةَ لَها بهذه الأملاكِ، وَلا صِلَةَ لَها بهذهِ القَرية. فأنا لا أريدُ أيَّةَ صِلَةٍ بِك، بَل أريدُ مِيراثي الآن". وَهذا يَعني ضِمنيًّا: "أَتَمَنَّى أن تَموت".
وفي ثَقافَةٍ تُقَدِّرُ الكَرامَةَ كثيرًا جدًّا، وفي ثَقافةٍ قائمةٍ على الوَصَايا العَشْر الَّتي تَقول: "أَكْرِمْ أَباكَ وَأُمَّك"، كانَ هَذا الأمرُ يَحْظَى بالكَثيرِ مِنَ الاهتمامِ والتَّقديرِ حتَّى إنَّ إكرامَكَ لأبيكَ كانَ يَأتي في قِمَّةِ الحَياةِ الاجتماعِيَّة. وَأيُّ ابْنٍ يَطلُبُ شَيئًا كهذا، أو طَلَبًا وَقِحًا كَهَذا، أو طَلَبًا مُخْزِيًا كَهذا مِن أَبٍ يَتمتَّعُ بِصِحَّةٍ جَيِّدةٍ ورُبَّما لم يَكُن طَاعِنًا في السِّنِّ بَعد، هُوَ ابْنٌ يَفهَمُ الجَميعُ أنَّهُ يَتَمَنَّى لأبيهِ المَوت.
فَقد كانتَ العَاداتُ والتَّقاليدُ تَقولُ إنَّكَ لا تَحصُلُ على مِيراثِكَ إلاَّ بعدَ مَوتِ أبيك. ولكِن إنْ فَعَلتَ ذلكَ، أيْ إنْ طَلَبْتَ مِيراثَكَ في حَياةِ أبيكَ فَكأنَّكَ [مِن جِهَة] تُؤكِّدُ أنَّ أباكَ قَد مَاتَ، وَلكِنَّكَ أيضًا [مِن جِهةٍ أخرى] تُقْدِمُ على عَمَلٍ يُشبِهُ الانتِحارَ لأنَّ الجَميعَ يَتوقَّعونَ أنَّ طَلَبًا كَهذا مِن أبيكَ سَيُقابَلُ بِصَفْعَةٍ على وَجهِك.
فَقد كانتْ تِلكَ الصَّفعَةُ هِيَ الطَّريقةُ اليَهودِيَّةُ المَألوفَةُ لِتَوبيخِ ابْنٍ عَاقٍ استَفادَ مِن كُلِّ شَيءٍ قَدَّمَتْهُ لَهُ العَائلةُ، ورُبَّما استَفادَ مِن كُلِّ الغِنَى المُتراكِمِ على مَدى أجيالٍ سَابِقَةٍ ثُمَّ تَجَرَّأَ عَلى مُعامَلَةِ أبيهِ بِتِلكَ الطَّريقة. فقد كَانَ يَتَلَقَّى صَفْعَةً قَوِيَّةً على وَجهِهِ، وَرُبَّما يُعَيَّرُ أمامَ النَّاسِ، ورُبَّما يُجَرَّدُ مِن كُلِّ مَا لَهُ، ورُبَّما يُحْسَب مَيْتًا ويُطرَد مِنَ العَائلة.
فقد كانَ هَذا التَّصَرُّفُ خَطيرًا إلى هَذهِ الدَّرَجَة. لِذا، عِندما عَادَ الابنُ في العَدد 24، قالَ الأبُ: "لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا". وَهُوَ يَقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى في العَدد 32 للابنِ الأكبَر: "لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا". وَحَتَّى إنَّ العَاداتِ كَانَتْ تَقضي في ذلكَ الزَّمانِ وَالمَكانِ أنْ تُقامَ جَنازَةٌ أو مَراسيمُ دَفْنٍ رَسميَّة لِلابنِ العَاقِ الَّذي يَفعلُ ذلك. فَقدِ انتَهى أمرُكَ، وَطُرِدْتَ مِنَ العَائِلَة، وَصِرْتَ في عِدادِ المَوتَى. وكانتِ الطَّريقةُ الوَحيدةُ للعَودةِ هُوَ أن يَتِمَّ رَدُّكَ، أو أن تَجِدَ طَريقةً لاستِعادَةِ مَكانَتِكَ في العَائلةِ بَعدَ ذلكَ التَّصَرُّفِ الوَقِحِ الَّذي أَقْدَمْتَ عليه.
وَقَد كانَ النِّظامُ وَاضِحًا للجَميع. فقد كانَ الأبُ في قِمَّةِ لائِحَةِ الشَّرَف، ثُمَّ يَأتي الابنُ الأكبر، ثُمَّ يَأتي الابنُ الأصغَر. لِذا فقد كانَ تَصَرُّفُ الابنِ الأصغَر شَائِنًا إلى أبعَدِ حَدٍّ مُمكِن. فالشَّخصُ الأدنَى مَكانَةً في العَائلةِ، والأقَلُّ شَأنًا في لائِحَةِ الشَّرَفِ يُسيءُ إلى أبيهِ بِشِدَّة، ويُقْدِمُ على عَمَلٍ وَضيع، ويُعَبِّرُ عَن كُرْهِهِ لأبيهِ وامتِعاضِهِ مِن أنَّ أباهُ مَا زَالَ حَيًّا وَيَقِفُ في طَريقِ حُصولِهِ على مَا يُريد. وَهُوَ يَتصرَّفُ بأحَطِّ طَريقَةٍ يُمكِنُ أن يَتَخَيَّلَها عَقْلٌ. فلم يَكُن هُناكَ تَصَرُّفٌ آخرُ يُمْكِنُ ليسوعَ أن يُعَبِّرَ مِنْ خِلالِهِ عن انحِطاطِ أيِّ شَخصٍ أكثرَ مِن هذا التَّصَرُّف. ففي الإطارِ الاجتِماعِيِّ لإسرائيل، كانَ هَذا أَحقَرُ تَصَرُّفٍ على الإطلاق.
وَكانَ طَلَبُهُ هُوَ: "يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَال". أعطِني ذلك. وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "قِسْم"، وَهِيَ تَرْجَمَةٌ للكلمةِ اليُونانِيَّةِ "تيس أوسياس" (tes ousias) الَّتي تُستخدَمُ هُنا فقط ولا تُستخدَمُ في أيِّ مَكانٍ آخر في العهدِ الجديد، وَمَعناها: "الأشياء" أوِ "المُمتلكات" أو "النَّصيب". فَهُوَ يَطلُبُ أشياءً مَادِّيَّةً كَالأرضِ أوِ المَواشي أوِ المَباني أو أيِّ شَيءٍ مِن مُمتلكاتِ العَائِلَةِ الَّتي سَتَصيرُ مِن نَصيبِه.
وَفي عَائلةٍ تَضُمُّ أَخَّيْن فإنَّ الآيةَ تَثنية 21: 17 تَقولُ إنَّ النَّصيبَ لا يُوَزَّعُ بالتَّساوي. فالابنُ البِكْرُ يَحصُلُ على حِصَّةٍ مُضاعَفَةٍ مِن نَصيبِ الابنِ الأصغَر. وَهذا يَعني أنَّ ثُلْثَيِّ المِيراثِ يَكونُ مِن نَصيبِ الابنِ الأكبَر، وَأنَّ ثُلْثَ المِيراثِ يَكونُ مِن نَصيبِ الابنِ الأصغَر. لِذا فَقد كانَ يُريدُ ثُلْثَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ أَمْلاكِ هذهِ العائِلَة. ولا بُدَّ أنَّهُم كانُوا أغنياء. فقد كانَ لَديهِم خَدَم (كَما سَنَرى لاحِقًا مِن خِلالِ القِصَّة). وَقد استَأجَروا مَجموعَةً للعَزفِ والرِّقصِ للحَفلة. وَقَدِ عَيَّنُوا أشخاصًا كَانُوا قَد وَظَّفوهُم خَارِجَ نِطاقِ خُدَّامِ العَائِلَة. وكانَت لَديهم مَواشِي، بِما في ذلكَ العِجلَ المُسَمَّن. ولا شَكَّ في أنَّهُم كانوا يَملِكونَ ما يَكفي مِنَ العَقاراتِ حَتَّى إنَّهُ كانَ يَظُنُّ أنَّهُ يَستطيعُ الحُصولَ على ثُلْثِهِ وَأنْ يُنْفِقَ على عِصْيانِهِ جَيِّدًا جدًّا.
ولكِنَّ كُلَّ ما أرادَهُ هُوَ "القِسْمُ" الَّذي لَهُ. وَهَذِهِ كلمة مُهِمَّة جدًّا لأنَّ الكلمةَ اليُونانِيَّة المُعتادة للإشارة إلى المِيراثِ هِيَ "كليرونوميا" (kleronomia). فهذهِ هي الكلمة المَألوفة. ولكنِ اسمَعوني جيِّدًا: عندما تَستخدِمُ تلكَ الكلمةَ وتَتحدَّثُ عنِ المِيراثِ فإنَّكَ تَتحدَّثُ عن كُلِّ شَيءٍ يَأتي مَعَ الأشياءِ المَادِّيَّة. فأنتَ تَتحدَّثُ عَنْ إدارةِ العَقاراتِ، وتَتحدَّثُ عنِ القِيادَةِ، وتَتحدَّثُ عَنِ المَسؤوليَّةِ في تَوفيرِ قُوْتِ العَائلة. فعندما تَحصُلُ على مِيراثِكَ مِن أبيكَ فإنَّكَ تَحصُلُ حَرفيًّا على المَسؤوليَّةِ في إدارةِ كُلِّ المُمتلكاتِ نِيابَةً عَنِ العَائلةِ. لِذا فإنَّكَ تَهْتَمُّ بتلكَ المُمتلكاتِ وَتَحفَظُها للعائلةِ في المُستقبَل.
لِذا فإنَّ الكلمةَ "مِيراث" تَأتي مَصْحوبَةً بالمَسؤوليَّةِ وَالمُساءَلَةِ في المُستقبَل. ولكِنَّهُ لم يَرغَب في أيِّ شَيءٍ مِن هَذا القَبيل. لِذا فإنَّهُ لم يَستخدِم تلكَ الكلمة. وقد وَضَعَ يَسوعُ هَذِهِ الكلمة (أيِ: "القِسْم") في فَمِهِ بِمَعنى: "أنا أُريدُ أموالي وَحَسْب. فأنا لا أريدُ القِيادَةَ، وَلا المَسؤوليَّةَ، وَلا المُساءَلَة. أنا لا أريدُ أيَّ شَيءٍ يَختصُّ بالمُستقبَل. أنا لن أَتَحَمَّلَ أيَّةَ مَسؤوليَّةٍ عَن هَذِهِ العَائلةِ الآنَ أو في أيِّ وَقتٍ لاحِق. أنا لا أريدُ أن أهتَمَّ بأيِّ شخص، بل أريدُ أموالي وَحَسْب". فَهُو لم يَكُن يَتَطَلَّعُ إلى القِيادَةِ، وَلا المَسؤوليَّةِ، وَلا المُساءَلَةِ، وَلا أيِّ جُزءٍ مِنَ العَائلةِ، وَلا أيِّ جُزءٍ مِن مُستقبلِ الأب.
وَهَذا كُلُّهُ يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ يَعيشُ تَحتَ سُلْطَةِ الأبِ رُغْمًا عَنهُ. فَقد كانَ شَخصًا بَائِسًا يَرُومُ إلى الحُريَّةِ والاستقلال. فقد أرادَ أن يَبتَعِد، وأرادَ أن يَذهبَ إلى يَبتَعِدَ قَدرَ الإمكانِ عَن كُلِّ القُيودِ، وكُلِّ المُساءلة. وَلَم يَكُن يُريدُ أن يُطيعَ أباهُ، ولا أنْ يَحصُلَ على الإرشادِ مِن أبيه، ولم يَكُن يُريدُ أن يَكونَ تَحتَ المُساءَلَةِ مِن أبيه، ولم يَكُن يُريدُ أن يَكونَ لَهُ أيُّ شَأنٍ بأيِّ شخصٍ يَعرِفُهُ؛ بَل إنَّهُ أرادَ أن يَبتَعِد. ولكِنَّهُ يُريدُ أن يَبتَعِدَ بعدَ الحُصولِ على كُلِّ مَا يُمكِنُهُ الحُصولُ عليهِ لِتَمويلِ ابتِعادِه.
وَالآن، لَقد كانَ بإمكانِ الأبِ أن يُقَدِّمَ الهَدايا لأولادِه. فَقد كانَ بِمَقدورِ أيِّ أبٍ في الثَّقافةِ اليَهوديَّةِ في ذلكَ الزَّمانِ أن يُقَدِّمَ الهَدايا لأولادِهِ كَما يَشاء. وَكانَ بِمَقدورِهِ أن يُعطِيَهُم أجزاءً مِن أملاكِه. وَكانَ بِمَقدورِهِ أن يَقولَ في وَقتٍ مَا: "هَذانِ الثُّلْثانِ لَكَ بِصِفَتِكَ الابنَ الأكبَر. وَهَذا الثُّلْثُ لَكَ بِصِفَتِكَ الابنَ الأصغَر". وَحَتَّى لو فَعَلَ ذلك، لم يَكُن بِمَقدورِ الابنَيْنِ أن يَحصُلا على نَصيبِهِما قَبلَ أن يَموتَ الأبُ لأنَّهُ في تلكَ الثَّقافةِ الَّتي تَحتَرِمُ الأبَ احتِرامًا شَديدًا، كانَ الأبُ هُوَ المَسؤولُ إلى أن يَموت. فَهُوَ لم يَكُن يَتَخَلَّى عن تلكَ المَسؤوليَّةِ لأولادِه. لِذا، مَعَ أنَّهُ كانَ يُمكِنُ أن يَقولَ: "هَذا سَيَكونُ مِنْ نَصيبِكَ" فإنَّهُ لم يَكُن يَقولُ: "هَذا لَكَ. خُذهُ الآن". فَقد كانَ الأبُ دَائِمًا الشَّخصَ المَسؤول.
وَإنْ وَزَّعَ الأبُ المَسؤوليَّاتِ على أبنائِهِ وَقالَ لَهُم: "والآن، أريدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنكُم أن يَبتَدِئَ في تَعَلُّمِ إدارةِ هَذا المَشروعِ أو ذَاكَ"، كَانَ [وَفْقًا للعَاداتِ] يَحصُلُ على كُلِّ الأرباحِ الَّتي يُدِرُّونَها مِن إدارةِ تلكَ المَشاريع. لِذا فإنَّهُ يَبقَى صَاحِبَ الكلمةِ الأولى والأخيرة. ولكِنَّ الابنَ الأصغرَ لم يَكُن يَطلُبُ ذلك. فَهُوَ لا يَطلُبُ أن يَعرفَ الآنَ مَا سَيَحصُلُ عليهِ في المُستقبل، بل يَطلُبُ أن يَأخذَ الآنَ مَا سَيَحصُلُ عليهِ بَعدَ مَوتِ أبيه.
وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الخَبَرَ انتشرَ في القَريَةِ وَذَاعَ بينَ النَّاسِ في القَريةِ كَما كانَ يَحدُثُ عَادَةً. وَكانَ الجَميعُ يَتوقَّعونَ مِنَ الأبِ أن يَشعُرَ بالغَضَبِ والخِزْيِ وَالعَار. وَكانوا يَتوقَّعونَ مِنهُ أن يَغضَبَ على ابنِهِ، وَيَتوقَّعونَ مِنهُ أنْ يَصْفَعَ ابْنَهُ على وَجهِهِ، وَأنْ يُوَبِّخَهُ، وَأنْ يُعَنِّفَهُ، وأنْ يُعاقِبَهُ، وأن يَطرُدَهُ مِنَ العائلةِ، وَرُبَّما حَتَّى أنْ يُقيمَ لَهُ جَنازَةً.
ولكِنَّ هذهِ هي المُفاجأةُ الأولى في القِصَّة. انظُروا إلى العَددِ الثَّاني عَشَر: "فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ". فقد قَسَمَ لَهُما مَعيشَتَهُ. وهل تَعلَمونَ مَا هِيَ الكلمة "مَعيشَة" في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة؟ "بَيوس" (bios)، وَمَعناها: حَياة...بيولوجيا. فهذهِ هِيَ حَياتُهُم. إنَّها الشَّيءُ الَّذي أَنْتَجَتْهُ حَياةُ العَائلةِ لأجيال. إنَّها مَعيشَتُهُ. إنَّهُ مَصدَرُ مَعيشَتِه. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ قَسَمَ لَهُما مَعيشَتَهُ.
ورُبَّما فَكَّرَ عَدَدٌ مِنَ الفَرِّيسيِّين والصَّدُّوقِيِّينَ والكَتَبَة قَائِلينَ: "أجل، لَقد قَالَ لَهُما وَحَسْب: ’هَذا هُوَ مَا سَتَحصُلانِ عليه. هَذا هُوَ مَا سَيَنالُهُ كُلٌّ مِنكُما. هَذا هُوَ النَّصيبُ الَّذي سَتَحصُلانِ عليه. ويُمكِنُكُما أن تَبْتَدِئَا في تَحَمُّلِ مَسؤوليَّةِ الجُزءِ المُختَصِّ بِكُلٍّ مِنكُما. وسوفَ أُشرِفُ بنفسي على ذلك‘". رُبَّما كانَ هَذا هُوَ مَا قَصَدَهُ. فقد كانَ يَفعلُ مَا جَاءَ في سِفْرِ التَّثنية 21: 17 إذْ يَحصُلُ الابنُ الأصغرُ على الثُّلْثِ، والابنُ الأكبرُ على الثُّلْثَيْن.
وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، هُناكَ مُفاجأةٌ في هذهِ النُّقطة. وَهَذا أمرٌ صَادِمٌ جدًّا بسببِ الطَّريقةِ الَّتي تَمَّ فيها طَلَبُ ذلك. فَلو أنَّ الأبَ فَعَلَ ذلكَ مِن تِلقاءِ نَفسِهِ بسببِ احتِرامِهِ الشَّديدِ لابْنَيْهِ، وبسببِ ثِقَتِهِ الشَّديدةِ بهِما، ومَحَبَّتِهِ لَهُما، لَكانَ المَوقِفُ مَفهومًا. ولكِنْ بوجودِ ابنٍ كَهذا وَطَلَبٍ كَهذا، كانَ مَا فَعَلَهُ الأبُ صَادِمًا جدًّا. وقد كانَ ذلكَ كَافيًا لِصَدْمِ الفَرِّيسيِّين.
فَعِوَضًا عَن أن يَلطِمَ الأبُ ابنَهُ على وَجهِهِ بسببِ وَقاحَتِهِ، مَنَحَهُ مَا طَلَبَهُ. فقد مَنَحَهُ حُرِّيَّتَهُ لأنَّهُ كانَ مُستعدًّا لِتَحَمُّلِ العَذابِ النَّاجِمِ عن رَفْضِ ابْنِهِ لِمَحَبَّتِه. وَهَذا هُوَ الألمُ الَّذي يَفوقُ أيَّ أَلَمٍ شَخصِيٍّ آخر: أَلَمُ المَحبَّةِ المَرفوضَة. وكُلَّما زَادَتِ المَحبَّةُ زَادَ الألمُ عِندَما يَتِمُّ رَفْضُ تلكَ المَحبَّة. وَهَذا يَرمِزُ إلى اللهِ. فَهُوَ يَرمِزُ إلى اللهِ الَّذي يَمْنَحُ الخَاطِئَ حُرِّيَّتَهُ. ولم يَكُن يُوجَدُ عُرْفٌ في إسرائيلَ يَمنَعُ الأبَ مِنَ القِيامِ بذلك. وَهُوَ لا يَفعلُ ذلكَ لأنَّهُ يَظُنُّ أنَّ هَذا الخِيارَ هُوَ الأفضل، بل إنَّهُ يُعطي الخَاطِئَ حُرِّيَّتَهُ. والخَاطِئُ لا يَكسِرُ القَانونَ في الحَقيقةِ، ولكِنَّهُ يُظْهِرُ أنَّهُ لا تُوجَدُ عَلاقَة. وَهذهِ هي النُّقطَةُ الجَوهريَّة.
فَالخَاطِئُ لا يَتمتَّعُ بأيَّةِ عَلاقةٍ بالآب. فَهُوَ لا يُحِبُّ اللهَ، ولا يُبالي باللهِ، ولا يُريدُ أيَّ صِلَةٍ باللهِ، ولا يُريدُ أيَّ صِلَةٍ بِعائلةِ اللهِ، ولا يُريدُ أيَّ صِلَةٍ بِمُستقبلِ عَائلةِ اللهِ، ولا يُريدُ أيَّةَ مُساءَلَةٍ أمامَ اللهِ، ولا يُريدُ أيَّ شَيءٍ يَختصُّ باللهِ، ولا يُريدُ أن يَكونَ مَسؤولاً أمامَ اللهِ، ولا يُريدُ أن يَخضَعَ للهِ، ولا يُريدُ أيَّ عَلاقَةٍ بِهِ على الإطلاق. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ كانَ مُتَحَرِّرًا مِن كُلِّ هذهِ الأشياء. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ اللهَ يَتألَّمُ بسببِ رَفْضِ مَحَبَّتِهِ فإنَّهُ يَدَعُ الخَاطِئَ يَمضي. وَهَذا يُشبِهُ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن رِسالةِ رُومية إذْ إنَّ اللهَ أَسْلَمَ الخُطاةَ لِكَذا، وَأَسْلَمَهُمْ لِكَذا، وَأَسْلَمَهُم لِكَذا.
والآن، لاحِظوا مَا جَاءَ في العَددِ الثَّاني عَشَر مَرَّةً أخرى إذْ إنَّهُ قَسَمَ لَهُما مَعيشَتَهُ. وَنَحْنُ مَا زِلنا نَرى ابْنَيْنِ في هَذِهِ القِصَّةِ في هذهِ النُّقطةِ لأنَّهُ حَالَما تَمَّ تَقسيمُ المَالِ، تَبَيَّنَ للأخِ الآخرَ مَا هُوَ نَصيبُه. لِذا فقد حَصَلَ كُلٌّ مِنهُما على نَصيبِه. وَعلى الرَّغمِ مِن أنِّي قُلتُ إنَّ هَذا المَوقِفَ نَادِرُ الحُدوثِ، وَإنَّهُ لا يُوجَدُ قَانونٌ يَمْنَعُ ذلك، كانَ مِن غيرِ المَألوفِ البَتَّة أن يَحدُثَ أمرٌ كَهذا. ولم يَكُن يُمكِنُ البَتَّة أن يَحدُثَ في ظُروفٍ كَهَذِهِ وَبوجودِ ابْنٍ كَهَذا يَطلُبُ طَلَبًا كَهذا.
فَقد كانَ التَّقليدُ اليَهودِيُّ يَقولُ (وَفْقًا لِما جَاءَ في المِشْنَه؛ أيْ في التَّقليدِ اليَهودِيِّ المَكتوب) إنَّهُ إنْ حَدَثَ ذلك؛ أيْ إنْ قَرَّرَ الأبُ أن يَفعلَ ذلك، يَنبغي للأبناءِ أن يَحْتَفِظوا بالأملاكِ إلى أن يَموتَ الأبُ. وَحينئذٍ فقط يُمكِنُهم أن يَفعلوا بِها مَا يَشاؤون. فَحَتَّى ذلكَ الوقت، يَستَمِرُّ الأبُ في الإشرافِ على كَيفيَّةِ إدارَتِهِم للأملاك. وَيَحِقُّ للأبِ أن يَحصُلَ على كُلِّ الأرباحِ الَّتي تَدُرُّها تِلكَ الأملاك. ولكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ ذلكَ لم يَكُن يُلائِمُ الابنَ الأصغَر. فقد أرادَ أن يَأخُذَ المَالَ، وَأرادَ أنْ يَأخُذَهُ حَالاً.
وَكانتِ الخُطوةُ الأولى تَقْتَضِي مِنَ الأبِ أنْ يَقْسِمَ الأملاكَ. ولم يُضَيِّع الابنُ الأصغَرُ أيَّ وَقْتٍ إذْ نَقرأُ في العَددِ الثَّالِث عَشَر: "وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ...". وَهَذا يَبتَدِئُ الشَّيءَ الثَّاني الَّذي قُلتُ لَكُم إنَّهُ يَنبغي أن تُفَكِّروا فيهِ بخصوصِ هذهِ القِصَّة. فأوَّلاً، هُناكَ الطَّلَبُ الشَّائِنُ. ثُمَّ هُناكَ التَّمَرُّدُ الشَّائِن. فَهُوَ لم يَنتَظِر وَقتًا طَويلاً. "وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ". فهو لم يَنتَظِر وَقتًا طَويلاً. فقد كَانَ في عَجَلَةٍ مِن أَمرِه. فقد طَالَ انتِظارُهُ لهذهِ اللَّحظَة. وَقد ضَجِرَ مِنَ الوُجودِ مَعَ أبيه. وَقَدْ مَلَّ مِنَ المُساءلةِ والعَلاقَةِ مَعَ عَائلتِه. وَهُوَ لم يَكُن يُحِبُّ أبَاهُ، ولم يَكُن بِكُلِّ تَأكيدٍ يُحِبُّ أخاهُ الأكبرَ أيضًا. ولم يَكُن أخوهُ الأكبرُ يُحِبُّهُ أيضًا.
وبالمُناسَبَة، إليكُم المُلاحَظةَ التَّالية: لم يَكُنِ الأخُ الأكبرُ يُحِبُّ الأبَ أيضًا. أجل! فالأخُ الأكبرُ لم يَكُن يُحِبُّ الأب. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عندما عَادَ الابنُ الأصغرُ إلى البيتِ وَفَرِحِ بِهِ أبوهُ، فَإنَّ الأخَ الأكبرَ غَضِبَ. فَهُوَ لم يَكُن يُبالي بِمشاعِرِ أبيهِ البَتَّة. فَقد كانَ غَيرَ مُحِبٍّ أيضًا، وَعَديمَ الامْتِنانِ لَهُ على الرَّغمِ مِن بَقائِهِ في البَيت. فَهُوَ الشَّخصُ المُرائي في البيت.
لِذا، لم تَكُن هُناكَ عَلاقَةٌ تَربُطُ الأبَ بالابنِ الآخر أيضًا. وَهَذانِ نَوعانِ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا تَربُطُهُم أيَّةُ عَلاقَةٍ بالله. النَّوعُ الأوَّلُ هُوَ الأشخاصُ غَيرُ المُتَدَيِّنين، والنَّوعُ الثَّاني هُوَ الأشخاصُ المُتَدَيِّنون. وَالأوَّلُ هُوَ أبعَدُ مَا يَكونُ عَنِ اللهِ، والثَّاني هُوَ أقرَبُ مَا يَكونُ مِنهُ.
ولكِن مَا الَّذي كَانَ يُريدُهُ الابنُ الأصغَر؟ نَقرأُ أنَّهُ "بَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ". والنَّصُّ يَقولُ حَرفِيًّا إنَّهُ حَوَّلَ كُلَّ أملاكِهِ إلى نُقود. فقد حَوَّلَ كُلَّ شَيءٍ إلى عِمْلَةٍ نَقْدِيَّة. "أنا مُسافِرٌ وَلا أُريدُ أنْ تَربِطَني بِكُم أيَّة عَلاقَة". وَبالمُناسَبَة، مِن نَاحِيَةٍ قَانونيَّةٍ، كانَ بِمَقدورِهِ أن يَبيعَ أملاكَهُ. فَحالَما أُعطِيَتْ لَهُ، حَتَّى وَإنْ كَانَ الأبُ مَا زَالَ يُشرِفُ على إدارةِ تِلكَ الأملاكِ وَيَحصُلُ على الأرباحِ مِنها، وَأنَّهُ لم يَكُن بِمَقدورِ الابْنَيْنِ أنْ يَحصُلا على تلكَ الأملاكِ فِعليًّا إلاَّ بَعدَ مَوتِ الأبِ، كانت هُناكَ ثَغْرَةٌ قَانونِيَّةٌ أوْ مَخْرَجُ مِن ذلكَ المَأزِقِ في التَّقليدِ القَديمِ وَهُوَ هَذا. فَقَد كانَ بِمَقدورِهِ أن يَبيعَ تلكَ الأملاكَ لِشخصٍ مُستَعِدٍّ لِشرائِها؛ ولكِنَّهُ لن يَحصُلَ عليها إلاَّ بَعدَ مَوتِ الأب.
وَقَد تَقول: "هَذهِ صَفْقَةٌ خَاسِرَةٌ. أليس كذلك؟" ليسَ بالضَّرورَة. فَقد أرادَ المَالَ. وكانَ يَنبغي لَهُ أن يَجِدَ شَخصًا مُستَعِدًّا لِشراءِ ثُلْثِ الأملاك، وَشَخصًا مُستعدًّا لإعطائِهِ المَالَ الآنَ مَعَ أنَّهُ لن يَحصُلَ على تلكَ الأملاكِ إلاَّ بعدَ مَوتِ الأب. وإن كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّ هَذا الأمرَ غَيرَ مَألوفٍ، تَذَكَّروا أنَّ النَّاسَ في كُلِّ يَومٍ يَشترونَ شَيئًا بِطريقَةٍ تُسَمَّى: "الشِّراءُ الآجِل". وَلماذا يَشتري النَّاسُ شيئًا الآنَ لا يُمكِنُهُم الحُصولُ عليهِ إلاَّ في المُستقبَل؟ لأنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّ السِّعرَ قَد يَرتفِع. لِذا فإنَّكَ تَحْتاطُ مِنَ المُستقبلِ عَن طَريقِ دَفْعِ ثَمَنِ الشَّيءٍ الآنَ على الرَّغمِ مِن أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَحصُلَ عليهِ إلاَّ في المُستقبَل. وَقد كانَ هَذا الشِّراءُ آجِلاً إذْ إنَّ المُشتري أرادَ أنْ يَقِي نَفسَهُ مِنَ ارتفاعِ الأسعارِ في المُستقبَل.
وكَما تَعلَمونَ، فإنَّ السِّعرَ سيَكونُ مُغْرِيًا لأنَّ البائِعَ يَرغَبُ بِشِدَّة في البَيع. فَلا يُوجَد شَيءٌ أروَعُ مِن أن تَكونَ رَاغِبًا في الشِّراءِ وأنْ يَكونَ البَائِعُ بِحاجَةٍ مُلِحَّةٍ إلى البَيع؛ أيْ أنْ يَرغَبَ بِشِدَّة في البَيع، ويَرغَبُ بِشِدَّة في التَّخَلُّصِ مِن سِلعَتِه. لِذا، بَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ أرادَ أن يَبيعَ كُلَّ شَيءٍ وَيَحصُلَ على مَبلَغٍ نَقدِيّ. وكانَ بِمَقدورِهِ أن يَبيعَ تلكَ الأملاكَ سَواءَ كَانَت مَبانٍ أو أراضٍ أو مَواشي أو أيَّ شَيءٍ آخرَ في سَبيلِ الحُصولِ على المَالِ الآن. ولكِنَّ المُشتري لم يَكُن يَستطيعُ امتلاكَ تلكَ الأشياءِ إلاَّ بعدَ مَوتِ الأب.
ولا شَكَّ في أنَّ هُناكَ أشخاصًا يُسَرُّونَ بالقيامِ بذلكَ لأنَّ الصَّفْقَةَ ستَكونُ جَيِّدة. وقد أرادَ ذلكَ الابنُ أن يَبيعَ كُلَّ شَيءٍ وَأن يَحصُلَ على المَالِ حَالاً. لِذا فقد عَرَضَ تلكَ الأملاكَ للبَيعِ بِسَعرٍ مُنخَفِض. وكانَ هُناكَ شَخصٌ سَعيدٌ بِقَبولِ ذلكَ العَرض على الرَّغمِ مِن أنَّهُ سيَنتظِرُ سَنواتٍ إلى أن يَموتَ ذلكَ الأبُ فَيَأخُذُ كُلَّ ما اشتَراهُ وَيُضيفُهُ إلى أملاكِ عَائِلَتِهِ في المُستقبَل.
وَهَذا يَدُلُّ على غَباوَةِ الخَاطِئ. فَهُوَ يُريدُ أن يَبتَعِدَ عَنِ الله. وَهُوَ يُريدُ أن يَبتَعِدَ عَنِ اللهِ الآن. وَهُوَ لا يُريدُ أيَّةَ مُساءَلَةٍ أمامَ اللهِ. لِذا فإنَّهُ يَبيعُ بِسِعْرٍ بَخْسٍ كُلَّ الفُرَصِ الَّتي أَتاحَها اللهُ لَهُ، وكُلَّ عَطايا الرَّبِّ الصَّالحة، وكُلَّ فُرَصِ الإنجيل، وكُلَّ شَيءٍ صَالِحٍ وَضَعَهُ اللهُ في عَالَمِه. فَكُلُّ ذلكَ الصَّلاحِ، وَكُلُّ إمهالِ اللهِ الَّذي يَرْمي إلى اقْتيادِهِ إلى عَلاقَةٍ مَعَ اللهِ قُوْبِلَ بالرَّفضِ في سَبيلِ الحُصولِ على المَال. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا مَا حَدَثَ في العَدد 13: "وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ".
والكلمة "بَعيدة" هِيَ كَلِمَةٌ عَامِلَة. فَهِيَ تَعني أنَّهُ خَرَجَ، وَأنَّهُ خَرَجَ سَريعًا، وَأنَّهُ ذَهَبَ بَعيدًا. وأرضُ الأُمَمِ هِيَ أرضٌ بَعيدة. فقد كانَ أيُّ مَكانٍ خَارِجَ حُدودِ إسرائيلَ هُوَ أرضُ أُمَم. فقد ذَهَبَ إلى أرضِ أُمَمٍ. وَهَذا أمرٌ مُخيف. فَهذا أمرٌ آخرُ مُخيف. وَما مَدَى سُوءُ هذا الابن؟ إنَّهُ سَيِّءٌ جدًّا جدًّا. فَلا يُوجَدُ شَخصٌ أَسْوأُ مِن ابْنٍ يَحْتَقِرُ أَبَاهُ وَيُهينُهُ. ويُمكِنُكم أن تُضيفوا إلى ذلكَ الجَشَعَ المَادِّيَّ. ويُمكِنُكم أن تُضيفوا إلى ذلكَ بَيْعَ أملاكِ العائلةِ الَّتي جَمَعَتْها على مَدى أجيال. ويُمكِنُكم أن تُضيفوا إلى ذلكَ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أرضٍ أُمَمِيَّة، وإلى أبعدَ مَكانٍ عَن أيِّ شَخصٍ يَعرِفُهُ حَتَّى لا يُبالي أيُّ شخصٍ بِما يَفعلُهُ. فَقد كانَ سُلوكُهُ شَنيعًا جدًّا.
وَلا شَكَّ في أنَّ العَائلةَ أَقامَتْ لَهُ جَنَازَةً في القَرية. فَقد قَالوا: "لَقَدْ رَحَلَ وَمَات". لقدِ انتَهى كُلُّ شَيء. ولم يَكُن بِمَقدورِهِ أن يَستَرِدَّ مَكانَتَهُ إلاَّ إذا عَادَ وَاشتَرى الأملاكَ الَّتي بَاعَها. فقد كانَ يَنبغي لَهُ أن يَعودَ وَيَشتري تلكَ الأملاك.
وبالمُناسَبة، إليكُم المُلاحَظَةَ التَّالية: لَقد تَساءلتُ في أثناءِ دِراسَتي لهذا النَّصّ: أينَ هُوَ الأخُ الأكبرُ مِمَّا جَرَى؟ لِماذا لم يَنهَض ويُدافِع عن كَرامَةِ الأب؟ ولماذا لم يَتدَخَّل ويَحمِي الأب؟ ولماذا لا تُوجَد آيَةٌ واحِدَةٌ هُنا تَقول: "ولكِنَّ الابنَ الأكبرَ ذَهَبَ إلى أخيهِ الأصغَرَ وَوَبَّخَهُ بسببِ إهانَتِهِ لأبيه"؟ الجَوابُ هُوَ: لأنَّهُ لم يَكُن يُحِبُّ الأبَ أيضًا. فَقد كَانَ سَعيدًا بِحُصولِهِ على نَصيبِهِ وَبَقائِهِ في البيت. فَهُوَ لم يَنهَض للدِّفاعِ عَنِ الأب. وَهُوَ لم يَكُن يُحِبُّ أباهُ (كَما سَنَرى لاحِقًا).
إنَّ المَوقفَ كُلَّهُ مُخْزٍ جدًّا. فَهِيَ عَائلةٌ مُفَكَّكَة. فَالأبُ هُوَ أبٌ مُحِبٌّ وَسَخِيٌّ يُقَدِّمُ العَطايا السَّخِيَّةَ لابْنَيْه. وَواحِدٌ مِنَ الابْنَيْنِ وَقِحٌ، ومُتَمَرِّدٌ، وخَاطِئٌ غيرُ مُتَدَيِّن. والثَّاني مُتَدَيِّنٌ وَبَقِيَ في المَنزلِ؛ ولكِنَّ أيًّا مِنهُما لم يَكُن يَتمتَّعُ بِعلاقَةٍ حَميمةٍ مَعَ الأبِ أو مَعَ أخيه. فَقد كانَ كُلٌّ مِنهُما يُبغِضُ الآخرَ وَيُبغِضُ الأب.
إذًا، فَقد كانَ هُناكَ تَمَرُّدٌ. وَنَقرأُ في العَددِ الثَّالث عَشَر أنَّهُ عندما ذَهَبَ الابنُ الأصغرُ إلى كُوْرَةٍ بَعيدةٍ فَإنَّهُ "بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ". والكلمة "بَذَّرَ" تَعني أنَّهُ "بَدَّدَهُ". فَقد بَذَّرَهُ وَحَسْب... بَذَّرَهُ وَحَسْب. وَهَذا هُوَ مَعنى الكلمة الإنجليزيَّة "بروديغال" (prodigal). فَقد بَذَّرَ مَالَهُ. "بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ": أيْ أنَّهُ عَاشَ حَياةً مُسْرِفَةً وَهَوْجَاء: "زُوِي أسوتوس" (zoe asotos): "بِعَيْشٍ مُسْرِف"، أو: بِحَياةٍ خَليعَةٍ"، أو: "بِحَياةٍ مَاجِنَةٍ".
والحَقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في العَدد 30 أنَّ أَخاهُ الأكبرَ قَالَ للأبِ إنَّ أَخاهُ الأصغَرَ: "أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي". وَهَذا شَيءٌ مُريع! وَهُناكَ مَن يَظُنُّ أنَّ هَذا كانَ اتِّهامًا ظَالِمًا مِنَ الأخِ الأكبَر؛ ولكِن لا يُوجَد أخٌ أكبر. فَهِيَ مُجَرَّدُ قِصَّةٍ. والكَاتِبُ الَّذي أَلَّفَ كُلَّ هذهِ الأحداثِ هُوَ يَسوع. وَيَسوعُ وَضَعَ تلكَ المَعلومَةَ في القِصَّةِ لأنَّها تَعكِسُ حَقًّا الصُّورَةَ الَّتي أرادَ أن يَنْقِلَها عَنِ الابنِ الأصغَر.
وَماذا فَعَلَ أيضًا؟ لَقد ذَهَبَ إلى أبعدِ مَكانٍ مُمكِنٍ عَن كُلِّ مُساءَلَةٍ. فقد أَخَذَ كُلَّ أموالِهِ وَذَهَبَ إلى كُوْرَةٍ بَعيدةٍ وَحاولَ أنْ يَتَجَاهَلَ أيَّةَ مَسؤوليَّةٍ أو مُساءَلَةٍ مِن أبيهِ. وَقَد بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ، أوْ أنَّهُ "أَفْسَدَ حَياتَهُ" كَما نَقولُ في وَقتِنا الحَاضِر.
وَالآن، مِنَ الواضِحِ أنَّ هَذا الابنَ الأصغرَ يَرمِزُ إلى الخُطاةِ الَّذينَ يُمارِسونَ الخَطِيَّةَ عَلَنًا، وإلى الأشخاصِ المُتمرِّدينَ، والفَاجِرينَ، والفَاسِقينَ، والخَليعينَ، والإباحِيِّينَ، والفَاسِدينَ أخلاقِيًّا، ويَرمِزُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ لا يُظْهِرونَ أيَّ إيمانٍ باللهِ، ولا يُعْلِنونَ أيَّةَ مَحَبَّةٍ لله. فَهُوَ يَرمِزُ إلى الأشخاصِ المَذكورينَ في العَددِ الأوَّل. فَهُوَ يَرمِزُ إلى العَشَّارينَ، والخُطاةِ، والمَنبوذينَ، وَغَيرِ المُتَدَيِّنين. فَهُؤلاءِ الأشخاصُ يَبتَعِدونَ قَدْرَ المُستطَاعِ عَنِ اللهِ لأنَّهُم لا يُحِبُّونَهُ وَلا يَتمتَّعونَ بِأيَّةِ عَلاقَةٍ بِهِ. وَهُم لا يُريدونَ أنْ تَكونَ هُناكَ أيَّةُ صِلَةٍ بينَهُم وبينَ نَاموسِهِ أو شَريعَتِه. وَهُمْ لا يُريدونَ أيَّةَ مُساءَلَةٍ أمامَهُ البَتَّة. وَهُوَ يَرمِزُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ لم يَدخُلوا الكَنيسةَ يَومًا. فَهُمْ لا يُبالونَ بالإفصاحِ عَن كَوْنِهِمْ خُطاةً أمامَ الجَميعِ حَتَّى لو خَيَّبُوا ظَنَّهُم.
ولكِنَّ الخَطيَّةَ لا تَعْمَلُ البَتَّةَ بالطَّريقةِ الَّتي تَظهَرُ بها. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 14: "فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ...". وَهَذا يُرينا حَقيقةَ أنَّهُ عِندما وَصَلَ إلى ذلكَ البَلَدِ البَعيد كانَ في حَالٍ مَيسورَة، وشَابًّا وَسيمًا، والشَّخصَ الجَديدَ في البَلدَةِ الَّذي يَمْلِكُ مَالاً كَثيرًا. فَقد كَانَ لَديهِ مَالٌ كَثيرٌ. وَقد جَاءَ إلى ذلكَ البَلَد. وَقد رَاحَ يَلهُو وَيَمرَح كَما يَحْلُو لَهُ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ نَجَحَ في استِقطابِ مَجموعةٍ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ رَغِبُوا في استِغلالِ سَخائِهِ، أوْ بالحَرِيِّ: سَخائِهِ الغَبِيّ. فَقَدْ لَمَّ مِنْ حَولِهِ مَجموعَةً مِنَ الرُّعَاعِ وَالغَوغاءِ وَحُثالَةِ النَّاس. وَقد بَذَّرَ مَالَهُ. فقد أنفَقَ كُلَّ شَيءٍ (كَما جَاءَ في العَدد 14). وَقد كانَ هُوَ المَسؤولُ عن تِلكَ الغَلطَة. لَقد كانَ هُوَ المَسؤولُ عن تِلكَ الغَلطَة.
ولكِنْ: "حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ". وَلَمْ تَكُن لَهُ يَدٌ في ذلك. فَهُناكَ أخطاءٌ تَحدُثُ بسببِكَ وأخطاءٌ لا شَأنَ لَكَ بها. ولكِنَّ تَوالي المَصائِبِ قَد يَكونُ مُدَمِّرًا. والحَياةُ قَد تَكونُ كذلكَ أحيانًا. فقد حَدَثَ جُوْعٌ شَديدٌ في ذلكَ البَلد. والآن، لا يُمكِنُكم أن تُدركُوا قَسْوَةَ المَجاعَةِ الشَّديدة، ولا أنا أيضًا. فَما هِيَ المَجاعَةُ الشَّديدة؟ وَكيفَ يَتصرَّفُ النَّاسُ في مَجاعَةٍ شَديدة؟ إنَّها ليست مَجاعَةً طَفيفَة، بل مَجاعَةٌ شَديدةٌ (كَما يَقولُ رَبُّنا).
وَقد أردتُ أن أَرى إن كُنتُ أستطيعُ أن أَفهمَ مَعنى المَجاعَة فَوَجدتُ وَصفًا لِمَجاعَة. وقد حَدَثَت هذهِ المَجاعَةُ في القَرنِ التَّاسِع عَشَر وَكَتَبَ عَنها رَجُلٌ مَا. وَهِيَ تَصِفُ تَمامًا مَا يَحدُثُ في أيَّة مَجاعَة. فَهَذا هُوَ ما حَدَثَ في إحدى القُرَى. وَهَذا هُوَ مَا فَهِمَهُ النَّاسُ الَّذينَ كانُوا يَستَمِعونَ إلى يَسوعَ عِندمَا ذَكَرَ ذلك. ما هِيَ المَجاعَة؟ لَقد تَذَكَّروا مَثَلاً الأوقاتَ الَّتي كَانَ فيها بَنو إسرائيلَ تَحتَ الحِصارِ وَأَكَلَتْ فيها النِّساءُ مَشِيمَتَهُنَّ، وَحَتَّى أنَّهُنَّ أَكَلْنَ أطفالَهُنَّ. وَقد حَدَثَ هَذا في العهدِ القديمِ. فَتِلكَ مَجاعَة.
ولكِن في هَذا الوَصفِ لهذهِ المَجاعَةِ الَّتي حَدَثَتْ في القَرنِ التَّاسِع عَشَر، يَقولُ الكَاتِبُ إنَّ الأطفالَ بِيعُوا عَبيدًا لِحِفْظِهِم مِنَ المَوتِ جُوعًا. وَهُوَ يَتحدَّثُ عن أُناسٍ كَانَ يُعثَرُ عَليهِم أمواتًا في كُلِّ صَباحٍ في الشَّوارِع. وعِندما ازدادَتِ الأعدادُ، أَصْدَرَ حَاكِمُ المَدينةِ مَرسومًا يَقضي بأنَّ كُلَّ رَجُلٍ مَسؤولٌ عن حَمْلِ كُلِّ شَخصٍ يَجِدُهُ مَيْتًا أمامَ مَنزِلِهِ وَعَنْ طَرْحِهِ في النَّهر. وحيثُ إنَّ سُكَّانَ المَدينَةِ لم يَشاؤوا أنْ يَجِدُوا كُلَّ تلكَ الجُثَثِ أمامَ مَنزِلِهم، كَانُوا يَجُرُّونَ الأمواتَ وَيَطرَحونَهُم أمامَ مَنازِلِ أُناسٍ آخَرين.
وفي كُلِّ صَباحٍ، كانتُ أَصْواتُ المُشاجَراتُ تَعلو في كُلِّ أنحاءِ المدينَةِ لأنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَجادَلونَ بِشَأنِ مَا إذا كانَ الأشخاصُ المَطروحونَ في الشَّارِعِ أمواتًا حَقًّا. وكانَ التُّجَّارُ الصِّغارِ يَحتَفِظونَ بَأسْواطٍ قَوِيَّةٍ بالقُربِ مِنهُم لِطَردِ المُتَسَوِّلينَ العَنيفينَ الَّذينَ كانَ يُمكِنُ أن يُهاجِموهُم جَسديًّا وَيَسرِقُوا القَليلَ الَّذي لَديهِم في مَتاجِرِهم. وكانَ التُّجَّارُ الصِّغارُ الَّذينَ يَعْرِضونَ سِلَعَهُم في الشَّارِعِ يَنامونَ فَوقَ سِلَعِهِم لأنَّ الفُقراءَ البَائِسينَ كَانُوا يَأتونَ لِسَرِقَةِ أشياءٍ يَأكُلوها. وَكانَ الرِّجالُ الَّذينَ يَخرُجونَ في اللَّيلِ دُونَ سِلاحٍ يَتعرَّضونَ للهُجومِ والأكل. وكانتِ الحَيَواناتُ الضَّالَّةُ تُقتَلُ وَتُؤكَلُ دُونَ طَبْخ.
وكانتْ جُلودُ الأحذيةِ والأجسادُ المُتَعَفِّنَةُ وَالقُمامَةُ تُؤكَل. وَكانُوا يَأكُلونَ أشجارَ النَّخيل. وَكانَتِ العَائِلاتُ في القَريةِ الَّتي يَموتُ فيها شَخصٌ يُغلِقونَ أبوابَ البيتِ بالطُّوبِ ويَنتظرونَ المَوتَ في إحدى الغُرَفِ لكي يَحفَظوا أجسادَهُم مِن أن تَأكُلُها الضِّباع. وَقد هَلَكَتْ قُرىً بِأسْرِها بتلكَ الطَّريقة. هذهِ هِيَ المَجاعَة.
وَقد كانت هذهِ الصُّورَةُ هِيَ الصُّورةُ الحَيَّةُ في أذهانِ الأشخاصِ الَّذينَ استَمَعُوا ليسوعَ وَهُوَ يَسرُدُ تلكَ القِصَّة. فَنَحنُ نَتحدَّثُ هُنا عَن يَأسٍ يَفوقُ أيَّ شَيءٍ يُمكِنُنا أن نَتَخَيَّلَهُ. لِذا فقد اتَّخَذَ الابنُ الأصغَرُ عَدَدًا مِنَ القَراراتِ السَّيِّئَةِ بنفسِه، ثُمَّ جاءت أحوالٌ صَعبةٌ جدًّا زَادَتِ الأمرَ سُوءًا. وَهَذِهِ أَحَطُّ حَياةٍ مُمكِنَةٍ يا أحبَّائي. وكانَ الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ الَّذينَ يَستمعونَ إلى القِصَّةِ الآنَ يَشعرونَ بِقَسْوَةِ وَهَوْلِ حَياةِ هَذا الشَّابّ.
فَبعدَ أن كانَ يَعيشُ في مَكانٍ رَائِعٍ تَحتَ رِعايَةِ أبٍ مُحِبٍّ في بِيئةٍ سَخِيَّةٍ، وَصَلَ إلى هَذا المُستوى. إنَّها أسوأُ حَياةٍ مُمكِنَةٍ يَسودُها اليَأس. فَهُوَ بِلا عَائلةٍ، ولَم يَكُن هُناكَ أيُّ شَخصٍ حَولَهُ. وَهُوَ في أرضٍ غَريبَة، ولا يُوجَدُ أَحَدٌ يُمكِنُهُ أن يَلتَجِئَ إليه. فَكُلُّ مَوارِدِهِ اخْتَفَتْ. وَهُوَ في حَالَةٍ يَائِسَة. وَهُوَ في وَضْعٍ لا يُحْسَدُ عَليه. وَهُوَ لا يَملِكُ أيَّ مَال. وَهُوَ وَحيدٌ. فَقدِ انْتَهَى المَرَحُ بِكُلِّ تَأكيد.
ولكِنَّهُ لم يَكُن مُستعدًّا بَعد للعَودةِ إلى البيت. وَهذهِ نُقطةٌ مُهِمَّة. فَهُوَ لم يَكُن مُستعدًّا بَعد للاتِّضاعِ، والاعتِرافِ بِأنَّهُ مُخطِئ، وبالعَودةِ، وبالشُّعورِ بالخِزي، وبالشُّعورِ بالتَّواضُع، وبِمواجَهَةِ أبيه، وبِمواجَهَةِ امتِعاضِ أخيهِ الأكبرِ بسببِ تَبذيرِهِ لِمَعيشَتِه. فَقد كانَ الأخُ الأكبرُ يَعلمُ أنَّهُ حَالَما يَتِمُّ تَقسيمُ الأملاكِ فإنَّهُ لن يَتمكَّنَ بَعدَ ذلكَ مِن سَحْبِ المَوارِدِ مِن ذلكَ الثّلْثِ الآخر. لِذا، سَوفَ تَعيشُ العَائلةُ على الجُزءِ الَّذي حَصَلَ هُوَ عَليه. وَقد أدَّى ذلكَ إلى تَفاقُمِ كَراهِيَّتِه. لِذا، لم يَكُنِ الأخُ الأصغَرُ مُستعدًّا بَعد لِمُواجَهَةِ أيٍّ مِن تلكَ الأشياء. وَهُوَ لم يَرغَب في مُواجَهَةِ البَلدَة. فَهُوَ لم يَكُن رَاغِبًا في مُواجَهَةِ أيِّ شَيءٍ مِن ذلك.
لِذا فقد فَعَلَ الشَّيءَ الَّذي كانَ يَفعلُهُ الأشخاصُ الَّذينَ يَصِلونَ إلى الحَضيض. فنحنُ نَقرأُ في نِهايةِ العَدد 14: "فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ". وهذهِ أوَّلُ مَرَّةٍ لا يَستطيعُ فيها أن يُوَفِّرَ قُوتَهُ. وهذهِ هيَ البِداية. وَكما هِيَ حَالُ أيِّ خَاطِئٍ، التَجَأَ إلى أوَّلِ خُطَّةٍ خَطَرَتْ بِبالِه. فهذهِ هيَ خُطَّتُهُ الأولى: "فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ". فَقد كَانَ أوَّلُ شَيءٍ قَالَهُ هُوَ: "يَنبغي لي أن أَجِدَ عَمَلاً. يَنبغي لي أن أَقِفَ عَلى قَدَمَيَّ".
وَهَذهِ هِيَ حَالُ أيِّ خَاطِئ. فَهُوَ يَهرُبُ مِنَ اللهِ، ويَمضي، ويَعيشُ حَياةً بَائسةً ومُتَمَرِّدَةً، ثُمَّ يَتعرَّضُ لِعاصِفَةٍ، ويَجِدُ نَفسَهُ في الحَضيضِ دُونَ أنْ يَمْلِكَ أيَّ شَيءٍ. فَهُوَ مُفْلِسٌ تَمامًا وَعُرْيانٌ تَمامًا. وَهُوَ بِلا مَأوى. وَهُوَ يَجوبُ الشَّوارِعَ وَلا يَملِكُ أيَّ شَيءٍ؛ ولكِنَّهُ يُريدُ الوُقوفَ على قَدَمَيه. فقد قَالَ: "يَنبغي لي أن أَجِدَ عَمَلاً. وَهِيَ المَرَّةُ الأولى الَّتي أُضْطَرُّ فيها إلى العَمل".
فَهُوَ لم يَحصُل على مَا يُريدُه مِن مَشروعِهِ الصَّغير. وَهُوَ لم يَحصُل على مَا رَغِبَ فيهِ مِن هُروبِه. فَقَدْ تَرَكَ الحَياةَ السَّهلةَ، وَتَرَكَ أبًا مُحِبًّا، وانْتَهى بِهِ الأمرُ بأنْ يَعيشَ حَياةً صَعبةً وَقاسِيَة. فَقد أرادَ أن يَتَمَتَّعَ وَيَتَلَذَّذَ بِلا حُدود. وَقد أرادَ أن يُشبِعَ شَهَواتِهِ بِلا انقِطاعِ وَبِلا تَوبيخ. ولكِنَّ كُلَّ مَا حَصَلَ عليهِ هُوَ الألَمُ والفَقْرُ والوَحدَة. وَقد كانَ في الحَقيقةِ مُعَرَّضًا للمَوت.
لِذا: "فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ". والكلمةُ المُستخدَمَةُ هُنا تُشيرُ إلى مُواطِنٍ يَتمتَّعُ بالامتيازاتِ في ذلكَ البَلَد. فَلَم يَكُن أيُّ شَخصٍ مُواطِنًا. فإنْ كُنْتُ مُواطِنًا فإنَّ ذلكَ يَعني أنَّكَ حَصلتَ على الامتيازِ والشَّرَفِ مِنْ قِبَلِ المُجتَمَع، وَأنَّكَ حَصلتَ على مَكانَةٍ في تلكَ المَدينَة. لِذا فقد عَثَرَ على شَخصٍ غَنِيٍّ، أو عَلى مُواطِنٍ، وَالتَصَقَ بِهِ. وهذهِ كلمةُ قَويَّةٌ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة: "كولاؤو": "الْتَصَقَ". فقدِ التَصَقَ بهذا الشَّخص.
وَأنا مُتَيَقِّنٌ مِنْ أنَّ المَعنى الضِّمنِيِّ المَقصودِ هُنا هُوَ أنَّ تِلكَ الفِكرةَ لم تَكُن فِكرةُ ذلكَ المُواطِن. فإن ذَهبتُم يَومًا إلى دَولَةٍ فَقيرةٍ مِنْ دُوَلِ العَالَمِ الثَّالِثِ، أو إن ذَهبتُم يَومًا إلى الهِند، سَيَكونُ أكبَرُ تَحَدٍّ أمامَكُم هُوَ أن تَتَخَلَّصُوا مِنَ المُتَسَوِّلين. فَإن خَرجتَ إلى الشَّارِعِ، لَنْ يَطولَ الوَقتُ قَبلَ أن يَتَشَبَّثُوا بِمَلابِسِكَ، وَيَشُدُّوا ذِراعَكَ، وَيَضَعُوا أيديهِم في جُيوبِكَ. لِذا، يَجِب أن تَكونَ مَحْمِيًّا لأنَّكَ سَتُواجِهُ أشخاصًا لَحُوحِينَ جدًّا. فَمُستَوى اليَأسِ يَدفَعُ النَّاسَ إلى القِيامِ بذلك. والصُّورَةُ هُنا هِيَ صُورةُ رَجُلٍ صَارَ الآنَ مُتَسَوِّلاً. لِذا فقد وَجَدَ مُواطِنًا غَنِيًّا وَالتَصَقَ بهذا الشَّخصِ بِقُوَّةٍ حَتَّى أنَّ ذلكَ الشَّخصَ لم يَتمكَّن مِنَ التَّخلُّصِ مِنه. وَأخيرًا، نَقرأُ في العَددِ الخَامِس عَشَر: "فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ".
وَهذا ليسَ عَملاً حَقيقيًّا. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُ أَحَطُّ شَيءٍ يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أنْ يَفعلَهُ. وفي النِّهايَة، لم يَكُن يَحصُلُ على أيِّ أَجْرٍ مُقابِلَ ذلكَ العَمل. ولكِنْ لكي يَتخلَّصَ ذلكَ الرَّجُلُ مِن هذا الشَّابِّ قَالَ لَهُ: "اذهَب إلى حُقولي وارْعَ خَنازيري". وَلأنَّهُ كَانَ بَائِسًا جدًّا، فَعَلَ ذلك.
وَهَذا يَعني أنَّ الحَاجَةَ كانت مُلِحَّةً جدًّا. فَهذا شَابٌّ يَهودِيُّ يَرعَى الخَنازيرَ في أرضٍ أُمَمِيَّة، ويَعمَلُ لَدى شَخصٍ أُمَمِيٍّ. ولكِنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ اللاَّويينَ 11: 7، وَسِفْرِ التَّثنيةِ 14: 8، وَغيرِ ذلكَ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ في العَهدِ القَديمِ أنَّهُ لا يُسْمَحُ لليَهودِيِّ أنْ يَأكُلَ لَحْمَ الخِنزيرِ أوِ الحَيَواناتِ النَّجِسَة. ولكِنَّ المَطافَ انْتَهى بِهِ هُناكَ. وَها هُوَ يَرعى الخَنازير. "اذهَب وَارْعَ خَنازيري". فَهذا أَحَطُّ شَيءٍ مُمكِن.
ولكِنَّ الأمرَ لم يَتوقَّف عِندَ ذلكَ الحَدّ. انظروا إلى العَدد 16. فَقَد ذَهَبَ. وَماذا عَسَاهُ أن يَفعلَ سِوى ذلك؟ فَقد ذَهَبَ إلى هُناكَ، ثُمَّ نَقرأُ أنَّهُ كَانَ "يَشْتَهِي أَنْ يَمْلأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ". هَل حَاولتَ يَومًا أن تُقْحِمَ نَفسَكَ بينَ الخَنازيرِ لكي تَأكُلَ طَعامَها القَذِر؟ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ النَّصُّ. فَقد كانَ جَائِعًا جدًّا حتَّى إنَّهُ ارْتَضَى لا فقط أنْ يَرعَى الخَنازيرَ مِن أجلِ أَجْرٍ زَهيدٍ جدًّا، بل إنَّهُ كانَ يُحاوِلُ أن يَأكُلَ طَعامَها وَيُصارِع مِن أجلِ ذلك. وَهِيَ مَعركَةٌ خَاسِرَة. فَقد كانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ... مِنَ الخُرْنُوبِ. وَهُوَ نَباتٌ مُرٌّ غَامِقُ اللَّونِ تَأكُلُهُ الخَنازيرُ أحيانًا مِن عَلى أغصانِ الأشجار. ولكِنَّهُ نَباتٌ كَانَتْ تُجْمَعُ قُرونُهُ وَيُستَخلَصُ مِنها العَصيرُ ثُمَّ يُطْرَحُ الثُّفْلُ المُتَبَقِّي مِنها إلى الخَنازير. لِذا فقد كَانَ يَأكُلُ على الأرجَحِ ثُّفْلَ الخُرْنوبِ مَعَ الخَنازير.
عِندَما كُنتُ في المَدرسةِ الثَّانَويَّةِ، عَمِلتُ في الصَّيفِ وَقتًا قَصيرًا لَدى أُناسٍ يُرَبُّونَ الخَنازيرَ في الجُزءِ الشَّرقِيِّ مِن مَدينَتِنا. وَقد كانَ عَمَلاً مُسَلِّيًا. ولكِنَّ أَبَ صَديقي المُقَرَّب كانَ يَعمَلُ في ذلكَ المَجال. وَقد كَانُوا يَجمَعونَ القُمامَةَ مِن مَدينةِ لوس أنجليس في تلكَ الأيَّام. فَقد كانُوا يَجمَعونَ كُلَّ القُمامَة. وَكانُوا يَأخذونَها إلى شَرقِ المَدينَةِ وَيَغلونَها في مَراجِلِ ضَخْمَة. ثُمَّ كَانُوا يَأخُذونَ القُمامَةَ المَغلِيَّةَ وَيَطرَحونَها للخَنازير. وَكانت كُلُّ تلكَ القُمامَةِ تَأكُلُها الخَنازير. ثُمَّ كَانُوا يَبيعونَ الخَنازيرَ الَّتي تُذبَحُ وَيُصْنَعُ مِنها لَحْمُ الخِنزيرِ المُقَدَّد. ثُمَّ إنَّ ذلكَ اللَّحْمَ المُقَدَّدَ يُشْحَنُ إلى المَتاجِرِ فَيَشتَري النَّاسُ الَّذينَ أَنْتَجُوا تلكَ الفَضَلاتِ ذلكَ اللَّحمَ المُقَدَّد، ثُمَّ تَبدأُ الدَّورةُ مِن جَديد. فَهَذا هُوَ ما يَحدُث.
ولكِن في تلكَ السَّنواتِ البَاكِرَةِ في لوس أنجليس، كَانَ الأشخاصُ الَّذينَ يَجمَعونَ القُمامَةَ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يُوَفِّرونَ كُلَّ لَحْمَ الخَنازير لأنَّ النِّظامَ كَانَ يَعمَلُ بهذهِ الطَّريقة. ويُمكنُني أن أقولَ لَكُم إنَّ مُصارَعَةَ الخَنازيرِ على طَعامِها هِيَ مَعركَةٌ خَاسِرَة. فَهِيَ حَيَواناتٌ قَذِرَة. وَها هُوَ هَذا الشَّخصُ اليَهودِيُّ يَعيشُ بَينَها. والحَقيقَةُ المُرَّةُ هِيَ أنَّهُ كَانَ خِنزيرًا. فَهُوَ لا يَعيشُ بَينَها فَحَسْب، بل إنَّهُ وَاحِدٌ مِنها. ولكِنَّهُ كَانَ يَتَمَنَّى لو أنَّهُ قَادِرٌ على الحصولِ على طَعام. فَقد كَانَ "يَشْتَهي" ذلك: "إيبيثوميو" (epithumeo) وَمَعناها: "يَرغَبُ بِشِدَّة". فَهُوَ في صِراعٍ مَعَ الخَنازير. وَهذا أمرٌ لا يُصَدَّق! فَقد وَصَلَ إلى الحَضيضِ ولا يُمكِنُهُ أنْ يَصِلَ إلى مَكانَةٍ أَدنَى مِن تِلك.
وَأيًّا كَانَ الوَعدُ الَّذي قَطَعَهُ لَهُ ذلكَ الرَّجُلُ بشأنِ العَمَلِ والمَالِ فإنَّنا نَقرأُ في نِهايَةِ العَدد 16: "فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ". فَهُوَ لم يَحصُل على أيِّ شَيء. وَهَذا هُوَ مَا يَجعلُني أعتقدُ أنَّهُ التَصَقَ بهذا الرَّجُلِ فقالَ لَهُ الرَّجُل: "اذهَب مِن هُنا. اذهَب وارْعَ خَنازيري". وَلم يَكُن لَدى الشَّابِّ أيُّ خِيارٍ آخر. لِذا فقد ذَهبَ إلى هُناك. ولكِنَّهُ لم يَحصُل على أيِّ شَيء. وَقد صَارَ يَتصرَّفُ كَخِنزيرٍ مُحاوِلاً أن يَأكُلَ خُرْنوبَ الخَنازيرِ وَأنْ يَحصُلَ مِنْهُ على مَا يَملأُ بِهِ مَعِدَتَهُ.
ولا يُمكِنُكم حتَّى أن تَتَخَيَّلوا أنَّ أيَّ شَخصٍ مِن صَفْوَةِ وَنُخْبَةِ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَةِ استَوعَبَ أنْ يُقْدِمَ أيُّ شَابٍّ يَهوديِّ على فِعْلٍ كَهَذا. فَهذا أمرٌ لا يُمكِنُ تَخَيُّلُه. وفي النِّهاية، لم يُعطِهِ أَحَدٌ شَيئًا. إنَّها أعظمُ مَأساةٍ يُمكِنُهم أن يَتَخَيَّلوها. فَهذا أعظَمُ تَمَرُّدٍ، وَأعظَمُ انتِهاكٍ، وأعظمُ هَدْرٍ للحَياةِ، وَهَدْرٍ للفُرَص. وَهَذا أشنَعُ أنواعِ السُّلوكِ الَّتي يُمكِنُهم أن يَتخيَّلوها. وَقد كانَ هَذا هُوَ المَعنى المَقصود. وَالآن، هَا هُوَ يَجوعُ جُوعًا شَديدًا. وَهذا يَرمِزُ إلى اليَأس. فَهذا شَخصٌ خَاطِئٌ فَقيرٌ، وَجائِعٌ، وَلا حَوْلَ لَهُ وَلا قُوَّة، ويُحاولُ أن يَحصُلَ على جُزءٍ صَغيرٍ مِن طَعامِ الخَنازير. ولكِنَّ أحدًا لا يُقَدِّمُ لَهُ يَدَ العَون، ولا أَحَدَ يُشفِقُ عليه.
وَما الدَّرسُ هُنا؟ الدَّرسُ هُوَ أنَّ الخَطِيَّةَ هِيَ تَمَرُّدٌ على اللهِ الآب. فَهِيَ ليست تَمَرُّدًا كَبيرًا على نَاموسِه، بل هِيَ بالحَرِيِّ تَمَرُّدٌ على العَلاقَةِ بِهِ. وَهِيَ تَمَرُّدٌ على أُبوَّتِهِ وَمَحَبَّتِه. وَلا شَكَّ في أنَّ الخَطِيَّةَ تَزْدَري بِناموسِ اللهِ، ولكِنَّها قَبلَ ذلكَ ازدِراءٌ بِشَخصِ اللهِ، وسُلطانِ اللهِ، ومَشيئةِ الله. والخَطيَّةُ تَزْدَري بِكُلِّ مَسؤوليَّةٍ، وكُلِّ مُساءَلَة. وَهِيَ تُنكِرُ على اللهِ مَكانَتَهُ. وَهِيَ تُبغِضُ اللهَ. وَهِيَ تَتَمَنَّى لو أنَّ اللهَ مَيِّتٌ. وَهِيَ لا تُحِبُّهُ البَتَّةَ ولا تُوَقِّرُهُ. وَهِيَ تَعني أن تَأخُذَ كُلَّ العَطايا الَّتي يُسْبِغُها اللهُ عليكَ وَتُبَذِّرَها كَما لو أنَّها لا شَيء.
وَهِيَ تَعني أن تَبتَعِد عَنِ اللهِ قَدرَ استِطاعَتِكَ، وَأنْ لا تُفَكِّرَ فيه، وَلا تَعْتَبِرَهُ، وَلا تُوليهِ أيَّ اهتِمام. وَهِيَ تَعني أنْ تَهْدُرَ حَياتَكَ في المَلَذَّاتِ، واللَّهوِ، والشَّهوةِ الَّتي لا تَعرِفُ حُدودًا. وَهِيَ تَعني أنْ تَزدري بِكُلِّ شَيءٍ سِوى الأشياءِ الَّتي تُريدُها. وَهِيَ شَرٌّ مُسْتَهْتِرٌ وانغِماسٌ أَنانِيٌّ يَقودُكَ إلى العَيشِ في حَظيرةِ خَنازير، وإلى الإفلاسِ الرُّوحيِّ، وَإلى الفَراغِ، والإعوازِ، وَتَخَلِّي الجَميعِ عَنكَ، وعَدَمِ العُثورِ على مَلاذٍ لَكَ، ومُواجَهَةِ المَوت: المَوتِ الأبديِّ.
ثُمَّ إنَّ الخَاطِئَ الأحمقَ استَنفَذَ الخُطَّةَ الأولى الَّتي تَقول: "سَأُصْلِحُ حَياتي بِنَفسي"، أو: "سَألتَجِئُ إلى العِلاجِ النَّفسِيِّ"، أو: "سَأَتَعاطَى المُخَدِّراتِ، أو: "سَأشرَبُ الكُحولَ"، أو: "سَأذهَبُ إلى مَجموعاتِ المُساعَدَةِ الذَّاتِيَّة"، أو: سَأنتقلُ إلى حَيٍّ جَديد"، أو: "سَأتَزوَّجُ امرأةً أخرى". ولكِن عندما يَستنزِفُ الخَاطِئُ كُلَّ هذهِ الأشياء فإنَّهُ يَجِدُ نَفسَهُ في الحَضِيض. وَهَذا هُوَ مَا حَدَثَ لهذا الشَّابّ. فَقد رأينا الطَّلَبَ الشَّائِن، والتَّمَرُّدَ الشَّائِن، ولكِنَّ ذلكَ قَادَهُ إلى تَوبَةٍ شَائِنَة. وَهذا هُوَ مَا سَنراهُ في المَرَّةِ القَادِمَة. وَهَذا أمرٌ مُدهِشٌ جدًّا. دَعونا نُصَلِّي:
إنَّ القِصَّةَ ليست بَعيدةً، يا أبانا، بَل هِيَ قَريبَةٌ جدًّا مِنَّا. فَهِيَ قِصَّةُ كُلِّ خَاطِئٍ غَيرِ مُتَدَيِّنٍ، وَقِصَّةُ كُلِّ ابْنٍ يَهرُبُ وَيَبتَعِدُ عَنِ اللهِ قَدرَ استِطاعَتِهِ (أوِ استِطاعَتِها). وَهِيَ قِصَّةُ جَميعِ الخُطاةِ المُستَهتِرينَ، والمُنْحَلِّينَ، والفَاجِرينَ، والفَاسِدين أخلاقِيًّا، والمُنغَمِسينَ في الخَطيَّةِ والشَّهوةِ، والَّذينَ يَصِلونَ إلى نُقطَةٍ النِهايَةِ أوْ خَطِّ النِّهايَةِ وَيَخسَرونَ كُلَّ شَيء. فَلا شَيءَ لَهُ مَعنى، وَلا شَيءَ يُشبِعُهم. وَهُمْ يُصَارِعونَ في سَبيلِ النَّجاةِ وَحَسْب.
فَقد كانت هذهِ هِيَ حَالُ أولئكَ العَشَّارينَ والخُطَاة. لِذا فإنَّهُم جَاءُوا. فَقد أرادُوا أن يَسمَعُوا مِن ذاكَ الَّذي هُوَ خُبْزُ الحَياةِ. وَقد أرادُوا أن يَسمَعوا مِن ذاكَ الَّذي يُقَدِّمُ الغُفران. وَقد أرادُوا أن يَسمَعُوا مِن ذاكَ الَّذي قَالَ: "اللهُ يُريدُ أن يَرُدَّكُم. واللهُ يُريدُ أن يُصالِحَكُم. واللهُ يُريدُ مِنكُم أن تَعودوا إلى بَيتِه".
وَهَذا يُشبِهُ الخَروفَ الَّذي تَمَّ رَدُّه، ويُشبِهُ الدِّرهَمَ الَّذي تَمَّ العُثورُ عَليهِ. فاللهُ يَعمَلُ على رَدِّ الخُطاةِ البَائِسينَ، والمُستَنزَفينَ، والوَحيدينَ، واليَائِسين. فَهَذا هُوَ مَا يُفَرِّحُ قَلبَ اللهِ. وَهَذا هُوَ مَا يُفَرِّحُ السَّماءَ. يا أبانا، نَشكرُكَ على الرِّسالةِ الرَّائعةِ المَوجودَةِ في هذا الجُزءِ مِنَ القِصَّةِ فيما يَختصُّ بمُواجَهَةِ حَقيقةِ الخَطيَّةِ بِكُلِّ مَا تَنْطَوي عَليهِ مِن يَأسٍ لأنَّ هَذِهِ هِيَ حَالُ الخُطاة.
فَطَالَما أنَّهُ تُوجَدُ خُطَّةٌ أولى نَاجِحَة فإنَّ الخُطاةَ لَن يَأتوا. ولكِن عندما تَفشَلُ الخُطَّةُ الأولى والثَّانية والثَّالثة وَجَميعُ الخُططِ الأخرى، وَلا يَعودُ هُناكَ مَلاذٌ، فإنَّ الخَاطِئَ يَتذكَّرُ أنَّ هُناكَ أبًا مُحِبًّا يُمكِنُهُ أن يَتَّكِلَ عليه. وَحينئذٍ يُبْدِي الخَاطِئُ استِعدادَهُ للتَّوبَة. وَنَحنُ جَاهِزونَ لذلكَ الجُزءِ مِنَ القِصَّة. فقد عِشناها. وَنَحنُ نُصَلِّي، يَا رَبُّ، أنْ تُؤكِّدَ لِقُلوبِنا هَذا الفَهمَ لِما تَفعَلُهُ الخَطِيَّةُ وَمَدى هَوْلِها.
وَنَحنُ نَفهَمُ الفَرِّيسيِّينَ. فَهُم يُوافِقونَ على ذلك. وَهُم يَقولونَ إنَّ ذلكَ فَظيعٌ وَمُريعٌ. ولكِنَّنا سَنَرى لاحِقًا أنَّهُم كَانُوا في حَالٍ أسَوأ. فَقد كَانوا في حَالٍ أسوأ. فالابنُ الأصغَرُ نَالَ الغُفرانَ. ولكِنَّ الابنَ الأكبرَ لم يُرِدِ الغُفرانَ، ولم يَكُن يَظُنُّ أنَّهُ بِحاجَةٍ إليه.
يا أبانا، نُصَلِّي أن تُساعِدَنا على أن نَفرَحَ في النِّعمَةِ الَّتي حَصَلنا عَليها بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الأهوالِ المَوجودَةِ في حَياتِنا. فَيَسوعُ يَرسُمُ صُورةً هُنا تُرينا أنَّهُ أيًّا كَانَ المُستوى المُنْحَطُّ الَّذي قَد يَنْحَدِرُ إليهِ الخَاطِئُ فإنَّهُ يَستطيعُ أن يَأتي إلى اللهِ... إلى اللهِ المُحِبِّ... بِقَلبٍ تَائِبٍ. واللهُ الَّذي يُمكِنُ الاتِّكالُ عَليهِ سَيَغفِر لَهُ. وَنحنُ نَفرَحُ في ذلك.
يا أبانا، اصْرِفْنا الآنَ بالبَرَكة. واجلِبْنا مَرَّةً أخرى بِتَرَقُّبٍ شَديدٍ في يَومِ الأحدِ المُقبِل لِسَماعِ بَقِيَّةِ أجزاءِ القِصَّة. واجْمَعْنا مَرَّةً أخرى في هَذا المَساءِ في السَّاعةِ السَّادِسَةِ مَساءً فيما نَتأمَّلُ في أمجادِ رِسالةِ رُومية والأصحاحِ السَّابِعِ، وفي عَجائِبِ التَّغييرِ الرُّوحيِّ. وامْنَحْنا يَومًا رَائِعًا. نُصَلِّي هَذا باسمِ ابِنَك. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
