كَما أخبَرتُكُم في هذا الصَّباح، سوفَ نَبتدِئُ سِلسلةً أخرى في هذا المَساءِ عن مَوضوعٍ جَديد. والموضوعُ هُوَ السَّماء. ولن تَكونَ هذهِ سِلسِلَة مِنَ العِظاتِ (مِن أَوْجُهٍ عَديدة)، بل سَتَكونُ أشْبَه بِصَفٍّ...على الأقَلِّ في هذا المَساء. فأنا أريدُ أن أُعَلِّمَكُم ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ مِنْ خِلالِ التَّمهيدِ لِموضوعِ السَّماء. وَكما أَشَرْتُ قبلَ أسبوعَيْن، نحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ قَائِمٍ على تَلبيةِ الرَّغَباتِ حَالاً، وفي مُجتمعٍ لا يُريدُ النَّاسُ فيهِ أن يُؤجِّلوا أو يُرْجِئوا أيَّ شَيءٍ سِوى الأقساط. فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُم لا يُريدونَ أن يُؤجِّلوا إشباعَ رَغَباتِهم، بل يُريدونَ وَحَسْب أنْ يُؤجِّلوا الألمَ النَّاجِمَ عن ذلك. فنحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ يُريدُ كُلُّ شَخصٍ فيه مَا يُريدُهُ الآن. ونحنُ لَدينا بِطاقاتُ ائْتِمانٍ تُتيحُ لنا أنْ نَشتري أشياءً لا نَملِكُ المالَ لِشرائِها، وأنْ نَذهَبَ إلى أماكِنَ لا نَملِكُ المَالَ للذَّهابِ إليها، وأن نَفعلَ أمورًا لا نَملِكُ المَالَ للقيامِ بها. ونحن نَدفَعُ مِنْ ذلكَ الوقتِ فَصاعِدًا (كَما هُوَ مَرْجُوٌّ). وأحيانًا يَتَفاقَمُ الدَّيْنُ كَثيرًا ويَبلُغُ حَدًّا نَعجَزُ فيهِ عَن سَدادِ دُفْعاتِنا. وحينئذٍ يَكونُ النَّاسُ قد أَغرَقوا أنفُسَهُم في مَشاكِل عَويصَة.
وهذا يَعكِسُ المَوقِفَ الَّذي يَقول: "أنا أريدُ ما أريد، وأريدُ ذلكَ الآن". وقد قُلتُ لَكُم قبلَ بِضعَة أسابيع كيفَ أنَّنا كُنَّا نُرَنِّمُ تَرانيمَ عنِ السَّماءِ، وكيفَ أنَّنا لم نَعُد نُرَنِّمُ عنِ السَّماءِ الآن...أو نَفعلُ ذلكَ نَادِرًا. وأنا لا أَذكُرُ أيَّ تَرنيمة عنِ السَّماءِ كُتِبَتْ حَديثًا لأنَّنا لا نُحِبُّ تَأجيلَ إشباعِ الرَّغَباتِ. والسَّماءُ هي إشباعٌ مُؤجَّلٌ للرَّغَبَات. ولكِنَّنا لا نُحِبُّ أن نُؤجِّلَ أيَّ شَيءٍ إلى المُستقبَل، بل نُحِبُّ الإشباعِ السَّريعَ لِرغباتِنا. فنحنُ نُريدُها الآن. ونحنُ نُسَرُّ بالتَّضحيةِ بالمُستقبَلِ في سَبيلِ إشباعِ الرَّغَباتِ الآنِيَّة. فنحنُ لا نُريدُ أن نَنتَظِرَ أيَّ شَيء. وبسببِ العَيشِ في مُجتمعٍ قَائِمٍ على الإشباعِ العَاجِلِ للرَّغَبات، وعلى مُجتمعٍ قَائِمٍ على الانِغماسِ في الأشياءِ المَادِّيَّة، وَقَعَتِ الكَنيسةُ ضَحِيَّةَ ذلك. ونحنُ لم نَعُد نَطلُبُ مَا فَوق (كَما يَدعونا الأصحاحُ الثَّالِثُ مِن رِسالةِ كُولوسي)، بل نُرَكِّزُ على الأشياءِ الأرضِيَّة.
ونحنُ لَسنا مُهتَمِّينَ حَقًّا بذلكَ المُستقبَلِ المَجيدِ، أو بذلكَ المَكانِ المَوجودِ في الفَضاء (كَما اختارَ بَعضٌ أن يُسَمُّوه). ونحنُ لسنا مُكَرَّسينَ لِوَضْعِ كَنْزِنا في السَّماءِ كَما أَوصانا يَسوعُ أن نَفعل، بل إنَّنا نَضَعُ كَنْزَنا هُنا. وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الكَارِزينَ والخِدْماتِ التِّلفِزيونيَّةِ والإذاعيَّةِ الَّتي تَلْقى نَجاحًا بَاهِرًا لأنَّها تَعِدُ النَّاسَ بأنَّ يَسوعَ يُريدُهُم أن يَكونوا أغنياءَ الآنَ، وبِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ الآنَ، وأثرياءَ الآنَ، ونَاجِحينَ الآن. ونحنُ نُسَمِّي ذلكَ "إنجيل الرَّخاء"، وَهُوَ مُنتَشِرٌ جدًّا لأنَّ النَّاسَ يُريدونَ كُلَّ الأشياءِ الجَيِّدة الآن.
وقد انتَابَني فُضولٌ شَديدٌ عندما كُنتُ أتحدَّثُ مُؤخَّرًا معَ "جيري فولويل" (Jerry Falwell) وسألتُهُ: "ما رأيُكَ في مُستقبَلِ نَادي ’پي.تي.إل‘ (PTL Club) الآنَ بعدَ أن قَدَّمْتَ استِقالَتَكَ؟" فقال: "أعتقدُ أنَّ جيم وَتامي پيكر (Jim and Tammy Bakker) سَيَعودان". وَمِنَ المُدهشِ أنَّ السَّببَ الكَامِنَ وَراءَ ذلكَ هُوَ أنَّ الدَّائِنينَ يَعتقدونَ أنَّهُ بِمَقدورِ جيم وتامي أنْ يَعودا إلى نادي ’پي.تي.إل‘ وأنْ يَجْمَعَا كُلَّ التَّبَرُّعاتِ اللَّازمةِ لِسَدادِ كُلِّ الدُّيون. وَلا أُصَدِّقُ أنَّ أشخاصًا كهؤلاءِ يُمكِنُهم أن يَعودوا إلى الظُّهورِ أمامَ النَّاسِ وأنْ يَخْدِما في الكَنيسةِ المَسيحيَّة! فهذِهِ فِكرةٌ لا يَتَخَيَّلُها عَقْلٌ، ولكِنَّها تُرينا أنَّنا نَعيشُ في عَصْرٍ يُريدُ النَّاسُ فيهِ إنجيلَ الرَّخاءِ، ويَتبرَّعونَ بالمالِ لأيِّ شَخصٍ يُرَوِّجُ لَهُ. فالنَّاسُ مُستَعِدُّونَ لِشراءِ أيِّ شَيءٍ إنِ اعتقدوا أنَّهُ سَيَجعَلُهُم أثرياءَ، ونَاجِحينَ ومُزدَهِرينَ في هذهِ الحياةِ. وهذا هُوَ الوَعْدُ المُقَدَّمُ إليهم.
والكنيسةُ في أمريكا، بِصورةٍ عَامَّةٍ، لا تُفَكِّرُ في السَّماء. وبسببِ ذلك، فإنَّها كَنيسة مُنْغَمِسَة في الأشياءِ المَاديَّة، وأنانيَّة، وتُرَكِّزُ على ذَاتِها، وضَعيفَة. فهي مُنهَمِكَة في التَّمَتُّعِ بِمَلَذَّاتِها. وهي تَرغَبُ في أن تَكونَ مُرتاحَةً، وأنْ تُفَكِّرَ تَفكيرًا عَابِرًا وَحَسْب في السَّماء. ويُمكِنُكم أن تُبايِنوا بينَ ذلكَ وحقيقةِ أنَّ كُلَّ شَيءٍ تَقريبًا عَزيزٌ على قُلوبِنا مَوجودٌ في السَّماء.
واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكُم لَمْحَةً صَغيرةً عن ذلك. ففي إنجيلِ مَتَّى 6: 9، تَجِدونَ آيَةً مَألوفةً جدًّا تَعرِفونَها جَميعًا: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا [كما قالَ يَسوعُ]: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". واسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم في البِداية (وَلا حَاجَةَ إلى أنْ تَفْتَحوا مَعي على كُلِّ هذهِ الآياتِ لأنِّي سأذكُرُ العَديدَ مِنَ الشَّواهِد). ولكِنْ في المَقامِ الأوَّلِ، إنَّ أباكُم هُوَ في السَّماء. فبالمَعنى الحَقيقيِّ جدًّا: إنَّ اللهَ الَّذي هُوَ مَصدَرُ كُلِّ شَيءٍ بالنِّسبةِ إلينا، اللهُ نَفسُهُ، في السَّماء. كذلكَ، نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 9: 24: "لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا". فالأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنَّ أبانا مَوجودٌ في السَّماءِ، بل إنَّ مُخَلِّصَنا مَوجودٌ في السَّماءِ أيضًا. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 12: 23: "وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ". فالأمرُ لا يَقتَصِرُ فقط على أنَّ اللهَ مَوجودٌ في السَّماءِ، وعلى أنَّ مُخَلِّصَنا مَوجودٌ في السَّماء، بل إنَّ إخوَتَنا وأخَواتِنا في الإيمانِ مَوجودونَ في السَّماء. فَقِدِّيسو العهدِ القَديمِ مَوجودونَ هُناك. وقِدِّيسو العهدِ الجديدِ مَوجودونَ هُناك. وكُلُّ شَخصٍ ماتَ مُؤمِنًا بالمَسيحِ أو مُؤمِنًا باللهِ في العهدِ القديمِ مَوجودٌ في السَّماء. وفي إنْجيل لُوقا والأصحاحِ العَاشِرِ، نَجِدُ أعْجَبَ جُملةٍ في العَدد 20. وَما تَقولُهُ يَنبغي أن يُعطي رَجاءً لِقُلوبِنا جَميعًا. فَهِيَ تَقول: "وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ..." [وَهُوَ يُخاطِبُ هُنا تَلاميذَهُ الَّذينَ كَانوا يَطرُدونَ الشَّياطين]، "...بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَات". إذًا، الأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنَّ أبانا السَّماوِيَّ مَوجودٌ هُناكَ، وأنَّ مُخَلِّصَنا مَوجودٌ هُناكَ، وأنَّ إخوَتَنا وأخواتِنا مَوجودونَ هُناكَ، بل إنَّ أسماءَنا مَكتوبة هُناكَ أيضًا. وما مَعنى هَذا؟ هذا يَعني أنَّنا نَمْلِكُ مَنازِلَ هُناك. فَنَحْنُ مُواطِنونَ في ذلكَ المَكان.
وَميراثُنا مَوجودٌ هُناكَ أيضًا: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". فَميراثُكُمُ الأبدِيُّ مَحفوظٌ في السَّماء. وما مَعنى ذلك؟ أنَّ كُلَّ غِنَى مَجدِ اللهِ ونِعمَتِهِ مَحفوظَة لأجلِكُم ولأجلي في السَّماء. فَأبونا هُناكَ، ومُخَلِّصُنا هُناكَ، وإخوَتُنا وأخواتُنا هُناكَ، وأسماؤُنا مَكتوبةٌ هُناكَ؛ وَهذا يَعني أنَّنا نَمْلِكُ صَكِّ مِلكيَّة في تلكَ الأرض. وَميراثُنا هُناكَ. ويُمكِنُنا أن نُلَخِّصَ الكَثيرَ مِن ذلكَ في رِسالةِ فيلبِّي 3: 20 إذْ يَقولُ الرَّسولُ بولُس: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ". فَمُواطَنَتُنا هُناكَ. فنحنُ مُواطِنونَ في ذلكَ المَكان. وَنَحْنُ نَنتَمي إليه.
وفي إنجيل مَتَّى 5: 12، قالَ يَسوع: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ...لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَات". فَمُكافَأتُكُم الأبديَّةُ مَوجودة هُناكَ. وفي رِسالة أفسُس 6: 9 يُذَكِّرُ بولسُ المُؤمِنينَ في أفسُس بأنَّ رَبَّهُم مَوجودٌ هُناكَ...بأنَّ رَبَّهُم مَوجودٌ هُناك. وفي إنجيل مَتَّى 6: 19-21، قالَ يَسوعُ إنَّ الكَنْزَ الوَحيدَ الَّذي تَملِكونَهُ إلى الأبد مَوجودٌ هُناكَ أيضًا. لِذا، عندما تُفَكِّرُ في السَّماءِ فإنَّكَ تُعَرِّفُ المَكانَ الَّذي يُوجَدُ فيهِ أبوكَ، ومُخَلِّصُكَ، وإخوَتُكُ وأَخواتُكَ، وبالمَكانِ الَّذي كُتِبَ فيهِ اسمُكَ، وبالمَكانِ الَّذي يُوجَدُ فيهِ مِيراثُكَ، وبِمكانِ مُواطَنَتِكَ، وبالمَكانِ الَّذي تُوجَدُ فيهِ مُكافأتُك، وبالمكانِ الَّذي يُوجَدُ فيهِ رَبُّك (لأنَّهُ بِدونِ شَكٍّ اللهُ والمَسيحُ)، وبالمَكانِ الَّذي يُوجَدُ فيهِ كَنْزُكَ أيضًا. ولِتَلخيصِ ذلكَ فإنَّ السَّماءَ هِيَ بَيتُكَ. فنحنُ غُرَباء، وَنَحْنُ نُزَلاء، وَنحنُ أَجْنَبِيِّونَ في هَذا العَالَم. ونحنُ نُشبِهُ كائِناتٍ فَضائيَّةً تَعيشُ على كَوكَبٍ ليسَ لَها. فنحنُ لا نَنتَمي إلى هُنا. وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَلتَقي فيها النَّاسُ في هذا العَالَمِ شَخصًا مِنَّا فإنَّهُم إنَّما يَلْتَقونَ كَائِناتٍ فَضائيَّة. فنحنُ هُمُ الكَائِناتُ الفَضائيَّة يا أصدقائي. صَحيحٌ أنَّنا جِئنا إلى هُنا، ولكِنَّ بَيتَنا مَوجودٌ في مَكانٍ آخَر. وكُلُّ شَيءٍ نُحِبُّهُ مَوجودٌ هُناك. وكُلُّ شَيءٍ عَزيزٍ على قُلوبِنا مَوجودٌ هُناك. وكُلُّ شَيءٍ قَيِّمٍ مَوجودٌ هُناك. وكُلُّ شَيءٍ أبديٍّ مَوجودٌ هُناك. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا مَوجودونَ هُنا في كَنيسةِ المَسيحِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ في هَذا القَرْنِ. وقد أَخَذْنا على عَاتِقِنا أنْ نَنْغَمِسَ في هَذهِ الأرضِ الأجنبيَّة.
ومَسيحيَّةُ الانغِماسِ في الذَّاتِ هِيَ مَسيحيَّةٌ فَقَدَتْ نَظرَتَها السَّماويَّة. فالكنيسةُ اليومَ لا تَرْتَجي السَّماءَ، بل تَتَمَنَّى أَلَّا تَذهَبَ إلى السَّماء. فَهُمْ لا يُريدونَ أن يَذهبوا إلى السَّماءِ إلَّا بعدَ حُصولِهم على كُلِّ ما يُمكِنُ لتلكَ الأرضِ أن تُقَدِّمَهُ لَهُم. وعندما يَستَنفِذونَ ذلكَ، ويَتقدَّمونَ كَثيرًا في العُمْرِ ولا يَعودونَ قَادِرينَ على التَّمَتُّعِ بها، أو عندما يَمرَضونَ مَرَضًا شَديدًا يَمنَعُهُم مِنَ التَّمتُّعِ بها فإنَّهُم يُسَرُّونَ بوجودِ السَّماءِ لاستقبالِهم. "ولكِنْ يا رَبُّ، لا تُرسِلني إلى السَّماءِ الآن. فأنا لم أذهب بَعد إلى هَاواي. وأنا لم أشتَرِ بعد سَيَّارتي الجَديدة. وأنا أريدُ أنْ أذهبَ في رِحْلَةٍ إلى جُزُرِ البَاهاما، وأريدُ الحُصولَ على عَلاوَة، وأريدُ بَيتًا جَديدًا. أرجوكَ يا رَبُّ! لاَ ليسَ السَّماء". ويا لَها مِن نَظرةٍ مُشَوَّهَة تَمامًا!
ولكِنَّ يُوحَنَّا يَقولُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني إنَّ كُلَّ مَا في العَالَمِ سَيَمضِي، وإنَّهُ: "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". وأعتقدُ أنَّ هُناكَ أُناسًا كَثيرينَ يَدَّعونَ أنَّهُم يُحِبُّونَ المَسيحَ، ولكِنَّ حَقيقةَ أنَّهُم يُحِبُّونَ العَالَمَ مَحَبَّةً شَديدةً تَعني أنَّهُم ليسوا مُواطِنينَ سَماوِيِّينَ أصلاً. وكما يَقولُ المَثَلُ القَديمُ: "ليسَ كُلُّ مَن يَتحدَّثُ عنِ السَّماءِ يَذهَبُ إليها". ولكِنْ ليسَ جَميعُ مَن سَيَذهبونَ إليها يَتحدَّثونَ عنها أيضًا. وهذا هُوَ الجَانِبُ الآخَرُ لهذا الموضوع. ويجبُ علينا أن نَتعَلَّمَ أن نَعيشَ على رَجاءِ السَّماء. فيَنبغي أن يَملأَ هذا الرَّجاءُ قُلوبَنا، وأنْ يُغَيِّرَ حَياتَنا، وأنْ يَملأنا بِفَرَحِ التَرَقُّبِ الَّذي يُحَرِّرُنا مِنَ التَّشَبُّثِ بهذا العَالَمِ الزَّائِل. فنحنُ قد نَتَمَسَّكُ كَثيرًا بهذا العَالم. ونحنُ نَستَهلِكُ أشياءً في هذا العَالَمِ نَعْلَمُ أنَّها سَتَزول عِوَضًا عَنْ أنْ نَكْنِزَ لَنا كُنوزًا في السَّماء.
والآن، أنا أَعلمُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّ السَّماءَ مَكانٌ مِنْ نَسْجِ الخَيال. فهُناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّ السَّماءَ هِيَ حُلْمٌ بَشَرِيٌّ يَحْلُمُ بِهِ الأطفالُ الصِّغار. وهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّها أُمنية. وهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ السَّماءَ هِيَ حَالَة ذِهنيَّة. وهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ السَّماءَ رَمْزٌ لِكُلِّ شَيءٍ صَالِحٍ في البَشريَّة. وهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ السَّماءَ هِيَ خُلودُ الحَقِّ والجَمال. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا كُلَّ أنواعِ الأشياءِ الشَّبيهةِ بذلك. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ السَّماءَ مَكانٌ. وأريدُ مِنكُم أن تَفهَموا ذلك. حسنًا؟ فهي مَكانٌ. وكُلُّ الأشخاصِ الَّذينَ يُحِبُّونَ اللهَ يُوْجَدونَ هُناكَ الآن، أو سَيَذهبونَ إلى هُناك. والأمرُ بَسيطٌ جدًّا. فالسَّماءُ مَكانٌ. وَجميعُ الأشخاصِ الَّذينَ يُحِبُّونَ اللهَ مَحَبَّةً حَقيقيَّةً إمَّا مَوجودونَ هُناكَ الآنَ، وإمَّا سَيَذهبونَ ليَحْيَوْا هُناكَ إلى الأبد في كَمالٍ وَمَجْدٍ تَامَّيْن. وَيَجِبُ علينا أنْ نَعيشَ في ضَوْءِ السَّماء.
واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم نَظرةً صَحيحةً عنِ السَّماء. افتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوسَ والأصحاحِ الخَامِس. رِسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاحِ الخَامِس. ودَعونا نَرى إنْ كانَ باستِطاعَتِنا أنْ نَفْهَمِ هُنا شَيئًا مِن قَلبِ الرَّسولِ بولُس. فَقد كانَ يَتعرَّضُ لاضطِهادٍ شَديد. فإنْ رَجَعتُم...لِنَرجِع إلى الأصحاحِ الرَّابِعِ والعَددِ الثَّامِن إذْ يَقول: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا".
بِعبارةٍ أخرى، نحنُ نُعاني هُنا. "مُكْتَئِبِينَ، مُضْطَهَدِينَ، مُتَحَيِّرِينَ، مَطْرُوحِينَ، حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ". "...نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ [في العَدد 11]، والمَوتُ يَعمَلُ فينا لِكَيْ تَظْهَرَ الحَيَاةُ فِيكُمْ". وَهُوَ يَقولُ في العَدد 16: "لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ...". فنَحْنُ لا نَشعُرُ بالفَشَلِ بالرَّغمِ مِن هذا كُلِّه. "...بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا". بِعبارة أخرى، أيًّا كانتِ الصُّعوباتُ الَّتي نَحتَمِلُها في هذهِ الحَياةِ فإنَّها لا تُقارَنُ بالمجدِ الَّذي تُنْشِئُهُ في الحَياةِ الأخرى. فكُلَّما زادَتْ مُعاناتُكَ هُنا، زادَ المَجدُ الَّذي تَحصُلُ عليهِ هُناك.
وَهذا يُشبِهُ ما قَالَهُ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى إذْ إنَّهُ قالَ، أوْ بالحَرِيِّ إنَّ يَعقوبَ ويُوحَنَّا وأُمَّهُما قالوا: "هَل يُمكِنُنا أن نَجلِسَ عَن يَمينِكَ في المَلكوت؟" فقال: "لَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَ ذلكَ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي". والمَعنى المَقصودُ هُنا هو أنَّهُ سَيُعطي ذلكَ لِمَنْ يَتألَّمُ أكثرَ مِن غَيرِهِ لأجلِ اسمِه. فكُلَّما زادَت آلامُكَ هُنا، زادَتْ أمجادُكَ هُناك. فهَكذا يُعادِلُ الرَّبُّ ذلك. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا". لِذا، أيًّا كانتِ الضِّيقاتُ الَّتي تَختَبِرُها هُنا فإنَّكَ سَتَنالُ تَعويضًا عَنها في الأبديَّة. لِذا فإنَّها ضِيقة صَغيرة مُؤقَّتة في سَبيلِ المَجدِ الأبديِّ.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 18: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ". فنحنُ لَدينا نَظرة أبديَّة. ونحنُ نَحتَمِلُ أيَّ ضِيْقٍ يَتَسَبَّبُ بِهِ العَالَم لأنَّنا نَعلَمُ أنَّ ذلكَ سَيُنشِئُ لَنا أكثرَ فأكثرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أبديًّا. لِذا فإنَّنا نُرَكِّزُ على ذلك. وَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الخَامِسِ: "لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ [أيْ إنْ مُتْنا]، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ". فهُناكَ حَياةٌ أخرى تَنتَظِرُنا. وهُناكَ شَكلٌ آخَرُ وَبَيتٌ آخَر.
فَخَيمَتُنا الأرضيَّةُ في طَريقِها إلى الانْهِدام. أليست كذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. فقد سَألَ أحدُ الأشخاصِ "جون كوينسي آدامز" (John Quincy Adams) كيفَ حَالُهُ. وقد كانَ رَدُّهُ مُدهِشًا. فقد قال: "جون كوينسي آدامز بحالٍ جَيِّدة يا سَيِّدي...بحالٍ جَيِّدة جدًّا. فالبيتُ الَّذي يَعيشُ فيهِ مُعَرَّضٌ للسُّقوطِ وقَديم. وقد تَلَقَّى خَبَرًا مِن صَاحِبِ البيتِ يَقولُ فيه إنَّهُ يَجِبُ عليهِ أنْ يُخْلي البيتَ قَريبًا. ولكِنَّ جون كوينسي آدامز بِحالٍ جَيِّدة يا سَيِّدي...بحالٍ جَيِّدة جدًّا". وهَذِهِ هِيَ حَقيقةُ الأمر. فالإنسانُ الخارِجِيٌّ يَهْرَمُ طَوالَ الوقتِ. والخَيمةُ الأرضيَّةُ على وَشْكِ السُّقوط. وحينَ تُنْقَضُ فإنَّنا نَعلمُ أنَّهُ يُوجَدُ لنا بِناءٌ مِنَ اللهِ، بَيتٌ غَيرُ مَصنوعٍ بِيَدٍ، أبدِيٌّ في السَّماواتِ...في السَّماوات". لِذا فإنَّنا نَنظُرُ إلى السَّماءِ حيثُ سَيَكونُ لَنا ثِقَلَ مَجْدٍ أبديًّا...إلى ذلكَ البيتِ الجَديدِ مِنَ الله. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الثَّاني: "فَإِنَّنَا فِي هذِهِ أَيْضًا نَئِنُّ". فَنَحْنُ نَئِنُّ في هذا البيت. وأنا أَعلَمُ أنَّنا نَئِنُّ. فأنتَ تَئِنُّ، وأنا أَئِنُّ، ونحنُ جَميعًا نَئِنُّ. ونحنُ نَئِنُّ بسببِ ضُعْفِ أجسادِنا. ونحنُ نَئِنُّ بسببِ الخَطيَّةِ الَّتي تَسودُ في أجسادِنا. ونحنُ نَئِنُّ لأنَّنا لا نَستطيعُ أن نَكونَ على الصُّورةِ الَّتي يَنبغي أن نَكونَ عَليها ولا أنْ نَفعلَ ما يَنبغي أن نَفعل. فنحنُ نَشعُرُ بالتَّعَبِ دائمًا في هذا الجَسَدِ البَشريِّ. لِذا فإنَّنا نَئِنُّ مَعَ بَقِيَّةِ الخَليقةِ (كَما جاءَ في الأصحاحِ الثَّامِنِ مِن رسالةِ رُومية). "نَئِنُّ" بانتِظارِ الاستعلانِ المَجيدِ لأولادِ اللهِ، وَ "نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاء". فَنَحْنُ نُريدُ جَسَدَنا السَّماوِيَّ.
والآن، هل تَشعرونَ بهذهِ المَشاعِر؟ وهل تَفهَمونَ مَا يَقولُهُ بولُس؟ وهل يُمكِنُكَ أن تَقول: "كَمْ أتوقُ إلى أنْ ألبَسَ مَسْكَني الَّذي مِنَ السَّماء؟" أَمْ أنَّ صَلاتَكَ هِيَ: "يا رَبُّ، كَمْ أتوقُ إلى الذَّهابِ إلى المَتْجَرِ كي أشتَري المَلابِسَ بِسِعْرِ التَّنزيلاتِ مِن نوردستروم (Nordstrom)؟ وما أعنيه هو: أينَ...أينَ شَوقُ قَلبِك؟ أينَ هِيَ أشواقُك؟ فإنْ نَظرتُم إلى الكنيسةِ اليوم، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ هُناكَ أشخاصًا قَليلينَ جدًّا مُلْتَاعينَ لأنَّهُم يَتوقونَ جدًّا إلى أن يكونوا في حَضرةِ اللهِ في السَّماء. وهذا مُحزِن. ولكِنَّهُ يَقولُ: "مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنْ كُنَّا لاَبِسِينَ لاَ نُوجَدُ عُرَاةً". ولماذا تُريدُ ذلك يا بولُس؟ لماذا أنتَ مُتَلَهِّفٌ جدًّا لا إلى خَلْعِ مَسْكَنِكَ، بل إلى أنْ تَلبَسَ ذلكَ الجَسَدَ الأبديَّ؟ نَقرأُ في العدد 4: "فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ". فَنَحْنُ نَشعُرُ بِثِقَلِ الخطيَّة، وثِقَلِ المَرض، وثِقَلِ المَوت، وثِقَلِ الدُّموعِ والحُزنِ والأسَى والألمِ وكُلِّ الأمورِ الأخرى. "إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا". بِعبارةٍ أخرى، لا يَكفي أنْ تَمْضِي أرواحُنا لتكونَ في حَضرةِ اللهِ، بل إنَّنا نُريدُ أن تَذهبَ أجسادَنا إلى هُناكَ أيضًا. "بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاة".
لِذا فإنَّنا هُنا أمامَ رَجُلٍ يَتوقُ حَرفِيًّا إلى هَيئَتِهِ السَّماويَّة، ويَتوقُ إلى أنْ يَكونَ في ذلكَ المَكانِ الأبديِّ. ثُمَّ نَقرأُ: "وَلكِنَّ الَّذِي صَنَعَنَا [كَما يَقولُ في العَددِ الخَامِسِ] لِهذَا عَيْنِهِ هُوَ اللهُ، الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا عَرْبُونَ الرُّوحِ". والآن، ما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ إنَّ الرُّوحَ عَرْبونٌ كَما يُسَمِّيهِ بولسُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن رِسالةِ أفسُس. فَهُوَ ضَمانَةٌ أوْ "عَرْبونٌ". وهذهِ كلمة يُونانيَّة تَعني "خَاتَمَ خُطوبَة". فعندما أعطاكَ اللهُ رُوحَهُ القُدُّوسَ، كانَ ذلكَ خَاتَمَ خُطوبَةٍ يُشيرُ إلى أنَّهُ في يَومٍ مَا ستكونُ عَروسَهُ، وإنَّكَ سَتَتَزَوَّجُ مِنهُ عندما تَذهبُ إلى السَّماء. فالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الدُّفعَةُ المُسَبَّقَة. فالكلمة "عَرْبون" تَعني "دُفعة سَلَفًا" أو "خَاتَمُ خُطوبة" أو "دُفعة مُقَدَّمًا". فهي "دُفعة تَحتَ الحِسابِ" (إنْ أردنا أن نَستخدِمَ تلكَ العِبارَةَ القَديمة).
لِذا فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ العَرْبونُ لِخُلودِنا، والعَرْبونُ لِشَكلِنا الجَديدِ في أمجادِ السَّماء. "فإذًا..." [كَما جَاءَ في العَددِ السَّادِس]: "...نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي الْجَسَدِ، فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ الرَّبِّ. لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ. فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَس ْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ". والآن، هل يُمكِنُكَ أن تَقولَ ذلك؟ بِعبارة أخرى، إنَّها جُملة مُباشِرَة جدًّا. فهل يُمكِنُكَ أن تَقولَ إنَّ أعمَقَ رَغْبَةٍ في قَلبِكَ هِيَ أن تَتَغَرَّبَ عَنِ الجَسَدِ وتَستوطِنَ عِندَ الرَّبِّ؟ فنحنُ نَجِدُ صُعوبةً في قَولِ ذلكَ لأنَّنا نَتَمَسَّكُ بِقُوَّة بهذهِ الحياةِ لأنَّها كُلُّ ما نَعرِفُه. ولأنَّنا نَختَبِرُ المَحبَّةَ والعَلاقاتِ المُهِمَّةَ في حَياتِنا فإنَّنا نَصيرُ عَبيدًا لهذهِ الحَياة. ولكِنْ يجب علينا أن نُفَكِّرَ في مَا هُوَ فَوق. وَما أَرْمي إليهِ، كَما أرجو، أنْ يَعْمَلَ اللهُ بِنَعمَتِهِ خِلالَ الأسابيعِ القَليلةِ القادِمَةِ في أثناءِ دِراسَتِنا لِموضوعِ السَّماءِ...أنْ يَعمَلَ ولو قَليلاً على إضْعافِ تَمَسُّكِنا الشَّديدِ بهذهِ الحَياة.
فَتَخَيَّل أن تَقول: "أنا أُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ أَتَغَرَّبَ عَنِ الجَسَدِ وَأَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ". لاحِظوا العِبارَةَ "وأَستوطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ". فَذلكَ مَسْكَنُنا مَعَ الرَّبِّ. وَهُوَ مَنْزِلُنا. وذلكَ هُوَ المَكانُ الَّذي نَنتَمي إليه. وكما قُلتُ سَابقًا فإنَّ كُلَّ شَيءٍ نُحِبُّهُ مَوجودٌ هُناكَ. فَأبونا هُناكَ، ومُخَلِّصُنا هُناكَ، وإخوتَنُا وأخواتُنا هُناكَ، واسمُنا مَكتوبٌ هُناكَ، ومِيراثُنا هُناكَ، ومُواطَنَتُنا هُناكَ، ومُكافأتُنا هُناكَ، وكَنْزُنا هُناكَ. فذلكَ هُوَ مَنزِلُنا. ونَحنُ نَتوقُ إلى الذَّهابِ إلى بَيتِنا. ويُمكِنُكم جَميعًا أنْ تَتَفَهَّموا ذلك. فعندما تَسافِرُ وقتًا طَويلاً عنِ البيت، هُناكَ شَيءٌ في قَلبِكَ يَتوقُ إلى العَودةِ إلى البيت.
وسوفَ نَعودُ إلى ذلكَ النَّصِّ في وقتٍ لاحِقٍ مِن دِراسَتِنا، ولكنِّي أردتُ أن أُمَهِّدَ إليهِ لأنِّي أريدُ منكُم أن تَرَوْا نَوعَ المَوقِفِ القَلبِيِّ الَّذي نَسعى إليه. فنحنُ نُريدُ أن نَبلُغَ نُقطَةً في قُلوبِنا نَئِنُّ فيها بسببِ رَغبَتِنا في أنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، وَنُسَرُّ فيها بأَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ، ونَهتَمُّ فيها بِثِقَلِ المَجدِ الأبديّ أكثرَ مِمَّا نَهتَمُّ بِخِفَّةِ ضِيقَتِنَا الوَقْتِيَّةِ هُنا، ونُدركُ فيها أهميَّةَ أنْ نَكنِزَ لَنا كُنوزًا في السَّماءِ كي نَتَمَتَّعَ بها إلى الأبد عِوَضًا عن أنْ نَكنِزَها على الأرضِ ونَترُكَها هُنا. فقد ماتَ رَجُلٌ غَنِيٌّ جدًّا فَسألَ شَخصٌ صَديقًا لَهُ: "كَمْ تَرَكَ وَراءَهُ؟" فقالَ صَديقُهُ: "كُلَّ أموالِهِ". وهذا هو تَمامَا ما سَوفَ تَترُكُهُ وَراءَكَ: كُلَّ أموالِكَ.
والآن، لِنَتحدَّث عن أمورٍ رَئيسيَّة جدًّا تَختصُّ بالسَّماءِ لِمُساعَدَتِنا على البَدء. أوَّلاً، يَرِدُ ذِكْرُ السَّماءِ في الكتابِ المقدَّسِ نَحْوَ 550 مَرَّة. وإنْ أردنا أن نُرَكِّزَ أذهانَنا على السَّماءِ، وأردنا أن نَتوقَ إلى السَّماءِ، يجب علينا أن نَعرِفَ القَليلَ عنها لكي يَكونَ هُناكَ شَيءٌ يَجذِبُنا في ذلكَ الاتِّجاه. والكلمةُ الرَّئيسيَّةُ المُستخدَمَةُ في العهدِ القديمِ للإشارةِ إلى السَّماءِ هي "سَماييم" (shamayim). وهي تَعني حَرفيًّا (وَهِيَ كَلِمَة بِصيغةِ الجَمْعِ) وتَعني: "الأَعَالي"..."الأعالي". والكلمة الرئيسيَّة في العهدِ الجديد هي "أورانوس" (ouranos)، وهي التَّسميةُ الَّتي أُطلِقَتْ على الكَوكَب "أورانوس" (Uranus). وهي تَعني حَرفيًّا: "المَكانُ المُرتَفِع". لِذا فإنَّها كَلِمَة عامَّة بِمَعنى أنَّها تَعني الشَّيء العَالي والشَّيء المُرتَفِع. والآن، عندما نَنظُر إلى أعلى إلى الفَضاءِ، وعندما نَنظُرُ إلى فَضاءِ اللَّيلِ أو فَضاءِ النَّهارِ فإنَّنا نَنظُرُ إلى السَّماء. ولكِنَّ أعيُنَنا لا تَرى الأشياءَ البَعيدة جدًّا. واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكُم هذهِ الفِكرةَ الَّتي ذَكَرها الرَّسولُ بولُس. ففي رِسالَتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس، يَقولُ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر والعَددِ الثَّاني: "لقدِ اخْتُطِفْتُ إلى السَّمَاءِ الثَّالِثَة". حسنًا؟ رِسالة كورِنثوس الثَّانية 12: 2: "اخْتُطِفْتُ إلى السَّمَاءِ الثَّالِثَة". وَهَذِهِ إشارة واضحة إلى أنَّ هُناكَ ثَلاثَ سَماواتٍ.
لِذا، دَعونا نَتحَدَّثُ عنِ السَّماواتِ الثَّلاث. حسنًا؟ فالسَّماءُ الأولى هي الَّتي يُمكِنُنا أن نُسَمِّيها "سَماءُ الغِلافِ الجَوِّيِّ"...سَماءُ الغِلافِ الجَوِّيِّ. وَهِيَ تُشيرُ إلى الفَضاءِ المَوجودِ فوقَ الأرضِ مُباشَرَةً. وهذا هو الهَواءُ الَّذي نَتَنَفَّسُه. وهِيَ تُعرَفُ عَامَّةً باسم: "الطَّبَقَةُ السُّفلَى مِنَ الغِلافِ الجَوِّيِّ". وأحيانًا، عندما يَتحدَّثُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ السَّماءِ فإنَّهُ يُشيرُ إلى تلكَ السَّماءِ الأولى؛ أيْ إلى الغِلافِ الجَوِّيِّ المُحيطِ بالأرض. وَهُوَ الهَواءُ الَّذي نَتَنَفَّسُه. وهي البيئَةُ الَّتي نَعيشُ فيها. وعندما يُشيرُ الكتابُ المقدَّسُ إلى ذلك، مِنَ الواضِحِ جدًّا أنَّ هذا هُوَ ما يَعنيه. فمثلاً، هُناكَ العَديدُ مِنَ الشَّواهِدِ، ولكنِّي أُفَكِّرُ في إشَعياء 55: 9: "لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ". أَجَلْ، السَّماءُ الأولى. فالسَّماءُ الأولى هِيَ سَماءُ الغِلافِ الجَوِّيِّ الَّذي يَنْزِلُ مِنهُ المَطَرُ والثَّلْجُ. والآيَةُ تَقولُ إنَّهُما "لاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ يُرْوِيَانِ الأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ". إنَّها الدَّورةُ الهيدرولوجيَّة أوِ الدَّورةُ المَائِيَّة الَّتي تَحدُثُ في السَّماءِ الأولى. فَهِيَ الغِلافُ الجَوِّيُّ الَّذي يُحيطُ بالأرض. وهُناكَ شَواهِد كَثيرة في سِفْرِ المَزامير عنْ ذلكَ الغِلافِ الجَوِّيِّ أيضًا. فنحنُ نَقرأُ مَثَلاً في المَزمور 147: 8 أنَّ اللهَ يَكْسُو السَّمَاوَاتِ سَحَابًا، وَيُهَيِّئُ لِلأَرْضِ مَطَرًا. ومَرَّةً أخرى، هذهِ هِيَ سَماءُ الغِلافِ الجَوِّيِّ.
والسَّماءُ الثَّانيةُ (والكِتابُ المُقدَّسُ يُشيرُ إلى هذهِ السَّماءِ أيضًا) هِيَ مِنْطَقَةُ الكَواكِب، أيِ المِنطَقَةُ الَّتي تُوجَدُ فيها النُّجومُ وتَدورُ فيها الأقمارُ وكُلُّ الكَواكِب. والكِتابُ المُقدَّسُ يُشيرُ أيضًا إلى هذهِ السَّماء. والحَقيقةُ هي أنَّهُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ التَّكوين، قالَ اللهُ: "لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ". "لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ". وَما قَصَدَهُ بذلكَ هُوَ يَتَّضِحُ مِمَّا يَقولُهُ بعدَ ذلك: "فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ. وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ". ومَرَّةً أخرى فإنَّ السَّماءَ المَذكورَةَ هُنا هي سَماءُ الكَواكِبِ، وسَماءُ النُّجومِ والأقمار. وقد أشارَ المُرَنِّمُ إلى تلكَ بأنَّها السَّماءُ أيضًا. وهذهِ هي السَّماءُ الثَّانية.
ثُمَّ هُناكَ السَّماءُ الثَّالثةُ بَعْدَ السَّماءِ الثَّانيةِ، وَهِيَ سَماءُ اللهِ. والآن، هَذِهِ هِيَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ اللهُ فيه. فَهذا هُوَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ فيهِ مَعَ مَلائِكَتِهِ القِدِّيسين. وهذا هُوَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ فيهِ مَعَ كُلِّ القِدِّيسينَ الَّذينَ تَمَّ فِداؤُهم على مَرِّ العُصور. وهذهِ هي السَّماءُ الَّتي نُريدُ أن نُركِّزَ عليها...السَّماءُ الَّتي يَسكُنُ اللهُ فيها، والسَّماءُ الَّتي يَسكُنُ فيها ملائِكَتُهُ القِدِّيسونَ، والتي يَسكُنُ فيها كُلُّ المَفدِيِّينَ على مَرِّ العُصورِ والتي سَنَسكَنُ فيها إلى أبدِ الآبِدين.
والآن، أريدُ أن أُقَدِّمَ لَكُم شَاهِدًا واحدًا لِئَلا تَتَشَوَّشُوا. افتَحوا قَليلاً على سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 27. سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 27 إذْ نَقرأُ: "هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ؟" وَنَحْنُ هُنا أمامَ آيَةٍ كِتابِيَّةٍ تَقولُ، مِنْ جِهَة، إنَّ أَعلى السَّماواتِ (أو حَرفيًّا في اللُّغةِ العِبريَّةِ: "سَماءَ السَّماواتِ") لا تَسَعُ اللهَ. ولكِن كيفَ نَقولُ مِنْ جِهَة إنَّ سَماءَ السَّماواتِ لا تَسَعُ اللهَ، ونَقولُ مِن جِهَةٍ أخرى إنَّ سَماءَ السَّماواتِ هي المَكانُ الَّذي يَسكُنُ فيه؟ لا أَدري! لا أدري كيفَ يُمكِنُنا أن نَقولَ ذلك، ولكِنَّ هذا هُوَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فَمِنْ جِهَة، فإنَّ سَماءَ السَّماواتِ لا تَسَعُ اللهَ. وَمِنْ جِهَةٍ أخرى فإنَّهُ يَسكُنُ فيها. ولا أعتقدُ أنَّ الأمرَ عَسيرُ الفَهمِ جِدًّا. فَيُمكِنُكم أن تَفهموا ذلكَ مِنْ خِلالِ مَثَلٍ تَوضيحيٍّ بَشَرِيٍّ بَسيط. فَهُناكَ مَكانٌ أُقيمُ فيه، ولكِنْ بِمَعنى مِنَ المَعاني، لا يُمكِنُ لِمَنزِلي أنْ يَتَّسِعَ لي. فهو لا يَستطيعُ أن يَحوي جَسَدي طَوالَ الوقتِ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَحوي تَأثيرَ حَياتي، وأنْ يَحوي تأثيري، وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، بالمَعنى البَسيطِ والمَعنى الاعتياديِّ، يُمكِنُنا أن نَفهمَ أنَّ اللهَ يَسكُنُ في السَّماء. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ السَّماءَ مِن جِهَةٍ أخرى لا تَستطيعُ أن تَتَّسِعَ لله.
ولكِنْ هُناكَ سَماءُ سَماواتٍ يَسكُنُ فيها اللهُ. فَهِيَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ فيه. وهي مَنزِلُهُ. وَهيَ مَسْكِنُهُ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إشَعْياء 57: 15: "لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ: فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ". فَهُناكَ مَكانٌ يَسكُنُ اللهُ فيه، وَهُوَ مَكانٌ حَقيقيٌّ وَمَسْكَنٌ. ونَقرأُ في سِفْر إشعياء 63: 15: "تَطَلَّعْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَانْظُرْ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِكَ وَمَجْدِكَ". وَهذا يُخبِرُنا أينَ هُوَ المَسكَن. فَهُوَ في السَّماء. فَهُوَ يَقولُ في الأصحاح 57 إنَّهُ يُوجَدُ مَسْكَنٌ للهِ. وَنَقرأُ في الأصحاح 63 أنَّ اللهَ يَقول: "انظُر مِن مَسكَنِكَ". وَهُوَ يَدعو ذلكَ المَسكَنِ "سَماءً". وهذهِ هي سَماءُ السَّماواتِ الَّتي يَسكُنُ فيها اللهُ. والحَقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في المَزمور 33: 14 أنَّ اللهَ يَنظُرُ مِنَ السَّماءِ. ونَقرأُ في العَدد 13 أنَّهُ مِنْ مَكانِ سُكْناهُ نَظَر. لِذا، هُناكَ مَكانٌ يَسكُنُ فيهِ اللهُ، وذلكَ المَكانُ يُدعى "السَّماء". وَهُوَ سَماءُ السَّماواتِ أوِ السَّماءُ الثَّالِثَة.
وفي المَزمور 102، وهَذا شَاهِدٌ آخَر. وهُناكَ شَواهِد كَثيرة أخرى، ولكِنَّنا نَقرأُ هُنا في العَدد 19: "لأَنَّهُ أَشْرَفَ مِنْ عُلْوِ قُدْسِهِ. الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ نَظَرَ". وفي العهدِ الجديد، كي تَعرِفوا شَاهِدًا مِنَ العهدِ الجديد، نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 3: 12: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي". ومَرَّةً أخرى فإنَّ العهدَ الجديدَ يَقْرِنُ اللهَ بالسَّماء. فاللهُ يَسكُنُ في السَّماء.
والآن، اسمَحوا لي أن أَصْحَبَكُم في رِحلةٍ قَصيرةٍ في إنجيلِ مَتَّى كي أُرَسِّخَ هذهِ الفِكرةَ في أذهانِكُم. حسنًا؟ افتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على إنجيل مَتَّى 5: 16. واسمَحوا لي أن أُرَسِّخَ هذهِ الفِكرةَ وأُريكُم أهميَّةَ هذهِ الفِكرةِ في العهدِ الجديد. والآن، تابِعوا إنجيل مَتَّى 5: 16، وابْقُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ مَفتوحًا كي تَرَوْا هَذِهِ الفِكرةَ السَّائِدَة: "فَلْيُضِــئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي [هُوَ أين؟] فِي السَّمَاوَاتِ". وفي العَدد 34: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ". وفي العَدد 45: "لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّادِسِ والعَددِ الأوَّل: "اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وفي العَددِ التَّاسِعِ: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّابِعِ والعَددِ الحادي عَشَر: "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!" وفي العَدد 21: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".
فيَسوعُ يَستمِرُّ في تَكرارِ هذا. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ العَاشِرِ والعَدد 32: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وفي الأصحاح 12 والعَدد 50: "لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِـي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِــي وَأُمِّي". وفي الأصحاح 16 والعَدد 17: "طُوبَـى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وفي الأصحاح 18 والعَدد 10: "اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ [أيْ أَحَدَ هَؤلاءِ المُؤمِنين]، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وفي العَدد 14: "هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ". وفي العَدد 19: "وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وفي العَدد 35: "فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ".
والآن، لا بُدَّ أنَّكُم تُدركونَ أنَّ يَسوعَ يُريدُ مِنَّا أن نَفهمَ أنَّ اللهَ في السَّماءِ. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ يُكَرِّرُ ذلكَ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة تِلوَ المَرَّة. وفي الأصحاحِ السَّادِسِ مِن إنجيل يُوحَنَّا، في التَّعريفِ باللهِ والسَّماءِ، يَقولُ يَسوعُ في العَدد 33: "لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ". وَمِنَ الواضِحِ أنَّ ذاكَ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هُوَ الرَّبُّ يَسوعُ المُسيحُ. وَهُوَ يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى أنَّ ذلكَ هُوَ المَكانَ الَّذي يَسكُنُ اللهُ فيه. وفي العَدد 38: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ". وفي العَدد 41: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ". وفي العَدد 42: "إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ". وفي العَدد 50: "هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ". وفي العَدد 51: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ". وفي العَدد 58: "هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ".
والآن، ما أُريدُ مِنكُم أن تَفهموه هو أنَّ السَّماءَ مَكانٌ، وأنَّ اللهَ يَسكُنُ هُناكَ، وأنَّ المَسيحَ نَزَلَ مِن هُناك. فَهِيَ ليست مِنْ نَسْجِ الخَيال. وهي ليست شُعورًا. وهي ليست عَاطِفَةً. بل هي مَكان. وهي مَسْكَنُ اللهِ. فَهِيَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ اللهُ فيه. والحَقيقةُ هي أنَّهُ...لاحِظوا هَذِهِ الفِكرة: إنَّها مَسْكَنُ اللهِ...رَكِّزوا في ما سأقول...فَهُوَ المِفتاحُ لتفسيرِ العهد الجديد. إنَّ السَّماءَ مَسْكَنُ اللهِ حَتَّى إنَّها صَارَتْ مُرادِفَةً للهِ. ويُمكِنُكم أن تَجِدوا ذلكَ في العهدِ الجديد.
واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم ذلك. وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الأمثِلةِ التَّوضيحيَّة. وسوفَ أَذكُرُ لَكُم مَثَلا تَوضيحيًّا واحِدًا أوِ اثنين. ففي إنجيل مَتَّى 23: 22، نَقرأُ أنَّ يَسوعَ قالَ: "وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْهِ". والسَّماءُ في هذهِ الآيةِ مُرادِفَةٌ للهِ. فإنْ حَلَفْتَ بالسَّماءِ فَقَدْ حَلَفْتَ باللهِ. فَهُما حَقًّا شَيئًا واحِدًا ومُماثِلاً. فالسَّماءُ هِيَ مَسْكَنُ اللهِ. وَهِيَ مَسْكَنُهُ حَتَّى إنَّهُ يُمكِنُكَ أن تُشيرَ إلى الواحِدِ أوِ الآخَرِ وتَعني الاثنين. ونَقرأُ في إنجيل لُوقا 15: 7: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ". وما مَعنى ذلك؟ فَرَحٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ. وفي العَدد 18...وأنا أُحِبُّ ذلك. فالابنُ الضَّالُّ يَعودُ. والآن، استَمِعوا إلى هذا إذْ يَقول: "يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى..." [مَنْ؟] السَّمَاءِ". وما مَعنى ذلك؟ أنِّي أخطأتُ إلى الله.
والآن، اسمَعوني جَيِّدًا. عندما يُشيرُ الكتابُ المقدَّسُ إلى مَلكوتِ السَّماواتِ، ما الذي يَعنيه ذلك؟ مَلَكوتُ اللهِ. فَهِيَ طَريقةٌ أخرى وَحَسْب للإشارةِ إلى الله. وقد تَقول: "ولماذا يَستخدِمونَ الكلمة ’سَماء‘ عِوَضًا عَنِ ’الله‘؟" مِنَ المُدهِشِ أن تُلاحِظوا ذلك. فكُتَّابُ العهدِ الجديدِ لم يَكونوا مُلْزَمينَ بالقيامِ بذلك، بل كانوا يَذكرونَ مَلكوتَ اللهِ ومَلكوتَ السَّماواتِ. وقد كانَ يَسوعُ يُشيرُ إلى مَلكوتِ اللهِ وَمَلكوتِ السَّماواتِ؛ ولكنَّهُم كانوا يَعنونَ الشَّيءَ ذاتَهُ ونَفسَهُ. وفي الفَترةِ الواقِعَةِ بينَ العهدِ القديمِ وَالعهدِ الجديد، كانت هُناكَ فَترةٌ فَاصِلَةٌ مُدَّتُها 400 سَنة تُعرَفُ بِفَترةِ ما بينَ العَهْدَيْن. في تلكَ الفَترةِ، كانَ اليهودُ يَميلونَ حَقًّا إلى عَدَمِ استخدامِ اسمِ الله. وقد كانَ ذلكَ المَيْلُ مَوجودًا لَديهم حَتَّى في نِهايةِ فَترةِ العهدِ القديم. فَهُمْ لم يَكونوا يُحِبُّونَ أن يَستخدِموا اسمَ إلَهِ العَهْدِ لأنَّهُم كانوا يَحسِبونَ أنَّهُ اسمٌ مُقَدَّسٌ جدًّا ولا يَنبغي أن يَخرُجَ مِن شِفاهِهم. لِذا فقدِ ابتدأوا في عَمليَّةِ استِخدامِ كلماتٍ أخرى عِوَضًا عنِ اسمِ الله. وواحدةٌ مِنَ الكلماتِ الَّتي استُخدِمَتْ في فَترةِ ما بينَ العَهْدَيْن هي أنَّهُم استَعاضوا عنِ اسمِ اللهِ بالكلمة "سَماء". فَعِوضًا عن أن يَقولوا: "أنا أعبُدُ اللهَ"، كانوا يَقولونَ: "أنا أعبُدُ السَّماءَ". وعِوَضًا عن أن يَقولوا: "أنا أَدْعُو باسمِ اللهِ"، كانوا يَقولونَ: "أنا أَدْعو باسمِ السَّماءِ". وحيثُ إنَّ اسمَ اللهِ بِحَسَبِ اعتقادِهم كانَ أَقْدَسَ مِنْ أنْ يَنطِقوا بِه، فقدِ استَعاضُوا عن تلكَ الكلمة بالكلمة "سَماء". وفي زَمَنِ الثَّقافةِ اليهوديَّةِ في العهدِ الجديدِ، كانَتِ الفِكرةُ قد تَرَسَّخَتْ. وكانت أيُّ إشارةٍ إلى مَلكوتِ السموات في آذانِهم تُشيرُ ببساطة إلى مَلكوتِ الله. فهي نفسُ الحقيقة. وهي المكانُ الَّذي يَسكُنُ اللهُ فيه، والمكانُ الَّذي يَحْكُمُ اللهُ منهُ. لِذا فإنَّ دُخولَ مَلَكوتِ السَّماواتِ يَعني دُخولَ مَلَكوتِ اللهِ. فالسَّماءُ مَكان.
والآن، اسمَحوا لي أن أتقدَّمَ خُطوةً أخرى. فالرَّسولُ بولسُ يَقولُ شَيئًا مُدهِشًا جدًّا في رسالةِ أفسُس والأصحاحِ الأوَّل. انظروا قليلاً إليهِ، وتَحديدًا إلى العَددِ الثَّالث: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ..." والآن رَكِّزوا في الكلماتِ التَّاليةِ. والفِعلُ هُنا يَرِدُ في الزَّمَنِ المَاضي: "...الَّذِي [في المَاضي] بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ". والآن، انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّاني والعَدَدَيْن 6 و 7. فالنَّصُّ يَقولُ إنَّ اللهَ "الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا [في العَدَدِ الخَامِسِ] أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ. بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ". وَ [أيضًا في الزَّمَنِ المَاضي] "أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". والآن، استَمِعوا إلى ما سأقول: نحنُ لم نَذهب إلى السَّماءِ بَعْد. فَهِيَ مَكانٌ، ولكِنَّنا لم نَذهب إلى هُناك. ومعَ أنَّنا لسنا في السَّماء فإنَّنا في مَاذا؟ في السَّماوِيَّاتِ.
وقد تَقول: "ما مَعنى هذا؟" سوفَ أقولُ لَكُم ما مَعنى هذا. السَّماءُ هِيَ المَكانُ الَّذي يَسكُنُ اللهُ فيه. والسَّماءُ هي المَكانُ الَّذي يُمارِسُ اللهُ مِنهُ سُلطانَهُ. والسَّماءُ هي المَكانُ الَّذي يُهَيمِنُ اللهُ فيه. ونحنُ لَسنا مَوجودينَ في المَكانِ الَّذي يُدعَى السَّماء، ولكِنَّنا نَعيشُ حَالِيًّا تَحتَ هَيمنَةِ مَلِكِ السَّماء. لِذا فإنَّنا لسنا في السَّماءِ، ولكِنَّنا في السَّماوِيَّاتِ بهذا المَعنَى. وما يُحاولُ الكاتِبُ أن يَقولَهُ هو أنَّنا صِرْنا تَحتَ سِيادَةِ الله. وعندما يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ يَسوعَ كَرَزَ قَائِلاً إنَّ مَلَكوتَ السَّماءِ قدِ اقتَرَب، قَصَدَ بذلكَ أنَّ مَلكوتَ اللهِ قدِ اقتَرَب. وعندما دَعا النَّاسَ إلى المَلكوت، دَعاهُم إلى الخَلاص. وعندما قالَ يَسوعُ إنَّهُ يَنبغي أن تَخلُصوا، قَصَدَ الخَلاصَ. وعندما قالَ إنَّهُ يَنبغي أن تَرِثوا الحَياةَ الأبديَّةَ، قَصَدَ الشَّيءَ نَفسَهُ؛ أيِ الخَلاص. وعندما قالَ: "ادخُلوا مَلكوتَ اللهِ" أو: "مَلكوتَ السَّماءِ" قَصَدَ الخَلاص. لِذا، عندما تَخلُصُ، وتَرِثُ الحياةَ الأبديَّةَ، وتَصيرُ مُؤمِنًا بالمَسيح فإنَّكَ تَدخُلُ مَلكوتَ اللهِ، وتَصيرُ تَحتَ سُلطانِه؛ لا في السَّماءِ، بل في السَّماوِيَّاتِ (كَما قَرأنا قبلَ قَليل). فأنتَ تَحتُ سُلطانِهِ. لِذا، نحنُ لا نَعيشُ الآنَ في السَّماءِ، ولكِنَّنا نَعيشُ في السَّماويَّات. لِذا يجبُ علينا أن نُرَكِّزَ على الأمورِ السَّماويَّة. ويجبُ علينا أن نَعيشَ حَياةً سَماوِيَّة. فحياتُنا الجَديدةُ في المَسيحِ هي في السَّماويَّات. وهذا يَعني أنَّها تحتَ سُلطانِ اللهِ وسِيادَتِه.
والآن، كيفَ هي السَّماءُ؟ إنَّها نِظامٌ جَديد. وهي مُجتَمَعٌ جَديدٌ مِنَ القَداسَة. وهي شَرِكَة جَديدة مِنَ الانسِجامِ معَ اللهِ والمَسيح. وهي مَكانُ فَرَحٍ، وسَلامٍ، وقَداسَةٍ، ومَحَبَّةٍ، وشُعورٍ بالشِّبَع. وأَلَسْنا نَختَبِرُ ذلكَ جُزئيًّا هُنا؟ وأَلَيسَ الرُّوحُ القُدُسُ (الَّذي هو عَرْبونُ أو ضَمانَةُ ذلكَ) يُنْشِئُ فينا ثَمَرَ المَحبَّةِ، والفَرَحِ، والسَّلامِ، واللُّطْفِ، والصَّلاحِ، والإيمانِ، والوَداعَةِ، والتَّعَفُّف؟ فكُلُّ هذهِ سَتَكونُ سِماتٍ للسَّماء. ونحنُ نَختَبِرُها بِصُورةٍ مُصَغَّرَةٍ هُنا لأنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّنا لَسنا في السَّماء فإنَّنا في السَّماوِيَّات. وقد قالَ كاتِبُ التَّرنيمة: "إنَّها لَمْحَة خَاطِفَة عنِ المَجْدِ الإلَهِيِّ". فالسَّماءُ المُستقبليَّةُ الَّتي سَنَذهبُ إليها نَتَذَوَّقُ طَعْمَها الآن. ونحنُ لَنا عَرْبونُ الرُّوحِ القُدُس. ورُوحُ اللهِ يَسكُنُ فيها. وَهُناكَ سِيادَةُ اللهِ تُهَيمِنُ علينا. ونحنُ نَختَبِرُ الفَرَحَ والسَّلامَ والمَحبَّةَ والصَّلاحَ والبَرَكة. وقد صِرْنا خَليقةً جَديدَة، ومُجتمعًا مِنْ نَوعٍ جَديد، وشَرِكَةً مِن نَوعٍ جَديد، وعَائلةً مِن نَوعٍ جَديد. وقد خَرَجْنا مِن مَملكةِ الظُّلمةِ وجِئنا إلى مَملكةِ النُّور. ونحنُ لم نَعُد تَحتَ هَيمنةِ الشَّيطانِ، بل تَحتَ هَيمنةِ اللهِ في المَسيح. ونحنُ نَعيشُ وَفقًا لمبدأ حَياتِيٍّ جَديد. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ [مَاذا؟] خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ (رِسالة كورِنثوس الثَّانية 5: 17): الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا".
فنحنُ خَليقةٌ جَديدة. ونحنُ أفرادٌ في عَائلةٍ جديدة. ونحنُ لم نَعُد نَنْتَمي إلى العَائلةِ الَّتي كُنَّا نَنْتَمي ذاتَ يَومٍ إليها. ونحنُ أولادُ اللهِ. ونحنُ أولادُ مَكانٍ جَديد. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ غَلاطِيَّة 4: 26 أنَّ أُورُشَلِيمَ الْعُلْيَا هِيَ أُمُّنَا. وما هِيَ أورُشَليم؟ إنَّها أُورُشَليمُ اللهِ حيثُ يَسُود. ونحنُ نَتمتَّعُ بِمُواطَنَةٍ جَديدة. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ فيلبِّي 3: 20 (وقد قَرأتُ لَكُم ذلكَ سَابِقًا) أنَّ مُواطَنَتَنا ليسَت في هذا العَالَم، بل هي في السَّماء. ونحنُ لدينا أشواقٌ جَديدة. ويجبُ علينا أنْ نُرَكِّزَ أشواقَنا على مَا هُوَ فَوق، لا على الأشياءِ الأرضيَّة. ونحنُ لدينا مُستودَعٌ جَديد لأنَّ كُنوزَنا يَنبغي أنْ تُوْضَعَ هُناك. لِذا فإنَّ السَّماءَ مَكانٌ، ولكِنَّها أيضًا نِطاقٌ في هذا العَالَمِ حيثُ يَسودُ اللهُ ويُعطينا لَمْحَةً مُسَبَّقَةً عنِ المَجدِ الإلهِيِّ.
والآن، اسمَعوا ما سأقول: إنَّ أفضلَ اختِبارٍ رُوحِيٍّ لديكَ هُوَ مُجَرَّدُ لَمحةٍ صَغيرة عنِ الأشياءِ المَوجودةِ في السَّماء. فأعلى وأسمَى الأشياءِ الرُّوحِيَّةِ في حَياتِكَ، وأعمَقُ أعماقِ الأشياءِ الرُّوحِيَّةِ في حياتِكَ، وأعظَمُ البَركاتِ الروحيَّةِ في حَياتِكَ هي أمورٌ عَاديَّة جدًّا في السَّماء. فنحنُ نَتَذَوَّقُ بِصُورةٍ مَبدئيَّة الدَّهرَ الآتي، وأمجادَ الحياةِ الآتِيَة. لِذا فإنَّنا نَعيشُ الآنَ في السَّماويَّاتِ. ويجبُ علينا أن نَشغَلَ أنفُسَنا بتلكَ العَقليَّةِ السَّماويَّة. فنحنُ جُزءٌ مِنْ عَالَمٍ جَديد، ومُجتمَعٍ جَديد، وشَرِكَة جَديدة. ونحنُ لَدينا مَبدأٌ حَياتِيٌّ جَديد، وعائلةٌ جَديدة، ومُواطَنَة جَديدة، وشَغَفٌ جَديد. ونحنُ نَمُرُّ مُرورًا عَابِرًا في هَذِهِ الحَياةِ في هذا العَالَمِ إلى أنْ نَصِلَ إلى المَكانِ الَّذي تَصيرُ فيهِ كُلُّ الحقائقِ السَّماويَّةِ وَاقِعًا بالنِّسبةِ إلينا. فَهِيَ الآنَ نِطاقٌ نَعيشُ فيهِ تَحتَ سِيادَةِ اللهِ وفي بَرَكَةِ رُوحِهِ. ولكِنَّها ستَصيرُ ذاتَ يومٍ حَقيقةً ومَكانًا نَضَعُ فيهِ فِعليًّا أقدامَنا المُمَجَّدَةَ ونَمشي...مَكانًا حَقيقيًّا.
وهذا يُذَكِّرُنا بصلاةِ يَسوعَ. ويا لَها مِن صَلاةٍ رائعةٍ وبَديعَةٍ وَرَدَتْ في الأصحاح 17 مِن إنجيل يُوحَنَّا. استَمِعوا إلى العَدد 24. وَكَمْ أُحِبُّ هذهِ الآية: "أَيُّهَا الآبُ [كَما يَقولُ يَسوعُ] أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي". فَيَسوعُ يُصَلِّي هُنا إلى الآبِ كي يَأتي بِخاصَّتِهِ إلى السَّماءِ حيثُ هُوَ حَيٌّ إلى أبدِ الآبِدين. لِذا فإنَّنا نَعيشُ في السَّماويَّاتِ الآن، وسنَكونُ ذاتَ يَومٍ في السَّماء. ويا لَهُ مِن رَجاءٍ عَظيم! وفي الأصحاح 14 مِن إنجيل يوحنَّا...هل تَذكرونَ ذلك؟ إنَّهُ وَعدٌ رائِع: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ [أو "غُرَفٌ كَثيرة". فَهُوَ لا يَقولُ "بُيوتٌ"، بل "غُرَفٌ"]، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". وكما تَرَوْنَ فإنَّ يَسوعَ يُريدُ لنا أن نَكونَ إلى الأبد في المَكانِ الَّذي هُوَ فيه كي نَرى مَجْدَهُ وَمَجْدَ أبيه. وَهُوَ مَوجودٌ هُناكَ الآن يُعِدُّ مَكانًا لنا. "فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ". وَيَسوعُ يُعِدُّ لنا مَكانًا. وسوفَ نَكونُ فِعليًّا في ذلكَ المكان كَما أنَّنا مَوجودونَ في هذا المكانِ اللَّيلَة. وسوفَ نَكونُ في هَيئَة جَسديَّة. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلك. فما الهَيئةُ الَّتي سنَكونُ عليها في السَّماء؟ سوفَ تَكونُ هَيئَة جَسَديَّة مِنْ جِهَة، ولكِنَّهُ سَيكونُ جَسَدًا أبديًّا ومُمَجَّدًا وخَارقًا للطَّبيعةِ مِن جِهةٍ أخرى. وقد تَقول: "وأينَ يُمكِنُنا أن نَجِدَ نَموذَجًا على ذلك؟" جَسَدُ المِسيحِ المُقام. ولعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ مَشَى وأَكَلَ، ولكِنَّهُ صَعِدَ إلى الفَضاءِ وعادَ إلى السَّماء. لِذا فإنَّنا نَتَرَقَّبُ ذلكَ المَكان. نحنُ نَتَرَقَّبُ ذلكَ المَكان. والكِتابُ المُقدَّسُ يَدعو السَّماءَ "الْمَدِينَةَ الَّتِي...صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا [مَنْ؟] اللهُ".
وهل تَعرِفونَ كَمْ كانتِ المَدينةُ تَعني للنَّاسِ في الأزمِنَةِ القَديمة؟ في الأزمنةِ القَديمة، كانتِ المَدينَةُ مَكانًا آمِنًا. وكانتِ المَدينَةُ مَلجَأً. ففي داخِلِ الجُدرانِ كانتْ هُناكَ أُخَوَّةٌ وأُلفَة. وفي داخِلِ الجُدرانِ كانَ هُناكَ شُعورٌ بالأمْنِ والحِمايةِ والسَّلامَة. ويُمكِنُكم أن تَتخَيَّلوا البَدْوَ في الأزمِنَةِ القَديمةِ وَهُمْ يَرْتَحِلونَ في الصَّحراءِ ويَجِدونَ أنفُسَهُم مُعَرَّضينَ لِخَطَرِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ واللُّصوصِ الَّذينَ يُهاجِموهُم، ويِسرِقوهُم، ويَقتُلوهُم، ويَجدونَ أنفُسَهُم مُعَرَّضينَ لِخَطَرِ العَوامِلِ الطَّبيعيَّة. ويُمكِنُكم أن تَتخيَّلوا أنَّهُ بعدَ رِحْلَةٍ تَدومُ بِضعَةَ أشهُر، أو رُبَّما أسابيع، أو أيًّا كانَتِ الحَالُ، كَمْ كانَ مِنَ المُنعِشِ أنْ يَدخُلوا مَدينَةً آمِنَةً ومُحَصَّنَةً ومُحاطَةً بالأسوارِ حيثُ يَجِدونَ الألْفَةَ، والشَّرِكَةَ، والفَرَحَ، والرِّفْقَة. فيجبُ عليكُم أن تَنظُروا إلى المَدينةِ مِن زَاويةِ أزمِنَة الكتابِ المقدَّس. فالمُدُنُ اليومَ هِيَ رَمْزٌ للانحِلال، وَرَمْزٌ للجَريمة. وَهِيَ تَرمِزُ إلى كُلِّ ما هُوَ فَاسِدٌ وشِرِّير. ويبدو لي أنَّ النَّاسَ في المَدينةِ يَتوقونَ إلى حَياةِ الرِّيْف. ولكِنْ في تلكَ الأيَّام، كانَ النَّاسُ في الأريافِ يَتوقونَ إلى المَدينة لأنَّها مَكانُ مَلجأ، ومَكانُ حِمايَة، ومَكانٌ آمِنٌ. ويجب علينا أن نُفَكِّرَ بهذهِ العَقليَّة. ويجب علينا أن نَنظُرَ إلى أنفُسِنا كَغُرَباء ونُزلاء نَجُوْلُ في هذا العَالَمِ ونَنتَظِرُ المَدِينَةَ الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ. فهي مَكانٌ حَقيقيٌّ سنَذهبُ إليهِ حَقًّا ونَعيشُ فيهِ حَقًّا معَ المَسيح.
فَكما أنَّ تَلاميذَهُ كانوا مَعَهُ بعدَ قِيامَتِه، فإنَّنا سنَكونُ نحنُ أيضًا مَعَه. وكما أنَّ تُوما تَمَكَّنَ مِنْ لَمْسِ أصابِعِهِ وَلَمْسِ جَنْبِه، سوفَ نَتمكَّنُ نحنُ أيضًا مِنْ لَمْسِه. لِذا، سوفَ نَجلِسُ مَعَهُ. وسوفَ نُرَنِّمُ مَعَهُ. فَهِيَ مكانٌ حَقيقيٌّ. ونحنُ نَعيشُ الآنَ وَحَسْب لَمْحَةً خَاطِفَةً مِنْ ذلكَ المَكانِ الَّذي سَنَبتَهِجُ فيهِ بِفَرَحٍ بِرفقةِ المَسيح الَّذي وإنْ لم نَكُن نَراهُ نُحِبُّه، وَنَبتَهِجُ فيهِ بِفَرَحِ مَعرفةِ الرُّوحِ الَّذي يَسكُنُ فينا لأنَّهُ العَربونُ بأنَّنا سَنَذهبُ ذاتَ يَومٍ إلى ذلكَ المَكان.
وبالمُناسَبَة، في اللَّحظةِ الَّتي تُفارِقُ فيها هذهِ الحياةِ بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، ستَذهبُ إلى ذلكَ المكان. فلا يُوجَد مَثْوى للأمواتِ (كما كانَ يُسَمِّيهِ لاهُوتِيُّو العُصورِ الوُسطَى). ولا يُوجَدُ مَقَرٌّ للأموات. ولا يُوجَدُ مَطْهَر. ولا تُوجَدُ حُفْرَةٌ تَنْتَظِرُ فيها، بل إنَّكَ تَذهبُ حَالاً إلى حَضْرَةِ الرَّبِّ: "نَتَغَرَّبُ عَنِ الْجَسَدِ [كَما قالَ بولسُ] وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ". ونَقرأُ في رِسالة فِيلبِّي والأصحاحِ الأوَّل: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا". فهل هذا هُوَ شَوقُ قَلبِك؟ فيجب علينا في هذهِ السَّاعةِ أن نَعيشَ في السَّماويَّاتِ إلى حَدٍّ نَتوقُ فيهِ إلى مِلْءِ كُلِّ تلكَ البَرَكاتِ الرُّوحيَّة. فهل تَبتَهِجُ بعملِ اللهِ في حَياتِك؟ وهل تَبتَهِجُ لأنَّهُ وَهَبَكَ كُلَّ البَركاتِ الرَّائعةِ الَّتي لَديكَ؟ فإنْ كُنتَ تَبتَهِجُ بذلك، لا بُدَّ أنَّكَ تَرغَبُ في المَزيد. وإنْ كُنتَ تُريدُ المَزيد، لا بُدَّ أنَّكَ تُريدُ السَّماء.
لِذا، عندما أُفَكِّرُ في نَفسي بأنَّ يَسوعَ صَلَّى حَقًّا مِنْ أجْلِ كُلِّ الَّذينَ يَعَرَفونَهُ كي يَمْكُثوا طَوالَ الأبديَّةِ مَعَهُ ويَرَوْا مَجدَهُ، كم أشكُرُ اللهَ على ذلك. وأنا أريدُ أن يَكونَ قَلبي كَقَلبِ بُولُس. وأريدُ أن أَتوقَ حَقًّا إلى أنْ أَلْبَسَ هَيْئَتي السَّماويَّة. وأريدُ أن أخرُجَ مِن هذا العَالَمِ وأتمتَّعَ بالبَرَكَةِ الأبديَّة. وأرجو أنَّهُ عندما نُنْهي هذهِ السِّلسِلَة، وأنا أَتَقَدَّمُكُم الآنَ بِنَحْوِ أسبوعَيْنِ مِنَ الدِّراسَة، أرجو أنَّكُم سَتَتوقونَ إلى الشَّيءِ نَفسِه. وسوفَ يَكونُ لذلكَ تأثيرٌ هَائلٌ في الطَّريقةِ الَّتي تَعيشونَ فيها في هذا العَالَم. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، كَم نَشكُرُكَ على هذا الوَعدِ العَظيم...الوَعدِ بالسَّماء. فنحنُ غيرُ مُستَحِقِّين، ولا نَسْتَأهِلُ ذلك. فقد وَهَبْتَنا حَياةً وَنَسَمَةً. وقد وَهَبْتَنا المَسيح. وقد وَهَبْتَنا الخَلاصَ. وقد أعطيتَنا رَجاءً بالسَّماءِ الأبديَّة. وأنفاسُنا تَكادُ تَنقَطِع حينَ نُفَكِّرُ في أنَّنا نَستطيعُ أن نَترُكَ هذهِ الحياةَ المُؤلمةَ وأن نَقضي الأبديَّةَ في حَضرَتِكَ لأنَّ هذا رائعٌ جدًّا. ونحنُ نُبارِكُ اسمَكَ وَحَسْب على هذا الوَعد. ويا أبانا، إنَّها ليسَت أُمنية وَحَسْب، بل هي شَيءٌ نَتَّكِلُ عليهِ لأنَّكَ أعطيتَنا عَرْبونَ الرُّوحِ القُدُس، وأعطيتَنا الضَّمانَ، وَغَرَسْتَ فينا ذاكَ الَّذي ابتدأَ فينا ذلكَ العَمَلَ الصَّالِحَ الَّذي سَيُكَمِّل. ويا أبانا، أُصَلِّي وَحَسْب أنَّ كُلَّ شَخصٍ مِنَّا سَيتعلَّمُ أن يَعيشَ وَهُوَ يُفَكِّرُ في السَّماء. حَرِّرْنا مِنَ التَّمَسُّكِ بهذهِ الحياة، وَحَرِّرْنا مِنَ التَّمَسُّكِ بهذا العَالَم. وساعِدنا على أن نُرَكِّزَ أشواقَنا على مَا هُوَ فَوْق حيثُ إنَّ كُلَّ شَيءٍ نُحِبُّهُ حَقًّا يَنتَظِرُنا هُناك. باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
