Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسةَ في هذا المَساء (في مَعرِضِ دِراستِنا عن تَشريح الكنيسة) على رسالة أفسُس والأصحاح الرَّابع. فقد تَحدَّثنا عن تَشريحِ الكنيسةِ وهيكلِها العَظميِّ؛ أي عن تلكَ الأشياءِ الَّتي تُعطيها شَكلهَا وهَيئتَها وصَلابَتَها؛ وهي أمورٌ لا جِدالَ فيها لأنَّها حَقائق جَوهريَّة. وقد انتقلنا إلى الجُزءِ الثَّاني مِن دراستِنا عن تَشريحِ الكنيسة وابتدأنا بالتَّحدُّثِ عنِ الأنظمةِ الداخليَّة. فقد تحدَّثنا عن حَقيقةِ أنَّ حياةَ الكنيسةِ تتألَّفُ مِن مَواقفَ رُوحيَّةٍ مُعيَّنة، ودوافعَ رُوحيَّةٍ مُعيَّنة، ونِعَمٍ رُوحيَّة تَنبُعُ مِنَ الأعماق. فهي ليست خارجيَّة؛ بل هي داخليَّة. وهي مَواقِف تَنبُعُ مِن كلمةِ اللهِ بواسطةِ رُوحِ اللهِ في قلبِ شعبِ الله.

وقد تَحدَّثنا عنِ الإيمانِ والطَّاعة؛ وهُما مَوقفانِ مُهمَّانِ جدًّا. وقد تَحدَّثنا عنِ الاتِّضاع. وقد تَحدَّثنا عنِ المحبَّة. وأعتقدُ أنَّهُ عندما تَتحدَّثُونَ عن هذه المواقفِ الأربعةِ تَكونونَ في الحقيقةِ قد نَاقشتُم أَهَمَّ المَسائِلِ لأنَّ الأعضاءَ الدَّاخليَّةَ المُهمَّةَ في الكنيسة يُمكِنُ أن تُلَخَّصَ في هذه الفَضائلِ الأربعِ الرَّائعةِ؛ ثُمَّ إنَّ بَقيَّةَ الأشياءِ تُبنَى عليها.

واسمَحوا لي أن أتحدَّثَ في هذا المساء عن شيءٍ خامسٍ في لائحتي. وإن سَمَحَ لَنا الوقتُ سنتحدَّثُ عن أمورٍ أخرى. الوَحدة – الوَحدة. أنا أَعلمُ أنَّ الوَحدةَ في ذاتِها ليست فَضيلة، ولكنِّي أتحدَّثُ عنِ السَّعيِ إليها والتَّكريسِ لها. فالوحدةُ في ذاتِها ليست مَوقفًا، وهي في ذاتِها ليست دافعًا؛ ولكنَّ السَّعيَ إليها هو كذلك، والرَّغبةَ في حِمايَتِها هو كذلك. وهذا هو ما نُشيرُ إليه.

فإن كانَ هناكَ شَيءٌ يَهدِمُ العائلةَ فإنَّهُ الخِصامُ الدَّاخليّ. فهو مُدَمِّر. وهناكَ أمورٌ كثيرة قد تُؤدِّي إلى حُدوثِ ذلك كالكِبرياءِ، والتَّمحوُرِ حولَ الذَّات، والأنانيَّة، والخطيَّة، والغَضب، والمَرارة، وهَلُمَّ جَرَّا. فهناكَ خَطايا كثيرة جدًّا تُدمِّرُ الوَحدةَ في العائلةِ، أو في الزَّواجِ، أو في عَلاقاتِ العَمل، أو في الصَّداقة، أو في أيَّةِ بِيئة. ولا شَكَّ في أنَّ هذا الأمرَ هو مَصدرُ قَلقٍ كبيرٍ في الكنيسة، ويَنبغي أن يَعنينا جميعًا؛ ولا سِيَّما القادة. فلا يُوجَد شَيءٌ يُرعبُني بشأنِ حَياةِ الكنيسة أكثرَ مِنَ الشِّقاق، والنِّزاع، والخِلاف، وانعِدامِ الوِفاقِ بسببِ الكبرياءِ، والتَّمحوُرِ حَولَ الذَّاتِ، والأنانيَّة، والغَضب، والمَرارةِ؛ وهي أمورٌ تَنجُمُ أحيانًا عن رُوحِ المُنافسة، أو تَنجُمُ عن الانجذابِ لشخصٍ دونَ الآخر فيحدثُ انقسامٌ لأنَّ واحدًا يُريدُ أن يَنضمَّ إلى شخصٍ مَا، وواحدًا آخرَ يُريدُ أن يَنضمَّ إلى شخصٍ آخر. والشَّيءُ نَفسُهُ الَّذي حَذَّرَنا بولسُ منهُ في رسالتِهِ إلى أهلِ كورِنثوس ما زالَ يَحدُثُ مِرارًا وتَكرارًا. وقد يَنجُمُ الانقسامُ في الكنيسةِ بسببِ السَّعيِ إلى السُّلطة، أو قد يَحدُثُ بسببِ النَّقمة، وقد يَحدُثُ بسببِ الحَسَد. فاللاَّئحةُ تَطُولُ وتَطُولُ وتَطُول. وفي السَّنواتِ الَّتي خَدَمْتُ فيها في كنيسةِ "غريس" (Grace Church)، أعتقدُ أنَّ اللهَ حَمَى هذه الكنيسة بطَرائقَ غير عاديَّة مِنَ الانشِقاقِ والانقسام. وعلى مَرِّ السِّنين، بَقِيَت كنيستُنا مُتَّحدةً لأنَّ أشخاصًا كثيرينَ فَعلوا ما يُوصِي بهِ الكتابُ المقدَّسُ في رسالة أفسُس 4: 3 إذْ إنَّهم اجتَهَدوا أن يَحفَظُوا "وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم".

فنحنُ مُلتزمونَ دائمًا بهذا، ومُلتزمونَ دائمًا بأن نَكونَ صُنَّاعَ سَلام، وبأن نَجِدَ طَريقةً لحِفْظ السَّلام، وبأن نَجِدَ طَريقةً للمُصالحة، وبأن نَجِدَ طَريقةً للغُفرانِ، وبأن نَتُوقَ إلى أن نَسْتُرَ كَثْرَةً مِنَ الخَطايا، وبأن نَجِدَ طَريقةً للمحبَّةِ الَّتي تَسعى إلى الوَحدَة. فيبدو لي أنَّنا نَسعى دائمًا إلى تحقيقِ ذلك. وأنا أشكُرُ الرَّبَّ على ذلك. ولا شَكَّ في أنَّنا مَرَرنا بأوقاتٍ عَصيبة. فأنا أتذكَّرُ ثلاثةَ أحداثٍ كادَتْ أن تُمَزِّقَ وَحدةَ هذه الكنيسة. وقد وَقَعَت الحادثة الأولى في أثناءِ خِدمَتي هُنا، أعتقد قبلَ عَشْرِ سَنوات أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. فلا يُمكنُني أن أتذكَّرَ التَّاريخَ تَمامًا. أليست هذه نِعمَة؟ وقد كانَ ذلكَ الهُجومُ عَنيفًا ويُهَدِّدُ وَحدةَ هذه الكنيسة. وقد تَرَكَّزَ الهُجومُ عليَّ أنا شَخصيًّا وعلى قادةِ الكنيسة.

وقد حَدَثَ هذا التَّمرُّدُ مِن عَامِلينَ في الكنيسة، أو رُعاةٍ في الكنيسة؛ ولا سِيَّما مِن أشخاصٍ سَكَبْتُ حَياتي فيهم شخصيًّا. ولا يُمكنُني يَومًا أن أنسى أنَّني حَضرتُ اجتماعًا لرجالٍ كانوا رُعاةً وشُركاءَ لي في الخِدمة، وكنتُ قد تَلْمَذتُهُم على مَدى سَنوات. وقد قُلتُ لهم: "أريدُ أن أُخبركم عن أهميَّةِ مَحبَّتِكُم لي" فكانَ رَدُّهم هو: "إن كُنتَ تَظُنُّ أنَّنا أصدقاء فإنَّكَ على خطأ". ثُمَّ إنَّهُم اتَّفقوا معًا على التَّمرُّد. وقبلَ أن يُنَفِّذوا ذلك، كانَ ثلاثةٌ منهم قد تَرَكوا الخِدمةِ إلى الأبد وتَحَطَّمت قُلوبٌ كثيرة. فهذه الأمورُ تَكسِرُ القَلبَ. وهي مُؤلمة ومُحزِنَة للشَّخصِ الَّذي يَسعى إلى وَحدةِ الكنيسة.

وما زِلتُ أَذكُرُ ما حَدثَ قبلَ نحوِ عَشْرِ سَنوات عندما تَكرَّرَت تلك الحادثة بصورةٍ أكبر عندما تَرَكَ نَحوُ مِئتي أو ثلاثمئة شخص هذه الكنيسة دونَ أن نَدري لماذا! ولكنَّ بُذورَ النِّزاعِ، وعدمِ الثِّقة، والتَّشويش، والفَوضى كانت قد زُرِعَت بنجاح في قُلوبِهم إلى أن أدَّى ذلك إلى تَشويشِهم فَتَركوا الكنيسة. وَهُم لم يَتركوا الكنيسةَ بهدوءٍ في كُلِّ الحالات، بل إنَّ أشخاصًا مِنهُم وَجَّهوا إلينا اتِّهاماتٍ عَامَّة مُسيئة. ومِن بينِ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يَزيدُ عَددُهم عنِ المِئتين، نَعتقدُ أنَّ مِئةً وخمسينَ مِنهُم قد عادوا. ونحنُ نَشكُرُ الرَّبَّ على ذلك. أما الأشخاصُ الأربعةُ الَّذينَ مَزَّقوا تلكَ الوَحدة في خِدمتي هُنا فقد عادَ كُلٌّ مِنهم وهو يَذرِفُ الدُّموعَ ويَطلُبُ الغُفران. وقد قَبِلناهُم. وأنا أشكُرُ الرَّبَّ على ذلك. ولكن لا يوجد شيءٌ مُؤلمٌ أكثرَ مِن ذلك.

ولكنَّ كنيستَنا تَتمتَّعُ الآنَ بقدرٍ كبيرٍ جدًّا مِنَ الوَحدة. وكنيستُنا مُزدهرة مِن خلالِ التَّعبيرِ عنِ المحبَّةِ المُتبادَلةِ والوَحدة. فنحنُ نَغسِلُ بعضُنا أرجُلَ بعض. فهناكَ تَواضٌعٌ حَقيقيٌّ في حياةِ أُناسٍ كثيرين. ولكنَّ الأمرَ هَشٌّ جدًّا. لِذا فإنَّني حَذِرٌ دائمًا لأنِّي أُدركُ أنَّهُ كُلَّما عَمِلَ اللهُ عَملاً صَالحًا فإنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أن يَهْدِمَهُ. وليسَ مِنَ السَّهلِ أن نَحفظَ "وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم". وسوفَ تُلاحظونَ في العددِ الثَّالثِ أنَّهُ يجب على المرءِ أن يَجتهِدَ للحِفاظِ على هذه الوَحدانيَّة. لِذا يجب عليكم أن تُدركوا أنَّ الهَدفَ هو الحِفاظُ على الوَحدة. فالهدفُ هو ليسَ أن تَنْحَازوا إلى الشَّخصِ الَّذي تَعتقدونَ أنَّهُ على صَواب، أو أن تَنْحازُوا إلى الشَّخصِ الَّذي تَظُنُّونَ أنَّهُ تَعَرَّضَ للإساءَة.

والهدفُ هو ليسَ أن تَنتقموا لأنفسِكُم وتَجعلوا الآخرينَ يَدفعونَ الثَّمنَ بسببِ إساءةٍ افتِراضِيَّة أو حتَّى حَقيقيَّة. والهَدفُ هو ليسَ أن تَجعلوا الجميعَ يَفهمونَ أنَّ الكَيْلَ قد طَفَحَ لَديكُم؛ بل إنَّ الهَدفَ هو الوَحدة – الوَحدة – الوَحدة – الوَحدة. وهذا يعني أنَّهُ يجب عليكم أن تُدركوا أنَّ الطَّريقَ إلى الوَحدة هو الطَّريقُ إلى السَّلام. ويجب عليكم أن تَبذُلوا كُلَّ جُهدٍ مُمكن في سَبيلِ إحلالِ السَّلام. وقد وَضَعَ الرَّسول بولُس الأساسَ لهذا الأمر فَكَتبَ في رسالة أفسُس 4: 4: "جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ". فهذا مَقطعُ كِتابيٌّ يُركِّزُ على الوَحدَة.

والآيةُ الرَّابعةُ تَتحدَّثُ عنِ الرُّوح. فالرُّوحُ هو الَّذي يَجْمَعُنا معًا في جسدِ المسيح. وهو نفسُ الرُّوحِ الَّذي يأتي ليَسكُنَ فينا. وهو الرُّوح الَّذي يَضمَنُ مِيراثَنا الأبديّ. وهو العُرْبونُ الَّذي يَضمَنُ رَجاءَ دَعوتِنا. وهناكَ رَبٌّ واحدٌ، ومَسيحٌ واحدٌ، ومُخلِّصٌ واحدٌ، وفادي واحِد. وهناكَ إيمانٌ واحدٌ؛ أي حَقائقُ مَوضوعيَّةٌ واحدةٌ عنهُ وعن عَمَلِه؛ وهي حَقائق مُخَلِّصَة عندما تُطَبَّق على القلبِ الأمين. وهناكَ مَعموديَّة واحدة. وأعتقدُ أنَّ هذه المَعموديَّة هي التَّعبيرُ أوِ الاعترافُ أمامَ النَّاسِ بالإيمانِ مِن خلالِ المَعموديَّة المُقترنة بالخلاص. لِذا فإنَّ الآيةَ الخامسةَ تَتحدَّثُ عنِ الرَّبِّ، ثُمَّ إنَّ الآيةَ السَّادسةَ تَتحدَّثُ عنِ اللهِ الآب: "إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ".

والمَعنى المَقصودُ هو أنَّهُ إن كانَ هناكَ رُوحٌ واحدٌ يَعملُ في كُلِّ مُؤمِن، وإن كانَ هُناكَ رَبٌّ واحدٌ قد جِئنا جميعًا إليه، وإن كانَ هُناكَ إلَهٌ وآبٌ واحدٌ علينا جميعًا، فإنَّ أهَمَّ حَقيقة تَختصُّ بالكنيسة هي أنَّهُ يَنبغي لها أن تُحافِظَ على وَحدتِها. فنحنُ جَسدٌ واحد – جَسدٌ واحد. لا على حِسابِ الحَقِّ، ولا على حِسابِ الإثْم. فنحنُ لا نَتَّحِدُ حَولَ تَشويشٍ، بل نَتَّحِد حَولَ الحَقّ. فهي وَحدة قائمة على الحَقّ. وهي وَحدَة الإيمان – وَحدَة الإيمان، وأيضًا وَحدة الرُّوح. فهي تلك الوَحدة الَّتي نَحصُل عليها لأنَّنا نَملِك نَفسَ حَياةِ الله، ونَفسَ حَياةِ المسيحِ الحَيِّ، ونَفسَ حَياةِ رُوحِ المَسيح (كما يَقولُ بولُس عنهُ في رسالة رُومية والأصحاح الثَّامن). وهي وَحدَة الفَهم المُشترَك للكِتابِ المُقدَّسِ وكلمةِ الله.

فهناكَ مَيْلٌ اليومَ في الأوساطِ الإنجيليَّةِ – ويا لَها مِن تَسميةٍ صَارت مُبتذَلَة! ولكن يوجد مَيْلٌ في الأوساطِ المَسيحيَّةِ نَحوَ الفِكْرِ المَسْكونِيِّ الَّذي يَتجاهَلُ العَقيدةَ القويمةَ، ويَتغاضى عنِ الأخطاء، ويَقبلُ أمورًا هي حَتَّى في نَظَرِ العالَمِ هَرطقات. فهناكَ حَركة إنجيليَّة مَسكونيَّة تقولُ إنَّنا جَميعًا واحد، وإنَّهُ يجب علينا أن نَتمتَّعَ بالشَّركةِ بعضُنا معَ بعض دونَ أن نُقيمَ أيَّ اعتبارٍ للاختلافاتِ العَقيديَّة. ولكنَّ هذهِ وَحدة زائفة وغير كِتابيَّة وغير مُبهِجَة؛ هذا إن كانت وَحدة أصلاً لأنَّها تُهينُ الربَّ ولا تُسِرُّ قَلبَهُ. وهناكَ نَوعٌ آخر مِنَ السَّعيِ إلى الوَحدةِ يُريدُ أن يَتغاضى عنِ الإثم، وأن يَقبلَ كُلَّ شخصٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَن سُلوكِهِ أو عَدَمِ سُلوكِهِ في طَاعةِ كلمةِ اللهِ وذلكَ مِن خلالِ التَّغاضي عن خَطاياهِم وآثامِهم.

وعلى النَّقيضِ مِن ذلك فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ إن كانَ يوجد شخصٌ في وَسْطِكُم (وَفقًا لما جاءَ في الرِّسالة إلى تِيْطُس والأصحاحِ الثَّالث) يُعَلِّمُ تَعليمًا مُضِلاًّ، أو إن كانَ هُناكَ شخصٌ مُبْتَدِعٌ، أَنذِروهُ مَرَّةً ومَرَّتَيْن ثُمَّ اطرُدوه. فقد تَنَازَلَ عن حَقِّهِ في المُطالبةِ بأيِّ قَبولٍ في تلكَ الوَحدَة. وإن اقتَرَفَ أخٌ أو أختُ خَطيَّةً، اذهبوا إلى ذلك الشَّخص وادعوهُ إلى التَّوبة. وإن لم يَتُب، أخرِجوهُ خارجًا. ويُذَكِّرُ الرَّسولُ بولُسُ أهلَ تسالونيكي بكيفيَّةِ القيامِ بذلك إذ يَقولُ ما يَلي في رسالتهِ الثَّانية إلى أهلِ تسالونيكي 3: 6: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ [تَبتعدوا عن، أو] تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا". وَهُوَ لا يَعني بذلكَ تَقاليدَ أَحبارِ اليَهود، بل ذلكَ التَّقليدَ القائمَ على إعلانِ الله.

فإن كانَ يوجدُ شخصٌ في كنيستكُم يُعَلِّمُ الضَّلالَ، لا يُمكنكُم أن تَتَّحِدوا بذلكَ الشَّخص. وإن كانَ هناكَ شخصٌ يَعيشُ حياةً آثِمَةً أو خَاطئةً، لا يُمكنكم أن تَكونوا في شَرِكَة معَ ذلك الشَّخص. لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ هنا عنِ الوَحدةِ الحقيقيَّةِ في الرُّوح؛ وهي وَحدةٌ تَنتمي فقط إلى الأشخاصِ الَّذينَ يُحبُّونَ الحقَّ ويُؤكِّدونَهُ، ويَعيشونَ حياةً تَقيَّة. وقد يَسألُ سَائِلٌ: "مَهلاً مِن فَضلِك! أنا أتذكَّرُ صَلاةَ رَبِّنا. وصلاةُ رَبِّنا في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 تُرينا أنَّ يسوعَ صَلَّى مِن أجلِ الوَحدة". اسمَحوا لي أن أتحدَّثَ عن ذلك لأنَّهُ واحدٌ مِنَ المَقاطعِ الَّتي يُساءُ فَهمُها في عالَمِنا الإنجيليِّ المُعاصِر. افتَحوا على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17.

كما تَعلمونَ الآنَ مِن خلالِ هذه السِّلسِلَة، أنا لا أُبالي بالمُخَطَّط، بل أنا أُشارِكُ مَعَكُم وَحَسْب ما في قَلبي باستخدامِ آياتٍ عَديدة. والمُخَطَّطُ كبيرٌ جدًّا حتَّى إنَّ كُلَّ عِظَة تُغَطِّي نُقطة واحدة فقط. لِذا، لا توجد نِقاط فَرعيَّة في اعتقادي. ولكنِّي أريدُ أن أُحَدِّثَكُم عن هذهِ الأشياءِ الوثيقةِ الصِّلة بهذه الفِكرة. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17، نَتذكَّرُ اهتمامَ رَبِّنا بالوَحدة في هذه الجُملة الَّتي وَرَدَت في العدد 21. فالرَّبُّ يُصَلِّي. وهذه هي صَلاتُهُ بصفَتِهِ رَئيسَ الكَهَنة العَظيم. وإن أردتُم أن تَرَوْا ذلكَ، ارجِعوا إلى العددِ الأوَّلِ إذْ نَقرأ: "تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ...". والجُزءُ المُتبقِّي مِن ذلك الأصحاح إلى نِهايةِ العدد 26 يُدَوِّنُ تلكَ الصَّلاة الَّتي رَفَعَها إلى الآب.

وفي العدد 21 يُصَلِّي أن يكونَ كُلُّ خَاصَّتِهِ واحِدًا: "كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا". والآن، أريدُ أن أتوقَّفَ عندَ تلك النُّقطة وأن أُبَيِّنَ لكم أنَّ يَسوعَ لا يَتمنَّى وَحَسْب أن يصيرَ جَميعُ المسيحيِّينَ على وِفاقٍ معَ الآخرين. فهذه ليست رَغبةً تَمَنَّى يَسوعُ أن تَتحقَّق. وهو لم يَطلب مِنَ الآبِ أن يُحَقِّقَ لهُ طِلبَتَهُ ثُمَّ اكتشفَ أنَّ تلكَ الصَّلاة لم تَتحقَّق. فيسوعُ لا يُصَلِّي صَلواتٍ لا تُستجاب لأنَّهُ يَعرِفُ فِكرَ الله. لِذا، إن كانَ يسوعُ قد صَلَّى لأجلِ الوَحدة، يُمكنكم أن تَعلموا يَقينًا أنَّ تلكَ الصَّلاة قد تَحقَّقت. فهي حقيقة وليست أُمنية وَحَسْب. وهو يَتحدَّثُ عن وَحدةٍ ينبغي أن تَفهموها.

فهو يَتحدَّثُ عن شيءٍ يَختصُّ بذاتِ حياةِ الله لأنَّهُ يَقولُ هُنا: "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا". كيف؟ "كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ". فنحنُ نَتحدَّثُ عن وَحْدَةٍ مُختصَّةٍ بحياةٍ أبديَّةٍ مُشترَكة، وعن شَيءٍ يُشبِهُ إلى حَدٍّ ما الوَحدةَ الجَوهريَّةَ بينَ الآبِ والابن. فهو لا يُصَلِّي لأجلِ الوَحْدَةِ بِمَعنى اتِّفاقِنا معًا على الأُمورِ السَّطحيَّة، بل يَتحدَّثُ عن وَحْدَتِنا الدَّاخليَّة. فهو يَتحدَّثُ عنِ الاشتراكِ في حَياةٍ واحدةٍ هي حَياةُ اللهِ في نَفْسِ البَشَر. وهو يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ في العدد 23 مَرَّةً أخرى: "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ". فالمسألةُ لا تَختصُّ بما إذا كُنَّا نَتَّفِقُ جَميعًا على الأشياءِ السَّطحيَّةِ، أو إما إذا كُنَّا أصدقاء، أو ما إذا كُنَّا نُمسِكُ بعضُنا بأيدي بَعض، أو ما إذا كُنَّا نَذهبُ ونَجيءُ مَعًا، أو ما إذا كُنَّا نُرَنِّمُ نَفسَ التَّرنيمة. فنحنُ لا نَتحدَّثُ عن ذلك.

بل إنَّنا نَتحدَّثُ هُنا عن شيءٍ خارِقٍ للطَّبيعة. فهذه الصَّلاة الَّتي صَلاَّها يسوعُ كانت صلاةً لأجلِ كُلِّ الأشخاصِ الَّذينَ جاءوا إليهِ لكي يَحصُلوا على نَفسِ الحياةِ الأبديَّة، ولكي يَحصُلوا على نَفسِ حياةِ اللهِ في نُفوسِهم، ولكي يَصيروا شُركاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّة، ولكي يَحصُلوا على سُكنَى وحُضورِ رُوحِ الله. فقد كانَ يُصَلِّي أن يَتحقَّقَ ما جاءَ في رسالة كورِنثوسَ الأولى حيثُ يَقولُ بولُس: "وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ". وقد قالَ بولُسُ الشَّيءَ نَفسَهُ حينَ قال: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا [أين؟] فِيَّ". فعندما صِرْتَ مُؤمِنًا، سَكَنَ اللهُ [اللهُ الأبديُّ] في حَياتِك. وهذا يَصِحُّ على كُلِّ مُؤمِن.

فعندما جِئتَ إلى المسيحِ صِرتَ مُتَّحِدًا بِهِ. وكُلُّ مؤمنٌ هو واحدٌ فيه. وحيثُ إنَّنا نَشترِكُ جميعًا في حَياتِهِ فإنَّنا نَشتركُ في نفسِ الحياةِ بعضُنا مع بعض. وهذه الحَقيقة مُبَيَّنة لنا بوضوحٍ تامٍّ إن فَتحتُم على الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاح 12 - الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاح 12. فيسوعُ لا يُصَلِّي في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 لأجلِ الوِفاقِ بينَ المؤمنين. صَحيحٌ أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ، ولكنَّهُ ليسَ المَعنى المَقصودَ مِن ذلكَ الجُزءِ مِنَ الكتابِ المقدَّس. بل إنَّهُ يُصَلِّي لأجلِ شيءٍ تَحقَّقَ في يومِ الخَمسين إذْ إنَّ نَفسَ رُوحِ اللهِ حَلَّ على المؤمنين. وهو ما زَالَ كذلك. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى 12: 11: "وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ.

"لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ [أيْ أنَّ جَسَدَ المسيحِ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ] أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا. لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا [أو: غُطِّسْنَا] إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا. فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ". ولكنَّهُ جسدٌ واحِد. فصلاةُ يَسوعَ تَحَقَّقت إذْ إنَّنا جَميعًا واحِد. وهذهِ الوَحدةُ العُضويَّة، وهذه الوَحدةُ الحَقيقيَّة، وذلكَ الإيمانُ الثَّمينُ المُساوي لنا (كما يُسَمِّيهِ بُطرس) والَّذي يَجمَعُنا جميعًا في وَحدةٍ حَقيقيَّة، وفي وَحْدة عُضويَّة رُوحيَّة، هو أساسُ شَرِكَتِنا العَمليَّة المُشتركَة. ولكنَّنا نَجِدُ في هذه الوَحدةِ الَّتي وُهِبَتْ لنا في لَحظةِ الخلاصِ حينَ تَمَّ ضَمُّنا إلى جسدِ المسيحِ معَ جميعِ المؤمنينِ إذْ إنَّنا جَميعًا حَصَلنا على سُكْنَى نَفسِ الرُّوحِ القُدُسِ، نَجِدُ أنَّ ذلكَ الأساسَ يَصيرُ القاعِدَةَ الَّتي نَنطلِقُ مِنها في إطاعَةِ ما جاءَ في رسالة أفسُس 4: 3؛ أي أنْ نَحفَظَ وَحْدَةَ الرُّوح.

فهي مَوجودة. وهي ليست شيئًا ينبغي أن تَبحثَ عنهُ، وليست شَيئًا ينبغي أن تَجِدَّ في البحثِ عنه، وليست شَيئًا ينبغي أن تُطارِدَهُ؛ بل هي شَيءٌ ينبغي أن تَتَشَبَّثَ به. وهي شَيءٌ ينبغي أن تُحافِظَ عليه. وأنتَ تَفعلُ ذلكَ بأن تُدركَ دائمًا أنَّ ما يَربِطُنا معًا في التَّعبيرِ العَمليِّ عن حياتِنا، وما يَجمعُنا معًا هو السَّعيُ إلى إحلالِ السَّلام. وأنا أعتقدُ أنَّ ذلكَ المَعنى مُتَضَمَّنٌ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 في الجُملةِ الَّتي تَقول: "لِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي". فيجب أن يَرى العالَمُ التَّعبيرَ عن تلكَ الوَحدةِ الحَقيقيَّة. ولكنَّها ليست وَحدةً لا تُقيمُ وَزْنًا للحَقّ، بل هي وَحدةٌ قائمةٌ على الحَقّ. وهي ليست وَحدة لا تُبالي بالخطيَّة، بل هي وَحدة قائمة على القَداسة.

وهناكَ بِضعة مَقاطِع كِتابيَّة تَتحدَّثُ عنِ الجانبِ العَمليِّ لهذا الأمر. انظروا مَعي إلى رسالة كورنثوس والأصحاح الأوَّل – الأصحاح الأوَّل إذْ نَجِدُ هُنا بِضعَ طَرائِق عَمليَّة تُعَبِّرُ عن ذلك. رسالة كورنثوس الأولى 1: 10. وبالمُناسبة، لا تُوجد طريقة أوضح مِن هذه للتَّعبيرِ عن هذه الفِكرة: "وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا". هل كُنتُم تَعلمونَ أنَّ كلمةَ اللهِ تُوصينا بأن نَفعلَ ذلك؟ أجل، أن تَتَّفِقوا جَميعًا. والنَّصُّ اليُونانيُّ يَقولُ حَرفيًّا: "أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا". "وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ"؛ أي ألاَّ تَكونَ هُناكَ نِزاعاتٌ أو خُصوماتٌ أو خِلافاتٌ بينَكُم. "بَلْ كُونُوا كَامِلِين". فالنَّصُّ الحَرفيُّ يَعني أن تَكونوا كامِلينَ وغيرَ مُنقَسِمين. "فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأيٍ وَاحِدٍ".

إنَّ هذه الآية تَزخُرُ بالمَعاني. فأوَّلاً، هناكَ جانِبُ النَّهْيِ: "لا يَكونُ بينَكُم انشِقاقات". ثُمَّ هُناكَ جَانِبُ الأمر: "اتَّفِقوا جَميعًا. فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأيٍ وَاحِدٍ". هل تَعلمونَ ما المقصودُ بذلك؟ إنَّهُ يَعني أنَّهُ يجب عليكم أن تُفَكِّروا بالطَّريقةِ نَفسِها. وهو يَعني أنَّهُ يجب عليكم أن تَتَّحِدوا تَمامًا في طَريقةِ تَفكيرِكُم، وأن تَتَلَقَّوْا تَعليمًا كِتابيًّا جِيِّدًا، وأن تَكونوا مُرْهَفي الحِسِّ لِروحِ اللهِ الَّذي أعلَنَ ذاتَهُ في صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس، وأن تَعرِفوا جيِّدًا العَقيدةَ القَويمة، وأن تُكَرِّسوا أنفسَكُم لها، وأن تَعيشوا حَياةً تَقيَّةً ومُقدَّسةً لكي تُفَكِّروا حَرفيًّا بنفسِ الطَّريقة وتُصدِروا نَفسَ الأحكامِ على الشُّؤونِ الَّتي تُواجِهُكم. فلا يَجوزُ أن تكونَ هُناكَ انشِقاقات. فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ انقسامَ الكنيسةِ فَضيلة؛ ولكنَّهُ ليسَ كذلك. إنَّهُ ليسَ كذلك.

وهناكَ أشخاصٌ يُفَكِّرونَ قَائِلين: "أنا على حَقّ". ولكنَّ هذا ليسَ هو المَعنى المَقصود. فالمَعنى المَقصودُ هو وَحدانيَّةُ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلام؛ أي أن تَعثُروا على طَريقِ السَّلامِ مِن أجلِ الحِفاظِ على الوَحدانيَّة. فيجب عليكم جميعًا أن تَتَّفِقوا. ولا يَجوزُ أن تكونَ هُناكَ انشِقاقات؛ بل ينبغي أن تَكونوا كامِلينَ وأن تُفَكِّروا في نفسِ الأشياءِ وأن تُصدِروا نَفسَ الأحكام. والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا يا أحبَّائي: إنَّ البيئةَ الوحيدةَ الَّتي يُمكنُ أن يَحدُثَ ذلكَ فيها هي البيئة الَّتي تَفهمُ فيها الرَّعيَّةُ كُلُّها كلمةَ الله. فهي البيئةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكنُ أن يَحدُثَ فيها ذلك. فإن كنتَ لا تُعَلِّم الكتابَ المقدَّسَ بِدِقَّة وعناية، لن تُفَكِّرَ الرَّعيَّةُ بالطَّريقةِ نَفسِها، ولن تَتمكَّنَ مِن إصدارِ نَفسِ الأحكامِ على القَضايا.

وأنا أُوْمِنُ حَقًّا مِن كُلِّ قلبي أنَّ واحدةً مِن أعظمِ البَرَكاتِ والمَزايا الَّتي تَتمتَّعُ بها الكنيسةُ الَّتي لديها عَقيدة واضحة، وتَعليمٌ واضح، والَّتي تَتعامَلُ معَ كلمةِ اللهِ بطريقة صَحيحة ودقيقة هي أنَّها تَحصُلُ على إرْثٍ مِنَ الوَحدة لأنَّ الشَّعبَ يُفَكِّرُ في نَفسِ الأشياء، ويُصدِرُ نَفسَ الأحكام، ويَتَّفِقون. وقد تَظهَرُ خِلافاتٌ بَسيطةٌ هُنا وهناك بخصوصِ الحِكمة المَطلوبةِ لِتَطبيقِ الحَقّ، ولكنَّ الشَّيءَ المُؤكَّدَ هو أنَّهُ يَنبغي لكم أن تَبدأوا بالحَقّ. وأيُّ نَوعٍ مِنَ الوَحدة الَّتي تُوجد فيها خِلافاتٌ كبيرة ولكنَّكَ تُبقي فَمَكَ مُغلَقًا هي ليست وَحدة حَقيقيَّة. وأعتقدُ أنَّهُ مِن زَوايا مُعيَّنة قد يكونُ ذلكَ أفضل مِن نُشوبِ حَربٍ؛ إلاَّ إذا اضطُررتَ إلى تأديبِ شخصٍ هَرطوقيٍّ أو مُواجهةِ خاطِئ.

انظروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رسالة كورنثوس الأولى. فبولُس يَقول: "وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيح". فلا بُدَّ أن أُكَلِّمَكُم كأشخاصٍ غيرِ نَاضِجين، أو كأشخاصٍ جَسديِّين. فلا يُمكنُني أن أُكَلِّمَكُم كأشخاصٍ رُوحيِّين. "سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا". ما مَعنى ذلك؟ لا تُوجَد عَقائدَ كالحليبِ في الكتابِ المقدَّسِ وعقائدَ كاللَّحم. فقد سَمِعتُ شخصًا يَقولُ ذاتَ مَرَّة: "هُناكَ عَقائدَ كالحَليبَ وعَقائدَ كاللَّحم". لا، لا! فهي ليست كذلك؛ بل إنَّ هناكَ عَقائد، وحَقائق، وفَهْمٌ بَسيطٌ كالحَليب، وفَهْمٌ عَميقٌ كاللَّحْم. فيُمكنني أن أُحدِّثَكُم عن حقيقةِ أنَّ يسوعَ المسيحَ ماتَ لأجلِكُم على الصَّليب. وقد يَفهمُ بَعضٌ مِنكُم ذلكَ فَهمًا بَسيطًا كَبَساطَةِ الحَليب.

فقد تكونُ جَديدًا أو طِفلاً رُوحيًّا فلا تَفهمُ ذلكَ إلاَّ بالمَعنى البسيط. وبالنِّسبة إلى آخرينَ مِنكُم، عندما أتحدَّثُ عن عقيدةِ الكَفَّارةِ البَدَليَّة، قد تَتَوارونَ عنِ الأنظارِ ولا تأتونَ إلى هُنا لأسابيع لأنَّ هناكَ حَقائقَ عَميقة تَختصُّ بعقيدةِ الكفَّارة البَدليَّة. وبولُس يَقول: "لا يُمكنُني أن أُكَلِّمَكُم عنِ الحقائقِ العَميقةِ، بل يجب أن أُكَلِّمَكُم كأطفال. ويجب أن أُعطيكُم حَليبًا لا طَعامًا لأنَّكم لن تَتمكَّنوا مِن فَهمِه. وإليكُم الدَّليل: أنتُم لا تَستطيعونَ أن تَفهموا ذلكَ لأنَّكُم ما زِلتُم جَسدِيِّين". وما هو الدَّليلُ على ذلك؟ "إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَر؟"

واسمَحوا لي أن أقولَ لكم إنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي تُسهِمُ بصورة مُباشِرة جدًّا في زَرْعِ الانشِقاقاتِ في الكنيسةِ هو أنَّهُ يوجدُ أشخاصٌ لديهم فَهْمٌ ضَحْلٌ للكتابِ المُقدَّس. لِذا فإنِّي أقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ إرْثَ الطَّعامِ القويَّ، وفَهْمِ أعماقِ كلمةِ اللهِ هو وَحدانيَّةُ الإيمان، وأن يَكونَ لدى الجَميعِ نَفسُ الفَهم، وأن يُؤمِنوا نَفسَ الإيمان، وأن يَكونوا ذا رأيٍ واحدٍ، وأن يُصْدِروا نَفسَ الأحكام، وألاَّ توجدُ بينَهُم خِلافاتٌ جَوهريَّةٌ كبيرة. وعلى النَّقيضِ مِن ذلك، هُناكَ تلكَ العَقليَّة الَّتي تُنادي بالعكسِ فتقول: "نُريدُ أن نَتخلَّصَ مِنَ العَقيدةِ لكي نَتَّحِدَ معًا". فهذا هو الفِكرُ المُعاكِس لهذا. وهذا يَعني أن نَكْنِسَ الهَرطَقاتِ ونُخفيها تَحتَ السِّجَّادة ونقولَ إنَّها ليست خَطيرة، وأن نَكْنِسَ الخَطيَّةَ ونُخفيها تَحتَ السِّجَّادة كما لو أنَّها لا تَترُكُ تأثيرًا سَلبيًّا.

وكأنَّ الشَّيءَ المُهمَّ هو أن نَقبلَ الجَميعَ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا يُؤمنونَ بِهِ، أو بِغَضِّ النَّظرِ عنِ الطَّريقةِ الَّتي يَتصرَّفونَ بها. ولكن لا يوجد شيءٌ يُهينُ اسمَ اللهِ أكثر مِن هذا. وحيثُ يوجدُ حَسَدٌ وخِصامٌ فإنَّكم جَسديُّونَ وتَسلُكونَ كَما يَسلُكُ البَشَر. وهو يَستخدِمُ هنا مَثلاً إيضاحيًّا على ذلكَ مِن خلالِ الانحيازِ إلى أشخاصٍ مُعيَّنين. فهناكَ أشخاصٌ يَقولونَ: "أَنَا لِبُولُس" وَآخَرونَ: "أَنَا لأَبُلُّوس". بعبارة أخرى، أنتَ تَهتمُّ فقط بالانحيازِ إلى شخصٍ مُعيَّن. "أنا لجون ماك آرثر"، أو "أنا لجيري راغ" (Jerry Wragg)، أو لأيِّ شخصٍ آخر. وأنا أقولُ ذلكَ لأنَّهُ لا توجد بيني وبينَ جيري أيَّة خُصومات. لِذا، يُمكنكم أن تَنحازوا إليهِ لأنَّكم بذلكَ تَنحازونَ إليَّ. هل تَفهمونَ ذلك؟ فنحنُ مُبارَكونَ جدًّا هنا بوجودِ هذه الوَحدة الرَّائعة بينَ العامِلينَ هُنا. والسَّببُ في ذلكَ هو أنَّنا جميعًا نَفهمُ كلمةَ اللهِ فَهمًا واحدًا.

ولكن عندما يَحدُثُ انشِقاقٌ فإنَّ ذلكَ يُهينُ اسمَ الرَّبِّ، ويَشُلُّ الكنيسة جدًّا، ويَحرِمَها مِنَ البَرَكة. وهذا يَحدُثُ بسببِ الضَّحالة، وبسببِ الخَطيَّة. ولكن لو تَمَّ تَوجيهُ هذا الجُهدِ الهائلِ المَبذولِ في سَبيلِ تَحقيقِ أهدافِ هذهِ الحَركةِ الإنجيليَّةِ المَسكونيَّةِ تَوجيهًا صَحيحًا، ولو أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَسْعَوْنَ إلى تَحقيقِ ذلك عَلِموا ما يَفعلون لَفَهِموا أنَّ طَريقَ الفِكرِ الواحِد، والرَّأيِ الواحِد، والاتِّفاق، والوَحدة الحقيقيَّة هو طَريقُ العقيدةِ القويمة. فهكذا نُحَقِّقُ ذلك. فهذه هي نُقطةُ البِداية: السُّلوك في القَداسة. فإن رأيتُ أنَّكَ تُخطِئ، يجب عليَّ (بحسبِ الكتابِ المقدَّسِ) أن أَتَصَدَّى لخطيَّتِك. وإن لم تَتُب عن تلك الخطيَّة، لا يُمكنُني أن أسمحَ لكَ بأن تكونَ جُزءًا مِن هذه الشَّركة.

لماذا؟ لأنَّ خَطيئتَكَ ستَنْهَشُنا كَالغَنغَرينَة. وبسببِ ذلك، قد يُغرِقُ أُناسٌ السَّفينة، أو كما نَقولُ بالعَاميَّة: قد تَغرَقُ سَفينةُ الإيمان. ولا يُمكنُني أن أُعَرِّضَ رَعيَّتي لخطرٍ كهذا. فإن لم أتَصَدَّى لخطاياكُم فإنَّ خَميرةٌ صَغيرةً تُخَمِّرُ العَجينَ كُلَّهُ. وهذا لا يُؤدِّي إلى الوَحدة، بل يَهدِمُها. انظروا إلى رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل – رسالة فيلبِّي 1: 27. فإن لم تَكُن آيةٌ واحدة تَكفي، سأذكُرُ لكم آيتينِ تَقولانِ الشَّيءَ نَفسَهُ. فبولسُ يَكتُبُ إلى أهلِ فيلبِّي ويقول: "فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا..."؛ أي سَواءَ كُنتُم تحتَ رَقابَةٍ مُباشِرَة أَم لا: "...أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لأجلِ ماذا؟] لإِيمَانِ الإِنْجِيل". وما هو هذا؟ العَقيدة المَسيحيَّة. والكلمة "إيمان" هُنا تُشيرُ إلى الإيمانِ المَوضوعيِّ، لا إلى الإيمانِ الذَّاتيّ. فهي تُشيرُ إلى الإيمانِ المَوضوعيِّ؛ أي إلى الإيمانِ أو إلى مُحتوى الإنجيلِ المُعلَن، وإلى ثَباتِكُم معًا لأجلِ الإيمان ولأجلِ الحَقّ. "أريدُ أن أراكُم ثابتينَ في رُوحٍ واحدٍ"؛ أي في نَفسٍ واحدةٍ، وموقفٍ واحدٍ، وفِكرٍ واحد؛ أي أن تَفتكروا فِكرًا واحدًا، وتُؤمنوا بالأشياءِ نَفسِها. مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لأجلِ الإيمَانِ الَّذي يَقولُ عنهُ يَهوذا: "المُسَلَّم مَرَّةً للقِدِّيسين". الإيمان؛ أي مُحتوى الحَقِّ الكِتابيِّ.

وأنا أقولُ مَرَّةً أخرى إنَّني أنظرُ إلى هذا التَّحرُّكِ نحوَ الوَحدة وأعتقدُ بكُلِّ وِجداني أنَّهُ إن كانت هناكَ وَحدة ستَتحقَّق في الأوساطِ الإنجيليَّة، يجب علينا أن نَتيقَّنَ مِن أنَّ العقيدةَ ليست حَجَرَ عَثْرة. وهذا مُناقضٌ تَمامًا للنَّهْجِ السَّائد. "مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لأجلِ الإيمَان". هل نَفهمُ الإيمان؟ هل نَفهَمُهُ حَقًّا؟ هل نَفهمُ حَقائِقَهُ العظيمة؟ فعندما نَفهمُ ذلك، وعندما تَفهمُ الكنيسةُ ذلك، سَنُعَبِّر عن ذلك التَّكريس الواحدِ للحقِّ في حياةِ تلكَ الكنيسة مِن خلالِ وَحدَتِها الرُّوحيَّة الظَّاهرة للعِيان. وهناكَ تأثيراتٌ كثيرةٌ لهذا الأمر – تأثيراتٌ كثيرة. فالوحدةُ في شَكلِها المَنظورِ لها تأثيراتٌ كثيرة.

انظروا إلى مَقطعٍ كِتابيٍّ آخر. ولا أدري كم عددُ تلكَ التأثيرات، ولكنَّ الوقتَ قد مَضَى! هُناكَ خُدَّامٌ يَنتظرونَ مِنِّي أن أُنهي عِظَتي لكي يَقوموا بخدمةِ المَعموديَّة في هذا المساء. أليسَ كذلك؟ إذًا، هذا هو ما كانَ يَجري في فَترةِ غِيابي. أليسَ كذلك؟ رُومية 15. لا بأس! فسوفَ تَعودونَ في الأسبوعِ القادم. وأنا أيضًا. رُومية 15. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا النَّصِّ مَرَّةً أخرى. نَقرأُ في العددِ الخامِس: "وَلْيُعْطِكُمْ إِلهُ الصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ أَنْ تَهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا فِيمَا بَيْنَكُمْ، بِحَسَبِ الْمَسِيحِ يَسُوع". وكما تَرَوْنَ فإنَّ المِعيارَ الَّذي نَحتَكِمُ إليهِ هو يسوعُ المسيح، والإيمان، والإنجيل. المسيحُ يَسوع... الحَقّ. ونَقرأُ هُنا مرةً أخرى: "اهتمامًا واحدًا". وأودُّ أن أقولَ لكم إنَّ عَمَلَ الوَحدةِ (أيِ الوَحدة العُضويَّة الرُّوحيَّة)، وعملَ وَحدتِنا الرُّوحيَّة الحقيقيَّة، وعملَ حياةِ اللهِ في نُفوسِنا، والطَّريقةَ الَّتي نُعَبِّرُ فيها عن أنفسِنا تَبتدئُ بالفِكر.

ففي رسالة كورنثوس الأولى 1: 10، تَمَّ استِخدامُ الكلمة "فِكْر". وفي رسالة فيلبِّي 1: 27 تَمَّ استِخدامُ الكلمة "فِكْر". وهي تُتَرجَم أحيانًا "نَفْس". وهُنا أيضًا في رسالة رُومية 15: 5، تُستخدَمُ الكلمة "اهتِمام". فالمسيحيَّة هي إيمانٌ مَعرِفِيّ. فنحنُ لا نُحاولُ أن نُثيرَ عَواطِفَ النَّاس، ولا نُحاوِلَ أن نَتلاعَبَ بمشاعِرهم ونَجعلُهم يَنصَهِرونَ معًا في ما يُشبِهُ التَّنويمَ المِغناطيسيَّ الجَماعيَّ؛ بل إنَّ ما نُحاولُ القيامَ بهِ هو أن نُعَبِّرَ عنِ الوَحدةِ مِن خلالِ الفَهمِ المُشترَكِ للحَقِّ المُعلَن لكي يكونَ لنا نَفسُ الفِكر. ولا يُمكنكُم القيامُ بذلك إلاَّ عندما تَفهمونَ الحقَّ بالطَّريقةِ نَفسِها. فكما تَعلمونَ، قد أصرِفُ حَياتي كُلَّها في مُحاولةِ جَمْعٍ مَجموعةٍ مِنَ الأشخاصِ بهذا الحَجمِ، أو أصغرَ مِنها، وتَوحيدِهم جميعًا؛ ولكنِّي قد لا أَنجَحُ يَومًا في القيامِ بذلك إن لم يَكُن لديَّ مِعيارٌ مُشترَك. وهذا يُشبِهُ المَثَلَ التَّوضيحيَّ الَّذي قَدَّمَهُ "توزر" (Tozer) عنِ الأربعةِ آلافِ بيانو.

فقد قالَ إنَّكَ إن أحضرتَ أربعةَ آلاف بيانو وحاولتَ أن تَضبِطَها الواحد على الآخر، لن تَتمكَّنَ مِنَ القيامِ بذلك. أمَّا إذا كانت لديكَ شَوكة رَنَّانة، يُمكنكَ أن تَضبِطَ كُلَّ آلاتِ البيانو عليها. والشَّوكةُ الرَّنَّانَةُ الَّتي تُضْبَطُ عليها حياتُكُم جميعًا هي الحَقّ؛ أي الإيمان بالإنجيل. وعندما يَتِمُّ ضَبطُكُم جميعًا على هذا الإيمان، ستكونونَ جميعًا مُتآلِفينَ معًا. ويُمكنُنا أن نُناقشَ كيفيَّةَ تَطبيقِ ذلكَ عَمليًّا (كما قُلتُ) مِن خلالِ اللُّجوءِ إلى الحِكمة؛ ولكنَّ الحقيقةَ المُشتركة هي الحَقّ. فلن تَتمكَّنوا مِن تَحقيقِ الوَحدةِ الكِتابيَّة بمَعزِلٍ عنِ العقيدةِ القويمة، وبِمَعزِلٍ عنِ الصَّلاحِ والقداسةِ ومُعالجةِ الخطيَّة. وعندما تَفتكرونَ فِكرًا واحدًا فإنَّنا نَقرأُ في العددِ السَّادس: ستَعمَلونَ بنفسٍ واحدةٍ وفَمٍ واحدٍ على تَمجيدِ اللهِ أَبي رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيح.

يا أحبَّائي، أعتقد أنَّ ما أحاول أن أقولَهُ لكم اللَّيلة (مع أنِّي سأُضطرُّ إلى عَدَمِ قَولِ أمورٍ كثيرةٍ أرغبُ في قَولِها)، أعتقد أنَّ ما أريدُ حَقًّا أن أقولَهُ لكم هو أنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تَفعلونَهُ في هذه الكنيسة، يَجب عليكم أن تَسْعَوْا إلى الوَحدة. ويجب أن تَعلموا ما يَلي... يجب أن تَعلموا ما يَلي: أنَّهُ إن كانَ هُناكَ انشِقاقٌ بينَكُم هُنا، وإن كُنتُم في خِلافٍ معَ هذه الكنيسة، وإن شَعرتُم أنفسَكُم خُصومًا لهذه الكنيسة، فإنَّ هُناكَ احتِمالَيْنِ فقط: إمَّا أنَّ هُناكَ جَهلاً بالحَقِّ مِن طَرَفِ شخصٍ مَا، وإمَّا أنَّ هُناكَ خَطيَّة. لأنَّهُ إن كُنَّا جميعًا نَفهمُ نَفسَ الحَقِّ، لا يَجوزُ أن يكونَ هُناكَ خِلافٌ حَادٌّ. ولكن إن تَمَّ التَّعَدِّي على ذلكَ الحَقِّ بسببِ خَطيَّةٍ مَا، يجب التَّصدِّي لتلك الخطيَّة ومُعالجتُها. ولكن رُبَّما يكونُ هُناكَ خِلافٌ لأنَّكُم لا تَفهمونَ الحَقَّ.

وأنا أُدهَشُ دائمًا حينَ أرى أشخاصًا يَتخاصمونَ معَ رُعاةِ الكنيسةِ وشُيوخِها. والسَّببُ في ذلكَ في أغلبِ الأحيانِ هو أنَّهم لا يَفهمونَ العَقيدةَ القويمةَ الَّتي يَتصرَّفونَ بِموجِبِها. وَهُم لا يَفهمونَ القَناعات العَميقة. لِذا فإنَّهُم بحاجة إلى التَّعليم. ويجب القيامُ بذلكَ بطريقة مُفعمَة بالنِّعمة والمَحبَّة واللُّطف. فَهُم بحاجة إلى التَّعليمِ لكي يَعرفوا الحَقَّ. وقد يَحدُثُ ذلكَ أحيانًا بسببِ التَّمثيلِ الخاطِئِ، والأكاذيبِ، والحَسَدِ، والغَيْرَةِ، وما إلى ذلك. ولكنَّ السَّعيَ إلى الحِفاظِ على الوَحدانيَّة سيَجعلُكُم صُنَّاعَ السَّلام. وسوفَ تَصيرونَ أشخاصًا يَسْعَوْنَ إلى إحلالِ السَّلام. وهذا يعني أنَّكُم سَتَسْعَوْنَ إلى مَعرفةِ المَسائلِ العَقيديَّةِ المُهِمَّةِ، والأمورِ المُختصَّةِ بالخطيَّة سواءَ كانت في حياةِ الآخرينَ أو في حَياتِكُم الشخصيَّة.

وأريدُ أن أَختِمَ حَديثي (لأنَّ الوقتَ قد مَضى) بنَصٍّ وَرَدَ في رسالة كولوسي والأصحاح الثَّالث. فما هو شَكلُ طَريقِ السَّلامِ هذا؟ وكيفَ نَسعى إلى ذلك؟ وكيفَ نَبقى على ذلك الدَّربِ ونَبقى صَانِعي سَلام؟ نَقرأُ في العدد 12: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ..." – فهكذا تَستمرُّونَ في صُنْعِ السَّلام: "فالبَسوا...أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا. وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا [ماذا؟] الْمَحَبَّة". وها نحنُ نَعودُ إلى النُّقطةِ الَّتي ابتدأنا بها في هذا الصَّباح. فالمحبَّة هي الرِّباطُ الحقيقيٌّ للوَحدة. وطَريقُ السَّلامِ هو طَريقُ رأفةٍ... رأفةٍ حَقيقيَّة، ولُطفٍ حَقيقيٍّ، وقَلْبٍ مُرْهَفِ الحِسِّ تُجاهَ الآخرين. وَهُوَ طَريقُ لُطْفٍ. لِذا، لا وُجودَ لأيِّ شيءٍ غير لَطيف. وَهُوَ طَريقُ تَواضُعٍ. لِذا فإنَّكَ لستَ المِحوَر. وَهُوَ طَريقُ وَداعَةٍ وطُولِ أناةٍ إذْ يَنبغي لكم أن تَحتَمِلوا بَعضُكم بعضًا، وأن تُسامِحوا بَعضُكم بعضًا. وهذا يَسري تَحديدًا على الأشخاصِ الَّذينَ لديهم شَكوى على أيِّ شخصٍ آخر. ومِثالُكُم هو الرَّبُّ الَّذي غَفَرَ لكم. وأريدُ أن أقولَ لكم يا أحبَّائي إنَّني أُصلِّي مِن أجلِ ذلك كثيرًا وأقول: "يا رَبُّ احفَظ سَلامَ هذه الكنيسة، ووَحدانيَّةَ الرُّوحِ برباطِ السَّلام". وأنا أسمَعُ كُلَّ أسبوعٍ... كُلَّ أسبوعٍ عن مُحاولاتٍ لإحداثِ انشِقاق. ولكن إن صَنعتُم انشِقاقًا لن تَفوزوا؛ بل إنَّكم ستَخسرون. وكذلك الكنيسة أيضًا. وهذا يُهينُ اسمَ الرَّبّ. لِذا، افعَلوا كُلَّ ما يُمكنكُم فِعلُه، وكونوا "مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم".

افعلوا كُلَّ ما يُمكن في نِطاقِ قُدرتِكُم وقوَّتِكُم للحِفاظِ على الوَحدة وحِفْظِ السَّلام، وإظهارِ العَطْفِ، واللُّطفِ، والتَّواضُعِ، والوداعةِ، وطُولِ الأناةِ، واحتَمِلوا الآخرينَ، واغفِروا لَهُم، والبَسوا المَحبَّة والإيثارَ والخِدمةَ المُضحِّية. فحينئذٍ ستَظهرُ تلكَ الوَحدةُ الرُّوحيَّةُ بِجَلاءٍ ويَتمجَّدُ اللهُ. حسنًا، دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:

"يا أبانا، يا لَهُ مِن حَقٍّ عَمليٍّ ومُباشِرٍ جدًّا! نَشكُرُكَ جَزيلَ الشُّكرِ على الحِكمةِ الَّتي وَهبتَها لنا والنَّابعة مِن طَبيعَتِكَ ومُعلَنَة في كَلمتِك. أحيانًا، يا رَبُّ، قد نُتَّهمُ بسببِ عَقيدتِنا الرَّاسخةِ بأنَّنا نَسعى إلى الانشقاقِ، وقد نُتَّهَمُ بسببِ مُعتقداتِنا الكِتابيَّةِ بأنَّنا غير مُحِبِّينَ وبأنَّنا نَصنَعُ انشِقاقًا.

ولكنَّ هذه، يا رَبُّ، ليست رَغبتُنا البتَّة. فنحنُ نُريدُ أن نَحفظَ تلك الوَحدةَ الرُّوحيَّةَ الحقيقيَّةَ القائمةَ على الحَقِّ والفضيلة، والقائمة على الفهمِ الصَّحيحِ للعقيدةِ القويمةِ والحياةِ التَّقيَّة؛ تلك الوَحدة الحقيقيَّة. ويا رَبُّ، نحنُ لن نَرضى ببديلٍ زائفٍ يُهينُ حَقَّكَ ومِعيارَكَ المُقدَّس. يا رَبُّ، ادْعُ كَنيستكَ إلى العَودةِ إلى ذلك لَعَلَّها تَعلمُ أنَّ هذا هو أصدقُ تَعبيرٍ عنِ الوَحدةِ الرُّوحيَّةِ الموجودةِ مِن خلالِ الرُّوح. ويا رَبُّ، نحنُ نُصَلِّي لأجلِ هذه الكنيسةِ ونَسألُكَ أن تَحفَظَنا معًا، وأن يُحِبَّ بعضُنا بعضًا، وأن نَسلُكَ في دَربِ السَّلام لِئلاَّ يُهانَ اسمُكَ. ونحنُ نُصَلِّي لأجلِ المؤمنينَ في كُلِّ مَكان عَسَى أن يَلتفُّوا حولَ الحقِّ والفضيلة، وحولَ الكتابِ المقدَّسِ والقَداسة لكي تَتَمَجَّدَ أنتَ. لأجلِ هذا نُصَلِّي باسمِ المسيحِ ولِمَجدِه. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize