نَحنُ نَدرُسُ تَشريحَ الكنيسة. وسوفَ نَستمرُّ في تلك الدِّراسة في هذا الصَّباح. فقد أخذنا استراحةً قصيرةً مِن دراستِنا للرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس. وها نَحنُ نَصرِفُ وقتًا رائعًا في هذه الدِّراسةِ المُحَدَّدة. فبالرَّغمِ مِن وُجودِ أَزمةِ هُوِيَّة في الكنيسة، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جدًّا بشأنِ ما ينبغي للكنيسةِ أن تَكونَ عليه. فالكتابُ المقدَّسُ يَذكُرُ طَريقةً مُحَدَّدةً جدًّا لكيفيَّةِ سَيْرِ الحياةِ في الكنيسة. ولا توجد في الحقيقة أيَّةُ أسرارٍ تَختصُّ بكيفيَّةِ سُلوكِ الكنيسةِ وطبيعةِ خِدماتِها. والحقيقةُ هي أنَّ اللهَ وَضَعَ طَريقةً مُحَدَّدة جدًّا لكيفيَّةِ عملِ الأشياءِ في الكنيسة. فالتَّعليماتُ واضحة جدًّا جدًّا ومِنَ السِّهلِ أن نَراها. صَحيحٌ أنَّ الثَّقافاتِ تَتغيَّر، وأنَّ الأنماطَ تَتغيَّر مِن حينٍ إلى آخر ومِن مَكانٍ إلى آخر، ولكنَّ طَبيعةَ الكنيسةِ لا تَتغيَّر. وتَصميمُ اللهِ لكيفيَّةِ عَملِ الكنيسة مُعلنٌ بوضوح في الكتابِ المقدَّس.
والحقيقةُ المُؤسِفَةُ هي أنَّهُ عندما تَحيدُ الكنيسةُ عنِ الخُطَّةِ ستَحدُثُ فَوضَى. وهذا هو ما يَحدُثُ في الكنيسةِ في العَالَمِ اليوم. وبمُناسبةِ الحديثِ عن كيفيَّةِ القيامِ بالأشياءِ بالطَّريقةِ الصَّحيحة، في إصدارٍ حَديثٍ لِمَجَلَّةٍ لم أقرأها مِن قَبل تُسَمَّى "اللُّحومُ والدَّواجِن"، اقتبسَ المُحَرِّرونَ مِن مَجلَّةٍ أخرى لم أقرأها يَومًا تُسَمَّى "الرِّيش"؛ وهي مِن إصداراتِ مُؤسَّسةِ صِناعةِ الدَّواجِن في كَاليفورنيا. ولكنَّ القصَّةَ الَّتي قرأتُها هي قِصَّةٌ لا تُقاوَم. فيبدو أنَّ إدارةَ الطَّيرانِ الفدراليَّة الأمريكيَّة لديها طريقة خاصَّة في فَحصِ قُوَّةِ زُجاجِ الطَّائرات. والجِهازُ المُستخدَمُ هو مِدفَعٌ يُطلِقُ دَجاجَةً مَيْتَةً على زُجاجِ الطَّائرات بسُرعةِ طَيرانِ الطَّائرة تقريبًا. وتقولُ النَّظريَّةُ إنَّهُ إن لم يَنكسِر الزُّجاجُ مِنَ ارتطامِ الدَّجاجةِ المَيْتَةِ بهِ سيكونُ قادرًا على تَحَمُّلِ ارتِطامِ أيِّ طائرٍ حَقيقيٍّ بِهِ في أثناءِ الطَّيران.
ويبدو أنَّ البريطانِيِّينَ أبدوا اهتمامًا شديدًا بهذا المِدفَع وأرادوا أن يَختبروا زُجاجَ قِطارٍ سَريعٍ جديد يَعملونَ على تَطويرِه. وقد استَعاروا مِن إدارةِ الطَّيرانِ الفدراليَّة مِدفَعَ الدَّجاجِ ووَضعوا فيهِ دَجاجة مَيِّتة وأطلَقوه. وقد عَمِلَت الدَّجاجة المَيِّتة المُنطلقة مِنَ المِدفَع على تَحطيمِ الزُّجاجِ، وارتطمَت بمُنتصفِ مَقعَدِ المُهَندس، وحَطَّمَت لَوحةَ الأجهزةِ خَلفَهُ، وارتطمَت بالجِدارِ الخَلفيِّ لمَقصورةِ المُحرِّك. وقد ذُهِلَ البريطانيُّونَ وطَلبوا مِن إدارةِ الطَّيرانِ الفِدراليَّة أن تُعيدَ فَحصِ الاختبار للتَّحقُّقِ مِن أنَّ كُلَّ شيءٍ كانَ سَليمًا. وقد رَاجَعَت إدارةُ الطَّيرانِ الفِدراليَّة الاختبارَ بعناية وقَدَّموا اقتراحًا واحدًا فقط: لا تَستخدِموا دَجاجةً مُجَمَّدَة. والآن، أنا أحاولُ أن أستخدمَ هذه القصَّةَ كمَثَل لهذه العِظَة [إن كُنتُم تَفهمونَ قَصدي] لكي تَنظروا إلى الأمرِ مِن زاويةِ هذا المَشهَدِ الفُكاهِيّ.
فهناكَ طَريقة صَحيحة للقيامِ بالأشياء. وإن فَعلتَ الأشياءَ بالطَّريقةِ الخاطئة، ستكونُ النَّتيجةُ مُريعةً. فهناكَ طريقةٌ صَحيحة للقيامِ بالأشياءِ في الكنيسة. وقد وَضَعَتْ كلمةُ اللهِ الصِّيَغَ اللاَّزمةَ للقيامِ بذلك. فقد قالَ يسوع: "سوفَ أبني كنيستي". وقد وَضَعَ الخُطَطَ، وأعلنَها للأشخاصِ المَسؤولينَ عنِ البِناء. فالقادةُ في الكنيسة والأشخاصُ الَّذينَ يَخدِمونَ في الكنيسة لديهم الخُطَّة مِن خلالِ العهدِ الجديد. وكما قُلتُ فإنَّ الأنماطَ قد تَختلِف مِن وقتٍ إلى آخر ومِن ثقافةٍ إلى أخرى؛ ولكنَّ المبادئَ الأساسيَّةَ لحياةِ الكنيسة لا جِدالَ فيها. فهي ليست قابلةً للتَّغيير، بل هي ثابتة. ونحنُ نُراجِعُها في هذه السِّلْسِلةِ مِن خلالِ دراسةِ تَشبيهِ الكنيسةِ بجسدِ المسيح.
فهناكَ طَرائق عديدة لوصفِ الكنيسةِ رَمزيًّا في الكتاب المقدَّس إذْ إنَّها تُشَبَّهُ بالرَّعيَّة، وبالعائلةِ، وبالبيتِ، وبالهيكلِ، وهَلُمَّ جَرَّا؛ بل وحتَّى بالكَرمةِ والأغصان. ولكنَّ أفضلَ استعارةٍ للكنيسةِ هي فِكرةُ الجسد إذْ أنَّنا نُشْبِهُ الجسدَ المُتَّصِلَ بالرَّأس. والرَّأسُ هو المسيح. وحياتُهُ وتوَجيهاتُهُ وإرشاداتُهُ تَجري في كُلِّ الجسد. لِذا فقد استَعَرْنا هذه الاستعارةَ وتَوَسَّعنا فيها قليلاً في سِلسِلَتِنا هذه عن تَشريحِ الكنيسة. فهذه الاستعارةُ تُساعِدُنا على التَّفكيرِ في كُلِّ العناصرِ المُهمَّةِ للحياةِ في الكنيسة. وقد ابتدأنا بالقولِ إنَّهُ توجدُ أربعةُ أجزاءٍ ينبغي أن نَنظُرَ إليها.
وببساطَةٍ مُتناهية، لقد قَسَّمنا الجِسمَ إلى أربعةِ أجزاء: الهَيكلُ العَظميُّ، والأنظمةُ الدَّاخليَّةُ، والعَضلاتُ، واللَّحم. ويُمكنُنا أن نَنظُرَ إلى هذهِ الأجزاءِ، وأن نُكَوِّن فِكرةً جيِّدة عَمَّا ينبغي للكنيسةِ أن تكون. وقد ابتدأنا بالهيكلِ العَظميّ. وقد قُلنا إنَّ هناكَ أمورًا ثابتةً وراسخةً ولا جِدالَ فيها تُعطي الكنيسةَ شَكلَها. وهذه الأشياءُ هَيكليَّةً في حياةِ الكنيسة. وقد قُلنا إنَّها تَضُمُّ تَوقيرَ اللهِ، وإعلاءَ يَسوعَ المَسيح، والقَداسة، وإعلانَ الحقّ، والخُضوعَ للسُّلطةِ الرُّوحيَّة. هذا هو الإطار. ولكن كما هي حالُ الجسدِ الحَيِّ فإنَّ الهيكلَ في ذاتِهِ ليسَ حَيًّا.
فإن ذَهبتَ إلى عِيادةِ طَبيب أو إلى مُختبرٍ في إحدى المدارسِ الثانويَّة أوِ الكُليَّات، ستَرى هَيكلاً عَظميًّا مُعَلَّقًا على خُطَّافٍ أو مُثَبَّتًا على إطارٍ مَعدِنيٍّ. وأنتَ تَعلمُ أنَّهُ ليسَ حَيًّا. صَحيحٌ أنَّ لهُ شَكلٌ؛ ولكنَّهُ ليسَ حَيًّا. فيجبُ أن تَرتبطَ بذلكَ الهيكلِ العَظميِّ أجهزة داخليَّة تَجعلُ السَّوائلَ تَجري وتُحافظ على الحياة. لِذا، سوفَ نَنتقلُ مِنَ التَّحدُّثِ عنِ الهيكلِ إلى التَّحدُّثِ عنِ الأجهزةِ الدَّاخليَّة. ونحن نَتحدَّثُ عَمَّا ينبغي أن يَحدُثَ داخلَ حَياةِ المؤمنينَ لكي تكونَ الكنيسةُ ما يُريدُ اللهُ لها أن تكون؛ أي عنِ المواقفِ الرُّوحيَّةِ أوِ الدَّوافعِ الرُّوحيَّةِ أوِ المبادئِ الرُّوحيَّةِ. هذا هو ما نَتحدَّثُ عنه.
فالخِدمةُ الروحيَّةُ في الكنيسةِ تُطَبِّقُ الحقَّ الإلهيَّ ووسائطِ النِّعمةِ على النَّفس. والعملُ الَّذي يَجري هو عَمَلٌ يَختصُّ بالإنسانِ الباطِن. هذا هو ما نَفعلُهُ. فالنَّاموسيَّةُ تَكتَفي بالعملِ على الخارِج. وهي تَكتفي بتغييرِ النَّاسِ خارجيًّا. هذا هو ما تَفعلُهُ النَّاموسيَّة. فهي تَخدَعُ النَّاسَ، وتُخيفُ النَّاسَ، وتَعِدُهُم بطريقةٍ مَا بالمُكافآتِ، أو تَجعلُهم عَبيدًا للخوف. وهي تَجعلُهم يَتغيَّرونَ خارجيًّا مِن خِلالِ تَغييرِ سُلوكيَّاتٍ مُعيَّنة. ولكنَّ هذا لا يُحَقِّقُ عملَ الله. فهذه نَاموسيَّة. والنَّاموسيَّةُ مَرفوضَةٌ في كلمةِ اللهِ كما تَعلمون. فنحنُ لا نُريدُ أن نَتحكَّمَ بالنَّاس، بل نُريدُ أن نَرى القلبَ يَتغيَّر. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على التَّربية. فهذا تَشبيهٌ جَيِّد.
فليسَ مِنَ الصَّعبِ عليكَ أن تَضبُطَ أبناءَك. فأنتَ أكبرُ حَجمًا مِنهم، وأذكى مِنهُم، وأقوى مِنهم، ولديكَ قُدرة أكثر مِنهم على استخدامِ الكلمات، ولديكَ كُلُّ المال، وتَتحكَّمُ بالسيَّارة، ولديكَ المَفاتيحُ لكُلِّ شيء. لِذا، ليسَ مِنَ الصَّعبِ عليكَ أن تَضبُطَ أبناءَك. ولكنَّهُ أمرٌ مُختلفُ تَمامًا أن تَرى قُلوبَهُم تَتغيَّر. فهذه مَهمَّة مُختلفة تمامًا. وهذا هو ما ينبغي للكنيسةِ أن تُدرِكَهُ. فالسَّيطرة يُمكنُ أن تَتِمَّ بطرائق عديدة؛ ولكنَّ التَّغييرَ لا يَحدُثُ إلاَّ بطريقةٍ واحدةً فقط وهي مِن خلالِ العملِ على القلب، فإن عَملتَ على القلبِ يُمكِنُكَ أن تُغَيِّرَ الخارجَ أيضًا. فالمواقفُ الرُّوحيَّةُ هي الحياةُ الداخليَّةُ للكنيسة. وينبغي أن تَنبُعَ هذه المواقفُ مِنَ الدَّوافعِ والمَبادئ الَّتي تَبني هَؤلاءِ الأشخاصَ وتَجعلُهم رَعيَّةً.
فالأمورُ المُختصَّةُ بالقلبِ هي الأمورُ الَّتي ينبغي للكنيسةِ أن تَصرِفُ وقتًا عليها. وهذه هي الأنظمةُ الدَّاخليَّة. وهذه هي الأماكِنُ الَّتي تَسري فيها الحياة. وبمعزِلٍ عن ذلك، ستكونُ الكنيسةُ في الحقيقةِ مَيْتَةً. ولكي نَتأمَّلَ في ذلك، أريدُ منكم أن تَنظروا إلى رسالة أفسُس والأصحاح الثَّالث. وكما قلتُ لكم، سوفَ نَقرأُ الكثيرَ مِنَ الآياتِ ثُمَّ نَعودُ ونَربِطُ كُلَّ تلكَ الأشياءِ معًا ونُلَخِّصُ كُلَّ هذه الأمورِ المُهمَّةِ المُختصَّةِ بحياةِ الكنيسة. وهو شيءٌ ينبغي لنا حَقًّا أن نَفعلَهُ لأنَّ كنيستَنا تَنمو. ونحنُ لدينا أُناسٌ كثيرونَ جدًّا. ونحنُ نُريدُ مِنكم جَميعًا أن تَفهموا سببَ قيامِنا بما نَقومُ به، والأشياءَ الَّتي نُرَكِّزُ عليها حَقًّا. وواحدٌ مِن تلكَ المَقاطِعِ الكِتابيَّةِ المُهمَّةِ جدًّا مَوجودٌ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّالث.
فهو يَقودُنا إلى قَلبِ واحدٍ مِن أنبلِ الرُّعاةِ بِكُلِّ تأكيد في كُلِّ العُصور وهو: الرَّسول بولُس. وهو يُساعِدُنا على فَهْمِ الشَّيءِ الَّذي كانَ يَسعى إليهِ حَقًّا في خِدمتِه وهو: القلب. وهناكَ مَقاطِع كِتابيَّة عَديدة يُوَضِّح فيها ذلك؛ ولكن رُبَّما كانَ هذا المَقطعُ الأكثر وُضوحًا بينَها. ويُمكنُنا أن نَرى أنَّ رَغبتَهُ في العملِ القَلبيِّ تَظهَرُ مِن خلالِ كيفيَّة صَلاتِهِ لأجلِ رَعيَّتِه. انظروا إلى العدد 14: "بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْض". "بِسَببِ هذا" وَهُوَ سَبَبٌ سيُخبرُكم بهِ الآن. فهو يُصَلِّي. إنَّهُ يُصلِّي إلى الآبِ لأنَّ الآبَ هو خالِقُ كُلِّ عَشيرةٍ في السَّماءِ وعلى الأرض.
بعبارة أخرى، إنَّ اللهَ هو خالِقُ كُلِّ عشيرة وكُلِّ نَوعٍ مِن أنواعِ العائلةِ سواءَ كُنتُم تَتحدَّثونَ عنِ العائلةِ البشريَّةِ عامَّةً، أو كُنتُم تَتحدَّثونَ عَمَّا يُسَمَّى "الأُسْرَةُ النَّواة" أوِ العائلة الفَرديَّة تَحديدًا، أو كُنتُم تَتحدَّثونَ عنِ العائلة الرُّوحيَّة المُمَثَّلة في الكنيسة أو جسدِ المسيح؛ فإنَّ اللهَ هو أبوها كُلُّها. فاللهُ هو المَصدَرُ الَّذي يَستمِدُّ مِنهُ كُلُّ شَيءٍ حَياتَهُ؛ لا فقط في العالَمِ البشريِّ، بل في كُلِّ مكانٍ في الخليقةِ أيضًا. لِذا فإنَّهُ يَقول: "أنا أَعودُ إلى المَصدَر. أنا أَعودُ إلى الخالِق. وفيما يَختصُّ بالعائلةِ الرُّوحيَّة، صَلاتي هي كما يَلي... فهذا هو سَبَبُ صَلاتي. هذا هو السَّبب في العدد 16: "لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ..." [وإليكُم المِفتاح] "...فِي الإِنْسَانِ البَاطِن".
فالنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هي القلب. ونحنُ نَعلمُ ذلك. ولكنَّ هذا تَركيزٌ جيِّدٌ جدًّا. فالنُّقطةُ الجوهريَّةُ هي ليست ما يَفعلُهُ الإنسانُ خَارجيًّا، بل إنَّ النُّقطةَ الجوهريَّةَ هي حَالةُ القلب. "عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْب" (كما يَقولُ بولُسُ في رسالة أفسُس 6: 6؛ في نهايةِ تلك الآية. "عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْب". فبولُس يَقول: "ما أُبالي بهِ هو الإنسانُ الباطِن. فأنا أَهتمُّ بالدَّاخل لأنَّهُ مِنَ القلبِ يَخرُجُ كُلُّ شَيء". "لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ..." [كما قالَ يَسوع]، "...لكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ...". وحيثُ إنَّ النَّجاسةَ تأتي مِنَ الدَّاخل، يجب أن يَبتدئَ العملُ مِن هُنا.
لِنَعُد قليلاً إلى استِعارَةٍ مِن عَالَمِ الطِّبِّ وهي حاجةُ البشرِ إلى عَمليَّةِ قَلب. فَهُم مَرضَى بالقلب، أو لديهم أمراضٌ قَلبيَّة. ويَنبغي أن تُجرَى العمليَّةُ داخليًّا. فيجب على الطَّبيبِ أن يَشُقَّ الصَّدرَ ويَصِلَ إلى الدَّاخل لكي يُجري العمليَّة. وهذا هو ما يُصَلِّيهِ بولُس. فعندما حَنَى رُكبتيهِ لِخالِقِ ومَصدرِ كُلِّ عَشيرة على الأرض، بِمَن في ذلكَ العائلة الرُّوحيَّة، صَلَّى أن يَعملَ على الدَّاخل. والحقيقةُ هي أنَّهُ صَلَّى أن يُعطيهم اللهُ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ (وَنحنُ نَعلمُ أنَّهُ لا تُوجَدُ حُدودٌ لذلك الغِنَى)، وأن يُعطيهم اللهُ بحسبِ غِناه الرُّوحيِّ؛ أي أن يُعطيهم القُدرةَ مِن خلالِ الرُّوحِ وأن يَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ البَاطِن. بعبارة أخرى، لقد صَلَّى بولسُ مِن أجلِ أُناسٍ أقوياء في الباطِن؛ أي أن يكونَ هناكَ قَلبٌ رُوحيٌّ قويٌّ، وإنسانٌ باطنيٌّ قويٌّ. فهذا هو المكانُ الَّذي يَنبغي أن يَجري العملُ فيه.
ثُمَّ لاحِظوا في العدد 17 أنَّهُ يَقولُ المَزيد. فهو يُريدُ أن يَتقوَّى ذلكَ الإنسان الباطِن بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ "لِيَحِلَّ [أو "لكي يَحِلَّ"]". "لِيَحِلَّ" – وحَرْفُ "اللاَّمِ" في هذه الكلمة هو تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "هينا" (hina) الدَّالَّة على القصد. "لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ" – "كاتوئيكيئو" (katoikeo): لِيَحِلَّ "فِي قُلُوبِكُمْ". والآن، اسمَحوا لي أن أتوقَّفَ هنا قليلاً. فالمسيحُ، إن كنتَ مُؤمِنًا، مَوجودٌ في قلبِك؛ ولكنَّهُ قد لا يكونُ مُستريحًا هُناك، بل هو مَشغولٌ دائمًا في إصلاحِ الأشياء. هل تَذكرونَ ذلك الكِتاب الصَّغير الرَّائع بعُنوان "قلبي هو بيتُ المسيح" (My Heart, Christ's Home)؟ فقد قرأتُهُ عندما كنتُ شَابًّا. وقد تَركَ تأثيرًا عظيمًا فِيَّ. فهو يُصَوِّرُ بَيتًا يُشبهُ القلب. والمسيحُ يَدخُلُ إليه. وهو يَدخُلُ إلى غُرفةِ المَعيشةِ الَّتي هي نِطاقُ الشَّركة، ويَدخُلُ إلى غُرفةِ الطَّعامِ الَّتي هي نِطاقُ الشَّهَواتِ، ويَدخُلُ إلى المَكتبةِ الَّتي هي نِطاقُ الفِكر.
وهُناكَ عَملٌ ينبغي أن يَقومُ بهِ في كُلِّ تلك الأماكن. وكُلُّ تلكَ الأماكنِ تَحتاجُ إلى تَطهيرِه. ثُمَّ فجأةً، بعدَ أن يَقومَ بكُلِّ عملِ التَّطهيرِ فإنَّهُ يَشُمُّ رائحةً قويَّةً مُنَفِّرةً تَنبَعِثُ مِن مَكانٍ مَا. ثُمَّ إنَّ المسيحَ يَجِدُ خِزانةً فيَفتحُها ليجدَ كُلَّ الآثامِ المُخَبَّأة. والمسيحُ لا يَرتاحُ ولا يَشعُرَ أنَّهُ في بَيتِهِ إلاَّ بعدَ تَطهيرِ الكُلّ. وهذا هو ما يُصَلِّيهِ بولُس. فهو يُصَلِّي أن يَعملَ رُوحُ اللهِ على تَقويةِ إنسانِكَ الباطِن حَتَّى تَتِمَّ مُعالجةُ الخطيَّة لكي يكونَ التَّجاوبُ معَ تَطهيرِ المسيحِ تَجاوُبًا كاملاً، ولكي يَستقرَّ المسيحُ ويَستريحَ لأنَّ الخطيَّة قد عُولِجَت. فهذه هي صلاةُ بولُس.
فهو يُصَلِّي أن يأتي الرُّوحُ ويُقوِّي الإنسانَ الباطِنَ، وأن يُجري عَمليَّةَ التَّطهيرِ تلكَ لكي يَكونَ المسيحُ مُرتاحًا في حياتِكم. والشَّيءُ المُناقِضُ لهذا هو ما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح السَّادس إذْ يَقول: "أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟" ولا يُمكنُني أن أتخيَّلَ أيَّ شيءٍ مُخجِلاً للشَّخصِ المُقترنِ بأحدِ المؤمنينَ مِن أن يكونَ مُقترِنًا بزانية. فهذا إحراجٌ كبيرٌ وعارٌ شديدٌ للمسيح. والنَّقيضُ لذلكَ هو أن تَجعلَ المسيحَ يَحِلُّ ويَرتاحُ في حياتِكَ بسببِ وُجودِ قَداسة، وبسببِ أنَّ الخطيَّةَ قد تَمَّت مُعالجتُها. وعندما يَحِلُّ المسيحُ في القلبِ، يَحدُثُ شيءٌ آخر. فأنتُم تَصيرونَ "مُتأصِّلونَ ومُتأسِّسونَ في مَحبَّتِه حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَة".
فالرُّوحُ القُدُسُ يَسكُنُ فيكُم، ويَمُدُّكم بالقوَّةِ في الإنسانِ الباطنِ، ويُعالِجُ الخطيَّة، فيَشعُرُ المسيحُ بأنَّهُ مُرتاحٌ ويَعكِسُ مَحبَّتَهُ في كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ حياتِكُم فيَنعكِسُ ذلكَ على الأشخاصِ المُحيطينَ بكم. وبذلكَ فإنَّكُم تَصيرونَ حَرفيًّا إعلانًا مُتحرِّكًا، وشَهادةً مُتنقِّلَةً، وشُهودًا أحياءَ على مَحبَّةِ المسيحِ الَّتي تُغَيِّر.
ولكنَّ هذا ليسَ كُلُّ شيء. فنحنُ نَجِدُ في نِهايةِ العددِ التَّاسعِ تَسلسُلاً آخرَ وعِبارةً أُخرى دَالَّةً على القَصد: "لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ الله". وهذا تَسلسُلٌ رائعٌ. فالرُّوحُ يأتي أولاً ويُعطيكم القدرةَ على التَّحكُّمِ في ذلكَ الإنسانِ الباطِن، وعلى جَعْلِ ذلكَ الإنسانِ الباطِن مُتآلِفًا معَ الحقِّ الإلهيِّ. والمَسيحُ يُطَهِّرُ حَياتَكَ، ويَستقرُّ، ويَشعُرُ أنَّهُ في بَيتِه. ثُمَّ إنَّكَ تَمتلئُ إلى كُلِّ مِلْءِ الله. فاللاَّهوتُ كُلُّهُ يَحِلُّ في داخِلِك.
ونتيجةَ ذلك، نَقرأُ في العدد 20: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا". ونَتيجة لذلك: "لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إِلَى جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين". فالقصدُ النِّهائيُ للحياةِ الَّتي تُمَجِّدُ اللهَ قد تَحقَّق. وقد كانت هذه هي صَلاةُ بولُس. وما أعنيه هو أنَّ صَلاتَهُ تُلَخِّصُ تَمامًا كُلَّ عملِ التَّقديسِ في هذه الصَّلاةِ المُنفردة. أي أن يأتي الرُّوحُ ويَعملَ عَمَلَهُ، وألاَّ نُطفِئَهُ أو نُحزِنَهُ، وأن تَسْمَحَ للمسيحِ أن يُطَهِّرَ كُلَّ رُكْنٍ في حَياتِكَ لكي يَستريحَ ويَسكُنَ في سَلامٍ ورَاحَةٍ في حياتِك.
ثُمَّ إنَّ كُلَّ مِلْءِ اللهِ يأتي فتَبتدئُ في إظهارِ كُلِّ صِفاتِ اللهِ لأنَّ المسيحَ قد حَلَّ فيكَ تمامًا. ثُمَّ إنَّكَ تَصيرُ نافعًا أكثرَ مِمَّا تَظُنُّ أو تَفتكِر. وفي النِّهاية، سيَؤولُ كُلُّ المَجدِ في الكنيسةِ إلى رَبِّ الكنيسةِ أو رأسِ الكنيسةِ؛ أي إلى يسوعَ المسيح. وكُلُّ ذلكَ هو عَمَلٌ دَاخليٌّ. كُلُّ ذلكَ هو عَمليَّةٌ دَاخليَّة. وهذه رِحلةٌ طويلةٌ يا أحبَّائي. وهي رِحلةٌ شاقَّةٌ. ولكنَّها الطَّريقةُ الوحيدةُ الصَّحيحة: أن تَعملَ على بِناءِ قَناعاتِ النَّاسِ ودَوافِعِهم ومَواقفِهم الَّتي تَجعلُهم يَعملونَ عملَ اللهِ مِنَ القلب. واسمَحوا لي أن أتوسَّعَ في هذه الفكرة قليلاً. ارجِعوا إلى رسالة رُومية والأصحاح الثَّاني. وهذه مُجرَّد مُقدَّمة لهذه الحاجة إلى المواقفِ القَلبيَّة.
ولكن في رسالة رُومية 2: 5، نَقرأُ عن تُهْمَةٍ في هذا الأصحاحِ مُوجَّهَةٍ لبني إسرائيل. وفي العددِ الخامسِ مِن رسالةِ رُومية والأصحاحِ الثَّاني، نَجِدُ أنَّ تلك التُّهمة المُوجَّهة إلى إسرائيل تَختصُّ بحالتهم القَلبيَّة: "وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ". وما أعنيه هنا هو أنَّ النَّصَّ يَتحدَّثُ هنا عنِ اليهودِ الَّذينَ كانوا يَملِكونَ شَريعةَ اللهِ والعُهودَ والوُعودَ، وقد جاءَ المَسيَّا إليهم. فقد كانوا يَملكونَ كُلَّ هذهِ الامتيازات. فقد كانوا يَملكونَ كُلَّ هذه الدِّيانة الخارجيَّة، وكانوا يُمارسونَ كُلَّ تلكَ الطُّقوس، ويُقدِّمونَ كُلَّ تلكَ الذَّبائحِ والتَّقدِماتِ، ويَفعلونَ كُلَّ تلكَ الأشياءِ الخارجيَّة، ويَقومونَ بكُلِّ شيءٍ؛ ولكنَّهم كانوا عَنيدينَ وغيرَ تَائبينَ في قُلوبِهم. وبسببِ ذلك، عِوَضًا عن أن يَحْظَوْا باستحسانِ اللهِ، نَقرأُ في العددِ الخامسِ أنَّهُم ذَخَروا لأنفسهِم غَضَبًا. فقد ذَخَروا مَزيدًا مِنَ الوَقودِ للنَّارِ الَّتي سيَحتَرِقونَ بها هُم أنفُسُهم.
والمُشكلةُ في العدد 29 تَتَّضِحُ أكثر في نهايةِ الأصحاح مِن خلالِ الكلماتِ التَّالية: "بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ". فالأمرُ دائمًا دَاخليٌّ. وقد كانَ اليهودُ يَتجاهلونَ ذلكَ تمامًا بكُلِّ تأكيد. وقد ابتكروا دِيانةً خارجيَّة. فقد كانت لديهم صُورة التَّقوى، ولكنَّها خالية مِن أيَّة قُوَّة. فقد كانَ تَدَيُّنُهم خارجيًّا وَحَسْب. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهم استَعاضُوا عن وَصايا اللهِ بالتَّقاليد. فقد كانت دِيانَتُهم خارجيَّة تَمامًا. لِذا فَإنَّهم لم يَذْخُرُوا لأنفسِهم سِوى الغَضب. أمَّا عملُ اللهِ فيُركِّزُ على القلب.
ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الرَّابعِ عنِ الشَّيءِ الأكثر فَعاليَّةً في القيامِ بذلكَ العمل (في العددِ الثَّاني عشر مِنَ الأصحاحِ الرَّابع): "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن". فإن أردتَ أن تُجري عَمليَّةً للقلب، لا يَجوزُ أن تَستخدِمَ سِكِّينًا غيرَ حَادَّةٍ، بل ينبغي أن تَستخدِمَ مِبْضَعًا حَادًّا جدًّا. وإن أردتَ أن تُجري عمليَّةً للقلبِ بالمَفهومِ الرُّوحيِّ، هناكَ سِكِّينٌ حادَّة واحدة فقط وهي كلمة الله لأنَّها "خَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوح". وهي قادرة على الوُصولَ إلى المَكانِ الَّذي تُريدُ الوصولَ إليه لأنَّها خَارقةٌ إلى "الْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِه".
وإن كانَ هناكَ سُؤالٌ عن سببِ قِيامِنا بما نَقومُ بهِ بخصوصِ كلمةِ اللهِ فإنَّ هذا هو الجَواب. فإن أردنا أن نَعملَ على القلب، يجب علينا أن نَستخدِمَ السِّكينَ الوحيدةَ القادرةَ على الوصولِ إلى العُمق. فيجب علينا أن نَستخدِمَ الأداةَ الفَعَّالةَ الوَحيدةَ وهي: كلمة الله. فكلمةُ اللهِ هي الوحيدةُ الَّتي تَستطيعُ الوصولَ إلى القلب. وهي تُحْدِثُ تَبكيتًا. وهي تُمَيِّزُ الأفكارَ والنِّيَّات، وتَكشِفُ حالَتَكَ على حَقيقتِها. فهي تَفتَحُ وتَكشِفُ عنِ الحالةِ الحقيقيَّة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ العاشرِ مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والعدد 22 أنَّهُ إن أردنا أن نَقتربَ إلى اللهِ، يجب علينا أن نَتقدَّمَ بقلبٍ صَادقٍ، أو قَلبٍ حَقيقيٍّ، أو قَلبٍ نَزيهٍ خَالٍ مِنَ الرِّياء. ثُمَّ نَقرأُ بعدَ ذلك: "مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ".
فإن فَعلتم ذلكَ فإنَّ كلمةَ اللهِ تَفتحُ الصَّدرَ، وتَدخُلُ إلى القلبِ، وتُزيلُ العِلَّةَ، وتُطَهِّرُ القلبَ. وحينئذٍ، يُمكنُكَ أن تَقتربَ إلى الله. والآن، هذه هي الصُّورة الرَّمزيَّة، ولكن ما هي الحالةُ الحقيقيَّةُ للقلبِ الطَّاهر؟ ارجِعوا إلى سِفْر التَّثنية والأصحاح 13. فبعدَ إجراءِ العَمليَّة، وإزالةِ العِلَّةِ مِنَ المَريض، ووَضْعِ الصَّمَّاماتِ، أوِ القيامِ بالإجراءِ المَطلوبِ، ستكونُ حالةُ قَلبِهِ جَديدة. وهي مَوصوفة في سِفْر التَّثنية والأصحاح 13 إذْ نَقرأُ في سِفْر التَّثنية 13: 3: "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ..." [ماذا؟] "...مِن كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ. وَرَاءَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ تَسِيرُونَ، وَإِيَّاهُ تَتَّقُونَ، وَوَصَايَاهُ تَحْفَظُونَ، وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وَبِهِ تَلْتَصِقُون".
فكُلُّ شيءٍ يَنبغي أن يُقالَ حَقًّا عن كُلِّ الحياةِ المسيحيَّةِ قد قِيلَ في هاتينِ الآيتين. فهي خُلاصة رائعة: "أحَبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِن كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ، واتبَعوه، وَاتَّقوه، وأطيعوه، وَاسمَعوا صَوْتَهُ، وَاعبُدوه، والتَصِقوا بِه". فهذه هي الخُلاصَة. وهذا كُلُّهُ يَحدُثُ عندما تُحبُّهُ مِن كُلِّ قَلبِك. فالقلبُ هو المَكانُ الصَّحيح. فلا بُدَّ أن يَنبُعَ ذلكَ مِنَ الدَّاخل. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الثنية 30: 6: "وَيَخْتِنُ الرَّبُّ إِلهُكَ قَلْبَكَ وَقَلْبَ نَسْلِكَ". فهو يُريدُ أن يَدخُلَ ويَفتحَ قَلبَكَ، ويُريدُ أن يَستأصِلَ المَرضَ مِن قلبِكَ، ويُريدُ أن يُطَهِّرَ قَلبَكَ ويُنِقِّيهِ ويَغسِلَهُ. لماذا؟ "لِكَيْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ لِتَحْيَا".
وهذه الحقيقة الجوهريَّة المُختصَّة بمحبَّةِ الرَّبِّ إلهكَ مِن كُلِّ قلبِكَ تَتكرَّرُ في إنجيل مَتَّى 22: 37، وفي إنجيل مَرقُس 12: 30 و 33، وفي إنجيل لوقا 10: 27: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ" (كما يَقولُ العهدُ الجديد). فالأمرُ بِرُمَّتِهِ يَبتدئُ بالقلب. لِذا فإنَّ الأجهزةَ الدَّاخليَّةَ هي الَّتي تُعطي الكنيسةَ حياتَها. والأمرُ يَبتدئُ مِنَ الدَّاخلِ ثُمَّ يَنبُعُ إلى الخارج. لِذا فإنَّنا لا نُركِّزُ على النَّاموسيَّة، ولا نُبالي بالتَّركيزِ على الانصياعِ خارجيًّا فقط. فنحنُ نُريدُ أن نَرى اللهَ يَعملُ في قُلوبِكُم. والآن، ما هي المواقفُ القَلبيَّةُ الجَوهريَّة؟ ما هي الدَّوافعُ والقناعاتُ القلبيَّةُ الجوهريَّة؟ لقد أخبرتُكُم في مساءِ يومِ الأحدِ الماضي عنِ الموقفِ القلبِّي الأوَّل: الإيمان... الإيمان. ويجب عليكم أن تَستَمِعوا إلى تلكَ العِظة لأنَّها أساسيَّة جدًّا لِفَهمِ هذا الموضوعِ بِرُمَّتِه.
ففي سِفْر حَبَقُّوق 2: 4 (وهي كلماتٌ تَتكرَّرُ في رسالة رُومية 1: 17، وغلاطيَّة 3: 11، وعِبرانيِّين 10: 38)، يُكَرِّرُ الرَّبُّ ذلكَ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ إذْ نَقرأُ: "البارُّ بالإيمان يَحيا". فأهمُّ شيءٍ هو الإيمانُ بالله. "لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ". وبولُس يَقولُ في رسالةِ غَلاطِيَّة والأصحاحِ الثَّاني: "فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي". فنحنُ نَحيا بالإيمان. وهذا هو الموقفُ القلبيُّ الجَوهريُّ. "لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَان". ونحنُ نَتَّكِلُ على الله، ونُؤمِنُ بالله، ونُصَدِّقُهُ، ونؤمنُ بأنَّهُ اللهُ المُعلَنُ في الكتابِ المقدَّس. ونحنُ نُؤمِنُ بأنَّهُ اللهُ الَّذي يَحفَظُ كُلَّ وُعودِهِ وعُهودِهِ. ونحنُ نُؤمِنُ بأنَّهُ اللهُ الَّذي يَعرِفُ ملا نَعرِفُهُ نحنُ، وبأنَّهُ لا يَكذِب، بل يَقولُ لنا الحَقَّ.
أمَّا الخطيَّةُ فهي ما نَفعلُهُ حينَ نُصَدِّقُ الجسدَ أوِ العالمَ أوِ الشَّيطان، لا حينَ نُصَدِّقُ اللهَ. لِذا فإنَّ الإيمانَ هو التُّرسُ الَّذي يَحمينا مِن أيَّة تَجربة. فاللهُ يَقول: "افعلِ الصَّوابَ فتَتبارَك. افعلِ الصَّوابَ فتَنجَح. افعلِ الصَّوابَ فتَنعُمُ بالسَّلام". وعندما تُؤمِنُ باللهِ ستُقاومُ التَّجربة. فالإيمانُ هو الموقفُ الجَوهريُّ المُهمُّ. والآن، إلى جانبِ ذلك فإنَّ الموقفَ الجَوهريَّ الَّذي سنَتحدَّثُ عنهُ في هذا الصَّباح هو الطَّاعة. فالرَّفيقُ المُلازِمُ للإيمانِ هو الطَّاعة. والحقيقةُ هي أنَّ التَّرنيمةَ تَقول: "ثِقْ وأَطِع. ثِقْ وأَطِع". وهي تُلَخِّصُ حَقًّا الموقِفَيْنِ الرَّئيسيَّيْن. والطَّاعةُ تَعني [ببساطة] أن تَخضعَ لما يَقولُهُ الرَّبُّ، وأن تَفعلَ ما يُوصيكَ به. وما يُوصيكَ بِهِ مُعلَنٌ في الكتابِ المقدَّس.
وما هي أهميَّةُ ذلك؟ ارجِعُوا إلى المَأموريَّةِ العُظمَى؛ وتَحديدًا إلى الآيةِ الأخيرةِ مِن إنجيل مَتَّى. إنجيل مَتَّى 28: 20. فيسوعُ يُوصي تَلاميذَهُ بأن يَذهبوا ويُتَلمذوا أُناسًا مِن جَميعِ الأُمم، وأن يُعَمِّدوهُم باسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُس. وهذا هو الدَّوْرُ المُختصُّ بالخَلاص. اذهبوا إلى هُناكَ واكرِزوا بالإنجيل. وبعدَ أن يُؤمِنوا ويَصيروا تَلاميذًا، خُذوهُم وعَمِّدوهُم لكي يَعتَرِفوا عَلنًا بإيمانِهم. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20 أنَّهُ بعدَ أن يَخلُصوا، إليكُم ما يَنبغي أن تَفعلوه: "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". وهذا هو ما نَفعلُهُ. فنحنُ نُعَلِّمُ النَّاسَ أن يُطيعوا كلمةَ اللهِ، وأن يُطيعوا وَصايا اللهِ، وأن يَخضعوا لَهُ.
وهذا هو أساسُ الحياةِ المسيحيَّةِ، والقداسةِ: الإيمانُ والطَّاعة. فإن قُلتَ إنَّكَ تُؤمِنُ ولكنَّكَ لا تُطيعُ، سنَشُكُّ في إيمانِك. وفي إنجيل يوحنَّا 8: 31، قالَ يَسوع: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي". وقد قالَ يَسوع: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي". وفي رسالة يوحنَّا الأولى، يُكَرِّرُ يُوحنَّا نفسَ هذا التَّأكيدَ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني: "وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ".
بعبارة أخرى، إذا كنتَ تَقولُ إنَّكَ تُحبُّ اللهَ، وإنَّكَ تُؤمِنُ بالله، وإنَّكَ تَنتمي إليه، ينبغي أن يَظهرَ ذلكَ مِن خِلالِ طَاعتِك. ونحنُ نَتحدَّثُ عنِ الطَّاعةِ القَلبيَّةِ هُنا، أي مِنَ القلبِ، وعنِ الطَّاعةِ الَّتي لا جِدالَ فيها، وعنِ الطَّاعةِ مِن دونِ مُقاومة، وعنِ الطَّاعةِ مِن دونِ مُساومة. فهي جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ التَّكريسِ الأصليِّ الَّذي تَعَهَّدنا به. افتَحوا على رسالة بُطرس الأولى إذْ أُريدُ أن أُريكُم نَصًّا مُهمًّا جدًّا مِنَ الأصحاحِ الأوَّل مِن رسالة بُطرس الأولى. فالآية 1بُطرس 1: 22 تَصِفُ الخَلاصَ بأنَّهُ عَمَلُ طَاعة. فهي تَقول: "طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ". وهو يَصِفُ نفسَ الحقيقةِ في العدد 23 فيقولُ إنَّنا "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً...بِكَلِمَةِ اللهِ". فعندما وُلدتُم ثانيةً مِن خلالِ كلمةِ اللهِ، يُمكِنُنا أن نَصِفَ ذلكَ أيضًا بأنَّهُ طاعة للحَقِّ؛ وهي تُطَهِّرُ نُفوسَكُم.
وما هو ذلكَ الحَقّ؟ الإنجيل؟ وما هو الإنجيل؟ تُوبوا وآمِنوا بالرَّبِّ يسوعَ المسيح. أليسَ كذلك؟ وهذه وَصيَّة. لِذا، إمَّا أن تُطيعوها، وإمَّا ألاَّ تُطيعوها. فاللهُ يقولُ: "هذا هوَ ابني، لهُ اسمَعوا". وقد قالَ يسوعُ: "تُوبوا! تُوبوا! تُوبوا!" وهذا هو ما قالَهُ الرُّسُلُ أيضًا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما حَدَثَ في يومِ الخمسين إذْ إنَّ بُطرسَ قال: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ... لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا"، وهَلُمَّ جَرَّا. فقد كَرَزوا دائمًا بالإنجيل: "آمِنوا! آمِنوا!" إنَّها وَصيَّة. فهي تَرِدُ دائمًا بصيغة وَصيَّة. وهي تَدعونا إلى التَّوبة. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "لقد أَطعتُم الحقَّ، وتَطَهَّرتُم، وخَلُصتُم. فقد وُلدتُم ثانيةً لأنَّكُم أَطعتُم الحقَّ – الحَقَّ المُعلَنَ في كلمةِ الله. فقد كُرِزَ بكلمةِ اللهِ فَسَمعتُموها، وآمنتُم بها، وأطعتُموها".
فقد قالت: "آمِنوا"، فآمنتُم. وقد قالت: "تُوبوا"، فتُبتُم. وقد قالَت: "أَلْقُوا أنفُسَكُم على المَسيح"، فألقيتُم أنفُسَكُم على المسيح. لِذا فإنَّ النُّقطةَ هي التَّالية: في لَحظةِ الخلاص، كَرَّستُم أنفُسَكُم للطَّاعة. ولكنَّكم فَعلتُم ما هو أكثر مِن ذلك. صَحيحٌ أنَّكُم كَرَّستُم أنفُسَكُم، ولكنَّ تلكَ الطَّاعة كانتِ البداية فقط، وليست حادثةً مُنفصلَة. بعبارة أخرى، عندما كَرَّستُم أنفسَكُم لإطاعةِ الإنجيل، أَكَّدتُم أيضًا أنَّ المسيحَ هو رَبٌّ. أليسَ كذلك؟ فقد جِئتُم واعترفتُم بأنَّهُ مُخَلِّصٌ لكم، وبأنَّهُ لا توجد طريقة أخرى للخَلاصِ مِن خَطاياكُم، وقد كُنتُم في طَريقِكُم إلى جَهَنَّم، وكانَ ثِقْلُ خَطاياكُم مُريعًا. لِذا فقد قُلتَ: "لا أستطيعُ أن أُنقذَ نَفسي، ولا أستطيعُ أن أُخَلِّصَ نَفسي مِن خَطاياي؛ ولكنَّكَ أنتَ الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُخَلِّصَني. فأنتَ الوحيدُ المُخَلِّص. أرجوكَ أن تَغفِرَ لي خَطاياي. أنا أُلقي نَفسي على رَحمَتِك، وأُلقي نَفسي على نِعمَتِك. أرجوكَ أن تَغفرَ لي خَطايايَ بِناءً على حقيقةِ أنَّكَ مُتَّ بَدَلاً عَنِّي". وقد اعترفتَ بيسوعَ مُخَلِّصًا. ولكن في الوقتِ نَفسِهِ، لقد اعترفتَ بأنَّهُ رَبٌّ وسَيِّدٌ، وقُلتَ: "سَأتبَعُكَ. سَأتبَعُك". وأنا مُتيقِّنٌ بأنَّهُ لا يوجد مُؤمِنٌ واحدٌ كانَ في اللَّحظةِ الَّتي نالَ فيها الخلاصَ يَفهمُ كُلَّ أبعادِ ذلكَ التَّكريس. فأنتَ لم تَكُن تَفهمُ مَعنى ذلكَ في تلك اللَّحظة، ولكنَّ التَّكريسَ كانَ مَوجودًا. لماذا؟ لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هو الَّذي جَعَلَكَ تَفعلُ ذلك. فالرُّوحُ القُدُسُ جَعَلَكَ تُدركُ أنَّكَ الآنَ خِادِمٌ لله، وأنَّكَ الآنَ خِادِمٌ ليسوعَ المسيحِ سَيِّدِكَ، وجَعَلَكَ تَعتَرِفُ بهِ رَبًّا على حَياتِك. وقد صِرْتَ مُطيعًا.
وهذا جُزءٌ مِن عَهْدِ الخَلاص. فالجُزءُ المُختصُّ باللهِ يَقول: سوفَ أُخَلِّصُكَ، وأغفِرُ خَطاياكَ، وأُعطيكَ حَياةً أبديَّةً مِن خلالِ عملِ يسوعَ المسيح. والجُزءُ المُختصُّ بكَ يَقول: "تُبْ، واخضَع لي، واتبعني". هذا هو الخلاص. فعندما خَلَصْتَ، هذا هو ما فَعلتُهُ. هذا هو ما فَعلتُهُ. فقد كَرَّستَ نَفسَكَ للطَّاعة بالرَّغمِ مِن أنَّكَ لم تَكُن تَفهمُ تمامًا كُلَّ الأشياءِ المُترتِّبة عن ذلك. ولكن ارجِعوا إلى رسالة بُطرس الأولى مَرَّةً أخرى، ولننتقِل مِنَ الآيتين 22 و 23 إلى الآيتين الأولى والثَّانية. وهذا مَقطعٌ مُهمٌّ جدًّا جدًّا مِنَ الكتابِ المقدَّس. فإذ يَبتدئُ بُطرسُ الكِتابة، فإنَّهُ يَبتدئُ في نهايةِ العددِ الأوَّل بالتَّحدُّثِ عن موضوعِ الخَلاصِ هذا. فهو يَبتدئُ بالاختيار، ويَتحدَّثُ إلى المُؤمِنينَ المُتَغَرِّبينَ أوِ المُشَتَّتينَ المُختارين.
لِذا فإنَّهُ يَبتدئُ بالتَّحدُّثِ عنِ الخلاصِ هُنا. وهو يَبتدئُ بالاختيار. ففي الأزلِ السَّحيق، اختارَ اللهُ مَن سيَخلُص. وقد فَعَلَ ذلكَ (بحسبِ العددِ الثَّاني) بمُقتضى عِلمِهِ السَّابق. والعِلْمُ السَّابِقُ لا يَعني أنَّ كُلَّ شخصٍ يَتصرَّفُ باستقلال، وأنَّ اللهَ نَظَرَ إلى المُستقبَل ورأى ما سَيفعَلُهُ هؤلاء فقال: "إذًا، هذا هو ما سَيفعلُهُ هؤلاء. إن كانوا سيَفعلونَ كَذا، سأفعلُ أنا كَذا". إنَّ العِلْمَ السَّابقَ هو عَلاقة مُحَدَّدَة مُسَبَّقًا. فالكلمة "سَابِق" تَعني أنَّهُ قبلَ وِلادَتِنا، وقبلَ أن نَتَمَكَّنَ مِنَ الاختيار، وقبلَ أن نَتمكَّنَ مِن فِعْلِ أو عَدَمِ فِعْلِ أيِّ شَيء، اختارَ اللهُ أن يَعْرِفَنا بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي يَقولُ فيها لإسرائيل: "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ". فهذا لا يَعني أنَّهُم الأُمَّةُ الوحيدةُ الَّتي عَرَفَها على الأرضِ، بل يَعني أنَّهم الأشخاصُ الوحيدونَ الَّذينَ تَربِطُهم بهم علاقةٌ شَخصيَّة.
وهي نَفسُ المَعرفةِ الَّتي عَرَفَ بها قايينُ امرأتَهُ. وهي نَفسُ العلاقةِ الَّتي لم يَعرِف بها يُوسُفُ ومَريمُ أحَدُهما الآخرَ قبلَ حَبَلِها. وهي نَفسُ المَعرفةِ الَّتي يَتحدَّثُ عنها الأصحاحُ العاشرُ مِن إنجيل يوحنَّا إذْ نَقرأُ: "خِرافي تَسمعُ صَوتي وتَعرفُني". فهي المَعرفةُ الحَميمة. واللهُ في خُطَّتِهِ، اختارَ بِناءً على علاقَةٍ عَيَّنَها سَابقًا أن يُقيمَ عَلاقةً حَميمةً مع أشخاصٍ مُعيَّنينَ قبلَ تأسيسِ العالَم. وهذا هو الجُزءُ الماضي مِنَ الخلاص. أمَّا الجُزءُ الحاضِرُ مِنَ الخلاصِ فمُلَخَّصٌ في العِبارة: "فِي تَقْدِيسِ الرُّوح". فذلك الشَّيء الَّذي كانَ مَوجودًا في فِكْرِ اللهِ في الماضي السَّحيقِ انتقلَ عَبْرَ الزَّمن مِن خلالِ عَمَلِ الرُّوح. بأيِّ مَعنى؟ بأن تَقَدَّسنا بعملِ الرُّوح.
بعبارة أخرى، لقد وُلِدنا مِنَ الرُّوح. ووَفقًا لما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّالث، لقد وُلِدنا مِنَ الرُّوح. وهذا يُشيرُ إلى خَلاصِنا. فهذه هي المُبادرةُ لعملِ التَّقديس. والتَّقديسُ يَعني الفَرْز. فقد فَرَزَنا الرُّوحُ عَنِ الخطيَّةِ، وفَرَزَنا عنِ الموتِ، وفَرَزَنا عن جَهنَّم، وفَرَزنا عنِ الشَّيطان بِمَعنى أنَّنا خَلُصنا. إذًا، في الماضي السَّحيق، تَمَّ اختيارُنا بمُقتضَى عِلْمِ اللهِ السَّابق لكي يُقيمَ عَلاقةً بِنا. وقد خَلُصنا بأن تَحَرَّكَ رُوحُ اللهِ وفَرَزَنا للهِ. وهذا هو عَملُ التَّقديسِ الَّذي يَقومُ بهِ الرُّوح. فهو ابتدأَ بخلاصِنا. ثُمَّ لاحِظوا ما يَلي في العِبارةِ التَّالية: "للطَّاعة". فقد تَمَّ اختيارُنا وتَخليصُنا لكي نَفعلَ ماذا؟ ما هي الكلمة التَّالية؟ لإطاعةِ يسوعَ المسيح.
فقد نِلتُمُ الخَلاصَ لأعمالٍ صَالحةٍ (كما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 10). وقد نِلتُم الخَلاصَ للطَّاعة. هذا هو القَصْد. لِذا في الماضي، تَمَّ اختيارُنا على أساسِ عِلْمِ اللهِ السَّابقِ. وفي الحاضِرِ نِلْنا الخَلاصَ مِن خلالِ عَمليَّةِ الفَرْزِ الَّتي قامَ بها رُوحُ اللهِ. وفي المُستقبلِ، هُناكَ حَياةُ ماذا؟ طَاعة. وما أعنيه هو أنَّ هذا هو القَصدُ مِن فِدائِنا: أن نَحيا حَياةَ طَاعة. ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ هذهِ العِبارة الصَّغيرة المُدهشة جدًّا: "وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وهذا غَريب. فيا لَهُ مِن شَيءٍ غَريبٍ أن يُقال! "وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وما مَعنى أن نُرَشَّ بِدَمِهِ؟ أليسَت هذه مسألة تَختصُّ أكثر بالخَلاص؟ إنَّها تُشيرُ إلى ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 24: "وَإِلَى دَمِ رَشٍّ". وما مَعنى ذلك؟ هناكَ إجابة عن ذلك، وهي مَذكورة في سِفْر الخُروجِ والأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرين. وهذا هو ما يُشيرُ إليهِ بُطرس.
افتَحوا على سِفْر الخُروج والأصحاح 24. وَهُوَ نَصٌّ مُهمٌّ جدًّا ومُدهشٌ جدًّا. ففي سِفْر الخُروج والأصحاح 24، سوفَ نَعرِفُ مَعنى رَشِّ الدَّمِ هذا. ففي سِفْر الخُروج والأصحاح 24، كانَ مُوسَى قد صَعِدَ إلى الجَبلِ مِن أجلِ استلامِ شَريعةِ الله. فقد أَعطى اللهُ الإنسانَ شَريعَتَهُ. وهي تَحوي الوصايا العَشر وبَقيَّةَ الشَّريعةِ الَّتي أعطاها اللهُ. وفي تلكَ الشَّريعة، أعلنَ اللهُ مَشيئتَهُ بكلماتٍ مُحَدَّدة جدًّا. ومِنَ الواضِحِ أنَّهُ قَبلَ شريعةِ مُوسى، كانَ اللهُ قد أَعلنَ طُرُقَهُ ومَشيئتَهُ بطرائق مُختلفة وعديدة؛ ولكنَّها الآنَ ستُكتَب بكلماتٍ مُحدَّدة جدًّا في شَريعةِ مُوسَى. لِذا فقد صَعِدَ مُوسَى الجبل إذا كُنتُم تَذكرون، أي إلى جَبَلِ سِيناء، فأُعطِيَ شريعةَ الله. ثُمَّ إنَّ مُوسَى نَزَلَ. ولنُتابِع ما حَدَثَ ابتداءً مِنَ الأصحاح 24 والعَددِ الثَّالث:
"فَجَاءَ مُوسَى..." – والحَديثُ هُنا هو عن كُلِّ هذه الشَّريعة؛ وهي شَريعةٌ ضَخمة، عن كُلِّ هذه الشَّريعةِ الَّتي جاءَت مِن خلالِ مُوسَى مِن شَريعةٍ طَقسيَّةٍ، وشَريعةٍ أخلاقيَّةٍ، وكُلِّ الشَّرائعِ المُختصَّةِ بالحياةِ الاجتماعيَّةِ، وكُلِّ شيء. "فَجاءَ مُوسَى وَحَدَّثَ الشَّعْبَ بِجَمِيعِ أَقْوَالِ الرَّبِّ وَجَمِيعِ الأَحْكَامِ، فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: «كُلُّ الأَقْوَالِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الرَّبُّ نَفْعَلُ»". والآن، هذهِ لَحظة مُهمَّة جدًّا. فقد نَزَلَ مُوسَى. وأعتقدُ أنَّهُ تَمَكَّنَ مِن خلالِ عَملِ الرُّوحِ القُدُسِ مِن تَذَكُّرِ كُلِّ شيءٍ، ومِنْ حِفْظِ كُلِّ شيءٍ؛ أي كُلِّ شَريعةِ اللهِ وأن يُحَدِّثَ الشَّعبَ بها. وقد قالوا جَميعًا بصوتٍ واحدٍ: سوفَ نَفعلُ كُلَّ ذلك". وقد تَعَهَّدوا جَميعًا بذلك، وقَطَعوا عَهدًا بذلك، ووَعدوا بذلك. وهو وَعْدٌ بالطَّاعة. إنَّهُ وَعْدٌ بالطَّاعة.
فهناكَ عَهْدٌ أُبرِمَ هُنا. وَدَوْرُ اللهِ هو التَّالي: سوفَ أُعطيكُم شَريعَتي الأخلاقيَّة، وأُعطيكُم في تلكَ الشَّريعةِ الأخلاقيَّةِ مَعاييري. وسوفَ أُخبرُكم في تلكَ الشَّريعةِ الأخلاقيَّةِ ما ينبغي أن تَفعلوهُ حينَ تَتَعَدَّوْنَ على تلك المَعاير. ولا شَكَّ أنَّ تلكَ الشَّريعةَ تَنطوي على آثارٍ أخلاقيَّة، وآثارٍ رُوحيَّة. ولكن في شَريعةِ مُوسَى، هُناكَ نِظامٌ للذَّبائح. وقد أخبرَهُم اللهُ كيفَ يُكَفِّرونَ عن خَطاياهُم أيضًا. لِذا فقد أَعلنَ اللهُ نِعمَتَهُ ورَحمَتَهُ مِن خلالِ تلك الشَّريعة. لِذا فإنَّ اللهَ يَقول: "إنَّ دُوري في العَهدِ هو أنَّني سأُريكُم مَشيئَتي، وسأُريكُم ما أريدُ مِنكُم أن تَفعلوه، وأُعطيكُم طَريقَ البِرِّ، وأعطيكُم وَسيلةً للحُصولِ على النِّعمةِ والرَّحمَة". وقد أعطاهُم كُلَّ ذلك. وقد قالَ النَّاس: "وَدَوْرُنا هو أنَّنا سنُطيع".
وتَجِدونَ هُنا شَيئًا شَبيهًا بالخلاص. فعندَ الخلاص، يَقولُ اللهُ للخاطئ: "ها هي شَريعَتي. وها هي وَسيلَتي للحُصولِ على النِّعمة. سوفَ أُبارِكُكَ. وسوفَ أعتَني بِكَ". والمُؤمِنُ يَقول: "سوفَ [ماذا؟] أَتبعُكَ وأُطيعُكَ". لِذا فإنَّهُ مَشهَدٌ مُشابِهٌ جدًّا. والآن تَابِعوا ما جاءَ في العددِ الرَّابع. "فَكَتَبَ مُوسَى..." بعدَ أن قَالَ كُلَّ ذلكَ. ولا شَكَّ البَتَّة في أنَّهُ فَعلَ ذلكَ بوحيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. "فَكَتَبَ مُوسَى جَمِيعَ أَقْوَالِ الرَّبِّ. وَبَكَّرَ فِي الصَّبَاح...". وهذا يَعني أنَّهُ صَرَفَ اللَّيلَ كُلَّهُ في الكِتابة. "...وَبَنَى مَذْبَحًا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَاثْنَيْ عَشَرَ عَمُودًا لأَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ". فهو يَستعِدُّ الآنَ لإعطاءِ الشَّعبِ صُورةً رَمزيَّةً للعهدِ المُبْرَمِ بينَ اللهِ والشَّعب.
فقد أَعلَنَ اللهُ دَورَهُ. وقد أَعلنَ الشَّعبُ دَورَهُ. وقد تَكَلَّمَ اللهُ. وقد تَكَلَّمَ الشَّعبُ. والآن، سوفَ يُقَدِّمُ رَمْزًا لذلك. لِذا فإنَّهُ يَبني هذا المَذبَحَ مِن حِجارةٍ، بِكُلِّ تأكيد، ويَضَعُ اثني عَشَرَ عَمودًا تَرمِزُ إلى الأسباطِ الاثني عشر إشارةً إلى اشتراكِ الجَميع. "وَأَرْسَلَ فِتْيَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ، وَذَبَحُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ مِنَ الثِّيرَان". والذَّبائحُ تَرمِزُ إلى تَعَهُّدِ الشَّعبِ بإطاعةِ شَريعةِ الله. ثُمَّ إنَّهُ فَعَلَ شَيئًا مُدهشًا جدًّا في العددِ السَّادس. فقد أَخَذَ مُوسَى نِصْفَ الدَّمِ. وصَدِّقوني أنَّهُ بعدَ أن أَصعَدوا تلكَ المُحرَقاتِ، وبعدَ أن ذَبَحوا ذَبائحَ السَّلامَةِ مِنَ الثِّيرانِ أنَّهُ كانَ هُناكَ دَمٌ في كُلِّ مَكان. فقد سَالَتْ دِماءٌ كَثيرةٌ عندما ذَبَحوا تلكَ الحَيَواناتِ، وشَقُّوها في أَغلبِ الحالاتِ، وجَمَعوا دِماءَها.
"فَأَخَذَ مُوسَى نِصْفَ الدَّمِ وَوَضَعَهُ فِي الطُّسُوس". فقد جَمَعَهُ ووَضَعَهُ في تلكَ الأوعية الكبيرة. "وَنِصْفَ الدَّمِ رَشَّهُ عَلَى الْمَذْبَح". وكانَ المَذبَحُ يَرمِزُ إلى الله. لِذا، كانت سَتَتِمُّ المُصادَقَةُ على العَهدِ مِن خلالِ تلكَ الطَّريقةِ التَّصويريَّة. وقد رَشَّ نِصفَ الدَّمِ على المَذبَح. "وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ" الَّذي كَتَبَهُ طَوالَ اللَّيلِ "وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ". فقد قَرأَهُ مَرَّةً أخرى. وهذا يَعني أنَّهُم سَمِعوا ذلكَ مَرَّةً، وأنَّهُم سَمِعوهُ الآنَ مَرَّةً أخرى. وقد تَجاوَبَ النَّاسُ بالطَّريقةِ نَفسِها: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ [ونَفعلُ ماذا؟] وَنَسْمَعُ لَهُ". هذا هو العَهدُ الَّذي أُبْرِمَ بينَ الشَّعبِ والله. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّامِنِ: "وَأَخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَرَشَّ عَلَى الشَّعْب".
كانَ الدَّمُ الَّذي رُشَّ على المَذبحِ يَرمِزُ إلى دَورِ اللهِ في العَهد. وكانَ الدَّمُ البَاقي الَّذي رُشَّ على الشَّعبِ يَرمِزُ إلى دَورِهم. "هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هذِهِ الأَقْوَال". لقد قالَ اللهُ دَورَهُ، وقُلتُم أنتُم دَورَكُم. والدَّمُ هو التَّعبيرُ المَاديُّ على أنَّكُما تَعَهَّدتُما بذلك. والآن في ضَوءِ ذلك، ارجِعوا إلى رسالة بُطرس الأولى. ففي رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الأوَّل، تَقرأونَ مَا يَلي: "لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فَبُطرسُ يَقتبِسُ مِن ذلكَ الطَّقسِ التَّصويريِّ المَذكورِ في سِفْر الخُروج والأصحاحِ الرَّابعِ والعِشرين. وبُطرسُ يَقولُ: عندما أَتَيتمُ إلى المسيح، وعندما اتَّكلتُم على يَسوعَ المسيحِ فإنَّكُم قَبِلتُم دَورَهُ في العَهد. "سَوفَ أكتُبُ نَواميسي على قُلوبِكُم"؛ أي: العَهد الجديد. "سوفَ أكتُبُ وَصايايَ في قُلوبِكُم. سوفَ أَغفِرُ كُلَّ تَعَدِّياتِكُم وآثامِكُم. سوفَ أُسبِغُ عليكُم رَحمتي وأُسبِغُ عليكُم نِعمَتي".
وفي ذلكَ الجُزء، وفي تلك النُّقطة عندما تَقبَلُ كُلَّ ذلكَ مِنه، أنتَ تَستجيبُ قائلاً: "أجل يا رَبّ، سوفَ أتبَعُكَ". وهذا هو عَهْدُ الخَلاص. "أنا أَعترفُ بِكَ رَبًّا". والكلمة "رَبّ" تَعني السَّيِّد. وهذا هو ما اعترفتَ بِه. وفي تلكَ النُّقطة، مِن وُجهةِ نَظَرِ اللهِ، فإنَّ الدَّمَ الَّذي رُشَّ على المَسيحِ بصِفَتِهِ الذَّبيحةِ تَمَّ رَشُّهُ بعدَ ذلكَ عَليكَ بسببِ دَورِكَ في العَهد. وهي صُورة رائعة. لِذا عندما نِلْتَ الخلاصَ يا صَديقي فإنَّكَ أَبرمتَ عَهدًا بَسيطًا بالطَّاعة. وقِصَّةُ إسرائيلَ المُحزِنَة هي أنَّهُم فَعلوا ماذا؟ انتَهَكوا العَهدَ. وهذا هو مَا فَعلناهُ نَحنُ أيضًا. هذا هو مَا فَعلناهُ نَحنُ أيضًا. وإن كانَ هُناكَ شَيءٌ يَنبغي أن يُرافِقَ الإيمانَ فهو الطَّاعة لأنَّ الإيمانَ والطَّاعةَ كانا مُتلازِمَيْنِ عندما نِلنا الخَلاص. أليسَ كذلك؟ الإيمانُ بأنَّ المُخَلِّصَ هو الوَحيدُ الَّذي يَقدِرُ أن يُخَلِّصَنا. والتَّعَهُّدُ بإطاعةِ الرَّبِّ بِصِفَتِهِ مَلِكًا على حَياتِنا.
والطَّاعةُ النَّابعةُ مِنَ القلبِ هي ما نَرغبُ فيهِ في الكنيسة. أَروني كَنيسةً مَملوءةً بأشخاصٍ يُكَرِّسونَ قُلوبَهُم للطَّاعَةِ فأُريكُم كَنيسةً تَنبُضُ بالقوَّةِ والفَرَح. انظروا إلى رسالة رُومية 6: 17. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم بِضْعَ آياتٍ أخرى وأَختِمُ حَديثي. فالآية رُومية 6: 17 تَتحدَّثُ عن مَسألةِ الطَّاعةِ هذه. ولكن انظروا إلى العدد 16 أوَّلاً: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ؟" وهذا وَاضحٌ جدًّا. فإن صِرتَ عَبدًا لشخصٍ مَا فإنَّ الكلمةَ الرَّئيسيَّةَ هُنا هي الطَّاعة. وعندما تُقدِّمُ نَفسكَ عَبدًا لشخصٍ مَا، فإنَّكَ تَفعلُ ما يَأمُرُكَ بِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ يُقدِّمُ ذلكَ المَثَلَ الإيضاحيَّ البَسيط وتلكَ العَقيدةَ الرُّوحيَّةَ في العدد 17: "فَشُكْراً للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ". وأنا أُحِبُّ تلكَ العِبارة. ويَنبغي أن تَضَعوا خَطًّا تَحتَها. "أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْب"؛ أيَّ لأنَّ هذه هي رَغبتُكم، ولأنَّكُم تُحبُّونَ أن تَكونوا مُطيعينَ، ولأنَّ هذا نَابِعٌ مِنَ الدَّاخل. "وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا". والحَقيقةُ هي أنَّ العَددَ 18 يَقول: "صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ". فعندما جِئتُم إلى المسيح، دَخلتُم في طَاعَةٍ جَديدة. فقد كُنتُم تُطيعونَ في المَاضي الجَسَدَ، والعالَمَ، والشَّيطان. فقد كُنتُم تُطيعونَ الخطيَّة. والآن صِرتُم تُطيعونَهُ. وصِرتُم عَبيدًا للبِرّ.
فالأمرُ لا يَختصُّ فقط بسَماعِ الكلمة، بل يَختصُّ بإطاعتِها. وفي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع، نَقرأُ عن أشخاصٍ سَمِعوا الكلمةَ ولكنَّهُم لم يُطيعوها. وقد كانوا يَبْنونَ بَيتَهُم على الرَّمل. وعندما تأتي الدَّينونةُ سيَسقُط. فالطَّاعةُ تَعني السَّماعَ والتَّطبيق. وسأذكُرُ مَقطعًا كِتابيًّا أخيرًا مُهمًّا جدًّا مِن رسالة يَعقوب والأصحاحِ الأوَّل. وسوفَ نَختِمُ حَديثَنا بهذا المَقطَع. رسالة يَعقوب 1: 22: "وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ". هل تَعلمونَ ماذا يَحدُثُ إن سَمعتُم الكلمةَ ولم تُطَبِّقوها؟ ستكونونَ عائِشينَ في وَهْمٍ ومَخدوعينَ بحالتِكُم الرُّوحيَّة الحَقيقيَّة. فإن لم تُطَبِّق كلمةَ اللهِ في حياتِك، تَكونُ مَخدوعًا بحالَتِكَ الرُّوحيَّة.
ثُمَّ إنَّهُ يُقَدِّمُ مَثَلاً إيضاحيًّا على ذلك الخِداع؛ وهو مَثَلٌ رائعٌ جدًّا، في العدد 23: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَامِعًا لِلْكَلِمَةِ وَلَيْسَ عَامِلاً، فَذَاكَ يُشْبِهُ رَجُلاً نَاظِرًا وَجْهَ خِلْقَتِهِ فِي مِرْآةٍ". والكَلمة "يَنظُرُ" تَعني حَرفيًّا: "يَلمَحُ". فأنتَ تَذهبُ إلى الحَمَّامِ في الصَّباح وتُقَرِّرُ أن تَحلِقَ شَارِبَكَ. وأنتَ تَحلِقُ نِصفَهُ، وتُسَرِّحُ نِصفَ شَعرِكَ، وتُنَظِّفُ نِصفَ أسنانِكَ فَيَرِنُّ جَرَسَ الهاتِف فَتَرُدُّ على المُتَّصِل. فبعدَ أنِ ابتدأتَ فإنَّكَ تَذهبُ للرَّدِّ على المُكالمة فَتَنسى شَكلَكَ. ثُمَّ إنَّكَ تَذهبُ إلى مَكتَبِكَ فيَضحَكُ عليكَ جَميعُ مَن يَراكَ لأنَّكَ نَسيتَ كيفَ كانَ شَكلُك.
وكذلكَ هي أيضًا حَالُ الشَّخصِ الَّذي يَنظُرُ نَظرةً خَاطفةً إلى كلمةِ اللهِ دُونَ أن يُطَبِّقَها. فهو لا يَفهمُ حَقًّا حَالَتَهُ. فهو يَظُنُّ أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام، ولكنَّ الأمورَ ليست على ما يُرام. فهو مَخدوعٌ بشأنِ حَالتِهِ الحَقيقيَّة. وعندما يَمضي فإنَّهُ يَنسى لأنَّهُ لم يُطَبِّق. وهذا يَصِحُّ بِكُلِّ تأكيد على غيرِ المؤمن، أو على الشَّخصِ غيرِ المَسيحيِّ الَّذي يَسمعُ الإنجيلَ ويَسمعُ الإنجيلَ دُونَ أن يُطَبِّقَهُ، ودونَ أن يَنظُرَ إليهِ نَظرةً عَميقةً؛ بل يَنظُرُ إليهِ نَظرةً سَطحيَّةً فَيَنخَدِعُ بشأنِ حَالَتِهِ الحَقيقيَّة. وقد يَصِحُّ ذلكَ على الشَّخصِ الَّذي يأتي إلى الكنيسةِ ويَعترفُ بالمسيحِ، وحَتَّى إنَّهُ رُبَّما يَظُنُّ في عَقلِهِ أنَّهُ مُؤمِنٌ، ويَعتقدُ أنَّهُ مُؤمِن؛ ولكنَّهُ لا يُطَبِّقُ أيَّ شيءٍ، ولا يَفعلُ أيَّ شيءٍ. فهو يَعيشُ في وَهْمٍ بشأنِ حَالتِهِ الرُّوحيَّة.
وهذا قَد يَصِحُّ أيضًا على المَسيحيِّ الَّذي يَسمعُ تَعليمًا بشأنِ أمرٍ مُعَيَّن، ولا يُطَبِّقُ ذلك؛ أي لا يُطَبِّقُ ذلكَ في حَياتِهِ الشَّخصيَّة. فهو يَصيرُ مَخدوعًا تَمامًا بشأنِ حَالتِهِ الروحيَّةِ الحقيقيَّة. لِذا فإنَّ المَعنى المَقصودَ مِن ذلك هو: مِنَ الأفضلِ أن تُلقي نَظرةً أكثرَ مِن خَاطفة إن أردتَ أن تَعرفَ حَالتَكَ الحَقيقيَّة. والعدد 25 يَقولُ ذلك: "وَلكِنْ مَنِ اطَّلَعَ...". وهذا فِعْلٌ يُونانيٌّ يَعني أن تَنظُرَ عن كَثَب وفترةً طويلةً لكي تُقَيِّمَ حَالتَكَ الحَقيقيَّة. فأنتَ تَنظُرُ في تلكَ المِرآةِ الَّتي هي النَّاموسُ الكامِلُ، نَاموسُ الحُريَّة. وما هي تلكَ؟ إنَّها كلمةُ الله. فهي النَّاموسُ الكامِل. وهي النَّاموسُ الَّذي يُحَرِّرُكَ مِنَ الخطيَّةِ والوَهم. وأنتَ تَثبُتُ فيه.
فأنتَ لستَ سَامِعًا نَاسِيًا، بل أنتَ عَامِلٌ بالكلمة. "فَهذَا يَكُونُ مَغْبُوطًا فِي عَمَلِهِ". فالطَّاعةُ تَجلِبُ البَرَكة. والأشخاصُ الَّذينُ لا يُطيعونَ يَخدَعونَ أنفسَهُم. ورُبَّما هُم ليسوا حَتَّى مُؤمنين. ورُبَّما كانوا مُؤمنينَ يَعتقدونَ خَطأً أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام في حين أنَّ الأمورَ ليست على ما يُرام. لِذا، يجب علينا أن نُرَكِّزَ على المَواقفِ النَّابعةِ مِنَ القَلب. وهذا يَعني الإيمان، ويَعني الطَّاعة. وفي هذا المساء، سوفَ نَتحدَّثُ عن مَوقفٍ ثالث. وسوفَ أُخبرُكم ما هو. فبالرَّغمِ مِن أنَّهُ لا يَجوزُ لي أن أُخبرَكُم ما هو، سَأُخبركُم بذلك: التَّواضُع. وإن لم يَأتِ أحدٌ مِنكُم إلى الاجتماع، سنَعلمُ أنَّهُ شخصٌ يَتَمَلَّص مِنَ التَّواضُع. وهذا دَرسٌ مُهمٌّ جدًّا في هذا المساء. وسوفَ نَتحدَّثُ عنهُ مَرَّةً فقط. لِذا، انضَمُّوا إلينا. وسوفَ نَشترك معًا في مائدةِ الرَّبِّ أيضًا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى على تَذكيرِكَ لنا بأنَّ أساسَ حَياتِنا المسيحيَّةِ هو الطَّاعة. فهناكَ خُطَّة. وهُناكَ طَريقة صَحيحة للقيامِ بالأشياء في كَنيستِك. وهذا يَقتضي وجودَ مَواقف رُوحيَّة تَنبُع مِنَ الدَّاخل إلى الخارج. ويا رَبّ، نَسألُكَ أن تُعطينا إيمانًا عَظيمًا، وأن تُعطينا القُوَّةَ لكي نَكونَ مُطيعينَ، وأن تُعطينا شَوقًا للاعترافِ بعِصيانِنا وتَقويمِ ذلك. اعمَل عَمَلَ التَّبكيتِ ذاكَ في قُلوبِنا كي تَجعلَنا نَكرهُ عِصيانَنا وَنَتوقُ إلى الخُضوع. ضَع فينا تلكَ المَواقفِ الَّتي تَجعلُنا نَعيشُ بطرائقَ تُمَجِّدُكَ. باسمِ المسيح. آمين.
This article is also available and sold as a booklet.
