نَفرحُ اليومَ فَرحًا عَظيمًا بأن نَتقدَّمَ إلى مائدةِ الرَّبِّ ونَشتركَ في تَذَكُّرِ الصَّليبِ ومَوتِ الرَّبِّ لأجلِنا. وقد أَكَّدنا أيضًا على الحقيقةِ الرَّائعةِ للصَّلاةِ ومُثولِنا أمامَ الله. وأوَدُّ في هذا الصَّباح، إذ نأتي إلى كلمةِ اللهِ ونُهَيِّئ أنفُسَنا للاشتراكِ في مَائدتِه، أَوَدُّ أن نُتابعَ حَديثَنا عن تَشريحِ الكنيسة؛ وهو أمرٌ أعتقدُ أنَّهُ يُلائمُ بصورةٍ رائعةٍ الأفكارَ الَّتي استَمتَعنا في التَّأمُّلِ فيها في هذا الصَّباح. فقد تابَعنا التَّأمُّلَ في ما يُعلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ الكنيسة، ورَكَّزنا بصورةٍ خاصَّةٍ على المواقفِ الدَّاخليَّةِ، أوِ الدَّوافعِ، أوِ المُعتقداتِ، أوِ الأشياءِ الَّتي تُعطي الحياةَ للجسد. وقد ابتدأنا بالتَّحدُّثِ عنِ الهيكلِ العَظميِّ؛ أي عن تلكَ الأشياءِ الَّتي لا جِدالَ فيها، أو عنِ الأشياءِ الجَوهريَّةِ الَّتي تُعطي الجسدَ بُنيَتَهُ.
ثُمَّ إنَّنا ابتدأنا بالنَّظرِ إلى تلكَ الأنظمةِ الدَّاخليَّةِ في جسدِ المسيح؛ أيِ الأشياءِ الَّتي تَحمِلُ حَياةَ الكنيسة، أوِ القُوَى الحَياتيَّة الَّتي تَجري في الكنيسةِ وتَجعلُها ما هي عليه. وتلكَ الأنظمةُ الدَّاخليَّةُ، أو تلكَ الدَّوافعُ والقَناعاتُ والمواقفُ الَّتي نَاقشناها هي أشياءٌ مِثل الإيمان، والطَّاعة، والتَّواضُع، والمَحبَّة، والوَحدة، ثُمَّ في يومِ الرَّبِّ الماضي: النُّمُوّ. واليوم، أريدُ أن نَنظُرَ إلى عُنصُرٍ آخر، أو إلى دَافِعٍ داخليٍّ مُهمٍّ آخر، أو إلى مَوقفٍ داخليٍّ مُهمٍّ جدًّا لحياةِ الكنيسة. فقد أكَّدنا على القَداسةِ عندما تَحدَّثنا عنِ العَناصِرِ الهَيكليَّةِ للكنيسة؛ أي على السَّعيِ الضَّروريِّ للقَداسةِ والطَّهارةِ لأنَّهُما سِمَتانِ للحياةِ في السَّماء.
وقد نَظرنا إلى تلكَ العَمليَّة في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18، وتَحدَّثنا عن مَدى أهميَّةِ أن تَفحصَ الكنيسةُ نَفسَها، وأن تُعالِجَ الخَطيَّة، وأن تَستأصِلَها، وأن تَتَصَدَّى لها، وأن تُؤدِّبَها، وأن تُحافظَ على الطَّهارة. ولكن فَضلاً عن ذلك، هناكَ عُنصرٌ آخرُ مُهمٌّ جدًّا في حياةِ الكنيسة؛ وهو عُنصُرُ ينبغي لنا أن نُمارِسَهُ طَوالَ الوقتِ في حياةِ الكنيسة. وهذا العُنصُرُ هو مَوقفُ الغُفران... الغُفران. لِذا، يُمكنكُم أن تُضيفوا إلى لائِحَتِكُم (الَّتي تَضُمُّ مواقفَ كالإيمانِ والطَّاعةِ والتَّواضُعِ والمحبَّةِ والوَحدةِ والنُّموِّ) عُنصرًا آخرَ مُهمٌّ لحياةِ الكنيسةِ وهو المَوقفُ الرُّوحيُّ أوِ الدَّافِعُ المُتمثِّلُ في الغُفران. فيجب أن يكونَ هذا العُنصرُ مُرافقًا للسَّعي إلى القَداسة؛ وإلاَّ فإنَّ الكنيسةَ ستَصيرُ قاسيةً جدًّا، ومُرَّةً جدًّا، ومُتَحَجِّرَةً جدًّا.
ولكنَّ الكنيسةَ ليست مَكانًا للضَّغينَة. ولا يَجوزُ أن تَتَّسِمَ الحياةُ المسيحيَّةُ بالضَّغينَةِ أوِ النَّقمةِ، أوِ المَرارةِ أوِ الكِبرياء. فكُلُّ هذهِ الأمورُ مُدَمِّرَة وينبغي أن تُحَلَّ بموقفِ الغُفران. وهذا أمرٌ مُهمٌّ جدًّا لأنَّهُ بقدرِ ما نَرغبُ في تَطبيقِ مَشيئةِ اللهِ في السَّماءِ على الأرض، وبقدرِ ما نَرغبُ في القيامِ على الأرضِ بما يَجري في السَّماء، وبقدرِ ما نَرغبُ في أن نَكونَ سَماوِيِّينَ، لا يُمكنُنا أن نَفعلَ ذلك. فنحنُ نَتوقُ إلى كَمالاتِ السَّماء، ولكنَّنا لا نَملِكُ هذه الكَمالات. لِذا، لا بُدَّ مِن أن تُوجدَ في حياةِ الكنيسةِ نَقائِص، وأخطاء، وأحكامٌ مَغلوطة، ومواقف غير صَحيحة، ولا بُدَّ أن تكونَ هناكَ خَطايا. وهي ستَحدُثُ في كُلِّ مُستوياتِ الكنيسة.
فهي ستَحدُثُ في حَياةِ القادة، وستَحدُثُ في حياتي، وفي حياةِ الرُّعاةِ والشُّيوخِ الآخرين، وستَحدُثُ في حياةِ الجَميعِ في هذه الكنيسة وفي أيَّة كنيسة. والرَّسولُ بولسُ يَنظُرُ إلى نَفسِهِ في أَوْجِ حَياتِهِ، وفي ذُروةِ حَياتِه، وفي نِهايةِ حَياتِهِ بعدَ أن صَارَ ذلكَ المَسيحيَّ المِقدامَ، ويقولُ عن نَفسِهِ إنَّهُ أوَّلُ الخُطاة. فسوفَ تكونُ هُناكَ دائمًا نَقائِص، وسوفَ تكونُ هُناكَ دائمًا أخطاء، وسوفَ نَقولُ دائمًا عن أنفسِنا: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْت؟" والحقيقةُ هي أنَّهُ كُلَّما زادَ نُضجُنا في المسيح، وكُلَّما زِدْنا نُمُوًّا، وكُلَّما صِرنا ذلكَ الأبَ الرُّوحيَّ الَّذي تَحدَّثنا عنهُ يومَ الرَّبِّ الماضي، زادَ وُضوحُ خَطايانا في أعيُنِنا لأنَّهُ كُلَّما زادت رَهافَةُ إحساسِنا بها، زَادَ إدراكُنا لإخفاقاتِنا.
ولأنَّهُ ستكونُ هُناكَ دَائمًا نَقائِص، وستكونُ هُناكَ دَائمًا أخطاءٌ، وآثامٌ، وخطايا، وتَعَدِّياتٌ، وأحكامٌ مَغلوطَةٌ، ستكونُ هناكَ دائمًا حاجةٌ عظيمةٌ لمُمارسةِ الغُفرانِ في حياةِ الكنيسة. وحيثُ يُوجَدُ مَوقِفُ عَدَمِ غُفران، يُوجَدُ شَرْخٌ في الشَّرِكَة، وضُعفٌ في استغلالِ المَواهبِ المَوجودة، وسَلْبٌ للفَرَحِ الَّذي ينبغي أن نَختبرَهُ، وسَلْبٌ للسَّلامِ الَّذي أعطانا الرَّبُّ إيَّاه مِن خلالِ رُوحِه.
ورُبَّما يَجدُرُ بي أن أقولَ باختصار إنَّهُ في ثَقافةِ اليومِ الَّتي تُصَدِّقُ ما يَقولُهُ عِلْمُ النَّفسِ الحَديث، وفي ثَقافةِ اليومِ الَّتي تَميلُ إلى مُمارسةِ خَطيَّةِ تَقديرِ الذَّاتِ والتَّغَنِّي بِها، والسُّخريةِ مِنَ الغُفران، والإعلاءِ مِن شأنِ الانتقام، فإنَّ هذا التَّوَجُّهَ هو عَكسُ ما يُعَلِّمُنا إيَّاه الكتابُ المقدَّس. ولكن يجب علينا أن نُعَبِّرَ عن مَوقفِ الغُفران. وأريدُ أن أتحدَّثَ عن هذا الموضوعِ بإيجاز في هذا الصَّباح قبلَ أن نَتقدَّمَ إلى مائدةِ الرَّبِّ حيثُ سأذكُرُ لكم بِضعَ نِقاطٍ كي تَتأمَّلوا فيها. أوَّلاً، الغُفرانُ هو أفضلُ عَمَلٍ يَستطيعُ المَرءُ أن يَفعلَهُ للتَّمَثُّلِ بالله. الغُفرانُ هو أفضلُ عَمَلٍ يَستطيعُ المَرءُ أن يَفعلَهُ للتَّمَثُّلِ بالله. فلا يوجد عَملٌ يَجعلُنا نَتَمَثَّلُ باللهِ أكثرَ مِن أن نَغفرَ لشخصٍ آخر. ولا يُمكنُكَ أن تَتَمَثَّلَ باللهِ أكثرَ مِمَّا تَفعل حينَ تَغفِر.
فإن كانَ شَوقُ قَلبِكَ هو أن تَتَمَثَّلَ بالمسيح، وأن تَصيرَ مِثلَ أولادِ اللهِ؛ أي أولادِ اللهِ الأحبَّاءِ الَّذين يَظهِرونَ صِفاتِهِ، يجب عليكَ بالضَّرورةِ أن تَتَّصِفَ بالغُفران.
فالغُفرانُ شَيءٌ مُذهِل. والغُفرانُ وَعدٌ. والغُفرانُ تَعَهُّدٌ. والغُفرانٌ هو تَعبيرٌ عن مَحبَّةٍ لا يَستحِقُّها الطَّرَفُ الآخرُ، وهو ليسَ جَديرًا بِهِ إذْ إنَّ لِسانَ حَالِ الغُفرانِ هو: "مَهما فَعلتَ، أنا لستُ غاضبًا مِنكَ. ومَهما فَعلتَ، أنا لا أكرَهُكَ. ومَهما فَعلتَ، أنا أرغبُ في الانتقامِ مِنك. ومَهما فَعلتَ، أنا لا أرغبُ في الثَّأرِ مِنك؛ بل إنِّي أَصفَحُ عن تلكَ الإساءة تَمامًا، ولا أنظُرُ إليكَ كشخصٍ مُذنِب، ولا أشعُرُ بالشَّفَقة على نَفسي لأنِّي تَعرَّضتُ للإساءة؛ بل إنِّي أَصفَحُ عن تلكَ الإساءة تَمامًا، وأُظهِرُ لكَ حُبِّي الكامِل". هذا هو الغُفران. وهذا هو التَّمَثُّلُ بالله.
ولكي نُذَكِّرَ أنفسَنا بذلك، لِنَرجِع إلى سِفْر الخروج والأصحاح 34. ففي سِفْر الخروج والأصحاحِ الرَّابع والثَّلاثين، نَقرأُ ما يَلي في العَدَدَيْنِ السَّادس والسَّابع: "فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ"؛ أي قُدَّامَ مُوسَى الَّذي طَلَبَ مِنَ الرَّبِّ، إن كُنتُم تَذكرونَ، أن يُريهِ مَجدَه. والرَّبُّ يُعَرِّفُ بِنَفسِهِ هُنا، ويَجتازُ قُدَّامَ مُوسَى، ويُظهِرُ جُزءًا مِن مَجدِهِ. وقد عَرَّفَ الرَّبُّ بِنَفسِهِ في العددِ السَّادسِ بالكلماتِ التَّالية: "الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ، وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ [وهي كلمة أخرى تُشيرُ إلى النِّعمة] وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّة". هذه هي صِفَةُ اللهِ الَّتي نُريدُ أن نُعَرِّفَها. فهو بطبيعَتِهِ إلَهٌ غَفور.
وفي وقتٍ سابقٍ مِنَ الخَدمة، قَرأتُ المَزمور 32 والعدد الأوَّل: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً". والمَزمورُ الخامسُ والثَّمانون يُعَبِّرُ أكثر عن قَلبِ اللهِ الغُفورِ حينَ يَقولُ في العَدَدَيْن الثَّاني والثَّالث: "غَفَرْتَ إِثْمَ شَعْبِكَ. سَتَرْتَ كُلَّ خَطِيَّتِهِمْ... حَجَزْتَ كُلَّ رِجْزِكَ. رَجَعْتَ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ". ومَرَّةً تِلو الأخرى في سِفْر المزامير، تَتكرَّرُ فِكرةُ الغُفران. وهناكَ آية أُخرى جَديرةٌ بأن نُشيرَ إليها وَهي المَزمور 130 والعدد الرَّابع: "لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ". والخَوفُ يَعني العِبادة، والإجلال، والتَّوقير، والإكرام. فاللهُ جَديرٌ بأن يُعْبَدَ مِنْ قِبَلِ الأشخاصِ الَّذينَ أَجْزَلَ لَهُم الغُفران.
وفي سِفْر إشعياء النَّبيِّ، مِن بينِ الأنبياءِ الآخرين، ولكن بصورة مُحدَّدة في سِفْر إشعياء، يَتحدَّثُ النَّبيُّ عن غُفرانِ اللهِ في الأصحاحِ الثَّالث والأربعين مِن نُبوءتِه. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ جُزءًا كبيرًا مِن نُبوءتِه يَتحدَّثُ عنِ الدَّينونة، ثُمَّ إنَّ الأمرَ يَتغيَّر في المُنتصَف. ثُمَّ نَجِدُ أنَّ الجُزءَ الأخيرَ يَتحدَّثُ عنِ الغُفرانِ والمُستقبلِ المَجيد. ففي سِفْر إشعياء 43: 25، نَقرأُ أنَّ اللهَ يَتكلَّمُ ويَقول: "أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا". يا لها مِن جُملةٍ رائعة! "أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي". ما مَعنى ذلك؟ أي كي أُظهِرَ ذاتي بِصِفتي إلهًا غَفورًا حَتَّى أُعْبَدَ مِن قِبَلِ الأشخاصِ المُمْتَنِّينَ لهذا الغُفران.
ثُمَّ نَقرأُ ذلكَ النَّصَّ العَظيمَ في سِفْر إشعياء 55: 6 و 7: "اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ". وقد تَحدَّثَ النَّبيُّ إرْميا كثيرًا بذاتِ الطَّريقة. وسوفَ أَذكُرُ لكم آية واحدة فقط، وهي آية رائعة وَرَدَت في سِفْر إرْميا 33: 8: "وَأُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ إِثْمِهِمِ الَّذِي أَخْطَأُوا بِهِ إِلَيَّ، وَأَغْفِرُ كُلَّ ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا إِلَيَّ". فاللهُ يَذكُرُ هَوْلَ الإثْمِ، ثُمَّ يُكَرِّرُ مَرَّتَيْنِ مَوقِفَهُ الغَفور.
وقد عَلَّمَ يَسوعُ أمثالاً كثيرة. فعندما نأتي، بِكُلِّ تأكيدٍ، إلى العهدِ الجديدِ، نَرى أنَّ الأمثالَ تُمَثِّلُ جُزءًا كبيرًا جدًّا مِن تَعليمِه. ورُبَّما لا يوجد مَثَلٌ مِن تلكَ الأمثالِ مَعروفٌ لدينا أكثرَ مِنَ المَثَلِ الَّذي نُسَمِّيه: "مَثَل الابن الضَّالّ". وهو في الحقيقة ليسَ مَثلاً عنِ الابنِ الضَّالّ، بل هو مَثَلٌ عنِ الأبِ الغَفور. فهذا عُنوانٌ أفضل لَهُ في اعتقادي. وهو أكثرُ مَثَلٍ مَعروفٍ لدينا. وهو مُدَوَّن في إنجيل لوقا والأصحاح 15 إذْ نَرى اللهَ مُمَثَّلاً في أبٍ يَغفِرُ تَمامًا لابنِهِ الَّذي ليسَ جَديرًا بالغُفرانِ ولا يَستحقُّهُ. والابنُ في ذلك المَثَل لا يَختلفُ كثيرًا عن أبناءٍ كثيرين إذْ إنَّهُ كانَ جَشِعًا، وأنانيًّا، ومُتَلَهِّفًا للحُصولِ على ثَروةٍ لم يَتعَب في الحُصولِ عليها. وهو أحمق، ومُسِرفٌ في الطَّريقةِ الَّتي بَذَّرَ فيها المالَ بسُرعة معَ أشخاصٍ استَغَلُّوه وتَركوهُ في حالةٍ بائسةٍ عندما نَفَدَتْ أموالُهُ.
وقد عادَ تَدريجيًّا إلى رُشْدِه، وكادَ أن يَموتَ جُوعًا، وصارَ يأكُلُ خُرْنوبَ الخَنازير، وصارَ في حالَةٍ تَعكِسُ حَقًّا حَياتَهُ، وقالَ لنفسِه: "إنَّ خُدَّامَ أبي يَعيشونَ حياةً أفضلَ مِن حياتي. سوفَ أرجِعُ إلى بيتِ أبي". وهو لم يَتوقَّع في الحقيقة غُفرانًا، بل إنَّ ذلكَ كانَ في الحقيقةِ آخرَ شيءٍ يَتوقَّعُه. فقد قالَ: "سوفَ أعودُ إلى بيتِ أبي وأكونُ عَبدًا لَديه، وأنتَهِزُ تلكَ الفُرصةَ لأقولَ لأبي إنِّي كنتُ طائشًا، وإنِّي كُنتُ ابنًا مُريعًا. أنا لا أتوقَّعُ أن أكونَ ابنًا، ولكنِّي سأعودُ وأسألُ أبي إن كانَ بِمَقدوري أن أكونَ عَبدًا وَحَسْب. فكُلُّ ما أريدُهُ هو أن يكونَ هُناكَ سَقفٌ فوقَ رأسي. وكُلُّ ما أريدُهُ هو أن أحصُلَ على وَجبةِ طَعامٍ أفضلَ مِن تلكَ الَّتي تَحصُلُ عليها الخَنازير". وقد ابتدأَ يَمشي في طَريقِ العَودة.
وعندما اقتربَ مِنَ الوُصولِ إلى بيتِ أبيه، يُعَلِّمُنا يَسوعُ مَعنى الغُفران لأنَّهُ ماذا يَفعلُ الأبُ؟ إنَّ الأبَ لا يَنتظرُ وُصولَ الابنِ الخَاطِئ، بل حَالَ رُؤيتِهِ لَهُ نَراهُ يَركُضُ إليه لمُلاقاتِه. فمعَ أنَّهُ كانَ ما يَزالُ بَعيدًا فإنَّ الأبَ يَركُض. وعندما يَفتَحُ الابنُ فَمَهُ كي يَتكلَّم، وقبلَ أن يَقولَ الحَرفَ الأوَّلَ في الكلمة "آسِف"، وقبلَ أن تَصدُرَ أيَّةُ كلمة مِن فَمِه، نَرى أنَّ أباهُ احتَضَنَهُ وابتدأَ في تَقبيلِه والتَّعبيرِ عن مَحبَّتِهِ لَهُ، وأَمَرَ أن يُلْبِسوهُ الحُلَّةَ الأولى، وأن يَجعلوا خَاتَمًا في يَدِهِ، وأن يُقيموا وَليمةً أو حَفلةً أوِ احتفالاً، وأن يُقَدِّمُوا العِجْلَ المُسَمَّنَ ويَطهُوا أفضلَ طَعامٍ يَتَخَيَّلُهُ إنسان، وأن يَعزِفوا المُوسيقا ويَدعوا جَميعَ الأصدقاء. فهذا هُوَ سَخاءُ الغُفران.
وقد تَقول: وكيفَ عَلِمَ الرَّبُّ أنَّ الابنَ أرادَ الغُفران؟ لقد عَلِمَ ذلكَ لأنَّهُ عَادَ. فَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ كانَ قد ابتدأَ يَمشي في ذلك الطَّريق. وعندما يَرى اللهُ خاطئًا يَتحرَّكُ في اتِّجاهِهِ، حَتَّى قبلَ أن يَنطِقَ بالحَرفِ الأوَّلِ مِنَ الكلمة "آسِف"، فإنَّ اللهَ يَحتَضِنُ الخاطِئ، ويُسبِغُ غُفرانَهُ ومَحبَّتَهُ على ذلك الخَاطِئ. فهذا هو الغُفرانُ الَّذي يُقَدِّمُهُ اللهُ. وسوفَ أُخبركُم شيئًا بصِفتي راعيًا: أنا أحزنُ كثيرًا على الأشخاصِ الَّذي يَشعرونَ بالمَرارة. فهذا السُّلوكُ لا يُحاكي اللهَ في شَيء، ولا يُحاكي شَخصَ يَسوعَ المَسيح. وأنا أَحزَنُ على الأشخاصِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ يجبُ عليهم أن يَنتقِموا لكُلِّ إساءةٍ وُجِّهَت إليهم. فَهُم يَشعرونَ بِوُجوبِ الثَّأرِ لأنفسِهم، وبوُجوبِ الانتقامِ لأنفسِهم، وبوُجوبِ الحِفاظِ على كَرامَتِهم وكِبريائِهم. لِذا فإنَّهُم يُحدِثونَ انقسامًا.
وأنا أَحزَنُ على هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ أن يَهدِموا كَنيسةَ المَسيحِ، ويَهدِموا عَمَلَ اللهِ، ويَهدِموا حَياةَ الخُدَّامِ الأُمناءِ وخِدمَتِهم. ولكنَّ الأبَ الغَفورَ لا يَستطيعُ إلاَّ أن يَقولَ إنَّهُ يُحِبُّ الابنَ غيرَ الجَديرِ بمحبَّتِه. وهو لا يَستطيعُ إلاَّ أن يَقولَ إنَّهُ سيُحبُّ دائمًا ذلكَ الابنَ الَّذي اقترفَ تلكَ الخطايا المُريعة. وقد ارتُكِبَت تلكَ الخطايا مُباشرةً بِحَقِّ ذلكَ الأب. وهو لا يَفعلُ أيَّ شيءٍ سِوى الاحتفالِ بذلكَ الابن، وغَمْرِهِ بكُلِّ أشكالِ التَّعبيرِ عنِ الغُفران. وهو لا يَفعلُ ذلكَ لأجلِ مَنفعةٍ شَخصيَّة، بل لأجلِ فَرَحِ المُصالَحة، ولأجلِ حُبِّ الفَضيلة. لِذا فإنِّي أقولُ إنَّ الغُفرانَ هو أكثرُ شيءٍ يُمكِنُكَ القيامُ بهِ للتَّمَثُّل بالله.
وَمِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تُحْدِثَ انقسامًا في كنيسةٍ مَملوءة بأشخاصٍ غَفورين لأنَّكَ لن تَتمكَّنَ مِن إشعالِ أيِّ نار. فبِصَرفِ النَّظرِ عنِ الأخطاءِ الَّتي قد يَقترفُها راعي كنيستِك، أوِ الَّتي قد يَقترفُها قادة الكنيسة، أوِ الَّتي قد تَقترفُها أنتَ، أوِ الَّتي قد يَقترفُها الأشخاصُ مِن حَولِك، إنْ سَارعتَ إلى الغُفرانِ سيكونُ مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تُحدِثَ تلكَ الانقساماتِ الَّتي تُهينُ اسمَ الرَّبّ. فعندما كانَ يَسوعُ مُعَلِّقًا على الصَّليبِ نَظَرَ إلى النَّاسِ الَّذينَ كانوا يَسلبونَهُ حياتَهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ ابنُ اللهِ الَّذي بِلا خَطيَّة، ثُمَّ رَفَعَ عَينيهِ إلى السَّماءِ وصَلَّى لأجلِهم قائِلاً: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُون". وعندما كانَ استفانُوس يَتعرَّضُ للرَّجْمِ على أيدي أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ كانُوا يُزْهِقونَ حَياتَهُ، نَظرَ إلى السَّماءِ ورأى يَسوعَ المسيحَ في رُؤيا مَجيدةٍ فقال: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ"؛ أي: "يا رَبُّ، لا تُحاسِبهُم على ما يَفعلون".
وهُناكَ السَّيِّد توماس مُور (Sir Thomas More) الَّذي كانَ رَئيسَ مَجلس اللُّوردات في إنجلترا وحُكِمَ عليهِ بالموتِ ظُلْمًا فقالَ لِمَنْ حَكَموا عليه (وأنا أَقتبسُ كَلامَهُ): "كما أنَّ القِدِّيسَ بولُس كانَ يَحرُسُ ثِيابَ الأشخاصِ الَّذينَ رَجَموا استفانوس حتَّى الموت ولكنَّهُما صَارا كِلاهُما قِدِّيسَيْنِ في السَّماء وسيَبقيانِ صَديقَيْنِ هُناكَ إلى الأبد، أتمنَّى بحرارة وأُصَلِّي مِن أعماقِ قلبي أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّكم تَخضعونَ الآنَ لسُلطانِ الأرضِ وتَدينونَني وتَحكُمونَ عليَّ بالموت، فإنَّنا سنَلتقي في وقتٍ لاحقٍ بابتهاجٍ في السَّماءِ في الخلاصِ الأبديّ" (نِهايةُ الاقتباس). فقد صَلَّى لأجلِ خَلاصِ جَلاَّديه. هذا هو الغُفران. وهذا هو التَّمَثُّلُ بالله. فاللهُ قد تَعرَّضَ بكُلِّ صَلافَةٍ وصَفاقَةٍ وإجْحافٍ للإساءةِ والتَّجديفِ والإهانةِ مِن قِبَلِنا جَميعًا. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يُسبِغُ علينا غُفرانَهُ ومَحبَّتَهُ.
وهذه هي النُّقطةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي يُرَكِّزُ عليها بولُس في رسالتهِ إلى أهلِ أفسُس والأصحاحِ الرَّابع. افتَحوا على هذا الأصحاحِ مِن فَضلِكُم. رسالة أفسُس 4: 32. ففي رسالة أفسُس 4: 32 نَقرأُ مَا يَلي: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ". ويجدُرُ بِنا أن نَتوقَّفَ ونَتحدَّثَ عن هذه الجُملةِ قليلاً. فنحنُ نُواجِهُ عَالَمًا غيرَ لَطيفٍ، ومُجتمعًا غيرَ لَطيفٍ؛ بل هو مُجتمعٌ غَاضبٌ جدًّا، وعِدائِيٌّ جدًّا، وعَديمُ الرَّحمةِ جدًّا. ولكن يجب علينا أن نَكونَ لُطَفاء، وأن نَتغاضَى عنِ الأخطاء، وأن نَتغاضَى عنِ الأحكامِ المَغلوطَة، وأن نَتغاضَى عنِ الإخفاقات، وأن نَتغاضَى عنِ الضَّعفات، وأن نَتغاضى عنِ الخَطايا، وأن نُعامِلَ النَّاسَ بلُطف، وأن نَتجنَّبَ التَّركيزَ على الذَّات، والأنانيَّة، والمَطامِح الشَّخصيَّة، والتَّوقُّعات الشَّخصيَّة، وأن نكونَ لُطفاءَ وَحَسْب سواءَ خَضَعَ النَّاسُ لمعاييرِكَ أَم لم يَخضَعوا لها. وهذا اللُّطفُ يَعني أن نَكونَ شَفوقينَ. وهذه كلمةٌ سَهلةُ الفَهم: "شَفوقين"؛ أي أن نُعامِلَ النَّاسَ بِرِفْق. وإليكُم واحدة مِنَ الطَّرائقِ للقيامِ بذلك: "مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا".
وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّكَ لن تَتَمَكَّنَ مِنَ التَّمَثُّلِ باللهِ أكثرَ مِمَّا تَفعل حينَ تَغفِر، وحينَ تَكونُ لَطيفًا، وحينَ تَكونُ مُشْفِقًا وتَغفِر كما غَفَرَ اللهُ لَكَ. وَهُوَ ليسَ غُفرانًا سَطحيًّا، بل غُفرانٌ عَميقٌ، وغُفرانٌ سَخِيٌّ. وفي رسالة كولوسي 3: 13، يُعلِنُ بولسُ نَفسَ الحَقِّ العَظيمِ قَائِلاً: "مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا". أي أن تَغفِرَ بنَفسِ المِقدار، وبنفسِ السَّخاءِ الَّذي أَظْهَرَهُ اللهُ لَكَ - مِنَ القَلب. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ تَعليمَ يسوعَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامِس: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ... وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ".
وكما تَرَوْنَ فإنَّ ذلكَ يُظهِرُ قَلبًا غَفورًا. لماذا؟ لأنَّ العَددَ 45 يَقول: "لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات". ومَرَّةً أخرى أقولُ إنَّكَ لن تَتَشَبَّهَ باللهِ وتَصيرَ ابنًا لَهُ أكثرَ مِمَّا تَفعل حينَ تَغفِر. لِنَعُد إلى ذلك النَّصِّ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الرَّابع قليلاً. فهو يَقولُ في العدد 32 (كما قَرأتُ قبلَ قَليل): "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا". وكم كنتُ أتمنَّى لو أنَّهُ لا يوجد تَقسيمٌ للأصحاحاتِ هُنا لأنَّنا نَقرأُ حَالاً في الأصحاحِ الخامسِ والعددِ الأوَّل: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ". ومَرَّةً أخرى، أنتُم تَتَمَثَّلونَ باللهِ حينَ تَغفِرون. وبالمُناسبة، لقد كَتَبَ بولسُ رسالةَ أفسُس ورسالة كولوسي (أيْ هاتينِ الرِّسالتَيْن اللَّتينِ يَدعو فيهما إلى الغُفران) مِنَ السِّجن بعدَ أن سُجِنَ ظُلمًا وإجحافًا. فقد كانَ يُمارِسُ نَفسَ الفَضيلةِ الَّتي يَحُضُّ المُؤمِنينَ على مُمارستِها.
وهناكَ فِكرة أخرى، فيما نُفَكِّرُ في الغُفران، وهي التَّالية: أيًّا كانَ الشَّخصُ الَّذي أساءَ إليكَ فإنَّهُ أساءَ إلى اللهِ أكثر. أيًّا كانَ الشَّخصُ الَّذي أساءَ إليكَ فإنَّهُ أساءَ إلى اللهِ أكثر. وقد تَقول: "وما المَغزَى مِن ذلك؟" المَغزى هو: إن كانَ بمقدورِ اللهِ أن يَغفِرَ بالرَّغمِ مِنَ الإساءةِ الكبيرةِ الَّتي وُجِّهَت إليه، أَلا تَقدِرُ أنتَ أن تَغفِرَ لا سِيَّما أنَّ الإهانةَ الَّتي وُجِّهَت إليكَ أصَغر؟ وقد تَقول: "ما الَّذي تَعنيه بذلك؟" أعني بذلكَ ما هو مُشارٌ إليهِ بوضوح في المَزمور 51. فالمَزمور 51 كُتِبَ مِن قِبَلِ دَاوُد كما هي حالُ المَزمور 32 الَّذي قَرأناهُ سابقًا. وكِلاهُما كُتِبَ في وقتٍ كانَ فيهِ دَاوُدُ حَزينًا بسببِ إثمِهِ وخَطيَّتِهِ معَ بَثْشَبَع وبسببِ قَتْلِهِ لزوجِها أُورِيَّا. وفي خِضَمِّ نَدَمِهِ كَتَبَ المَزمورَيْن 32 و 51. ولكِنَّهُ في المَزمور 51: 4 يَذكُرُ النُّقطةَ التَّاليةَ المُهمَّةَ جدًّا بخصوصِ خَطيئتِه.
فلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ أخطأَ إلى بَثْشَبَع بأن أقامَ مَعها عَلاقةً جِنسيَّة. وقد أخطأَ إلى أُورِيَّا لأنَّهُ تَعَمَّدَ أن يَضَعَهُ في مَوقِعٍ خَطِرٍ في المَعركة لكي يَخسرَ حَياتَهُ. لِذا فقد كانَ مُذنِبًا بالزِّنا ومُذنِبًا بالقَتل. فقد أخطأَ بكُلِّ تأكيد إلى هَذينِ الشَّخصين. ولكِن لاحِظوا في العدد 4 ما يَقولُهُ في هذه الصَّلاة. فهو يَقولُ في العدد 3: "لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأتُ".
فعندما تَنظرُ إلى الخطيَّة، يجب عليكَ أن تُقِرَّ بأنَّ الخطيَّةَ هي بصورةٍ أساسيَّة ضِدَّ اللهِ لأنَّ اللهَ هو المِعيارُ المُقَدَّسُ الَّذي نَنْتَهِكُ نَاموسَهُ. "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأتُ". فمعَ أنَّها تَبدو في نَظَرِنا خَطيئةً جَسيمةً بِحَقِّ بَثْشَبَع، وخَطيئةً جَسيمةً بِحَقِّ أورِيَّا، فإنَّها إساءَة صَغيرة إليهِما، وإساءَة جَسيمة جدًّا إلى اللهِ نَفسِه.
والمَزمور 41: 4 يُنسَب أيضًا إلى داوُد: "أَنَا قُلْتُ: يَا رَبُّ ارْحَمْنِي. اشْفِ نَفْسِي لأَنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ". اسمَعوني: إنَّ اللهَ قُدُّوسٌ تَمامًا. فهو قُدُّوسٌ مُثَلَّثًا: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوس. وعَيناهُ "أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْر". وَهُوَ لا يُطيقُ الخَطيَّة، بل إنَّهُ يَمْقُتُ الخطيَّة، ويَكرَهُ الخَطيَّة. ومعَ أنَّهُ غَفورٌ، هُناكَ حَدٌّ لطُولِ أناتِه. وَهُوَ لا يَحتَمِلُ الخَطيَّةَ إلى الأبد. فسوفَ يأتي وقتُ دَينونةٍ وعَدالة. وَهُوَ يَقولُ ذلكَ في سِفْر الخُروج 34 والعَدد 7. فمعَ أنَّ اللهَ غَفورٌ فإنَّ هُناكَ حَدًّا لغُفرانِهِ لأنَّ قَداسَتَهُ ستَأخُذُ مَجراها حينَ يَتمادى الإنسانُ في الخطيَّة.
فهو قُدُّوسٌ تَمامًا. وَهُوَ يُطالِبُ في النِّهاية... يُطالِبُ في النِّهاية بعُقوبةٍ عادلةٍ للخطيَّة إمَّا مِنَ الخاطِئِ نَفسِهِ، وإمَّا مِن شَخصٍ بَديلٍ عنِ الخاطئ؛ وتَحديدًا مِنَ ابنِهِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح. وما نَعنيه بذلك هو أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ، وأنَّهُ وَضَعَ مِعيارًا مُقَدَّسًا حتَّى إنَّ الخُطاةَ الَّذينَ لم يَنالوا الغُفرانَ سيُدانونَ في النِّهاية في جَهنَّمَ الأبديَّة عِقابًا لَهُم. فلا جِدالَ في مِقدارِ قَداسةِ الله. وهذا في ذاتِهِ يَجعلُ غُفرانَهُ مُذهِلاً أكثر. فهذا يعني أنَّ اللهَ الكُلِّيَّ القَداسة، والَّذي يَتلقَّى إساءاتٍ مُريعة يَغفِر. لِذا أَلا يَجدُرُ بنا نحنُ الَّذينَ نَفتَقِرُ إلى القَداسةِ أن نَغفِر؟ لِذا، كيفَ يُعقَلُ أن يوجدَ أُناسٌ لا يَغفِرون؟ هذا عَجيبٌ حَقًّا! فأنتَ مَغرورٌ جدًّا بنفسِكَ إن كُنتَ لا تَغفِر! وأنتَ تَضَعُ نَفسكَ في مَكانةٍ أعلى مِنَ الله!
والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ مُلاحظةً في هذه النُّقطة: أنا أُوْمِنُ مِن قَلبي أنَّهُ يجب علينا أن نَغفِرَ كُلَّ الإساءاتِ في كُلِّ وقت. فمعَ أنَّ أعدائي والأشخاصَ الَّذينَ يَضطَهِدونَني ويَكرونَني لن يَطلُبوا مِنِّي الغُفرانَ فإنَّ يسوعَ قال: "أَحِبُّوا أعداءَكُم وأحسِنوا إليهم". وهذا يُظهِرُ مَوقفَ الغُفران. وسوفَ يكونُ هناكَ مُؤمنونَ يُسيئونَ إليكم وإليَّ. وسوفَ يَكونُ هُناكَ مُؤمنونَ مُرِّي النَّفس، ومَملوئينَ نَقمةً، ويُريدونَ الثَّأرَ، ويُريدونَ أن يَنتقموا لأنفسِهم، ويُريدونَ أن يَفعلوا أمورًا تُؤذينا لأنَّنا آذيناهُم، أو لأنَّهم يَتخيَّلونَ ذلك. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا ومِن كُلِّ قلبي أنَّهُ مِنَ المُهمِّ جدًّا أن نُظهِرَ لهُم كُلَّ لُطفٍ، وشَفَقَةٍ، ومَحبَّةٍ غَفورة، وتَفَهُّمٍ لِحَقيقةِ أنَّهُ لا يُمكنُ أن نَسترِدَّ أيَّ عَلاقةٍ ما لم تَكُن هناكَ تَوبةٌ حَقيقيَّةٌ مِن جانِبِهم.
فالعلاقةُ لا يُمكن أن تَكونَ كما ينبغي أن تكونَ إلاَّ إن كانَ هُناكَ سَعيٌ حَقيقيٌّ مِن جانِبِهم لاستعادةِ تلكَ العَلاقةِ مِن خلالِ الغُفران. ولكن اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شَيئًا: لا يُمكنكَ أن تَنتظرَ حُدوثَ ذلكَ في كُلِّ مَوقِف. وما أعنيه هو: انظر إلى ما يَحدُث في بَيتِك، وانظر إلى ما يَحدُث في زَواجِك، وانظُر إلى ما يَحدُث في عائلتِك. هل ستَسمحُ بتراكُمِ عَدَدٍ كبيرٍ مِنَ الإساءاتِ الَّتي رُبَّما اقترفَها أشخاصٌ آخرونَ بِحَقِّكَ، أوِ الآثامِ الَّتي رُبَّما اقترفَها آخرونَ ولم يأتوا للاعترافِ بها كُلِّها، ولم يَطلُبوا الغُفرانَ على كُلِّ خَطيَّةٍ وإثمٍ مِنها؟ هل ستَسمحُ بمُراكَمَةِ هذه الإساءة، وتلكَ الإساءة، وتلكَ الإساءة؟ لا أعتقدُ ذلك، بل أعتقدُ أنَّهُ يجب عليكَ أن تُحِبَّ كثيرًا وأن تَصفَحَ عن تلكَ الأشياء. فالمحبَّةُ تَستُرُ كَثْرَةً مِن ماذا؟ مِنَ الخَطايا.
فقد يَحدُث شَرْخٌ في تلك العلاقة إلى أن يَطلُبَ الشَّخصُ الآخرُ الغُفران، ولكن يجب أن يَنبُعَ ذلكَ الغُفرانُ مِنَ القلبِ وأن يُعرَضَ ويُقَدَّم؛ وإلاَّ سوفَ تَصيرُ مُرَّ النَّفس. فنحنُ نَتَعَرَّضُ عَرَضِيًّا للخطيَّة. فالخطيَّةُ هي ليست ضِدَّنا بصورة أساسيَّة، بل ضِدَّ الله. واللهُ يَغفِرُها لأولادِه. لِذا، ألاَ يَجدُرُ بِنا نحنُ أن نَغفِر؟ فذاكَ الَّذي تُوَجَّهُ إليهِ الإساءةُ الأكبر يَغفِر. ألاَ يَجدُر بنا أن نَغفِر؟ وهناكَ نُقطةٌ أخرى أَوَدُّ أن أَذكُرَها، وأعتقدُ أنَّ هَذا هو كُلُّ ما يَسمَحُ بهِ الوقتُ المُتاحُ لَديَّ؛ وهي نُقطة مُهمَّة جدًّا. وبالمُناسبة، إن أردتُم نَصًّا كِتابيًّا آخرَ عن ذلك فهو مَوجود في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 – إنجيل مَتَّى والأصحاح 18؛ وهي تلك القصَّة عنِ الرَّجُلِ الَّذي مَثَلَ أمامَ المَلِك (إن كُنتُم تَذكرونَها) في الأعداد مِن 21 إلى 35، وغَفَرَ لهُ المَلِكُ دَيْنًا كبيرًا جدًّا، ثُمَّ خَرَجَ وراحَ يَخنُقُ رَجُلاً آخرَ يَدينُ لهُ بِدَيْنٍ صَغير.
والمَغزى الَّذي قَصَدَهُ يَسوعُ هو: كيفَ تَقبَلُ غُفرانَ اللهِ على كُلِّ خَطاياكَ ولا تَغفِرُ لشخصٍ آخر؟ فإن كانَ اللهُ الَّذي غَفَرَ لكَ الكَثيرَ، وإن كانَ اللهُ الَّذي أُسيءَ إليكِ كَثيرًا، وإن كانَ اللهُ الَّذي يَملِكُ أعلى وأقدسَ مِعيارٍ قد غَفَرَ لكَ غُفرانًا تامًّا، أَلاَ يَجدُرُ بكَ أن تَغفِرَ للآخرين؟ فالنَّصُّ المَذكور في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 هو نَصٌّ مُهمٌّ جدًّا. وكم كنتُ أتمنَّى أن يَكونَ لدينا الوقتُ للتَّأمُّلِ فيه. ولكن هناكَ نُقطة أخيرة، وهي تُهَيِّئُنا للتَّقَدُّمِ إلى مائدةِ الرَّبّ، وهي التَّالية: الشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يُغفَر لَهُ. الشَّخصُ الَّذي لا يَغفِر لن يُغفَر لَهُ. وقد تَقول: "ماذا تَعني بذلك؟ هل تَقولُ إنَّ ذلكَ الشَّخصَ سيَموتُ ويَذهبُ إلى جَهنَّم؟"
لا، لا! فمِن جِهَة، إنَّ كُلَّ خَطاياكَ تُغفَر إن كنتَ تُؤمِنُ بيسوعَ المسيح. فنحنُ لا نَتحدَّثُ عن مَصيرِكَ الأبديِّ، بل نَتحدَّثُ عن فَرَحِكَ، وسَلامِكَ، ونَفْعِكَ، وشَرِكَتِك. ونحنُ نَتحدَّثُ عَمَّا جَرى بينَ يَسوع وبُطرس حينَ قالَ بُطرس: أريدُ أن تَغسِلَني كُلِّي" فقالَ لهُ يَسوعُ: "لقد اغتسلتَ، ولكنَّكَ بحاجة فقط إلى غَسْلِ رِجْلَيْكَ". فالأمرُ لا يَختصُّ بطَهارَتِكَ. فأنتَ طَاهِر. ولكنَّ رِجْلَيْكَ تَلتقِطان أوسَاخًا تَجعلُكَ غيرَ لائِقٍ بالاتِّكاءِ إلى المائدة مَعَنا. وفي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادس، هناكَ نَصٌّ مُهمٌّ جدًّا في الكتابِ المقدَّسِ إذْ إنَّ يَسوعَ عَلَّمَنا أن نُصَلِّي هكذا: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا".
ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 14: "فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ". وهذا يُوَضِّحُ هذه النُّقطةَ تَمامًا. فاللهُ سيَغفِرُ لكَ إن غَفرتَ للآخرين. والغُفرانُ الأبديُّ هو أمرٌ مَحسومٌ. فقد ضَمِنَّا ذلكَ في تَبريرِنا. وهذا يَحسِمُ مَسألةَ البَرَكةِ المُستقبليَّة. أمَّا الغُفرانُ الزَّمَنِيُّ (لا الغُفران الأبديّ)، الغُفرانُ الزَّمنيُّ هو شيءٌ نَحتاجُ إليهِ في تَقديسِنا. وهذا يَحسِمُ مَسألةَ البَرَكةِ الحَاليَّة. هل تَفهمونَ الفَرقَ؟ فالغُفرانُ الأبديُّ نَحصُلُ عليهِ عندَ تَبريرِنا، وهو يَحسِمُ مَسألةَ البَرَكةِ المُستقبليَّة. أمَّا الغُفرانُ الزَّمنيُّ فنحتاجُ إليهِ مِن أجلِ تَقديسِنا، وهو يَحسِمُ مَسألةَ البَرَكةِ في الزَّمانِ الحَاضِر.
والنُّقطة هي: إن لم تَغفِر للآخرينَ (بصورة مُنتظمة ودائمة وتامَّة) فإنَّ اللهَ لن يَغفِر لكَ في الزَّمانِ الحاضِر. وإن لم تَحصُل على الغُفرانِ في الزَّمانِ الحاضِر، هناكَ أمور عديدة ستَحدُث. فسوفَ تَفقِدُ البَرَكَة، وسوفَ تَقَعُ تَحتَ التَّأديب. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ المَثَلَ الوارِدَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 عنِ الرَّجُلِ الَّذي لم يَغفِر بالرَّغمِ مِن أنَّهُ نَالَ الغُفران؛ وهذا يَعني أنَّهُ كانَ مُؤمِنًا. فهذا هو ما يَقولُهُ المَثَل. فقد كانَ مُؤمِنًا نَالَ عُفرانًا تامًّا مِنَ الله، ولكنَّهُ لم يَغفِر لأخيهِ الإنسان. لِذا فقد أَمَرَ المَلِكُ بإحضارِهِ وجَلدِه. فاللهُ يُؤدِّبُ الَّذينَ لا يَغفِرونَ للآخرين. وأحيانًا قد يُؤدِّبُهم حتَّى المَوت.
وعَبْرَ السِّنينِ الَّتي خَدمتُ فيها بِصِفتي راعيًا، وهي سَنواتٌ طويلةٌ الآن، وَجدتُ أنَّ هُناكَ فَراغًا، وجَفافًا وكَدَرًا كبيرًا، ونَقصًا في الفَرحٍ، ونَقصًا في الهِمَّةِ، ونَقصًا في النَّفعِ في حياةِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يُظهِروا قَلبًا غَفورًا. والسَّببُ في ذلكَ يَرجِعُ إلى أنَّ بَركةَ اللهِ حُجِبَتْ عنهُم بسببِ عَدَمِ استعدادِهم للغُفران. وأحيانًا يَجلِسُ شخصٌ مَعي ويقول: "إنَّ فُلانًا يَقولُ كَذا عَنِّي، وفُلانًا يَقولُ كَذا عَنِّي، وقد سَمِعتُ أشخاصًا يَقولونَ كَذا عَنِّي، وأنا غاضِبٌ مِن كُلِّ هذا، وأنا مُنزعِجٌ مِن كُلِّ هذا". وسؤالي هو: ماذا تَعتقدُ أنَّ الرَّبَّ يُحاولُ أن يَفعلَ في حَياتِك؟ هل تَعتقدُ أنَّ هُناكَ سَبَبًا مَا لكُلِّ هذه المَشاعِرِ الَّتي تَشعُر بها؟
بعبارة أخرى، إنَّ المَعنى الضِّمنيَّ هو: هل يُمكنُ أن يَكونَ هذا الأمرُ تَأديبًا؟ هل فَحصتَ قَلبَكَ؟ فما أسمَعُهُ يَخرُجُ مِن قَلبِكَ هو الغَضبَ، وما أسمَعُهُ يَخرُجُ مِن قَلبِكَ هو المَرارة. ورُبَّما كانَ عَدمُ الغُفرانِ هو السَّببُ في تَصعيدِ كُلِّ هذه التَجارِب. فيجب علينا أن نَغفِر لأنَّنا بذلكَ نَتَشَبَّهُ باللهِ ونُبَرهِنُ على أنَّنا أولادُهُ. ويجب علينا أن نَغفِرَ لأنَّ اللهَ القُدُّوسَ يَغفِر. لِذا، أَلاَ يَجدُرُ بنا نَحنُ البَشَر أن نَغفِر؟ ويجب علينا أن نَغفِرَ لأنَّهُ قد غَفِرَت خَطايانا الجَسيمة تُجاهَ اللهِ. لِذا، يجب علينا أن نَغفرَ الخَطايا الأصغرَ الَّتي ارتُكِبَت بِحَقِّنا. ويجب علينا أن نَغفِرَ لأنَّ عَدَمَ الغُفرانِ يَجعلُنا نَتنازَلُ عن شَركَتِنا معَ الإخوةِ ومَحبَّتِنا المُتبادلة، ويُعَرِّضُنا للتَّأديب. كذلك، إن لم نَغفِر، لا يَجوزُ لنا أن نَتقدَّمَ إلى مَائدةِ الرَّبِّ، ولا يَجوزُ لنا أن نَعبُدَ اللهَ.
وفي نَفسِ العِظة على الجَبلِ الَّتي عَلَّمَنا فيها يَسوعُ كيفَ نُصَلِّي، وتَحَدَّثَ عنِ الغُفران، ارجِعوا أَصْحَاحًا واحدًا إلى الأصحاحِ الخامِس والعَددَيْن 23 و 24: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ". وهذا تَعليمٌ أساسيٌّ جدًّا. فإن كُنتَ تُضْمِرُ ضَغينةً تُجاهَ شَخصٍ مَا، يجبُ عليكَ أن تُعالِجَ الأمر. فيجب أن تَحدُثَ المُصالحةُ قبلَ العِبادة. فإن كان هناكَ مَرارة وغَضَب وعدم غُفران، يجب عليكَ أن تَفعلَ كُلَّ ما يَلزَمُ لمُعالجةِ الأمر. فإن كانَت هُناكَ خَطيَّةُ عَدمِ غُفران، لن يَقبلَ اللهُ عِبادَتَك. وهذا يُرينا الأهميَّةَ البالِغَةَ للغُفران.
تَلخيصًا لِما سَبَق، إليكُم هذه الجُملة الَّتي قالَها قِدِّيسٌ مَجهول: "قد يَبدو الانتقامُ حُلوًا للبَشر، ولكنَّهُ مُجَرَّدُ سُمٍّ مُغَلَّفٍ بالسُّكَّر، أو شَيئًا مُرًّا مُحَلَّى؛ ولكنَّ مَذاقَهُ في النِّهاية مُرٌّ كَجَهَنَّم. أمَّا الغُفرانُ والمَحبَّةُ الصَّفوحَة فحُلوة ومُبهِجَة وتَجعلُ المَرءَ يَتمتَّعُ بِسلامِ اللهِ وإحسانِهِ. فَمِن خِلالِ الغُفرانِ يُمكِنُنا أن نُداوي الجُروحَ ونَشفيها، ويُمكنُنا أن نُعامِلَ الشَّخصَ الَّذي أساءَ إلينا كما لو أنَهُ لم يُسِئ إلينا. لِذا فإنَّهُ لا يَشعُرُ بالقَسوةِ والألمِ الَّذي تَسَبَّبَ فيه. والغُفرانُ تُرْسٌ تَرتدُّ عنهُ كُلُّ السِّهامِ النَّاريَّةِ الَّتي يُطلِقُها الشِّرِّيرُ فَلا تُؤذينا. والغُفرانُ يُقَرِّبُ السَّماءَ مِنَ الأرض، ويَجعلُ سَلامَ السَّماءِ يَحِلُّ في قَلبِ الشَّخصِ الخَاطِئ. والغُفرانُ هو صُورةُ اللهِ الآبِ الغَفور. وهو يُسهِمُ في انتشارِ مَلكوتِ المَسيحِ في العالَم". فأنتُم لا تُشبهونَ اللهَ أكثرَ مِمَّا تُشبهونَهُ حينَ تَغفِرون.
يا أبانا، نَشكُرُكَ الآنَ مَرَّةً أخرى على هذا التَّذكير. وحينَ نَتأمَّلُ في مَوضوعِ الغُفرانِ لا يَسَعُنا بِكُلِّ تأكيدٍ إلاَّ أن نَنظُرَ إلى الصَّليبِ لأنَّهُ المَكانُ الَّذي مَنَحتَنا فيهِ ذلكَ الغُفرانَ في المَسيح بصورةٍ واضحةٍ تمامًا. ونحنُ نَتقدَّمُ الآنَ للاشتراكِ في الخُبزِ والكأس؛ ولكنَّنا لا نُريدُ أن نَفعلَ ذلكَ دُونَ استِحقاق، ولا نُريدُ أن نُقَدِّمَ تَسبيحَنا وعِبادتَنا إليكَ إن كانت هُناكَ مَرارة أو نَقمة أو كانَ هُناكَ غَضبٌ في قُلوبِنا، بل نُريدُ أن نَتيقَّنَ مِن أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. وفي حَالاتٍ مُعيَّنة، لا يُمكنُنا أن نَشتركَ في المائدةِ إلاَّ إن ذَهبنا إلى أخينا وتَصالَحنا مَعَهُ. ونحنُ نُصَلِّي يا رَبُّ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يَشعرونَ بالمَرارةِ أوِ الضَّغينةِ لأنَّكَ لا تُسَرُّ بذلك.
ونحنُ نَسألُكَ يا رَبُّ، بِكُلِّ تأكيدٍ، أن تَقودَهُم إلى التَّوبة، وألاَّ تُضْطَرَّ إلى تأديبِهم، وألاَّ يَكونوا سَببًا في تَمزيقِ الوَحدةِ والفَرحِ في حياةِ الآخرينَ أيضًا. أعطِنا قَلبًا غَفورًا تَمامًا. اغمُرنا بتلكَ المَحبَّة الغَفورةِ الَّتي وَعَدْتَ أن تَسكُبَها في قُلوبِنا مِن خلالِ الرُّوح. والآن يا رَبّ، فيما نُهَيِّئ أنفسَنا لمائدتِك، نَسألُكَ أن تُبعِدَ أفكارَنا عن أيِّ أُمورٍ شَخصيَّة حَتَّى لا نُفَكِّرَ في الآخرينَ، بل نَفحصَ قُلوبَنا ونَستخدمَ هذهِ الفُرصةَ للاعتِراف. نَبِّهنا إلى أيَّة خَطيَّة لكي نَعترف بها أمامَكَ. طَهِّرنا واغسِلنا لأنَّنا لا نُريدُ أن نَتقدَّمَ إلى هذهِ المائدةِ دُونَ استِحقاقٍ، ولا أن نأكُلَ ونَشربَ دَينونةً لأنفسِنا بسببِ تَأديبِكَ لنا.
ويا رَبُّ، فيما يَخُصُّ الأشخاصَ الَّذينَ لا يَعرفونَ المسيحَ فإنَّ هذهِ المائدةَ ليست لَهُم لأنَّهم لا يَستطيعونَ أن يَعبُدوا المُخَلِّصَ، ولا يَستطيعونَ أن يَحتفلوا بموتِ المسيحِ الَّذي لا يَعني مَوتُهُ أيَّ شَيءٍ لَهُم ما لم يَفتحوا الآنَ قُلوبَهُم ويَقبلوا يسوعَ مُخَلِّصًا، وما لم يَقبَلوا غُفرانَهُ ورَحمتَهُ. يا رُوحَ اللهِ القُدُّوس، أرْشِدنا فيما نَفحصُ قُلوبَنا ونُهَيِّئها للاشتراكِ في المائدة.
This article is also available and sold as a booklet.
