Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نحنُ نَتحدَّثُ عن تَشريحِ الكنيسة. وقد قلتُ لكم إنَّني سأُقدِّمُ لكم المَعلوماتِ مُجَزَّأةً دونَ تَرتيبٍ مُعَيَّن. وقد رأينا (في هذه السِّلسلةِ الَّتي قَدَّمنا فيها أربعَ عِظاتٍ وانتهينا مِنَ المَرحلةِ الأولى مِنها ووَصلنا إلى المَرحلةِ الثَّانية) رأينا في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ اللهَ أَوجَدَ الكنيسةَ لتَعملَ كما يَعملُ الجسد، وجَعَلَها مُرتبطة برأسِها الَّذي هو يسوعُ المسيحُ كما يَرتبطُ الجسدُ بالعقلِ البَشريّ. فنحنُ جَسَدُ المسيح. وقد أَخذنا تلكَ الاستعارةَ المُختصَّة بجسدِ المسيحِ (وهي جُزءٌ مِن تَعليمِ العهدِ الجديدِ) ووَسَّعناها قليلاً لكي نَنظُرَ بعُمقٍ أكبر قليلاً إلى عَدَدٍ مِنَ الآثارِ المُترتِّبةِ عن تلكَ الاستعارة.

وكما رأينا فإنَّ الكنيسةَ تُشبِهُ أيَّ جَسَدٍ من جِهَةِ أنَّهُ ينبغي أن يكونَ لها هَيكَلٌ عَظميٌّ أو إطار. وقد شاركنا معكم أنَّ الهيكلَ هو الَّذي يُعطيها شَكلَها وقُدرتها على الوقوفِ بثبات. فالهيكلُ هو الشَّيءُ الَّذي يَجْمَعُ كُلَّ الأجزاءِ معًا. فَكُلُّ الأعضاءِ في الجسدِ البشريِّ، وكُلَّ العَضلاتِ، وكُلَّ الأنسجةِ مُرتبطة في نُقطةٍ ما بالهيكلِ العَظميِّ. فالهيكلُ العَظميُّ يُقَدِّمُ الإطارَ الرَّئيسيَّ. وقد تَحدَّثنا عن أنَّ ذلكَ الإطارَ قَويٌّ ولا يَنثني. فهكذا هي العِظام. فالعِظامُ لا تَنثَني. فهي صُلبة. صَحيحٌ أنَّها مُتَّصِلَة بمفاصِل وأربطة، ولكنَّها في ذاتِها تُوفِّرُ الصَّلابةَ لبُنيةِ الجسد. وهذا هو بالتَّحديد ما ينبغي أن تَتَّسِمَ بهِ الكنيسة. وقد قُلنا إنَّ الهيكلَ العَظميَّ للكنيسة يَحوي خمسَةَ عَناصِرَ رئيسيَّة عظيمة لا جِدالَ فيها وهي: تَوقيرُ اللهِ، وتَوقيرُ المسيحِ، والسَّعيُ إلى القَداسة، والمُناداةُ بالحَقِّ، والخُضوعُ للسُّلطةِ الرُّوحيَّة.

وقد تَحَدَّثنا عن كُلِّ هذه الأشياء ووَضَّحنا أنَّ كُلَّ هذهِ الأشياءِ تَجعلُ السَّماءَ قَريبةً مِنَ الأرض. هل تَذكرونَ تلك الصُّورة؟ فهي تَجعلُ السَّماءَ قَريبةً مِنَّا. ولكن كما هي حالُ أيِّ جَسدٍ حَيٍّ فإنَّ الكنيسةَ لا تَستطيعُ أن تُوجَدَ في صُورةِ هَيكلٍ عَظميٍّ فقط. فَمِنَ الواضِحِ أنَّ هذا لا يَكفي. فالهَيكلُ العَظميُّ يُوفِّرُ الإطارَ، ولكنَّ الهيكلَ العَظميَّ قد لا يكونُ بالضَّرورةِ حَيًّا. فيجب أن يَحوي الجسدُ أعضاءً دَاخليَّة. ويجب أن تكونَ هُناكَ سَوائلُ تَجري فيه. ويجب أن يَحوي أعضاءً تُنَقِّي الأوكسجينَ وتُرسِلُ كُلَّ العناصِرِ المُغَذِّيةِ إلى كُلِّ جُزءٍ في الجسد. ويجب أن توجدَ فيهِ أيضًا أنظمةٌ داخليَّة. لِذا، يُمكنكم أن تَبتدئوا بالهيكلِ العَظميِّ ثُمَّ تَنتقلوا [ثانيًا] إلى الأنظمةِ الدَّاخليَّة. والأنظمةُ الدَّاخليَّةُ تَهَبُ الحياة. فهي تَهَبُ الحياة. وهذا يَصِحُّ أيضًا في الكنيسة.

فقد تُوَقِّروا اللهَ. وقد تَرفَعُ الخِدمةُ اسمَ اللهِ عاليًا وتُمَجِّدُهُ، وتُمَجِّدُ المسيحَ. وقد تَسْعَوْنَ في طَلبِ القداسة. وقد يَكونُ القادةُ مُكَرَّسينَ للقيامِ بذلك، وبإعلانِ الحَقِّ، وبدعوةِ النَّاسِ إلى الخُضوعِ للسُّلطةِ الرُّوحيَّة؛ ولكن يجب أن يُرافِقَ ذلكَ وُجودُ أشخاصٍ أحياء حَقًّا. فيجب أن تكونَ هناكَ أنظمةٌ داخليَّة. وما الَّذي أقصِدُهُ بذلك؟ مَواقفُ رُوحيَّة. فهذا هو المقصود: مَواقفُ رُوحيَّة. فحياةُ الكنيسةِ تَنبُعُ مِنَ المواقفِ الرُّوحيَّة. وهذا يعني: مِن داخلِ النَّاس. مِن داخلِ النَّاس.

فخارِجيًّا، قد نُرَنِّمُ تَرانيمَ، وقد نُصَلِّي صَلواتٍ، وقد نَتَعَبَّدُ، وقد نَجلسُ ونَستمعُ إلى الكلمة، وقد نَخضَعُ خارجيًّا لقادَتِنا؛ ولكنَّ الحياةَ الحقيقيَّةَ للكنيسةِ تَنبُعُ من داخلِ الكنيسة. لِذا فإنَّ الغايةَ مِن كُلِّ شَيءٍ نَفعلُهُ هو تَغييرُ حياةِ النَّاس. أو كما قالَ بولس في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الرَّابع فإنَّ ما كانَ يَتَمَنَّاهُ، ويُصَلِّي لأجلِهِ، ويَتعَبُ لأجلِه، ويَتألَّمُ لأجلِه هو أن يَتَشَكَّلَ المَسيحُ تَمامًا فيهم. وهذه هي نفسُ الفِكرةِ الَّتي قالها بولسُ في رسالتِه إلى أهلِ كولوسي حينَ قالَ إنَّهُ يُريدُ أن تَسكُنَ كلمةُ المسيحِ فيهم بغِنَى. بعبارة أخرى، إنَّ الدَّاخِلَ هو المكانُ الَّذي يُريدُ اللهُ أن يَعملَ فيه. لِذا فإنَّ هَدَفَ الرُّعاةِ وهَدفَ القادةِ هو أن تَعملَ كُلُّ تلكَ السِّماتِ الَّتي يُوَفِّرُها الهَيكلُ العَظميُّ، وأن تَعملَ كُلُّ تلكَ الأشياءِ على حَفْزِ المَواقفِ الرُّوحيَّةِ السَّليمةِ في قُلوبِ النَّاس. ولِقَولِ ذلكَ بمَعناه الاستِعاريّ: أن نَتمكَّنَ مِن تَعليقِ الأعضاءِ على ذلك الإطار.

فلا يَجوزُ أن تَعملَ التَّهديداتُ الخارجيَّةُ على حَفْزِ الكنيسةِ على العبادة، أو على الإصغاءِ للحَقّ، أو على الخضوعِ للقادة، أو على التَّصَرُّفِ بلِياقَة. لا يَجوزُ أن تَعملَ التَّهديداتُ الخارجيَّةُ على الحَفْزِ على ذلك. ولا يَجوزُ أن تَكونَ العَواطِفُ هي الدَّافعُ إلى القيامِ بذلك. ولا يَجوزُ أن يكونَ الصِّيْتُ، أوِ المُكافأةُ الماديَّةُ، أو المَكانة الأرضيَّة، أو الشُّهرة، أو الجَاهُ، أو الاحترامُ هو الحَافِزُ إلى القيامِ بذلك؛ بل ينبغي أن يَنبُعَ ذلكَ مِن دَوافِعَ داخليَّة. فينبغي أن يَنبُعَ مِنَ الدَّاخل إلى الخارِج.

وأعتقدُ أنَّ هُناكَ آية تُلَخِّصُ ذلك. افتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على رسالة غَلاطيَّة والأصحاح الخامس. فنحنُ نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الخامس: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ".

فَرُوحُ اللهِ يُريدُ أن يُنشِئَ هذه المواقفَ الدَّاخليَّة – مَواقفَ دَاخليَّةَ كالمحبَّة، والفَرَح، والسَّلام، وطُول الأناة، واللُّطف، والإيمان، والوَداعة، والتَّعَفُّف. وهذا أمرٌ مُهمٌّ جدًّا. وهذا هو في الحقيقةِ جَوهرُ الخِدمةِ الرَّاعَويَّة. وهذا هو ما تُحاولُ الكنيسةُ أن تَفعلَهُ. فما نُريدُ أن نَفعَلَهُ مَعَكُم هو ليسَ أن نَجعلَكُم تَتغيَّرونَ خارجيًّا، بل أن نَراكُم تَتَغيَّرونَ مِنَ الدَّاخل. أليسَ كذلك؟ فنحنُ لا نُريدُ أن نَخدَعَكُم بكُلِّ أُسلوبٍ مِن أساليبِ الوعظ، ولا بكُلِّ أسلوبٍ يَستخدِمُ المُوسيقا، ولا بأساليبِ بَثِّ الخَوفِ والرُّعبِ في نُفوسِكم، ولا مِن خلالِ الاستبدادِ والهَيمنة والسَّيطرة، ولا مِن خلالِ حَفْزِكُم على السَّعيِ وراءَ المَكانةِ الأرضيَّة، أوِ الاحترامِ الأرضيِّ؛ بل مِن خِلالِ حَفْزِكُم مِنَ الدَّاخل، ومِن خلالِ زَرْعِ التَّكريسِ للمسيحِ في قُلوبِكم، ومِن خلالِ عَمَلِ رُوحِ اللهِ إلى أن يُنتِجَ الرُّوحُ فيكم هذه المواقفَ الدَّاخليَّة.

وكما تَعلمونَ، أنا أنظُرُ إلى الكنيسةِ اليوم. وهناكَ أُناسٌ كثيرونَ جدًّا يُريدونَ أن يُصْلِحُوا الكنيسة. وما أعنيه هو أنَّ أُناسًا كثيرينَ يُدركونَ أنَّ الكنيسةَ ليست على الصُّورةِ الَّتي يَنبغي أن تَكونَ عليها. وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّهم يَعرفونَ كيفَ ينبغي لها أن تَكون. لِذا فإنَّهُم يَسْعَوْنَ إلى تَغييرِ الكَنيسةِ مِن خلالِ إعادَةِ تَنظيمِها. وهذا يَحدُثُ في كُلِّ مكان. فالكنائسُ قَرَّرَت أنَّ ما نَحْنُ بحاجة إليهِ هو نَمَطٌ جديد، وأنَّ مَا نَحنُ بحاجة إليه هو شَكلٌ جَديد. وواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي تُقلقُني جدًّا بهذا الخُصوص هو أنَّهُ يوجد تَراجُعٌ في الوَعظ. فالشَّكلُ الجديد يُقَلِّلُ مِن قيمةِ الوعظ ويَستَعيضُ عنهُ بكُلِّ الأشياءِ الأخرى الَّتي يَجِدُها النَّاسُ مُمتعةً أو مُسَلِّيةً أكثرَ مِنه بالرَّغمِ مِن حقيقةِ أنَّ الرِّسالة الأولى إلى أهلِ تسالونيكي والأصحاح الخامس تَقول: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّات".

وما مَعنى ذلك؟ أي: "لا تَحتقروا الوَعظ". فالفِعلُ "يَحتَقِر" يَعني "يُقَلِّل مِن شأن" أو "يُقَلِّل مِن قِيمة" أو "يُقَلِّل مِن أهميَّة" أو "يَستَخِفُّ بِكَذا" أو "يَستهينُ بكذا". لا تُقَلِّلوا مِن شأنِ الوعظ. وهذهِ وَصِيَّة في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 20. ولكنَّ هذا هو بالضَّبط ما يَفعلُهُ النَّاس. والفِكرةُ السَّائدةُ اليوم هي أنَّكَ إن أردتَ حَقًّا أن تُعيدَ كنيستَكَ إلى المَسارِ الصَّحيح، يجب عليكَ أن تُعيدَ تَنظيمَها، ويجب عليكَ أن تَبتَكِرَ نَمَطًا جديدًا أو أُسلوبًا جديدًا. ولكنَّ هذا يَجعَلُكَ تَحصُلُ على نَفسِ الأشخاصِ بنفسِ المُستوى مِنَ التَّكريسِ الرُّوحيِّ (أيًّا كان) بهيئة جديدة؛ ولكنَّكَ لن تُعالِج بذلكَ المُشكلةَ الحقيقيَّة. فالتَّكريسُ لنَمَطٍ مُختلِف لا يَفعلُ أيَّ شيءٍ بالضَّرورة لتغييرِ القلب.

ولكِنَّ ما نَسعى إليهِ حَقًّا هو المواقف القَلبيَّة. ويُمكنُني أن أقولَ لكم التَّالي: في كُلِّ السِّنين الَّتي صَرَفناها هُنا، خَصَّصنا وقتًا قَصيرًا جدًّا لتَغييرِ البُنية، ووقتًا قَصيرًا جدًّا لتَعديلِ البَرامِج، ووقتًا قَصيرًا جدًّا لابتكارِ أنماطٍ قد نَظُنُّ أنَّها ستُحدِثُ فَرْقًا. ولكنَّنا رَكَّزنا طَوالَ الوقتِ تَقريبًا على تَغييرِ المَواقفِ القلبيَّة لأنَّ هذا هو ما يَجعلُ الكنيسةَ كنيسةً حَقًّا مِنَ الدَّاخلِ قبلَ الخارج. وبصراحة، إن كانَ هناكَ شيءٌ يُمكنكم أن تَتعلَّموه مِن خِلالِ القيامِ بهذا الأمر... وهذه بالمُناسبة رِحلة طويلة. لِذا، يجب عليكَ أن تَبقى هُنا نحو خمسٍ وعشرينَ سنة أو أكثر. ولكن إن كان هناكَ شَيءٌ تَعَلَّمناه فهو أنَّهُ إن كانتِ المواقفُ الرُّوحيَّةُ سَليمةً، سيصيرُ الشَّكلُ الخارجيُّ والأسلوبُ أقَلَّ أهميَّةً.

وقد تَحدَّثتُ إلى رَاعي كنيسةٍ قبلَ أيَّام قالَ لي: "كيفَ كانت خِدمةُ مساءِ الأحد في كنيستِكُم؟" قلتُ: "لقد كانت الخِدمةُ رائعةً مساءَ يومِ الأحد". ثُمَّ قُلتُ: "لقد جاءَتِ الرَّعيَّةُ الأمينةُ واستَمَعَتْ إلى كلمةِ الله". قال: "وكم عَدَدُهم؟" قلتُ: "نحنُ نَملأ الكنيسة".

قال: "أنتَ تَمزَح!" قلتُ: "لا! لا! فنحنُ لدينا قاعة تَحوي نحوَ ثلاثة آلاف أو ثلاثة آلاف وخمسمئة مَقعد. ونحنُ نَملأُ كنيستَنا يومَ الأحدِ مَساءً". قال: "أتَعلَمُ شَيئًا؟ نحنُ على ما يُرام يومَ الأحد مساءً، ولكن يجب علينا أن نَعمَلَ بِجِدٍّ كبيرٍ حَقًّا لتحسينِ بَرنامَجِنا". والحقيقةُ هي أنَّني لم أُعَلِّق على ذلك، بل اكتفيتُ بالقول: "حقًّا!"

نحنُ لا نَبذُلُ جُهدًا كبيرًا على بَرنامَجِنا. لماذا؟ لا خَطأَ في القيامِ بذلك. فرُبَّما تكونُ تلكَ نُقطةُ بدايةٍ جَيِّدة. ولكنَّ الموقفَ المِثاليَّ هو أن نُشَجِّعَكُم على المجيءِ إلى هُنا بسببِ دَافِعِكُم القَلبيّ. فأنا لا أريدُ أيَّ دِبَبَة رَاقِصَة، بل إنَّ لَدينا رأسٌ واحدٌ مُتكلِّمٌ وأربعةُ أشخاصٍ يُرَنِّمون. وما أعنيه هو أنَّنا لا نَفعلُ أمورًا إبداعيَّةً، ولا توجد لدينا وَسائط مُتَعَدِّدة. فقد ذَهبتُ لحضورِ إحدى الخِدْماتِ ذاتَ مَرَّة فرأيتُ أنَّهُم أَلبَسوا شَخصًا مِثلَ جون ويسلي وجَعلوهُ يَمتَطي حِصانًا في وَسْطِ الكنيسة. أمَّا نحنُ فليست لدينا أيَّة أحصنة لأنَّكُم تُبالونَ بالحقِّ وتُريدونَ أن تكونوا ما يُريدُ اللهُ مِنكم أن تَكونوا. وأنتُم تأتونَ إلى هُنا بسببِ رَغبتِكُم الدَّاخليَّة في المَجيء، لا لأنَّنا نُرغِمُكم على فِعلِ ذلك. فالأشخاصُ المَملوؤونَ بالرُّوحِ يَفعلونَ أمورًا مُنقادَةً بالرُّوح، ويَخضعونَ للنَّمَطِ الكِتابيِّ لحياةِ الكنيسةِ لأنَّ قُلوبَهُم تَحُضُّهم على القيامِ بذلك.

وهذا هو النَّهجُ الصَّعب، والنَّهجُ الَّذي يَتطلَّبُ وَقتًا. وما أعنيه هو أنَّهُ يجبُ عليكم أن تَبذُلوا جُهدًا في سَبيلِ تَحقيقِ ذلك. ولكن يجب عليكم أن تَعلموا على تَحقيقِ ذلك مِن خلالِ تَعليمِ كلمةِ اللهِ والوعظِ بها بصورة دائمة، وإخضاعِ النَّاسِ للمِعيارِ الكِتابيِّ، ومُراقبتِهم وَهُم يَنْمونَ رُوحيًّا. لِذا، إن أرادت إحدى الكنائسِ أن تَفعلَ حَقًّا ما هو صَواب، يجب عليها أن تَهتمَّ بالمواقف، لا بالأشياء الخارجيَّة. فيُمكنكم أن تَستخدموا التَّرهيبَ لِحَفْزِ النَّاس. يُمكنكم أن تَستخدموا التَّرهيبَ. وهناكَ كَنائسُ تَفعلُ ذلك. فإن لم تَذهب إلى الاجتماعِ مَساءَ يومِ الأحد فإنَّ شُيوخَ الكَنيسةِ يأتونَ إلى بَيتِك. وإن لم تَدفَع عُشورَكَ كُلَّ أسبوعٍ فإنَّهُم يأتونَ إلى بَيتِك. وإن لم تَذهب إلى اجتماعِ الصَّلاةِ فإنَّهم يأتونَ إليكَ وَيُصِرُّونَ على مَعرفةِ خَطاياك. وقد تَذهبُ إلى الكنيسة بِدافعِ الكِبرياء. وقد تَذهبُ إليها لأنَّكَ نَاموسيٌّ؛ أي لأنَّكَ تَقولُ في نَفسِكَ: "إن ذَهبتُ إلى الكنيسةِ فإنَّ اللهَ سيُحِبُّني أكثر".

ولكنَّ كُلَّ هذه الأشياء غير نافعة لأنَّها تَسمحُ للنَّاسِ أن يَشعروا بالرِّضا لدوافعَ غير سليمة. ولكنَّكَ لا تُريدُ أن تَجعلَ النَّاسَ يَفعلونَ شيئًا لكي يَشعروا بالرِّضا بسببِ قيامِهم بذلك لأنَّهم حينئذٍ سيَشعرونَ بالرِّضا لِسَببٍ مَغلوط. بل إن أردتَ أن تُغَيِّرَ الكنيسة، وإن أردتَ أن تَدفَعَ الكنيسةَ إلى القيامِ بما ينبغي لها أن تَقومَ به، اعمل على تَغييرِ القلب. وما الَّذي يُغيِّرُ القَلب؟ الحَقُّ والرُّوح. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّنا نَبتدِئُ بالمواقِف.

فلنتحدَّث عن عددٍ مِن هذه المواقف. الموقفُ الأوَّل؛ وهي ليست مَواقِف مُرَتَّبة بالضَّرورة تَرتيبًا مُعَيَّنًا؛ معَ أنَّني أعتقدُ أنَّ المواقفَ الأولى ينبغي أن تَكونَ في البداية.

المسألةُ القَلبيَّةُ الأولى، أوِ المَوقفُ القَلبيُّ الأوَّلُ الَّذي نُريدُ أن نَراهُ في حياةِ شَعبِ اللهِ هو الإيمان – الإيمان؛ أي الثِّقة بالله. وما أعنيه هو أنَّهُ إن لم يكن هناكَ إيمان، سيكونُ مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن نُساعِدَكَ على تَصديقِ أيِّ شيءٍ يَقولُهُ اللهُ، أو على الاتِّكالِ على وُعودِه. فَمِنَ الواضح جدًّا أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّكَ إن أَطعتَ الرَّبَّ فإنَّ حياتَكَ ستَتبارَك. وإن أَصغيتَ إلى كَلامِه فإنَّكَ ستكونُ سَعيدًا وتَشعُرُ بالرِّضا. وإن أَطعتَ كَلِمَتَهُ، ستَزدهِر رُوحيًّا وتَنجَح (كما جاءَ في سِفْر يشوع 1: 8). وقد قَطَعَ اللهُ وُعودًا كثيرةً جدًّا. فإن بَقيتَ في دائرةِ الطَّاعة ستَختبرُ مِلْءَ مَحبَّتِه، وستَتمتَّعُ بِحِمايَتِه، وستَتمتَّعُ بيقينِ خَلاصِك، وسَتَعيشُ في سَلام، وفَرَح، ومَحبَّة، وكُلِّ تلك الأشياء. وسوفَ يَملأُ اللهُ كُلَّ احتياجاتِكَ في الحياة، وسيُزيلُ كُلَّ مَصادرِ القَلق ويَحمِلُها عنك. وسيُعطيكَ كُلَّ تلكَ الوعودِ المَذكورِ في الكتابِ المقدَّس.

ولكنَّها ستكونُ عديمةَ القيمةِ إن لم تَكُن تُؤمِنُ به. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ الموقفَ الأوَّلَ هو مَوقفُ الإيمان. والآن، كيفَ تَزرَعُ في النَّاسِ مَوقفَ الثِّقةِ بالله؟ هناكَ طريقة واحدة فقط للقيامِ بذلك. فأنتَ لن تَثِقَ إلاَّ بشخصٍ تَعرِفُهُ. أليسَ كذلك؟ فيجب أن تَعرِفَهُ مَعرفةً جَيِّدَةً لكي تَثِقَ به. وهذا يُعيدُنا إلى ما ذَكَرناهُ في العِظاتِ القليلةِ الأولى: عندما تأتي إلى الكنيسة، وعندما تَسمعُ عِظَةً أو دَرسًا كِتابيًّا، أو دَرسًا، أو تَقرأَ كِتابًا، أو تَتأمَّلَ، أو تُعِدَّ دَرسَ مَدرسةِ أحد، أو أيَّ شيءٍ آخر، يجب عليكَ أن تُعَرِّضَ نَفسكَ دائمًا لشخصِ اللهِ المُعلَنِ في الكتاب المقدَّس. وحينَ تَعرفُ اللهَ فإنَّ تلكَ المَعرفة تأتي مَصحوبَةً بالثِّقة.

واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم مِثالاً إيضاحِيًّا على ذلك. لنَرجِع إلى أحدِ الأنبياءِ الصِّغارِ وهو: حَبَقُّوق. ومَغبوطٌ هو الشَّخصُ الَّذي يَجلِسُ بجانبِ شَخصٍ يَعرفُ أينَ هو سِفْر حَبَقُّوق. سِفْر حَبَقُّوق. فهناكَ سِفْر دانِيال، ثُمَّ هُوشَع، ويوئيل، وعاموس، وعوبديا، ويونان، وميخا، وناحوم، وحَبَقُّوق، ثُمَّ صَفَنِيَّا وحَجَّي وزَكريَّا ومَلاخي. فهو السِّفرُ الخامِسُ مِن آخرِ العهدِ القديم. حَبَقُّوق. والآن، لقد كانَ حَبَقُّوقُ أمامَ مُشكلة، بل مُشكلة عَويصة. فقد كانَ شَعبُ يَهوذا، أي شَعبُ اللهِ، أوِ المَملكةُ الجَنوبيَّةُ، يَهوذا، شَعبُ اللهِ، كانوا غيرَ أُمناءَ لله. وَالأمرُ لم يَقتصِر فقط على أنَّهم لم يكونوا غيرَ أُمناء، بل كانوا غارِقينَ في مُستنقَعِ الخَطيَّة. فقد كانوا مُرائينَ وأشرار. ولم يَكُنِ النَّبيُّ حَبَقُّوقُ يَفهمُ سَبَبَ عَدَمِ تَدَخُّل الله.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العددِ الثَّاني مِن نُبوءَتِه أو عِظَتِه أو الوَحيِ الَّذي رآهُ: "حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ أَدْعُو وَأَنْتَ لاَ تَسْمَعُ؟ أَصْرُخُ إِلَيْكَ مِنَ الظُّلْمِ وَأَنْتَ لاَ تُخَلِّصُ؟ لِمَ تُرِينِي إِثْمًا، وَتُبْصِرُ جُوْرًا؟ وَقُدَّامِي اغْتِصَابٌ وَظُلْمٌ. وَيَحْدُثُ خِصَامٌ وَتَرْفَعُ الْمُخَاصَمَةُ نَفْسَهَا. لِذلِكَ جَمَدَتِ الشَّرِيعَةُ". وَهُوَ يَعني بذلكَ شَريعةُ اللهِ. "وَلاَ يَخْرُجُ الْحُكْمُ بَتَّةً، لأَنَّ الشِّرِّيرَ يُحِيطُ بِالصِّدِّيق". وهذا يَعني: لغاياتٍ شِرِّيرة. "فَلِذلِكَ يَخْرُجُ الْحُكْمُ مُعْوَجًّا". والآن، هذه هي شَكواه الرَّئيسيَّة هُنا. فهو يَقول: "انظُر! هذه هي يَهوذا. هذه هي المَملكةُ الجَنوبيَّةُ" الَّتي كانت مُؤلَّفَةً بِكُلِّ تأكيد مِن سِبْطَيّ يَهوذا وبَنيامين.

"هؤلاءِ هُم شَعبُك. وَهُم يُسيئونَ التَّصرُّف. وَهُم أشرار. وَهُم أَثَمَة. وأنا مستمرٌّ في قَولِ هذا لَك، ومُستمرٌّ في تَقديم شَكوايَ إليك؛ ولكنَّكَ لا تَفعلُ أيَّ شيء". ويبدو أنَّ طِلْبَةَ حَبَقُّوق الأولى كانت أن يَنزِلَ اللهُ ويُحدِثَ نَهضةً رُوحيَّةً تَجعَلُهم جَميعًا يَتوبون. ولكن يبدو أنَّهُ صَلَّى أيضًا أن يَأتي اللهُ بالدَّينونة لأنَّهُ لا يَجوزُ أن يَنجوا الشَّعبُ مِن ذلك. وقد كانَ وَاقِعًا في وَرطةٍ حَقيقيَّة لأنَّ اللهَ لم يَفعل هذا أو ذاك. فهو لم يَنزِل بِخلاصٍ أو رَدٍّ عَظيم، ولم يأتِ بالدَّينونة. وَهُوَ لا يَفهُم كيفَ يَستطيعُ اللهُ أن يَنظُرَ إلى ذلكَ دُونَ أن يَفعلَ أيَّ شيء!

ثُمَّ يأتي الجَوابُ في العددِ الخامس: "اُنْظُرُوا بَيْنَ الأُمَم". انظُر يا حَبَقُّوق! "وَأَبْصِرُوا وَتَحَيَّرُوا حَيْرَةً. لأَنِّي عَامِلٌ عَمَلاً فِي أَيَّامِكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ بِهِ إِنْ أُخْبِرَ بِهِ". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ لَهُ: لا يُمكنُني أن أُخبرَكَ عن ذلك لأنَّكَ لن تُصَدِّقهُ. لِذا، يجب أن تَنتظرَ إلى أن تَراه. ولكنِّي أفعلُ شَيئًا مَا. أنا أفعلُ شَيئًا مَا". وما الَّذي يَفعلُه؟ نَقرأُ في العدد 6: "فَهأَنَذَا مُقِيمٌ الْكَلْدَانِيِّينَ الأُمَّةَ الْمُرَّةَ الْقَاحِمَةَ". فقد كانوا مُعروفينَ بانحِطاطِهم وفَسادِهم وشَرِّهم. "فَهأَنَذَا مُقِيمٌ الْكَلْدَانِيِّينَ الأُمَّةَ الْمُرَّةَ الْقَاحِمَةَ السَّالِكَةَ فِي رِحَابِ الأَرْضِ لِتَمْلِكَ مَسَاكِنَ لَيْسَتْ لَهَا". فقد كانوا نَاهِبينَ، وقَتَلَةً، وأشرارًا، ولُصوصًا. وكانوا يَذبَحونَ النَّاس.

وفي العدد 7: "هِيَ هَائِلَةٌ وَمَخُوفَةٌ. مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا وَجَلاَلُهَا". فقد كانوا مُحاربينَ شَرِسينَ وبارِعين. "وَخَيْلُهَا أَسْرَعُ مِنَ النُّمُورِ، وَأَحَدُّ مِنْ ذِئَابِ الْمَسَاءِ. وَفُرْسَانُهَا يَنْتَشِرُونَ، وَفُرْسَانُهَا يَأتُونَ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَطِيرُونَ كَالنَّسْرِ الْمُسْرِعِ إِلَى الأَكْلِ". وهذهِ ألفاظٌ تَصويريَّة جدًّا تَصِفُ العَمَلَ العَنيفَ والمُدَمِّرَ الَّذي يَقومُ بهِ أولئكَ الكَلدانيُّون. "يَأتُونَ كُلُّهُمْ لِلظُّلْمِ. مَنْظَرُ وُجُوهِهِمْ إِلَى قُدَّامٍ، وَيَجْمَعُونَ سَبْيًا كَالرَّمْلِ. وَهِيَ تَسْخَرُ مِنَ الْمُلُوكِ، وَالرُّؤَسَاءُ ضُحْكَةٌ لَهَا. وَتَضْحَكُ عَلَى كُلِّ حِصْنٍ، وَتُكَوِّمُ التُّرَابَ وَتَأخُذُهُ".

وهل تَعلمونَ مَعنى ذلك؟ عندما كانوا يُواجِهونَ حِصنًا أو قَلعَةَ حَجريَّةً حَصينةً، كانوا يَستَولونَ على القَلعةِ بتَكويمِ التُّرابِ كَجِسْرٍ للوُصولِ إليها، ويَمشونَ فَوقَهُ. فهذا هو ما كانوا يَفعلونَهُ. وَهُوَ يَقولُ في نِهايةِ العدد 11 – أو نَقرأُ في العدد 11: "ثُمَّ تَتَعَدَّى رُوحُهَا فَتَعْبُرُ وَتَأْثَمُ. هذِهِ قُوَّتُهَا إِلهُهَا". فقد كانوا يَعبُدونَ قُوَّتَهُم العَسكريَّةَ فقط. فَهُم شَعبٌ شِرِّيرٌ وفاسِدٌ وأثيم. ولكنَّ النَّبيَّ لم يَكُن يَرغَبُ بسماعِ هذا الجَواب. لا أعتقدُ ذلك. فلا أَظُنُّ أنَّ هذا هو الجَوابَ الَّذي أرادَ أن يَسمَعَهُ، بل أعتقدُ أنَّهُ كانَ يُريدُ نَهضةً. وإن لم يَكُن بالإمكانِ إحداثُ نَهضةٍ، كانَ يُريدُ مِنَ اللهِ أن يَتدخَّلَ تَدَخُّلاً خَارقًا للطَّبيعة ويَدينَهُم بطريقةٍ تَجعلُهم يَتوبون. ولكنَّهُ لَم يَشَأ أن يَأتي الكَلدانيُّون.

والآن، ها هُوَ يَطرَحُ سُؤالاً آخر. فالسُّؤالُ الأوَّل هو: "يا رَبّ، لِمَ لا تَفعل شَيئًا؟" والسُّؤالُ الثَّاني هو: "يا رَبّ، هل هذا هو ما ستَفعلُه؟" فهو لم يَكُن يَفهمُ لماذا لا يُريدُ اللهُ أن يَفعلَ شَيئًا. وعندما قالَ الرَّبُّ: "سوفَ أتصرَّف"، لم يَفهم لماذا يُريدُ اللهُ أن يَستخدِمَ الكَلدانيِّين. لماذا؟ لأنَّ الكَلدانِيِّينَ كانوا أَسوأَ بكثير مِن شَعبِ يَهوذا. فكيفَ سيَستخدِمُ اللهُ شَعبًا أسوأ، لا شَعبَ العَهدِ، كي يأتي ويَذبحَ شَعبَ العَهد؟ فهذا لم يَكُن مَنطقيًّا مِن مُنطَلَقِ فَهمِهِ لعلاقةِ شَعبِ العَهدِ بالله لأنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بأنَّها عَلاقة مُخَلِّصَة ومُحَرِّرَة. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لم يَكُن مِنَ المَنطِقِ أن يَستخدِمَ اللهُ شَعبًا أسوأَ لتنفيذِ الدَّينونة. لِذا فقد كانَ في وَرطةٍ عَويصَة.

ولتبسيطِ الأمر، لم يَفهم لماذا كانَ اللهُ يَفعلُ مَا يَفعل. هل تَعَجَّبتُم يَومًا مِن ذلك؟ فهذا الأمرُ لم يَكُن مَنطقيًّا. لماذا تَفعلُ ذلك؟ لِمَ لا تَفعلُ هذا الأمر؟ ولماذا تَفعلُ هذا الأمر؟ وأعتقدُ أنَّهُ يُمكنكم أن تَطرحوا السُّؤالَ نَفسَهُ في بِيئَتِنا. فيُمكنكَ أن تَقول: "إنَّ الكنيسةَ في أمريكا، أو أمريكا نَفسَها، غَارِقَة في الإثمِ والشَّرّ. وهذا الشَّرُّ يَزيدُ ويَزيدُ ويَزيد. وها أنتَ تَرفَعُ مِن شَأنِ أُمَّةٍ هي سَبَبُ المُشكلةِ وليستِ السَّبيلَ إلى الحَلّ. لماذا؟" هذه هي مُشكلةُ التَّاريخِ لديه. فهو لا يَفهمُ كيفَ سَتَعملُ كُلُّ الأشياءِ، ولا سِيَّما فيما يَختصُّ بشعبِ العهدِ، كيفَ ستَعملُ على حَلِّ مُعضِلَتِه.

سوفَ يَحُلُّ مُعضِلَتَهُ مِن خلالِ لاهوتِه. ففي العدد 12، نَراهُ يُدهَشُ ويَقولُ لنفسِهِ في شَكلِ صَلاةِ يَرفَعُها إلى اللهِ ويُعَبِّرُ مِن خلالِها عن أفكارِه: "أَلَسْتَ أَنْتَ مُنْذُ الأَزَل؟" فأوَّلُ شيءٍ يَفعلُهُ... وهوَ عَالِقٌ في رِمالٍ مُتَحَرِّكةٍ الآن. فهو عَالِقٌ في رِمالٍ مُتحَرِّكةٍ بسببِ مُعضلتِه. فهو عَاجِزٌ عن حَلِّ مُشكلتِه. فَهُوَ لا يَفهَمُها. وَهُوَ يَبتدئُ بالغَرَق. وَهُوَ يَبحثُ عن صَخرةٍ فيجدُ تلكَ الصَّخرةَ في ما يَعرِفُ أنَّهُ صَحيحٌ عنِ الله. وأوَّلُ شَيءٍ يَقولُهُ هو: "أَلَسْتَ أَنْتَ مُنْذُ الأَزَلِ؟" بَلى. "يا رَبُّ، أنتَ أَزَلِيٌّ. فأنتَ مَوجودٌ قبلَ ظُهورِ هذه المُعضلة. وسوفَ تَبقى مَوجودًا بعدَ زَوالِ هذه المُعضلة. أنتَ أكبرُ مِن هذه المُعضلة. إنَّها مُشكلةٌ بَسيطة. وهي فَترة بسيطة في التَّاريخ. أمَّا أنتَ فإنَّكَ اللهُ الأزليُّ الموجودُ مِنَ الأزلِ السَّحيقِ إلى أبدِ الآبدين. فأنتَ مَوجودٌ مِنَ الأزل إلى الأبد. وأنتَ أعظمُ جدًّا مِن هذه اللَّحظة في التَّاريخ".

وكما تَرَوْنَ، إنَّ ما يَفعلُهُ هو أنَّهُ يُؤكِّدُ ما يَعرِفُ أنَّهُ صَحيحٌ بخصوصِ الله. وهذا يَصيرُ الصَّخرةَ الَّتي يُمكِنُهُ أن يَتَعَلَّق بها. "أنتَ أعظمُ مِن هذه المُعضلة. ومِنَ الواضحِ أنَّكَ تَفهمُ كيفَ يَنسَجِمُ هذا الأمرُ معَ الخُطَّةِ الأبديَّة". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "يَا رَبُّ إِلهِي". وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا لَفظةً تَدُلُّ على أنَّ اللهَ هو صَاحِبُ السِّيادَة؛ أي: أنتَ لستَ فقط أزَليٌّ وأبديٌّ، بل إنَّ هذا يَنسَجِمُ معَ الخُطَّةِ الكاملةِ الأزليَّة. فما يَحدُثُ الآنَ هو لَحظة عَابِرَة وَحَسْب في وَسْطِ الأبديَّة. وأنتَ أعظمُ مِن هذا. وأنتَ أيضًا كُلِّيُّ القُدرة، وصَاحِبُ السِّيادة، ولا يُوجدُ شَيءٌ يَخرُجُ عن سَيطرتِك. ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "قُدُّوسِي". وما الَّذي يَعنيه بذلك؟ "أنتَ لا تُخطِئ. فكُلُّ ما تَفعلُهُ يُلائِمُ كَمالَك". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "لاَ نَمُوتُ". وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ أي أنَّكَ يا رَبُّ أمينٌ. فأنتَ لن تُهلِكَ يَهوذا لأنَّكَ قَطَعتَ عَهدًا مَعَهم. فقد قَطَعَ اللهُ عَهدًا معَ إبراهيم لا بُدَّ مِنَ الوَفاءِ بِهِ معَ شَعبِ الله. "لقد وَعَدتَهُم بالمَلكوتِ، وبحياةٍ مُستقبليَّة، وبالخلاص". لِذا، ما الَّذي يَفعلُهُ حَبَقُّوق؟ إنَّهُ يُعيدُ تأكيدَ أنَّ اللهَ أبديٌّ، وأنَّ اللهَ مُهيمِنٌ، وأنَّ اللهَ كَامِلٌ، وأنَّ اللهَ يَحفَظُ جَميعَ وُعودِه.

واستِنادًا إلى صَخرةِ مَعرفتِهِ بالله فإنَّهُ يَجِدُ صَخرةً آمِنَةً. وَهُوَ يَقول: "لقد فَهِمتُ. لِلْحُكْمِ جَعَلْتَهَا، وَيَا صَخْرُ..." فَكَما تَرَوْنَ، لقد كانَ يَقِفُ الآنَ على صَخرة. "...لِلتَّأدِيبِ أَسَّسْتَهَا". أنا أَفهمُ ذلك. "عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ". لِذا، سوفَ تَستخدِمُهم للدَّينونة. أنا أفهمُ ذلك. وخُلاصَةُ الأمرِ كُلِّه نَجِدُها في نِهايةِ العددِ الرَّابعِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني. في نهايةِ العددِ الرَّابعِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني. وكم كنتُ أَتمنَّى أن يكونَ لدينا الوقتُ الكافي للتَّأمُّلِ في هذا النَّصِّ. استَمِعوا إلى ما يَقول: "وَالْبَارُّ [أو: الصِّدِّيق] يَحيا بماذا؟ "بِإِيمَانِهِ". "الْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا". وهذه جُملة مُهمَّة جدًّا وينبغي أن تَضَعوا خَطًّا تَحتَها. ضَعوا نَجمةً بِمُحاذاتِها، أو عَلامَةً أو إشارةً لأنَّها تَصيرُ جُملةً مُهمَّةً جدًّا في العهدِ الجديد. أليسَ كذلك؟

فالآياتُ رُومية 1: 17 وغَلاطيَّة 3: 11 وعِبرانيِّين 10: 38 تُكَرِّرُ ذلكَ في العهدِ الجديد. "الْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا"... "الْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا". وهذا هو المَكانُ الَّذي وَقَفَ عليه. فقد وَقَفَ على صَخرةِ إيمانِهِ بالله. فقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ أبديٌّ، وأنَّهُ أعظمُ مِن أيِّ حَدَثٍ في التَّاريخ. وقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ هو صَاحِبُ السِّيادة، وأنَّهُ المُهَيمِنُ على كُلِّ شيء. وقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ وأنَّهُ لا يُمكِنُ أن يُخطِئ. وقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهُ أمينٌ وأنَّهُ لا يُخلِفُ وَعدًا قَطَعَهُ. فقد كانَ اللهُ يَفعلُ ما يَنبغي فِعلُه. والآن، كما تَعلمونَ، لقد تَحَسَّنَت مَشاعِرُ حَبَقُّوق كثيرًا الآنَ، مَعَ أنَّ أحوالَهُ لم تَتَغيَّر. وأنا أُحِبُّ الطَّريقةَ الَّتي يَنتهي بها الأمر. افتَحوا على نِهايةِ السِّفْر؛ وتَحديدًا على العدد 17 مِنَ الأصحاح الثَّالث... على العدد 17 مِنَ الأصحاح الثَّالث. وهذه كلماتٌ كانت تَعني الكثيرَ جدًّا للنَّاسِ الَّذينَ كانوا يَعيشونَ آنذاك. وهي قد لا تَعني الكثيرَ لنا اليوم ما لم نَفْهَمِ الخَلفيَّة.

"فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ...". هل تَعلمونَ شَيئًا؟ إنَّ شَجرةَ التِّينِ مُزْهِرَة دائمًا. "وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُوم". وهُناكَ ثَمَرٌ دائمًا في الكُروم. "يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ". وسوفَ أُخبرُكم شيئًا عن شَجرةِ الزَّيتون: إنَّها تَعيشُ طَويلاً. فعندما تَذهبونَ إلى بُستانِ جَثْسَيماني الآن، سيُشيرُ الدَّليلُ السِّياحِيُّ إلى مَجموعةٍ مِنَ الأشجارِ الَّتي يُعتَقَد أنَّها مَوجودة منذُ زَمَنِ يسوع. وهي ما تَزالُ أشجارَ زَيتونٍ مُثمرة. "وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا". وقد كانتِ الحُقولُ تَصنَعُ طَعامًا. "يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ". بعبارة أخرى، سوفَ تَتوقَّفُ القُطعانُ عنِ الوِلادة فلا يَعودُ لها وُجود. "وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِد". بعبارة أخرى، إنَّ كُلَّ الأشياءِ المألوفة والمُعتادة واليوميَّة والَّتي كانَ النَّاسُ يَتَّكِلونَ عليها في مَعيشَتِهم وتَحدُثُ بطريقةٍ طبيعيَّة ستتوقَّفُ فَجأةً.

بعبارةٍ أخرى، إنِ انقَلَبَ كُلُّ شيءٍ رأسًا على عَقِب، وكُلُّ شَيءٍ تَتَّكِلونَ عليهِ لم يَعُد مَوجودًا، وصارَ العَالَمُ كُلُّهُ مُضطربًا، ومَقلوبًا، ومَعكوسًا، ويَسيرُ إلى الوراء، فإنَّ العدد 18 يَقول: "فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ". فهذا هو ما يَقولُهُ هُنا. "وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ ما يَلي: عندما لا أَفهمُ ما يَجري فإنِّي أفهَمُ إلهي. هل تَفهمونَ ذلك؟ ثُمَّ نَقرأُ في العدد 19 خُلاصَةَ الأمرِ كُلِّه: "اَلرَّبُّ السَّيِّدُ [هو ماذا؟] قُوَّتِي". أنا أعرفُ إلهي. فهو قُوَّتي. "وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِل". والأيائِلُ هي وُعولٌ تَعيشُ في الجِبال. هل رأيتُم وَعْلاً جَبَلِيًّا؟ فهو يَعيشُ في ألاسكا بالقُربِ مِن تلكَ الجبالِ وتلكِ الجُروفِ الصَّخريَّةِ الحادَّة. فيُمكنكم أن تَرَوْا تلكَ الحَيَواناتِ البيضاءِ الَّتي قد تَعتقدونَ أنَّها أغنام؛ ولكنَّها في الحقيقةِ وُعول. وهي تَقِفُ عندَ حَوافِ الجُروفِ الصَّخريَّةِ بأمانٍ واطمئنانٍ تَامَّيْن.

وَهُوَ يَقول: "الرَّبُّ قُوَّتي. وقد أكونُ واقفًا على حَافَةِ الجُرفِ بسببِ جَهلي. وقد أكونُ في وَرطةٍ عَويصة، وقد أكونُ في ظَرْفٍ لا يبدو أنَّهُ يوجدُ مَفَرٌّ منه؛ ولكنَّ الرَّبَّ يَجعلُ قَدَمَيَّ كأيائِلِ الجِبال، ويَجعلُني أمشي على المُرتفعاتِ بطُمأنينةٍ وأمانٍ وثِقة". فيُمكنكَ أن تَمشي على أيَّةِ حَافَةٍ تُصادِفُها في الحياةِ إن كانت لديكَ الثِّقة الكافية بإلهِك. أليسَ كذلك؟ وكيفَ تَحصُلُ على تلك الثِّقة؟ مِن خلالِ مَعرفتِكَ لإلهِك، ومَعرفةِ أنَّهُ أبديٌّ، وأنَّهُ مُهيمِنٌ، وأنَّهُ قُدُّوسٌ، وأنَّهُ لا يَقترفُ الأخطاءَ، وأنَّهُ يَحفَظُ دائمًا وُعودَهُ. هذا هو الإيمان. هذا هو الإيمان. وهذا هو المَوقفُ القَلبيُّ الدَّاخليُّ الَّذي ينبغي أن يَتحَلَّى بهِ شَعبُ الله. وهذا أمرٌ مُهمٌّ جدًّا للأنظمةِ الدَّاخليَّةِ للكنيسة. أعطِني رَعيَّةً تُؤمنُ بإلهِها.

وهذا واحدٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي تَحُولُ دُوْنَ ارتدادِ أُناسٍ كثيرينَ في كَنيستِنا. أو كما قالَ أحدُ الأشخاصِ قبلَ بِضْعِ سنوات: "الحقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ المُهَلْهَلَ هُوَ مِلْكٌ لشخصٍ غيرِ مُهَلهَل". فعندما تَعرِفُ إلهَكَ، يُمكنُكَ أن تَركَبَ الصِّعابَ وتَمشي على المُرتفعاتِ في أمانِ تَامٍّ.

ونحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى أهلِ غَلاطيَّة 2: 20: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". وكم أُحِبُّ هذه الآية! "فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي". يا لها مِن كلماتٍ غَنيَّةٍ جدًّا. فَمِن جِهة، أنا أحيا بالإيمانِ بالله. ومِن جِهةٍ أخرى، أنا أحيا بالإيمانِ بيسوعَ المسيح. وما الَّذي يَقولُهُ بولسُ هُنا؟ أنا أعيشُ مُتَّكِلاً على ابنِ الله.

والآن، ما الَّذي يَجعلُكَ تَتَّكِلُ على ابنِ الله؟ لماذا تَتَّكِلُ على يسوع؟ ولماذا تَثِقُ بهِ ثِقةً تَامَّةً في كُلِّ شيء؟ إنَّ جَوابَهُ هو: "لأنَّهُ أَحَبَّني مَحبَّةً جَعَلَتْهُ [يَفعل ماذا؟] يَموتُ مِن أجلي". وكما قالَ بولسُ في رسالتِهِ إلى أهلِ رُومية: "لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَب". فأنا أحيا بالإيمانِ بإلهي العَظيم، وأحيا بالإيمانِ بمُخَلِّصي العظيمِ الَّذي كَرَّسَ نَفسَهُ شَخصيًّا لأجلي إذْ إنَّهُ مَاتَ لأجلي. أنا أعرِفُ إلهي، وأعرفُ رَبِّي، وأعرفُ أنَّ رَبِّي وَعَدَني بأنَّهُ سيَحفظُني، وبأنَّهُ سيَحميني، وبأنَّهُ سيَحرُسني. فهو الرَّاعي. أليسَ كذلك؟ فهو الرَّاعي الَّذي يَحمي قَطيعَهُ.

وإلهي أَلزَقُ مِنَ الأخ. وإلهي لن يَتركني ولن يَتخلَّى عنِّي. وكذلكَ هي حَالُ ابنِهِ الَّذي يَسكُنُ في قلبي. والرَّبُّ يسوعُ المسيحُ يُريدُ كُلَّ ما هُوَ خَيْرٌ لي. "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي [مَن؟] الْمَسِيحِ يَسُوع". بعبارة أخرى، يسوعُ المسيحُ هو الوسيلة. فهو يَسكُنُ في قلبي دائمًا، ويُعطيني القوَّة، وَهُوَ حاضِرٌ دائمًا. والمسيحُ هو الوسيلةُ الَّتي يُتَمِّمُ فيها اللهُ ذلكَ الوعد. فالوسيلةُ الَّتي يَملأُ فيها اللهُ كُلَّ احتياجاتِنا هي مِن خلالِ حُضورِ المسيحِ الدَّائِم وسُكناه. أنا أُوْمِنُ باللهِ. ألستُم كذلكَ أنتُم أيضًا؟ وأنا أُوْمِنُ بعظمةِ إلهي وقُدرتِه، وبأمانَةِ إلهي، وبكَمالِ إلهي، وبقداسةِ إلهي.

وأنا لديَّ كُلُّ الثِّقة والإيمانِ بابنِهِ يسوعَ المسيح، وأُوْمِنُ بأنَّ ما ابتدأَهُ سيُكَمِّلُه. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ عندما قالَ يسوعُ إنَّ كُلَّ ما يُعطيهِ الآبُ فإليهِ يُقبِل، وإنَّ مَن يُقبِل فإنَّهُ يَقبَلُه، وإنَّ مَن يَقبَلُه فإنَّهُ يَحفَظُه، وإنَّ مَن يَحفَظُه فإنَّهُ يُقيمُه. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ يسوعَ سيأخذُني إلى المَجد. أليسَ كذلك؟ وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ سيَملأُ كُلَّ احتياجاتي. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ لن يَسمَحَ بحدوثِ أيِّ شيءٍ في حياتي لا يُمكنُني أن أَحتَمِلَهُ، بل إنَّهُ سيُعطيني معَ التَّجربةِ المَنفَذ. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ سيَسكُبُ نِعمَتَهُ عليَّ بسببِ طَاعَتي. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ سيَستخدِمُني. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ سيُساعِدُني على التَّغَلُّبِ على كُلِّ تَجربةٍ في حياتي والانتصارِ عليها إن كُنتُ مُطيعًا لَهُ. فأنا أُوْمِنُ بِهِ، وأتَّكِلُ عليه، وأُصَدِّقُهُ.

هذا هو أوَّلُ مَوقف. وَهُوَ يَبتدئُ بالخلاص لأنَّ الخلاصَ يَحدُثُ عندما تَثِقُ بالله. أليسَ كذلك؟ فأنتَ تَثِقُ بأنَّهُ سيَغفِرُ خَطاياكَ مِن خلالِ ذبيحةِ يسوعَ المسيح. هذه هي بدايةُ الإيمان. فهي ليست النِّهاية، بل هي البداية وَحَسْب. ثُمَّ إنَّ البارَّ بالإيمان يَحيا. وهذا هو أوَّلُ مَوقفٍ عَظيم. إذًا، ما الَّذي يُريدُ الواعِظُ أوِ القائدُ أن يُنشِئَهُ في قُلوبِكُم؟ الثِّقة الَّتي كانَ يَتَحَلَّى بها الرَّسول بولس الَّذي قالَ في رسالتِهِ الثانية إلى أهلِ كورِنثوس 5: 7: "لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَان". فنحنُ لا نُقَيِّمُ الحياةَ بما نَراه أو نَشعُر به أو نَشُمُّهُ أو نَلمَسَهُ، بل إنَّنا نُقَيِّمُ الحياةَ بِعَينيِّ الإيمان. والإيمانُ هو الثِّقةُ بِما يُرجَى، والإيقانُ بأمورٍ لا تُرى.

ولكنَّهُ ليسَ مُجرَّد أُمنيات، بل هو إيمانٌ قائمٌ على صَخرةِ شَخصِ رَبِّنا، أي على شَخصِ وعملِ مُخَلِّصِنا الرَّبِّ يسوعَ المسيح. وعندما يكونُ لديكَ مِثلُ ذلك الإيمان يُمكنكَ أن تُواجِهَ أيَّ شيءٍ في الحياة. وعندما تَعلمُ أنَّ اللهَ يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعمل لخيرِ الَّذينَ يُحبُّونَهُ، يُمكِنُكَ أن تَقبلَ أيَّ شيء. وعندما تَعلمُ أنَّهُ لا يُوجدُ شيءٌ يَقدرُ أن يَفصِلَكَ عن مَحبَّةِ المسيح، لا شيءَ البتَّة، لا حياة، ولا موت، ولا أشياء حاضرة ولا مُستقبَلة، ولا عُلوَ ولا عُمقَ ولا خَليقة أخرى، لا شيءَ البتَّة، عندما تَعلمُ ذلك وتؤمنُ بذلك، يُمكنكَ أن تَثِقَ بهِ في كُلِّ موقف. وهذا هو الموقفُ الأوَّلِيُّ أوِ المَبدئيّ. فالإيمانُ يَصيرُ هو التُّرْسُ (وَفقا لِما جاءَ في رسالة أفسُس 6: 16) الَّذي يُطفِئُ سِهامَ الشِّرِّير المُلتهبة بالإيمان.

فعندما يُحاولُ الشَّيطانُ أن يُغويكَ باقترافِ خَطيَّةٍ مَا فإنَّ الإيمانَ يُطفِئُهُ مِن خلالِ ثِقَتِك. وقد قلتُ لكم ذلكَ قبلَ بِضعة أشهُر. فالخطيَّةُ هي ما تَفعلُهُ عندما لا تَكونُ مُكتفيًا بالله. وإن لم تَكُن مُكتفيًا باللهِ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ إلى أنَّكَ لا تَعرفهُ. لِذا فإنَّ ما يَحميكَ مِنَ التَّجربة هو الإيمان. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يَعقوب والأصحاح الأوَّل إنَّكَ إن طَلَبتَ بإيمان فإنَّكَ ستَحصُل على طِلبتِك. ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 10: 22: "لِنَتَقَدَّمْ...فِي يَقِينِ الإِيمَان". ونَقرأ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الثَّاني عشر إنَّهُ ينبغي لنا أن نَسلُكَ بالإيمان. ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح الرَّابع إنَّهُ ينبغي لنا أن نَكونَ أقوياءَ في الإيمان كما كانَ إبراهيم. لِذا فإنَّ أوَّلَ مَوقفٍ هو أن نَتَّكِلَ على إلهِنا المُهيمِن، والكُلِّيّ القُدرة، والكُليِّ العِلم، والَّذي لا يَتغيَّر، والحَكيم، والمُحبّ، والمُنعِم، والعادِل، وعلى ابنِهِ الربِّ يسوعَ المسيحِ الَّذي وَعَدَ بأن يُخَلِّصَكم خَلاصًا أبديًّا. وهذا الموقفُ هو الموقفَ الَّذي تَبنُونَ عليهِ حَياتَكُم.

هذا هو الموقفُ الأوَّل. وما تَزالُ لدينا مَواقف كثيرة نَتحدَّث عنها في المرَّة القادمة. دَعونا نُصَلِّي: يا أبانا، نَشكُرُكَ على هذه الأُمسية الرَّائعة معًا. يا رَبّ، نحنُ نُريدُ أن نَعرِفَكَ، بل أن نَعرِفَكَ مَعرفةً جيِّدةً جدًّا لكي تَكونَ هُناكَ ثِقَة لا لُبْسَ فيها. نحنُ نَعلمُ أنَّ المَعرفة تأتي مِن خلالِ الكلمة. وهي تأتي أيضًا مِن خلالِ الخِبراتِ الحياتيَّة. والسَّببُ في أنَّ بولسَ قال إنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أن يَفصِلَنا عن مَحبَّةِ المسيح هو أنَّهُ اختبرَ كُلَّ صُعوبةٍ في حياتِهِ. لِذا فقد كانَ يَتحدَّثُ مِن خِبرتِهِ الشَّخصيَّة. فقد واجَهَ الشَّياطين، وواجَهَ المَوتَ، وواجَهَ كُلَّ شيءٍ في الحياة. وقد تَعَرَّضَ لهُجومِ السَّلاطينِ والقُوَّات. ولكنَّ أيًّا منها لم يَستطع أن يَفصِلَهُ عنك. لِذا يا رَبّ، فيما نأتي إلى مَعرفةِ الكلمة، ونَعيشُ حَياتَنا ونَتمتَّعُ بوفائِكَ بوَعدِكَ بأنَّكَ ستَحمينا في كُلِّ مَوقف، ليتَ إيمانَنا يَزيد، ويَنمو ويَصير أقوى فأقوى لكي نَكونَ الأبرارَ الَّذينَ نَحيا بالإيمان. وليتَ هذا الموقفَ يكونُ المَوقفَ السَّائدَ في قُلوبِنا إذْ نَتَّكِلُ اتِّكالاً مُطلَقًا على ذاكَ الَّذي يَستحقُّ ثِقَتَنا المُطلقة. نُصَلِّي هذا باسمِ ابنِك. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize